← Джавами‘

Джавами‘ · id 16865

مجموعة الرسائل والمسائل النجدية - ط المنار

محمد رشيد رضا

Полный текст (2 581 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

بلده العيَينة*، فهاجر إلى الدرعية. فتلقاه شيخ البلد محمد بن سعود ﵀ هو وأولاده وقرابته وأعيان أهل بلده، فقابلوا دعوته بالقبول، وجدوا في نصرته على ضعفهم وقلتهم، وكثرة عدوهم؛ واستصراخ أعدائهم الملوك عليهم، فما زالوا يرمونهم بقوس العداوة، وحزبوا عليهم مرارًا كثيرة من كل جهة، فأظهرهم الله على من عاداهم -على ضعفهم وقلتهم-، وأوقع بأسه بكل من عاداهم، حتى الملوك أهلكهم الله وأباد خضراءهم، وفي ذلك آيات لمن كان واعيا. وهذه الآية لا تخفى على من صحت بصيرته، وأما أعمى البصيرة فلا يبصر. وكلما كادهم عدو ورام إهلاكهم أهلكه الله، فما زالوا -بحمد الله- ظاهرين إلى يومنا هذا، ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِين َوَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١. ولله در الشيخ حسين بن غنام، حيث قال لما ظهرت له أنوار التوحيد، أظهر ذلك في شعره نثرًا، وأجاب محمد بن فيروز في هجوه وسبه، ومنظومته موجودة في تاريخه، فمن قوله ﵀: نفوس الورى إلا القليل ركونها ... إلى الغي لا يلفى لدين حنينها فسل ربك التثبيت أي موحد ... فأنت على السمحاء باد يقينها وغيرك في بيد الضلالة سائر ... وليس له إلا القبور يدينها وأنت بمنهاج الشريعة سالك ... وسنة خير المرسلين تبينها [فساد اعتقاد صلاح جميع الأمة] قلت: ولا يخفى على ذوي البصائر أن من أعظم الجهل، وأبين الكذب، وأبعد الضلال، جحود من جحد أنه: ليس في هذه الأمة كافر ولا مشرك، ولا مبتدع، ولا فاسق، ولا ظالم. والقرآن كله من أوله إلى آخره يخبر عن الكفار والمشركين والمنافقين والفاسقين والظالمين، فسبحان الله! كيف

стр. 982

أدته العداوة والبغضاء لمن قام بالدعوة إلى التوحيد إلى أن جحد الكثير من القرآن والسنة! وادعى أن الأمة كلها من أولها إلى آخرها كلهم خير أمة أخرجت للناس، وأنهم الأمة الوسط؛ فجحد ما لا يمكن جحوده في حق أحد، وحقيقة حال هذا أنه كذّب بما في القرآن من ذلك. فتأمل ما يترتب على هذا القول من الفساد والإلحاد، وكيف يمكن أحد أن يجحد ما وقع في هذه الأمة من ذلك من الكفر والشرك والبدع؟ وقد ذكرت في هذا الجواب بعض ما وقع في الأمة من ذلك -على سبيل الاختصار- لبيان بطلان هذه الشبهة، وشدة ضلال ملقيها. ثم إنه حرف القرآن والأحاديث، ووضعها في غير موضعها، فزعم أن المطيع والعاصي والمؤمن والكافر على حد سواء، وهذا ممتنع عقلا وشرعا وفطرة. وقد تقدم في هذا الجواب ما يبين الخطأ من الصواب -ولله الحمد والمنة- مع الاقتصار كما في الأثر: "خير الكلام ما قل ودل ولم يطل فيمل"، والقصد بذلك انتفاع طالب الحق بالجواب عن شبهة المشبهين، وتحريف الملحدين. وبالله التوفيق. وإلا ففي الواقع اليوم ممن هم من هذه الأمة ما يكفي البصير في رد الشبهة وإبطالها؛ فإن الرافضة اليوم كثيرون، وشركهم وبدعتهم لا يخفى على من يعرفهم، وكذلك أحوال الأعراب، وما فيهم من الفساد والجفا في الدين، واستحلال المحرمات، وسفك الدماء، ونهب الأموال، وإخافة السبيل وقطعها. والحمد لله الذي هدانا للإسلام، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وصلى الله على سيد المرسلين وإمام المتقين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 983

الرسالة السادسة [معنى لا إله إلا الله وشروطها] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ومن مسائل التوحيد: ما أجاب به بعض من طلب الفائدة. قال ﵀: وسرنا ما ذكرت من معرفتك جهل أكثر الناس بمعنى (لا إله إلا الله)، وإن تكلموا بها لفظا فقد أنكروها معنى؛ فانتبه لأمور ستة -أو سبعة- لا يسلم العبد من الكفر أو النفاق إلا باجتماعها، وباجتماعها والعمل بمقتضاها يكون العبد مسلمًا؛ إذ لا بد من مطابقة القلب للسان علما وعملا واعتقادًا وقبولا ومحبة وانقيادًا. فلا بد من العلم بها المنافي للجهل. ولا بد من الإخلاص المنافي للشرك. ولا بد من الصدق المنافي للكذب، بخلاف المشركين والمنافقين. ولا بد من اليقين المنافي للشك والريب، فقد يقولها وهو شاك في مدلولها ومقتضاها. ولا بد من المحبة المنافية للكراهة. ولا بد من القبول المنافي للرد، فقد يعرف معناها ولا يقبله كحال مشركي العرب. ولا بد أيضا من الانقياد المنافي للترك، لترك مقتضياتها ولوازمها وحقوقها المصححة للإسلام والإيمان. فمن تحقق ما ذكرته، ووقع منه موقعا، صرف الهمة إلى تعلم معنى "لا إله إلا الله"، وصار على بصيرة من دينه، وفرقان ونور وهدى واستقامة. وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

стр. 984

الرسالة السابعة [التحذير من البردة وبيان ما فيها من الشرك] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الرحمن بن حسن وابنه عبد اللطيف إلى عبد الخالق الحفظي. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فقد بلغنا من نحو سنتين اشتغالكم ببردة البوصيري، وفيها من الشرك الأكبر ما لا يخفى، من ذلك قوله: "يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك" إلى آخر الأبيات، التي فيها طلب ثواب الدار الآخرة من النبي ﷺ وحده. فأما دعاء الميت والغائب فقد ذكر الله في كتابه العزيز الذي أنزله على رسوله ﷺ النهي عن دعوة الأموات والغائبين بقوله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ١، ولم يستثن أحدا. والنبي ﷺ هو المبلغ عن الله، وقال: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ ٢. فانظر إلى هذا الوعيد الشديد المترتب على دعوة غير الله، وخاطب به نبيه ﷺ ليكون أبلغ للتحذير. فكيف يظن بالنبي ﷺ أن الله تعالى ينهاه عن ذلك، ويذكر الوعيد عليه، ويرضاه أن يفعل ذلك أحد معه، أو مع غيره -صلوات الله وسلامه عليه-؟! ولما قال له رجل: ما شاء الله وشئت. قال: "أجعلتني لله ندًّا؟ بل ما شاء الله وحده"٣. ودعوة غيره تنافي الإخلاص، الذي هو دينه، الذي لا يقبل الله دينا سواه. وذكر تعالى اختصاصه بالدعاء بقوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ

стр. 985

وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ ١ الآية، وأخبر أن دعوة الحق مختصة به، وما ليس بحق فهو باطل، ولا يحصل به نفع لمن فعله، بل هو ضرر في العاجل والآجل لأنه ظلم في حق الله تعالى. يقرر هذا تهديده تعالى لمن دعا الأنبياء والصالحين والملائكة بقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا﴾ ٢، نزلت في عيسى وأمه والعزير والملائكة، باتفاق أكثر المفسرين من الصحابة والتابعين والأئمة، فكيف يظن من له عقل أنه يرضى منه في حقه قولا وعملا تهديد الله من فعله مع عيسى وأمه والعزير والملائكة؟ وكونه ﷺ أفضل الأنبياء لا يلزم أن يختص دونهم بأمر نهى الله عنه عباده عموما وخصوصا، بل هو مأمور أن ينهى عنه، ويتبرأ منه كما تبرأ منه المسيح ابن مريم في الآيات في آخر سورة المائدة، وكما تبرأت منه الملائكة في الآيات التي في سورة سبأ. وأما اللياذ فهو كالعياذ سواء، فالعياذ لدفع الشر، واللياذ لجلب الخير، وحكى الإمام أحمد وغيره الإجماع على أنه لا يجوز العياذ إلا بالله وأسمائه وصفاته، وأما العياذ بغيره فشرك ولا فرق. وأما قوله: "فإن من جودك الدنيا وضرتها" فمناقض لما اختص به تعالى يوم القيامة من الملك في قوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ ٣، وفي قوله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ٤ وفي قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ ٥، وغير ذلك من الآيات لهذا المعنى. وقال غير ذلك في منظومته مما يستبشع من الشرك. [هدي السلف في مدح النبي] ومدح النبي ﷺ شعراء العرب الفصحاء، ولم يقرب أحد منهم حول هذا الحمى، الذي هو لله وحده؛ بل مدحوه بالنبوة، وما

