أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١ فجعل اتخاذهم للشفعاء شركا ونزَّه نفسه عنه؛ لأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فكيف يثبتون شفعاء لم يأذن الله لهم في الشفاعة، ولا يغنون عنهم من الله شيئا؟
﴿فصل في أنواع العبادة الأربعة﴾
(ودعوة الرسل كلهم إلى جعلها كلها لله وحده)
والعبادة أنواع: اعتقادية -وهي أساسها-: وذلك أن يعتقد أنه الرب الواحد الأحد الذي له الخلق والأمر، وبيده النفع والضر، وأنه الذي لا شريك له، ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، وأنه لا معبود بحق إلا هو، وغير ذلك مما يجب له من لوازم الإلهية. ومنها لفظية: وهي النطق بكلمة التوحيد، فَمَنْ اعتقد ما ذكر ولم ينطق بها لم يُحْقَنْ دمه ولا ماله، وكان كإبليس فإنه يعتقد التوحيد، بل ويقر به، ولم يمتثل أمر الله بالسجود فكفر، ومن نطق ولم يعتقد حُقِنَ ماله ودمه وحسابه على الله، وحكمه حكم المنافقين. وبدنية: كالقيام والركوع والسجود في الصلاة، ومنها الصوم وأفعال الحج والطواف. ومالية: كإخراج جزء من المال امتثالا لما أمر الله -تعالى- به.
وأنواع الواجبات والمندوبات في الأبدان والأموال والأفعال والأقوال كثيرة، لكن هذه أمهاتها.
وإذا تقررت هذه الأمور، فاعلم أن الله -تعالى- بعث الأنبياء ﵈ من أولهم إلى آخرهم يدعون العباد إلى إفراد الله بالعبادة، لا إلى إثبات أنه خلقهم ونحوه، إذ هم مقرُّون بذلك كما ذكرناه، ولم يعبدوا الأصنام بالخضوع لهم، والتقرب بالنذور والنحر لهم إلا لاعتقادهم أنها تقرِّبهم إلى الله، وتشفع لهم لديه، فأرسل الله الرسل تأمرهم بترك عبادة كل ما سواه، وأن هذا الاعتقاد الذي يعتقدونه في الأنداد باطل، والتقرب إليهم باطل، وأن ذلك لا يكون إلا لله وحده، وأمر عباده أن يقولوا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ٢.
стр. 2382
ولا يصدق قائل هذا إلا إذا أفرد العبادة لله، وإلا كان كاذبا منهيا عن أن يقول هذه الكلمة، إذ معناها: نخصُّك بالعبادة ونفردك بها وهو معنى قوله: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ ١ و ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ ٢ لما عرف من علم البيان أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، أي: لا تعبدوا إلا الله ولا تعبدوا غيره، ولا تتقوا إلا الله، ولا تتقوا غيره -كما في الكشاف-.
فإفراد الله -تعالى- بتوحيد العبادة لا يكون إلا بأن يتم جميعها كلها له، والنداء في الشدائد والرخاء لا يكون إلا لله وحده، والاستغاثة والاستعانة بالله وحده، واللجأ إلى الله، والنذر له، والنحر له، وجميع أنواع العبادة، ومن يفعل شيئا من ذلك لمخلوق من حي أو ميت أو جماد فقد أشرك في العبادة، وصار من يفعل له هذه الأمور إلها لعابديه، سواء كان ملكا أو نبيا أو وليا أو شجرا أو قبرا أو جنيا، وصار بهذه العبادة أو بأي نوع منها عابدا لذلك المخلوق، وإن أقرَّ بالله وعبده، فإن إقرار المشركين بالله وتقربهم إليه لم يخرجهم عن الشرك، وعن وجوب سفك دمائهم وسبي ذراريهم ونهب أموالهم، فإن الله -تعالى- أغنى الشركاء عن الشرك لا يقبل عملا شورك فيه غيره، ولا يؤمن به عبد عَبَدَ معه غيره، كما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "يقول الله: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه"٣.
وقد عرفت من هذا كله أن من اعتقد في شجر أو حجر أو قبر أو ملك أو حي أو ميت أنه ينفع أو يضر، وأنه يقرب إلى الله أو يشفع عنده في حاجة من حوائج الدنيا بمجرد التشفع به إلى الرب -تعالى-، إلا ما ورد في حديث فيه مقال في حق نبينا ﷺ أو نحو ذلك- فإنه قد أشرك مع الله غيره، واعتقد ما لا يحل اعتقاده؛ لقوله -تعالى-: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ٤.
стр. 2383
وعن أنس قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله: يا ابن آدم إنك لو أتيتني بِقُرَابِ الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة"١، ٢.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: من أراد أن ينظر إلى وصية محمد ﷺ فليقرأ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ ٣ إلى قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٤.
وعن معاذ بن جبل قال: "كنت رديف النبي ﷺ على حمار، فقال: يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال ﷺ إن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا. قلت: يا رسول الله: أفلا أبشر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا"٥ أخرجاه في الصحيحين.
فصل
(في الشرك الأكبر بدعاء غير الله
[الدعاء اعتراف بالعبودية والذلة والمسكنة]
ومما تساهل فيه الناس من أنواع العبادة دعاء المسألة الذي أخبر الله به عن موسى وهارون بقوله -تعالى-: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ ٦ قال العلي العظيم: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ ٧ أي: ما سألتماه ﴿فَاسْتَقِيمَا﴾ ٨ على دعوة الله إلى أن يأتيهم العذاب.
وأخبر عن زكريا ﵇ بقوله: ﴿كهيعص ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ ٩ أي: دعا ﴿رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ ١٠ أي: دعا الله سرا في
стр. 2384
قومه ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ ١ وأخبر عن أيوب ﵇ بقوله: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ ٢ أي: دعاه ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ ٣ وقال -تعالى-: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ٤.
قال الجمهور: هو أمر بالدعاء الذي هو أخص من العبادة لقوله -تعالى-: ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ٥ وقيل: إنه أمر بالعبادة التي هي أعم من الدعاء لقوله -تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ ٦ فأجيب عن ذلك بأن الدعاء اعتراف بالعبودية والذلة والمسكنة، فما يتركه إلا مستكبر عن إظهار العبودية، ولمَّا عبَّر عن العبادة بالدعاء جعل الإثابة استجابة.
وعن النعمان بن بشير قال سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: "الدعاء هو العبادة، ثم قرأ ﴿وقال ربكم ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾ ٧ أي: صاغرين أخرجه أبو داود والترمذي، وقال حديث حسن صحيح وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "مَنْ لم يسأل الله يغضب عليه"٨ أخرجه الترمذي وعنه عن النبي ﷺ قال: "ليس شيء أكرم على الله من الدعاء"٩ أخرجه الترمذي.
[استجابة الدعاء الذي كملت شروطه]
فإذا استكملت شروط الدعاء حصلت الإجابة قطعا للوعد الحق؛ ولما رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ "ما من رجل يدعو الله إلا استجاب له، إما أن يعجله له في الدنيا، وإما أن يدخره له في الآخرة، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا، ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل. قالوا: يا رسول: وكيف يستعجل؟ قال: يقول: دعوت ولم يستجب لي" وقال -تعالى-: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ ١٠. قال ابن عباس: قال يهود المدينة، يا محمد، كيف يسمع ربنا دعاءنا، وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء خمسمائة عام وبين كل سماء خمسمائة عام، وغلظ
стр. 2385
كل سماء خمسمائة عام؟ فنزلت هذه الآية ١ وقيل: سأل بعض الصحابة النبي ﷺ أقريب ربنا فنناجيه أو بعيد فنناديه؟ فنزلت هذه الآية بقوله: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ ٢ أي: بالعلم لا يخفى عليه شيء.
وقال -تعالى-: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ ٣ أي: المكروب من مرض وبلاء ونازلة من نوازل الدهر، فإذا نزلت بأحد نازلة بادر إلى الالتجاء والتضرع إلى الله -تعالى-؛ فيجيب دعوته؛ فيكشف ما به من مرض وكرب وبلاء؛ لأنه لا يقدر على تغيير الحال من فقر إلى غنى، ومن مرض إلى صحة، ومن ضيق إلى سعة، إلا القادر الذي لا يعجز، والقاهر الذي لا يغلب ﴿مَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ ٤ تدعونه في جلب النفع وكشف الضر ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ٥ أي: تتعظون.
وقال صاحب الكشاف: "الاضطرار الحال المحوجة إلى الالتجاء، اضطره إلى كذا، والفاعل والمفعول مضطر ٦ وهو من أصابه مرض أو فقر أو نازل نزل به أحوجه إلى التضرع إلى الله"، وقال السيد: "الذي لا حول له ولا قوة"، والخلاف لفظي.
[الآيات في إبطال الشرك بدعاء غير الله]
وقال -تعالى-: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٧ أي: ادعوهم ليكشفوا عنكم الضر الذي نزل بكم فإنهم ﴿لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ ٨ من خير وشر ﴿هُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ٩ أي: لا شريك ولا معين ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ١٠ تكذيبا لهم حيث قالوا: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا﴾ ١١.
وقال -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ ١٢ القشرة الرفيعة التي على النواة ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا﴾ ١٣ على سبيل الفرض والتقدير؛ لأن لو حرف امتناع ﴿مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ ١٤ أي: ما أجابوكم فيما
стр. 2386
سألتموهم ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ ١ أي: يتبرءون منكم، ومن دعائكم ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ٢.
