(أجوبة الشّيخ عبد الله بن الشّيخ رحمهما الله):
بسم الله الرّحمن الرّحيم.
الحمد لله ربّ العالمين، وصّلى الله على خاتم النَّبيّين محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم.
أمّا بناء القباب على القبور فهو من علامات الكفر وشعائره؛ لأنّ الله أرسل محمّدًا ﷺ بهدم الأوثان، ولو كانت على قبر رجلٍ صالحٍ؛ لأنّ اللات رجل صالح، فلما مات عكفوا على قبره وبنوا عليه بنية وعظموها، فلما أسلم أهل الطّائف وطلبوا منه أن يترك هدم اللات شهرًا لئلا يروعوا نساءهم وصبيانهم حتى يدخلوهم الدّين فأبى ذلك عليهم، وأرسل معهم المغيرة بن شعبة، وأبا سفيان بن حرب وأمرهما بهدمها.
قال العلماء: وفي هذا أوضح دليلٍ على أنّه لا يجوز إبقاء شيء من هذه القباب التي بُنيت على القبور، واتّخذت أوثانًا، ولا يومًا واحدًا، فإنّها شعائر الكفر، وقد ثبت أنّ النَّبِيّ ﷺ نهى عن البناء على القبر وتجصيصه وتخليقه، والكتابة عليه. وقد قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، [الحشر، من الآية: ٧].
وأمّا قول السّائل: هل يكون علامة على كفر بانيها؟
فهذا يحتاج إلى تفصيلٍ؛ فإن كان الباني قد بلغه هدي الرّسول ﷺ في هدم البناء عليها ونهيه عن ذلك، وعاند وعصى، أو منع مَن أراد هدمها من ذلك، فذلك من علامة الكفر، وأمّا مَن فعل ذلك جهلًا منه بما بعث الله به رسوله -صلوات الله وسلامه عليه- فهذا لا يكون علامة على كفره، وإنّما يكون علامة على جهله وبدعته وإعراضه عن البحث عما أمره الله به ورسوله -صلوات الله وسلامه عليه- في القبور.
وأمّا حال أهل العصر الثّاني الذين لم يحضروا البناء، وإنّما فعله آباؤهم
стр. 247
ومتقدّموهم فالرّاضي بالمعصية كفاعلها، وفيها من التّفصيل ما تقدّم في البناء فافهم ذلك.
وهذا، إذا لم يذبح عندها، وتُعْبَد وتُدْعَى ويُرجَى منها جلب الفوائد، وكشف الشّدائد، فأمّا إذا فعل ذلك فهو الشّرك الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾، [المائدة، من الآية: ٧٢].
وأمّا الإشكال الذي ذكره السّائل في حديث عليّ في القبور التي أمره الرّسول ﷺ بتسويتها، هل هي قديمة؟
فليس فيه إشكال بحمد الله؛ لأنّه محمول على القبور القديمة كقبور الجاهلية؛ لأنّ البناء على القبور وتعليتها من سنن الجاهلية، ولم يكن ذلك في عهد الصّحابة ﵃.
وأمّا حديث قبر عثمان بن مظعون، فليس فيه معارضة لما ذكرنا؛ لأنّ المراد به: إعلام القبر بعلامةٍ يعرف بها؛ كحصاة ونحوها بلا تعلية، ولا بناء، وهذا لا بأس به عند أهل العلم، فحديث قبر عثمان فيه دليل على جواز ذلك لكلّ أحدٍ، وهذا ظاهر ولله الحمد والمنة.
وأمّا الجواب عن السّؤال الثّاني فالذي ذكر العلماء أنّ الإمام هو الذي يقيم الحدود، أو نائبه؛ كالأمير الذي يأمره الإمام على بلده، أو عشيرته. فإذا ثبت ذلك جاز له إقامة الحدود على الوجه المشروع الذي شرعه الله ورسوله، وبيّنه أهل العلم في كتبهم.
وأمّا إذا كان لا يعرف ذلك، وليس عنده مَن يعلمه بذلك، فلا يجوز له الإقدام على ذلك.
وأمّا إذا نصب نفسه أميرًا من غير نصبٍ من أمير المسلمين فلا يجوز له الإقدام عليه أيضًا. والله أعلم.
وأمّا الجواب عن السّؤال الثّالث عن حال مَن صدر منه كفر من غير
стр. 248
قصدٍ؛ بل هو جاهل، هل يعذر أم لا؟ سواء كان ذلك الشّيء قولًا، أو فعلًا، أو اعتقادًا، أو توسّلًا؟
فنقول: إذا فعل الإنسان الذي يؤمن بالله ورسوله ما يكون فعله كفرًا، أو قوله كفرًا، أو اعتقاده كفرًا جهلًا منه بما بعث الله به رسوله ﷺ ، فهذا لا يكون عندنا كافرًا، ولا نحكم عليه بالكفر حتى تقوم الحجة الرّسالية التي يكفر من خالفها.
فإذا قامت عليه الحجّة، وبيّن له ما جاء به الرّسول ﷺ ، وأصرّ على فعل ذلك بعد قيام الحجّة، فهذا هو الذي يكفر؛ وذلك لأنّ الكفر إنّما يكون بمخالفة كتاب الله وسنة رسوله، وهذا مجمع عليه بين العلماء في الجملة، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، [الإسراء: من الآية: ١٥].
وبقوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، [الزّمر: ٧١].
واستدلّوا أيضًا بما ثبت في الصّحيحين والسّنن وغيرها من كتب الإسلام من حديث حذيفة أنّ رسول الله ﷺ قال: "إنّ رجلًا مِمَّن كان قبلكم قال: لبنيه إذا أنا منت فاحرقونِي ثم ذروا نصفي في البرّ ونصفي في البحر، فوالله لئن قدر الله عليّ ليعذبنِي عذابًا لا يعذّبه أحدًا من العالمين، فأمر الله البحر فجمع ما فيه، وأمر الله البرّ فجمع ما فيه، ثم قال له: كن فإذا الرّجل قائم، قال الله: ما حملك على ذلك؟ قال: خشيتك ومخافتك فما تلافاه أن رحمه".
فهذا الرّجل اعتقد أنّه إذا فعل به ذلك لا يقدر الله على بعثه جهلًا منه لا كفرًا، ولا عنادًا، فشكّ في قدرة الله على بعثه، ومع هذا غفر له ورحمه.
وكلّ مَن بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة بالرسول ﷺ ، ولكن الجاهل يحتاج إلى مَن يعرّفه بذلك من أهل العلم. والله أعلم.
وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم.
стр. 249
- ٢١ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
فتاوى للشّيخ عبد الله بن الشّيخ عن أسئلة وردت من الأخ سعيد بن حجي.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وخطك وصل وسألت أبوي عن المسائل التي ذكرت.
أمّا الرّجل الذي مات عندكم وهو فقير ساقط عنه الحج في حياته وعند موته حصل له ثمانية حمران من ناس يعلمهم القرآن، وقال اجعلوها لي في حجة وله ورثة، فنقول: تكون الحمران بين الورثة.
وأمّا الذي أوصى من ثلث ماله بحجّة في دراهم معلومة وهو ميّت قبل هذا الدّين وورثته فقراء هل تصرف عليهم أو يحجّ عنه؟
فنقول: إن وجدوا من يحجّ لوجه الله لا لأجل الدّراهم لكن يتعاون بها فهي على وصيته، وإن كان ما حصل أحد يحجّ عنه على هذا الوجه فهي تصرف على قرابته.
وأمّا الذي يوصي عند موته بعشاء لجيرانه فهل ترده على الورثة أو تصرفه في قرابة الميّت؟
فنقول: يصير على ما قال الموصي؛ لأنّه لم يخالف الشّرع.
وأمّا إذا مات الرّجل وهو غنِي ولم يحجّ ولم يوص بحجّة هل يؤخذ من المال ويحجّ عنه أم تسقط؟
فنقول: يؤخذ قدرها من ماله وينظر في قرابته مّن يحجّ لوجه الله ويعطى الدّارهم يستعين بها، وأنت بحفظ الله وأمانه. والسّلام.
стр. 250
- ٢٢ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
فتاوى أخرى من الشّيخ عبد الله بن الشّيخ محمّد -رحمهما الله- عن هذه المسائل التي وردت من سعيد بن حجي:
الأولى: في البدو إذا كان معهم أهلهم ومالهم ويتّبعون المرعى حيث وجدوه ويتّبعون الماء من أرضٍ إلى أرضٍ، فهل هم مقيمون والحالة هذه أم يجوز لهم التّرخّص كالمسافر؟
فالجواب: إنّا لا نجعلهم كالمقيمين أبدًا، ولا مسافرين مطلقًا، بل هذا محلّ تفصيل، فأمّا إذا نزلوا منْزلًا ونووا استيطانه، ما دام المرعى فيه، أو نووا الإقامة فيه وقتًا دون وقتٍ أو نزلوا على ماء ونووا الإقامة عليه ما وجدوا لدوابهم مرعى أو نووا الإقامة على هذا الماء وقتًا دون وقتٍ، فهم والحالة هذه مقيمون تثبت لهم أحكام الإقامة، ولا يستبيحون رخص السّفر؛ لأنّ هذا هو الاستيطان في حقّ هؤلاء، والعرف يشهد بذلك.
وأمّا إذا ظعنوا في هذه المسائل وما أشبهها إلى منْزل آخر، أو من ماء إلى ماء، وما بين المنْزلين، أو المائين مسيرة يومين قاصدين فإنّهم حينئذٍ يكونون مسافرين؛ لأن هذا يُسَمَّى سفرًا في حقّ هؤلاء. وكلام صاحب الإقناع على سبيل التّمثيل لا الحصر. وقد ذكروا في الملّاح الذي معه أهله وليس له نيّة الإقامة ببلدانه ليس له التّرخص فيعتبر في السّفر المبيح كونه منقطعًا لا دائمًا، ولا بدّ مع ذلك من اجتماع أمرين: أن يكون البدوي معه أهله، وأن ينوي الإقامة في موضعٍ، فإن اختل شرط منهما أبيح له رخص السّفر،
стр. 251
فالبدوي بمنْزلة الملّاح في السّفينة، كما أنّ الملّاح لو نوى الإقامة وهو في سفينة في موضعٍ من البحر ثم سافر إلى موضع آخر لحمل متاع أو غيره حكمنا بأنّه مسافر، ولو كان أهله معه، وهذا هو الذي يظهر لنا، ونفهم من معنى كلام الله ورسوله؛ لأنّ الله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾، [النّساء، من الآية: ١٠١].
وقال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، [البقرة، من الآية: ١٨٤].
أطلق للمسافر قصر الصّلاة والفطر في رمضان، ولم يخصّ في ذلك القروي دون البدوي، ولا مَن معه أهله دون مَن ليس معه أهله، ولا نعلم فيما ذكرنا خلافًا بين أهل العلم.
المسألة الثّانية: إذا أعطى الوالد ولده عطية وقبضها ثم مات قبل الرّجوع والتّسوية هل للإخوة الذين لم يعطوا الرّجوع عليه بعد موت المعطي أم لا؟
الجواب: الذي عليه أكثر أهل العلم، وهو الرّاجح عند كثير من الحنابلة وغيرهم أنّها تثبت للمعطى ولا يرجع عليه الذين لم يعطوا شيئًا. ويكون الإثم على الوالد، وهذا هو الذي كان يفتي به شيخنا -رحمه الله تعالى-.
