وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ ١. فتبين أن نوحا ﵇ دعا قومه إلى ترك عبادة هذه الأصنام، والبراءة منها، والكفر بها. وكذلك هود ﵇ دعا قومه إلى عبادة الله وحده، وترك ما كان يعبده آباؤهم كما أخبر تعالى عنهم أنهم قالوا له: ﴿أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ماكان يعبد آباؤنا﴾ ٢.
ومعلوم أن آباءهم لم يكونوا يعبدون كليا ذهنيا لا يوجد إلا في الذهن، بل يعبدون أشخاصا موجودة في الخارج، وقد قالوا لهود ﵇: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ ٣. وقد تقدم من الأدلة ما يدل على أن المنفي والمنهي عنه هو عبادة الأصنام والأوثان والطواغيت التي تعبد من دون الله كما قال -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٤، ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ ٥. فلا يشك مسلم -بل كل من له عقل- أن الطواغيت التي يعبدها المشركون موجودة في الخارج، والقرآن من أوله إلى آخره يدل على هذا.
[المنفي بكلمة التوحيد كل ما عبد ويعبد من دون الله]
فيا من لا يعرف من كلمة الإخلاص ما عرفه عوام المسلمين! ارجع إلى نفسك، وتأمل ما وقعت فيه، أما علمت أن لا النافية إنما وضعت لغة لنفي الجنس تنصيصا؟ والجنس الذي وضعت له لا بد له من أشخاص متعددة في الخارج، قديمة وحديثة، يعبدها كل مشرك؟ وليست كليا لا يوجد إلا في الذهن؟
فإن هذه الدعوى الباطلة لم يقل بها مسلم في معنى كلمة الإخلاص، حتى المشركين في لغاتهم لا يعرفون أن هذا معناها، ولا أنها سلبت مفهوم الإله، بل عرفوا كلهم أن من دعاهم إلى أن يقولوا: "لا إله إلا الله". فإنما أراد منهم ترك ما كانوا يعبدونه من أصنامهم وأوثانهم، وطواغيتهم التي كانت عندهم يعبدونها من دون الله.
أما قريش والعرب، فأخبر الله -تعالى- عنهم أنهم لما قال لهم رسول الله ﷺ : "قولوا لا إله إلا الله"٦ قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ ٧ إلى قوله: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ ٨، وآلهتهم: اللات والعزى ومناة التي
стр. 2067
كانت حول الكعبة، فهذا هو المراد من هذه الكلمة من لغتهم، لا يعرفون غير ذلك.
فمعنى النفي في هذه الكلمة ترك عبادة الأوثان، والبراءة منها، والكفر بها، وعداوتها، وعداوة من عبدها. وقد كان العرب يقولون في تلبيتهم: "لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك". والشريك إنما هو أوثانهم، أشركوها مع الله في العبادة، واتخذوها أندادا كما قال -تعالى-: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ ١، ومفهوم الإله الذي لا يوجد إلا ذهنا لا يوصف بالاتخاذ ولا بالمحبة، بل ولا له ثبوت.
[التوحيد هو الكفر بالطواغيت والأصنام وإخلاص العبادة لله وحده]
وتأمل ما فهمه أعداء الرسل لما دعتهم الرسل إلى أن يعبدوا الله وحده: قال -تعالى- عن قوم هود: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ ٢، وقالوا: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾ ٣، عرفوا أنه دعاهم إلى ترك عبادتها والبراءة منها، قال -تعالى-: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٤.
والمفهوم الكلي الذي لا يوجد في الخارج لا يوصف بهذه الصفات، ولا يجمع بهذا الجمع، بل ولا يتصور أن يدعى من دون الله.
وقال -تعالى- عن قوم صالح: ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ ٥ عرفوا أنه أراد منهم ونهاهم أن يعبدوا ما يعبد آباؤهم من الأوثان.
وقال -تعالى- عن قوم شعيب: ﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ ٦، عرفوا في لغاتهم أنه نهاهم عن عبادة ما كان يعبد آباؤهم من الأوثان الموجودة في الخارج.
وتأمل قول الله -تعالى-: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ ٧، وقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ ٨، وقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ ٩، وقال: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾ ١٠، وقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ١١. ولا شك عند من له أدنى مسكة من عقل أن
стр. 2068
الذي اتخذه المشركون يعبدونه من دون الله أشخاصًا متعددة في القرآن من هذا النمط لا تحصى.
والمقصود أن الرسل من أولهم إلى آخرهم دعوا أممهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وترك عبادة ما كانوا يعبدونه من دونه، والكفر به، والبراءة منه، كما أفصح عن ذلك خليل الرحمن إبراهيم كما قال -تعالى-: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ١، وقال: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ ٢، وقال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ ٣.
فالنهي عن عبادة الأصنام والطواغيت، والبراءة منها، والكفر بها، وإخلاص العبادة لله وحده هو التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأفصح القرآن عنه، وجرى بسبب جحوده على الأمم والمشركين ما جرى من العذاب والذهاب والعقاب، فإن هذا من سلب مفهوم ذهني لا يفيد شركا ولا براءة ولا عداوة.
فسبحان من طبع من شاء من عباده عن فهم ما بعث الله به رسله من توحيده في العبادة، وصرفهم عن فهم الأدلة التي أظهر فيها لعباده مراده، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وبهذا يتبين فساد ما لبس به هذا المفتري في معنى كلمة التوحيد، وأنه مصادم لما في كتاب الله من تفسير هذه الكلمة العظيمة، ومناقض لما بعث الله به رسله من إخلاص العبادة له، وترك عبادة ما سواه، والبراءة منها؛ وهذا أظهر شيء في القرآن وأبينه، لا يمتري فيه مسلم.
ونشير إلى ما ذكره بعض العلماء في أصل هذه المقالة وبطلانها.
[معنى لا إله إلا الله وإعرابها عند الكوراني]
قال إبراهيم بن سعد الكوراني في مصنفه في بيان معنى "لا إله إلا الله" وإعرابها،
стр. 2069
وإنها دلت على توحيد الإلهية مطابقة وتضمنا وما دلت عليه التزاما، وذكر كلاما في تقرير هذا المعنى، وذكر أن بعضهم اشترط في لا النافية للجنس في هذه الكلمة الوحدة الذهنية، فجعلوا الجنس المنفي واحدا لا يوجد إلا ذهنا. قال: وبما ذكرناه يتضح أنه لا يصح أن يقال: نأخذ الجنس بشرط الوحدة الذهنية فتكون القضية طبيعية.
(أما أولا): فالمراد بالجنس -بلا شرط- الصالح للصدق على الأفراد، كما هو الشأن في موضوع القضايا.
(وأما ثانيا): فلأن الكلام يخرج عن إفادة التوحيد بالكلية، لأن حاصله حينئذ هذا الجنس المأخوذ بشرط الوحدة الذهنية المغايرة لله تعالى منتف، وليس هذا من التوحيد في شيء، ولا شم من رائحة الدلالة عليه.
(ويقال ثالثا): إن أريد أن هذا الجنس منتف في الذهن فهو قطعي البطلان، إذ كل من ينطق بهذا التوحيد مستحضرا لمعناه قد تحقق هذا الجنس في ذهنه، فكيف يصلح نفيه؟ وعلى كل حال فلا يصح تفسيرا لهذه الكلمة، لأن المراد من "لا إله إلا الله" هو الدلالة على توحيد الألوهية، وهذا معلوم بالضرورة، وعلى تفسيرهم يكون بينه وبين الدلالة على التوحيد بُعد المشرقين.
(قلت): وهذا الذي ذكره إبراهيم بن سعد من اشتراطهم أن يكون الجنس فردا لا يؤخذ إلا ذهنا، هو الذي صرح به هذا الملحد في ورقته، وهو أن "لا" في كلمة التوحيد سلبت مفهوم الإله الذي لا يوجد إلا ذهنا، وقد عرفت بعد هذا عن التوحيد الذي دلت عليه كلمة الإخلاص.
ولقد صرفوا هذه الكلمة العظيمة عما وضعت له وأريد بها لغة وشرعا وعقلا وفطرة، فإنها وضعت للبراءة من كل ما يعبد من دون الله، وإبطال عبادته، والكفر به؛ وقد عرف هذا كل أحد حتى مشركو الأمم، ومشركو العرب كما تقدم بيانه.
[الرد على من صرف كلمة التوحيد عن معناها]
وأما قوله: وخلاصة المعنى سلب مفهوم الإله لما سوى الله وإيجابه له وانحصاره
стр. 2070
فيه. وصرح بهذا المراد بـ"إلا الله"، فمراده بقوله: وإيجابه له وانحصاره فيه، هذا هو توحيد الفلاسفة وأهل الوحدة، فإن الله عندهم مسماه: الكون المطلق، فكل ما كان خارجا عن الذهن من الأشخاص فقد دخل في مسمى الله، فكل ما في الكون من خبيث وطيب فهو الله، كما ذكره شيخ الإسلام وابن القيم وغيره عنهم. فواجب الوجود والممكن كله داخل في هذا المسمى عندهم، وقد صرحوا بهذا في كتبهم، فلم يفرقوا بين الخالق والمخلوق، وقد قدمنا التنبيه في كلام شيخ الإسلام وابن القيم -رحمهما تعالى- كما ذكر إبراهيم بن سعد ذلك عنهم، وكما قال العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى-:
يا أمة معبودها موطوؤها ... أين الإله وثغرة الطعان؟
والناصح لنفسه يكون من هؤلاء الملبسة على حذر، ولا يهمل السؤال عنهم وعن مذاهبهم، وما يخدعون به العامة من زخرف القول، الذي ربما يظن الجاهل أنه حق، وهو عبارة هؤلاء عن باطلهم، كما نبه على ذلك شيخ الإسلام من وضعهم أسماء الحق على باطلهم، وكل طائفة من أهل البدع لها توحيد. وهذا الذي ذكرناه هو توحيد الفلاسفة والاتحادية، وقد أضلوا بما موهوا به كثيرا ممن ينتسب إلى العلم.