стр. 986

خصه الله به من الفضائل والأخلاق الحميدة، مثل حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وكعب بن زهير، وأمثال هؤلاء، فما تعلقت قلوبكم يا عبد الخالق إلا بنظم للشيطان فيه حظ وافر، قد أنكره الله ورسوله على من قاله أو فعله. وهذه الأمور كانت عند محمد الحفظي وأبيه وأخيه فأقلعوا عنها، وتابوا إلى الله منها، وتجنبوا الشرك، وتبرؤوا إلى الله منه ومن أهله، وجاهدوا أهله نثرا ونظما، وقد نزلت المنزلة التي كانوا عليها في الجاهلية، ثم تابوا منها، فأصغ سمعك لكتاب الله، فإنه يكفيك ويشفيك في كل خير، ويعصمك من كل شر. اهـ آخر ما وجد والحمد لله. الرسالة الثامنة [أمر الإمامة والتدريس يُردُّ إلى الإمام] ومنها رسالة أرسلها إلى محمد بن عبد الله، وعبد الله بن سالم، وسببها أن الشيخ عبد اللطيف بن مبارك نصب في بعض مساجد الأحسا من يتهم بمذهب الأشاعرة من غير إذن الإمام فيصل بن تركي آل سعود ﵀، قال فيها: من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخوين المكرمين محمد بن عبد الله، وعبد الله بن سالم. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فقد وصل الكتاب، وفهمت ما تضمنه من الخطاب، وما ذكرتماه عن نصب الشيخ عبد اللطيف لهؤلاء الأولاد الثلاثة، فالعادة أن مثل هذا يرجع فيه إلى الإمام، لأن نصبه له في أمر خاص، وهو فصل القضايا بين الناس. وأما النظر فيما يصلح للإمامة والتدريس، فيرد إلى الإمام، وربما أن الإمام يجعل لنا فيه بعض الشورى، لأن كثيرا من الناس ما تخفانا حالهم وعقائدهم، ونصب الإمام لقضاة نجد كذلك. والشيخ أحمد بن مشرف

стр. 987

يسامي الأكابر ومثلهم ما ينسب له، والذي نعلم منه صحة المعتقد في توحيد الأنبياء والمرسلين، الذي جهله أكثر الطوائف، كذلك هو رجل سلفي يثبت من صفات الرب تعالى ما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ على ما يليق بجلال الله وعظمته. [أخطاء الأشاعرة في أصول الدين] وأما أهل بلدكم في السابق وغيرهم فهم أشاعرة، والأشاعرة أخطؤوا في ثلاث من أصول الدين، منها تأويل الصفات وهو صرفها عن حقيقتها التي تليق بالله. وحاصل تأويلهم: سلب صفات الكمال عن ذي الجلال، أيضا أخذوا ببدعة "عبد الله بن كلاب" في كلام الرب -تعالى وتقدس-. ورد العلماء عليهم في ذلك شهير، مثل الإمام أحمد والشافعي وأصحابه، والخلال في "كتاب السنة"، وإمام الأئمة محمد بن خزيمة، واللالكائي، وأبو عثمان الصابوني الشافعي، وابن عبد البر، وغيرهم من اتباع السلف، كمحمد بن جرير الطبري، وشيخ الإسلام الأنصاري. وقد رجع كثير من المتكلمين الخائضين كالشهرستاني شيخ أبي المعالي، وكذلك أبو المعالي، والغزالي، وكذلك الأشعري قبلهم، في كتاب "الإبانة والمقالات"، ومع هذا وغيره فبقي هذا في المتأخرين، المقلدين لأناس من المتأخرين، ليس لهم اطلاع على كلام العلماء، وإن كانوا يعدون من العلماء. وأخطؤوا أيضا في التوحيد، ولم يعرفوا من تفسير "لا إله إلا الله" إلا أن معناها: القادر على الاختراع، ودلالة "لا إله إلا الله" على هذا دلالة التزام، لأن هذا من توحيد الربوبية، الذي أقر به الأمم ومشركو العرب، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١ الآيات،

стр. 988

وهي كثيرة في القرآن، يحتج تعالى عليهم بذلك على ما جحدوه من توحيد الإلهية، الذي هو معنى "لا إله إلا الله" مطابقة وتضمنا، وهو الذي دعا إليه الناس في أول سورة البقرة، وفي سورة آل عمران، والنساء، وغيرهما، ودعت إليه الرسل: ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ ١. وهو الذي دعا إليه رسول الله ﷺ وفد نصارى نجران، ودعا إليه العرب قبلهم، كما قال أبو سفيان لهرقل لما سأله عما يقول: قال: يقول: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا. وكل السور المكية في تقرير معنى "لا إله إلا الله" وبيانه. فإذا كان العلماء في وقتنا هذا وقبله في كثير من الأمصار، ما يعرفون من "لا إله إلا الله" إلا توحيد الربوبية، كمن كان قبلهم في عصر شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وابن رجب، اغتروا بقول بعض العلماء من المتكلمين أن معنى "لا إله إلا الله" القادر على الاختراع، وبعضهم يقول: معناها الغني عما سواه، المفتقر إليه ما عداه. وعلماء الأحساء ما عادوا شيخنا ﵀ في مبدأ دعوته إلا من أجل أنهم ظنوا أن عبادة يوسف والعيدروس وأمثالهم لا يستفاد بطلانها من كلمة الإخلاص، والله سبحانه بين لنا معنى هذه الكلمة في مواضع كثيرة من القرآن. قال تعالى عن خليله ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ? إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِين وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ ٢، فعبر عن هذه الكلمة بمعناها، وهو نفي الشرك في العبادة، وقصرها على الله وحده. وقال عن أهل الكهف: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ ٣. فإذا كان هذا التوحيد الذي هو حق الله على العباد قد خفي على أكابر العلماء في أزمنة سلفت، فكيف لا يكون بيانه أهم الأمور؟ خصوصا إذا كان الإنسان لا يصح له إسلام ولا إيمان إلا بمعرفة هذا التوحيد، وقبوله، ومحبته، والدعوة إليه،

стр. 989

وتطلب أدلته، واستحضارها ذهنا وقولا وطلبا ورغبة. فهذه نصيحة مني لكل إنسان، دعاني إليها غربة الدين، وقلة المعرفة فيه، فينبغي أن تشاع وتذاع في مخاطر أهل العلم، يقبلها من وفقه الله تعالى للخير، فإنها خير مما كتبت فيه بأضعاف أضعاف، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وصلى الله على محمد وآله وسلم. الرسالة التاسعة [معنى لا إله إلا الله وشروطها السبعة] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الكلام في بيان ما أوردناه على الجهمي الذي في بني ياس، أما الكلام في معنى "لا إله إلا الله" فأقول وبالله التوفيق: أما هذه الكلمة العظيمة، فهي التي شهد الله بها لنفسه، وشهد بها له ملائكته، وأولو العلم من خلقه، كما قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١. فلا إله إلا الله هي كلمة الإسلام، لا يصح إسلام أحد إلا بمعرفة ما وضعت له ودلت عليه، وقبوله والانقياد للعمل. وهي كلمة الإخلاص المنافي للشرك، وكلمة التقوى التي تقي قائلها من الشرك بالله، فلا تنفع قائلها إلا بشروط سبعة: الأول العلم بمعناها نفيا وإثباتا، واليقين -وهو كمال العلم بها- المنافي للشك والريب، والإخلاص المنافي للشرك، والصدق المانع من النفاق، والمحبة لهذه الكلمة ولما دلت عليه، والسرور بذلك، والقبول المنافي للرد، فقد يقولها من يعرفها لكن لا يقبلها مما دعاه إليها تعصبًا وتكبرًا، كما هو قد وقع من كثير. السابع

стр. 990

الانقياد بحقوقها، وهي الأعمال الواجبة إخلاصا لله وطلبا لمرضاته. إذا عرفت ذلك فقولك: "لا إله إلا الله": فلا: نافية للجنس. والإله هو: المألوه بالعبادة، وهو الذي تألهه القلوب، وتقصده رغبة إليه في حصول نفع أو دفع ضر، كحال من عبد الأموات والغائبين والأصنام، فكل معبود مألوه بالعبادة. والخبر المرفوع محذوف تقديره: حق. وقوله: "إلا الله" استثناء من الخبر المرفوع. فالله سبحانه هو الحق، وعبادته وحده هي الحق، وعبادة غيره منتفية بلا في هذه الكلمة. قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ ١، فإلهية ما سواه باطلة، فدلت الآية على أن صرف الدعاء الذي هو مخ العبادة عنه لغيره باطل؛ فتبين أن الإلهية هي العبادة لأن الدعاء من أفرادها، فمن صرف منها شيئا لغيره تعالى فهو باطل. والقرآن كله يدل على أن الإلهية هي العبادة كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ? إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ٢، فذكر البراءة من كل معبود سوى الله، ولم يستثن إلا عبادة من فطره سبحانه، ثم قال: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ ٣ أي: "لا إله إلا الله" فعبر عن الإلهية بالعبادة في النفي والإثبات. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ ٤: فقوله ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي﴾ ٥ هو معنى "إلا الله" في كلمة الإخلاص، وقوله: ﴿وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ ٦ هو المنفي في كلمة الإخلاص ب "لا إله"؛ فتبين أن "لا إله إلا الله" دلت على البراءة من الشرك في العبادة في حق كل ما سوى الله. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ٧ والدين هو العبادة، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ﴾ ٨، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٩ أي: الذي لا تصلح الإلهية إلا له وحده، فانتفت الإلهية