والقول الثّاني: أنّهم يرجعون على المعطى ويكونون فيها سواء، وهذا اختيار الشّيخ تقيّ الدّين، وهو أقرب إلى ظواهر الأدلّة. والله أعلم.
الثّالثة: عندنا امرأة أعطت أولادها الذّكور عطية دون البنات بزعم البنات .. الخ وهل الأم كالأب في وجوب التّسوية؟
فالجواب: كلام الشّارع ﷺ في وجوب التّسوية شامل للأم، فإن كانت المرأة تزعم أنّها معطية البنات مثل ما أعطت الأولاد، وأمكن صدقها فحسن، ولا تعرضوا لها بشيء، فإن ثبت عندكم بأمارة أنّها بارّة الأولاد
стр. 252
وقاطعة البنات لزمكم أن تلزموها مثل ما أعطت الأولاد، أو على قدر ميراثهم للذّكر مثل حظّ الأنثيين على ظاهر كلام أحمد وغيره من أهل العلم.
فإن ادّعت بغير ذلك وزعمت أنّها ما أعطتهم هذا العطاء الجزيل إلّا لأجل أنّ عندها لهم شيئًا أو غير ذلك من الأعذار التي يمكن معها صدقها، فإن كانوا قد خلصوا عند أخوي حسين أو غيره فلا تعرضوا لهم.
الرّابعة: إذا فضل الوالد في صحّته بإذن الذين لم يفضلوا بعض الأولاد هل يصحّ هذا أم لا؟
الجواب: الذي يظهر لي صحّة ذلك إذا أذنوا بطيب نفس ورضيها؛ لأنّ الحقّ لهم في ذلك كما أنّه لا يجوز الوصية بزيادة على الثّلث إلّا بإذن الورثة. والله أعلم.
الخامسة: هل المفتَى به عندكم التّفرقة بين المملوكة وولدها بعد البلوغ أم لا؟
الجواب: هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، وأنا أذكر لك المسألة وكلامهم فيها حتى يتبيّن لك وجه الصّواب إن شاء الله تعالى.
قال في الشّرح الكبير: ولا يفرق في البيع بين ذي رحم محرم إلّا بعد البلوغ على إحدى الرّوايتين، وأجمع أهل العلم على أنّ التّفرقة بين الأم وولها الطّفل غير جائز، ثم ذكر الدّليل والتّعليل، ثم قال: ولا فرق بين أن يكون الولد بالغًا أو طفلًا في ظاهر كلام الخرقي وإحدى الرّوايتين؛ ولعموم الخبر؛ ولأنّ الوالدة تتضرّر بمفارقة ولدها الكبير، ولهذا حرم عليه الجهاد إلّا بإذنها.
قال في الإنصاف: وهو المذهب، وجزم به في المنور وناظم المفردات، وهو منها واختاره ابن عبدوس وقدمه في المحرر وغيرها.
стр. 253
قال الشّارح (والرّواية الثّانية) يختصّ تحريم التّفريق بالصّغير، وهو قول الأكثرين منهم: مالك، والأوزاعي، واللّيث، وأبو ثور، وهو قول الشّافعي؛ لأنّ سلمة بن الأكوع أتى بامرأة وابنتها فنفله أبو بكر ابنتها فاستوهبها منه النَّبِيّ ﷺ فوهبها له، ولم ينكر التّفريق بينهما. ولأنّ الأحرار يتفرّقون بعد الكبر فإنّ المرأة تزوّج ابنتها وتفارقها، فالعبيد أولى انتهى. قال في الإنصاف: الثّانية: يجوز التّفريق ويصحّ البيع جزم به في العمدة، والوجيز، قال النّاظم: وهو أولى انتهى.
وهذا الحديث الذي احتجوا به نصّ في جواز التّفرقة بينهما بالهبة بعد البلوغ والبيع مثله إن شاء الله تعالى. وهو حديث صحيح ثابت. رواه مسلم وغيره، وهو الأصح عندنا.
قال في الإنصاف: حكم التّفرقة في القسمة وغيرها كأخذه بجناية والهبة والوصية والصّدقة وغيرها حكم البيع على ما تقدّم، ولا يحرم التّفريق بالعتق ولا بالافتداء بالأسرى على الصّحيح من المذهب، وعليه أكثر الأصحاب. قال الخطابي: لا أعلمهم يختلفون في العتق؛ لأنّه لا يمنع من الحضانة.
السّادسة: هل الحكم يختصّ بالأم أم يعمّ ذلك كلّ ذي رحم محرم كالأب والأخ ونحوهما؟
الجواب: قال في الشّرح: ولا يجوز التّفريق بين الأب وولده، وبه قال أصحاب الرّأي، والشّافعي. وقال مالك واللّيث: يجوز. وبه قال: بعض الشّافعية؛ لأنّه ليس من أهل الحضانة بنفسه. ولأنّه لا نصّ فيه، ولا هو في معنى المنصوص؛ لأنّ الأم أشفق منه. ولنا أنّه أحد الأبوين أشبه الأم، ولا نسلم أنّه من أهل الحضانة. انتهى.
قال في الإنصاف: لا يجوز التّفريق بين ذوي محرم هذا المذهب، وعليه الأصحاب. قال في المغني: وتبعه في الشّرح. قاله
стр. 254
أصحابنا غير الخرقي. وجزم به في الفروع والرّعايتين والحاويين وغيرها، فيدخل في ذلك العمة مع ابن أخيها، والخالة مع ابن أختها. وظاهر كلام الخرقي اختصاص ذلك بالأبوين، والجدّين، والأخوين ونصّره في المغني، والشّرح. وظاهر كلام المصنّف تحريم التّفريق ولو رضي به، وهو صحيح نصّ عليه أحمد. انتهى.
واحتجّ في الشّرح على تحريم ذلك بين الأخوة بحديث عليّ في الغلامين الأخوين فلما باع أحدهما قال له رسول الله ﷺ : "ردّه ردّه". رواه التّرمذي وحسّنه.
وبما روي أنّ عمر كتب إلى عماله: لا تفرّقوا بين الأخوين ولا بين الأمّ وولدها، وإنّما يحرم التّفريق بينهم في الصّغر، وما بعده فيه الرّوايتان كالأصل. الأولى الجواز؛ لأنّ النَّبِيّ ﷺ أهديت له مارية وأختها سيرين، فأمسك مارية ووهب سيرين لحسان بن ثابت. والله أعلم.
الثامنة: عبد عتق وتحته أمّة الخ.
الجواب: الذي يظهر من كلامهم أنّه لا بأس باستدامة نكاح الأمة؛ لأنّهم نصّوا في الحرّ المسلم إذا وجد فيه الشّرطان المبيحان للنّكاح وهما: عدم وجود الطّول لنكاح الحرّة المسلمة وخوف العنت، فتزوج الأمة لذلك ثم أيسر وزال خوف العنت أنّه يجوز استدامة نكاح الأمة. قالوا: لأنّ الاستدامة ليست كابتداء النّكاح، قالوا: واستدامة النّكاح تخالف ابتداءه بدليل أنّ العدّة والرّدّة وأمن العنت يمنع ابتداءه دون استدامته. قالوا: وكذلك لا يبطل نكاح بتزوّج حرّة عليها على الأصحّ؛ لما روي عن عليّ ﵁ أنّه قال: إذا تزوّج الحرّة على الأمة قسم لها ليلتين، وللأمة ليلة، ثم رأيت بعض فقهاء الشّافعية صرح بذلك في المسألة التي تسأل عنها، فقال: والصّحيح أنّ العبد إذا أعتق وتحته أمة أنّه لا خيار له. قلت: وظاهر هذا
стр. 255
يقتضي جواز استدامة العبد إذا عتق نكاح الأمة. والله أعلم.
يقتضي جواز استدامة العبد إذا عتق نكاح الأمة. والله أعلم.
التّاسعة: امرأة ادّعت أنّ زوجها طلّقها ثلاثًا وشهد معها أبوها والزّوج منكر.
الجواب: قال ابن القيم في (إعلام الموقّعين): وفي حديث عمرو بن شعيب إذا شهد الشّاهد الواحد وحلف الزّوج أنّه لم يطلّق لم يحكم عليه، وإن لم يحلف حلفت المّرأة ويقضى عليه، وقد احتجّ الأئمة الأربعة والفقهاء قاطبة بصحيفة عمرو بن شعيب ففي هذا الحديث أنّه يقضي بشاهدٍ وما يقوم مقام شاهدٍ آخر من النّكول ويمين المرأة بخلاف ما إذا أقامت شاهدًا واحدًا وحلف الزّوج أنّه يطلق فيمين الزّوج عارضت شهادة الشّاهد وترجّح جانبه بكون الأصل معه، وأمّا إذ نكل الزّوج فإنّه يجعل نكوله مع يمين المرأة كشاهدٍ آخر، ولكن هنا لم يقض بالشّاهد ويمين المرأة ابتداء؛ لأنّ الرّجل أعلم بنفسه هل طلّق أم لا؟ فإذا نكل كان ذلك دليلًا ظاهرًا جدّا على صدق المرأة فلم يقض بالنّكول وحده ولا يمين المرأة إنّما قضى بالشّاهد المقوّى بالنّكول ويمين المرأة. انتهى كلامه ملخّصًا.
فأنت تحكم بينهم بهذا الحكم. ويذكر لي محمّد بن سلطان أنّ والدي الشّيخ ﵀ يقول هذا الذي نفتِي به إذا وقعت المسألة.
العاشرة: رجل وأخوه بينهما شركة في أرضٍ تصرف أحدهما في الأرض بزرع وبناء وادّعى أنّه اشتراها من أخيه ولكن الشّهود ماتوا.
فالجواب: الذي نفهم أنّ هذا على الأصل يلزم مدّعي الشّراء بيّنة، فإن لم يجد بيّنة حلف المنكر أنّه لم يبعها عليه، وأنّها في ملكه إلى الآن، فإذا حلف فهو على نصيبه من الأرض، وأمّا كونها في يد أحدهما ويتصرّف
امرأة ادّعت أنّ زوجها طلّقها ثلاثًا وشهد معها أبوها والزّوج منكر.
الجواب: قال ابن القيم في (إعلام الموقّعين): وفي حديث عمرو بن شعيب إذا شهد الشّاهد الواحد وحلف الزّوج أنّه لم يطلّق لم يحكم عليه، وإن لم يحلف حلفت المّرأة ويقضى عليه، وقد احتجّ الأئمة الأربعة والفقهاء قاطبة بصحيفة عمرو بن شعيب ففي هذا الحديث أنّه يقضي بشاهدٍ وما يقوم مقام شاهدٍ آخر من النّكول ويمين المرأة بخلاف ما إذا أقامت شاهدًا واحدًا وحلف الزّوج أنّه يطلق فيمين الزّوج عارضت شهادة الشّاهد وترجّح جانبه بكون الأصل معه، وأمّا إذ نكل الزّوج فإنّه يجعل نكوله مع يمين المرأة كشاهدٍ آخر، ولكن هنا لم يقض بالشّاهد ويمين المرأة ابتداء؛ لأنّ الرّجل أعلم بنفسه هل طلّق أم لا؟ فإذا نكل كان ذلك دليلًا ظاهرًا جدّا على صدق المرأة فلم يقض بالنّكول وحده ولا يمين المرأة إنّما قضى بالشّاهد المقوّى بالنّكول ويمين المرأة. انتهى كلامه ملخّصًا.