يا قومنا, الله في إسلامكم ... لا تفسدوه لنخوة الشيطان
وتأمل ما ذكره الفخر الرازي في معنى "لا إله إلا الله"، فإنه قال: التحقيق أن المضمر المرفوع بـ"إله" راجع بالحقيقة إلى نفي الأعيان التي سموها آلهة من حيث إنها آلهة، لا إلى وجودها في حد ذاتها ضرورة أنها موجودة في الخارج بالفعل محسوسة. وحاصله نفي كل فرد من أفراد إله من تلك الحيثية غير الله راجع إلى نفي الألوهية عن كل موجود غير الله. انتهى.
فتأمل قوله: راجع إلى نفي الأعيان التي سموها آلهة. (قلت): وهو الحق، لأنها نفت إلهية كل مألوه يألهه المشركون غير الله، من كل صنم ووثن وشريك
стр. 2071
وطاغوت، وهذا هو مدلول "لا إله إلا الله": نفي إلهية كل ما يؤله من دون الله. وقوله: لا إلى وجودها، دفعا لقول من قال: إن الخبر المضمر موجود، وقد بيّن وجه ذلك، وتقديره للخبر بأحد قريب مما تقدم في المعنى.
[المنفي في كلمة التوحيد الإلهية الكثيرة الموجودة في الخارج]
وتأمل قوله: وحاصله نفي كل فرد من أفراد إله. فبيّن أن المنفي له أفراد كثيرة، وهذا ظاهر بيّن لا يمنعه أحد، كما هو ظاهر في الكتاب والسنة واللغة والفطرة خلافا للفلاسفة.
وكذلك قوله: راجع إلى نفي الإلهية عن كل موجود غير الله، وهذا هو الذي يعرفه الناس كلهم إلا ما كان من هذه الطائفة ومن أهل الوحدة، فإنهم ألحدوا في التوحيد، وأتوا بكل ما يستحيل عقلا وشرعا. فسبحان الله، والله أكبر، أيجوز في عقل أن المشركين من أولهم إلى آخرهم الذين عبدوا مع الله غيره أنهم إنما عبدوا فردا في الذهن لا وجود له في الخارج؟! هذا أمحل المحال، وأبطل الباطل.
وقد نبهت فيما تقدم على أنهم أرادوا بهذا أن الأصنام والأوثان والطواغيت لا تدخل في المنفي لأنها من جملة الوجود الذي يسمونها الله.
وأقول أيضا: الآلهة هي الأنداد والطواغيت والشركاء، وقد قال -تعالى-: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١، فذكرها مجموعة لكثرة أفرادها في الخارج، وقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ ٢، فذكرها بصيغة الجمع يدل على كثرة أفرادها، وقال -تعالى-: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ٣، وقال: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ ٤.
وهذه الآيات تدل على أن المعبودات التي تعبد من دون الله كثيرة من الطواغيت وغيرها كقوله في آية البقرة: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ ٥، وكقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ ٦، ولا ريب أن الجن لهم وجود في الخارج، وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ٧.
فدلت هذه الآيات على أن لهذه المعبودات أفرادا كثيرة، وكلها منتفية بـ"لا إله إلا
стр. 2072
الله"، كما قال -تعالى-: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ١، وهذا واضح بحمد الله، فبطل ما اختلقه الفيلسوف، وتبين به إلحاده في التوحيد الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ ٢.
[وضع الأسماء الشرعية للمسميات البدعية]
واعلم أن هؤلاء الزنادقة قد طردوا أصلهم هذا حتى في الإيمان، كما قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في كتاب الإيمان عن هؤلاء:
إنهم يثبتون لهذه المسميات وجودا مطلقا مجردا عن جميع القيود والصفات، وهذا لا حقيقة له في الخارج، وإنما هو شيء يقدره الإنسان في ذهنه، كما يقدر موجودا لا قديما ولا محدثا، ويقدر إنسانا لا موجودا ولا معدوما، ويقول الماهية من حيث هي لا توصف بوجود ولا عدم، ويقول الماهية من حيث هي هي شيء يقدره الذهن، وذلك موجود في الذهن لا في الخارج، فهكذا الإيمان يقدر إيمانا لا يتصف به مؤمن، بل هو مجرد عن كل قيد، كتقدير إنسان لا يكون موجودا ولا معدوما، بل ما ثم إيمان إلا مع المؤمنين.*
(قلت): وكذلك إله لا يوجد إلا مع مألوه تألهه القلوب بالعبادة، وقد أشرت إلى ما ذكره شيخ الإسلام عن هذه الطائفة كابن سينا ومن سبقه، أخذوا أسماء جاء بها الشرع، ووضعوا لها مسميات مخالفة لمسميات صاحب الشرع، ثم صاروا يتكلمون بتلك الأسماء، فيظن الجاهل أنهم قصدوا بها ما قصده صاحب الشرع، فأخذوا مخ الفلسفة فكسوه ثوب الشريعة، وهذا كلفظ الملك والملكوت والجبروت واللوح المحفوظ، والملك والملكوت والشيطان والحدث والقدم وغير ذلك. وقد ذكرنا من ذلك طرفا في الرد على الاتحادية، لما ذكرنا قول ابن سبعين، وابن عربي، وما يوجد في كلام أبي حامد، وغيره من أصول الفلاسفة
стр. 2073
والملاحدة التي يحرفون بها كلام الله ورسوله عن مواضعه، كما فعلت القرامطة الباطنية. انتهى كلامه -رحمه الله تعالى-.*
والمقصود من هذا الجواب بيان ما قد يفتريه الجاهل من كلام هؤلاء الذين يلبسون على العامة، فيأتونهم بما لا يعرفون أنه حق وباطل، فربما اعتقدوه تعليلا لهؤلاء، فيقعون في حيرة وشك، وهم قبل الابتلاء بهؤلاء في عافية. فسبحان مقلب القلوب.
والأصل في ذلك ما أشار إليه شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في مثل هؤلاء: أنه ليس عندهم من علم القلب ومعرفته ويقينه ما يدفع الريب، ولا عندهم من قوة الحب لله ورسوله ما يقدمونه على الأهل والمال، وهؤلاء إن عوفوا من المحنة وماتوا دخلوا الجنة، وإن ابتلوا بمن يدخل عليهم شبهات توجب ريبهم فإن لم ينعم الله عليهم بما يزيل الريب، وإلا صاروا مرتابين، وانتقلوا إلى نوع من النفاق. انتهى كلامه -رحمه الله تعالى-.**
فليكن العبد المؤمن من المحنة بأهل الأهواء على حذر، ومن دنياه على خطر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
اللهم مصرف القلوب اصرف قلوبنا على توحيدك وطاعتك وتقواك، وأقم لنا ديننا الذي ارتضيته لنا، وثبتنا عليه، اللهم زيّنا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين.
[تفسير العلماء لكلمة التوحيد]
ونختم الجواب بذكر ما ذكر العلماء -رحمهم الله تعالى- في معنى "لا إله إلا الله":
قال ابن رجب -رحمه الله تعالى-: الكلام على "لا إله إلا الله": الإله هو الذي يطاع فلا يعصى، هيبة له وإجلالا ومحبة وخوفا ورجاء وتوكلا وسؤالا منه ودعاء له. ولا يصلح ذلك كله إلا لله ، فمن أشرك مخلوقا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية كان ذلك قدحا في إخلاصه في قول "لا إله إلا الله"، وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك.
وقال البقاعي: "لا إله إلا الله" أي: انتفى انتفاء عظيما أن يكون معبودا بحق
стр. 2074
غير الملك الأعظم، فإن هذا العلم هو أعظم الذكرى المنجية من أهوال الساعة، وإنما يكون علما نافعا إذا كان مع الإذعان والعمل بما تقتضيه، وإلا فهو جهل صرف.
وقال الطيبي: الإله فعال بمعنى مفعول، كالكتاب بمعنى المكتوب، من أله إلاهة، أي عبد عبادة.
(قلت): وهذا الذي ذكره الطيبي -رحمه الله تعالى- على معنى ما ثبت عن ابن عباس ﵄ أنه قرأ: ﴿ويذرك وإلاهتك﴾ قال: لأنه كان يعبد ولا يعبد. وهذا ظاهر بحمد الله لمن تدبر القرآن، وعرف حقيقة الإسلام والإيمان.
والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا.
стр. 2075
[ذيل للرد للعلامة ابن بطين]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين -وفقه الله -تعالى- ورحمه وغفر له- لما ذكر له الشيخ عبد الرحمن بن حسن أن يرد على المحمود لما غلط في معنى "لا إله إلا الله"، وقال بعد السلام ورحمة الله وبركاته وغير ذلك: ذكرت لي أني أكتب على كلام الدرويش الذي عندكم في بيان بعض ما فيه من العيب، والذي كتبتم عليه فيه كفاية، لكن نذكر على بعض ألفاظه بيان مخالفته للحق.