стр. 991

وبطلت في حق كل ما سوى الله، والقرآن يبين بعضه بعضًا ويفسره. والرسل إنما يفتتحون دعوتهم بمعنى "لا إله إلا الله": ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ١، فتبين أن الإلهية هي العبادة؛ ولهذا قال قوم هود لما قال: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٢ ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ ٣، فتبين بالآية أنهم لم يستنكفوا من عبادة الله، لكنهم أبوا أن يخلصوا العبادة لله وحده؛ فلم ينفوا ما نفته "لا إله إلا الله"، فاستوجبوا ما وقع بهم من العذاب، بعدم قبولهم من دعاهم إليه من إخلاص العبادة. كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ ٤ وهم الرسل جميعهم ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ ٥ وهذا هو معنى كلمة الإخلاص الذي اجتمعت عليه الرسل، فقوله: ﴿أن لا تعبدوا﴾ هو معنى (لا إله) وقوله: ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ هو المستثنى في كلمة الإخلاص؛ فهذا هو تحقيق معناها -بحمد الله- إنذار الرسل جميعهم أممهم عن الشرك في العبادة، وأن يخلصوها لله وحده لا شريك له. ففي ما ذكرناه في هذه الآيات في معناه كاف واف شاف، ولله الحمد والمنة. [تعريف العبادة] وأما تعريف العبادة، فقد قال العلامة ابن القيم ﵀ في الكافية الشافية: وعبادة الرحمن غاية حبه ... مع ذل عابده هما قطبان وعليهما فلك العبادة دائر ... ما دار حتى قامت القطبان ومداره بالأمر أمر رسوله ... لا بالهوى والنفس والشيطان فذكر أصل العبادة التي يصلح العمل مع حصولها إذا كان على السنة، فذكر قطبيها، وهما غاية المحبة لله في غاية الذل له. والغاية تفوت بدخول الشرك، وبه يبطل هذا الأصل، لأن المشرك لا بد أن يحب معبوده، ولا

стр. 992

بد أن يذل له، ففسد الأصل بوجود الشرك فيه. ولا تحصل الغاية فيهما إلا بانتفاء الشرك، وقصر المحبة والتذلل لله وحده؛ وبهذا تصلح جميع الأعمال المشروعة، وهي المراد بقوله: وعليهما فلك العبادة دائر. والدائرة هي الأعمال، ولا تصلح إلا بمتابعة السنة. وهذا معنى قول الفضيل بن عياض ﵀ في قول الله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ١ قال: "أخلصه وأصوبه". قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: "إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا، والخالص ما كان لله، والصواب ما كان على السنة". [أقسام التوحيد] وأما أقسام التوحيد فهي ثلاثة: توحيد الإلهية: وهي العبادة كما تقدم، فهي تعلق بأعمال العبد وأقواله الباطنة والظاهرة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة". قلت: فمن صرف منها شيئا لغير الله فهو مشرك بالله، وهذا هو الذي أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب بالإنذار عنه، وترتبت عليه عقوبات الدنيا والآخرة في حق من لم يتب منه، ويسمى هذا التوحيد إذا كان لله وحده "توحيد القصد والطلب والإرادة" وهو الذي جحده المشركون من الأمم. وقد بعث الله نبينا محمدا ﷺ بالأمر به، والنهي عما ينافيه من الشرك، فأبى المشركون إلا التمسك بالشرك الذي عهدوه من أسلافهم، فجاهدهم ﷺ على هذا الشرك، وعلى إخلاص العبادة لله وحده، كما قال تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ ٢ إلى قوله: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ

стр. 993

امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ ١. (النوع الثاني): توحيد الربوبية: وهو العلم والإقرار بأن الله تعالى رب كل شيء ومليكه، وهو المدبر لأمور خلقه جميعهم كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ﴾ ٢ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٣، وقال: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ٤ إلى قوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ٥. وأمثال هذه الآيات في القرآن كثير، وهذا النوع قد أقر به المشركون كما دلت عليه الآيات. (والنوع الثالث): توحيد الأسماء والصفات: وهو أن يوصف الله تعالى بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ من صفات الكمال، التي تعرف بها سبحانه إلى عباده، ونفي ما لا يليق بجلاله وعظمته، وهذا النفي أقسام، ذكرها العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- في الكافية الشافية. فأهل السنة والجماعة سلفا وخلفا يثبتون لله هذا التوحيد، على ما يليق بجلال الله وعظمته إثباتا بلا تمثيل، وتنزيها بلا تعطيل، وهذا النوع والذي قبله هو توحيد العلم والاعتقاد. [تعريف التوحيد] وأما تعريف التوحيد فقد ذكره ابن القيم في الكافية الشافية فقال: فالصدق والإخلاص ركنا ذلك الـ ... ـتوحيد كالركنين للبنيان وحقيقة الإخلاص توحيد الـ ... ـمراد فلا يزاحمه مراد ثاني والصدق توحيد الإرادة وهو بذ ... ل الجهد لا كسلا ولا متواني ثم ذكر توحيد المتابعة فقال: والسنة المثلى لسالكها فتو ... حيد الطريق لأعظم السلطان

стр. 994

فلواحد كن واحدًا في واحد ... أعني سبيل الحق والإيمان وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- الإخلاص بمثل ما ذكره ابن القيم -رحمه الله تعالى- فقال: "الإخلاص محبة الله وإرادة وجهه". [أقسام العلم النافع] وأما أقسام العلم النافع الذي يجب معرفته أو اعتقاده فهو يتضمن ما سبق ذكره، وهو ثلاثة أقسام، ذكرها العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- في الكافية الشافية قال: والعلم أقسام ثلاث ما لها ... من رابع خلوا عن الروغان علم بأوصاف الإله وفعله ... وكذلك الأسماء للرحمن والأمر والنهي الذي هو دينه ... وجزاؤه يوم المعاد الثاني وبهذا تم الجواب عما أوردناه. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم

стр. 995

الرسالة العاشرة [من لوازم ما دلَّت عليه لا إله إلا الله] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصلى الله على سيد المرسلين محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. من عبد الرحمن بن حسن إلى الإمام المكرم أكرمه الله بالتوحيد، وحماه من شبه أهل الشرك والإلحاد والتنديد. سلام عليك ورحمة الله وبركاته. (وبعد): فاعلم أن "لا إله إلا الله" لها معنى عظيم، تستضيء به قلوب أهل الإسلام والإيمان، وهو الذي بعث الله به جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم وخلقهم لأجله. والقرآن من أوله إلى آخره يبين معنى هذه الكلمة؛ ونذكر بعض ما دل عليه القرآن من معناها، وما ذكره العلماء من أئمة الإسلام، فدونك كلام العماد ابن كثير -رحمه الله تعالى- في تفسير سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ١. ذكر أن هذه السورة سورة البراءة من العمل الذي يعمله المشركون، وهي آمرة بالإخلاص، وأن قريشا دعوا رسول الله ﷺ إلى عبادة أوثانهم سنة ويعبدون إلهه سنة، فأنزل الله هذه السورة، وأمره فيها أن يتبرأ من دينهم بالكلية فقال: ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ ٢ يعني من الأصنام والأنداد، ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ ٣ وهو الله وحده؛ ولهذا كان كلمة الإسلام: "لا إله إلا الله محمد رسول الله". والمشركون يعبدون غير الله. (قلت): فدلت هذه السورة الكريمة على البراءة من عبادة أصنام المشركين وأوثانهم، فأمر الله تعالى نبيه أن يتبرأ من أوثان المشركين

стр. 996

وأصنامهم التي كانت موجودة في الخارج: اللات والعزى ومناة وغيرها. وقد أخبر تعالى عن خليله إبراهيم أنه قال لأبيه وقومه: ﴿مَا تَعْبُدُونَ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ ١ إلى قوله: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢، فصرح بعداوة أصنامهم بأعيانها وهي موجودة في الخارج، واستثنى من معبوداتهم رب العالمين، لأنهم كانوا يعبدون الله، لكنهم يعبدون معه الأصنام؛ فاستثنى المعبود الحق الذي لا تصلح العبادة إلا له. فأخبر تعالى عنه أنه قال لقومه: ﴿أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ ٣، وأخبر عنه أنه قال لقومه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِين وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ ٤ وهي: "لا إله إلا الله" بإجماع أهل الحق؛ فعبر عنها بالبراءة من معبوداتهم التي كانوا يعبدونها في الخارج. فقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ ٥ هو معنى النفي في قوله: "لا إله"، وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ٦ هو معنى "إلا الله"، وهذا كاف في البيان لمثلك الذي قد عرفه معنى "لا إله إلا الله". وهذا المعنى في هذه الكلمة يعرفه حتى المشركون كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ٧. عرفوا أن "لا إله إلا الله" علم على ترك عبادة آلهتهم التي كانوا يعبدونها من أوثانهم وأصنامهم، وكل الفرق يعرفون معناها، حتى أعداء الرسل كما قالت عاد: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ ٨، فعرفوا على شدة كفرهم أنه أراد منهم ترك عبادة ما كان يعبده آباؤهم. [ما نفته لا إله إلا الله] فتبين بهذا أن "لا إله إلا الله" نفت كل ما كان يعبد من دون الله من صنم ومن وثن، من حين حدث الشرك في قوم نوح إلى أن تقوم الساعة.