فأنت تحكم بينهم بهذا الحكم. ويذكر لي محمّد بن سلطان أنّ والدي الشّيخ ﵀ يقول هذا الذي نفتِي به إذا وقعت المسألة.
العاشرة: رجل وأخوه بينهما شركة في أرضٍ تصرف أحدهما في الأرض بزرع وبناء وادّعى أنّه اشتراها من أخيه ولكن الشّهود ماتوا.
فالجواب: الذي نفهم أنّ هذا على الأصل يلزم مدّعي الشّراء بيّنة، فإن لم يجد بيّنة حلف المنكر أنّه لم يبعها عليه، وأنّها في ملكه إلى الآن، فإذا حلف فهو على نصيبه من الأرض، وأمّا كونها في يد أحدهما ويتصرّف
стр. 256
فيها من قدر ثمان سنين فمثل هذا ما يصير بيّنة ولا يحكم باليد في مثل هذه الصورة؛ لكونه يدّعي أنّه اشتراها والآخرة منكر، ولم يدع أنّها ملكه لا حقّ للآخر فيها بل هو مقرّ بملك أخيه فيها لكنه يدّعي الشّراء، وهذا الذي تقرّر عندنا. والأخ حمد بن ناصر.
الحادية عشرة: رجل وقع على امرأته بعد ما تبيّن الفجر ووضح الصّبح وهو ناس لصومه.
الجواب: هذه المسألة فيها ثلاثة أقوال مشهورة، وهي روايات عن الإمام أحمد:
أحدهما: أنّ النّاسي كالعامد يقضي ويكفر وهو قول مالك والظّاهرية.
الثّاني: لا يكفر وليس عليه إلّا القضاء اختاره ابن بطة، وهو رواية عن مالك.
الثّالث: لا يقضي ولا يكفر، اختاره الآجري أبو محمّد الجوزي والشّيخ تقيّ الدّين، وهو مذهب أبي حنيفة والشّافعي. قال في شرح مسلم: وهو قول جمهور العلماء، وهذا القول هو الذي يترجّح عندنا.
الثّانية عشرة: ما قولكم في الوقف على مَن يقرأ للميّت بالإدارة، أو غيرها؟
فنقول: في فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية جواب عن هذه المسألة بعينها، قال في الجواب: أمّا قراءة القرآن ففي وصوله للميّت نزاع إذا قرأ لله. فأمّا استئجار مَن يقرأ ويهدي إلى الميّت فهذا لم يستحبّه أحد من العلماء المشهورين، فإنّ المعطي لم يتصدّق لله لكن عاوضوا على القراءة والقارئ قرأ للعوض والاستئجار على نفس التّلاوة غير جائز، وإنّما النّزاع في الاستئجار على التّعليم ونحوه، مما فيه منفعة تصل إلى الغير، والثّواب لا يصل إلى الميّت إلّا إذا كان العمل لله، وما وقع بالأجر فلا ثواب فيه.
وإن قيل: يصح الاستئجار عليه، وإذا تصدّق على مَن يقرأ القرآن ويتعلّمه كان له مثل أجر مَن
стр. 257
أعانه على القراءة من غير أن ينقص من أجورهم شيء. وينتفع الميّت بذلك، وإذا أوصى الميّت أن يصرف ماله في هذه الختمة وقصده التّقرب إلى الله فصرف في محاويج يقرؤون القرآن ختمة أو أكثر كان ذلك أفضل وأحسن.
الثالثة عشرة: هل يجوز تحمل الشّهادة وأداؤها بعد التّحمّل إن لم يعلم الشّاهد إلّا بعد التّحمّل أم لا؟
فالجواب: لا يجوز لقوله ﵇: "إنِّي لا أشهد على جور". والجور لا يجوز الشّهادة عليه، وأمّا قوله ﵇: "أشهد على هذا غيري"، فأجاب عنه بعض العلماء بأنّ هذا على سبيل الزّجر والرّدع، كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾، [فصلت، من الآية: ٤٠]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾، [الكهف، من الآية: ٢٩].
الرابعة عشرة: هل يجوز الاعتمار من مكّة بعد طواف الإفاضة من التّنعيم؟
فالجواب: المسألة فيها خلاف بين العلماء، والذي عليه الأكثر جواز ذلك واستحبابه. واختار الشّيخ ١ وتلميذه ابن القيم أنّه لا يسنّ ولا يستحبّ؛ لأنّه لم يفعله رسول الله ﷺ ، ولا أحد من أصحابه سوى عائشة، فإنّه أذن لها في ذلك تطييبًا لقلبها، ولو كان ذلك سنة لفعله الصّحابة وبادروا إليه وهم الأسوة والقدوة في الدّين.
الخامسة عشرة: وهي ما ذكر لك أنّ بعض العيال أفتى أنّ مَن لم يطف يوم العيد وأراد أن يطوف بعده فعليه أن يحرم بعد رمي جمرة العقبة والذّبح والحلق، فالذي أفتى به الأخ عليّ -عفا الله عنه- لحديث بلغه في ذلك، لكن
стр. 258
ما لزم أحدًا فعله ونحن ما جسرنا على الفتيا به؛ لأجل أنّه خلاف أقوال العلماء من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم، وهو ما روته أم سلمة قالت كانت ليلى التي يصير إلَيَّ فيها رسول الله ﷺ مساء يوم النّحر فصار إلي فدخل وهب بن زمعة ومعه رجل متقمصين فقال رسول الله ﷺ لوهب بن زمعة: "هل أفضت أبا عبد الله؟ "، قال: لا والله يا رسول الله. قال: "انزع عنك القميص". فنَزعه من رأسه ونزع صاحبه قميصه من رأسه، ثم قال: وَلِمَ يا رسول الله؟ قال: "إنّ هذا يوم رخص لكم إذا أنتم رميتم الجمرة أن تحلّوا من كلّ ما أحرمتم منه إلّا النّساء، فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا صرتم حرمًا كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة حتى تطوفوا به". قال ابن جماعة: رواه أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ. قال البيهقي: لا أعلم أحدًا من القدماء قال به. قال: النّووي فيكون الحديث منسوخًا دلّ الإجماع على نسخه. الله أعلم. وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم.
- ٢٢ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن الشّيخ إلى الأخ جمعان بن ناصر.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد، خطّك وصل وصلك الله إلى رضوانه، وما ذكرت من جهة كثرة السّؤال فالحرص على العلم ينفع الله به، ولا ينقد على الإنسان إلّا الغفلة عمّا أشكل عليه.
فأمّا المسألة الأولى وهي: قوله إن زرعت أرضي حبّا فهي بكذا كيلًا مسمّى، أو شعيرًا بكذا، أو قطنا بكذا، وزنًا معلومًا فهذه المسألة فيها
стр. 259
خلاف مشهور في القديم والحديث، والذي نعمل عليه من أقوال العلماء أنّ هذا لا بأس به إذا كان كيلًا معلومًا، أو وزنًا معلوما، أو جزأ مشاعًا معلومًا؛ كالثّلث، والرّبع ونحو ذلك. والله أعلم.
وأمّا قوله: إلّا أن يكره بحقّ كمَن يكره على بيع ماله لوفاء دينه فهذا لا بأس بالشّراء منه سواء رضي بذلك أو لم يرض.
وأمّا العمرى والرّقى ففيها خلاف مشهور، والأحاديث فيها متعارضة، والذي نختاره أنّه إذا شرط فيها الرّجوع رجعت إلى مالكها. والله أعلم.
وأمّا الفرق بين العطية والوصية فالفرق بينهما ظاهر كما ذكره في الشّرح أنّها تفارقها في أربعة أشياء.
وأمّا كون أهل بلدٍ لا يفرّقون بينهما فالألفاظ لا يعتبر بها فإذا كان عندهم أنّ الوصيّة بمعنى العطية والهبة فهي كذلك، وكذلك لفظ الصّدقة، فكلّ هذا ينظر إلى مقصود المتكلّم بذلك وعرفه في بلده. فإن كان مراده أنه ممضيها له في حياته وبعد موته صارت بمعنى العطية والهبة، وإن كان العرف عندهم أنّ مراده بذلك إن مات فهي بمعنى الوصية يثبت لها أحكامها. والله أعلم.
وأمّا التي ارتفع حيضها ولا تدري ما رفعه، واعتدّت بسنةٍ ثم عاودها الدّم قبل مضي السّنة؛ فإنّها ترجع وتعتدّ بالحيض، ولا تحتسب بما تقدّم كالبكر إذا اعتدت بالأشهر ثم جاءتها الحيضة فإنّها تعتدّ بالإقراء. والله أعلم.
وأمّا إذا آجر إنسان أرضه لِمَن يزرعها قطنًا وشرط عليه أنّه لا أجرة له في السّنة الأولى، فإذا خرج عنها فالشّجر والثّمر لربّها عن أجرة أرضه. فالظّاهر أنّ مثل هذا لا يجوزه الفقهاء؛ لما فيه من الغرر، وإنّما تجوز الإجارة بشيء معلوم. والله أعلم.
وأمّا إذا احتاج أهل بلدٍ إلى أرض إنسانٍ يجعلونها مسجدًا فطلبوا من صاحب المال بيعها أو وقفها فأبى فالظّاهر أنّه لا يجبر. والله أعلم.
стр. 260
- ٢٣ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن الشّيخ إلى الأخ جمعان.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
وصل الخطّ وصلك الله إلى رضوانه.
وإن سألت عنا فنحمد إليك الله في خيرٍ وعافيةٍ وما ذكرت من المسائل:
فالأولى: شهادة المملوك هل تقبل في الحدود والقصاص والأموال أم لا؟
الجواب: أنّ الذي عليه جمهور العلماء أنّها تقبل في الأموال. قال في الإنصاف: شهادة العبد لا يخلو إما أن تكون في الحدود والقصاص أو في غيرهما، فإن كانت في غيرهما قبلت على الصّحيح من المذهب، وإن كانت في الحدود والقصاص قبلت أيضًا على الصّحيح من المذهب، نصّ عليه. انتهى.
قلت: واختار هذا القول جمع من الحنابلة وغيرهم منهم: الشّيخ تقيّ الدّين -رحمه الله تعالى-، قال في الاختيارات: ولا تشترط الحرية في الشّهادة، وهذا مذهب أحمد، وظاهر كلام أبي العباس، ولو في الحدود والقصاص، وهو رواية عن أحمد. انتهى.
قال بعضهم: لا أعلم أحدًا ردّ شهادة العبد، وهذا إن شاء الله هو الصّواب، لاسيما إذا كانت شهادته في الأموال والمراد بذلك إذا كان عدلًا قد تمت فيه شروط قبول الشّهادة. والله أعلم.