منها قوله: "الحمد لله المتوحد بجميع الجهات" فنقول: لا يشك من سمع هذا الكلام في أن المراد بالجهات الجهات الست، التي يقول المعطل فيها: إن الرب من الجهات الست خالٍ، والاتحادي يقول: إنه سبحانه متحد فيها، والحلولي يقول: إن الله سبحانه حالٌّ فيها. تعالى الله عما يقول الجميع علوا كبيرا. وأهل السنة والجماعة يقولون: إن الرب سبحانه مستو على عرشه بائن من خلقه.
وظاهر قول الرجل: "المتوحد بجميع الجهات"، يشبه قول الاتحادية، وإن حملت الباء على الظرفية شابه قول الحلولية، وربما يظن أنه لعجمته يعبر بعبارات لا يعرف معناها، لكن سمعت أنه قد شرع في وضع حاشية على النونية، ولا يتنَزل لذلك إلا من يدعي تمام المعرفة. وحكي عنه أنه يقول: مرادي بالجهات جهات التوحيد الثلاث وهو توحيد الربوبية، والإلهية، والأسماء والصفات. وهذا بعيد من كلامه لأن هذه تسمى أنواعا لا جهات. وبكل حال فظاهر كلامه يخالف ما عليه أهل السنة والجماعة، لكن ينبغي أولا إحضاره، ويبين له ما في كلامه مما ظاهره خلاف الحق، وتبين له الأدلة الشرعية على خلاف ما يوهمه كلامه، فإن اعترف فهو المطلوب والحمد لله.
وفي كلامه من العيب والركاكة كثير، كقوله: "لا شريك له في الذات ولا في
стр. 2076
الصفات" فنفى الشركة في الذات، ولم يقل أحد من بني آدم إن لله شريكا في ذاته حتى يحتاج إلى نفي ذلك، وإنما يقول أهل الحق: "لا شبيه له في ذاته ولا في صفاته" ردا لقول المشبهة. فهذا من قوله: "لا شريك له في ذاته" يدل على قلة معرفته في هذا الباب.
وكذلك قوله: "لا شريك له في الملك فضلا عن الملكوت". فأشار بقوله: "فضلا عن الملكوت" إلى بعد ما بينهما، وقد ذكر العلماء أن الملكوت هو الملك، وإنما زيدت التاء للمبالغة في التعظيم.
وكذلك قوله في إعراب "لا إله إلا الله ": "من قبيل استثناء الجزئي من الكلي". فجعله استثناء للاسم الكريم من نوع استثناء الجزئي من الكلي غلط، بل الجزئي مقابل الكلي وقسيمه لا قسم منه، فالكلي ما اشترك في معناه كثيرون كالإنسان والحيوان، والجزئي يراد به الأسماء الأعلام كزيد وعمرو، والاسم الكريم أعرف المعارف كما قال سيبويه وغيره.
وكذلك قوله في إعراب "لا إله إلا الله": "إنه كقولنا لا شمس إلا الشمس". لأن قول القائل: "لا شمس إلا الشمس" لفظ لا فائدة فيه، وأيضا فاسم الشمس من الألفاظ الكلية؛ لقولهم في تعريف الكلي: ما لا يمنع تصور معناه من وقوع الشركة فيه، فهو الكلي سواء وقعت الشركة كالإنسان، أو لم تقع وأمكنت كالشمس، أو استحالت كالإله. فإن استحالة ذلك للأدلة القاطعة عليه، فجعل الاسم الكريم الذي هو أرفع الأعلام، وأعرف المعارف مثل الشمس التي هي من الألفاظ الكلية غلط. بل الموافق لقولنا: "لا شمس إلا الشمس" قول القائل: "لا إله إلا الإله"، وهذا لفظ مع الإطلاق، لا يستفاد منه توحيد الإلهية لله رب العالمين.
هذا وكثير من كلامه جعجعة بلا طحن، فنسأل الله أن يهدينا وجميع الأمة إلى صراطه المستقيم. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 2077
مسائل وفتاوى
تأليف
شيخنا وإمامنا، ناصر السنة، وقامع البدعة
الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب
أجزل الله لهم الأجر والثواب آمين
من مطبوعات صاحب الجلالة السعودية ومحيي السنة المحمدية
الإمام عبد العزيز آل سعود
ملك الحجاز ونجد وملحقاتها
وقد وقفه على من ينتفع به من أهل العلم والدين
لا يحل لمن وقع بيده بيعه
стр. 2078
مسائل وفتاوى
للشيخ: عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب
...
[جوابه عن قول الخطيب: الحمد لله الذي تحيرت العقول في مبدأ أنواره ... الخ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن -متع الله المسلمين بحياته، وبارك لهم في ساعاته- عن قول الخطيب:
"الحمد لله الذي تحيرت العقول في مبدأ أنواره، وتاهت الألباب في صمديته وكنه ذاته"؟
فهذه الألفاظ ابتدعها من تمسك بقول أهل الكلام الحادث المذموم، فإنهم الذين تاهوا وتحيروا في الإيمان الذي دعت إليه الرسل، ونزلت به الكتب، وإلا فطريقة القرآن حمد الله لنفسه بأسمائه وصفاته وما يعرف به، ويوجب الإيمان به، ومعرفته، وإثبات ربوبيته، وصفات كماله. فهذا هو توحيد المعرفة والإثبات الذي هو توحيد المرسلين، ودعوا به الأمم إلى توحيد الإرادة والقصد، الذي هو توحيد الإلهية.
فإن الرب الذي أبدع لخلقه ما يشاهدونه من عظيم مخلوقاته، وتعرف إليهم بذلك، وبما دلهم عليه من كمال صفاته، وتصرفه في مخلوقاته، وهو الرب الذي لا يستحق العبادة غيره، واستدل بأدلة ربوبيته على ما يستلزمه منه إلهيته فقال: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ١، فأنكر الشرك في حق من هذا وصفه، وإنكار الشرك يقتضي توحيد العبادة بأن لا يراد غيره، ولا يقصد سواه، فانتظم ذلك نوعي التوحيد.
وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا قَيِّمًا﴾ ٢، فحمد نفسه على إنزال الكتاب الذي هو أعظم نعمة أنعمها على أهل الأرض، وهو يقتضي الإيمان بالكتب والرسل، وهو صراط الله المستقيم الذي لا تزيغ به الأهواء، فهذا وأمثاله هو طريقة القرآن: يحمد نفسه على ما يتعرف به إلى خلقه ليعرفوه بذلك الذي أبدعه وأوجده وأنعم به كقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ٣ الآية. وأمثال هذا في القرآن كثير وتدبره والعلم به
стр. 2079
يحصل كمال الإيمان، وتنتفي الحيرة، ويحصل كمال الهداية، ويعصم القلوب أن تتيه في ربها وصفاته؛ فكل ما وصف به نفسه فلا حيرة فيه عند أهل الإيمان، الذين عرفوه بما تعرف به إليهم في كتابه، واطمأنت قلوبهم بالإيمان به، وجعلوه قصدهم ومرادهم.
وأما أهل الجدل من أهل الكلام فهم الذين تحيروا وتاهوا، كما أخبر بذلك نفر من متقدميهم، كما هو معروف لديكم بحمد الله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الفرق بين الرخصة والعزيمة
﴿وحكم الشرع فيهما﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأخ المكرم صالح الشثري:
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وموجب الخط إبلاغك السلام، وما أشرت إليه في تحرير قول الفقهاء في الرخصة: إنها ما ثبتت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح، وضدها العزيمة. فأقول:
اعلم أن العزيمة شرعا حكم ثابت بدليل شرعي خالٍ عن معارض راجح. فقوله: بدليل شرعي، احتراز عما ثبت بدليل عقلي. وقوله: خال عن معارض، احتراز عما ثبت بدليل، فالرسل وأتباع الرسل كمل الله إيمانهم بذلك العلم والعمل، فقد قال -تعالى-: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ ١، فحمد نفسه بما يوجب الإيمان به ومعرفته من عظيم مخلوقاته.
لكن لذلك الدليل معارض مساو أو راجح لأنه إن كان المعارض مساويا لزم الوقوف، وأثبتت العزيمة، ووجب طلب المرجح الخارجي. وإن كان راجحا لزم العمل بمقتضاه، وانتفت العزيمة، وثبتت الرخصة، كتحريم الميتة عند عدم المخمصة. فالتحريم فيها عزيمة لأنه
стр. 2080
حكم ثابت بدليل شرعي خال عن معارض، فإذا وجدت المخمصة حصل المعارض لدليل التعليم، وهو راجح عليه حفظا للنفس، فجاز الأكل وحصلت الرخصة.
وأما الرخصة فهي ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح. فقوله: ما ثبت على خلاف دليل شرعي، احتراز عما ثبت على وفق الدليل، فإنه لا يكون رخصة، بل عزيمة، كالصوم في الحضر. وقوله: لمعارض راجح، احتراز عما كان لمعارض غير راجح، بل إما مساويا فيلزم الوقوف على حصول المرجح، أو قاصرا عن مساواة الدليل الشرعي فلا يؤثر، وتبقى العزيمة بحالها.
وعلى التعريف المذكور يدخل في العزيمة الأحكام الخمسة الثابتة بالأدلة الشرعية، ويدخل في الرخصة ما عارض تلك الأحكام، وخالفها لمعارض راجح عليها كأكل الميتة عند المخمصة. انتهى.