стр. 997

وهذا المعنى أكثر أهل العلم يسلمونه ويعرفونه، حتى الخوارج والرافضة والمعتزلة والمتكلمون، من كل أشعري وكرامي وماتريدي؛ وإنما اختلفوا في العمل بلا إله إلا الله. فبعضهم يظن أن هذا في حق أناس كانوا فبانوا، فخفي عليهم حقيقة الشرك. وأما الفلاسفة وأهل الاتحاد فإنهم لا يقولون بهذا المعنى ولا يسلمونه، بل يقولون: إن المنفي ب "لا إله إلا الله" كلي، لا يوجد منه في الخارج إلا فرد وهو الله، فهو المنفي وهو المثبت بناء على مذهبهم الذي صاروا به أشد الناس كفرا، وهو قولهم: إن الله هو الموجود المطلق. فلم يخرجوا من ذلك صنما ولا وثنا. ويشبه قولهم هذا أهل وحدة الوجود القائلين بأن الله تعالى هو الموجود بعينه، فيقولون: إن المنفي كلي، والمثبت بقوله "إلا" هو الوجود بعينه. ولا فرق عند الطائفتين بين الخالق والمخلوق، ولا بين العابد والمعبود، كل شيء عندهم هو الله، حتى الأصنام والأوثان، وهو حقيقة قول هذا الرجل سواء. فخذ قولي واقبله -وفقك الله-. فلقد عرفت -بحمد الله- ما أرادوه من قولهم: إن المنفي كلي لا يوجد منه في الخارج إلا فرد. ويدعي هذا مثل ما ادعته هذه الطائفة أن تقدير خبر "لا": موجود. وهذه الكلمة لم توضع لتقرير الوجود، وإنما وضعت لنفي الشرك، والبراءة منه، وتجريد التوحيد، كما دلت عليه الآيات المحكمات البينات، ودعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم. وتقدير خبر "لا" بموجود لا يجري إلا على مذهب الطائفتين -لعنهم الله- على قولهم: إن الله هو الوجود، فلا موجود إلا الله. فهذا معنى قوله: إنه كلي لا يوجد منه في الخارج إلا فرد. فغير المعنى الذي دلت عليه "لا إله إلا الله" من نفي جميع المعبودات التي تعبد من دون الله، والمنفي إنما هو حقيقتها كما قال المسيح ﵇: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي

стр. 998

أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ ١. [كل معبود سوى الله باطل] ولا ريب أن كل معبود سوى الله فهو باطل، والمنفي بـ"لا إله" هي المعبودات الباطلة، والمستثنى بـ"إلا" هو سبحانه، ويدل على هذا قوله تعالى في سورة الحج: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى﴾ ٢، وقال في آخر السورة: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ ٣، وقال في سورة لقمان: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ ٤. فقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ ٥ هو المستثنى بـ"إلا الله"؛ وهو الحق، وقوله: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ ٦ هو المنفي بـ"لا إله"، وما بعد هذا إلا التلبيس على الجهال، وإدخال الشك عليهم في معنى كلمة الإخلاص؛ فكابر المعقول والمنقول بدفعه ما جاء به كل رسول. نسأل الله لنا ولكم علما نستضيء به من جهل الجاهلين، وضلال المضلين، وزيغ الزائغين، وفي الحديث: "رب لا تزغ قلبي بعد إذ هديتني"٧. وقد كان أبو بكر الصديق ﵁ يقرأ في الركعة الأخيرة بعد المغرب: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ ٨. وهذا -بحمد الله- كاف في بيان الحق، وبطلان الباطل. وصلى الله على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما.

стр. 999

مجموعة الرسائل والمسائل النجدية رسائل وفتاوى العلامة الشيخ حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر الحنبلي رحمه الله تعالى طبع بأمر صاحب العظمة السلطان عبد العزيز آل سعود سلطان نجد وملحقاتها لا زال ناشرًا للعلم والدين، ومعزًّا للإسلام والمسلمين أشرف على طبعه وعلق عليه بعض الفوائد السيد محمد رشيد رضا منشئ مجلة المنار الطبعة الأولى في مطبعة المنار بمصر سنة ١٣٤٤

стр. 1000

رسائل وفتاوى الشيخ حمد بن ناصر ... [رسالة الاجتهاد والتقليد] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وبه استعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم﴾ الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. ﴿مسألة﴾: ما قولكم -نوَّر الله قلوبكم لفك المعضلات، ووفقكم للأعمال الصالحات-: هل يلزم المبتدئين المتعلمين الترقي إلى معرفة الدليل الناصّ على كل مسألة، ومعرفة طرقه وصحته؟ أم تقليد المخرجين للحديث أنه صحيح أو حسن، أو يكفيهم العمل بالفقهيات المجردة عن الدليل يغنيهم هذا فيمن طلب العلم وتأهل له. فما الحال في العوام، هل يجزئهم مجرد التقليد؟ وأيضا حكى بعض المتأخرين الإجماع على تقليد الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، فأفيدونا واحتسبوا؛ فإن الحاجة ماسة إلى هذه المباحث، فإن تتفضلوا بطول الجواب، وذكر الدليل ومن قال به، فهو المطلوب. فأجاب الشيخ حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر -رحمه الله تعالى-: الجواب وبالله التوفيق: [فريضة طاعة الله وطاعة رسوله] لا ريب أن الله -سبحانه- فرض على عباده طاعته وطاعة رسوله ﷺ قال الله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ ٢ إلى قوله: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ ٣. ولم يوجب الله على هذه الأمة طاعة أحد بعينه في كل ما يأمر به وينهى عنه، إلا رسول الله ﷺ

стр. 1001

واتفق العلماء على أنه ليس أحد معصوما إلا رسول الله ﷺ . [نهي الأئمة الأربعة عن تقليدهم] وهؤلاء الأئمة الأربعة قد نهوا الناس عن تقليدهم في كل ما يقولون، فقال أبو حنيفة: "علمنا هذا رأي، وهو أحسن ما قدرنا عليه، ومن جاءنا بأحسن منه قبلناه منه". وقال معن بن عيسى: سمعت مالكا يقول: "إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في قولي، فكل ما خالف الكتاب والسنة فاتركوه". وقال ابن القاسم: كان مالك يكثر أن يقول: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ ١. وقال الشافعي: "إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط، وإذا رأيت الحجة على الطريق فهي قولي". والإمام أحمد كان يقول: "لا تقلدوني، ولا تقلدوا مالكا ولا الشافعي ولا الثوري، وتعلموا كما تعلمنا". وكان يقول: "من قلة علم الرجل أن يقلد دينه الرجال". وقال: "لا تقلد دينك الرجال؛ فإنهم لن يسلموا من أن يغلطوا". وقال ابن عبد البر: "أجمعَ الناس على أن المقلد ليس معدودا من أهل العلم، وأن العلم معرفة الحق بدليله". [من شروط القاضي الاجتهاد] ولهذا جعل الفقهاء من شروط القاضي أن يكون مجتهدا، فلا يصح أن يتولاه المقلد، هذا الذي عليه جمهور العلماء. قال في "الإفصاح":٢ اتفقوا على أنه لا يجوز أن يولى القضاء من ليس من أهل الاجتهاد، إلا أبا حنيفة؛ فإنه قال: يجوز ذلك. وقال الموفق في "المغني"٣: يشترط في القاضي ثلاثة شروط: (أحدها): الكمال؛ وهو نوعان: كمال الأحكام، وكمال الخلقة. (والثاني): العدالة. (والثالث): أن يكون من أهل الاجتهاد. وبهذا قال مالك والشافعي وبعض

стр. 1002

الحنفية، وقال بعضهم: يجوز أن يكون عاميا فيحكم بالتقليد؛ لأن الغرض فصل الخصومات، فإذا أمكنه ذلك بالتقليد جاز كما يحكم بقول المقومين، ولنا قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ١، ولم يقل بالتقليد، وقال: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ ٢، وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ٣. وروى بريدة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "القضاة ثلاثة؛ اثنان في النار وواحد في الجنة: رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل جار في الحكم فهو في النار"٤ رواه ابن ماجه ٥. والعامي يقضي على جهل، ولأن الحكم آكد من الفتيا، لأنه فتيا وإلزام، والمفتي لا يجوز أن يكون مقلدا، فالحاكم أولى، انتهى. وقال في "الإنصاف"٦: ويشترط في القاضي أن يكون مجتهدا، هذا المذهب المشهور، وعليه معظم الأصحاب. قال ابن حزم: "يشترط كونه مجتهدا إجماعا"، وقال: "أجمعوا على أنه لا يحل لحاكم ولا لمفت تقليد رجل، فلا يحكم ولا يفتي إلا بقوله". وقال في "الإفصاح": الإجماع انعقد على تقليد كل من المذاهب الأربعة، وأن الحق لا يخرج عنهم، واختار في "الترغيب": ومجتهدًا ٧ في مذهب إمامه للضرورة. واختار في "الإفصاح" و"الرعاية": ومقلدًا، (قلت): وعليه العمل من مدة طويلة وإلا تعطلت أحكام الناس، وقيل في المقلد: يفتي ضرورة.