وقال -تعالى-: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ ٣ وذلك أن المشركين أصابهم قحط شديد حتى أكلوا الكلاب والجيف، فاستغاثوا بالنبي ﷺ ليدعو لهم، فقال الله عزوجل ﴿قُلِ﴾ ٤ للمشركين ﴿ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ﴾ ٥ أي: الجوع والقحط ﴿وَلا تَحْوِيلًا﴾ ٦ إلى غيركم.
والمقصود من الآية حيث قالوا: ليس لنا أهلية أن نشتغل بعبادة الله، فنحن نعبد هؤلاء المقربين إلى الله، وهم الملائكة، ثم إنهم اتخذوا لذلك الملك الذي عبدوه تمثالا وصورة، واشتغلوا بعبادته، فاحتجَّ على بطلان قولهم بهذه الآية، ثم قال -تعالى-: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ ٧ يعني: الذين يدعوهم المشركون ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ ٨ أي: القربة والدرجة العليا، قال ابن عباس: "هم عيسى وأمه والعزير والملائكة". وقال ابن مسعود: "نزلت هذه الآية في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن، فأسلم أولئك الجن، ولم يعلم الإنس بذلك، فتمسكوا بعبادتهم، فغيَّرهم الله من حال إلى حال، وأنزل هذه الآية". وقوله -تعالى-: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ ٩ معناه: أي ينظرون أيهم أقرب إلى الله فيتوسلون به، وقيل: أيهم أقرب يبتغي الوسيلة إلى الله بالعمل الصالح، وعليه الأكثرون ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ﴾ ١٠ أي: جنته ﴿وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ ١١ ناره كغيرهم، فإذا كان الملائكة والمسيح والعزير لا يقدرون على كشف الضر وجلب النفع فكيف بغيرهم؟!
وقال -تعالى-: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ﴾ ١٢ إن عبدته بشيء من أنواع العبادة ﴿وَلا يَضُرُّكَ﴾ ١٣ إن تركت عبادته ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ﴾ ١٤ ما نهيتك عنه، فعبدت غيري، أو طلبت النفع، وكشف الضر من غيري ﴿فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ١٥ فهذا الخطاب، وإن كان للنبي ﷺ فالمراد به غيره؛ لأنه ﷺ لم يدعُ من دون الله شيئا ألبتة، فعلى
стр. 2387
هذا المعنى المراد: ولا تدع من دون الله أيها الإنسان ما لا ينفعك ولا يضرك.
[إبطال ما تعلق به المشركون في اتخاذهم آلهة من دون الله]
وقال -تعالى-: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ ١ يعني: الأصنام لا تجيب دعاء عابديها فيما يسألونها ﴿لَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ٢ أي: لا تجيبهم ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ ٣ أي: لا يسمعون ولا يفهمون ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ٤ أي: جاحدين، وكل مَنْ دعا من دون الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فقد أشرك؛ لأن الدعاء اعتراف بالعبودية، فبدعائه له صيَّره إلها. وقال -تعالى-: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ ٥ يعني: دعوة الصدق، وقال علي: "دعوة الحق: التوحيد". وقال ابن عباس: "دعوة الحق: شهادة أن لا إله إلا الله". والخلاف بينهما لفظي، وقال صاحب الكشاف: دعوة الحق فيها وجهان: "أحدها": أن تضاف الدعوة إلى الحق الذي هو نقيض الباطل على أن الدعوة ملابسة للحق مختصة به، وأنها بمعزل عن الباطل، والمعنى أن الله يدعى؛ فيستجيب الدعوة، ويعطي الداعي سؤاله. "والوجه الثاني": أن تضاف الدعوة إلى الحق الذي هو الله على معنى دعوة الحق الذي يسمع ويجيب، وعن الحسن أنه الحق، وكل دعاء إليه دعوة الحق.
﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ ٦ أي: يدعونهم من دون الله ﴿لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْء﴾ ٧ أي: لا يجيبونهم فيما يسألونه منهم من نفع ودفع ضر إذا دعوهم ﴿إِلا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ ٨ يعني: أن استجابتهم لهم كاستجابة الماء لمن بسط كفيه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه، وكذلك ما يدعونه جمادا لا يحس دعاءهم، ولا يستطيع إجابتهم، وقيل: شبههم في قلة جدوى دعائهم لآلهتهم بمن أراد أن يغرف الماء بيده ليشرب به، فبسطهما ناشرا أصابعه، لا يكون منه في يده شيء، كذلك الذي يدعو الأصنام بأنها لا تضر ولا تنفع، ولا بيده منها شيء، وقال مجاهد: "كالعطشان الذي يرى الماء بعينه من بعيد، وهو يشير بكفيه إلى الماء، ويدعوه بلسانه، فلا يأتيه أبدا". وقال عطاء: "كالعطشان الجالس على شفير البئر، وهو يمد يده إلى الماء فلا هو يبلغ
стр. 2388
الماء، ولا الماء يرتفع إليه، فلا ينفعه بسط الكف إلى الماء، ودعاؤه له، كذلك الذين يدعون الأصنام لا ينفعهم دعاؤهم". وقال ابن عباس: "كالعطشان إذا بسط كفيه إلى الماء لا ينفعه ذلك ما لم يغرف، ولا يبلغ الماء فاه ما دام باسطا كفيه إلى الماء" ﴿وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ ١ أي: كل مدعو سواه يضل عمن دعاه إذا احتاج إليه، وقال ابن عباس: "إن أصواتهم محجوبة عن الله -تعالى-، وهذا مثل ضربه الله لمن يدعو غيره فيما لا يقدر عليه إلا هو ".
وقال -تعالى-: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ ٢ أي: ملك لله أمثالكم، لا يملكون لأنفسهم شيئا، فالذي لا يملك لنفسه شيئا من نفع كيف يتصور في حقه النفع لغيره؟! ﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٣ في دعواكم، وقال -تعالى-: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُم﴾ ٤ يعني: قل يا محمد لهؤلاء الذين تركوا عبادة الله وحده، وعبدوا معه غيره من الأصنام، أخبروني، تقول: أرأيتك، يعني: أخبرني بحالك، وأصله: أرأيتم، والكاف للتأكيد ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ ٥ قبل الموت، مثل ما نزل بالأمم الماضية من الغرق والخسف والصواعق، ونحو ذلك من العذاب ﴿أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾ ٦ أي: القيامة ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ ٧ في كشف العذاب عنكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٨ في دعواكم.
ومعنى الآية: أن الكفار إذا نزل بهم بلاء وشدة رجعوا إلى الله بالتضرع والدعاء، وتركوا الأصنام، فقيل لهم: أترجعون إلى الله في حال الشدة والبلاء، ولا تعبدونه وتطيعونه في اليسر والرخاء، ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ ٩ من الضر الذي من أجله دعوتموه، وإنما قيد الإجابة بالمشيئة رعاية للمصلحة، وإن كانت جميع الأمور بمشيئته ﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ ١٠ أي: تتركون دعاء الأصنام التي تدعونها؛ لأنها لا تضر ولا تنفع، وقيل: المعنى تركتم دعاء الأصنام بمنزلة من قد نسيها، وهذا قول الحسن، فقد نفى الله عما سواه ما يتعلق به المشركون من دعاء غيره من أن يكون له شرك في مثقال ذرة من نفع أو ضر،
стр. 2389
كما قال لنبيه وخليله: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ١ وقال: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ ٢ وقال ﷺ في حديث ابن مظعون: "ما يدري ما يفعل به"٣ وفي رواية "ما يفعل بي، وأنا رسول الله"٤.
وفي الصحيح عن أنس قال: "شُجَّ النبي ﷺ يوم أُحُدٍ، فقال: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ فنزلت عليه ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ ٥ وفيه عن ابن عمر: "أنه سمع النبي ﷺ يقول -إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر-: اللهم العن فلانا وفلانا، بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده، فأنزل الله عليه ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ ٦ و "لما نزل عليه ﷺ ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ صعد إلى الصفا فقال: يا معشر قريش -أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا، ويا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، ويا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا، ويا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا، سليني من مالي"٧ فإذا كان سيد الأولين والآخرين، وإمام المتقين، وحبيب رب العالمين، لا يملك لنفسه ولا لأقاربه نفعا ولا ضرا، فكيف بغيره ممن لا يعلم حاله مع ربه، ولا مصيره إلى نعيم أو جحيم؟!
فإن كان قيل فيمن عبد الملائكة وعيسى وأمه، والله يقول: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ ٨.
قال ابن القيم*: "في هذه الآية دليل على جواز الخطاب العام وإرادة الخاص من غير بيان تفصيلي ولا إجمالي، فإن لفظة "ما" عام يشمل المعبودين سوى الله، ولم يرد العموم مع تأخير بيان المخصص، فإنه لمَّا نزلت هذه الآية قال ابن الزِّبَعْرَى: والله لألزمن محمدا بهذه الآية، فحضر عند النبي ﷺ وقال: لقد عُبدت الملائكة وعُبد عيسى، فيجب أن يكون هؤلاء حصب جهنم، وهو خلاف دينك يا محمد،
стр. 2390
فسكت رسول الله ﷺ ولم ينكر عليه، فنزل بعد حين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ ١ فقد أطلق العام مع إرادة الخاص، وبين بعد حين".
