Полный текст (7 151 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
والثاني: أن أكل السم حرام والتداوي به متداول، وقيل: إن السقمونيا سم قاتل، ولهذا من استكثر منه في الدواء قتله، ثم يجوز التداوي به كذلك كل حرام. فأما الخبر، فمعناه أن ما فيه شفاؤكم مما حرم عليكم.
فأما شرب الخمر من العطش وللتداوي، فالظاهر من مذهب الشافعي أنه لا يحل شربها من العطش ولا للتداوي، وذهب بعض البغداديين من أصحابه إلى جواز شربها للعطش لا للتداوي، ولأن ضرر العطش عاجل، وضرر الداء آجل وذهب بعض البصريين من أصحابه أن جواز شربها للتداوي دون العطش، لأنها متعينة في الدواء وغير متعينة في العطش.
وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري: يجوز شربها في العطش والتداوي.
والدليل على تحريمها في الحالين ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "الخمر داء"ا؛ ولأنها تزيد في العطش ولا تروى؛ ولأنها تحدث من السكر ما يزيل العقل، وتمنع الفرائض، ولأن شربها في أحد الحالين ذريعة إلى شربها مع عدم تلك الحال، لأن الشهوة رغيبة عليها؛ ولذلك حرم إمساكها، ووجب الحدّ على شاربها، وهكذا كل مسكر فهو خمر.
مسألة:
قال الشافعي فيما وضعه بخطه لا أعلمه سمع منه: "إن مر المضطر بنمر أو زرع لم أرَ بأساً أن يأكل ما يرد به جوعه ويرد قيمته ولا أرى لصاحبه منعه فضلاً عنه وخفت أن يكون أعان على قتله إذا خاف عليه بالمنع الموت "
قال في الحاوي: أما غير المضطر إذا مرّ بثمرة غيره على نخلها أو شجرها، لم يحل له أن يأكل منها بغير إذن مالكها سواء كانت بارزة أو من وراء جدار.
وقال بعض أصحاب الحديث: ينادي على الباب ثلاثاً، فإن أجابوه، وإلا دخل، وأكل، ولم يدخر، احتجاجا برواية نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إذا مرّ أحدكم بحائط غيره، فليدخل، فليأكل، ولا يتخذ خبنة " أي: لا يحمل منه شيئا، وهذا المذهب فاسد لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه ".
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يحلبن أحدكم ماشية أخيه بغير إذنه، ضروع مواشيكم خزائن طعامكم، أو يحب أحدكم أن يدخل لخربة أخيه، فيأخذ ما فيها بغير إذنه " فنص على ألبان المواشي، ونبه على ثمار النخل، لأن اللبن أسهل: لأنه مستخلف في كل يوم، ومن الثمار ما لا يستخلف إلا من كل عام.
стр. 1892
فأما الخبر فمحمول على المضطر، فأما سواقط النخل والشجر من الثمار، وهو ما تساقط منها على الأرض؛ فإذ كانت من وراء جدار قد أحرزها لم يجز للمار أن يتعرض لأخذها؛ لأن الحرز يمنع منها، وان كانت بارزة غير محرزة فإن لم تجر عادة أهلها بإباحتها حرم أخذها، وان جرت عادتهم بإباحتها كثمار النخل بالبصرة والمدينة، فقد اختلف أصحابنا في العادة، هل تجري مجرى الإذن في الإباحة أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: أنها كالإذن، فيحل لكل مار بها أن يأكل منها، ولا يدخره ولا يتعرض لغير السواقط، وقد حكي أن بعض العرب دخل حائطاً بالمدينة، فجعل يأكل من سواقط النخل، فرآه صاحب الحائط، فدعاه، وعرض عليه الأكل، فامتنع وقال: إنما هاج علي كلب الجوع، فسكنته بتمرات.
والثاني: أن العادة لا تكون إذناً، ولا يستبيح المار أكل السواقط إلا بإذن صريح؛ لأن جميعه ملك لأربابه، ونفوس الناس فيه مختلفة، بالشح والسخاء، فلم يكن عموم العرف فيه مقنعاً.
فصل:
فأما المضطر إذا مر بثمرة أو ز، ح أو طعام لغيره، فلا يخلو إما أن يكون مالكه حاضراً أو غائباً، فإن كان غائباً كان للمضطر أن يأكل منه محرزاً كان أو بارزاً، وفي قدر ما يأكل منه قولان، كالميتة:
أحدهما: قدر ما يمسك رمقه.
والثاني: أن يشبع منه؛ لأنه لما استباح بالضرورة ما تعلق بحقوق الله تعالى من تحريم الميتة استباح بها مما تعلق بحقوق الآدميين من الأموال، فإذا أكل منها قدر الإباحة، فثمن قيمته لمالكه؛ لأن الضرورة إنما دعت إلى الأكل، ولم تدع إلى سقوط الغرم، فإن كان موسراً عجل دفع القيمة، وان كان معسراً أنظر بها إلى ميسرته.
وذهب بعض أصحابنا إلى أنه لا يجب عليه قيمة ما أكل؟ لأنه يصير بالضرورة كالاستباحة التي لا تضمن من الميتة، وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أن الميتة لا قيمة لها، وللطعام قيمة.