стр. 1003

وذكر القاضي أن ابن شاقلا اعترض عليه بقول الإمام أحمد: "لا يكون فقيهًا حتى يحفظ أربعمائة ألف حديث"، فقال: إن كنت لا أحفظه فإنني أفتي بقول من يحفظ أكثر منه. قال القاضي: لا يقتضي هذا أنه كان يقلد أحمد لمنعه الفتيا بلا علم. قال بعض الأصحاب: ظاهره تقليده إلا أن يحمل على أخذ طرق العلم عنه. وقال ابن بشار من الأصحاب: لا أعيب على من يحفظ خمس مسائل لأحمد يفتي بها. قال القاضي: هذا منه مبالغة في فضله، وظاهر نقل عبد الله يفتي غير مجتهد، ذكره القاضي، وحمله الشيخ تقي الدين على الحاجة، انتهى ملخصا. [فتوى المقلد وحكمها] وذكر ابن القيم في مسألة التقليد في الفتيا ثلاثة أقوال: (أحدها): أنه لا يجوز الفتوى بالتقليد، لأنه ليس بعلم، والفتوى بغير علم حرام؛ ولا خلاف بين الناس أن التقليد ليس بعلم، وأن المقلد لا يطلق عليه اسم عالم، وهذا قول أكثر الأصحاب، وهو قول جمهور الشافعية. (والثاني): أن ذلك يجوز فيما يتعلق بنفسه، فيجوز أن يقلد غيره من العلماء إذا كانت الفتوى لنفسه، ولا يجوز أن يقلد العالم فيما يفتي به لغيره، وهذا قول ابن بطة وغيره من أصحابنا. (والقول الثالث): أنه يجوز ذلك عند الحاجة وعدم العالم المجتهد، وهو أصح الأقوال، وعليه العمل. انتهى كلام ابن القيم ﵀. فتبين بما ذكرناه أن المقلد ليس بعالم، وأن التقليد إنما يصار إليه عند الحاجة للضرورة، ولكن قد دعت الحاجة والضرورة إليه من زمان طويل، لا سيما في هذا الوقت، وحينئذ فيقال: التقليد ثلاثة أنواع: (أحدها): التقليد بعد قيام الحجة وظهور الدليل على خلاف قول

стр. 1004

المقلَّد، فهذا لا يجوز، وقد اتفق السلف والأئمة على ذمه وتحريمه، قال الشافعي ﵀: أجمع المسلمون على أنه من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس. (النوع الثاني): التقليد مع القدرة على الاستدلال والبحث عن الدليل، فهذا مذمومٌ أيضا لأنه عمل على جهل، وإفتاء بغير علم، مع قدرته وتمكنه من معرفة الدليل المرشد، والله تعالى- قد أوجب على عباده أن يتقوه بحسب استطاعتهم، فقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ١، وقال النبي ﷺ "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"٢. فالواجب على كل عبد أن يبذل جهده في معرفة ما يتقيه مما أمره الله به ونهاه عنه، ثم يلتزم طاعة الله ورسوله. ولم يكلِّف الله عباده ما لا يطيقونه، بل الواجب على العبد ما يستطيعه من معرفة الحق، فإذا بذل جهده في معرفة الحق فهو معذورٌ فيما خفي عليه. (النوع الثالث) التقليد السائغ، وهو تقليد أهل العلم عند العجز عن معرفة الدليل، وأهل هذا النوع نوعان أيضا: (أحدهما): من كان من العوام الذين لا معرفة لهم بالفقه والحديث، ولا ينظرون في كلام العلماء، فهؤلاء لهم التقليد بغير خلاف، بل حكى غير واحد إجماع العلماء على ذلك. (النوع الثاني): من كان محصلا لبعض العلوم قد تفقه في مذهب من المذاهب، وتبصر في كتب متأخري الأصحاب؛ كـ"الإقناع" و"المنتهى" في مذهب الحنابلة، أو "المنهاج" ونحوه في مذهب الشافعية، أو "مختصر خليل" ونحوه في مذهب المالكية، أو "الكنز" ونحوه في مذهب الحنفية، ولكنه قاصر النظر عن معرفة الدليل ومعرفة الراجح من كلام العلماء، فهذا له

стр. 1005

التقليد أيضا، إذ لا يجب عليه إلا ما يقدر عليه، و ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ١. ونصوص العلماء على جواز التقليد لمثل هذا كثيرة مشهورة؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٢، وفي الحديث عن النبي ﷺ : "ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال"٣. ولم تزل العامة في زمن الصحابة والتابعين ومن بعدهم يستفتون العلماء ويتبعونهم في الأحكام الشرعية، والعلماء يبادرون إلى إجابة سؤالهم من غير إشارة إلى ذكر الدليل، ولا ينهونهم عن ذلك من غير نكير؛ فكان إجماعا على جواز اتباع العامي العلماء المجتهدين، ويلزم هذا العامي أن يقلد الأعلم عنده، كما يلزمه في مسألة القبلة، فإذا اجتهد مجتهدان عند اشتباه القبلة فاختلفا في الجهة، اتبع المقلد أوثقهما عنده. ولا يجوز له أن يتبع الرخص، بل يحرم ذلك عليه، ويفسق به. قال ابن عبد البر: "لا يجوز للعامي تتبع الرخص إجماعا". ولا يلزم العامي أن يتمذهب بمذهب يأخذ بعزائمه ورخصه. قال الشيخ تقي الدين في الأخذ برخص المذهب وعزائمه: "طاعة ٤ غير النبي ﷺ في كل أمره ونهيه، وهو خلاف الإجماع"، وتوقف أيضًا في جوازه*. [مَنْ تُؤْخَذ عنه الفتوى] وبالجملة، فالعامي الذي ليس له من العلم حظ ولا نصيب، فرضه التقليد. فإذا وقعت له حادثة استفتى من عرفه عالما عدلا، أو رآه منتصبا للإفتاء والتدريس، واعتبر الشيخ تقي الدين وابن الصلاح الاستفاضة بأنه أهل للفتيا، ورجحه النووي في "الروضة"، ونقله عن أصحابه. وقال الشيخ تقي الدين: "لا يجوز أن يستفتى إلا من يفتي بعلم وعدل".

стр. 1006

فعلى هذا لا يكتفي بمجرد اعتزائه إلى العلم -ولو بمنصب تدريس أو غيره- لا سيما في هذا الزمان الذي غلب فيه الجهل، وقل فيه طلب العلم، وتصدى فيه جهلة الطلبة للقضاء والفتيا، فتجد بعضهم يقضي ويفتي وهو لا يحسن عبارة الكتاب، ولا يعلم صورة المسألة، بل لو طولب بإحضار تلك المسألة -وهي في الكتاب- لم يهتدِ إلى موضعها، فإنا لله وإنا إليه راجعون. لقد هزلت حتى بدا من هزالها ... كلاها وحتى استامها كل مفلس قال في "شرح مختصر التحرير": ويلزم ولي الأمر منع من لم يعرف بعلم أو جُهل حاله من الفتيا. قال ربيعة: بعض من يفتي أحق بالضرب من السراق. ولا تصح الفتيا من مستور الحال، وما يجيب به المقلد عن حكم فإخبار عن مذهب إمامه لا فتيا، قاله أبو الخطاب وابن عقيل والموفق، ويعمل بخبره إن كان عدلا، لأنه ناقل كالراوي. ولعامي تقليد مفضول من المجتهدين عند الأكثر من أصحابنا، منهم القاضي وأبو الخطاب وصاحب "الروضة"، وقاله الحنفية والمالكية وأكثر الشافعية، وقيل: يصح إن اعتقده فاضلا أو مساويا، لا إن اعتقده مفضولا لأنه ليس من القواعد أن يعدل عن الراجح إلى المرجوح. وقال ابن عقيل ١ وابن سريج والقفال والسمعاني: يلزمه الاجتهاد، فيقدم الأرجح، ومعناه قول الخرقي والموفق في "المقنع"، ولأحمد روايتان. ويلزمه -إن بان له الأرجح- تقليده في الأصح، زاد بعض أصحابنا وبعض الشافعية: "في الأظهر، ويقدم الأعلم على الأورع"، ويخير في تقليد أحد مستويين عند أكثر أصحابنا. قال في "الرعاية": ولا يكفيه من تسكن نفسه إليه، بل لا بد من سكون النفس والطمأنينة به. ويحرم عليه

стр. 1007

تتبع الرخص ويفسق به. وإن اختلف مجتهدان بأن أفتاه أحدهما بحكم والآخر بخلافه، تخير في الأخذ بأيهما شاء على الصحيح، اختاره القاضي والمجد وأبو الخطاب، وذكر أنه ظاهر كلام أحمد. وقيل: يأخذ بقول الأفضل منهما علما ودينا، وهذا اختيار الموفق في "الروضة". [التساهل والتقليد في الفتوى] ويحرم تساهل مفت وتقليد معروف به ١، لأن الفتيا أمر خطر، فينبغي أن يتبع السلف الصالح في ذلك؛ فقد كانوا يهابون الفتيا كثيرًا، وقد قال الإمام أحمد: "إذا هاب الرجل شيئا لا ينبغي أن يحمل على أن يقول به". قال بعض الشافعية: من اكتفى في فتياه بقول أو وجه في المسألة من غير نظر في الترجيح، فقد جهل وخرق الإجماع. وذكر عن أبي الوليد الباجي ٢ أنه ذكر عن بعض أصحابهم أنه كان يقول: "الذي لصديقي علي أن أفتيه بالرواية التي توافقه"، قال أبو الوليد: "وهذا لا يجوز عند أحد يعتد به في الإجماع". انتهى كلامه في شرح المختصر ملخصا. وهذا الذي ذكره أبو الوليد ذكر مثله الشيخ تقي الدين وصاحب "الإنصاف" وغيرهما. قال في "الاختيارات": "وأجمع العلماء على تحريم الحكم والفتيا بالهوى، أو بقول أو وجه من غير نظر في الترجيح، ويجب العمل بموجب اعتقاده فيما له وعليه إجماعا". وشروط القضاء تعتبر حسب الإمكان، ويجب تولية الأمثل فالأمثل، وعلى هذا يدل كلام أحمد وغيره؛ فيولى -مع عدم العدل- أنفع الفاسقين وأقلهما شرًّا، وأعدل المقلدين وأعرفهما بالتقليد، فإن كان أحدهما أعلم والآخر أورع: قدم فيما قد يظهر حكمُه ويُخاف الهوى فيه الأورع، وفيما ندر حكمه ويُخاف فيه الاشتباه الأعلم. انتهى.