واعترض على هذا الدليل بأنا لا نسلم احتياج الآية إلى البيان، وإنما تحتاج إليه لو دخلت الملائكة وعيسى في عموم الآية، وهو ممنوع؛ لأن "ما" لغير من يعقل، فلا تتناول الملائكة ولا عيسى؛ ولهذا نقل في بعض الروايات أن النبي ﷺ قال لابن الزبعرى: "ما أجهلك بلغة قومك، أما علمت أن "ما" لما لا يعقل، و "من" لمن يعقل ٢ وإنما نزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ ٣ زيادة بيان لجهل المعترض لا بيانا للآية السابقة.
وإن سلم أن كلمة "ما" تشملهم فلا تحتاج الآية إلى البيان أيضا؛ لأن العقل يحكم بخروجهم عن الآية؛ لأن تعذيب الملائكة وعيسى بذنب الغير -وهو عبادة الناس إياهم- غير جائز عقلا، وإنما يجوز تعذيبهم لو كانوا راضين بذلك، وهو مستحيل في حقهم.
فصل
﴿في توحيد الأسماء والصفات والمذهب الصحيح في ذلك﴾
[الإيمان بأسماء الله وصفاته]
فإذا عرفت ما تقرر من توحيد العبادة فاعلم بأن إيماننا بما ثبت في نعوته -تعالى- كإيماننا بذاته المقدسة، إذ الصفات تابعة للموصوف، فنعقل وجود الباري، ونميِّز ذاته المقدسة عن الأشباه من غير أن نعقل الماهية، فكذلك القول في صفاته، نؤمن بها، ونعقل وجودها، ونعلمها في الجملة من غير تكييف ولا تمثيل، ولا تشبيه ولا تعطيل، ونقول -كما قال السلف الصالح-: آمنا بالله على مراد الله، و ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٤ فالاستواء معلوم من الكتاب العزيز ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ٥.
وكل ما وصف الله به نفسه وجب الإيمان به، كما يجب الإيمان بذاته، والكيف
стр. 2391
مجهول فيهما لاستحالة تصوره؛ لقوله -تعالى-: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١ ومن ليس له مثل لا يمكن التصور في ذاته وصفاته لا شرعا ولا عقلا.
ومَن أوَّلَ فقد تصور المستحيل في حقه من المشابهة للحوادث، فما وسعهم مما تصوروه من التشبيه الواقع في أذهانهم إلا الفرار منه إلى التعطيل.
فأوَّلوا اليدين بالقدرة، وقد أثبت الله لنفسه يدا وقدرة، وأوَّلوا الاستواء بالاستيلاء المفيد للتجدد والحدوث في الملك، وهو مستحيل في حقه وعطَّلوا صفتين من صفاته، وقد قال -تعالى-: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٢ وقال -تعالى-: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ ٣ وقال -تعالى-: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٤ وقال -تعالى-: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ ٥ إلى غير ذلك من آيات الاستواء.
وقال -تعالى-: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ ٦ وقال -تعالى-: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ ٧. وقال -تعالى-: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ ٨.
وقال -تعالى-: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ﴾ ٩ وقال -تعالى-: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ ١٠ وقال -تعالى-: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ ١١ وقال -تعالى- في الملائكة: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ١٢ وقال -تعالى -: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ ١٣.
وقال -تعالى-: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ ١٤ وقال -تعالى-: ﴿أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ ١٥ "في" بمعنى "على" كقوله -تعالى-: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ١٦ وقوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ ١٧ أي: على
стр. 2392
الأرض، وعلى جذوع النخل، وكذلك في السماء، أي: على العرش فوق السماء إلى غير ذلك من نصوص القرآن العظيم جلَّ منزِّله، وتعالى قائله.
[الأحاديث المصرِّحة بعلو الله]
وأما السنة: فمن الأحاديث الواردة في العلو حديث معاوية بن الحكم السلمي قال: "كانت لي غنم بين أحد والجوانية فيها جارية لي، فاطلعت ذات يوم، فإذا الذئب قد ذهب منها بشاة، وأنا رجل من بني آدم فأسفت، فصككتها، فأتيت إلى النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فعظم ذلك علي، فقلت: يا رسول الله: أفلا أعتقها؟ قال: ادعها. فدعوتها، فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء قال: مَنْ أنا؟ قالت: أنت رسول الله ﷺ قال: أعتقها فإنها مؤمنة"١ هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي، وغير واحد من الأئمة في تصانيفهم.
وقال عطاء بن يسار: حدثني صاحب الجارية نفسه قال: "كانت لي جارية ترعى"٢ الحديث، وفيه: "فمد النبي ﷺ يده إليها مستفهما: مَنْ في السماء؟ قالت: الله. قال: فمن أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مسلمة. "وقال النسائي في تفسيره في قوله -تعالى-: ﴿ثم استوى إلى السماء﴾ ٣ أنبأنا قتيبة عن مالك عن هلال بن أسامة عن عمر بن الحكم قال: "أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله: إن جارية لي كانت ترعى غنما لي، فجئتها ففقدت شاة من الغنم، سألتها عنها، فقالت: أكلها الذئب، فأسفت عليها، وكنت رجلا من بني آدم، فلطمت وجهها، وعلي رقبة فأعتقها؟ فقال لها رسول الله ﷺ أين الله؟ قالت: في السماء. قال: فمن أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: فأعتقها"٤ كذا سمَّاه مالك عمر بن الحكم.
وعن أبي هريرة قال: "جاء رجل إلى رسول الله ﷺ بجارية أعجمية فقال: يا رسول الله: إن علي رقبة مؤمنة، فأعتق هذه؟ فقال لها: أين الله؟ فأشارت إلى السماء، قال: فمن أنا؟ فأشارت إلى رسول الله ﷺ ثم إلى السماء، قال: أعتقها فإنها مؤمنة"٥.
стр. 2393
وعن ابن عباس ﵄ قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ ومعه جارية سوداء أعجمية، فقال: عليَّ رقبة، فهل تجزئ هذه عني؟ فقال: أين الله؟ فأشارت بيدها إلى السماء، فقال: مَنْ أنا؟ قلت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة".
حديث أسامة بن زيد الليثي عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: "جاء حاطب إلى رسول الله ﷺ بجارية له فقال: يا رسول الله: إن عليَّ رقبة، فهل تجزئ هذه عني؟ فقال لها رسول الله ﷺ من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: فأين ربك؟ فأشارت إلى السماء، قال: أعتقها فإنها مؤمنة" وهو مرسل.
حديث جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ قال في خطبة يوم عرفة: "ألا هل بلغت، فجعل يرفع أصبعه إلى السماء وَيَنْكُبُهَا إليهم ويقول: اللهم اشهد"١ أخرجه مسلم.
وحديث أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم بهم، كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون"٢ متفق عليه.
وعن أبي رزين العقيلي قال: "قلت: يا رسول الله: أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ قال: كان في عماء"٣ قال أبو عبيد: "العماء: الغمام". وقال خالد بن يزيد الرازي: "أخطأ أبو عبيد إنما العمى مقصور، ولا يدرى أين كان الرب -تعالى-"، وقيل: معناه مقصور لا شيء معه فوق هواء، وما تحته هواء، ثم خلق العرش، ثم استوى عليه. رواه الترمذي وابن ماجه وإسناده حسن.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"٤ أخرجه أبو داود والترمذي.
وعن عبد الله بن مسعود: "ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء"٥.
стр. 2394
وعن أنس أن زينب بنت جحش كانت تفتخر على أزواج النبي ﷺ تقول: "زوَّجكن أهاليكن، وزوَّجني الله من فوق سبع سماوات" وفي لفظ: أنها قالت للنبي ﷺ "زوجنيك الرحمن من فوق عرشه" أخرجه البخاري.
وعن أبي سعيد الخدري قال رسول الله ﷺ "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحا ومساء؟ "١ متفق عليه.
وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه، إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها، حتى يرضى عنها زوجها"٢ أخرجه مسلم.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "لما أُلْقِي إبراهيم ﵇ في النار قال: اللهم إنك واحد في السماء، وأنا في الأرض واحد أعبدك" هذا حديث حسن الإسناد ..
وعن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ كان يقول: "من توضَّأ فأحسن الوضوء، ثم قام إلى الصلاة، فأتمَّ ركوعها وسجودها والقراءة فيها، قالت: حفظك الله كما حفظتني، ثم صُعد بها إلى السماء، ولها نور وضوء، وفتحت لها أبواب السماء، حتى يُنْتَهَى بها إلى الله فتشفع لصاحبها".
وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إن الميت يحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، أبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم تعرج بها إلى السماء التي فيها الله -تعالى-"٣ رواه أحمد في مسنده، والحاكم في مستدركه، وهو على شرط البخاري ومسلم.
وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ "بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور، فيرفعون رءوسهم، فإذا الرب ﷻ قد أشرف عليهم، فقال: السلام عليكم"
стр. 2395
يا أهل الجنة. فذلك قوله: عزوجل"سلام قولا من رب رحيم" أخرجه ابن ماجه في سننه.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "من تصدَّق بعدل تمرة من كسب طيب -ولا يصعد إلى الله إلا طيب- فإنه يقبلها بيمينه، ويربيها لصاحبها حتى تكون مثل الجبل"١ أخرجه البخاري.
وعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرْفَعُ إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور -وفي رواية النار- لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره"٢ أخرجه الشيخان.