المسألة الثّانية: هل تكره الصّلاة على أحدٍ من أموات هذه الأمةّ غير الغالّ، وقاتل نفسه أم لا؟
وهل الكراهة للإمام فقط أم للكل؟
الجواب: أنّ الصّلاة تكره على غير الغالّ، وقاتل نفسه؛ مثل: المجاهر بالفسق والكبائر، فقد قال الشّيخ تقيّ الدّين: ينبغي لأهل العلم والدّين أن يدعوا الصّلاة عليه عقوبةً ونكالًا لأمثاله، لتركه ﷺ الصّلاة على قاتل
стр. 261
نفسه، وعلى الغالّ، والمدين الذي لا وفاء له، وإن كان منافقًا كمَن علم نفاقه لم يصلّ عليه، ومَن لم يعلم نفاقه صلّي عليه، ومَن مات مظهرًا للفسق منع ما فيه من الإيمان كأهل الكبائر فلا بدّ أن يصلّي عليهم بعض النّاس، ومَن امتنع من الصّلاة على أحدٍ منهم زجرًا لأمثاله كان أحسن. ولو امتنع في الظّاهر ودعا له في الباطن ليجمع بين المصلحتين كان أولى من تفويت أحدهما. انتهى.
والمراد بكراهة الصّلاة على أهل الكبائر للإمام خاصّة، أو لأهل العلم والدّين المقتدى بهم. والله أعلم.
المسألة الثّالثة: جراح العبد إذا جني عليه الحرّ عمدًا فيما دون النّفس هل يجب فيه قصاص عند مَن يمنع القود به في النّفس أم ليس هنا إلّا القيمة في النّفس وما دونها؟
الجواب: قال في الإنصاف: كلّ مَن أقيد بغيره في النّفس أقيد به فيما دونها، ومَن لا فلا. يعني: ومَن لا يقاد بغيره في النّفس لا يقاد به فيما دونها. وهذا المذهب، وعليه الأصحاب. كذا ذكره في أوّل باب ما يوجب القصاص، فيما دون النّفس، وقال في باب شروط القصاص: ولا يقتل حرّ بعبدٍ، وهذا المذهب، وعليه الأصحاب. وقال الشّيخ تقيّ الدّين: ليس في العبد نصوص صحيحة صريحة تمنع قتل الحر به، وقوّى أنّه يقتل به. وقال هذا الرّاجح، وأقوى على قول أحمد.
ثم قال: في الإنصاف: ولا يقتل مسلم بكافرٍ، ولا حرّ بعبدٍ إلّا أن يقتل وهو مثله، أو يجرحه ثم يسلم القاتل أو الجارح، أو يعتق ويموت المجروح؛ فإنّه يقتل به، يعني: إذا قتل عبد عبدًا، أو ذمي أو مرتدٌّ ذميا، أو جرحه ثم أسلم القاتل أو الجارح، أو عتق ويموت المجروح؛ فإنّه يقتل به على الصّحيح من المذهب. نصّ عليه، وعليه جماهير الأصحاب. انتهى.
стр. 262
المسألة الرّابعة: عمد المملوك إذا جنى على الحرّ ما حكمه؟
فجوابها يعرف من التي قبلها، وهو أنّه إن كان موجبًا للقصاص في النّفس أو فيما دونها فإنّه يقتصّ منه، وإن عفي عنه إلى الدّية فإنّها تكون في رقبة العبد دَين في ذمّته يباع فيها.
المسألة الخامسة: هل للإمام أو نائبه أو الحاكم أن يلزموا المجني عليه أن يأخذ القصاص من الجاني، ولو طلب الأرش أم ليس لهم ذلك؟
وهل إذا امتنع الجاني عن بذل الأرش إلّا القصاص منه يوافق على أخذ القصاص منه أم العبرة بالمجني عليه؟
والجواب أنّه لا يجوز للإمام ولا لنائبه إلزام المجني عليه أن يأخذ القصاص من الجاني، ولو طلب الدّية إلّا في مسألة الغيلة؛ فإنّ مذهب مالك أنّه يقتل حدًّا، وأمره إلى الإمام، ولو عفا أولياء القتيل، وهو اختيار الشّيخ تقيّ الدّين، لا يمكن التّحرز منه بالمحاربة، وكذلك قاتل الأئمة فإنّ القاضي خرج وجهًا في المذهب أنّه يقتل حدًا.
وقال السّائل: وهل إذا امتنع الجاني عن بذل الأرش إلّا القصاص منه يوافق على ذلك أم العبرة بالمجني عليه؟
فهذه المسألة مبنية على أصلٍ وهو أنّه هل الواجب بقتل العمد أحد شيئين: القصاص أو الدّية، أو أنّ الواجب في قتل العمد القصاص عينًا؟
وفي ذلك قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد. قال في الشّرح الكبير: اختلفت الرّوايات عن أحمد -رحمه الله تعالى- في موجب العمد فروي عنه أنّ موجبه القصاص عينًا، لقول رسول الله ﷺ : "مَن قتل عمدًا فهو قود".
وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾، [البقرة، من الآية: ١٧٨]. والمكتوب لا يتخيّر فيه. ولأنّه متلف يجب به البدل فكان معينًا كسائر المتلفات. وبه قال النّخعي ومالك وأبو حنيفة. قالوا: ليس للأولياء إلّا القتل
стр. 263
إلّا أن يصطلحا على الدّيّة برضا الجاني.
والمشهور في المذهب أنّ الواجب أحد شيئين: إما القتل أو الدّية، والخيرة في ذلك إلى الولي إن شاء اقتصّ، وإن شاء أخذ الدّية، وإن شاء قتل البعض إذا كان القاتلون جماعة؛ لأنّ كلّ مَن له قتله فله العفو عنه، كالمنفرد، ولا يسقط القصاص عن البعض بعفو عن البعض؛ لأنّهما شخصان فلا يسقط القصاص عن أحدهما بإسقاطه عن الآخر، فمتى اختار الأولياء أخذ الدّية من القاتل أو من بعض القتلة، كان لهم هذا من غير رضا الجاني. وبه قال سعيد بن المسيب، وابن سيرين، وعطاء، ومجاهد، والشّافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وهي رواية عن مالك لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَان﴾، [البقرة، من الآية: ١٧٨].
قال ابن عبّاس: كان في بني إسرائيل القصاص ولم يكن فيهم الدّية، فأنزل الله هذه الآية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾، [البقرة، من الآية: ١٧٨]. انتهى.
والعفو أن يقبل في العمد الدّية فاتّباع بالمعروف يتّبع بمعروف، ويؤدّي إليه المطلوب بإحسان، ذلك تخفيف من رّبكم ورحمة مما كتب على بني إسرائيل. رواه البخاري.
وروى أبو هريرة قال: قام فينا رسول الله ﷺ فقال: "مَن قتل له قتيل فهو بخير النّظرين: إمّا أن يؤدى، وإمّا أن يقاد". متّفق عليه.
وروى أبو شريح أنّ النَّبِيّ ﷺ قال: "ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل، وأنا والله عاقله، فمَن قتل بعده قتيلًا فأهله بين خيرتين: إن أحبّوا قتلوا، وإن أحبّوا أخذوا الدّية". رواه أبو داود وغيره.
فإذا قلنا موجبه القصاص، فله العفو إلى الدّية، والعفو مطلقًا فإذا عفا مطلقًا لم يجب شيء. وهذا ظاهر مذهب الشّافعي، وقال بعضهم: تجب الدّية لئلا يبطل الدّم. وليس بشيء؛ فإنّه لو عفا عن الدّية بعد وجوبها صحّ عفو ومتى عفا عن القصاص مطلقًا إلى غير مالٍ لم يجب شيء إذا
стр. 264
قلنا الواجب القصاص عينًا. فإن عفا عن الدّية لم يصحّ عفوه؛ لأنّها لم تجب، وإن قلنا الواجب أحد شيئين لا بعينه، فعفا عن القصاص مطلقًا أو إلى الدّية وجبت الدّية؛ لأنّ الواجب غير معيّن، فإذا ترك أحدهما تعيّن الآخر. وإن اختار الدّية سقط القصاص، ولم يملك طلبه؛ لأنّ الواجب أحد شيئين، فإذا تعيّن أحدهما سقط الآخر. وإن اختار القصاص تعيّن لذلك، وإن اختار بعد ذلك العفو إلى الدّية فله ذلك. ذكره القاضي؛ لأنّ القصاص أعلى فكان له الانتقال إلى الأدنى، ويكون بدلًا عن القصاص، وليست التي وجبت بالقتل كما قلنا في الرّواية الأولى إنّ الواجب عينًا، وله العفو إلى الدّية. ويحتمل أنّه ليس له ذلك؛ لأنّه أسقطها باختياره القود فلم يعد إليها. وعنه أنّ الواجب القصاص عينًا وله العفو إلى الدّية، وإن سخط الجاني؛ لما ذكرنا. قال في الإنصاف: وهذا الصّحيح على هذه الرّواية. وقال في المحرّر: وعنه موجبه القود عينًا مع التّخيير بينهما. وعنه أنّ موجبه القود عينًا وأنّه ليس له العفو على الدّية بدون رضا الجاني فيكون قوده بحاله. انتهى.
والصّحيح إن شاء الله أنّ موجبه أحد شيئين: القصاص أو الدّية، وأنّ الخيرة في ذلك إلى الولي. والله أعلم.
- ٢٤ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
فتاوى للشّيخ عبد الله بن الشّيخ عن أسئلة وردت عليه من سعيد بن حجي وهي هذه:
سألت -رحمك الله- عن مسائل:
الأولى: إذا أسلم رجل آخر في دراهم في تمر ثم صلحت الثّمرة فأخذ من التّمرة خرصًا على رءوس النّخل وتصرفه
стр. 265
فيه ببيع، أو نححوه هل يكون هذا قبضًا لدين السّلم أم لا؟
فإن قلتم قبضًا فما تفعل بقولهم يحصل القبض فيما بيع بالكيل أو الوزن بكيله أو وزنه؟ وذكروا الأدلّة على ذلك. ثم قالوا: وعن أحمد رواية أنّ قبض جميع الأشياء بالتّخلية.
فنقول: وبالله التّوفيق: يجوز أن يأخذ المسلم فيه جزافًا مثل أن يأخذ ثمرة من التّمر خرصًا على رؤوس النّخل أو في البيدر.
قال البخاري ﵀: باب إذا قاص أو جازف في الدّين فهو جائز تمر بتمر أو غيره ثم روى بإسناده عن جابر أنّ أباه توفي وترك عليه ثلاثين وسقًا لرجل من اليهود فاستنظره جابر فأبى أن ينظر فكلم جابر رسول الله ﷺ ليشفع له إليه، فجاء رسول الله ﷺ فكلّم اليهود ليأخذ ثمر نخله بالذي له فأبى فدخل النَّبِيّ ﷺ فمشى فيها ثم قال لجابر: "جذّه له فأوف له الذي له"، فجذه بعدما رجع رسول الله ﷺ فأوفاه ثلاثين وسقًا، وفضل له سبعة عشر وسقًا فجاء جابر النَّبِيّ ﷺ فيخبره بالذي كان فوجده يصلّي العصر فلما انصرف أخبره بالفضل فقال: "أخبر بذلك ابن الخطاب"، فذهب جابر إلى عمر فأخبره، فقال: لقد علمت حين مشى فيها رسول الله ﷺ ليباركن الله فيها. اهـ.