[مسألة الجد والإخوة]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ الشيخ محمد بن عجلان -سلمه الله -تعالى-:
وبعد ما ذكرت من مسألة الجد والإخوة، فذكر في الاختيارات: أن الجد يحجب الأخوة وهو قول أبي بكر، وقال به غيره من الصحابة، وهو رواية عن أحمد -رحمه الله تعالى- وهو الذي يختاره أشياخنا. والله أعلم.
[قلب الدَّيْن على من له عقار وعوامل ونواضح ونحوها] *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد، وآله وصحبه والتابعين والعلماء العاملين.
من عبد الرحمن بن حسن إلى من يصل إليه من الإخوان، وفقني الله وإياهم لسلوك منهج العلم والإيمان. آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فقد سألني بعض الإخوان عن قلب الدَّين إن كان له عقار وعوامل ونواصح ونحوها.
стр. 2081
فأجبت إلى أنه لا يخلو من ثلاثة أحوال: الحال الأولى أن يضيق المال عن الدَّين، فهذا مفلس عند العلماء ﵏. إذا سأل غرماؤه الحاكم -ولو بعضهم- لزمه الحجر عليه في ماله. وذهب جمع من المحققين إلى أنه يكون محجورا عليه بدون حكم الحاكم، وهذا لا يجوز قلب الدَّين عليه بحال لعجزه عن وفاء ما عليه من الدَّين.
في الرد على الجهمية والرافضة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد وعلى آله وصحبه ومن أحبه ووده.
من عبد الرحمن بن حسن إلى أخيه راشد بن مطر -سلمه الله تعالى، وزاده علما وإيمانا وتوفيقا وتحقيقا وإذعانا-. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
وبعد: فقد وصل إليّ خطك، وسرنا ما أشعر به من حسن الحال من معرفة الإسلام ومحبته وقبوله، فتلك النعمة التي لا أشرف منها ولا أنفع ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ١، فرحمته: الإسلام والإيمان، وقيل: القرآن، وهما متلازمان، ورحمته أن جعلكم من أهله، كما فسر الصحابي ﵁ الآية بهذا.
وما ذكرت من قيام الجهمية والرافضة والمعتزلة عليكم، فلا يخفاك أن هذه الفرق الثلاث قد ابتلي بهم أهل السنة والجماعة قديما وحديثا، وتشعبت هذه الأهواء شعبا، وكل من أقامه الله بدينه والدعوة إليه ناله منهم عناء ومشقة.
فهم أعداء أهل الحق في كل زمان ومكان، حكمة بالغة ليمتحن حزبه بحربه كما جرى
стр. 2082
للرسل من أعدائهم في الدين، قال -تعالى-: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ ١، ليتميز الصادق بصدقه وصبره على دينه، وليتخلف من ليس كذلك، ممن ليس له قدم راسخ في الإيمان ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ ٢.
وبعد الابتلاء والامتحان يحصل النصر والتمكين للمؤمنين الصادقين الصابرين، كما قال -تعالى-: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ٣، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ ٤ الآية. فمن قامت عليه الحجة فلم يقبل وجادل بالباطل وجبت عداوته، والبراءة منه، ومفارقته بالقلب والبدن.
وأما قول الأشاعرة في نفي علو الله -تعالى- على عرشه، فهو قول الجهمية سواء بسواء. وذلك يرده ويبطله نصوص الكتاب والسنة، كقول الله -تعالى-: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٥، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٦ في سبعة مواضع، وكقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ ٧ والعروج إنما هو من أسفل إلى فوق، وقوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ٨، ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ ٩، ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ ١٠ الآيتين. وكل هذه الآيات نصوص في علو الله -تعالى- على خلقه، واستوائه على عرشه، على ما يليق بجلاله، بلا تكييف.
وقول هؤلاء الأشاعرة: إنه من الجهات الست خالٍ. قد وصفوه بما يوصف به المعدوم، وهو قد وصف نفسه بصفات الموجود، القائم على كل نفس بما كسبت.
وفي الأحاديث من أدلة العلو ما لا يكاد يحصر إلا بكلفة، كقوله في حديث الرقية: "ربنا الله الذي في السماء، تقدَّس اسمك"١١ الحديث.
وجوهرة السنوسي ذكر فيها مذهب الأشاعرة، وأكثره مذهب الجهمية المعطلة، لكنهم تصرفوا فيه تصرفا لم يخرجهم عن كونهم جهمية. ومذهبهم أن القرآن عبارة عن كلام الله، لا أنه كلامه الذي تكلم به، وخالفوا الكتاب والسنة. قال -تعالى-: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ ١٢، ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ١٣،
стр. 2083
﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ١، ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ ٢. والأدلة على هذا كثيرة جدا.
والأشعري له كتب في إثبات الصفات، وهذا المذهب الذي نسبه إليه هؤلاء تبرَّأ منه في كتابيه (الإبانة)، و (المقالات) وغيرهما، وكثير من أهل العلم يكفرون نفاة الصفات؛ لتركهم ما دل عليه الكتاب والسنة، وعدم إيمانهم بآيات الصفات.
[جحود توحيد الألهية ودعاء غير الله كفر]
وأما من جحد توحيد الإلهية، ودعا غير الله فلا شك في كفره، وقد كفَّره القرآن.
والسنوسي وأمثاله من المتأخرين، ليس من السلف ولا من الخلف المعروفين بالنظر والبحث، بل هو من جهلة المتأخرين المقلدين لأهل البدع، وهؤلاء ليسوا من أهل العلم. والخلف فيهم من انحرف عن السنة إلى البدع، وفيهم من تمسَّك بالسنة، فلا يسب منهم إلا من ظهرت منه البدعة.
وأما ابن حجر الهيتمي فهو من متأخري الشافعية، وعقيدته عقيدة الأشاعرة النفاة للصفات، ففي كلامه حق وباطل.
وأما الدعاء بعد المكتوبة ورفع الأيدي فليس من السنة، وقد أنكره شيخ الإسلام؛ لعدم وروده على هذا الوجه.
وأما أهل البدع فيجب هجرهم والإنكار عليهم إذا ابتليتم بهم. وتأمَّلوا مصنفات الشيخ، وتأملوا كلامه -رحمه الله تعالى- تجدوا فيه البيان والفرقان.
وحديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وهي التي تمسَّكت بما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه.
[الرد على الجهمية والرافضة]
وأما الأفغانيون الذين جاؤوا فبلغنا أنهم يرون رأي الخوارج، معهم غلو، وقد شدَّد النبي ﷺ في الغلو، وأخبر عن الخوارج أنهم: "يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية"٣ وأمر بقتلهم.
стр. 2084
وسبب غلوهم: الجهل بما دل عليه الكتاب والسنة؛ فأدَّاهم جهلهم وقصورهم في الفهم إلى أن كفَّروا أصحاب رسول الله ﷺ من السابقين الأولين. فإذا كان قد جرى في عهد النبوة من يطعن على رسول الله ﷺ ويكفر أصحابه، فلا يبعد أن يجيء في آخر هذه الأمة من يقول بقولهم ويرى رأيهم، وهؤلاء الناس الذين هاجروا إلينا وبايعونا ما ندري عن حقيقة أمرهم.
وعلى كل حال إذا عملتم بالتوحيد، وأنكرتم الشرك والضلال، وفارقتم أهل البدع، فلا يلزمكم هجرة عن الوطن والمال، بل يجب عليكم الدعوة إلى الله، وطلب أدلة التوحيد في كتاب الله، وتأمل كلام الشيخ في مصنفاته، فإنه -رحمه الله تعالى- بيَّن وحقق، وأنتم سالمين. والسلام.
مسائل شتى سئل عنها الشيخ عبد الله أبو بطين
[ثلاث مسائل]
مسألة: قول الشيخ عثمان -رحمه الله تعالى-: والحاصل أن الصفة تارة تعتبر من حيث هي هي، وتارة من حيث قيامها به، وتارة من حيث قيامها بغيره، وليست الاعتبارات الثلاث متماثلة، إذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ١ لا في ذاته، ولا في شيء من صفاته، ولا في شيء من أفعاله، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٢.
فاحفظ هذه القاعدة فإنها مهمة جدا، بل هي التي أغنت السلف الصالح عن تأويل آيات الصفات وأحاديثها، وهي العاصمة لهم من أن يفهموا من الكتاب والسنة مستحيلا على الله -تعالى- من تجسيم أو غيره.
ثم بعد إثباتي لهذه القاعدة رأيتها منصوصة في كلام السيد المعين، ثم رأيته قد سبقه إليها العلامة ابن القيم. انتهى.
بيّن لنا هذه الاعتبارات الثلاث التي ذكر، وما يتعلق بها من ذكر الدليل، ومن هو السيد الذي ذكر؟
стр. 2085
مسألة أيضًا: قوله : ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ ١، قال سفيان ﵀: "فرَّق الله بين الخلق والأمر، فمن جمع بينهما فقد كفر".
بيّن لنا قول سفيان -قدَّس الله روحه، ونوَّر ضريحه-، وما صفة الجمع وضده في قوله: فمن جمع .. إلخ؟
مسألة أيضًا: ما يروى عن ابن عمر: "نهى رسول الله ﷺ أن نشرب على بطوننا، ونهانا أن نغرف باليد الواحدة كما يشرب القوم الذين سخط الله عليهم، ولا نشرب بالليل في إناء حتى نحركه إلا أن يكون مخمرا، ومن شرب بيد وهو يقدر على إناء يريد التواضع كتب الله له بعدد أصابعه حسنات، وهو إناء عيسى بن مريم ﵇"٢ في إسناده بقية بن الوليد.