وقال ﷺ لِحُصَيْنٍ: "كم تعد لنفسك من إله؟ قال: سبعة: ستة في الأرض، وواحد في السماء، قال: فأيهم تعد لرهبتك ورغبتك؟ قال: الذي في السماء. فقال له ﷺ أما إنك لو أسلمت لعلمتك كلمتين ينفعانك، فلما أسلم حصين قال له: قل: "اللهم ألهمني رشدي وعافني من شر نفسي" أخرجه ابن خزيمة في كتاب التوحيد.
وروى الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "لما قضى الله الخلق كتب في كتاب، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي"٣ وفي رواية للبخاري: "إن الله كتب كتابا، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي، فهو مكتوب عنده فوق العرش"٤.
وفي رواية لهما: "إن الله لما خلق الخلق"٥ وعند مسلم: "لما قضى الله الخلق كتب في كتاب كتبه على نفسه، فهو موضوع عنده"٦ زاد البخاري "على العرش"٧ ثم اتفقا "إن رحمتي تغلب غضبي"٨.
وعن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من اشتكى منكم أو اشتكى أخ له فليقل: ربنا الله الذي في السماء تقدَّس اسمك، أمرك في السماء والأرض،
стр. 2396
كما رحمتك في السماء، اجعل رحمتك في الأرض، واغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك، وشفاء من شفائك على هذا الوجع. فيبرأ" ١ أخرجه أبو داود.
وهكذا حال من يسأل: أين الله؟ يبادر بفطرته، ويقول: في السماء. ففي الخبر مسألتان:
"أحدهما": قول السائل: أين الله؟ "وثانيها": قول المسئول: في السماء. فمن أنكر هاتين المسألتين، فإنما ينكر على رسول الله ﷺ ؛ لأنه قالهما، وأقرهما من غيره، والعياذ بالله من الإعراض عما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله.
ولم تخبر الرسل بما تستحيله العقول، بل أخبارهم قسمان:
"أحدهما": ما يشهد به العقل والنظر.
"والثاني": ما لا تدركه العقول بمجردها كالغيوب التي أخبروا بها عن تفاصيل البرزخ، واليوم الآخر، وتفاصيل العقاب والثواب، ولا يكون خبرهم محالا في العقول أصلا.
وكل خبر تظن أن العقل يحيله فلا يخلو من أحد أمرين: إما لعدم صحة في النقل أو لفساد في العقل، والعقل الصحيح لا يخالف النص الصريح.
[قول الإمام مالك في الاستواء]
واختلف السلف في الاستواء، فقال قوم: "استوى بمعنى استقرَّ"، ومنهم ابن عباس ﵄ كما رواه البيهقي في الأسماء والصفات، وهو استقرار يليق بذاته.
وقال آخرون -منهم سفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك، وغيرهم من علماء السلف-: "إقرارها وإمرارها كما جاءت بلا كيف". وقال البغوي: "أهل السنة يقولون: الاستواء على العرش صفة الله بلا كيف، يجب على الإنسان الإيمان به، ويكل العلم به إلى الله ".
وروى البيهقي بسنده عن عبد الله بن وهب قال: كنا عند مالك بن أنس، فدخل رجل، فقال: يا أبا عبد الله: ﴿الرحمن عفلى العرش استوى﴾ ٢ كيف استوى؟ قال:
стр. 2397
فأطرق مالك، وأخذته الرحضاء، ثم رفع رأسه، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١ كما وصف نفسه، ولا يقال: كيف؟ وكيف عنه مرفوع، وأنت رجل سوء صاحب بدعة، أخرجوه، فَأُخْرِجَ الرجل.
وفي رواية يحيى قال: كنا عند مالك بن أنس، فجاء رجل، فقال: يا أبا عبد الله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٢ كيف استواؤه؟ فأطرق مالك رأسه حتى علاه الرحضاء، ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعا.
[ما ورد في القرآن والأحاديث في صفة وجه الله الكريم]
وقال -تعالى-: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ ٣ وقال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ ٤ وقال: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ وقال: ﴿نَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ ٥ وقال: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ ٦ وقال: ﴿إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ ٧ وقال: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَه﴾ ٨.
وروى البخاري عن جابر بن عبد الله قال: "لما نزل على النبي ﷺ ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم﴾ قال: أعوذ بوجهك "أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض" قال: هاتان أهون وأيسر"٩.
وروى البخاري عن أبي موسى الأشعري قال: قال النبي ﷺ "جنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وأن ينظروا إلى وجه ربهم عزوجل إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن"١٠.
وروى البخاري عن عتبان بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ "حرَّم الله على النار أن تأكل مَنْ قال: لا إله إلا الله. يبتغي بها وجه الله"١١.
وروى مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: "كنا مع رسول الله ﷺ ونحن ستة نفر، فقال المشركون: اطرد هؤلاء عنك، لا يجترئون علينا، وكنت وعبد الله بن مسعود -أظنه قال: وبلال ورجل من هذيل، ورجلان قد نسيت اسمهما- فوقع
стр. 2398
في نفس النبي ﷺ ما شاء الله أن يحدث به نفسه، فأنزل الله ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾ الآية.
[صفة اليد لله تعالى وما ورد فيها من النصوص]
وقال -تعالى-: ﴿اإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ١ وقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ٢.
وروى الشيخان عن أنس بن مالك أن نبي الله ﷺ قال: "يُجْمَعُ المؤمنون يوم القيامة، فيهتمون لذلك، فيقولون: لو استشفعنا على ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيأتون آدم فيقولون: يا آدم: أنت أبو الناس خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلَّمك أسماء كل شيء، اشفع لنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا"٣ وذكر الحديث بطوله.
وروى البخاري عن أبي هريرة قال: "أُتِيَ رسول الله ﷺ يوما بلحم فَدُفِعَ إليه الذراع، وكانت تعجبه، فنهش منها نهشة ثم قال: أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون لم ذلك؟ "٤ قال: فذكر حديث الشفاعة، وفيه: "فيأتون آدم فيقولون: يا آدم: أنت أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه -أظنه قال:- وعلَّمك أسماء كل شيء، اشفع لنا إلى ربك"٥.
وروى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "احتجَّ آدم وموسى، فقال موسى: أنت الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه"٦ إلخ.
وروى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "احتجَّ آدم وموسى، فقال موسى لآدم: أنت أبونا جئت، وأخرجتنا من الجنة. فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه، وخطَّ لك في الألواح بيده"٧ إلخ.
وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ "خلق الله جنات عدن، وغرس أشجارها بيده، فقال لها: تكلَّمي فقالت: "قد أفلح المؤمنون".
стр. 2399
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "كتب ربكم ﵎ على نفسه بيده قبل أن يخلق الخلق: إن رحمتي سبقت غضبي"١.
وعن ابن عمر قال: "خلق الله أربعة أشياء بيده: العرش وجنات عدن وآدم والقلم، واحتجب من الخلق بأربعة: بنار وظلمة ونور فظلمة".
وقد تكون اليد في غير هذه المواضع بمعنى القوة، قال الله -تعالى-: ﴿اذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ﴾ ٢ أي: ذا القوة، وقد تكون بمعنى النعمة، تقول العرب: كم يد لي عند فلان، أي: كم من نعمة لي قد أسديتها إليه، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٣ وقال: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ ٤.
وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "يقبض الله ﵎ الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ "٥ رواه البخاري. وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: "المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور، على يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين"٦.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "لمَّا خلق الله آدم، ونفخ فيه الروح عطس، فقال: الحمد لله. فحمد الله بإذن الله، فقال له ربه: رحمك ربك يا آدم، وقال له: يا آدم: اذهب إلى أولئك الملائكة، إلى ملأ منهم جلوس فقل: السلام عليكم. فذهب وسلَّم، قالوا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. ثم رجع إلى ربه، فقال: هذه تحيتك وتحية بنيك. فقال الله ﵎ له، ويداه مقبوضتان-: أيهما شئت؟ فقال: اخترت يمين ربي، وكلتا يدي ربي يمين مباركة، ثم بسطها فإذا فيها آدم وذريته"وذكر الحديث.
وسُئِلَ عمر بن الخطاب عن قوله -تعالى-: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ
стр. 2400
ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ ١ الآية. فقال عمر بن الخطاب ﵁ سمعت رسول الله ﷺ سئل عنها، فقال رسول الله ﷺ "خلق الله آدم، ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره، واستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون، فقال رجل: يا رسول الله: فَفِيمَ العمل؟ فقال رسول الله ﷺ إن الله إذا خلق الرجل للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة؛ فيدخله به الجنة، وإذا خلق الرجل للنار استعمله بعمل أهل النار؛ فيدخله به النار".
وعن هشام بن حكيم أن رجلا أتى رسول الله ﷺ فقال: "يا رسول الله: أنبتدأ الأعمال أم قد قضى القضاء؟ فقال رسول الله ﷺ إن الله أخذ ذرية بني آدم من ظهورهم، وأشهدهم على أنفسهم، ثم أفاض بهم في كفيه، فقال: هؤلاء للجنة، وهؤلاء للنار، فأهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة، وأهل النار ميسرون لعمل أهل النار".
[صفة اليمنى والأصبع لله تعالى]
وروى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "ما تصدَّق أحد بصدقة من طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه -وإن كانت تمرة - فتربو في كفِّ الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل، كما يُرَبِّي أحدكم فَلُوَّهُ أو فَصِيلَهُ"٢ وقال ﷺ "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يصعد إلى الله إلا طيب، فإن الله ﵁ يتقبلها بيمينه فيربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى يكون مثل أحد"٣ أخرجه البخاري.