فترجمة البخاري والحديث الذي ذكره دالّ على جوازه، وهو اختيار شيخنا ﵀. وترجمة البخاري على حديث جابر ترجمة أخرى، فقال: باب إذا قضى دون حقّه وحلله فهو جائز. انتهى.
وباب الإيفاء عندهم أسع من باب البيع، ويغتفر فيه ما لا يغتفر في البيع.
وأمّا كلام الفقهاء، فقال في المغني والشّرح: لا يقبض ما أسلم فيه كيلًا إلّا بالكيل، ولا وزنًا إلّا بالوزن، ولا بغير ما قدر به وقت العقد؛ لأنّ الكيل والوزن يختلفان، فإنّ قبضه بذلك أي قبض المكيل وزنًا والموزون كيلًا فهو كقبضه جزافًا. ومتى قبضه فإنّه يأخذ قدر حقّه
стр. 266
ويردّ الباقي ويطالب بالنّقص إن نقص.
وهل له أن يتصرف في قدر حقّ من قبل أن يعتبره؟ على وجهين انتهى.
فمعنى كلامهم أنّه إذا قبضه جزافًا لا بأس به لكن لا يتصرف ببيع أو نحوه حتى يعتبره بما قدر به. وهذا على الرّواية الأولى التي هي المذهب عندهم وقد عرفت أنّ الرّاجح الجواز.
المسألة الثّانية: إذا باع العامي دين السّلم قبل قبضه فمعلوم أنّه غير متناول هل يصحّ هذا البيع أم لا؟
فإن قلتم يصحّ، فما نصنع بقولهم في الشّرح: ولا يجوز مسلم فيه قبل قبضه بغير خلاف علمناه، وذكر الحديث في النّهي. وقال في الإنصاف: وعنه يجوز اختاره الشّيخ. انتهى.
فالجواب: أنّ ذلك لا يجوز كما نصّ عليه في الشّرح، واستدلّ عليه في الحديث الصّحيح.
وأمّا الرّواية الثّانية التي اختارها الشّيخ فالمراد جواز بيعه من بائعه فقط مطلقًا، بدليل تعليل الشّيخ تقي الدّين بذلك. قال في الأنصاف: وفي المربع وغيره رواية بأنّه يصحّ، يعنِي: بيع المسلم فيه قبل قبضه اختاره الشّيخ تقي الدّين. وقال: هو قول ابن عبّاس، لكن يكون بقدر القيمة فقط؛ لئلا يربح فيما لم يضمن. قال: وكذا ذكره أحمد في بدل القرض. انتهى. وبدليل ما ذكره صاحب الإنصاف عند قول صاحب المقنع: ومَن اشترى مكيلًا أو موزونًا لم يجز بيعه حتّى يقبضه. هذا هو المذهب مطلقًا، وعليه الأصحاب، وعنه يجوز لبائعه. اختاره الشّيخ تقيّ الدّين، وجوّز التّولية فيه والشّركة. انتهى.
فدلّ ذلك على أنّ المراد بيعه من بائعه. والصّحيح عندنا عدم جواز بيعه من بائعه وغيره حتّى يقبضه، فيكون بيع العامي المسؤول عنه باطلًا لمخالفته لحديث نهي عن بيع الطّعام قبل قبضه. والله أعلم.
стр. 267
ثم رأيت كلام الشّيخ في الاختيارات على عمومه كما ذكره صاحب الإنصاف في السلّم: فقال يصحّ بيع الدِّين في الذّمّة من الغريم وغيره، ولا فرق بين دين السّلم وغيره، وهو رواية عن أحمد، وقاله ابن عبّاس لكن بقدر القيمة لئلا يربح فيما لم يضمن. انتهى.
المسألة الثّالثة: قال في الكافي وغيره: وإن وكله في البيع وأطلق لم يملك البيع بأقلّ من ثمن المثل -إلى أن قال-: فإن باع بأقل من ثمن المثل وبأقل مما قدر له فنعه البيع، وعنه يصحّ ويضمن الوكيل النّقص ولا عبرة بما يتغابن به النّاس كدرهم من عشرة. وكذلك ذكروا إذا وكل في الشّراء وأطلق فما المفتَى به؟
فنقول: في الاختيارات قال في المحرر: وإذا اشترى الوكيل أو المضارب بأكثر من ثمن المثل، أو باع بدونه صحّ ولزمه النّقص في مسألة البيع. قال أبو العبّاس: وكذلك الشّريك والوصي والنّاظر على الوقف وبيت المال ونحو ذلك. قال: وهذا ظاهر فيما إذا فرط.
وأمّا إذا احتاط في البيع والشّراء ثم ظهر غبن أو بيع لم يقصر فيه فهذا معذور يشبه خطأ الإمام أو الحاكم، ويشبه تصرفه قبل عمله بالعزل أبين من هذا النّاظر والوصي والإمام والقاضي إذا باع أو أجر أو زارع أو ضارب ثم تبيّن أنّه بدون القيمة بعد الاجتهاد، أو تصرف تصرفًا ثم تبيّن الخطأ فيه، مثل: أن يأمر بعمارة أو غرس , نحو ذلك، ثم تبيّن أنّ المصلحة في خلافه. وهذا باب واسع، وكذلك المضارب والشّريك، فإنّ عامة مَن يتصرّف لغيره بوكالة أو ولاية قد يجتهد ثم يظهر فوات المصلحة وحصول المفسدة، ولا لوم عليه ولا تضمين بمثل هذا. انتهى كلامه.
فقد عرفت أنّ اختيار الشّيخ عدم تضمينه إذا لم يفرط ومقتضى كلام الشّيخ القول المشهور في المذهب، وهو صحّة البيع وتضمين الوكيل
стр. 268
النّقص وشرط الشّيخ في ذلك إذا فرط وهو الأظهر عندنا.
وأمّا إذا فرط فحينئذٍ يتوجه القول بالبطلان وعدم انعقاد البيع، كما هو قول أهل العلم. والله أعلم.
المسألة الرّابعة: إذا علق الرّجل طلاق امرأته على شرطٍ وأراد إبطاله قبل وجود الشّرط برجعتها، أو قال: أبطلت ما علقت هل له ذلك أم لا؟
فنقول: قال في الإنصاف: إذا علق الطّلاق على شرطٍ لزم وليس له إبطاله. هذا المذهب، وعليه الأصحاب قاطبة وقطعوا به. وذكر في الانتصار والواضح رواية بجواز فسخ العتق المعلّق على شرطّ. قال في الفروع: ويتوجه ذلك في طلاقه. ذكره في باب التّدبير.
وقال الشّيخ تقيّ الدّين أيضًا: لو قال: إن أعطيتِنِي أو إذا أعطيتِنِي أو متى أعطيتِنِي ألفًا فأنتِ طالق، أنّ الشّرط ليس بلازمٍ من جهته؛ كالكتابة عنده. قال في الفروع: ووافق الشّيخ تقي الدّين على شرط محض؛ كإن قدم زيد فأنت طالق. قال الشّيخ تقي الدّين التّعليق الذي يقصد به إيقاع الجزاء إن كان معاوضة فهو معاوضة، فإن كانت لازمة فلازم، وإلّا فلا يلزم الخلع قبل القبول، وإلّا الكتابة، وقول مَن قال التّعليق لازم دعوى محررة. انتهى.
فتحرّر أنّ التّعليق على شرط قسمان:
أحدهما: تعليق محض بلا شرط معاوضة؛ كقوله: إن قدم زيد فأنتِ طالقٌ، أو إن دخلتِ الدّارَ فأنتِ طالق، أو إن خرجتِ فأنتِ طالق، فهذا ليس له إبطاله على قول الجماعة، ووافقهم الشّيخ تقيّ الدّين على ذلك وهو الصّواب.
القسم الثّاني: تعليق بشرط معاوضة؛ كقوله: إن أعطيتِنِي ألفًا فأنتِ طالق، أو متى أعطيتِنِي، أو إذا، فهذا تعليق بشرط معاوضة، وليس بلازمٍ من جهة الزّوج عند الشّيخ تقي الدّين.
стр. 269
وأمّا قولك -أيّدك الله بروحٍ منه-: هل له إبطال الشّرط برجعتها؟
فمعلوم أنّ الطّلاق لا يقع حتّى يوجد الشّرط فكيف يراجعها؟
وأمّا قولك: وهل الطلقتان والثّلاث في ذلك سواء؟
فهما سواء ولا فرق بينهما في ذلك بلا نزاع نعلمه.
الخامسة: إذا ذهب لرجلٍ دابة وحلى عليها بشيء وهي التي يسمّيها البدو الحلاوة والبلاسة، بأن يقول: مَن رأى أو أخبرنِي بدابتِي فله كذا، فأخبره، ولم يعمل شيئًا وإنّما هو مجرّد الخبر، هل يحلّ له ذلك للخبر أم لا؟ لأنّه من التّعاون على البر والتّقوى، وأخبر أخاك الخ، وهل يلزم ربّ الدّابّة ما قال؛ لأنّه من تمام الوعد أم لا؟ أم هي مسألة اجتهاد؛ لأنّها مصلحة لحفظ المال؟
فنقول: جزم الفقهاء بأنّ الجعل جائز؛ فلو التقطها مثلًا بعد أن يعلم بالجعالة لم يستحقّ الجعل، قال في الشّرح الكبير في باب الجعالة: هي أن يقول: مَن ردّ عبدي أو لقطتِي فله كذا، فإذا قال ذلك فمَن فعله بعد أن بلغه الجعل استحقّه لما ذكرنا من الآية، وحديث أبي سعيد، يعنِي قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾، [يوسف، من الآية: ٧٢]. وحديث أبِي سعيد في رقية اللّديغ.
قال: وإن فعل قبل ذلك لم يستحقّه، سواء ردّه قبل بلوغه الجعل أو بعد، إذا التقط لقطة قبل أن يبلغه الجعل لم يستحقّ الجعل؛ لأنّه؛ لأنّه التقطها بغير عوضٍ وعملٍ في مال غيره بغير جعلٍ فلم يستحقّ شيئًا كما لو التقطها ولم يجعل فيها ربّها شيئًا، وفارق الملتقط بعد بلوغ الجعل؛ فإنّه إنّما بذل منافعه بعوض جعله فاستحقّه؛ كالأجير إذا عمل بعد العقد، وسواء كان التقاطه لها بعد الجعل أو قبله لما ذكرناه. ولا يستحقّ أخذ الجعل بردّها؛ لأنّ الرّدّ واجب عليه من غير عوضٍ فلم يجز أخذ العوض عن الواجب؛ كسائر الواجبات، وسواء ردّها
стр. 270
قبل العلم بالجعل أو بعده؛ لذلك إن صحّ يأخذه الملتقط في موضع يجوز له أخذه عوضًا عن الالتقاط المباح. انتهى.
وقال في الفروع: فَمَن فعله بعد علمه استحقّه كدين، وإلّا حرم. نقل حنبل في اللّقطة إن وجدها بعد ما سمع النّداء فلا بأس أن يأخذ منه وإلّا ردّها ولا جعل له. انتهى.