جواب
الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين، آتاه الله أجره مرتين:
[الإيمان بالصفات]
قول الشيخ عثمان: الصفة تعتبر من حيث هي هي إلخ. يعني لها ثلاث اعتبارات: تارة تعتبر من حيث هي هي، أي تعتبر منفردة من غير تعلقها بمحل، مثال ذلك: البصر، فيقال: البصر من حيث هو هو: ما تدرك به المبصرات، ومن حيث تعلقه بمخلوق فيقال: هو نور في شحمة تسمى إنسان العين تحت سبع طبقات في حدقة ينطبق عليها جفنان. وأما بالنسبة إلى الرب -سبحانه- فنقول: هو سبحانه سميع بسمع، بصير ببصر، ليس كسمع المخلوق، ولا كبصر المخلوق، وهكذا سائر الصفات.
ومراده بالسيد معين الدين: هو أبو المعالي محمد بن صفي الدين الحنبلي.
[الخلق والأمر]
وأما قول سفيان في قوله -سبحانه-: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ ٤، فمراده بذلك الرد على من يقول: إن كلام الله مخلوق. يقول: إن الله عطف الأمر على
стр. 2086
الخلق، وأمره هو كلامه، فمن قال: إن كلام الله مخلوق فقد جعل أمره مخلوقا، فجمع بين الخلق والأمر، والله -سبحانه- قد فرق بينهما بعطفه الأمر على الخلق، فالمعطوف غير المعطوف عليه. والمراد بسفيان هو سفيان بن عيينة الإمام المعروف -رحمه الله تعالى-.
[السنة في الشرب]
وما ذكرت من النهي عن الشرب باليد الواحدة، وحديث الترغيب في الشرب باليد، فلا أظن لذلك أصلا.
وأما الشرب على البطن يراد به الكرع في الماء، فقد ورد حديث يدل على جواز الكرع. ففي البخاري: "أن النبي ﷺ دخل على رجل من الأنصار فقال له: إن كان عندك ماء بات هذه الليلة في شنة وإلا كرعنا"١، والكرع هو: الشرب من النهر ونحوه بالفم من غير إناء ولا يد. وورد حديث رواه ابن ماجه بالنهي عن الشرب كذلك، فيحمل هذا إن صح على ما إذا انبطح الشارب على بطنه، وحديث البخاري إذا لم ينبطح، أو يحمل النهي على التنْزيه، وحديث البخاري على الجواز. والله أعلم.
* * *
وسئل أيضا: الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن عن معنى قول الشيخ محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني -رحمة الله عليه-: ولا ينفع المشرك قوله: أنا لا أشرك بالله شيئا لأن فعله أكذب قوله ، فإن قلت: هم جاهلون أنهم مشركون بما يفعلون، قلت: قد صرَّح الفقهاء في باب الردة أن من تكلم بكلمة الكفر يكفر وإن لم يقصد معناها. وهذا دال على أنهم لا يعرفون حقيقة الإسلام، ولا ماهية التوحيد، فصاروا حينئذ كفارا كفرا أصليا، فإن الله -تعالى- قد فرض على عباده إفراده بالعبادة، أن لا يعبدوا إلا إياه. ذكره في تطهير الاعتقاد.
стр. 2087
فأجاب -رحمه الله تعالى-: قول محمد بن إسماعيل الأمير: إنه لا ينفع قول من فعل الشرك: أنا لا أشرك بالله، يعني أنه إذا فعل الشرك فهو مشرك، وإن سمَّاه بغير اسمه ونفاه عن نفسه.
وقوله: قد صرَّح الفقهاء في كتبهم بأن من تكلم بكلمة الكفر يكفر وإن لم يقصد معناها، فمرادهم بذلك من تكلم بكلام كفر مازحا وهازلا، وهو عبارة كثير منهم في قولهم: من أتى بقول أو فعل صريح في الاستهزاء بالدين وإن كان مازحا، لقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ١. وأما من تكلم بكلمة كفر لا يعلم أنها كفر، يُعرَّف بذلك، فإن رجع فإنه لا يحكم بكفره كالذين قالوا: "اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط"٢.
وقوله: فصاروا كفارا كفرا أصليا. يعني: أنهم نشؤوا على ذلك، فليس حكمهم كالمرتدين الذين كانوا مسلمين، ثم صدرت منهم هذه الأمور الشركية.
والله أعلم، وصلى الله على محمد وآل محمد وأصحاب محمد، وسلم تسليما كثيرا.
[مسائل وفتاوى للشيخ عبد الرحمن بن حسن]
معنى قوله في الاستفتاح "ولا إله غيرك "
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ المحب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن -غمره الله بأنعمه، وزاده من فواضل جوده وكرمه-.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فالخط وصل، وبه الأنس والسرور حصل، حيث أنبأ عن حال الأخ -جعلها الله حالا مرضية، وبالتوفيق مرعية-. وحيث سألت عني فأحمد الله إليك، وأنا بخير وعافية -جعلنا الله وإياكم من الشاكرين-. والأحوال من فضل الله جميلة، نسأل الله -تعالى- أن يصلح قلوبنا، ويغفر ذنوبنا، ويستر عيوبنا، وأن يمن على الجميع
стр. 2088
بالهدى والسداد، والفوز بالرضوان يوم المعاد، إنه هو الكريم الجواد، اللطيف بالعباد.
ويا أخي: مر علينا في شرح الزاد في معنى قوله في الاستفتاح: "ولا إله غيرك". أي: لا يستحق أن يعبد غيرك، وهو يؤيد ما قد قلته لك من أن المقدر في كلمة الإخلاص إذا قال الموحد: "لا إله إلا الله" أي: لا إله حق إلا الله، والعامل في هذا المقدر "لا" على أنه خبرها في قول الأخفش. وعلى قول سيبويه لم تعمل فيه "لا"، وإنما عمل فيه المبتدأ وهو "لا" مع اسمها، فإن "لا" مع اسمها في محل رفع على الابتداء، والمقصود أن المقدر"حق" ليطابق ما في الآيتين في سورة الحج ولقمان.
وأبلغ محمد بن مانع ومن بحضرتك من الطلبة والإخوان والجماعة السلام.
ومن لدينا العيال وخواص إخوانكم بخير، وينهون السلام وأنت سالم. والسلام.
مسألة في بعض ما يتعلق بغلة الوقف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وما ذكرت من وصول الجواب، فالحمد لله على ذلك، ونسأله التوفيق والإصابة، والإعانة مع السداد والإثابة، إنه هو الكريم الجدير بالإجابة.
وتذكر أن عدم الإجبار في المسألة التي وصل إليكم جوابها عندكم ظاهر، أما عدم جوازها بالتراضي فمشكل.
فأقول: نص العلماء -رحمهم الله تعالى- على المنع من قسمة مثل هذا إذا كان الوقف شيئا مقدرا من الغلة، ودليل المنع ظاهر في كلامهم سأشير إليه بعد -إن شاء الله-.
وأما ما سنح لك من القول بالجواز فمشكل حتى على قولك، لأن التراضي من جهة الموقف متعذر، لكونه على الوجوه التي ذكرت، ولعدم أهلية ناظر الوقف.
وأما قولك: إن العقار المذكور مقدم في غلته صبرة وباقيه طلق.
стр. 2089
فهذا علة المنع من القسمة والبيع، لأن غلة الأصل قد تنقص فلا يبقى منها إلا بقدر المقدر للوقف أو دونه فيستغرق الأصل.
وأما قولكم: فهي كالخراج في الأرض الخراجية .. إلى آخره.
فأقول: لا يقاس الوقف على أرض الخراج، وما علمت من العلماء أحدا سبق له مثل هذا القياس، وهو أيضا قياس مع الفارق، فإن الزكاة لا تجب في الوقف على غير معين بخلاف الخراجية، فإنه يجب فيها العشر والخراج ففارقها بذلك.
والخراج الذي وضعه عمر ﵁ لا ينقص الغلة، ولا يمنع من هي في يده استغلالها لقلة الخراج، وكل إمام عدل لا يضع على الأرض من الخراج إلا ما تطيقه، فلا يمنع أهلها من الاستغلال؛ فلذلك قال العلماء -رحمهم الله تعالى-: إنه لا يزاد فيه ولا ينقص إلا إذا تغير السبب. ففارقت مسألتنا هذه من هاتين الجهتين أيضا.
فتأمل، فإن هذا الوقف لا يزاد ولا ينقص، ولو لم يبق من المغل إلا قدره.
وقولكم: كما منعوا بيع أرض العَنْوَة لوقفها.
أقول: هذا مما يؤيد المنع من البيع والقسمة في هذه الصورة، وإن كنا نرى أن سبب المنع غير هذا.
وأما قولكم: الثانية: أنهم قد صرَّحوا بجواز قسمة الوقف على جهة واحدة على ما ظهر صاحب الفروع من كلام الأصحاب.
أقول: ما نقلته عن صاحب الفروع صحيح، لكن ذكر في الإنصاف عن القواعد ما يخالف ما في الفروع فقال: وقال في القواعد: هل يجوز قسمته؟ فيه طريقان:
أحدهما: أنه كإفراز الطلق من الوقف، وهو المجزوم به في المحرر.
