← Джавами‘

Джавами‘ · id 16865

مجموعة الرسائل والمسائل النجدية - ط المنار

محمد رشيد رضا

Полный текст (2 581 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مجموعة الرسائل والمسائل النجدية فتاوى ورسائل لعلماء نجد الأعلام الجزء الأول من مطبوعات صاحب الجلالة السعودية ومحيي السنة المحمدية الإمام عبد العزيز آل سعود ملك الحجاز ونجد وملحقاتها أيده الله تعالى الطبعة الأولى في سنة ١٣٤٦ - سنة ١٩٢٨ مطبعة المنار بمصر

стр. 2

القسم الأول رسائل وفتاوى للشيخ محمد بن عبد الوهاب وأبنائه ﵏ ... رسائل وفتاوى للشيخ محمد بن عبد الوهاب ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القسم الأول من الجزء الأول من مجموعة الرسائل والمسائل النجدية: رسائل وفتاوى متفرقة لإمام النهضة المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأبنائه العلماء الأعلام رحمهم الله تعالى ** ** ** [رسالة في دين الإسلام وشرح حقيقته] (رسالة جوابية للشيخ عن كتاب لم نقف عليه، ويستغنى عنه بجوابه) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. وبعد قال الله : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران من الآية: ١٩]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: من الآية: ٨٥]. وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة من الآية: ٣]. قيل: إنها آخر آية نزلت، وفسر نبي الله ﷺ الإسلام لجبريل ﵇، وبناه أيضا على خمسة أركان، وتضمن كل ركن علما وعملا فرضا على كل ذكر وأنثى، لقوله: "لا ينبغي لأحد يقدم على شيء حتى يعلم حكم الله فيه". فاعلم أن أهمها وأولاها: الشهادتان وما تضمنتا من النفي والإثبات من حق الله على عبيده، ومن حق الرسالة على الأمة؛ فإن بان لك شيء من ذلك ما ارتعت، وعرفت ما الناس فيه من الجهل والغفلة والإعراض

стр. 3

عما خلقوا له، وعرفت ما هم عليه من دين الجاهلية، وما معهم من الدين النبوي، وعرفت أنهم بنوا دينهم على ألفاظ وأفعال أدركوا عليها أسلافهم، نشأ عليها الصغير، وهرم عليها الكبير؛ ويؤيد ذلك أن الولد إذا بلغ عشر سنين غسلوا له أهله، وعلموه ألفاظ الصلاة، وحيي على ذلك، ومات عليه. أتظن من كانت هذه حاله هل شم لدين الإسلام الموروث عن الرسول رائحة فما ظنك به إذا وضع في قبره، وأتاه الملكان، وسألاه عمّا عاش عليه من الدّين، بماذا يجيب: "هاه هاه لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته"١ ٢. وما ظنك إذا وقف بين يدي الله -سبحانه- وسأله: ماذا كنتم تعبدون وبماذا أجبتم المرسلين بماذا يجيب رزقنا الله وإياك علما نبويا، وعملا خالصا في الدنيا ويوم نلقاه. آمين. فانظر يا رجل حالك، وحال أهل هذا الزمان! أخذوا دينهم عن آبائهم، ودانوا بالعرف والعادة، وما جاز عند أهل الزمان والمكان دانوا به، وما لا فلا، فأنت وذاك. وإن كانت نفسك عليك عزيزة، ولا ترضى لها بالهلاك، فالتفت لِمَا تضمنت أركان الإسلام من العلم والعمل، خصوصا الشهادتين من النفي والإثبات، وذلك ثابت من كلام الله وكلام رسوله. قيل: إن أول آية نزلت قوله -سبحانه- بعد اقرأ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ١ - ٢]. قف عندها، ثم قف، ثم قف، ترى العجب العجيب، ويتبين لك ما أضاع الناس من أصل الأصول، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ الآية [النّحل من الآية: ٣٦]، وكذلك قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية من الآية: ٢٣]

стр. 4

الآية، وكذلك قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التّوبة من الآية: ٣١]، وغير ذلك من النصوص الدالة على حقيقة التوحيد الذي هو مضمون ما ذكرت في رسالتك أن الشيخ محمدا قرر لكم ثلاثة أصول: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، والولاء والبراء، وهذا هو حقيقة دين الإسلام. ولكن قف عند هذه الألفاظ، واطلب ما تضمنت من العلم، والعمل، ولا يمكن في العلم إلا أنك تقف على كل مسمى منهما مثل: الطاغوت أكاد سليمان، والمُوَيْس، وعُرَيْعِر، وأبا ذراع، والشيطان، رؤوسهم كذلك قفْ عند الأرباب منهم أكادهم العلماء والعباد كائنا من كان إن أفتوك بمخالفة الدين، ولو جهلا منهم فأطعتهم، كذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة من الآية: ١٦٥] يفسرها قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ﴾ الآية [التّوبة من الآية: ٢٤]، كذلك قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية من الآية: ٢٣]، وهذه أعم مما قبلها وآخرها، وأكثرها وقوعا؛ ولكن أظنك وكثيرا من أهل الزمان ما يعرف من الآلهة المعبودة إلا هُبَلَ، ويَغُوثَ، ويَعُوقَ، ونَسْرَا، والّلات والعُزّى، ومَنَاةَ فإن جاد فهمه عرف أن المقامات المعبودة اليوم من البشر، والشجر، والحجر، ونحوها، مثل: شمسان، وإدريس، وأبو حديدة، ونحوهم منها. هذا ما أثمر به الجهل، والغفلة، والإعراض عن تعلم دين الله ورسوله؛ ومع هذا يقول لكم شيطانكم المويس: إن بُنَيَّات حرمة وعيالهم ١ يعرفون التوحيد فضلا عن رجالهم، وأيضا تعلُم معنى لا إله إلا الله بدعة؛ فإن استغربت ذلك مني فأحضر عندك جماعة، واسألهم عما يُسألون عنه في القبر، هل تراهم يعبرون عنه لفظا وتعبيرا فكيف إذا طولبوا بالعلم والعمل

стр. 5

هذا ما أقول لك، فإن بان لك شيء من ذلك ارتعت روعة صدق على ما فاتك من العلم، والعمل في دين الإسلام أكبر من روعتك التي ذكرت في رسالتك من تجهيلنا جماعتك؛ ولكن هذا حق مَنْ أعرض عما جاء به رسول الله ﷺ من دين الإسلام، فكيف بِمَن له قريب من أربعين سنة يسب دين الله ورسوله، ويبغضه، ويصد عنه مهما أمكن، فلمّا عجز عن التمرد في دينه الباطل، وقيل له: أجب عن دينك وجادل دونه، وانقطعت حجته أقر أن هذا الذي عليه ابن عبد الوهاب أنه هو دين الله ورسوله. قيل له: فالذي عليه أهل (حرمة) قال: هو دين الله ورسوله. كيف يجتمع هذا وهذا في قلب رجل واحد؟ فكيف بجماعات عديدة بين الطائفتين من الاختلاف سنين عديدة ما هو معروف، حتى إن كلا منهم شهر السيف دون دينه، واستمر الحرب مدة طويلة، وكل منهم يدعي صحة دينه، ويطعن في دين الآخر، نعوذ بالله من سوء الفهم، وموت القلوب. (أهل) دينين مختلفين، وطائفتين يقتتلون كل منهم على صحة دينه، ومع هذا يتصور أن الكل دين صحيح يدخل من دان به الجنة: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النّور من الآية: ١٦]، فكيف والناقد بصير فيا رجل، ألق سمعك لما فرض الله عليك خصوصا الشهادتين، وما تضمنتاه من النفي والإثبات، ولا تغتر باللفظ، والفطرة، وما كان عليه أهل الزمان والمكان، فتهلك. فاعلم أن أهم ما فرض على العباد: معرفة أن الله رب كل شيء ومليكه ومدبره بإرادته: فإذا عرفت هذا فانظر ما حق من هذه صفاته عليك بالعبودية بالمحبة، والإجلال، والتعظيم، والخوف، والرجاء، والتأله المتضمن للذل، والخضوع لأمره ونهيه، وذلك قبل فرض الصلاة، والزكاة؛ ولذلك

стр. 6

يعرف عباده بتقرير ربوبيتهليرتقوا بها إلى معرفة إلهيته التي هي مجموع عبادته على مراده نفيا وإثباتا، علما وعملا، جملة وتفصيلا. (هذا آخر الرسالة، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم) [رسالة إلى أهل شقرا في بيان أن الإسلام دين يسر وسهولة] -٢ - رسالة منه إلى جماعة أهل شقرا سلمهم الله تعالى ١ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد، فقد قال النبي ﷺ : "إن الله يرضى لكم ثلاثا"٢، وواجب علينا لكم النصيحة، وعلى الله التوفيق فيا إخواني، لا تغفلوا عن أنفسكم، ترى الباطل زمالة لحاية ٣ عند الحاجة، ولا تظنوا أن الضيق مع دين الإسلام، لا والله؛ بل الضيق، والحاجة، وسكنة الريح، وضعفة البخت، مع الباطل والإعراض عن دين الإسلام. مع أن مصداق قولي فيما ترونه فيمن ارتد من البلدان: أوّلُهُنّ (ضرما) وآخرُهُنّ (حريما)، هم حصّلوا سعة فيما يزعمون، أو َمَا زادوا إلا ضيقا وخوفا على ما هم قبل (أن) يرتدوا. وأنتم كذلك المعروف منكم أنكم ما تدينون للعناقر ٤ وهم على عنفوان القوة في الجاهلية، فيوم رزقكم الله دين الإسلام الصرف، وكنتم على بصيرة في دينكم، وضعف من عدوكم - أذعنتوا له حتى إنه يبي ٥ منكم الخسر ما يشابه لجزية اليهود والنصارى -حاشاكم والله من ذلك- والله العظيم، إن النساء في بيوتهن يأْنَفْنَ لكم، فضلا عن صماصيم بني زيد. يالله