فإذا تقرّر هذا فلا يخلو إمّا أن يجد الدّابّة قبل أن يسمع النّداء أو يبلغه، ويخبر فهذا صريح كلامهم أنّه لا يستحقّ جعلًا، وإن ردّها، فكيف إذا لم يعمل شيئًا، وإنّما هو مجرّد الخبر، وأمّا إن سمع النّداء أو الجعالة أنّ مَن ردّ دابتِي أو عبدي أو أخبرنِي بها فله كذا وكذا، ثم بحث عنها وسأل عنها في البوادي والبرية وغيرها حتى وجدها أو ردّها لصاحبها خبر؛ فإنّه يستحقّ الجعالة المذكورة. والله أعلم.
وفّقنا الله وإيّاك الحسن الفهم والعمل، وجنّبنا وإيّاك سوء الفهم والعمل.
وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم.
- ٢٥ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله إلى الأخ سعيد أسعده الله بطاعته وأدخله في سلك أهل ولايته. وبعد؛
وصل الخط وصلك الله إلى رضوانه، فأمّا ما سألت عنه من قول صاحب الإقناع وشارحه في (باب التّعزير): وإن ظلم صبيًا أو بهيمة اقتصّ من الظّالم، هل يعمل بهذا أم لا؟
فنقول: اعلم قبل ذلك أنّ العلماء ذكروا أنّ التّعزير أصل عظيم من أصول الشّريعة المحمّدية الآتية بالحكم والمصالح والغايات المحمودة في المعاش والمعاد.
قال ابن عقيل ﵀ في الفنون: للسّلطان سلوك السّياسة،
стр. 271
وهو الحزم عندنا، ولا تقف السّياسة على ما نطق به الشّرع إذ الخلفاء الرّاشدون قتلوا ومثّلوا وحرقوا المصاحف ونفى عمر نصر بن الحجاج، ولينل من عرضه مثل أن يقول له: يا ظالم، يا معتدي، وبإقامته من المجلس، والذين قدروا التّعزير من أصحابنا إنّما هو فيما إذا كان تعزيرًا عامًا من فعلٍ أو تركٍ. فإن كان تعزيرًا لأجل ترك ما هو فاعلٍ له فهو بمنْزلة قتل المرتدّ والحربي والباغي، وهنا تعزير ليس يقدر بل ينتهي إلى القتل كما في الصّائل الآخذ للمال يجوز أن يمنع مع الأخذ ولو بالقتل، وعلى هذا فإن كان المقصود دفع الفساد ولم يرتدع بل استمرّ على الفساد فهو كالصّائل الذي لا يندفع إلّا بالقتل فيتقل، ويمكن منه التّجسس، وقد ذكر شيئًا من هذا الحنفية والمالكية وإليه يرجع قول ابن عقيل: وهو أصل عظيم في صلاح النّاس، وكذا طلب الفعل فلا يزال يعاقب حتّى يفعل.
والتّعزير بالمال سائغ إتلافًا وأخذًا، وهو جار على أصل أحمد؛ لأنّه لم يختلف أصحابه في أنّ العقوبات في المال غير منسوخة كلّها، وهو قول الشّيخ أبي محمّد المقدسي، ولا يجوز أخذ ماله وهو المعزر فإشارة منه إلى ما يفعله الولاة الظّلمة.
والتّعزير يكون على فعل المحرّمات وترك الواجبات، فمن جنس ترك الواجبات: من كتم ما يجب بيانه؛ كالبائع المدلِّس، والمؤجِّر، والنّاكح، وغيرهم من المعاملين، وكذا الشّاهد، والمخبِر، والمفتِي والحاكم، ونحوهم، فإنّ كتمان الحقّ شبيه بالكذب، وينبغي أن يكون سببًا للضّمان، كما أنّ الكذب سبب للضّمان.
قال: ترك الواجبات عندنا في الضّمان كترك المحرّمات
стр. 272
حتّى قلنا فيمَن قدر على إنجاء شخصٍ بإطعامٍ أو سقي فلم يفعل فمات ضمنه، وعلى هذا فلو كتم شهادة أبطل بها حقّ مسلمٍ ضمنه، ومن هذا الباب لو كان في القرية أو المحلّة أو البلدة رجل ظالم فسأل الوالي الغريم عن مكانه ليأخذه منه الحقّ فإنّه يجب دلالته بخلاف ما لو كان قصده أكثر من الحقّ. فعلى هذا إذا كتموا ذلك حتّى تلف الحقّ ضمنوه، ويملك السّلطان تعزير مَن ثبت عنده أنّه كتم الخبر الواجب كما يملك تعزير المقرّ إقرارًا مجهولًا حتّى يفسره، ومَن كتم الإقرار، وقد يكون التّعزير بترك المستحبّ كما يعزّر العاطس الذي لم يجهر بترك تشميته.
إذا عرفت هذا، فلنرجع إلى جواب المسألة المسؤول عنها، وهي: ما إذا ظلم صبي صبيًّا، أو بهيمة بهيمةً اقتصّ للمظلوم إلى آخره.
فنقول: يعمل بذلك؛ لأنّ ذلك في الغالب لا يخلو عن ردع للظّالم، وإن لم يكن مكلّفًا. قال الشّيخ تقيّ الدّين: لا نزاع بين العلماء أنّ غير المكلَّف كالصّبي المميّز يعاقب على الفاحشة تعزيرًا بليغًا، وكذلك المجنون يضرب على ما فعل لينْزجر لكن لا عقوبة بقتل أو قطع.
قال في الفروع: قال في الواضح: من شرع في عشر صلح تأديبه في تعزير على طهارة وصلاة، وكذا في زنا، وهو معنى كلام القاضي، وذكر ما نقله الشّالنجي في الغلمان يتمردون لا بأس في ضربهم، وظاهر ما ذكره الشّيخ عن القاضي، يجب ضربه على صلاة. قال الشّيخ لِمَن أوجبها هو تأديب وتعويد على خط وقراءة وصناعة وشبهها، وكذا قال صاحب المحرّر كتأديبه اليتيم والمجنون والدّواب؛ فإنّه شرع لا لترك واجب. وظاهر كلامهم في تأديبه في الإجارة والدّيات أنّه جائز في الإجارة.
فأمّا القصاص مثل أن يظلم صبي صبيًّا أو مجنون مجنونًا أو بهيمة بهيمة، فيقتصّ للمظلوم من الظّالم، وإن
стр. 273
لم يكن في ذلك زجر عن المستقبل. لكن لاستيفاء للمظلوم، وأخذ حقّه يتوجّه أن يقال بفعل ذلك، ولا يخلو عن ردع وزجر في المستقبل ففعله لأجل الزّجر وإلّا لم يشرع لعدم الأثرية والفائدة في الدّنيا.
وأمّا في الآخر فالله تعالى يتولّى ذلك للعدل بين خلقه فلا يلزم منه فعلنا نحن كما قال ابن حامد: القصاص بين البهائم والشّجر والعيدان جائز شرعًا، بإيقاع مثل ما كان في الدّنيا. وكما قال أبو محمّد البربهاري في القصاص في الْحَجَر التي نالت إصبع الرّجل، وهذا ظاهر كلامهم السّابق في التّعزير أو صريحه فيما لا يميّز.
وقال شيخنا: القصاص موافق للشّريعة واحتجّ بثبوته في الأموال وبوجوب دية الخطأ، وبقتال البغاة المفغور لهم. قال: فتبيّن بذلك أنّ الظّلم والعدوان يؤدّي في حقّ المظلوم مع عدم التّكليف؛ فإنّه من العدل وحرَّم الله الظّلمَ على نفسه، وجعله محرمًا بين عباده. كذا قال. وبتقديره فإنّما يدلّ على الآدميين. انتهى كلام صاحب الفروع. وقد عرفتَ أنّه قول كثير من العلماء.
فأمّا الصّبيان فمعلوم أنّ ذلك زجر لهم في المستقبل إذا اقتصّ لبعضهم من بعضٍ، والذي نرى أنّ الذي يقتصّ لهم الأمير أوالقاضي إلّا إذا لم يَخْفَ من تعدّي الصّبِيّ في اقتصاصه لنفسه؛ لأنّه أشفى لنفسه.
وأمّا البهيمة فيقتصّ لها مالكها، ومعلوم أنّ بعض البهائم يتأدّب إذا أدّب. والله أعلم بالصّواب.
المسألة الثّانية: إذا وجد مع امرأته رجلًا من غير زنا بها أنّه يضرب مائة سوطٍ كما في رواية يعقوب، واحتجّ بفعل عليّ ﵁، فذكر هذه المسألة في الإنصاف، وذكر أنّه يعزّر بذلك. انتهى.
والتّعزير يرجع
стр. 274
إلى اجتهاد الإمام، لكن الذي نختاره أنّه يعزّر بذلك اتباعًا للخليفة الرّاشد علي بن أبي طالب ﵁.
المسألة الثّالثة: إن أرى الإمام العفو عنه جاز، فقد قال في المبدع: معناه من الشّرح ما كان من التّعزير منصوصًا عليه كوطء جارية امرأته أو الجارية المشتركة فيجب امتثال الأمر فيه، وما لم يكن، إن رأى الإمام المصلحة فيه وجب كالحدّ، وإن رأى العفو جاز للأخبار إلى آخر الكلام.
فنقول: اعلم أنّ في وجوب التّعزير وعدمه روايتين في مذهب أحمد:
إحداهما: الوجوب مطلقًا. وهي المذهب، وعليه الأصحاب. وهو من مفردات المذهب. ومال إلى وجوبه الشّيخ تقيّ الدّين، وعنه مندوب نصّ عليه في تعزير رقيقه على معصيته وشاهد الزّور. قال في المغني والشّرح: إن كان التّعزير منصوصًا عليه كوطء جارية امرأته أو المشتركة وجب، وإن كان غير منصوص عليه وجب إذا رأى المصلحة فيه أو علم أنّه لا ينْزجر إلّا به، وإن رأى العفو عنه جاز. انتهى.
قلت: ومراده إذا كان في العفو عنه مصلحة، قال في الكافي: يجب التّعزير في الموضعين الذين ورد فيهما الخبر إلّا إن جاء تائبًا فله تركه. انتهى.
قلت: ومراده بالموضعين: إذا وطئ أمة امرأته مع تحليلها له أو الأمة المشتركة وهو معنى كلام صاحب المبدع الذي ذكرته في السّؤال، وليس في ذلك معارضة لما تقدم من كلامهم؛ لأنّه إذا جاء تائبًا نادمًا جاز ترك تعزيره، كما روي في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، [هود، من الآية: ١١٤]، أنّ رجلًا أصاب من امرأة قبلة وفعل بها كلّ شيء إلّا الجماع ثم جاء تائبًا، وذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ الآية.
стр. 275
فقال الرّجل: ألي ذلك يا رسول الله أم لجميع النّاس؟ فقال رسول الله ﷺ : "بل لجميع أمتّي". رواه الأئمة من طرق مختلفة.