والطريق الثاني: أنه لا يصح قسمته على الوجهين جميعا على الأصح، وهي طريقة صاحب الترغيب. وعلى القول بالجواز، فهو مختص بما إذا كان وقفا على جهتين، لا على جهة واحدة. صرح به الأصحاب، نقله الشيخ تقي الدين. انتهى.*
стр. 2090
إذا عرفت أن القول بالجواز الذي هو خلاف الأصح بهذه الصورة بعينها، فأين هذه من مسألتنا؟ وهي لا يمكن فيها معرفة مقدار ما يخص هذه الغلة الموقوفة من أصلها التي عينت فيه، مع ما في ذلك أيضا من الضرر الظاهر على الوقف، من تفريقه في أيدي أناس، لا يمكن تمييز نصيبهم بدون مشاركة الوقف لهم.
وقولكم: فليس هو كالوقف المحض الذي فيه كلام الشيخ.
أقول: نعم، ليس كهو، فإذا كان الشيخ قد منع من قسمة الوقف إذا كان على جهة واحدة، مع إمكان إفراز نصيب كل واحد من العدد الموقوف عليهم المحصورين، مع ما في ذلك من مصلحة انتفاء ضرر المشاركة، فَلَأَن يمنع من قسمة وقف لا يمكن معرفة ما يخصه من الأصل لتطرق النقصان على الغلة غالبا من باب أولى.
وقولكم: إن قسمته تقلل أيدي الملاك عليه فلا يكونون شركاء متشاكسين، أقول: تقليل أيدي الملاك مما يزيد التشاكس في الوقف ويفرقه، مع ما يفضي إليه استيلاء هذه الأيدي من إتلاف هذا الوقف، وإتعاب ناظره بتكثير الطامع فيه، فقد ظهر من هذا الجواب بعض مآخذ المانعين. فتأمله يظهر لك صحة مأخذهم، وحسن مداركهم.
وأما ما ذكرته عن "الإقناع" في قسمة المهايآت؛ فقد ذكرت في الجواب قبل هذا عبارة لشيخ الإسلام ﵀، وقال في "الإنصاف": إذا اقتسما المنافع بالزمان والمكان صح، وكان ذلك جائزا على الصحيح من المذهب، قدمه في"المغني والشرح والنظم والرعايتين والحاوي الصغير والفروع وغيرهم"، ثم قال عن الشيخ تقي الدين: لا تنفسخ حتى ينقضي الدور، ويستوفي كل واحد حقه. انتهى.*
وآثرنا الإيجاز والاختصار على التطويل والإكثار، وبالله التوفيق، والسلام وافرًا على من نظر إليه من الإخوان.
стр. 2091
نصيحة لولي الأمر بالحرص على إقامة الدين
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الرحمن بن حسن إلى إمام المسلمين، وخليفة سيد المرسلين في إقامة العدل والدين، وهو سبيل المؤمنين والخلفاء الراشدين، فيصل بن تركي -جعله الله في عدادهم، متبعا لسيرهم وآثارهم، آمين-.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: اعلم أن الله -تعالى- أنعم علينا وعليكم وعلى كافة أهل نجد بدين الإسلام، الذي رضيه لعباده دينا، وعرفنا ذلك بأدلته وبراهينه دون الكثير من هذه الأمة، الذين خفي عليهم ما خلقوا له من توحيد ربهم الذي بعث به رسله، وأنزل به كتبه. ولا صلاح للعباد في معاشهم ومعادهم إلا بمعرفة هذا الدين، وقبوله ومحبته والعمل به، واستفراغ الوسع إلى ذلك علما وعملا ودعوة إليه ورغبة فيه، وأن يكون أكبر هم الإنسان ومبلغ علمه ليحصل له النعيم الأبدي، والسرور السرمدي.
وقد وقع أكثر من أنعم الله عليه بهذه النعمة في التفريط في شكرها، والتهاون بها، وعدم الرغبة فيها، والتحدث بها، والعمل بموجبها. وقد وقع بالغفلة عن شكر هذه النعمة من التفريط فيها، والاشتغال بما يشغل عنها، من الرغبة في الدنيا، والإقبال عليها ما لا يخفى على ذوي البصائر.
وقد ذم الله -تعالى- في كتابه أهل الغفلة والإعراض -أعاذنا الله وإياكم من اتباع سبلهم- فقال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ ١. فعلينا وعليكم أن نقوم على من قدرنا على القيام عليه ببذل الجهد، والاجتهاد بالنصيحة لجميع المسلمين، بتذكيرهم ما أنعم الله عليهم به من الدين،
стр. 2092
وتعليمهم ما يجب عليهم تعلمه مما فيه صلاحهم، وفلاحهم ونجاحهم وسعادتهم، ونجاتهم من شرور الدنيا والآخرة.
وقد قال -تعالى-: ﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ ١. فإذا كان هذا في أناس في عهد النبوة والقرآن ينْزل، فمَن بعدهم أحرى أن يكونوا كذلك، فيجب على من أقدره الله من المسلمين أن يقوم بنصيحة العباد بهذا الدين علما وعملا، ودعوة إليه وتعلما وتعليما، ولا يخفى أن العامة تتبع الخاصة فيما أحبوه وقالوه وعملوا به.
وقد حذر الله -تعالى- عباده من عقوبات الدنيا والآخرة على الإعراض عما خلقوا له كما قال -تعالى-: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ٢، وقال -تعالى-: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ ٣، وقال في حق نبيه: ﷺ ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٤. وعلينا أن نحذر ونحذّر عما حذرنا الله -تعالى- منه، من التفريط في طاعة الله وطاعة رسوله، والقيام بدينه كما ينبغي.
[الغفلة توقع فيما لا يحبه الله]
وبسبب الغفلة عن هذه الأمور الواجبة وقع في كثير من الناس أشياء مما لا يحبه الله ويرضاه، كما لا يخفى على من ينظر بنور الله، وقد قال -تعالى-: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ٥، والفساد: المعاصي وآثارها في الأرض، ولكن كما قيل: إذا كثر الإمساس قل الإحساس. نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.
ومن موجبات الغفلة: الإعراض عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه لا صلاح للعباد في دينهم ودنياهم إلا بالقيام بحقه. واليوم ما في البلدان من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا على ضعف. وفي تركه الوعيد الشديد، وفعله علامة الإيمان. وهو من فروض الكفايات التي إذا قام بها البعض سقط الوجوب عن الباقين، وإذا لم يحصل القيام بذلك أثموا كلهم.
стр. 2093
[فروض الكفاية أشد على الناس من فروض العين]
قال بعض العلماء: فروض الكفاية أشد على الناس من فروض العين لأن فرض العين تخص عقوبته تاركه، وفرض الكفاية تعم عقوبته كل من كان له قدرة.
فأوصيكم معشر الإخوان من الخاصة والعامة: أن ترغبوا فيما رغبكم الله فيه، وأن تهتموا به كاهتمامكم بدنياكم، لتسعدوا وتسلموا وتغنموا. الشأن كل الشأن بالاهتمام فيما يرضي الله عنكم، ويدفع الله به عنكم عقوبات الدنيا والآخرة. وعلى الإمام -وفقه الله- أن يبعث للدين عمالا كما يبعث للزكاة عمالا ليعلموهم دينهم، ويأمروهم وينهوهم، وهذا مما يجب على الإمام. أعانه الله على ذلك، ووفقه للقيام بوظائف الدين؛ نصيحة لله ولكتابه ولرسوله وللمسلمين.
وأوصيكم بالتوبة إلى الله عما فرطتم فيه من العمل بدينه، وتعلمه وتعليمه وتكميله، فإن الله -تعالى- أكمله لكم، وهو أعظم نعمة أنعم بها عليكم.
فالله الله في الأخذ بأسباب الفلاح والنجاة! وعلى كل منكم أن يحاسب نفسه لربه قبل القدوم عليه، والرجوع إليه. ولا ينفع قول إلا بعمل، ولا عمل إلا بنيّة. فاشكروا الله -تعالى- على ما أعطاكم، ومنَّ به عليكم من دين الإسلام، وما حصل به من النعم التي لا تحصى.
وقد خطب نبيكم ﷺ أصحابه وأنذرهم وحذرهم فقال: "إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" ١ فاحذروا وحذِّروا؛ فإن الأمر عظيم، قال الله -تعالى-: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ ٢.
قال بعض العلماء في قوله: ﴿أَنْ تَقُومُوا﴾ فيه وجوب القيام لله فيما شرعه وأمر به، وقوله: ﴿لله﴾ فيه التنبيه على إخلاص العبد في قيامه لربه وطاعته؛ فجمعت هذه الآية العمل بالتوحيد وحقوقه ولوازمه، والقيام بذلك جدا واجتهادا.
ويشبه هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ ٣ إلى قوله: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ
стр. 2094
وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ ١. فجمع تعالى الدين كله في هاتين الكلمتين ﴿نُجِبْ دَعْوَتَكَ﴾ فيه التوحيد لأنه الذي دعا إليه رسله، وفي قوله: ﴿وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ العمل بكتابه واتباع رسوله ﷺ ؛ لأن من اتبع كتابه ورسوله فقد اتبع الرسل جميعهم. فمن عمل بهاتين الكلمتين فيما كان طاعة لله ولرسوله فقد فاز ونجا، وحصل ما تمناه المفرطون يوم القيامة.
فالله الله في الاهتمام بهذا الشأن والقيام به حسب الإمكان ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ٢.
[الصدقة على الفقراء تدفع العقوبة]
ومما يدفع الله به العقوبات، ويزيد به الحسنات: الصدقة على الفقراء والمساكين، كما قال -تعالى-: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ٣، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٤.