стр. 7

العجب! تحاربون إبراهيم بن سليمان فيما مضى عند كلمة تكلم بها على جاركم، أو حمار يأخذه ما يسوي عشر محمديات! ١ وتنفدون على هذا مالكم، ورجالكم، ومع هذا يثلب بعضكم بعضا على التصلب في الحرب ولو عضكم. فيوم رزقكم الله دين الأنبياء الذي هو ثمن الجنة، والنجاة من النار، إلا أنكم تضعفون عن التصلب! ٢. وها الأمر خالفه صار كلمة، أو حمارا أنفق عندكم، وأعز من دين الإسلام؛ يالله العجب! -نعوذ بالله من الخذلان، والحرمان- ما أعجب حالكم، وأتيه رأيكم إذ تؤثرون الفاني على الباقي، وتبيعون الدر بالبعر، والخير بالشر! كما قيل: فيا درة بين المزابل ألقيت ... وجوهرة بيعت بأبخس قيمة فتوكلوا على الله، وشمروا عن ساق الجد في دينكم، وحاربوا عدوكم، وتمسكوا بدين نبيكم، وملة أبيكم إبراهيم، وعضوا عليها بالنواجذ. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. [مسائل: في معاملة الأعراب لمن هو مثلهم ممن لا يتورع عن تعاطي المحرمات، وفي المعاملة بالجدد، وفي أخذ العروض عن النقود] -٣ - (بسم الله الرحمن الرحيم) (هذه مسائل أجاب عنها الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى). [حكم ما يأخذ الأعراب ونحوهم ممن هو مثلهم أو من أهل القرى] (المسألة الأولى): ما حكم ما يأخذ الأعراب، ونحوهم ممن هو مثلهم، أو من أهل القرى أما ما يأخذونه ممن هو مثلهم في ترك ما فرضه الله عليهم، والتهاون بما حرمه الله -تعالى- مما يُكَفِّرُ أهل العلم فاعله، فلا إشكال في حله.

стр. 8

كما أفتى به شيخ الإسلام ابن تيمية، وغيره من أهل العلم، وهو ظاهر لظهور دليله. وأما إذا كان المأخوذ من أهل القرى، ونحوهم ممن يلتزم أركان الإسلام، ولا يظهر منه ما ينافيه، فحكم ما أخذ منهم حكم الغصب، وتفصيله لا يجهل. وإن اشتبه الحال على من وقع في يده شيء لا يعرف مالكه، فله التصدق بثمنه. [ما يتعامل به أهل نجد من الجدد حين رخصت] وأما (المسألة الثانية) وهي: ما يتعامل به أهل نجد من الجدد حين رخصت، وصارت الفضة فيها أكثر من المقابل، فهي صورة مسألة"مدعجوة"لا بد فيها من أن يكون المنفرد أكثر من الذي معه غيره على الرواية القائلة بالجواز، وهي اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ فعلى هذا إذا كان الذي في الجدد من الفضة أكثر من فضة الريال، فلا يجوز بيعها على كلا الروايتين. [أخذ العروض عن النقود] وأما (المسألة الثالثة) وهي: أخذ العروض عن النقود، وبالعكس، فإن كان المراد أخذ العروض عن النقود التي في الذمة عن ثمن ربوي كما إذا باع تمرا أو نحوه بأحد النقدين إلى أجل، ثم أخذ عما في الذمة من جنس المبيع، أو ما لا يجوز بيعه به نسيئة، فهذا لا يصح على المعتمد. وإن كان غير ذلك كقيمة متلف، أو أجرة، ونحو ذلك، فيجوز أن يأخذ عما في الذمة عن النقد عرضا، وبالعكس؛ بل يجوز أخذ أحد النقدين عن الآخر بسعر يومه كما في حديث ابن عمر. وأما أخذ الثمار في السلم خرصا، فالذي يتوجه عندنا الجواز إذا كان الثمر المأخوذ دون ما في الذمة بيقين، لحديث جابر المُخَرَّجِ في الصحيح؛ فيكون من باب أخذ الحق، والإبراء عما بقي. والله سبحانه، وتعالى أعلم.

стр. 9

(فتاوى في الزكاة والمضاربة والنقود المغشوشة) -٤ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد العزيز الحُصَيْن إلى الشيخ المكرم محمد بن عبد الوهاب. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد، أَفْتِنَا -عفا الله عنك-: هل يُجْزِئُ إخراج الجدد في الزكاة، أم لا، لأنها مغشوشة بنحاس وهل تصح المضاربة بها، لأجل الغش وكذلك العروض كالإبل، والهدم، وغير ذلك من سائر العروض، هل تصح المضاربة بها فرأيت في شرح العمدة للموفق: أن الزكاة لا تصح أنها تخرج على الذهب الذي أخذ من معدنه إلا بعد ما يصفى، لأن الزكاة ما تجوز عن المغشوش، وقال البخاري (باب إجراء أمراء الأمصار)، وذكر فيه تفصيلا: كالبيع، والإجارة، والمكيال، والميزان، إلى غير ذلك؛ هل كلام البخاري في هذا يفيد، أم لا أَفتنا -جزاك الله خيرا- والسلام. (الجواب) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿هذه المسائل التي في السؤال﴾ (المسألة الأولى): العُرُوضُ هل تجزئ في الزكاة إذا أخرجت بقيمتها؟ (الثانية): هل تصح المضاربة، أم لا؟ (الثالثة): أن الجدد هل تخرج بها، أم لا لأجل الغش؟ [العُرُوضُ هل تجزئ في الزكاة إذا أخرجت بقيمتها] (فأما المسألة الأولى): ففيها روايتان عن أحمد: إحداهما: المنع لقوله: "في كل أربعين شاةٍ شاة، وفي مائتي درهم خمسة دراهم"١ وأشباهه. (والثانية): يجوز، قال

стр. 10

أبو داود: سئل أحمد عن رجل باع ثمر نخلة، فقال: عُشْره على الذي باعه، قيل: يخرج تمرا، أو ثمنه قال: إن شاء أخرج تمرا، وإن شاء أخرج من الثمن. إذا ثبت هذا، فقد قال بكل من الروايتين جماعة، وصار نزاع فيها، فوجب ردها إلى الله والرسول. قال البخاري في صحيحه في أبواب الزكاة (باب العرض في الزكاة): وقال طاووس: قال معاذ لأهل اليمن: ائتوني بعرض ثياب خَبِيص، أو لبيس في الصدقة مكان الشعير، والذرة أهون عليكم، وخير لأصحاب النبي ﷺ بالمدينة، وقال ﷺ : -"وأما خالد فقد احتبس أدراعه، واعتده في سبيل الله"١ ثم ذكر في الباب أدلة غير هذا، فصار الصحيح أنه يجوز. واستدلال َمنْ منعه بقوله: "في كل أربعين شاةٍ شاة"٢ وأمثاله لا يدل على ما أرادوا لأن المراد هو المقصود وقد حصل كما أنه ٣ ﷺ لما أمر المستجمر بثلاثة أحجار، بل نهى أن ينقص عن ثلاثة أحجار -لم يجمدوا على مجرد اللفظ، بل قالوا: إذا استجمر بحجر واحد له ثلاث شعب أجزأه ولهذا نظائر أنه يؤمر بالشيء فإذا جاء مثله، أو أبلغ منه أجزأ. [المضاربة بالعروض] (وأما المسألة الثانية): فعن أحمد أن المضاربة لا تصح بالعروض، واختاره جماعة، ولم يذكروا على ذلك حجة شرعية نعلمها، وعن أحمد: أنه يجوز، وتُجعل قيمة العروض وقت العقد رأس المال. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يُسأل عن المضاربة بالمتاع؛ فقال: جائز، واختاره جماعة، وهو الصحيح، لأن القاعدة في المعاملات: أن لا يحرم منها إلا ما حرمه الله ورسوله، لقوله: "وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان، فلا تبحثوا عنها".