стр. 1008

[معرفة الدليل ولو للمتعلم] • هل يجب على المتعلم معرفة الدليل؟ (وقول السائل) وفقه الله-: هل يلزم المبتدئين المتعلمين الترقي إلى معرفة الدليل الناص على كل مسألة؟ (جوابه): يعلم مما تقدم، وهو أن عليه أن يتقي الله بحسب استطاعته، فيلزمه من ذلك ما يمكنه، ويسقط عنه ما يعجز عنه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. فلا يهجم على التقليد ويخلد إلى أرضه مع قدرته على معرفة الدليل، لا سيما إذا كان قاضيا أو مفتيا وله ملكة قوية يقوى بها على الاستدلال ومعرفة الراجح؛ فإن الرجل النبيه -الذي له فهم وفيه ذكاء- إذا سمع اختلاف العلماء وأدلتهم في الكتب التي يذكر فيها أقوال العلماء وأدلتهم -كـ"المغني" و"الشرح"١ و"التمهيد" لابن عبد البر ونحو هذه الكتب- يحصل عنده في الغالب ما يعرف به رجحان أحد القولين. فإذا كان طالب العلم متمذهبا بأحد المذاهب الأربعة، ثم رأى دليلا مخالفا لمذهب إمامه، وذلك الدليل قد أخذ به بعض أئمة المذاهب، ولم يعلم له ناسخا ولا معارضا، فخالف مذهبه، واتبع الإمام الذي قد أخذ بالدليل، كان مصيبا في ذلك؛ بل هذا الواجب عليه، ولم يخرج بذلك عن التقليد فهو مقلد لذلك الإمام، فيجعل إماما بإزاء إمام، ويبقى له الدليل بلا معارض. قال في "الاختيارات": من كان متبعا لإمام فخالفه في بعض المسائل، لقوة الدليل، أو لكون أحدهما أعلم وأتقى، فقد أحسن. وقال أبو العباس في موضع آخر: بل يجب عليه، وإنَّ أحمد نص عليه،

стр. 1009

ولم يقدح ذلك في عدالته بلا نزاع. وقال -أيضا-: أكثر من يميز في العلم من المتوسطين، إذا نظر وتأمل أدلة الفريقين بقصد حسن ونظر تام، ترجح عنده أحدهما؛ لكن قد لا يثق بنظره، بل يحتمل أن عنده ما لا يعرف جوابه، والواجب على مثل هذا موافقته للقول الذي ترجح عنده بلا دعوى منه للاجتهاد، كالمجتهد في أعيان المفتين والأئمة إذا ترجح عنده أحدهما قلده، والدليل الخاص الذي يرجح به قول على قول أولى بالاتباع من دليل عام، على أن أحدهما أعلم أو أدين، لأن الحق واحد ولا بد، ويجب أن ينصب الله على الحكم دليلا ١. انتهى. وقال الشيخ تقي الدين في بعض أجوبته*: قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين"٢، ولازم ذلك أن من لم يفقهه في الدين لم يرد به خيرا؛ فيكون التفقه في الدين فرضا. والفقه في الدين معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها السمعية، فمن لم يعرف ذلك لم يكن متفقها. لكن من الناس من قد يعجز عن الأدلة التفصيلية في جميع أموره، فيسقط عنه ما يعجز عن معرفته، ويلزمه ما يقدر عليه. [تقليد القادر على الاستدلال] وأما القادر على الاستدلال فقيل: يحرم عليه التقليد مطلقا. وقيل: يجوز مطلقا. وقيل: يجوز عند الحاجة، كما إذا ضاق الوقت عن الاستدلال. وهذا القول أعدل الأقوال. والاجتهاد ليس هو أمرا واحدا لا يقبل التجزي والانقسام، بل قد يكون الرجل مجتهدا في فن أو باب أو مسألة دون فن وباب ومسألة؛ وكل أحد فاجتهاده بحسب وسعه. فمن نظر في

стр. 1010

مسألة: تنازع فيها العلماء، ورأى مع أحد القولين نصوصا لم يعلم لها معارضا بعد نظر مثله فهو بين أمرين: إما أن يتبع قول القائل الأخير لمجرد كونه الإمام الذي اشتغل على مذهبه، ومثل هذا ليس بحجة شرعية، بل مجرد عادة يعارضها عادة غيره باشتغاله على مذهب إمام آخر. وإما أن يتبع القول الذي ترجح في نظره بالنصوص الدالة عليه، وحينئذ فيكون موافقته لإمام يقاوم به ذلك الإمام، وتبقى النصوص سالمة في حقه عن المعارض بالعمل، فهذا هو الذي يصلح. وإنما تنزلنا هذا التنزل لأنه قد يقال: إن نظر هذا قاصر، وليس اجتهاده تاما في هذه المسألة، لضعف آلة الاجتهاد في حقه؛ أما إذا قدر على الاجتهاد التام -الذي يعتقد معه أن القول الآخر ليس معه ما يدفع به النصوص- فهذا يجب عليه اتباع النصوص، وإن لم يفعل كان متبعا للظن وما تهوى الأنفس، وكان من أكبر العصاة لله ورسوله. بخلاف من يقول: قد يكون للقول الآخر حجة راجحة على هذا النص وأنا لا أعلمها، فهذا يقال له: قد قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ١، وقال النبي ﷺ "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"٢. والذي تستطيعه من العلم والفقه في هذه المسألة قد دلَّك على أن هذا القول هو الراجح، فعليك أن تتبع ذلك، ثم إن تبين لك فيما بعد أن للنص معارضا راجحا كان حكمك في ذلك حكم المجتهد المستقل إذا تغير اجتهاده. وانتقال الإنسان من قول إلى قول لأجل ما تبين له من الحق هو محمود فيه، بخلاف إصراره على قول لا حجة معه عليه، وترك القول الذي ترجحت حجته، وأما الانتقال عن قول إلى قول لمجرد عادة واتباع هوى فهذا مذموم. وإذا كان الإمام المقلد قد سمع الحديث وتركه -لا سيما إن كان قد رواه

стр. 1011

أيضا- فمثل هذا لا يكون عذرا في ترك النص؛ فقد بيَّنا فيما كتبناه في "رفع الملام عن الأئمة الأعلام" نحوًا من عشرين عذرًا للأئمة في ترك العمل ببعض الحديث، وبيَّنا أنهم يعذرون في الترك لتلك الأعذار. وأما نحن فلسنا معذورين في تركنا لهذا القول، فمن ترك الحديث لاعتقاده أن ظاهر القرآن يخالفه أو القياس أو عمل بعض الأمصار -وقد تبين لآخر أن ظاهر القرآن لا يخالفه، وأن نص الحديث الصحيح مقدم على الظواهر ومقدم على القياس والعمل-، لم يكن عذر ذلك الرجل عذرا في حقه. فإن ظهور المدارك الشرعية للأذهان وخفاءها عنها أمر لا ينضبط طرفاه، لا سيما إذا كان التارك للحديث معتقدا أنه قد ترك العمل به المهاجرون والأنصار من أهل المدينة النبوية، الذين يقال: إنهم لا يتركون الحديث إلا لاعتقادهم أنه منسوخ أو له معارض راجح، وقد بلغ من بعده أن المهاجرين والأنصار لم يتركوه، بل عمل به طائفة منهم أو من سمعه منهم، ونحو ذلك مما يقدح في هذا المعارض. وإذا قيل لهذا المستهدي المسترشد: "أنت أعلم أم الإمام الفلاني؟ " كانت هذه معارضة فاسدة، لأن الإمام الفلاني قد عارضه في هذه المسألة من هو نظيره من الأئمة، فكما أن الصحابة بعضهم لبعض أكفاء في موارد النزاع، وإذا تنازعوا في شيء رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول -وإن كان بعضهم قد يكون أعلم في مواضع أخر- فكذلك موارد النزاع بين الأئمة. وقد ترك الناس قول عمر وابن مسعود في مسألة "تيمم الجنب"، وأخذوا بقول من هو دونهما، كأبي موسى الأشعري وغيره لما احتج بالكتاب والسنة، وتركوا قول عمر في "دية الأصابع"، وأخذوا بقول معاوية لما كان معه السنة أن النبي ﷺ قال: "هذه وهذه سواء"١. وقد كان بعض الناس يناظر ابن