وروى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة، سَحَّاءُ الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؟ فإنه لم ينقص مما في يمينه -قال:- وعرشه على الماء، وبيده الأخرى القسط يرفع ويخفض"٤.
стр. 2401
وروى مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: "أتى النبي ﷺ رجل من أهل الكتاب، فقال: يا أبا القاسم: أَبَلَغَكَ أن الله يجعل السماوات على أصبع، والأرضين على أصبع، والشجر على أصبع، والثرى على أصبع، والخلائق على أصبع؟ فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، فأنزل ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه﴾ "١.
وروى البخاري عن عبد الله بن مسعود قال: "جاء حبر إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد -أو يا رسول الله-: إن الله جعل السماوات على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال على أصبع، والشجر على أصبع، والماء والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، فيهزهنَّ، ويقول: أنا الملك. قال: فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر، ثم قرأ ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه﴾ "٢ إلخ.
وروى الشيخان عن عبد الله بن مسعود قال: "جاء حبر إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد: إن الله يضع السماء على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال على أصبع، والشجر على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، ثم يقول: أنا الملك. فضحك رسول الله ﷺ وقال: ﴿ما قدروا الله حق قدره﴾ ٣ وفي رواية: "والماء والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، يهزهنَّ"٤ وفيه أن رسول الله ﷺ "ضحك حتى بدت نواجذه عجبا وتصديقا له، ثم قرأ: ﴿ما قدروا الله حق قدره﴾ ٥ الآية.
وروى الشيخان عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ "يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيمينه، ثم يقول: أنا الملك. أين الجبارون؟ أين المستكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك. أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ "٦ وفي رواية يقول: "إن الله يقبض أصابعه ويبسطها، ثم يقول: أنا الملك. أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ "٧ وفي رواية يقول: "أنا الله، ويقبض أصابعه ويبسطها، ثم يقول: أنا
стр. 2402
الملك. حتى نظرت إلى المنبر يتحرَّك من أسفله حتى إني أقول: أَسَاقِطٌ هو برسول الله ﷺ ؟ "١ هذا لفظ مسلم والبخاري: "إن الله يقبض يوم القيامة الأرضين، وتكون السماوات بيمينه، ويقول: أنا الملك"٢.
وروى البخاري عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يقبض الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك. أين ملوك الأرض؟ "٣ وقال ﷺ "قلوب الخلائق بين أصبعين من أصابع الرحمن، يُقَلِّبُهَا كيف يشاء"٤.
[صفة القدم لله وإتيانه في ظلل من الغمام]
وروى البخاري عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ "لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فتقول: قَطْ قَطْ وعزتك، وينزوي بعضها إلى بعض"٥.
وروى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "تحاجَّت الجنة والنار، فقالت النار: أُوثِرْتُ بالمتكبرين والمتجبرين. وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟ قال الله للجنة: إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي. وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله فيها رجله، فتقول: قَطْ قَطْ قَطْ، فهنالك تمتلئ، وينزوي بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحدا، وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقا"٦ وقال -تعالى-: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ ٧ وقال -تعالى-: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ ٨ وقال -تعالى-: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ ٩.
وقد ذكر الإمام أبو جعفر ابن جرير هنا حديث الصور بطوله عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ وهو حديث مشهور، وساقه غير واحد من أصحاب الأسانيد وغيرهم، وفيه: "إن الناس إذا اهتموا لموقفهم في العَرَصَات تشفَّعوا إلى ربهم بالأنبياء واحدا بعد واحد، من آدم ﵇ فمن بعده، فكلهم يحيدون حتى ينتهوا إلى
стр. 2403
محمد ﷺ فإذا جاءوا إليه قال: أنا لها أنا لها، فيذهب ويسجد لله تحت العرش، ويشفع عند الله في أن يأتي لفصل القضاء بين العباد، فيشفعه الله، ويأتي في ظلل من الغمام بعد ما تشقق السماء الدنيا، وينزل ما فيها من الملائكة، ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة إلى السابعة، وتنزل حملة العرش والكروبيون، وينزل الجبار في ظلل من الغمام والملائكة، لهم زجل في تسبيحهم يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان ذي العرش والجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، قدوس قدوس سبحان ربنا الأعلى، سبحان ذي السلطان والعظمة، سبحانه أبدا أبدا".
وعن عبد الله بن عمرو في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ ١ الآية قال: "يهبط حين يهبط وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب، منها: النور والظلمة والماء، فيصوت الماء في تلك الظلمة صوتا تنخلع منه القلوب".
وعن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: "يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم، قياما شاخصة أبصارهم إلى السماء، ينظرون فصل القضاء، وينزل الله في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي"وعن مجاهد: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ قال: "هو السحاب، ولم يكن قط إلا لبني إسرائيل في تيههم".
وقال أبو العالية: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ فالملائكة يجيئون في ظلل من الغمام، والله -تعالى- يجيء فيما شاء، وهي في بعض القراءة: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ وهي كقوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ ٢.
[نزول الرب سبحانه وكلماته]
وقال ﷺ "ينزل ربنا إلى سماء الدنيا"٣ الحديث. وقال الله -تعالى-: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ ٤ وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ
стр. 2404
مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ ١. وقال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ٢ ولم يقل: حتى يرى خلق الله. وقال: ﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ ٣ وقال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ ٤ وقال: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ ٥ وقال: ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ٦ قال: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ ٧.
وقال: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ ٨ وقال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ٩ وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ ١٠ وقال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ ١١.
وروى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "تكفَّل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله، وتصديق كلماته أن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر وغنيمة"١٢.
وروى مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "تكفَّل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا جهاد في سبيله، وتصديق كلمته بأن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر وغنيمة"١٣.
وعن أبي موسى الأشعري قال: "أتى النبي ﷺ رجل، فقال: يا رسول الله، الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ قال رسول الله ﷺ مَنْ قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"١٤ رواه مسلم.
وروى البخاري عن ابن عباس قال: "كان النبي ﷺ يعوذ الحسن والحسين، أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة، ثم يقول: كان أبوكما يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق"١٥.
стр. 2405
وعن خولة بنت حكيم أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا نزل أحدكم منزلا فليقل: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، فإنه لا يضره شيء حتى يرتحل منه"١.
قال يعقوب بن عبد الله عن القعقاع بن حكيم عن ذكوان عن أبي هريرة أنه قال: "جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله: ما لقيت من عقرب لدغني البارحة، قال: أما أنك لو قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم تضرك" رواه مسلم ومالك والترمذي.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "كان رسول الله ﷺ يعلمنا كلمات نقولهن عند النوم من الفزع: بسم الله، أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه، وشر عباده، ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون"٢ فكان عبد الله بن عمرو يعلمها من بلغ من ولده، ومن لم يبلغ كتبها وعلقها عليه.
فاستعاذ رسول الله ﷺ وأمر أن يستعاذ في هذه الأخبار بكلمات الله -تعالى- كما أمره الله -جل ثناؤه- أن يستعيذ به فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ ٣ وقال: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ ٤ ولا يصح أن يستعيذ المخلوق بالمخلوق، فدَّل أنه استعاذ بصفة من صفات ذاته، وهي غير مخلوقة كما أمره الله أن يستعيذ بذاته، وذاته غير مخلوقة.
قال البيهقي: روى ميسرة عن علي عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول عند مضجعه: "اللهم إني أعوذ بوجهك الكريم، وبكلماتك التامة من شر ما أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت تكشف المغرم والمأثم، لا يُهْزَمُ جندُك، ولا يُخْلفُ وعدُك، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، سبحانك وبحمدك".
فاستعاذ رسول الله ﷺ بكلمات الله كما استعاذ بوجهه الكريم، فكما أن وجهه الذي استعاذ به غير مخلوق، فكذلك كلماته التي استعاذ بها غير
стр. 2406
مخلوقة، وكلام الله -تعالى- واحد، وإنما جاء بلفظ الجمع على معنى التفخيم والتعظيم.
وهذه الآيات والأحاديث صريحة في أن المسموع كلام الله، وأنه قديم، والقول هو الكلام، قال الله ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ ١ وقال: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ ٢ وقال: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ ٣ وقال: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ ٤ وقال: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ ٥ وقال: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ ٦ فأثبت الله -جل ثناؤه- لنفسه صفة القول في هذه الآيات.
وروى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا تهجَّد من الليل قال: اللهم لك الحمد، أنت نور السماوات والأرض، ولك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك الحق، ولقاؤك الحق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدَّمت وما أخَّرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت إلهي لا إله إلا أنت"٧.
وقد قال -تعالى-: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ٨ فوصف نفسه بالتكليم، ووكده بالتكرار فقال: ﴿تكليما﴾. وقال -تعالى-: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ ٩ وذكر في غير آية من كتابه ما كلَّم به موسى ﵇ فقال: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ ١٠ إلى قوله: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ ١١ وقال: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ١٢ فهذا كلام سمعه موسى من ربه بلا ترجمان كان بينه وبينه، فدعاه إلى وحدانيته، وأمره بعبادته، وإقامة الصلاة لذكره، وأخبر أنه اصطنعه لنفسه، واصطفاه برسالاته وبكلامه.