стр. 11

[إخراج الجدد في الزكاة] (وأما المسألة الثالثة): وهي إخراج الجدد في الزكاة هل يجوز أم لا فهذه المسألة أنواع: أما إخراجها عن جدد مثلها، فقد صرحوا بجوازه، فقالوا: إذا زادت القيمة بالغش، أخرج ربع العشر مما قيمته كقيمته. وأما إخراج المغشوش عن الخالص مع تساوي القيمة كما ذكر في السؤال، فهذه هي التي ذكر بعض المتأخرين المنع منها وبعضهم يجيز ذلك، وهو الصحيح بدليل ما تقدم في إخراج القيمة أنه يجزئ فإن إخراج المغشوش يجيزه من لا يجيز القيمة، بل قال"الشيخ تقي الدين": نصاب الأثمان هو المتعارف في كل زمن من خالص، ومغشوش، وصغير، وكبير، وأما إخراج المغشوش عن الجيد مع نقصه، مثل الجنازرة التي تسوى على ثمان لأجل الغش بالفضة، عن جنازرة تسوى أكثر لقلة الغش، فهذا لا يجوز. [المضاربة بالمغشوش] (وأما المسألة الرابعة): وهي المضاربة بالمغشوش، فقد تقدم أن الصحيح جوازها بالعروض، وهي أبلغ من المغشوش؛ وقد أطلق الموفق في المقنع الوجهين، ولم يرجح واحدا منهما، ولكن الصحيح جواز ذلك لما تقدم. وما ذكر في السؤال من غش ذهب المعدن، فهذا غش لا قيمة له؛ فأين هذا من غش قيمته أبلغ من قيمة الفضة الخالصة أو مثلها وأما كلام البخاري الذي في السؤال فقد أُورد لمسائل غير هذه، وأما كونه يدل على ما ذكرتم؛ فلا أدري. (٥) تتمة في اتباع النصوص مع احترام العلماء: إذا فهمتم ذلك، فقد تبين لكم في غير موضع أن دين الإسلام حق بين باطلين، وهُدى بين ضلالتين وهذه المسائل، وأشباهها مما يقع الخلاف فيه بين

стр. 12

السلف والخلف من غير نكير من بعضهم على بعض؛ فإذا رأيتم من يعمل ببعض هذه الأقوال المذكورة بالمنع، مع كونه قد اتقى الله ما استطاع لم يَحِل لأحد الإنكار عليه؛ اللهم إلا أن يتبين الحق، فلا يحل لأحد أن يتركه لقول أحد من الناس؛ وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ يختلفون في بعض المسائل من غير نكير ما لم يتبين النص. فينبغي للمؤمن أن يجعل همه ومقصده معرفة أمر الله ورسوله في مسائل الخلاف، والعمل بذلك، ويحترم أهل العلم، ويوقرهم، ولو أخطؤوا، لكن لا يتخذهم أربابا من دون الله؛ هذا طريق المُنْعَمِ عليهم. وأما اطراح كلامهم وعدم توقيرهم فهو طريق المغضوب عليهم. وأما اتخاذهم أربابا من دون الله: إذا قيل: قال الله، قال رسوله. قيل: هم أعلم منا فهذا هو طريق الضالين. ومن أهم ما على العبد، وأنفع ما يكون له: معرفة قواعد الدين عند التفصيل؛ فإن أكثر الناس يفهم القواعد، ويقر بها على الإجمال، ويدعها عند التفصيل. والله أعلم. كتبه محمد بن عبد الوهاب. وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم. ومِن خط مَن نقله مِن خط الشيخ محمد نقلت، وذلك آخر سنة ١٣٤٣.

стр. 13

رسائل وفتاوى لأبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب ... رسائل وفتاوى للمشايخ الأعلام أبناء شيخ الإسلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى [رسالة في أنواع الربا الفاشية بين الناس] (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من حسين بن الشيخ، وإبراهيم، وعبد الله، وعلي إلى من يصل إليه من المسلمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (أما بعد) فقد قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة من الآية: ٢٧٥]. وقال الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة من الآية: ٢٧٦]. والنبي ﷺ لعن آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه. ويجري عندكم معاملات يفعلها بعض الناس، وهي من المعاملات الربوية، منها: قلب الدين على المعسر إذا حل الدين على الغريم، ولم يقدر على الوفاء، أحضر طالب الدين دراهم، وأسلمها إليه في طعام في ذمته، ثم أوفى بها في مجلس العقد. ويسمون هذا تصحيحا، وهو فاسد ليس بصحيح؛ فإنه لم يسلم إليه دراهم، وإنما قلب عليه الدين الذي في ذمته لمّا عجز عن استيفائه؛ والمعسر لا يجوز قلب الدين عليه. فعليكم بتقوى الله واحذروا عقوبته، فإن هذه المعاملات تمحق المال، وتذهب بركته؛ وعاقبته في الآخرة أعظم مما يعاقب به صاحبه في الدنيا من عدم البركة فيه. فإذا حل الدين على المعسر لم يَجُزْ لغريمه التحيل على قلبه عليه، كما قال تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة من الآية: ٢٨٠]. وإن كان الغريم مليا، وأراد أن يسلم إليه ويعامله، فليدفع إليه الدراهم، ويقبضها البائع، ويروح بها إلى بيته، ولا يوفيه بها في الحال، فإذا تملكها، وأخذت عنده يوما أو يومين بحيث يتصرف فيها بما شاء، ثم أوفاه منها

стр. 14

فهذا لا بأس به إن شاء الله تعالى. وأما الاستيفاء بها في مجلس العقد، فلا ينبغي لكم، لأنه ذريعة إلى الحيل؛ والحيل كلها محرمة. وكذلك إذا حل التمر على الكداد، فلا بد من قبضه بالقبض الشرعي، وأما التحيل على قلبه على صاحبه فلا ينبغي أيضا؛ بل يأخذه صاحبه، ولا يبيع على الذي أوفاه منه شيئا لا كثيرا، ولا قليلا، فإن أحب البيع فَلْيِبِعه طعاما غير الطعام الذي قبضه منه، فتحصل المعاملة، ويحصل التنَزه والاحتياط عن الحيل التي لا يجوز تعاطيها. (ومنها): ما يفعله بعض الناس إذا كان له في ذمة رجل طعام معلوم استوفى منه بثمرة يأخذها خرصا في رؤوس النخل ثم يبيعها، وهذا لا يجوز؛ نص عليه العلماء، ونهوا عنه، وذكروا أن من اشترى بالكيل والوزن لا يحصل قبضه إلا بكيله أو وزنه؛ فإن قبضه جزافا كان قبضا فاسدا لا يجوز بيعه حتى يُكال أو يُوزن، لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يكتاله"١، وفي الحديث الآخر أنه نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان: صاع البائع، وصاع المشتري، وفي حديث آخر أن النبي ﷺ قال لعثمان: "إذا سميت الكيل فكِل"٢. (ومنها): ما يفعله بعض الناس في الأحساء وغيره، يشترون الطعام من أهل بيت المال، أو من غيرهم، ثم يبيعونه قبل قبضه، وهذا لا يجوز؛ بل ثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عنه، وقال: "من ابتاع طعاما، فلا يبعه حتى يقبضه"٣. (ومنها): ما يفعله بعض الناس إذا كان عنده تمر قد استغنى عنه، ورأى السعر رخيصا، وأراد إبداله بتمر من الثمرة المقبلة، أقرضه لمن يعطيه بدله تمرا جديدا، وليس هذا بالقرض المسنون، وإنما هذا إبدال تمر

стр. 15

بتمر نسيئة، وإبدال التمر بالتمر نساء لا يجوز؛ بل هو ربا ثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عنه. والقرض المندوب إليه إذا كان قصد المُقْرِض الإرفاق بالمُقْتَرِض ونفعه، وأما إذا كان قصده نفع نفسه، وإبدال تمره بتمر آخر، فليس بقرض؛ وإنما هو بيع نُهي عنه، لأنه بيع تمر بتمر. قال عبد الله بن عمر ﵄: السلف على ثلاثة أوجه: سلف تسلفه تريد به وجه الله، فلك وجه الله، وسلف تسلفه تريد به وجه صاحبك، وسلف تسلفه لتأخذ به طيبا بخبيث، فذلك الربا. (ومنها): ما يفعله بعض الناس يقرضه غريمه الدراهم أو غيرها، ويتسامح عنه في الاستيفاء، ويقول: فلان يسلف، ويتسامح، ويأخذ، ويخلي؛ ولا يعلم المتعاقدان أن هذا ربا، وأن كل قرض جر نفعا فهو ربا، وأنه إذا زاده في البيع لأجل تأخيره بعض الدين الذي قد حل عليه كان ما أخذه في مقابلة التأخير ربا من جنس ربا الجاهلية الذي نزل القرآن بتحريمه. وقد ذكر العلماء أن من كان له قرض عند رجل، أو عليه دين حالٌ، فأهدى إليه صاحب الدين هدية قبل الوفاء، أنه لا يقبلها، بل يردها؛ فإن لم يفعل فليحسبها من الدين الذي له في ذمة المهدي. وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا أقرض أحدكم قرضا فأهدى إليه، أو حمله على الدابة، فلا يقبله، إلا أن يكون جرى بينه وبينه معاملة قبل ذلك"١ قال عبد الله بن سلام: إذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حِمْل تبن، أو حمل شعير، أو حمل قت، فلا تأخذه فإنه ربا. (ومنها): ما يفعله كثير من الناس ببيع الطعام نساء، فإذا حل ثمنه أخذ عنه طعاما بسعر الوقت؛ وقد ذكر العلماء أن هذا لا يجوز لأنه حيلة

стр. 16

وذريعة إلى بيع الطعام بالطعام نساء. (ومنها): ما يجري في بعض البلدان إذا حل دَين السّلم، باعه صاحبه الذي هو في ذمته قبل قبضه، فيبيعه ويربح فيه، وهو لم يقبضه؛ وهذا لا يجوز. فإنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع الطعام قبل قبضه، ولا فرق بين من هو عليه ولا غيره، وفي الحديث الآخر عن النبي ﷺ أنه نهى عن ربح ما لم يضمن. فإذا باع إنسان طعاما على بائعه، فقد باعه قبل قبضه، وحصل له ربح في طعام لم يدخل في ضمانه؛ فصار في هذا مخالفة لما نهى عنه النبي ﷺ من البيع قبل القبض، وأخذ ربح ما لم يُضمن. (ومنها): ما يجري من كثير من الناس من مخالفة أمر الله، وارتكاب ما نهى عنه في كتابه؛ فإن الله -تعالى- قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطّلاق: ١] فأمر -تعالى- من أراد أن يطلق بطلاق السّنة: وذلك أن تكون المرأة طاهرا طهرا لم يجامعها فيه. ونهى الزوج عن إخراجها من بيتها الذي كانت فيه قبل الطلاق؛ وأوجب عليها أن تعتد في بيتها، ونهاها أن تخرج؛ فلا يجوز للزوج أن يخرجها، ولا يجوز لها أن تخرج ولو تراضت هي والزوج على الخروج، فقال تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا﴾ الآية [الطّلاق من الآية: ١]، وقال: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطّلاق من الآية: ١]. وكثير من الناس يتهاونون بهذا، مع التغليظ الشديد فيه؛ وصار هذا عادة عند الأكثرين متى أراد الطلاق خرجت المرأة من بيت الزوج، واعتدت في بيت أهلها.