وقد ورد: "باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها، والحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة" وفي الحديث: "اتقوا النار ولو بشق تمرة"٥ والآيات والأحاديث في فضل الصدقة كثيرة، وهي من الباقيات الصالحات، وقد قال -تعالى-: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ ٦.
نسأل الله لنا ولكم العفو والعافية، والعون على مرضاته، فإنه ولي ذلك والقادر عليه، ولا ملجأ منه إلا إليه، بالتوبة النصوح، والإيمان، والعمل الصالح، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
стр. 2095
جواب فيصل للشيخ عبد الرحمن
عن نصيحته المتقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من فيصل بن تركي إلى من وصلت إليه هذه النصيحة وسمعها أن يعمل بما ذكر فيها، ولا لأحد عذر إلا من منع أو ردع، فلا يعذر حتى يبلغنا، فإذا بلغنا من منعه فهو معذور.
والموجب أن حوائج الناس ما تقف عنا، القوي يوصل حاجة الضعيف، ويعين عليه بذكر حاله، ولا بأس في هذا، ويثاب عليه، فليكن إلى الله أعظم وألزم، فتوكلوا على الله، وافعلوا ما أمركم به، وتآمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، ويكون ذلك على علم وحلم، فإن جبنتم فالله حسيب عليكم، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
الرد على من قال بقول الفلاسفة في دعاء الموتى والتعلق بأرواحهم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين.
قال الشيخ الإمام العالم العلامة عبد الرحمن بن حسن:
اعلم أنه ورد من مصر جواب عن سؤال، وذلك الجواب يتضمن القول بجواز بناء المساجد على القبور، والتعلق بأرواح أربابها، وحصول البركات والمنافع بما يفيض عليه من تلك الأرواح، كما كان يعتقده عباد الأصنام المصورة بصور الملائكة والصالحين، فتعين علي وعلى أمثالي رد ذلك وإبطاله، فأقول -مستعينا بالله،
стр. 2096
طالبا في ذلك رضى الله وجزيل ثوابه، والحمد لله رب العالمين-:
الجواب وبالله التوفيق: لا ريب أن الذي أجاب به هذا المجيب باطل من وجوه:
أحدها: أن لفظة الاستظهار بأرواح الأموات إنما أراد بها التعلق بالأموات، والالتجاء والرغبة إليهم، لكنه قصد أن يزخرف العبارة إضلالا للعوام والجهال، فكم تحت هذه اللفظة من شرك، ومحادة لدين الله، ولإخلاص العبادة له وحده لا شريك له.
وقد قال -تعالى-: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ١، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٢ الآية، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ ٣.
وقال -تعالى-: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ٤ الآية.
[حقيقة إخلاص الدين لله]
وإقامة الوجه هو إخلاص الدين له، وإفراده بجميع أنواع العبادة، كما ذكره المفسرون، والحنيف: المقبل على الله، المعرض عن كل ما سواه.
وهذا الذي ذكره هؤلاء المخرفون عن التوحيد لا ريب أن الله -تعالى- لم يشرعه ولا رسوله، بل نهى عنه أشد النهي كما سنذكره إن شاء الله -تعالى-.
فقد أكمل الله لنا ديننا، وأتم علينا نعمته، وبين رسوله ﷺ ما شرعه الله من دينه أتم بيان، قال الله -تعالى-: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِينًا﴾ ٥.
وقد بين تعالى أصل دين الإسلام، وأساسه الذي تبنى عليه الأعمال وتصح به، كما قال -تعالى-: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ٦.
وما لم يشرعه الله فليس من دين الإسلام، كما في حديث عائشة الذي في الصحيحين: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"٧.
وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "وإياكم ومحدثات الأمور! فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة"٨.
وقد بين ﷺ ما شرعه في زيارة القبور، فثبت عنه ﷺ أنه قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها؛ فإنها تذكركم الآخرة"٩. وقد
стр. 2097
شرع الله -تعالى- ورسوله الدعاء للميت في الصلاة عليه وغيرها لأنه محتاج لدعاء الحي لانقطاع عمله.
[الاستظهار بأرواح الصالحين من أعظم الشرك]
وأما الاستظهار بروحه فإنه لا يعرف له معنى غير ما عبر به المجيب عنه من الرغبة إلى الميت، والتعلق به، والالتجاء إليه، وذلك هو أصل دين المشركين، ويترتب على ذلك من أنواع العبادة جلها ومعظمها كالمحبة والدعاء والتوكل والرجاء ونحو ذلك، وكل هذا عبادة لا يصلح منه شيء لغير الله أبدا، وهؤلاء كما قال الله -تعالى-: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَوَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ ١ الآية.
والله -تعالى- هو المتفرد بالخلق والتدبير والنفع والضر والعطاء والمنع، والميت غافل عاجز، لا يسمع ولا ينفع كما قال -تعالى-: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ ٢ الآية، وقال -تعالى-: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِير إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ ٣ الآية.
وقد قصر الله رغبة عباده عليه، بل كل العبادة بأنواعها كما قال -تعالى-: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ ٤، وقال: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ ٥، وتقديم المعمول يفيد الحصر والاختصاص.
والشفعاء يوم القيامة لا يشفع أحد منهم إلا بإذنه، ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ٦ كما قال -تعالى-: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ ٧، فهي ملكه، يشفع من شاء فيمن شاء، بإذنه للشافع ورضاه عن المشفوع له، كما قال -تعالى-: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ٨، وقال -تعالى-: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ٩، وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا
стр. 2098
مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ١ الآية.
[إخلاص العبادة لله واتقاء الشرك]
قال أبو العباس ابن تيمية: نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك، أو قسط منه، أو يكون عونا لله، ولم يبق إلا الشفاعة، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب كما قال: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ٢، فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منفية يوم القيامة كما نفاها القرآن.
فالشفاعة لأهل الإخلاص بإذنه، ولا تكون لمن أشرك، وحقيقتها أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه، وينال المقام المحمود. وقد بين النبي ﷺ أن الشفاعة لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص.* انتهى ملخصًا.
وهو سبحانه لا يرضى من عبده إلا التوحيد الذي هو دينه الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه كما قال -تعالى-: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ٣، وقال -تعالى-: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ ٤. فهذا هو حكم الله الشرعي الذي حكم به على خلقه بأن يصرفوا أعمالهم له وحده دون كل من سواه؛ ولهذا قال: ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ ٥، وقال في سورة يوسف: ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ ٦.
فالعبد وأعماله الظاهرة والباطنة كلها ملك لله، لايصلح أن يصرف منها شيء لغير الله، فإن صرف العبد منها شيئا لغير الله فقد وضعه في غير موضعه، وذلك هو الظلم العظيم كما قال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ٧.
وأنفع ما للعبد في معاشه ومعاده أن يوجه وجهه وقلبه إلى الله، ويجمع همته عليه في جميع مطالبه الدنيوية والأخروية، كما قال العارف بالله الذي استنار قلبه بآيات الله وحججه وبيناته:
وإذا تولاه امرؤ دون الورى ... طرًّا تولاه العظيم الشان
стр. 2099
فالعبد مضطر إلى الله الذي محياه ومماته له، فهو قبلة قلبه ووجهه كما أخبر عن خليله ﵇ أنه قال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١.
وإنما شرع الله ورسوله زيارة القبور لتذكر الآخرة كما قال ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها؛ فإنها تذكركم الآخرة"٢ أي لتسعوا لها سعيها. ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ ٣ فجعلوها محطا للرحال، ومطلبا للآمال، ومعاذا وملاذا. وهذا هو الشرك الذي لم يشرعه الله، بل شدد النهي عنه والوعيد عليه، وأخبر أنه لا يغفره.
قال -تعالى-: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ٤، وقال -تعالى-: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ ٥، وقال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ ٦، وقال -تعالى-: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ٧ وهي نكرة في سياق النهي فتعم.
فلو جاز الاستظهار بأرواح الأموات -كما قاله هذا الجاهل بالله وبدينه- لجاز أن يستظهر العبد بالحفظة من الملائكة، الذين هم معه لا يفارقونه بيقين، وهم كما وصف الله: ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ٨، وهذا لا يقوله مسلم أصلا، بل لو فعله أحد كان مشركا بالله.
فإذا لم يجز ذلك في حق الملائكة الحاضرين، فأن لا يجوز في حق أرواح أموات قد فارقت أجسادها لا يعلم مستقرها إلا الله أولى، قال -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ * إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ٩. وأنت ترى أكثر الناس انصرفت قلوبهم عن فهم الحق ومعرفته بدليله، حتى تمكنت الشبهات منهم
стр. 2100
فظنوها بينات، فأضلوا كثيرا، وضلوا عن سواء السبيل.
وهذا هو الواقع لا يخفى على ذوي البصائر، وقد أنزل الله كتابه موعظة ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ١ كما قال -تعالى-: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئا﴾ ٢ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ٣.
[النهي عن اتخاذ قبور الصالحين مساجد]
الوجه الثاني: أن رسول الله ﷺ حذر فيما تواتر عنه من النهي عن وسائل هذا التعلق والالتجاء بالأموات والرغبة إليهم، فنهى عن اتخاذ القبور مساجد، وصرح طوائف من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم كأصحاب مالك والشافعي بالتحريم لذلك.
وقد حكى شيخ الإسلام ﵀ الإجماع على التحريم لذلك، وهو الإمام الذي لا يجارى في ميدان معرفة الخلاف والإجماع، لما في صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا. كما اتخذ إبراهيم خليلا. ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك"٤.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "قاتل الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"٥، وفي رواية لمسلم: "لعن الله اليهود والنصارى"٦ الحديث.