وروى البخاري عن أبي هريرة قال: قال: رسول الله ﷺ "احتجَّ آدم وموسى،
стр. 2407
فقال موسى: يا آدم: أنت أبونا خَيَّبْتَنَا وأخرجتنا من الجنة. فقال له آدم: يا موسى: اصطفاك الله بكلامه، وخطَّ لك التوراة أتلومني على أمر قدَّره عليَّ قبل أن يخلقني؟! قال فحجَّ آدم موسى"١.
وفي هذا أن موسى كلَّمه الله تكليما، وسمع كلامه بلا واسطة.
وأما قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ ٢ فالوحي أول ما أرى الله الأنبياء في منامهم.
قال الشافعي ﵀ وغيره من العلماء: "رؤيا الأنبياء وحي لقول ابن إبراهيم لما أُمِرَ أبوه في المنام بذبحه: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ ٣".
[أنواع تكليم الله تعالى لأنبيائه]
وأما الكلام من وراء حجاب: فهو كما كلَّم الله موسى من وراء حجاب.
وروى البيهقي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إن موسى ﵇ قال: يا رب: أرنا الذي أخرجنا ونفسه من الجنة، فأراه الله آدم ﵇، فقال: أنت أبونا آدم؟ فقال له أبونا آدم: نعم، فقال: أنت الذي نفخ الله فيك من روحه، وعلَّمك الأسماء كلها، وأمر الملائكة فسجدوا لك؟ قال: نعم، قال: فما حملك على أن أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ قال له آدم: فمن أنت؟ قال: أنا موسى، قال: أنت نبي بني إسرائيل الذي كلمك الله من وراء حجاب، لم يجعل بينك وبينه رسولا من خلقه؟ قال: نعم"٤ إلخ الحديث.
وأما الكلام بالرسالة: فهو إرسال الروح الأمين إلى من شاء من عباده، قال الله -تعالى-: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ ٥ والأحاديث في ذلك كثيرة.
قال البيهقي: وقد كان لنبينا ﷺ هذه الأنواع الثلاثة: أما الرسالة: فقد كان جبريل يأتيه بها من عند الله .
وأما الرؤيا في المنام: فقد قال الله -تعالى-: ﴿قَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ﴾ ٦. وأما التكليم: فقد قال الله ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ ٧ ثم كان فيما أوحى
стр. 2408
إليه ليلة المعراج خمسين صلاة، فلم يزل يسأل ربه التخفيف لأمته حتى صارت إلى خمس صلوات، وقال له ربه: "ما يبدل القول لدي " وهي بخمسين صلاة"١.
[مذاهب الفرق في رؤية الله تعالى وعلوه]
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "قلنا يا رسول الله: هل نرى ربنا -جل ذكره-؟ قال: هل تضارون في رؤية الشمس إذا كان صحو؟ قلنا: لا. قال: فتضارون في رؤية القمر ليلة البدر إذا كان صحو؟ قلنا: لا. قال: فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤيتهما، ثم ينادي منادٍ: ليذهب كل قوم مع من كانوا يعبدون"٢ فذكر الحديث، قال فيه: "فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونها؟ فيقولون: الساق، فيكشف عن ساقه؛ فيسجد له كل مؤمن، ويبقى من كان يسجد رياء وسمعة، فيذهب كيما يسجد، فيعود ظهره طبقا واحدا"٣.
وقال ﷺ "إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون الشمس لا تُضَامُّون في رؤيتها"٤.
فأما أهل الحديث والسنة المحضة فإنهم متفقون على إثبات العلو والمباينة والرؤية، والمعتزلة ينفونها، واختلف الأشعرية في العلو واتفقوا على الرؤية بلا مقابلة.
قال ابن القيم: من أثبت أحدهما، ونفى الآخر فهو أقرب إلى الشرع والعقل ممن نفاهما؛ لأن الآيات والأحاديث والآثار المنقولة عن الصحابة في دلالتها على العلو والرؤية أعظم من أن تنحصر، وليس مع نفاة الرؤية والعلو ما يصلح أن يذكر من الأدلة الشرعية، وإنما يزعمون أن عندهم أدلة عقلية.
فقول الأشعرية المتناقضين في العلو خير من قول المعتزلة النافين للرؤية والعلو، وذلك أنا إذا عرضنا على العقل وجود موجود لا يشار إليه، ولا يصعد إليه شيء، ولا ينزل منه شيء، ولا هو داخل العالم، ولا هو خارجه، ولا ترفع الأيدي إليه، ولا هو فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا خلف ولا إمام، كانت الفِطَرُ تنكر ذلك، والعقول الصحيحة؛ لأنه لو قيل لك: صف شيئا بالعدم لما قلت أكثر من ذلك كما قاله الحافظ الذهبي.
стр. 2409
[الأدلة على رؤية الله تعالى]:
[قوله تعالى: لن تراني]
وقد تمسَّك مَنْ نفى الرؤية من أهل البدع والخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة بقوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ١ وقال: "لن" تكون لتأييد النفي ودوامه، والمعتزلة لا يشهد لهم بذلك كتاب ولا سنة، وما قالوه في أن "لن" للتأبيد خطأ بيِّن، وليس يشهد لما قالوه نص عن أهل اللغة والعربية.
ويدل على ذلك قوله -تعالى- في اليهود: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ ٢ مع أنهم يتمنون الموت يوم القيامة، ويدل عليه قوله -تعالى-: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ ٣. وقوله ﴿يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾.
وقد اتفق على الرؤية الأنبياء والمرسلون وجميع الصحابة والتابعين، وأئمة الإسلام على تتابع القرون، وأنكرها أهل البدع المارقون والجهمية المهوكون والفرعونيون المعطلون والباطنية الذين هم من جميع الأديان منسلخون، والرافضة الذين هم بحبائل الشيطان متمسكون، وعن حبل الله منقطعون، ولكل عدو لله ورسوله ولأمته مسالمون، وكل هؤلاء عن ربهم محجوبون، وعن بابه مطرودون، أولئك أحزاب الضلال شيعة اللعين، وقد قال -تعالى-: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ ٤.
فبيان الدلالة من هذه الآية على الرؤية من وجوه عديدة:
"أحدها": أنه لا يظن بكليم الرحمن أن يسأل ربه ما لا يجوز عليه، بل ذلك من أبطل الباطل، وأعظم المحال، فيالله العجب كيف صار اتباع الصابئة والمجوس والمشركين وفروخ الجهمية والفرعونية أعلم بما يجب لله، ويستحيل عليه، وأشد تنزيها له من رسوله وكليمه؟!
"الوجه الثاني": أن الله -سبحانه- لم ينكر عليه سؤاله، ولو كان محالا لأنكره عليه؛ ولهذا لما سأل إبراهيم الخليل ربه أن يريه كيف يحيي الموتى لم ينكر عليه، ولما سأل عيسى ابن مريم ربه أن ينزل مائدة من السماء لم ينكر سؤاله، ولما سأل
стр. 2410
نوح ربه نجاة ابنه أنكر عليه سؤاله وقال ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١.
"الوجه الثالث" أنه أجابه بقوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ٢ ولم يقل: إني لا أرى، ولا: إني لست بمرئي، أو: لا تجوز رؤيتي، والفرق بين الجوابين ظاهر لمن تأمله، وهذا يدل على أنه -سبحانه- مرئي، ولكن موسى لا تحمل قواه رؤيته في هذا الدار، لضعف قوة البشر عن رؤيته -تعالى-. يوضحه:
"الوجه الرابع" وهو قوله: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ ٣ فأعلمه أن الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت، لتجليه له في هذه الدار، فكيف بالبشر الضعيف، الذي خلق من ضعف؟
"الوجه الخامس" أن الله -سبحانه- قادر على أن يجعل الجبل مستقرا مكانه، وليس هذا بممتنع في مقدوره، بل هو ممكن، وقد علق به الرؤية، ولو كانت محالا في ذاتها لم يعلقها بالممكن في ذاته.
"الوجه السادس" قوله: ﴿لَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ ٤ وهذا من أبين الأدلة على جواز رؤيته ﵎ فإنه إذا جاز أن يتجلى للجبل، الذي هو جماد لا ثواب له ولا عقاب، فكيف يمتنع أن يتجلى لأنبيائه ورسله وأوليائه في دار كرامته، ويريهم نفسه؟ فأعلم -سبحانه- موسى ﵇ أن الجبل إذا لم يثبت لرؤيته في هذه الدار، فالبشر أضعف.
"الوجه السابع" أن الله -سبحانه- قد كلمه منه إليه، وخاطبه وناجاه وناداه، ومن جاز عليه التكلم والتكليم، وسمع كلامه بغير واسطة فرؤيته أولى بالجواز، ولهذا لا يتم إنكار الرؤية إلا بإنكار التكليم.
وقد جمعت هذه الطوائف بين إنكار الأمرين فأنكروا أن يكلم الله أحدا أو يراه
стр. 2411
أحد، ولهذا سأله موسى النظر إليه لما أسمعه كلامه، وعلم نبي الله جواز رؤيته من وقوع خطابه وتكليمه، ولم يخبر -سبحانه- باستحالة ذلك عليه، ولكن أراه أن ما سأله لا يقدر على احتماله، كما لم يثبت الجبل لتجليه.