стр. 17

فالواجب عليكم تقوى الله بامتثال ما أمر، والانتهاء عما عنه نهى وزجر، كما قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [التّغابن من الآية: ١٦]. نسأل الله العظيم أن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم، وأن يجنبنا وإياكم طريق المغضوب عليهم والضالين. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. (٢) (رسالة عامة في الزجر عن الغلول ووجوب التذكير والموعظة) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الله، وعلي، وحمد إلى من يراه من المسلمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته (وبعد): قال الله -تعالى -: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذّاريات: ٥٥]، فالمؤمن إذا ذُكّر تذكر، وإذا وُعِظ انتفع بالموعظة، وعمل بمقتضاها. وأميركم-جزاه الله خيرا- نصحكم، ووعظكم، وأبدى، وأعاد؛ ومع ذلك لم ينتفع بالموعظة إلا القليل، والله -تعالى- قد ذكر عن الكفار أنهم لا ينتفعون بالذكرى، وقال -تعالى-: ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ [الصّافات: ١٣]، ومن سمع المواعظ، ولم ينتفع بها فقد شابه الكفار في بعض أحوالهم؛ وذلك دليل على عدم معرفة الله، وخشيته، لأن المؤمن إذا ذُكّر انْتَفع، كما قال -تعالى-: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى: ١٠]. والغلول قد عظم الله أمره، وأخبر في كتابه أن صاحب الغلول يأتي به يوم القيامة، قال -تعالى-: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ

стр. 18

وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران من الآية: ١٦١]. وجاءت الأحاديث عن رسول الله ﷺ بالتغليظ الشديد، والوعيد الأكيد، على من غل شيئا من المغنم: قليلا كان، أو كثيرا. ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: "قام فينا رسول الله ﷺ ذات يوم، فذكر الغلول، وعظمه، وعظم أمره، ثم قال: لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء؛ يقول: يا رسول الله، أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد بلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة؛ فيقول: يا رسول الله، أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد بلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء؛ فيقول: يا رسول الله، أغثني! فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد بلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح؛ فيقول: يا رسول الله، أغثني! فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد بلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق، يقول: يا رسول الله، أغثني! فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد بلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت؛ فيقول: يا رسول الله، أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد بلغتك". وعن عبد الله بن بريدة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الحجر يرمى به في جهنم فيهوي سبعين خريفا ما يبلغ قعرها، ويؤتى بالغلول فيقذف معه، ثم يقال لمن غل: ائت به"فذلك قوله -تعالى-: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران من الآية: ١٦١]، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ حين صدر من حنين: "أدوا الخياط والمخيط؛ فإن الغلول عار وشنار على أهله يوم القيامة "١، وعن أبي هريرة ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر ففتح الله عليه، ثم انطلقنا إلى الوادي

стр. 19

- يعني: وادي القرى-، ومع رسول الله ﷺ عبد له، فلما نزلنا، قام يحل رحله، فرُمي بسهم كان فيه حتفه، فقلنا: هنيئا له الشهادة يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : كلا، والذي نفس محمد بيده، إن الشملة لتلتهب عليه نارا، التي أخذها من المغانم يوم خيبر، لم تصبها المقاسم. قال: ففزع الناس، فجاء رجل بشراك أو شراكين، فقال: أصبته يوم خيبر. فقال رسول الله ﷺ : شراك أو شراكان من نار "١، وعن أبي حازم قال: "أتي النبي ﷺ بنطع من الغنيمة، فقيل: يا رسول الله، هذا لك تستظل به من الشمس. فقال: أتحبون أن يستظل نبيكم بظل من نار؟ "، وعن عبد الله بن عمرو قال: "كان على ثقل النبي ﷺ رجل يقال له: كركره، فمات، فقال رسول الله ﷺ : هو في النار؛ فذهبوا ينظرون إليه، فوجدوا عباءة قد غلها"٢. فالأحاديث في النهي عن الغلول، والتشديد على من فعله كثيرة جدا. فاتقوا الله عباد الله، وتعاونوا على البر والتقوى، وتناصحوا فيما بينكم، واذكروا زوال الدنيا، وسرعة انقضائها، وليحذر الناصح لنفسه أن يلقى الله وقد غذّى جسمه بالحرام؛ ففي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "أيّما لحم نبت على سحت كانت النار أولى به"٣. والله-سبحانه- فرض على عباده الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذم من لا يفعل ذلك، فقال -تعالى-: ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩]. فمن علم عند أحد شيئا من المغنم، فلينصحه، وليأمُرْهُ بأدائه؛ فإن لم يفعل، فليرفع حاله إلى الأمير، فإنه إذا سكت عن الغالّ كان شريكا له في الإثم. ففي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "من كتم غالّا فإنه مثله"٤. ولا عذر لأحد- ولله الحمد- في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والغلول قد فشا في الناس، واشتهر؛ والمعصية إذا خفيت صار وبالها على من فعلها، فإذا

стр. 20

ظهرت، ولم تُنْكَرْ ضرت العامة. نعوذ بالله وإياكم من زوال نِعَمِهِ، وحلول ِنقَمِهِ. والله -تعالى، وله الحمد- قد أعطاكم ما تحبون، وصرف عنكم ما تكرهون؛ فكونوا ممن يُحْدِثُ عند النعمة شكرًا، فإن الله وعد الشاكرين المزيد من فضله، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧]. والمعاصي سبب لتغيير النعم كما قال -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرّعد من الآية: ١١]. وكثير من الناس يتأول في الغنيمة تأويلات فاسدة، منها: استرخاص الإمام، أو طلبه منها، ويظن أن الإمام إذا أرخص له، أو طلبه فأعطاه أن الغنيمة تحل له بذلك، والأمير لا يحلل الحرام، وربما يجوز للإمام أن يعطي، ولا تحل العطية لمن أخذها؛ فقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "إني لأعطي الرجل العطية، فيخرج بها يَتَأَبّطُهَا نارًا" ١ أو كما قال ﷺ . والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على من قدر عليه من جميع الرعية، وهو في حق الإمام أعظم؛ فلا يجوز للإمام ترك الإنكار على أحد من المسلمين، بل يجب عليه القيام في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر على القريب والبعيد، ويؤدب الغالّ بما يردعه، وأمثاله عن الغلول من أموال المسلمين. وقد روى أبو داود عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا وجدتم الرجل قد غَلّ فاحرقوا متاعه واضربوه"٢، وعن عمرو بن شُعيب قال: "إذا وجدتم الغلول عند الرجل أُخِذ وجُلِد مائة، وحُلِق رأسه ولحيته، وأُخِذ ما كان في رحله من شيء إلا الحيوان وأُحْرِق رحله؛ ولم يأخذ سهما في المسلمين أبدا. قال: وبلغنا أن أبا بكر، وعمر كانا يفعلانه". فالواجب على الإمام القيام على الناس في الآداب البليغة

стр. 21

التي تزجر عن المعاصي؛ فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. ومن سمع المواعظ والزواجر من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ فلم يرتدع ولم ينْزجر، استحق العقوبة البليغة التي تزجره عن فعل المنكرات وتعاطى المحرمات. والغلول قد فشا وظهر، واشتهر وكثير من الناس لا يعده ذنبا، ولا ينقص الغالّ عند من لا يغل، ولا يسقط من أعين الناس مثل سقوط السارق ونحوه ممن يفعل الكبائر؛ والغلول من الكبائر المحرمة التي حرمها الله ورسوله. وهذا الذي ذكرناه نصيحة لكم؛ نسأل الله أن ينفعنا وإياكم بمواعظه؛ ومن لم ينتفع فقد أُعْذِرنا منه بالنصيحة، ومن عمل صالحا فلنفسه، ومن أساء فعليها، ثم إلى ربكم ترجعون. (٣) (رسالة في نصاب الزكاة بالريالات) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من حسين بن الشيخ، وإبراهيم، وعبد الله، وعلي، وحمد، وعثمان، إلى الأخ عبد العزيز سلام عليكم ورحمة الله وبركاته (وبعد): إن الله ﵎ أوجب على جميع الخلق أداء الزكاة من أموالهم؛ والرسول ﷺ بيّن مراد الله من ذلك، وقدّر الِنّصَاب في جميع الأموال، وأخبر ﷺ فيما ثبت عنه في الصحيحين أنه: "ليس فيما دون خمس أواقٍ من الوَرِقِ صدقة"١. وأجمع العلماء: أن الزكاة تجب في وزن خمس أواق ولا