قال المجد: فإن جاء من يستوجب التّعزير تائبًا لم يعزّر عندي. انتهى. قال في الرّعاية: إن تشاتم اثنان عزرا، ويحتمل عدمه. قال في الفروع: فدلّ على أنّ ما رآه يتعيّن فلا يبطله غيره وأنّه يتعيّن قدر تعزيره خلافًا لمالك. انتهى.
قلت: يعنِي: إذا عين الإمام التّعزير للمصلحة فلا يجوز لغيره إبطاله، وأنّه يتعيّن قدر تعزير عينه الإمام. قال في الإنصاف: ويجب إذا طالب الآدمي بحقّه. قال: في الفروع وفي المغني في قذف صغيرة: لا يحتاج في التّعزير إلى مطالبة؛ لأنّه مشرع لتأديبه فللإمام تعزيره إذا رآه. ويؤيّده نصّه فيمَن سبّ صحابيًّا يجب على السّلطان تأديبه ولم يقيّده بطلبٍ أو إرث مع أنّ أكثرهم أو كثيرًا منهم له وراث، وقد نصّ في مواضع على التّعزير ولم يقيّده وهو ظاهر كلام الأصحاب.
ويأتي في أوّل آداب القاضي إذا افتات خصم على الحاكم له تعزيره مع أنّه لا يحكم لنفسه إجماعًا، فدلّ على أنّه ليس كحقّ الآدمي المفتقر جواز إقامته إلى طلب. ولهذا أجاب في المغني عن قول الأنصاري للنَّبِيّ ﷺ عن الزّبير: أن كان ابن عمّتك، وأنّه لم يعزّره وعن قول الرّجل: إنّ هذه القسمة ما أريد بها وجه الله، بأنّ للإمام العفو عنه. وفي البخاري أنّ عيينة بن حصن لما أغضب عمر هَمَّ به فتلا عليه الحر بن قيس ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ الآية [الأعراف، من الآية: ١٩٩]، قاله في شرح مسلم في قول عائشة ﵂ ما انتقم رسول الله ﷺ إلّا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله. أنّه يستحبّ لولاة الأمور التّخلق بهذا، فلا ينتقم لنفسه ولا يهمل حقّ الله. انتهى كلام صاحب الفروع.
стр. 276
فعلم مِمّا تقدم أنّ الأمير أو الحاكم إذا رأى التّعزير في المعصية جاز له ذلك، وإن كان لحقّ آدمي، ولا يفتقر جوازه إلى طلب صاحب الحقّ؛ لأنّ ذلك من باب إنكار منكرٍ وإزالة الظّلم الذي يتعلّق بالأئمة والأمراء. والله أعلم.
المسألة الرّابعة: من نائب الإمام؟
فالمعروف عندنا أنّ نائب الإمام الأمير والقاضي جميعًا. والله أعلم.
المسألة الخامسة: هل يجوز إخراج العروض بقيمتها كالثّياب ونحوها عن زكاة النّقدين، وعن زكاة الثّمار، والحبوب؟
فقد أجبناك عنها قبل ذلك، وأطلنا الكلام، وذكرنا اختلاف العلماء، وأنّ البخاري ترجم لجواز ذلك في صحيحه، وذكر الآثار والأحاديث الدّالّة على هذه المسألة، فراجعه يتبيّن لك الصّواب إن شاء الله. والسّلام. والحمد لله ربّ العالمين. وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه أجمعين.
- ٢٦ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(من عبد الله بن الشّيخ إلى الأخ سعيد حفظه الله تعالى)
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد؛
سألتَ -وفّقنا الله وإيّاك- عَمَّن قال لزوجته: أنتِ طالق بالثّلاث، ويحلف أنّه قاصد أصابعه الثّلاث.
الجواب: هذا المقصد مشكل مع أنّه بعيد، وهذا يشبه ما قاله شيخ الإسلام أنّ النَّيّة إن أسقطت شيئًا من الطّلاق لم يقبل مثل قوله: أنتِ طالق ثلاثًا، وقال: نويت واحدة، فإنّه لا يقبل روايةً واحدةً. وإن لم تسقط من الطّلاق وإنّما عدل به من حالٍ إلى حالٍ، مثل: أن ينوي من
стр. 277
وثاق وعقال ودخول الدّار إلى سنة ونحو ذلك، فهذا على روايتين:
إحداها: يقبل. قال في شرح المنتهى إلّا أن تكذبه قرينة من غضب أو سؤالها الطّلاق، والمقدَّم في المذهب أنّه يدين ولا يقبل في الحكم.
وأمّا مَن قال لامرأته: إن كان كذا ما جرى فأنتِ فسخ.
فالجواب: هذا تعليق، وذكر الفقهاء -رحمهم الله تعالى- في كتاب الخلع ما يفيد أنّه كناية إذا نوى به الطّلاق صار طلاقًا، وصرح به في الاختيارات، فقال: ولا يقع الطّلاق بالكناية إلّا بنية، إلّا مع قرينة إرادة الطّلاق، كما إذا قرن الكناية بلفظٍ يدلّ على الطّلاق مثل أن يقول: فسخت النّكاح، وقطعت الزّوجية، ورفعت العلاقة بينِي وبين زوجتِي. انتهى. وبه يتمّ الجواب.
وأمّا الحلف بالطّلاق للمختلعة فيبنَى على صحّة الخلع وعدمها، فإن كان غير صحيحٍ كما إذا ضارها الزّوج لتفتدي منه فالخلع غير صحيحٍ، فإذا كان بلفظ الطّلاق أو نيّته مع اللّفظ الصّريح للخلع لحقها الطّلاق، فإن كان بفظ الخلع من غير نيّة الطّلاق فالزّوجة بحالها ويقع الطّلاق أيضًا.
وأمّا إذا وقع الخلع صحيحًا فلا يلحقها الطّلاق على المختار عند الأصحاب. وهذا مذهب أحمد ﵀، وقول ابن عبّاس، وابن الزّبير وجمعٍ من التّابعين، وبه يقول مالك والشّافعي. وحكي عن أبي حنيفة أنّه يلحقها الطّلاق الصّريح دون الكناية. وروي عن سعيد بن المسّيب وجماعة لما روي عن النَّبِيّ ﷺ أنّه قال: "المختلعة يلحقها الطّلاق ما دامت في العدّة", ولم يمكن آخر هذا اليوم كشف بحر ١ الحديث وسنده، وإن صحّ فهو الحجّة. والله أعلم.
стр. 278
- ٢٧ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(من عبد الله بن الشّيخ إلى الأخ جمعان)
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
الخط وصل وصلك الله إلى رضوانه، ونبشّرك نحن طيّبون -ولله الحمد- ولا نستنكر شيئًا، كذلك سعود وعياله وآل الشّيخ من حيث الجملة. وما أشرت إليه من العذر عن الجيد فأنت معذور، وأرجو أنّ الله يعيننا وإيّاك ويرزقك العلم والعمل والمعونة، والعبد ما له طاقة على شيء من الأشياء إلّا بإعانة الله، وأكثر الدّعاء بما أمر الله به نبيّه ﷺ حيث قال: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾، [الإسراء: ٨٠]. قال قتادة في تفسير الآية: علّم نَبِيّ الله أنّه لا طاقة له بهذا الأمر إلّا بسلطان من الله نسأل الله سلطانًا نصيرًا. وما أشرت إليه من المسائل:
فالأولى: على القول بأنّ الرّاعي لا ضمان عليه، هل هو لكلّ راعٍ سواء رعى جماعة أو هو مختصّ بمنفعة واحدٍ؟
فالظّاهر من كلام أهل العلم أنّ الرّاعي لا ضمان عليه إلّا بالتّعدّي والتّفريط سواء كان لجماعة أو لشخص معيَّن، ولا أعلم في ذلك خلافًا.
والثّانية: في الجائفة والمأمومة عمدًا هلها تحمل العاقلة لعدم إمكان استيفاء القصاص؟
فالذي ذكر أهل العلم أنّ العاقلة لا تحمل إلّا الخطأ في الجائفة وما فوقها، وأمّا ما دون الجائفة في الخطأ، ففيه خلاف بين العلماء والذي يفتى به عندنا أنّها لا تحمل ما دون الثّلث، وإنّما تحمل الثّلث
стр. 279
فأكثر في الخطأ خاصة، فدية الجائفة والمأمومة على الجاني خاصّة في العمد، والظّاهر أنّها ليست بمنجمة كالدّية بل هي حالّة.
والثّالثة: تحمل الشّهادة ما يشترط لها عند أهل العلم من الشّروط؟
فالذي ذكر في الإنصاف أنّها تقبل الشّهادة على الشّهادة فيما يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي وترد فيما يرد فيه، ولا تقبل إلّا أن يتعذر شهود الأصل بموتٍ أو مرضٍ أو غيبةٍ إلى مسافة القصر. وذكر أيضًا أنّه لا يجوز لشاهد الفرع أن يشهد إلّا أن يستدعيه شاهد الأصل، فيقول: أشهد على شهادتِي أنِّي أشهد على فلان بن فلان وقد عرفته باسمه وعينه ونسبه، أقرّ عندي وأشهدنِي على نفسه طوعًا بكذا أو شهدت عليه أو أقرّ عندي بكذا، وذكر ابن عقيل رواية يجوز أن يشهد سواء استدعاه أو لا، وقدمه في التّبصرة وهذه الرّواية هي الصّواب إن شاء الله تعالى.
والرّابعة: أرش العيب إذا قدرت السّلعة بما ينقصها هل تقوم بالثّمن الذي اشتريت به سليمة فما نقص عنه بالعيب رجع به المشتري أم لا عبرة بالثّمن، وإنّما تقوم أنّها تسوي صحيحة كذا، وما نقص عنه بالعيب طاح قدره من الثّمن؟
فالذي ذكره العلماء أنّها تقوم بالثّمن الذي اشتريت به. قال في الإقناع: والأرش قسط ما بين قيمة الصّحيح والمعيب، فيرجع بنسبته من ثمنه فيقوم المعيب صحيحًا ثم يقوم معيبًا، فإذا كان الثّمن مثلًا مائة وخمسين فيقوم المعيب صحيحًا بمائة ومعيبًا بتسعين فالعيب نقص عشرة نسبتها إلى قيمته صحيحًا عشرة فينسب ذلك إلى المائة والخمسين تجده خمسة عشر، وهو الواجب للمشتري. هذا على القول بأنّه مخيّر يبن الرّدّ وأخذ الأرش مع الإمساك.
وأمّا على المفتَى به عندنا، وهو الرّواية الأخرى
стр. 280
عن أحمد واختيار الشّيخ تقيّ الدّين أنّ المشتري إذا وجد بها عيبًا لم يعلمه فليس له إلّا الإمساك بلا أرش أو الرّدّ.
والخامسة: الشّفعة هل تثبت بالشّركة في البئر والطّريق ومسير الماء؟
فالمفتّى به عندنا أنّها تثبت بذلك، كما هو اختيار الشّيخ تقيّ الدّين وغيره من العلماء. وصلّى الله على محمّدٍ وآله وصحبه وسلّم.