وأما قوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ١ فإنما يدل على النفي في المستقبل، ولا يدل على دوامه، ولو قيد بالتأبيد فكيف إذا أطلق كما قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ ٢ مع قوله: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ ٣.
[قوله تعالى: واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه]
والدليل الثاني قوله -تعالى -: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ﴾ ٤ وقوله -تعالى-: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ ٥ وقوله -تعالى-: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ ٦ وقوله -تعالى-: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ ٧. وأجمع أهل اللسان أن اللقاء متى نُسِب إلى الحي السليم من العَمى والمانع اقتضى المعاينةَ والرؤيةَ، ولا ينتقض هذا بقوله -تعالى-: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ ٨. فقد دلت الأحاديث الصحيحة والصريحة على أن المنافقين يرونه في عرصات القيامة، بل والكفار أيضا كما في الصحيحين من حديث التجلي يوم القيامة.
وفي هذه المسألة ثلاثة أقوال لأهل السنة: "أحدها": أنه لا يراه إلا المؤمنون. "والثاني": يراه المؤمن والمنافق. "والثالث": يراه جميع أهل الموقف، مؤمنهم وكافرهم، ثم يحتجب عن الكفار، فلا يرونه بعد ذلك، والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد، وهي لأصحابه، وكذلك الأقوال الثلاثة بعينها في تكلمه لهم، ولشيخ الإسلام في ذلك مصنف مفرد*، حكى فيه الأقوال الثلاثة، وحجج أصحابها.
وكذلك قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ ٩ إن عاد الضمير على العمل فهو رؤيته في الكتاب مسطورا، وإن عاد على الرب -تعالى- فهو لقاؤه الذي وعد به.
стр. 2412
[قوله تعالى: والله يدعوا إلى دار السلام]
"والدليل الثالث" قوله -تعالى-: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ١ فالحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجهه الكريم، وكذلك فسرها الذي أنزل عليه القرآن ﷺ والصحابة بعده. كما رواه مسلم في صحيحه، من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب ﵁ قال: قرأ ﷺ ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ٢ ثم قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة: إن لكم عند الله موعدا، يريد أن ينجزكموه فيقولون: ما هو؟ ألم يثقل موازيننا، ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويخرجنا من النار؟! فيكشف الحجاب فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه، وهي الزيادة"٣.
وروى الحسن عن أنس بن مالك قال: سئل رسول الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: " ﴿للذين أحسنوا العمل في الدنيا الحسنى﴾ وهي: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله -تعالى-".
وروى محمد بن جرير، عن كعب بن عجرة ﵁ عن النبي ﷺ في قوله -تعالى-: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: "الزيادة النظر إلى وجه الرحمن" وروى أبو العالية عن أبي بن كعب قال "سألت رسول الله ﷺ في قوله -تعالى-: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة قال: الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى الله "٤ وقال أبو بكر ﵁ الزيادة هي النظر إلى وجه الله. وقال حذيفة ﵁ هي النظر إلى وجه ربهم.
وقال أبو موسى الأشعري: هي النظر إلى وجه الرحمن، وقال وهو يخطب الناس في جامع البصرة: إن الله يبعث ملكا إلى أهل الجنة فيقول: يا أهل الجنة هل أنجزكم الله ما وعدكم؟ فينظرون إلى الحلي والحلل والأنهار والأزواج
стр. 2413
المطهرة فيقولون: نعم قد أنجز الله ما وعدنا، ثم يقول الملك: هل أنجزكم الله ما وعدكم؟ ثلاث مرات، فيقولون: نعم، فيقول: قد بقي لكم شيء؟ إن الله يقول ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ألا إن الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم.
وقال ابن عباس وابن مسعود ﵄: الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله، والقتر السواد.
وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعامر بن سعد، وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي، والضحاك، وعبد الرحمن بن سابط، وأبو إسحاق السبيعي، وقتادة، وسعيد بن المسيب، والحسن، وعكرمة مولى ابن عباس، ومجاهد: "الحسنى" الجنة، "والزيادة": النظر إلى وجه الله. ولما عطف الزيادة على الحسنى التي هي الجنة، دل على أنها أمر آخر وراء الجنة، وقدر زائد عليها، ومن فسر الزيادة بالمغفرة والرضوان فهو من لوازم رؤية الرب ﵎.
[قوله تعالى: كلا بل ران على قلوبهم]
والدليل الرابع: قوله -تعالى-: ﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ١.
ووجه الاستدلال بها أنه -سبحانه- جعل من أعظم عقوبة الكفار كونهم محجوبين عن رؤيته وسماع كلامه، فلو لم يره المؤمنون، ويسمعوا كلامه كانوا أيضا محجوبين عنه.
وقد احتج بهذه الحجة الإمام الشافعي وغيره من الأئمة، فذكره الطبراني وغيره عن المزني قال: سمعت الشافعي يقول في قول الله ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ٢ قال: فيها دليل على أن أولياء الله يرون ربهم يوم القيامة.
وقال الحاكم: حدثنا الأصم، حدثنا الربيع، قال: حضرت محمد بن إدريس الشافعي، وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها: ما تقول في قوله: ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ
стр. 2414
يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ١ قال: لما حجب هؤلاء في السخط كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضاء.
[قوله تعالى ﴿لهم ما يشاءون فيها﴾]
"والدليل الخامس": قوله ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ ٢ قال الطبراني: قال علي بن أبي طالب، وأنس بن مالك: هو النظر إلى وجه الله .
[قوله تعالى لا تدركه الأبصار]
"والدليل السادس": قوله ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ ٣ والاستدلال بهذه الآية عجيب فإنه من أدلة نفاة الرؤية.
وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية وجه الاستدلال بها أحسن تقرير، وقال*: لا يحتج مبطل بآية، أو حديث صحيح على باطله إلا وفي ذلك الدليل ما يدل على نقيض قوله. فمنها هذه الآية، وهي على جواز الرؤية أدل منها على امتناعها، فإنه -سبحانه- ذكرها في سياق التمدح، ومعلوم أن المدح إنما يكون بالأوصاف الثبوتية، وأما العدم المحض فليس بكمال، ولا يتمدح به. وإنما يمدح الرب -تعالى- بالعدم إذا تضمن أمرا وجوديا، كتمدحه بنفي السنة والنوم المتضمن كمال القيومية، ونفي الموت المتضمن كمال الحياة، ونفي اللغوب والإعياء المتضمن كمال القدرة، ونفي الشريك والصاحبة والولد والظهير المتضمن كمال ربوبيته وإلهيته وقهره، ونفي الأكل والشرب المتضمن كمال صمديته، وغناه عن خلقه، ونفي الظلم المتضمن كمال عدله وعلمه وغنائه، ونفي النسيان وعزوب شيء عن علمه المتضمن كمال علمه وإحاطته، ونفي المثل المتضمن كمال ذاته وصفاته. ولهذا لم يتمدح بعدم محض لا يتضمن أمرا ثبوتيا، فإن المعدوم يشارك الموصوف في ذلك العدم، ولا يوصف الكامل بأمر يشترك هو والمعدوم فيه.
فلو كان المراد بقوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ ٤ أنه لا يرى بحال لم يكن في ذلك مدحا ولا كمالا لمشاركة المعدوم له في ذلك، فإن العدم الصرف الذي لا يرى، ولا
стр. 2415
تدركه الأبصار. والرب ﷻ يتعالى أن يمدح بأمر يشاركه فيه العدم المحض، فالمعنى أنه يرى ولا يدرك ولا يحاط به، كما كان المعنى في قوله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ ١ أنه يعلم كل شيء، وفي قوله: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ ٢ أنه كامل القدرة. وفي قوله: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ ٣ أنه كامل العدل، وفي قوله: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ ٤ أنه كامل القيومية.
وقوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ ٥ يدل على غاية عظمته، وأنه أكبر من كل شيء، وأنه لعظمته لا يدرك بحيث لا يحاط به، فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء، وهو قدر زائد على الرؤية كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلا﴾ ٦ فلم ينف موسى الرؤية، ولم يريدوا بقولهم إنا لمدركون: لمرئيون. فإن موسى ﵇ نفى إدراكهم إياهم بقوله: "كلا".
فأخبر الله -سبحانه- أنه لا يخاف دركهم بقوله: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى﴾ ٧ فالرؤية والإدراك كل منهما يوجد مع الآخر وبدونه، فالرب -تعالى- يرى ولا يدرك، كما يعلم، ولا يحاط به، وهذا الذي فهمه الصحابة والأئمة. قال ابن عباس: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ ٨ لا تحيط به الأبصار.
فالمؤمنون يرون ربهم ﵎ بأبصارهم عيانا، ولا تدركه أبصارهم بمعنى أنها لا تحيط به، وهكذا يسمع كلامه من يشاء من خلقه، ولا يحيطون بكلامه، وكذلك يعلم الخلق ما علمهم، ولا يحيطون بعلمه.
ونظير هذا استدلالهم على نفي الصفات بقوله -تعالى-: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٩.
وهذا من أعظم الأدلة على كثرة صفات كماله ونعوت جلاله، وأنها لكثرتها وعظمتها وسعتها لم يكن له مثل فيها، وهكذا جميع العقلاء إنما يفهمون من قول القائل: فلان لا مثل له، وليس له نظير ولا شبيه، أنه قد تميز عن الناس بأوصاف
стр. 2416
ونعوت لا يشاركونه فيها، وكلما كثرت أوصافه ونعوته فات، وبعد عن مشابهة أضرابه، فكيف بالحي القيوم الذي لا مثل له في ذاته وصفاته؟ فقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ١ من أدل شيء على كثرة نعوته وصفاته. وقوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ ٢ من أدل شيء على أنه يرى، ولا يدرك.