стр. 22

تجب فيما دونها. وحرر الفقهاء من جميع المذاهب أن زنة خمس الأواق مائة وأربعون مثقالا، وحرروا المثقال بأنه وزن اثنتين وسبعين حبة من الشعير المتوسط، وحررناه فوجدناه كما ذكروا. وحررنا النصاب بالريالات لأجل أنها أخلص ما يوجد من الفضة، والحكم على الخالص فصار الريال ثمانية مثاقيل محررة؛ وسألنا الصاغة عن غش الريال؛ فحرروه لنا السدس، وأسقطنا من كل ريال سدسه؛ فصار النصاب من الفضة الخالصة سبعة عشر ريالا ونصف ريال، ومن المغشوش أحدا وعشرين ريالا. وفي حياة الشيخ -الله يعفو عنه- والريال ما هو بعبرة لنا حتى يحرروه لنا، وعبرة الناس ذلك الوقت الزر، والجديدة، وصرف الزر ذلك الوقت تسع جُدُد، أو حولها، وعشرون الزُر ومئتا الجديدة متقاربان. وفي وقتنا هذا طاح صرف الحمر، وصار الريال هو الأغلب، وحررنا نصاب الذهب من الحمران سبعة وعشرين زُرًّا. وأما الجدد فلا فيها من الفضة إلا القليل، فتصير عرضا من العروض وتحسب بقيمتها من الريالات؛ وكذلك سائر العروض تحسب بالريالات لأنه هو الأحوط في الزكاة. والذي عنده ذهب زُرُورٍ، أو غيرها فنصابها ما ذكرنا لكم يزكيها عليه، واشتهينا تنبيهك لأجل أنك تنبه الناس عن شيء يخلو عليهم. والزكاة -فيما ذكرنا لك- ربع العشر على الحال التي تمشون عليها، ولكن المراد التنبيه على قدر النصاب الذي تجب الزكاة ببلوغه، والسلام.

стр. 23

(٤) (رسالة في المعاملات الربوية وأحكام الطلاق والعدة) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من حسين، وإبراهيم، وعبد الله، وعلي: أبناء الشيخ إلى من يصل إليه هذا الكتاب من المسلمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته (وبعد): قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة من الآية: ٢٧٥]. وقال الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة من الآية: ٢٧٦]. والنبي ﷺ لعن آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه. ويجري عندكم معاملات يفعلها بعض الناس، وهي من المعاملات الربوية. (منها): قلبُ الدّيْنِ على المعسر: إذا حل الدّيْنُ على الغريم، ولم يقدر على الوفاء، أحضر طالب الدّيْنِ دراهم، وأسلمها إليه في طعام في ذمته، ثم أوفاه بها في مجلس، ويسمون هذا تصحيحا؛ وهو تصحيح فاسد ليس بصحيح؛ فإنه لم يسلم إليه دراهم، وإنما قَلَبَ عليه الدّيْنَ الذي في ذمته لمّا عجز عن استيفائه. والمُعْسِر لا يجوز قَلْبُ الدين عليه، فعليكم بتقوى الله فاحذروا عقوبته؛ فإن هذه المعاملات تمحق المال، وتذهب بركته؛ وعقوبته في الآخرة أعظم من عقوبته في الدنيا، وعدم بركته فيه. فإذا حل الدين على المُعْسِر لم يَجُزْ لغريمه التّحَيّلُ على قلبه عليه، بل كما قال تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ الآية [البقرة من الآية: ٢٨٠]. وإن كان الغريم مليئا، وأراد أن يسلم إليه ويعامله، فليدفع إليه الدراهم، ويقبضها البائع، فيروح بها إلى بيته، ولا يوفيه بها في الحال. فإذا تملكها، وأخذت عنده يوما أو يومين بحيث يتصرف فيها بما شاء أوفاه منها، أو من غيرها؛ فهذا لا بأس به إن شاء الله تعالى.

стр. 24

وأما الاستيفاء بها في مجلس العقد، فلا ينبغي لكم، لأنه ذريعة إلى الحيل، والحيل كلها محرمة. وكذلك إذا حل التمر على الكداد فلا بد من قبضه بالقبض الشرعي، وأما التحيل على قلبه على صاحبه فلا ينبغي أيضا؛ بل يأخذه صاحبه، ولا يبيع على الذي أوفاه منه لا قليل ولا كثير، فإن أحب البيع فليبعه طعاما غير الطعام الذي قبضه منه؛ فتحصل المعاملة، ويحصل الشراء الشرعي، والاحتياط عن الحيل التي لا يجوز تعاطيها. (ومنها): ما يفعله بعض الناس إذا كان له في ذمة رجل طعام معلوم استوفى منه بثمرة في رؤوس النخل، يأخذها خرصا، ثم يبيعها؛ وهذا لا يجوز، نص عليه العلماء، ونهوا عنه، وذكروا أن من اشتراه بالكيل والوزن لا يَحْصَل قَبْضُهُ إلا بِكَيْلِهِ أو وزنه؛ فإن قبضه جزافا كان قبضا فاسدا، لا يجوز له بيعه حتى يُكَالَ ويُوزَنَ، لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من ابتاع طعاما، فلا يَبِعْهُ حتى يكتاله" ١، وفي الحديث الآخر أنه ﷺ نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان: صاع البائع، وصاع المشتري. وفي حديث آخر أنه ﷺ قال لعثمان: "إذا سميت الكيل فكل" ٢. (ومنها): ما يفعله بعض الناس في الأحساء وغيره، يشترون الطعام من أهل بيت المال أو غيرهم، ثم يبيعونه قبل قبضه؛ وهذا لا يجوز، بل ثبت عنه ﷺ أنه نهى عنه، وقال: "من ابتاع طعاما، فلا يبعه حتى يقبضه" ٣. (ومنها): ما يفعله بعض الناس إذا كان عنده تمر قد استغنى عنه، ورأى السعر رخيصا، وأراد إبداله بتمر من الثمرة المقبلة، أقرضه لمن يعطيه بدله تمرا جديدا؛ فلا هذا بالقرض، وإنما هذا بدل تمر بتمر نسيئة، وإبدال التمر بالتمر نسيئة لا يجوز؛ بل هو ربا؛ وثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عنه. والقرض المندوب إليه إذا كان قصد المُقْرِضِ الإرفاق بالمُقْتَرِضِ ونفعه، وأما إذا كان

стр. 25

قصده نفع نفسه، وإبدال تمر بتمر آخر' فليس بقرض؛ وإنما هو بيع نُهِيَ عنه، لأنه بيع تمر بتمر. قال عبد الله بن عمر ﵁: السلف على ثلاثة أوجه: سلف تسلفه تريد به وجه الله، فلك وجه الله، وسلف تسلفه تريد به وجه صاحبك، فلك وجه صاحبك، وسلف تسلفه لتأخذ طيبا بخبيث، فذلك الربا. (ومنها): ما يفعله بعض الناس يقرض غريمه الدراهم، أو غيرها، فيتسامح عنه في الاستيفاء، فيسامحه الغريم في المبايعة؛ فعميله له بيع، ولغيره من الناس بيع أغلى منه لأن العميل يقرضه ويسامحه في الاستيفاء، ويقول: فلان يسلف ويتسامح، ويأخذ ويخلي. ولا يعلم المتعاقدان أن هذا ربا، وأن كل قرض جر منفعة فهو ربا، وأنه إذا زاده في السعر لأجل تأخيره بعض الدين الذي قد حل عليه، كان ما يأخذه في مقابلة التأخير ربا من جنس ربا الجاهلية الذي نطق القرآن بتحريمه. وقد ذكر العلماء أن من كان له قرض عند رجل، أو عليه دين حال، فأهدى إليه صاحب الدين هدية قبل الوفاء أنه لا يقبلها، بل يردها، فإن لم يفعل فليحسبها من الدين الذي له في ذمة المُهْدِي. وقد جاء الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا أقرض أحدكم قرضا فأهدى إليه، أو حمله على الدابة، فلا يقبله إلا أن يكون جرى بينه وبينه معاملة قبل ذلك"١. قال عبد الله بن سلام ﵁: إذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبن، أو حمل شعير، أو حمل قت، فلا تأخذه فإنه ربا. (ومنها): ما يفعله كثير من الناس يبيع الطعام نساء، فإذا حل ثمنه، أخذ عنه طعاما بسعر الواقع. وقد ذكر العلماء أن هذا لا يجوز، لأنه حيلة، وذريعة إلى بيع الطعام بطعام نساء. (ومنها): ما يجري في بعض البلدان إذا حل دين السلم، باعه صاحبه على الذي هو في ذمته