- ٢٨ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(من عبد الله بن الشّيخ إلى الأخ جمعان)
سلام عليكم ورحمة وبركاته. وبعد؛
وصل الخط وصلك الله إلى رضوانه، وما ذكرت من جهة المسألة التي أشكلت عليك؛ وهي: أنّ أهل بلدكم يجعلون للأجير الذي يسقي الزّرع جزءًا منه مشاعًا، وأنّك نهيتهم عن ذلك؛ لأنّك وقفت على كلامٍ لبعض أهل العلم في اشتراط معرفة الأجرة، فإن كانت مجهولة لم يصحّ.
فاعلم أنّ الذي يظهر من كلام أهل العلم أنّ مثل هذه المسألة لا بأس بها، ويكون ذلك من باب المشاركة لا من باب الإجارة، كما إذا دفع أرضه لِمَن يزرعها بجزء مشاعٍ من الزّرع، أو نخله لِمَن يقوم عليه ويصلحه بجزء من ثمره، أو ثوبه إلى مَن يخيطه، أو غزلًا إلى مَن ينسجه بجزء منه مشاع فقد نصّوا على أنّ مثل هذا جائز. وكذلك إذا دفع ثوبه إلى مَن يخيطه أو غزلًا إلى مَن ينسجه بجزءٍ من ربحه فإنّ هذا جائز.
قال في المغني: وإن دفع ثوبه إلى خياط ليفصله مضانًا ليبيعها له وله نصف ربحها بحقّ عمله جاز، نصّ عليه في رواية حرب، وإن دفع غزلًا إلى رجلٍ ينسجه ثوبًا بثلث
стр. 281
ثمنه أو ربعه جاز، نصّ عليه. وهذه المسائل أبلغ في الجهالة والغرر من مسألتكم، فمسألتكم أولى بالجواز. والجهالة في مثل هذه المسائل مغتفرة كما اغتفرت في المزارعة والمساقاة التي ثبتت الأحاديث عن رسول الله ﷺ بجوازها وهي في الحقيقة أجرة للأرض.
- ٢٩ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(من عبد الله إلى الأخ جمعان)
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
فإن سألت عنا فنحن -ولله الحمد- طيّبون، كذلك العيال وآل الشّيخ طيّبون جميعًا، ولله الحمد، والخط وصل، وما ذكرت فيه من المسائل:
فالمسألة الأولى: فيمَن سرق مال الغير أو غصبه إلى آخر.
فالجواب: أنّ الفقهاء قد ذكروا هذه المسألة وذكروا أنّ المغصوب منه يأخذ عين ماله أينما وجده سواء كان من الغاصب أو المشتري أو المنتهب، ويرجع المشتري على الغاصب أو السّارق بالثّمن ولا فرق في ذلك بين أن يكون الغاصب غنيًّا أو فقيرًا.
والمسألة الثّانية: إذا وقف إنسان قدرًا أو رحى هل ذلك وقف عام ينتفع به كالمساجد والمقبرة أم لا؟
فالجواب: أنّ ذلك يرجع إلى شرط الواقف، فإن قال ذلك وأطلق كان ذلك وقفًا عامًا ينتفع به، وإن قيّد ذلك على شخصٍ أو جهةٍ تقيد به.
والمسألة الثّالثة: إذا اشترى إنسان من آخر طعامًا ووكّل البائع على كيله ولم يحضره الخ؟
стр. 282
فالجواب: أنّ ذلك صحيح إذ لا مانع منه وقد نصّ على ذلك الفقهاء في (باب الوكالة)، ولا يدخل ذلك في النّهي عن بيع الطّعام قبل قبضه؛ لأنّ هذا قبض صحيح؛ لأنّ قبض وكيله كقبضه. وهذه وكالة صحيحة، ولا يقدح في ذلك كون الوكيل يتولّى طرفي العقد.
والمسألة الرّابعة: فيمَن قال: عليَّ الطّلاق لأفعلن كذا، ثم حنث وله زوجة ما الحكم؟
فالجواب: أنّ هذه المسألة، الخلاف فيها مشهور بين السّلف والخلف، وفيها روايتان عن أحمد:
إحداهما: تطلق ثلاثًا، صحّحه في التّصحيح. قال في الرّوضة: هو قول جمهور أصحابنا؛ لأنّ الألف واللام للاستغراق، فتقتضي استغراق الكلّ وهو ثلاث.
والرّواية الثّانية: لا تطلق إلّا واحدة، وهو المذهب؛ لأنّه يحتمل أن تعود الألف واللام إلى معهود يريد الطّلاق الذي أوقعته.
قال الموفّق: والأشبه في هذا جميعًا أن يكون واحدةً في حال الإطلاق؛ لأنّ أهل العرف لا يعتقدونه ثلاثًا، ولهذا ينكر أحدهم أن يكون طلق ثلاثًا، ولا يعتقد إلّا أنّه طلق واحدة. انتهى.
وإنّما الرّوايتان عن أحمد، إذا قال ذلك وأطلق ولم ينو شيئًا، فإن نوى ثلاثًا فإنّه يقع به ثلاث طلقات. وأمّا الشّيخ تقيّ الدّين فإنّه فرّق بين أن يقصد الحالف إيقاع الطّلاق أو لا يقصد، فإن كان يكره وقوع الجزاء ولكنه علقه على شرط ليحثّ نفسه على فعل شيءٍ أو تركه، فهذا يكون عنده من باب الأيمان، وتكون كفارته كفارة يمينٍ، وإن كان يقصد إيقاع الطّلاق ولا يكره وقوع الجزاء فهذا إذا وقع الجزاء وقع عليه الطّلاق.
стр. 283
- ٣٠ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(من عبد الله إلى الأخ جمعان)
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
وصل الخط وصلك الله إلى رضوانه. وما ذكرت من العذر من عدم المواجهة في سفر الحجّ فأنت معذور لسبب كثرة الأشغال علينا وعليكم.
والمسائل التي وصلتنا قبل الحجّ سافرت بها معي؛ لأنِّي أبغي أن أجاوب عنها، والله أعلم أنّها ضاعت منِّي. وأمّا المسائل الأخيرة:
فالمسألة الأولى: هل يجوز بيع الذّهب والفضّة بعرض كالجدد وغيرها نسيئة؟
فالجواب: أنّ ذلك لا يجوز إذا كان العرض جددًا؛ لأنّها بمنْزلة الأثمان، إذا اختلفت أجناسها يجوز بيع بعضها ببعض ولا يجوز نسيئة.
وأمّا العروض التي ليست بأثمان فلا بأس بذلك، ولا أعلم في هذه المسألة نزاعًا بين العلماء.
والثّانية: قوله ﷺ لوفد عبد القيس: "أنّهاكم عن الدبا والحنتم" الخ.
يذكر أهل العلم في شرحه أنّه نهاهم عن الانتباذ في هذه الأوعية؛ لأنّها أوعية حارّة فيشربون منها المسكر ولا يشعرون بذلك. وورد في حديثٍ صحيحٍ أنّه أرخص فيه بعد ذلك، وقال: "لا تشربوا مسكرًا".
والثّالثة: إذا كان عند إنسانٍ تمر أو حبّ وحار في يده لأجل رخصه، وأراد أن يسلفه إنسانًا إلى الثّمرة المقبلة؛ لأجل منفعة الثّمر المقبل، فهذا لا يجوز؛ لأنّه قرض يجرّ نفعًا إليه، وكلّ قرضٍ يجرّ منفعة فهو ربا.
стр. 284
والرّابعة: فيمَن أسلم إلى رجلٍ دراهم بتمرٍ أو حبٍّ فلما حلّ الأجل وخاف صاحب السّلم أنّ التّمر الذي أسلم فيه لا يساوي رأس ماله. وقال صاحبه: ما أبغى إلّا رأس مالي إلى أجل ولولا الأجل ما رضي صاحب الدَّين.
فهذه مسألة فيها خلاف بين أهل العلم، والأحسن الأحوط تركها.
- ٣١ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(من عبد الله إلى الأخ جمعان)
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
وصل الخط وصلك الله إلى رضوانه. وأنا ولله الحمد طيّب، كذلك عيالنا وآل الشّيخ. وما ذكرت من المسائل:
فالأولى: إذا أفسدت دابّة إنسانٍ باللّيل ملك الغير ما كيفية الضّمان؟
فالجواب: أنّ صفة التّقويم في الزّرع الأخضر ونحوه أن ينظر أهل المعرفة ما نقص الزّرع من الثّمن فيغرم له قيمة ذلك النّاقص. هذا هو الذي يظهر من كلام الفقهاء.
الثّانية: رجلان اشتركا بأموالهما من عقارٍ وأصولٍ وعروضٍ وأثمانٍ وغيرها، هل هذه شركة صحيحة أو فاسدة؟
فقال في الإنصاف: مِن شرط صحّة الشّركة أن يكون المالان معلومين، وإن اشتركا في مختلط بينهما شائع صحّ إن علما قدر ما لكلّ واحدٍ منها، ثم قال: ويشترط أن يعملا فيه أو أحدهما على الصّحيح، لكن بشرط أن يكن له أكثر من ربح ماله. وهي شركة عنان على الصّحيح من المذهب، وقيل: مضاربة، فإن شرط له ربحًا قدر ماله فهو إبضاع.
стр. 285
وأمّا الشّركة في العقار ونحوه، فلم أرَ في كلامهم تصريحًا بجوازه، وقضية إطلاقهم الأموال يقتضي جوازه في العروض والعقار، فإذا عرف قدر ماليهما واشتركا في العمل فيه ثم فسخ أحدهما تقاسما الرّبح على قدر ماليهما، ورجع العقار إلى مالكه الأوّل.
والثّالثة: في الوظائف التي تعنِي أهل الإسلام، فالأحسن فيها أن يجعل ذلك على قدر المال من عقار وغيره، وتسقط النّائبة على قدر الأموال كما هو المعمول به في بلدان المسلمين.
والرّابعة: بيع الإبل بالغنم نسيئة، ففيه خلاف، ومَن منعه احتجّ بالحديث المروي أنّه نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، ومَن أجازه احتجّ بالحديث الصّحيح في قصّة وفد هوازن أنّ رسول الله ﷺ قال: "ومَن لم تطب نفسه فله بكلّ فريضةٍ ستة فرائض من أوّل ما يفيء الله علينا". والتّفريق بينما كان معدًا للحم وغيره عند مالك وغيره إنّما هو في مسألة بيع اللّحم بالحيوان، هل يصحّ ذلك أم لا؟ فمنعه مالك فيما كان معدًّا للحم دون ما هو معدّ للرّكوب وغيره.
والخامسة: ثمر العام الواحد يضمّ بعضه إلى بعض في تكميل النّصاب المراد به عند بعضهم أن يزرع زرعين في عامٍ وحدٍ ولو كان ذلك دون السّنة الهلالية بأن يحصل ذلك في نحو ثمانية أشهر أو لتسعة أشهر أو دون ذلك، ولا ينظر إلى كون الزّرع الأوّل في آخر السّنة الأولى، والزّرع الثّاني في أوّل السّنة الثّانية؛ لأنّ ذلك حساب عامٍ واحدٍ واحترازهم بقولهم: ثمرة العام الواحد إشارة إلى كون إنسانٍ يزرع زرعًا في سنة ثم يزرع في السّنة التي بعدها بعد مضي اثني عشر شهرًا، فهذا لا يضمّ ثمرة هذا إلى هذا،