[قوله تعالى وجوه يومئذ ناضرة]
"والدليل السابع": قوله ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٣ فأنت إذا أخرجت هذه الآية عن تحريفها عن موضوعها، والكذب على المتكلم بها -سبحانه- فيما أراد منها، وجدتها منادية نداء صريحا أن الله -سبحانه- يُرَى عيانا بالأبصار يوم القيامة، وإن أبيت إلا تحريفها الذي يسميه المحرفون: تأويلا، فتأويل نصوص المعاد والجنة والنار والميزان والحساب أسهل على أربابه من تأويلها، وتأويل كل نص تضمنه القرآن والسنة كذلك. ولا يشاء مبطل على وجه الأرض أن يتأول النصوص، ويحرفها عن مواضعها إلا وجد إلى ذلك من السبيل ما وجد متأول مثل هذه النصوص، وهذا الذي أفسد الدين والدنيا.
وإضافة النظر إلى الوجه الذي هو محله في هذه الآية، وتعديته بأداة "إلى" الصريحة في نظر العين، وإخلاء الكلام من قرينة تدل على أن المراد بالنظر المضاف إلى الوجه المعدى بإلى، خلاف حقيقته وموضوعه -صريح في أن الله أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى نفس الرب ﷻ . فإن النظر له عدة استعمالات بحسب صلاته، وتعديه بنفسه، فإن عدي بنفسه فمعناه التوقف والانتظار، كقوله: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ ٤ وإن عدي بـ"في" فمعناه التفكر والاعتبار، كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ٥ وإن عدي بـ"إلى" فمعناه المعاينة بالأبصار، كقوله: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ ٦ فكيف إذا أضيف إلى الوجه الذي هو محل النظر؟ وكيف وقد قال ﷺ في قوله -تعالى-: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ ٧ قال "من البهاء والحسن" ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٨ قال "في وجه الله ".
стр. 2417
فاسمع أيها الإنسان تفسير النبي ﷺ والأحاديث الدالة على الرؤية متواترة رواها عنه ﷺ أبو بكر الصديق، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، وجرير بن عبد الله، وصهيب، وعبد الله بن مسعود، وعلي ابن أبي طالب، وأبو موسى الأشعري، وعدي بن حاتم الطائي، وأنس بن مالك الأنصاري، وبريدة بن الحصيب الأسلمي، وأبو رزين وجابر بن عبد الله، وأبو أمامة الباهلي، وزيد بن ثابت، وعمار بن ياسر، وعائشة أم المؤمنين، وعبد الله بن عمر، وسلمان الفارسي، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وحديثه موقوف، وأبي بن كعب، وكعب بن عجرة، وفضالة بن عبيد، وحديثه موقوف، فمن أراد الاطلاع عليها فليراجعها في مظانها.
[قوله تعالى وهو معكم]
وقوله -تعالى-: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ١ وهذه الآية من أدل شيء على مباينة الرب لخلقه باستوائه على عرشه، وهو يعلم ما هم فاعلون، ويراهم وينفذهم بصره، ويحيط بهم علما وقدرة وإرادة وسمعا وبصرا، فهذا معنى كونه -سبحانه- معهم أينما كانوا. انتهى كلام ابن القيم.
قال الحافظ الذهبي في قوله -تعالى-: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ ٢ هو كما إذا كتبت إلى رجل: إني معك، وأنت غائب عنه. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في ربيعة وحبيب ابني عمر، وصفوان بن أمية؛ كانوا يوما يتحدثون، فقال أحدهم: هل يعلم الله ما نقول؟ وقال الثاني: يعلم البعض دون البعض، وقال الثالث: إن كان يعلم البعض فيعلم الكل. والمراد من قوله -تعالى-: ﴿مَعَكُمْ﴾ ٣ كونه -تعالى- عالما بكلامهم وضميرهم وسرهم وإعلانهم، كما قال ابن مسعود ﵁ "العرش فوق الماء، والله فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمالكم".
стр. 2418
وعن زر عن عبد الله قال: "ما بين السماء القصوى وبين الكرسي خمسمائة سنة، وما بين الكرسي والماء خمسمائة سنة، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم".
وقال البيهقي: لقد أصاب أبو حنيفة ﵀ فيما نفى عن الله من الكون في الأرض، وأصاب فيما ذكر من تأويل الآية، وتبع مطلق السمع بأن الله -تعالى- في السماء.
وبلغنا عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي صاحب الفقه الأكبر قال: سألت أبا حنيفة عمن يقول: لا أعرف ربي في السماء، أو في الأرض فقال: قد كفر؛ لأن الله يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١ وعرشه فوق سماواته، فقلت: إنه يقول: أقول ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٢ ولكن قال: لا يدري العرش في السماء، أو في الأرض؟ فقال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر. رواها صاحب الفاروق بإسناد عن أبي بكر بن يحيى عن الحكم.
وسمعت الفاسي الإمام تاج الدين عبد الخالق بن علوان، قال سمعت الإمام أبا محمد عبد الله بن أحمد المقدسي مؤلف المقنع يقول: بلغني عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال: من أنكر أن الله في السماء فقد كفر.
وقال محمد بن كثير: سمعت الأوزاعي يقول: كنا -والتابعون متوافرون- نقول: إن الله فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته. أخرجه البيهقي في كتاب الأسماء والصفات.
وروى أبو إسحاق المفسر قال: سئل الأوزاعي عن قوله -تعالى-: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٣ قال هو على العرش كما وصف نفسه.
وقد سأل الوليد بن مسلم الإمام أبا عمرو الأوزاعي عن أحاديث الصفات، فقال: أمروها كما جاءت
стр. 2419
ومن كلام هذا الإمام عليك بآثار من سلف، وإياك وآراء الرجال، وإن زخرفوه لك بالقول.
وروى عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب السنة عن مقاتل بن حيان في قوله -تعالى-: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ ١ قال: هو على عرشه وعلمه معهم. وروى البيهقي بإسناده عن مقاتل بن حيان قال: بلغنا- والله أعلم- في قوله -تعالى-: ﴿هُوَ الأَوَّلُ﴾ ٢ قبل كل شيء ﴿وَالآخِرُ﴾ بعد كل شيء ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ فوق كل شيء، ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ أقرب من كل شيء، وأنه قريب بعلمه، وهو فوق عرشه، وسئل سفيان الثوري عن قوله ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ٣ قال علمه.
[الله في السماء وعلمه في كل مكان لا يخلو منه]
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل في الرد على الجهمية: حدثني أبي، حدثنا شريح بن النعمان عن عبد الله بن نافع، قال مالك بن أنس: "الله في السماء، وعلمه في كل مكان لا يخلو منه" ولهذا افتتح الآية بالعلم، واختتمها بالعلم بقوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ ٤ وقوله: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٥ كما قاله الإمام أحمد بن حنبل ﵀، وقال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ ٦ وقال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ٧ وقال: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ ٨ وقال فيما أخبر به عن عيسى ﵇: ﴿عْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ ٩.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لا أحد أغير من الله؛ ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا شيء أحب إليه المدح من الله؛ ولذلك مدح نفسه. رواه البخاري في الصحيح عن حفص بن عمر، وأخرجه مسلم من وجه آخر عن سعد، وعنه قال: قال النبي ﷺ "ما أحد أحب إليه المدح من الله ومن أجل ذلك مدح نفسه، وما أحد أغير من الله، ومن أجل ذلك حرم الفواحش"١٠.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "لما قضى الله الخلق كتب في كتاب كتبه على نفسه، وهو مرفوع فوق العرش أن رحمتي تغلب غضبي"١١ رواه مسلم
стр. 2420
في الصحيح. وعنه أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله -سبحانه- لما خلق الخلق كتب بيده على نفسه: إن رحمتي سبقت غضبي"١.
وعنه عن النبي ﷺ قال: "التقى آدم وموسى فقال موسى لآدم: أنت آدم الذي أشقيت الناس، وأخرجتهم من الجنة؟ قال: فقال آدم لموسى: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته، واصطنعك لنفسه"٢ الحديث رواه البخاري في الصحيح.
وعن الصلت بن محمد، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "يقول الله أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة"٣ أخرجاه في الصحيح من وجه عن الأعمش.
وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ عن الله: "ابن آدم اذكرني في نفسك أذكرك في نفسي فإن ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ من الملائكة، أو قال: في ملأ خير منه"٤.
وعن أبي ذر الغفاري عن رسول الله ﷺ عن الله أنه قال: "إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا"٥ رواه مسلم في الصحيح.
وعن ابن عباس عن جويرية "أن رسول الله ﷺ مر بها حين صلى الغداة، أو بعد ما صلى الغداة، وهي تذكر الله، ثم مر بها بعد ما ارتفع النهار، أو بعد ما انتصف النهار، وهي كذلك فقال لها: لقد قلت منذ وقفت عليك كلمات ثلاث مرات هن أكثر أو أرجح، أو أوزن مما كنت فيه منذ الغداة: سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله رضى نفسه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله مداد كلماته" رواه مسلم في الصحيح.
وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قرأ على المنبر: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ٦ فجعل رسول الله ﷺ يقول: "كذا