стр. 26

قبل قبضه، فيبيعه ويربح فيه وهو لم يقبضه، وهذا لا يجوز؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عن ربح ما لم يُضمن. فإذا باع الإنسان طعاما على بائعه، فقد باعه قبل قبضه، وحصل له ربح في مال لا يدخل في ضمانه؛ فصار في هذا مخالفة لما نهى عنه النبي ﷺ من البيع قبل القبض، وأخذ ربح ما لم يضمن. (ومنها): ما يجري من كثير من الناس من مخالفة أمر الله، وارتكاب ما نهى عنه في كتابه، فإنه قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ إلخ الآية [الطّلاق من الآية: ١]، فأمر-تعالى- من أراد أن يطلق طلاق السُنّة وذلك بأن تكون المرأة طاهرة طهرا لم يجامعها فيه، ونهى الزوج عن إخراجها من بيتها الذي كانت فيه قبل الطلاق، وأوجب عليها أن تعتد في بيتها ونهاها أن تخرج؛ فلا يجوز للزوج أن يخرجها، ولا يجوز أن تخرج ولو تراضت هي والزوج على الخروج، فقال -تعالى-: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطّلاق من الآية: ١]، وقال -تعالى-: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [الطّلاق من الآية: ١] إلخ. وكثير من الناس يتهاونون بهذا، مع هذا التغليظ الشديد فيه؛ وصار هذا عادة عند الأكثر متى أراد الطلاق خرجت به المرأة من بيت الزوج، واعتدت في بيت أهلها. فالواجب عليكم تقوى الله، وامتثال ما أمر، والانتهاء عما عنه نهى وزجر، كما قال -تعالى-: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التّغابن من الآية ١٦]. نسأل الله أن يهدينا وإياكم الصراط المستقيم، وأن يجنبنا طريق المغضوب عليهم والضالين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 27

(٥) (رسالة في مواعظ عامة في مهمات الدين) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وخليله الصادق الأمين، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. من إبراهيم، وعبد الله، وعلي أبناء الشيخ محمد إلى من يراه من المسلمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (وبعد): الموجِب لهذا التذكير النصيحة والشفقة عليكم، وعلينا من عقوبة الله، وأنتم تعرفون ما مَنّ الله به علينا، وعليكم من دين الإسلام، وهو أعظم نعمة أنعم الله بها على جميع المسلمين. وأكثر الناس اليوم على الشرك، وعبادة غير الله. وأعطاكم الله في ضمن الإسلام من النعم، والنصر على الأعداء ما تعرفون. ولا يجيء أهل الإسلام شيء إلا بسبب ذنوبهم؛ فإذا عرفوا الذنب، وتابوا منه نصرهم الله، وأعزهم، وكسر عدوهم، وجعل العاقبة لهم في الدنيا والآخرة، قال الله -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرّعد من الآية: ١١]. وقال -تعالى- لخيار الخلق: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية [آل عمران من الآية ١٦٥]. وهذه الأمور يجريها الله -سبحانه- ابتلاء، وامتحانا ليميز الخبيث من الطيب، والمؤمن من المنافق؛ فيجازي المؤمن بالنصر والظفر على عدوه، ويجازي المنافق والمرتاب بالعذاب، والنكال، والخزي في الدنيا والآخرة. وأنتم ترون أن أغلب البلدان

стр. 28

ما صفت، وركد الإسلام فيها إلا بعد الردة، وتمييز الخبيث من الطيب. والواجب علينا وعليكم الإقبال على الله، والتوبة والاستغفار؛ وكل يعرف ذنبه، ويتوب إلى الله منه، ولا يحط المقالة في غيره؛ قال الله -تعالى-: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النّور من الآية: ٣١]. وقال-تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [التّحريم من الآية: ٨]. والتوبة لها شروط (منها): الإقلاع عن الذنب، والندم، والعزيمة أن لا يعود. ونحن نخشى علينا وعليكم مما وقع من التغير والذنوب. (ومنها): ترك المحافظة على الصلوات الخمس، وهي عمود الإسلام مَنْ حفظها، وحافظ عليها- حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع. (ومنها): الغفلة عن التفقه في دين الإسلام، حتى إن من الناس مَنْ ينشأ وهو ما يعرف دين الإسلام، ومنهم من يدخل فيه وهو ما يعرفه، ولا يتعلمه ظنا منه أن الإسلام هو العهد. ومعرفة الإسلام، والعمل به واجب على كل أحد، ولا ينفع فيه التقليد. (ومنها): أن من الناس من يمنع الزكاة، والذي ما يقدر على المنع يبخسها. والزكاة ركن من أركان الإسلام، واجب أداؤها إلى الإمام، أو نائبه على الأمر المشروع. (ومنها): إنكار المنكر ممن يراه، ويسكت عن إنكاره خوفا، أو هيبة من أحد من الناس؛ والمنكر إذا خفي لم يضر إلا صاحبه، وإذا فشا فلم ُينْكَرْ ضَرّ العامة؛ قال الله -تعالى-: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة الآيتان: ٧٨ - ٧٩]. (ومنها): ظهور عقوق الوالدين، وقطيعة الرحم من كثير من الناس؛ وذلك من أكبر الكبائر، كما في الحديث: "ألا أخبركم بأكبر الكبائر: الإشراك

стр. 29

بالله، وعقوق الوالدين"١، وفي الحديث الآخر "لا يدخل الجنة قاطع رحم"٢. (ومنها): ما يجري من بعض الأمراء والعامة من الغلول: منهم من يتحيل على الغلول بالشراء ولا ينقد الثمن، وذلك حرام، قال الله -تعالى-: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران من الآية: ١٦١]. وفي الحديث: "إن الغلول عار، ونار، وشنار"٣. (ومنها): ظلم بعض الأمراء يأخذ من أموال الناس بصورة الجهاد، ولا يصرفه في الجهاد؛ بل يأكله. وبعض الأمراء يأخذ جميع الزكاة، ولا يعطي المساكين منها، والإمام يأمره بإعطاء كل ذي حق حقه؛ ويعصي ويعمل على رأيه. والزكاة تَوَلَّى الله قسمتها في كتابه، وجَزَّأَهَا ثمانية أجزاء، وأخبر النبي ﷺ أنه لا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب. ومن الأمراء والنظراء من يصرف الجهاد عن الأغنياء، ويجعله على الفقراء الذين لم يجعل الله عليهم شيئا. والجهاد بالمال مقدم على الجهاد بالنفس، فمن كان له مال، وهو يقدر على الجهاد بنفسه، وجب عليه الجميع؛ فإن كان ما يقدر بنفسه، وجب عليه بالمال؛ فإن كان ما يقدر بالمال ولا بالنفس، فالحرج مرفوع عنه، قال الله -تعالى-: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التّوبة: ٩١]. والإمام ينهى الأمراء عن تحميل الناس ما لا يستطيعون، ويعصونه في ذلك، وتحميل الفقير ما لم يحمله الله ذنب، ومعصية الإمام إذا نهى عن ذلك ذنب آخر. (ومنها): اختلاط الجيد بالرديء، وراعي الدين بالمنافق، ولا يميز هذا من هذا؛ ووقع بسببه ظهور الكلام الباطل الذي لو يظهر من أحد في أول الإسلام أُدّبَ أدبا بليغا، وعرف أن قائله منافق؛ وفي وقتنا هذا يظهر ولا ينكر إلا ما شاء الله. (ومنها): الظلم، والوقوع فيما حرم الله من الدماء، والأموال،

стр. 30

والأعراض، والغيبة والنميمة، وقول الزور، وبهت المسلم بما ليس فيه؛ وصار هذا ما يُسْتَنْكَرُ، فإذا بان كذبه، وتزويره، ما طاح من العيون؛ والله -سبحانه- حرم هذا في كتابه، وقال رسول الله ﷺ فيما ثبت عنه: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا" ١، وقال -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]. (ومنها): الجَسْرَةُ على ذمة المسلم، فإذا صح إعطاء أحد من المسلمين- أمير أو غيره- أحدا من الكفار ذمته، ما جاز لأحد من المسلمين أن يخفره لا في ذمته، ولا ماله، كما في الحديث: "ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم. فمن أخفر مسلما، فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين؛ لا يقبل الله منهم صرفا ولا عدلا"٢. ومن العجب أن بعض الجهال يفعل هذا ديانة، ويظن أن معاداة الكفار، واستحلال المحرم أعظم من ارتكابه مع معرفته بتحريمه. (ومنها): أن بعض الناس يغضب إذا أُنكر على رجاله أو طارقته إذا فعل المنكر، وأُنكر عليه؛ وهذا أمر ما يحل، بل الواجب عليه أن يغضب لله أعظم مما يغضب لنفسه، والله أحق أن يُغْضَبَ له. (ومنها): فعل الربا، والتحيّل عليه بالبيع، والتصحيح الباطل؛ مثل: رد الدّيْنِ على المعسر، وجعل الدّيْن رأس مال في السلم. (ومنها): كونه يبيعه ويسلفه. (ومنها): كونه يبيعه تمرا، أو عيشا إلى أجل؛ فإذا حل الأجل أخذ منه بتلك الدراهم تمرا، أو عيشا؛ وهذا حرام عند أكثر العلماء، لا سيما إذا قصد ذلك في ابتداء العقد، وعرف