وفي الصحيحين عن عائشة وابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال في مرضه: "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"٧ يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا.
قوله: "خشي" تعليل لمنع إبراز قبره. فقد نهى ﷺ عن اتخاذ القبور مساجد
стр. 2101
في آخر حياته، ثم إنه لعن -وهو في السياق- من فعله؛ وذلك لأن الفتنة بالصلاة عند القبور ومشابهة عباد الأوثان أعظم من الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، وقد نهى عن الصلاة في هذه الأوقات سدا لذريعة التشبه بالمشركين التي لا تكاد تخطر ببال المصلي، فكيف بهذه الذريعة القريبة التي تدعو فاعلها إلى الشرك الذي أصله التعظيم بما لم يشرع والغلو فيها.
[تعظيم القبور أعظم أبواب الشرك]
وقد أخرج الإمام أحمد وأهل السنن عن ابن عباس ﵄ قال: "لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج"١.
ومعلوم أن إيقاد السرج إنما لعن فاعله لكونه وسيلة إلى تعظيمها، وجعلها نصبا يوفض إليها المشركون، وكذلك اتخاذ المساجد على قبور الأنبياء والصالحين.
ووجه الدلالة من هذه الأحاديث أنه إذا لعن من فعل ما هو وسيلة إلى التعظيم والغلو، وإن كان المصلي عندها ومتخذها مساجد إنما وجه وجهه وقلبه إلى الله وحده، فكيف إذا وجه وجهه إلى أرباب القبور، وأرواح الأموات، وأقبل عليها بكليته، وطلب النفع منها من دون الله -تعالى-؟ فإنه قد صرف ما هو من خصائص الربوبية لمن لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا.
فمن جعل لله شريكا يلتجئ إليه، ويعلق به قلبه، ويوجه إليه وجهه، ويرغب إليه دون الله، فقد جعله لله ندا، كما في الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ "قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك"٢ الحديث.
وقد بين تعالى في كتابه دينه الحنيف فيما ذكر عن خليله إبراهيم ﵇ أنه: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٣ وقال -تعالى-: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ
стр. 2102
الْمُشْرِكِينَ﴾ ١.
وبهاتين الآيتين وأمثالهما في القرآن يميز المؤمن دين المرسلين من دين المشركين؛ فإقامة الوجه لله بإخلاص العبادة لله بجميع أنواعها هو دين المرسلين، وتوجيه الوجه بشيء من أنواعها لغير الله هو الشرك الذي لا يغفره الله.
وتدبر قول الله -تعالى- في وصف أهل الإخلاص: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ ٢، فالرهبة والرغبة، والخشوع، وغير ذلك من أنواع العبادة كالمحبة، والدعاء، والتوكل، ونحو ذلك مختص بالله -تعالى-، لا يصلح منه شيء لغيره كائنا من كان.
وتأمل قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ ٣ فإنه ظاهر بأن ذلك الخشوع ونحوه مختص بالله -تعالى-، كما ذكر اختصاصه بالعبادة عموما في قوله: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ٤.
ولا يخفى أن هذا المجيب قد صرف جل العبادة ومعظمها لغير الله، وقد قال -تعالى-: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ ٥، وقال: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ٦، فالخبير سبحانه أبطل الأكاذيب الشيطانية، والتعلقات الشركية في هذه الآية ونظائرها.
[وقوع الأمراض العامة عند معظمي القبور]
فتدبر إن كنت للتوحيد طالبا، وفي دين المرسلين راغبا، وقد أجرى الله سبحانه العادة بوقوع الأمراض العامة والمصائب العظام في كل مدينة فيها بعض من قبور الأولياء والصالحين، فلا يجد أهلها تأثيرا للتعلق بهم في دفع ما نزل من تلك المصائب، وذلك برهان على أن الميت لا ينفع ولا يضر، ولا يغني عمن تعلق به شيئا كما قال -تعالى-: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ٧.
стр. 2103
[نهي النبي أمته أن يجعلوا قبره عيدا]
الوجه الثالث: أن رسول الله ﷺ نهى أمته أن يجعلوا قبره عيدا.
أخرج أبو داود بسند حسن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم"١.
وأخرج أبو يعلى في مسنده، والحافظ الضياء في المختارة، عن علي بن الحسين أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو، فنهاه وقال: ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم"٢.
وأخرج سعيد بن منصور في سننه عن سهل بن سهيل قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي ﵁ عند القبر فناداني-وهو في بيت فاطمة يتعشى- فقال: هلم إلى العشاء. فقلت: لا أريده، فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي ﷺ ، فقال: سلم إذا دخلت المسجد، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلمقال: "لا تتخذوا قبري عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم"٣، ما أنت ومن بالأندلس إلا سواء.
فهذا علي بن الحسين أفضل التابعين من أهل البيت، والحسن بن الحسن سيد أهل البيت في زمانه، لم يفهموا من نهي النبي ﷺ بقوله: "لا تتخذوا قبري عيدا"٤ إلا نهي أمته عن اعتياد المجيء إلى قبره وملازمته، لأن الصلاة عليه تبلغه ﷺ من المصلي وإن كان بعيدا عن قبره. ولما في ذلك النهي من سد الذريعة عن العكوف عند القبر، وتعظيمه بما لم يشرع.
والعكوف عبادة شرعها رسول الله ﷺ في المساجد تقربا بها إلى الله، فلا يجوز أن يفعل ما هو مشروع في المساجد عند القبور، فإن الملازمة والعكوف عندها
стр. 2104
ذريعة قريبة إلى عبادتها، فتعظيمها بما لم يشرعه الله ورسوله غلو، والغلو أعظم وسائل الشرك.
والذي فهمه هذان السيدان الجليلان هو الذي فعله السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، فإن الثابت عنهم المتواتر أنهم كانوا إذا دخلوا المسجد صلوا على النبي ﷺ واكتفوا بذلك عن المجيء إلى قبره ﷺ ؛ وذلك لعلمهم بما شرعه الله ورسوله. وكان ابن عمر ﵁ إذا قدم من سفر سلم على النبي ﷺ ثم على أبي بكر، ثم على أبيه، ثم انصرف.
فهذا حال الصحابة ﵃، وهم أشد الناس تمسكا بالسنة، وأعلم الناس بما يجوز وما لا يجوز.
قال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام -رحمهم الله تعالى-: ووجه الدلالة من هذا الحديث أن قبر النبي ﷺ أفضل قبر على وجه الأرض، وقد نهى عن اتخاذه عيدا، فغيره أولى.* قال: والعيد ما يعتاد قصده ومجيئه من مكان أو زمان.**
[أحاديث النهي عن اتخاذ القبور مساجد]
قال العلامة ابن القيم ﵀: وقد حرف هذه الأحاديث بعض من أخذ شبها من اليهود بالتحريف، وشبها من النصارى بالشرك، مراغمة لما قصده الرسول ﷺ وقلبا للحقائق، ولا ريب أن ارتكاب كل كبيرة دون الشرك أقل إثما، وأخف عقوبة من تعاطي مثل ذلك في دينه وسنته. ولو أراد الرسول ﷺ بقوله: "لا تجعلوا قبري عيدا"١ أمرا بملازمة قبره واعتياد قصده، لما نهى عن اتخاذ قبور الأنبياء مساجد، ولعن من فعل ذلك، ولما قال أعلم الخلق به: ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا. انتهى. ...
قلت: وفي هذه الأحاديث ما يبطل هذا التحريف الذي أشار إليه العلامة كتحريف شارح المشارق، فإن قوله ﷺ : "لا تتخذوا قبري
стр. 2105
عيدا"١ مسبوق وملحوق بما يبين معناه كقوله: "وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم"٢، وكقوله في الحديث الذي رواه الحسن بن الحسن: "لعن الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"٣، وغير ذلك مما هو ظاهر يبين مراده ﷺ أنه خشي على أمته تعظيم القبور والغلو فيها.
كما في الموطأ عن عطاء بن أبي رباح أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد. اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"٤، وهذا الحديث صريح في بيان مراد النبي ﷺ بالجملة الأولى من الحديث والجملة الثانية، فقد حمى ﷺ حِمى التوحيد.
ومثل هذه الأحاديث قوله ﷺ : "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله"٥.
[أعظم أسباب الشرك تعظيم القبور]
فقد عرفت مما تقدم أن من أعظم أسباب الشرك تعظيم القبور والعكوف عندها، ولا ريب أن ذلك يفضي إلى الالتجاء إليها، والتعلق بها، والرغبة إليها؛ ونحو ذلك من المحبة، وخطابها بالحوائج، وغير ذلك مما لا يمكن عده كالخشوع، والبكاء والنحيب رغبة ورهبة إليها. وهذا هو العبادة التي قصرها الله -تعالى- عليه دون كل من سواه.
قال الله -تعالى-: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٦، وقوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ ٧، وقال -تعالى-: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ ٨ الآيات.
فتدبر هذه الآيات، وما فيها من البيان، والحجة القاطعة على أن كل من وجه وجهه وقلبه إلى غير الله فهو مشرك شركا ينافي الإخلاص. وتأمل ما فيها من اختصاص الرب تعالى بجميع أنواع العبادة كالالتجاء، والتعلق، والرغبة والرهبة، وغير ذلك من أنواع العبادة. والله المستعان.