стр. 1012

عباس في "المتعة"، فقال له: إن أبا بكر وعمر يقولان .. فقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله ﷺ وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟! وكذلك ابن عمر لما سألوه عنها فأمر بها، فعارضوه بقول عمر، فبيَّن أن عمر يرد ما يقولونه، فألَّحُوا عليه، فقال: أمر رسول الله ﷺ أحقُّ أن يُتَّبع أم أمر عمر؟ مع علم الناس أن أبا بكر وعمر أعلم ممن هو فوق ابن عمر وابن عباس. ولو فُتح هذا الباب لوجب أن يعرض عن أمر الله ورسوله ﷺ ويبقى كل إمام في أتباعه بمنزلة النبي في أمته، وهذا تبديل للدين يشبه ما عاب الله به اليهود والنصارى في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ١. انتهى كلام الشيخ -رحمه الله تعالى-. [تقليد نقاد الحديث] • بحث تقليد نقاد الحديث في صحته وغيرها: وأما سؤال السائل عن الترقي إلى معرفة طرق الحديث وصحته، أم تقليد المخرجين للحديث في أنه صحيح أو حسن يكفيهم. فجوابه: أن ذلك يكفيهم. قال في "شرح مختصر التحرير": ويُشترط في المجتهد أن يكون عالما بصحة الحديث وضعفه سندا ومتنا، ولو كان علمه بذلك تقليدا، كنقله من كتاب صحيح من كتب الحديث المنسوبة إلى الأئمة، كمالك، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والدارقطني، والحاكم ونحوهم، لأنهم أهل المعرفة بذلك، فجاز الأخذ بقولهم كما يؤخذ بقول المقومين في القيم، انتهى. وقال في "مسودة بني تيمية": العامي الذي ليس معه آلة الاجتهاد في الفروع يجوز له التقليد فيها عند الشافعية والجمهور، قال أبو الخطاب: ويجوز

стр. 1013

له الرجوع إلى أهل الحديث في الخبر، وكون سنده صحيحا أو فاسدًا، ولا يلزمه أن يتعلم ذلك بالإجماع، انتهى. وقال عبد الرحيم بن الحسين العراقي في ألفيَّته: وأخذ متن من كتاب لعمل ... أو احتجاج حيث ساغ قد جعل عرضًا له على أصول يشترط ... وقال يحيى النووي أصل فقط ثم قال المؤلف في شرحه: أي: وأخذ الحديث من كتاب من الكتب المعتمدة لعمل به أو احتجاج به، إن كان ممن يسوغ له العمل بالحديث أو الاحتجاج به، جعل ابن الصلاح شرطه أن يكون ذلك الكتاب مقابلا بمقابلة ثقة على أصول صحيحة متعددة مروية بروايات متنوعة. قال النووي: فإن قابلها بأصل معتمد محقق أجزأه. وقال ابن الصلاح في قسم الحسن، حين ذكر أن نسخ الترمذي تختلف في قوله: حسن، أو حسن صحيح ونحو ذلك: "فينبغي أن تصحح أصلك بجماعة أصول، وتعتمد على ما اتفقت عليه. فقوله: "ينبغي" قد يشير إلى عدم اشتراط ذلك، وإنما هو مستحب، وهو كذلك. انتهى كلام العراقي. وقال أبو الحسن البكري الشافعي في كتابه "كنز المحتاج على المنهاج" -لما ذكر أن من شروط القاضي أن يكون مجتهدا إلا إذا فوضت إليه واقعة خاصة-: فيكفي الاجتهاد في تلك الواقعة بناء على تجزئ الاجتهاد وهو الأصح ... إلى أن قال: وقد يحصل الاجتهاد في باب دون باب آخر، ولا حاجة لتتبع الأحاديث، بل يكفي أصل مصحح اعتني فيه بجمع أحاديث الأحكام -كسنن أبي داود- ولا أن يعرف مواقع كل باب فيراجعه عند الحاجة، ولا إلى البحث عن رواة حديث أجمع السلف على قبوله أو تواترت عدالة

стр. 1014

رواته ويقظتهم، وما عداه يكتفي في رواته بتعديل إمام مشهور عرفت صحة مذهبه جرحا وتعديلا، ولا إلى ضبط جميع مواضع الإجماع والاختلاف، بل يكفي معرفته بعدم مخالفة قوله الإجماع لموافقته بتقدم عليه أو غلبة ظن بتوليها في عصره، وكذا في معرفة الناسخ والمنسوخ، انتهى. وقال في "شرح الروض" للقاضي زكريا -لما ذكر أن من شروط القاضي أن يكون مجتهدا- قال: والمجتهد من علم ما يتعلق بالأحكام من الكتاب والسنة، وعرف منها العام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والنص والظاهر، والناسخ والمنسوخ، والمتواتر والآحاد، والمرسل والمتصل، وعدالة الرواة وجرحهم، وأقاويل الصحابة ﵃ فمن بعدهم ... إلى أن قال: ولا يشترط التبحر في هذه العلوم، بل يكفي معرفة جمل منها، وأن يكون له في كتب الحديث أصل صحيح يجمع أحاديث الأحكام -كسنن أبي داود- فيعرف كل باب، فيراجعه إذا احتاج إلى العمل به. ويكتفي في البحث عن الآحاد بما قبله منها السلف وتواترت أهلية رواته من العدل والضبط، وما عداه يكتفي في أهلية رواته بتأهل إمام مشهور عرفت صحة مذهبه في الجرح والتعديل. ثم اجتماع هذه العلوم إنما يشترط في المجتهد المطلق الذي يفتي في جميع أبواب الشرع، ويجوز أن يتبعض الاجتهاد، بأن يكون العالم مجتهدا في باب دون باب، فيكفيه علم ما يتعلق بالباب الذي يجتهد فيه. انتهى كلام القاضي. فتبين -بما ذكرناه من النقول- جواز الاعتماد على نقل الأحاديث من الكتب المصححة، وكذلك التقليد لأهل الجرح والتعديل في تصحيح الحديث أو تضعيفه، والله -سبحانه- أعلم.

стр. 1015

[تقليد الأئمة الأربعة] • ما قيل في تقليد الأئمة الأربعة: (وأما قول السائل) -وفقه الله لفهم المسائل-: حكى بعض المتأخرين الإجماع على تقليد الأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ﵏. فنقول: هذا الإجماع حكاه غير واحد من المتأخرين، وكلهم نسبوه إلى الوزير أبي المظفر يحيى بن هبيرة صاحب "الإفصاح عن معاني الصحاح"؛ فإنه ذكر نحوا من هذه العبارة، وليس مراده أن الإجماع منعقد على وجوب تقليد هؤلاء الأئمة الأربعة، وأن الاجتهاد بعد استقرار هذه المذاهب لا يجوز، فإن كلامه يأبى ذلك؛ وإنما أراد الرد على من اشترط في القاضي أن يكون مجتهدا، وأن المقلد لا ينفذ قضاؤه، كما هو مذهب كثير من العلماء المتقدمين والمتأخرين. وحمل كلام من اشترط في القاضي أن يكون مجتهدا على ما كانت عليه الحال قبل استقرار هذه المذاهب الأربعة، وأما بعد استقرار هذه المذاهب فيجوز تولية المقلد لأهلها، وينفذ قضاؤه. وليس في كلامه ما يدل على أنه يجب التقليد لهؤلاء الأئمة؛ بحيث أنْ يُلزم الرجل أن يتمذهب بأحد هذه المذاهب الأربعة، ولا يخرج عن مذهب من قلده كما قد يتوهم؛ بل كلامه يخالف ذلك ولا يوافقه. وعبارته في "الإفصاح": اتفقوا على أنه لا يجوز أن يولى القضاء من ليس من أهل الاجتهاد، إلا أبا حنيفة فإنه قال: "يجوز ذلك". ثم قال: والصحيح في هذه المسألة أن قول من قال: لا يجوز تولية قاض حتى يكون من أهل الاجتهاد، فإنه -إنما عنى به- ما كانت الحال عليه قبل استقرار هذه المذاهب الأربعة التي أجمعت الأمة أن كل واحد منها يجوز العمل به لأنه مستند إلى سنة رسول الله ﷺ .