стр. 31

أنه لا يستوفي منه إلا تمرا، أو عيشا. (ومنها): أنه يبيعه سلعة بنسيئة، ثم يشتريها منه بأقل مما باعها به نقدا. (ومنها): أن يشتري طعاما، ثم يبيعه قبل قبضه؛ وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك، وغيره. وقد توعد الله من تثاقل عن الجهاد، ورضي بالإخلاد في الأرض بالوعيد الشديد، قال -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ إِلّا تَنْفِرُوا﴾ الآية [التّوبة من الآيتين: ٣٨ - ٣٩]. وقال -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ الآية [الأنفال من الآية ٢٤]، قال العلماء في تفسير الآية: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾: ِلمَا يصلحكم. وهذا هو الحرب الذي أعزكم الله به بعد الذلة، وقواكم به على عدوكم بعد القهر منهم لكم، وقد فرضه الله على الناس كما فرض الصلاة والزكاة، قال الله -تعالى-: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]. فإذا قام المسلمون بما أمرهم الله به من جهاد عدوهم بحسب استطاعتهم، فليتوكلوا على الله، ولا ينظروا إلى قوتهم وأسبابهم، ولا يركنوا إليها؛ فإن ذلك من الشرك الخفي، ومن أسباب إدالة العدو على المسلمين، ووهنهم من لقاء العدو، لأن الله-﵎ أمر بفعل السبب، وأن لا يُتَوَكّلَ إلا على الله وحده، قال-تعالى-: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة من الآية: ٢٣]. وقال -تعالى-: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾ الآية [آل عمران، من الآية: ١٦٠]، وقال-تعالى- لمحمد ﷺ : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى﴾ الآية [الأنفال من الآيتين: ٩ - ١٠]. فإذا فعل المسلمون ما أمرهم الله به، وتوكلوا على الله، وحققوا توكله نصرهم الله، وأمدهم بالملائكة، كما هي عادته مع عباده المؤمنين في كل زمان ومكان، قال الله -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ

стр. 32

جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصّافات الآيات: ١٧١ - ١٧٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح الآيتان: ٢٢ - ٢٣]. ونسأل الله لنا ولكم العافية، والهدى، والثبات في الدنيا والآخرة، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم، ثم قال ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى"١. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. [مسائل وردت على وَلَدَيْ شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب "حسين" و"عبد الله" رحمهما الله] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذه مسائل وردت على وَلَدَيْ شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب "حسين"، و"عبد الله" -رحمهما الله- فأجابا بما هو الصواب. ... [عقيدة الشيخ محمد في العمل والعبادات والفروع] (الأولى): ما عقيدة الشيخ ﵀ في العمل في العبادات، والفروع؟ الجواب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين (الجواب) عن الأولى -وبالله التوفيق-: إن عقيدة الشيخ ﵀ التي يَدِين الله بها هي عقيدتنا وديننا الذي نَدين الله به، وهي عقيدة سلف الأمة وأئمتها من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان؛ وهو اتباع ما دل عليه الدليل من كتاب الله وسنة رسوله، وعرض أقوال العلماء على ذلك؛ فما وافق كتاب الله وسنة رسوله- قبلناه وأفتينا به، وما خالف ذلك رددناه على قائله. وهذا هو الأصل الذي أوصانا الله به، حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النّساء من الآية: ٥٩]. أجمع المفسرون على أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، وأن الرد إلى

стр. 33

الرسول هو الرد إليه في حياته، وإلى سنته بعد وفاته؛ والأدلة على هذا الأصل كثيرة في الكتاب والسنة، ليس هذا موضع بسطها. وإذا تفقه الرجل في مذهب من المذاهب الأربعة، ثم رأى حديثا يخالف مذهبه فاتبع الدليل، وترك مذهبه، كان هذا مستحبا، بل واجبا عليه إذا تبين له الدليل، ولا يكون مخالفا لإمامه الذي اتبعه، فإن الأئمة كلهم متفقون على هذا الأصل كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد ﵃ أجمعين-. قال الإمام مالك: كل أحد يُؤْخَذُ من قوله ويُتْرَكُ إلا رسول الله ﷺ ، وقال الشافعي-رحمه الله تعالى- لأصحابه: إذا صح الحديث عندكم فاضربوا بقولي الحائط. وفي لفظ: إذا صح الحديث عندكم فهومذهبي. قال الإمام أحمد بن حنبل ﵁: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان، والله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النّور من الآية: ٦٣]. أتدري ما الفتنة الفتنة الشرك؛ لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. وقال لبعض أصحابه: لا تقلدني، ولا تقلد مالكا، ولا الشافعي، وتعلم كما تعلمنا. وكلام الأئمة في هذا كثير جدا مبسوط في غير هذا الموضع. وأما إذا لم يكن عند الرجل دليل في المسألة يخالف القول الذي نص عليه العلماء أصحاب المذاهب، فنرجو أنه يجوز له العمل به؛ لأن رأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا، وهم إنما أخذوا الأدلة من أقوال الصحابة فمن بعدهم؛ ولكن لا ينبغي الجزم بأن هذا شرع الله، وشرع رسوله ﷺ حتى يتبين الدليل الذي لا مُعارض له في المسألة، وهذا عمل سلف الأمة وأئمتها قديما وحديثا. والذي ننكره هو التعصب للمذاهب وترك اتباع الدليل

стр. 34

إذا تبين هذا؛ فهذا الذي أنكرناه، وأنكره العلماء في القديم، والحديث. والله أعلم. [قال لزوجته: أنت طالق قبل موتي بشهر أو بثلاثة] (المسألة الثانية): إذا قال الرجل لزوجته: أنت طالق قبل موتي بشهر، أو بثلاثة، أو قال: قبل موتي بثلاثة أيام أنت طالق، ويطلب هذا الرجل أن يحرم زوجته من الميراث الشرعي، فهل يقع على زوجته طلاق في الحال أم يجوز له أن يطأها إلى أن يموت (الجواب): الذي نص عليه علماؤنا -رحمة الله عليهم- أنه يجب على الزوج اعتزالها من حين ذلك، لأن كل شهر أو يوم يحتمل أن يموت فيه، فتكون قد طلقت قبله في الوقت الذي وقته، فإذا وطئها والحالة هذه احتمل أن يموت؛ فيكون قد وطئها في حال بينونتها. وأما إذا عرف أن قصده بكلامه ذلك حرمانها من الميراث، فإنها ترثه ولو خرجت من العدة كما هو مذهب الإمام أحمد، وغيره من العلماء؛ وهو الذي تدل عليه قصة عمر بن الخطاب ﵁ مع غيلان بن سلمة الثقفي لمّا طلق زوجاته، وقسم الميراث بين أولاده. وهذه المرأة في حال حياة زوجها لها حكم الزوجات من النفقة، والكسوة والسكنى لا في الوطء والنظر؛ فإن ذلك لا يجوز، هذا الذي دل عليه كلام الحنابلة. والله أعلم. [قال لغلامه: أنت حر لوجه الله قبل موتي بشهر، وأعطاه جميع ماله] (المسألة الثالثة): إذا قال لغلامه: أنت حر لوجه الله قبل موتي بشهر، وأعطاه جميع ماله، ومراد هذا الرجل حرمان ورثته؛ فهل يكون الغلام في تلك الساعة حرا، أم يبقى في الرق إلى موت سيده؟ إلى آخره. (الجواب): إن العتق صحيح، فإذا مات السيد تبين أن العتق وقع قبل موته بما قدر به، وأما المال فلا يصح تمليكه إياه ولا هبته له، لأنه حين تمليكه المال هو رقيق، والعبد لا يملك بالتمليك في أصح أقوال العلماء.

стр. 35

[قال لزوجته: أنت طالق بالثلاث، والمهر زكوي ومؤجل في ذمته] (وأما المسألة الرابعة): وهي الصداق الزكوي: إذا قال الرجل لزوجته: أنت طالق بالثلاث، والمهر زكوي، والزوجة معه سنين متعددة، والمهر مؤجل في ذمته، ولم تقبض منه شيئا، والزوج يخرج الزكاة كل سنة. إلى آخره. (الجواب): إن الطلاق يقع، والزكاة تتعلق بذمة المرأة؛ فإذا أخذت الزكاة من الزوج، رجع عليها. والله أعلم. [النذر على رجل حي] (المسألة الخامسة): هل يجوز النذر على رجل حي مثل أن قال: مالي نذر عليّ لوجه الله على ابني، أو على فلان الأجنبي، هل ينعقد هذا النذر، أو يكون شِرْكًَا إلى آخره. (الجواب): إن النذر الذي يُقصد به وجه الله في عمل طاعة لله ورسوله كالنذر على فقير معين، أو غيره، فإنه يجب الوفاء به، كما قال -تعالى -: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة من الآية: ٢٧٠]. وقال-تعالى-: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧]. وعن عائشة-رضي الله تعالى عنها- أن النبي ﷺ قال: "من نذر أن يطيع الله فَلْيُطِعْهُ، ومن نذر أن يعصي الله فلا يَعْصِهِ" ١، ولا يكون هذا النذر شركا، لأن النذر الذي يكون شركا النذر لغير الله، كالنذر لولي يُعْبَدُ من دون الله، أو لِقُبّةٍ، أو لمن يخدمها، أو سدنتها؛ فهذا هو الذي يكون شركا، وهو نذر معصية، لا يجوز نذره، ولا الوفاء به كما تقدم في الحديث. [التفضيل بين الأولاد في العطية] (المسألة السادسة): رجل تصدق، أو وهب لأحد من أولاده من ماله زائدا عن الباقين، أو أعطى المال واحدا منهم، هل تصح عطيته، ويحرم الباقين من المال وهل يكون عاصيا لمخالفته الشرع؟ (الجواب): لا يجوز للوالد التفضيل بين أولاده في العطية، بل يحرم

стр. 36

عليه ذلك، ويجب عليه ردها، والتسوية بينهم كما ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ "في قصة النعمان بن بشير لمّا نحله أبوه نِحْلَةً، فقالت أمه: لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﷺ على ذلك، فأتاه فأخبره، فقال: كل أولادك أعطيت مثل هذا؟ فقال: لا. فقال: اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم"، وفي لفظ آخر: "لا تشهدني على جور"١، قال النعمان: فرد أبي تلك العطية. وهذا مذهب الإمام أحمد، وغيره، وهو الصواب. [القيام للأمراء والعلماء وأهل الفضل] (المسألة السابعة): ما تقولون في القيام في وجوه الأمراء، والعلماء، وأهل الفضل كما يفعله أهل فارس، والروم، وبعض المطاوعة يفتون أن القيام جائز في حق العلماء، وأهل الفضل؟ (الجواب): إنه لا يجوز القيام للعلماء، ولا الأمراء بحيث يتخذ ذلك عادة وسنة، بل ذلك من فعل أهل الجاهلية، والجبابرة كملوك فارس، والروم وغيرهم؛ فإنهم كانوا يفعلون ذلك مع عظمائهم، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من أحب أن يتمثل له الرجال قياما، فليتبوأ مقعده من النار"٢، وفي حديث آخر عن أنس بن مالك قال: "لم يكن أحد أحب إليهم من رسول الله ﷺ يعني: الصحابة، وكانوا لا يقومون له لما يعلمون من كراهته لذلك"٣. وثبت في صحيح مسلم، وسنن أبي داود عن جابر قال: "اشتكى رسول الله ﷺ ، فصلينا وراءه قياما وهو قاعد، وأبو بكر يسمعنا تكبيره، فالتفت إلينا فإذا نحن قيام، فأشار إلينا فقعدنا، فصلينا بصلاته قعودا. فلما سلم قال: إن كنتم لتفعلون فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم، وهم قعود، فلا تفعلوا، ائتموا بأئمتكم: إن صلوا قياما فصلوا قياما، فإن صلوا قعودا فصلوا قعودا"٤.

стр. 37

[الحلف بغير الله تعالى] (المسألة الثامنة): الحلف بغير الله مثل: الحلف بالنبي، أو الولي، أو رأس فلان، أو تربة فلان، هل يكون هذا شركا أو مكروها؟ (الجواب): الحلف بغير الله من أنواع الشرك الأصغر؛ وقد يكون شركا أكبر بحسب حال قائله ومقصده. والكفر والشرك أنواع: منها ما يخرج عن الملة، ومنها ما لا يخرج عن الملة، كما قال ابن عباس ﵄ في قوله-تعالى-: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة من الآية: ٤٤]. قال: كفر دون كفر، وشرك دون شرك، وظلم دون ظلم. فإذا حلف بغير الله جاهلا أو ناسيا فليستغفر الله، وليقل لا إله إلا الله، كما ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: "من حلف فقال في حلفه: واللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله"١. [خالف في بعض المسائل مثل القنوت في الفجر] (المسألة التاسعة): إذا خالف في بعض المسائل مثل: القنوت في الفجر، والجهر بالبسملة في موضع الجهر؛ هل يصح له ذلك، أم يوافق الجمهور وأيهما الأصلح (الجواب): اعلم أن مسائل الخلاف بين الأئمة لا إنكار فيها إذا لم يُتَبَيّنْ الدليل القاطع، والصحابة قد اختلفوا في أشياء من مسائل الفروع، ولم ينكر بعضهم على بعض، وكذلك العلماء بعدهم، وأن كلا منهم قد قال بما عنده من العلم؛ والصواب عندنا ترك الجهر بالبسملة، وترك القنوت دائما في الفجر إلا إذا نزلت بالمسلمين نازلة؛ فإن السنة قد وردت، وصحت بالقنوت في الفجر في هذه الحالة. وهذا هو الثابت عندنا من فعل رسول الله ﷺ وفعل خلفائه الراشدين كما هو مذكور في الكتب الصحيحة كالصحيحين، وغيرهما. والله أعلم.

стр. 38

[تقبيل أيدي الأمراء والعلماء والسادة والخضوع عند تحيتهم] (المسألة العاشرة): تقبيل أيدي الأمراء والعلماء والسادة وغيرهم، وكذا الخضوع عند تحيتهم بأن يحرك رأسه ويحط يده على صدره أو على رأسه عند التحية، هل يكون شركًا أو مكروهًا؟ (الجواب): لا يجوز تقبيل أيدي العلماء والسادة والانحناء في التحية ويتخذ ذلك عادة وسنة؛ بل ذلك من البدع المحدثة، فينبغي للمسلمين إزالتها والنهي عنها. وأما تقبيل اليد في بعض الأحيان، كتقبيل يد العالم لعلمه، أو من كان من أهل بيت رسول الله ﷺ لشرف نسبه، فلا بأس بذلك إذا لم يُجْعَلْ عادة مستمرة، كما صح في الحديث أن أبا عبيدة قبل يد عمر؛ والفرق أن ما يُفْعَلُ بعض الأحيان فيجوز، وأما ما يُجعل عادة وسنة فلا يجوز؛ وهذا ظاهر عند أهل العلم. والله أعلم. [رجل دخل هذا الدين وأحبه، ولكن لا يعادي المشركين أو عاداهم ولم يكفرهم] (المسألة الحادية عشرة): رجل دخل هذا الدين وأحبه ولكن لا يعادي المشركين، أو عاداهم ولم يكفرهم، أو قال: أنا مسلم ولكن لا أقدر أن أُكَفّرَ أهل لا إله إلا الله ولو لم يعرفوا معناها ١. ورجل دخل هذا الدين وأحبه، ولكن يقول: لا أتعرض للقباب، وأعلم أنها لا تضر ولا تنفع، ولكن ما أتعرضها. (الجواب): إن الرجل لا يكون مسلما إلا إذا عرف التوحيد، ودان به، وعمل بموجبه، وصدق الرسول ﷺ فيما أخبر به، وأطاعه فيما نهى عنه وأمر به، وآمن به وبما جاء به. فمن قال: لا أعادي المشركين، أو عاداهم ولم يكفرهم، أو قال: لا أتعرض أهل لا إله إلا الله ولو فعلوا الكفر والشرك وعادوا دين الله، أو قال: لا أتعرض للقباب؛ فهذا لا يكون مسلما، بل هو مِمّنْ قال الله فيهم: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا

стр. 39

بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النّساء من الآيتين: ١٥٠ - ١٥١] والله أوجب معاداة المشركين، ومنابذتهم، وتكفيرهم؛ فقال: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية [المجادلة من الآية: ٢٢]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ الآيات، [الممتحنة من الآية: ١]. والله أعلم. [هجرة المسلم من بلده إذا كانت على الكفر أو الشرك] (المسألة الثانية عشرة): رجل دخل هذا الدين وأحبه، ويحب من دخل فيه، ويبغض الشرك وأهله، ولكن أهل بلده يصرحون بعداوة أهل الإسلام، ويقاتلون أهله، ويعتذر أن ترك الوطن يشق عليه، ولم يهاجر عنهم؛ فهل يكون مسلما، أو كافرا وهل يعذر بعدم الهجرة؟ (الجواب): أما الرجل الذي عرف التوحيد، وآمن به، وأحبه، وأحب أهله، وعرف الشرك، وأبغضه، وأبغض أهله، ولكن أهل بلده على الكفر والشرك، ولم يهاجر؛ فهذا فيه تفصيل: فإن كان يقدر على إظهار دينه عندهم، ويتبرأ مما هم عليه من الكفر، والشرك، ويظهر لهم كفرهم، وعداوته لهم، ولا يفتنونه عن دينه لأجل عشيرته، أو ماله، أو غير ذلك فهذا لا يحكم بكفره، ولكنه إذا قدر على الهجرة ولم يهاجر، ومات بين أظهر المشركين، فيخاف عليه أن يكون قد دخل في أهل هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النّساء: ٩٧]، فلم يعذر الله إلا من لم يستطع حيلة، ولا يهتدي سبيلا؛ ولكن قل أن يوجد اليوم مَنْ هو كذلك إلا أن يشاء الله، بل الغالب أن المشركين

стр. 40

لا يدعونه بين أظهرهم، بل إما قتلوه، وإما أخرجوه إن وجدوا إلى ذلك سبيلا ١. وأما إن لم يكن له عذر، وجلس بين أظهرهم، وأظهر لهم أنه منهم، وأن دينهم حق، ودين الإسلام باطل، فهذا كافر مرتد، ولو عرف الدين بقلبه، لأنه يمنعه عن الهجرة محبة الدنيا عن الآخرة، ويتكلم بكلام الكفر من غير إكراه؛ فدخل في قوله-تعالى-: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [النّحل الآيتان: ١٠٦ - ١٠٧]. [من مات من أهل الشرك قبل بلوغ الدعوة] (المسألة الثالثة عشرة): فيمن مات قبل هذه الدعوة، ولم يدرك الإسلام، وهذه الأفعال التي يفعلها الناس اليوم يفعلها، ولم تقم عليه الحجة، ما الحكم فيه وهل يلعن، أو يسب، أو يكف عنه وهل يجوز لابنه الدعاء له وما الفرق بين من لم يدرك هذه الدعوة، وبين من أدركها ومات معاديا لهذا الدين وأهله؟ (الجواب): إن من مات من أهل الشرك قبل بلوغ هذه الدعوة، فالذي يحكم عليه أنه إذا كان معروفا بفعل الشرك، ويدين به، ومات على ذلك، فهذا ظاهره أنه مات على الكفر، فلا يُدْعَى له، ولا يُضَحّى له، ولا
следующие страницы →