стр. 1016

"فالقاضي الآن، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد، ولا يسعى في طلب الأحاديث وابتغاء طرقها، ولا عرف من لغة الناطق بالشريعة ﷺ ما لا يعوزه معه معرفة ما يحتاج إليه فيه، وغير ذلك من شروط الاجتهاد، فإن ذلك مما قد فرغ منه، ودأب له فيما سواه، وانتهى له الأمر من هؤلاء الأئمة المجتهدين إلى ما أراحوا به من بعدهم، وانحصر الحق في أقاويلهم، ودونت العلوم، وانتهت إلى ما اتضح فيه الحق. فإذا عمل القاضي في أقضية بما يأخذ عنهم -أو عن الواحد منهم, فإنه في معنى من كان أداه اجتهاده إلى قول قاله. وعلى ذلك، فإنه إذا خرج من خلافهم -متوخيا مواطن الاتفاق ما أمكنه- كان آخذا بالحزم، عاملا بالأولى، وكذلك إذا قصد في مواطن الخلاف توخي ما عليه الأكثر منهم، والعمل بما قاله الجمهور دون الواحد؛ فإنه قد أخذ بالحزم والأحوط والأولى، مع جواز علمه أن يعمل بقول الواحد. إلا أنني أكره له أن يكون ذلك، من حيث إنه قد قرأ مذهب واحد منهم، أو نشأ في بلدة لم يعرف فيها إلا مذهب إمام واحد منهم، أو كان شيخه ومعلمه على مذهب فقيه من الفقهاء، فقصر نفسه على اتباع ذلك المذهب. حتى إنه إذا حضر عنده خصمان، وكان ما تشاجرا فيه مما يفتي الفقهاء الثلاثة فيه بحكم نحو الوكيل بغير رضاء الخصم، وكان الحاكم حنفيا، وقد علم أن مالكا والشافعي وأحمد اتفقوا على جواز هذا التوكيل، وأن أبا حنيفة يمنعه، فعدل عما اجتمع عليه هؤلاء الأئمة الثلاثة إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة، من غير أن يثبت عنده بالدليل ما قاله، ولا أداه اجتهاده إلى أن أبا حنيفة أولى بالاتباع مما اتفق الجماعة عليه، فإني أخاف على هذا من الله بأنه اتبع في ذلك هواه، وأنه ليس من الذين ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ

стр. 1017

فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾. وكذلك إن كان القاضي مالكيا، فاختصم إليه اثنان في سؤر الكلب، فقضى بطهارته مع علمه بأن الفقهاء كلهم قضوا بنجاسته. وكذلك إن كان القاضي شافعيا، فاختصم إليه اثنان في متروك التسمية عمدا، فقال أحدهما: هذا منعني من بيع شاة مذكاة. فقال الآخر: إنما منعته من بيع الميتة. فقضى عليه بمذهبه وهو يعلم أن الأئمة الثلاثة على خلافه. وكذلك إن كان القاضي حنبليا، فاختصم إليه اثنان، فقال أحدهما: لي عليه مال. فقال الآخر: كان له علي مال فقضيته. فقضى عليه بالبراءة من إقراره، مع علمه بأن الأئمة الثلاثة على خلافه، فإن هذا وأمثاله -مما توخى اتباع الأكثرين فيه- أقرب عندي إلى الإخلاص، وأرجح في العمل. "وبمقتضى هذا فإن ولايات الحكام في وقتنا هذا صحيحة، وإنهم قد سدُّوا ثغرًا من ثغور الإسلام سَدُّهُ فرْضُ كفاية، ولو أهملت هذا القول ولم أذكره، ومشيت على الطريق التي يمشي عليها الفقهاء، الذين يذكر كل منهم في كتابٍ إنْ صَنَّفه، أو كلامٍ إنْ قالَهُ، أنَّه لا يصح أن يكون قاضيا، إلا من كان من أهل الاجتهاد. ثم يذكر من شروط الاجتهاد أشياء ليست موجودة في الحكام، فإن هذا كالإحالة والتناقض، وكأنه تعطيل للأحكام وسد لباب الحكم، وأن لا ينفذ حق، ولا يكاتب به، ولا يقام بينة، إلى غير ذلك من القواعد الشرعية، وهذا غير صحيح، بل الصحيح في المسألة أن ولاة الحكام جائزة، وأن حكوماتهم اليوم صحيحة نافذة، وولاياتهم جائزة شرعا. انتهى كلام ابن هبيرة ﵀ ١.

стр. 1018

فقد تضمن هذا الكلام أن تولية المقلد جائزة إذا تعذرت تولية المجتهد، لأنه ذكر أن شروط الاجتهاد ليست موجودة في الحكام، وأن هذا كالإحالة، وكأنه تعطيل للأحكام وسد لباب الحكم، فينفذ قضاء المقلد للحاجة لئلا تتعطل الأحكام. وهكذا قال غير واحد من المتأخرين، الذين يذكرون أن من شروط القاضي أن يكون مجتهدا يذكر هذا، ثم يذكر القول الثاني أنه يجوز تولية المقلد للضرورة، كما ذكره متأخرو الحنابلة والمالكية والشافعية. وتضمن أيضا كلام ابن هبيرة أن إجماع الأئمة الأربعة حجة، وأن الحق لا يخرج عن أقوالهم، فلا يخرج القاضي عما أجمعوا عليه، فإن اختلفوا فالأولى أن يتبع ما عليه الأكثر، وصرح بأنه يكره له أن يقضي بما انفرد به الواحد منهم عما عليه الثلاثة، لكونه مذهب شيخه أو أهل بلده، وذكر أنه يخاف على هذا أن يكون متبعا لهواه. وتضمن كلامه -أيضا- أن الإجماع انعقد على تقليد كل واحد من المذاهب الأربعة دون من عداهم من الأئمة؛ لأن مذاهبهم مدونة قد حررت، ونقحها أتباعهم، بخلاف أقوال غيرهم من الأئمة، فلأجل هذا جاز تقليدهم، فليس في كلامه إلا حكاية الإجماع على جواز تقليدهم لا على وجوبه. بل صرح بأن القاضي لا ينبغي له الاقتصار على مذهب واحد منهم لا يفتي إلا به، بل ذكر أن الأولى للقاضي أن يتوخى مواطن الاتفاق

стр. 1019

إن وجده، وإلا توخى ما عليه الأكثر، فيعمل بما قاله الجمهور، لا بما قاله الواحد منهم مخالفا الأكثر. فقضية كلامه أن المقلد لا يخرج عن أقوال الأئمة الأربعة، بل يجتهد في أقوالهم، ويتوخى ما عليه أكثرهم، إلا أن يكون للواحد منهم دليل، فيأخذ بقول من كان الدليل معه، فيكون من ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ ١. وهذا من جنس ما أشرنا إليه فيما تقدم، من أن المقلد إذا كان نبيها، وله ملكة قوية، ونظر فيما تنازع فيه الأئمة الأربعة، وأمعن النظر في أدلتهم وتعليلاتهم، تبين له الراجح من المرجوح، وحينئذ فيعمل بما ترجح عنده أنه الصواب، ولا يخرج بذلك عن التقليد. فإذا كان الرجل شافعيا أو حنبليا، ونظر في كتب الخلاف، ووجد دليلا صحيحا قد استدل به مالك فعمل بالدليل، كان هذا هو المناسب في حقه، فيجعل إماما بإزاء إمام، ويسلم له الدليل بلا معارض. وليس هذا من الاجتهاد المطلق، بل هو من الاجتهاد المقيد، فهو يتبع الدليل، ويقلد الإمام الذي قد أخذ به. وأما الأخذ بالدليل من غير نظر كلام العلماء فهو وظيفة المجتهد المطلق، وأما المقلد الذي لم يجتمع فيه الشروط، ففرضه التقليد وسؤال أهل العلم. قال عبد الله بن الإمام أحمد: سألت أبي عن الرجل تكون عنده الكتب المصنفة فيها قول رسول الله ﷺ واختلاف الصحابة والتابعين، وليس للرجل بصر بالحديث الضعيف المتروك، ولا الإسناد القوي من الضعيف، فيجوز أن يعمل بما شاء، ويتخير ما أحب منها، فيفتي به ويعمل به؟ قال: لا يعمل حتى يسأل ما يؤخذ به منها، فيكون يعمل على أمر صحيح، يسأل عن ذلك أهل العلم. انتهى كلامه.

стр. 1020

[طالب العلم يمكنه معرفة الراجح من الكتب الكبار] وأما إذا وجد الحديث قد عمل به بعض الأئمة المجتهدين، ولا يعلم عند غيره حجة يدفع بها الحديث فعمل به، كان قد عمل بالحديث، وقلد هذا الإمام المجتهد في تصحيحه وعدم ما يعارضه، فيكون متبعا للدليل غيرَ خارجٍ عن التقليد. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀*: طالب العلم يمكنه معرفة الراجح من الكتب الكبار، التي يذكر فيها مسائل الخلاف، ويذكر فيها الراجح، مثل كتاب "التعليق" للقاضي أبي يعلى، و"الانتصار" لأبي الخطاب، و"عمل الأدلة" لابن عقيل، و"تعليق" القاضي يعقوب البرزيني وأبي الحسن الزاغوني. ومما يعرف منه ذلك كتاب "المغني" للشيخ أبي محمد، وكتاب "شرح الهداية" لجدنا أبي البركات، ومن كان خبيرا بأصول أحمد ونصوصه عرف الراجح في مذهبه في عامة المسائل، ومن كان له بصر بالأدلة الشرعية عرف الراجح في الشرع. وأحمد ﵀ أعلم من غيره بالكتاب والسنة، وأقوال الصحابة ﵃، والتابعين لهم بإحسان ﵏؛ ولهذا لا يكاد يوجد له قول يخالف نصا كما يوجد لغيره، ولا يوجد قول ضعيف -في الغالب- إلا وفي مذهبه ما يوافق القول القوي، وأكثر مفاريده التي لم يختلف فيها مذهبه يكون قوله فيها راجحا. انتهى كلامه ﵀. وهو موافق لما ذكره صاحب "الإفصاح" من أن القاضي عليه أن يتوخى إصابة الحق، فيتوخى مواطن الاتفاق، فيعمل بما اتفقوا عليه، فإن لم يكن الحكم متفقا نظر فيما عليه الجمهور إذا لم يكن مع مخالفهم دليل، فليس الناظر في كتب الخلاف ومعرفة الأدلة بخارج عن التقليد. وليس في كلام صاحب "الإفصاح" ما يقتضي التمذهب بمذهب لا يخرج عنه، بل كلامه
следующие страницы →