والثاني: أن الميتة لا مالك لها، وللطعام مالك، وإن كان صاحب الطعام حاضراً، فعلى المضطر أن يستأذنه في الأكل بعد إخباره بضرورته، وعلى مالك الطعام إذا علم بحاله أن يأذن له في الأكل استحياء لنفسه لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [المائدة: ٣٢] ولما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من أعان على قتل مسلم، ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله" ولأنه لو قدر على
стр. 1893
استنقاذه بماله من تلف كغرق أو حريق وجب عليه كذلك إذا قدر على استنفاذه بماله من تلف الجوع.
وإذا كان كذلك لم يدخل حال المالك من أن يأذن له في الأكل أو لا يأذن فإن أذن له في الأكل لم يخل حال إذنه من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يأذن له بإباحة الأكل، فللمضطر أن يأكل منه حتى ينتهي إلى حد الشبع قولاً واحداً؛ لأنه قد صار بالإباحة كطعام الولائم التي يجوز الشبع منها، ولا يجوز له الزيادة على شبعه، ولا يأخذ منها بعد الأكل شيئاً.
والقسم الثاني: أن يأذن له في المأكل بعوض، فهذا على ضربين:
أحدها: أن لا يذكر قدر العوض، فللمضطر أن يأكل، وعليه قيمة ما أكل في وقته بمكانه، وله أن ينتهي إلى حد الشبع.
والثاني: أن يذكر له قدر العوض، فهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون ثمن مثله، فله أن يأكل، فإن أفرد له ما يأكله حين سمى ثمنه صحّ الثمن، وكان له أن يأكل ما أفرده، فإن فضل منه فضلة أخذها؛ لأنه قدر ملكها بابتياع صحيح، وان لم يفرد ما سمي ثمنه قبل الأكل لزم المضطر قيمة ما أكل سواء كان أقل من المسمى أو أكثر، لأن ما يأكله مجهولاً لا يصح فيه ثمن مسمى.
والثاني: أن يكون ما سماه من الثمن أكثر من ثمن مثله، فيكون بطلب الزيادة من المضطر آثماً، وينظر، فإن لم يفرد ما سمى ثمنه لم يلزم المضطر فيما أكل إلا قيمته بمكانه في وقته، وبطل المسمى وان أفرد ما سمى ثمنه، ففي قدر ما يلزم المضطر إذا أكله وجهان:
أحدهما: الثمن المسمى لما تضمنه من عقد لازم.
والثاني: ثمن القتل دون المسمى لنهي رسول الله ﷺ عن بيع المضطر، وهو هذا وأصح من هذين الوجهين المطلقين عندي أن ينظر، فإن كانت الزيادة في الثمن لا تشق على المضطر ليساره، فهو في بذلها غير مكره، فلزمته وإن كانت شاقة عليه لإعساره، فهو من بذلها مكره، فلم تلزمه.
والقسم الثالث: أن يأذن له في الأكل إذناً مطلقاً من غير تصريح بإباحة ولا معاوضة، فله أن يأكل حتى حتى ينتهي إلى حد الشبع كطعام الولائم، ولا قيمة عليه؛ لأن عرف الاستطعام والإطعام موضوع على المواساة، دون المعاوضة، فأوجب إطلاق الإذن حمله على العرف والمعهود فيه.
فلو اختلف في الإذن، فقال المالك: أذنت لك في أكله بعوض لي عليك.
وقال المضطر: بل أذنت لي في الأكل مبيحاً، فلا عوض لك علي فالقول قول
стр. 1894
المالك مع يمينه، لأنه مالك.
فإذ اختلف في قدر القيمة، فالقول قول المضطر مع يمينه لأنه غارم.
فصل:
وان لم يأذن له مالك الطعام في الأكل، فلا يخلو المضطر من ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يقدر على أخذ الطعام منه بغير قتال، فله أن يأخذ الطعام جبراً ولا يتعدى الآخذ إلى قتاله، وفي قدر ما يستبيح أخذه منه قولان:
أحدهما: قدر ما يمسك به رمقه.
والثاني: ما ينتهي به إلى حدّ الشبع، ويأكله في موضعه، ولا يحمله، لأن ضرورته معتبرة في مكانه. وقد يجوز أن تزول الضرورة إن زال عنه، فإذا أكله كانت عليه قيمته بمكانه في وقته.
والحال الثانية: أن لا يقدر على أخذه، ولا على قتاله عليه، فمالك الطعام عاص بالمنع، ومعصيته إن أفضت إلى تلف المضطر أعظم، لكن لا يضمنه بقود ولاية لأنه لم يكن منعه فعلأ يتعلق به الضمان.
ولو قيل: إنه يضمن ديته كان مذهباً؛ لأن الضرورة قد جعلت له في طعامه حقاً، فصار منعه منه كمنعه من طعام نفسه، وهو لو منع إنساناً من طعام نفسه حتى مات جوعاً ضمن ديته كذلك إذا منعه من طعام قد صار حقه متعلقاً به وجب أن يضمن ديته.
والحال الثالثة: أن لا يقدر المضطر على أخذه إلا بقتاله عليه، فله أن يقاتله عليه، وهل يجب عليه أن يقاتله حتى يصل إلى طعامه أم لا على وجهين ممن أريدت نفسه هل يجب عليه المنع منها؟
أحدهما: يجب عليه أن يقاتله؛ ليصل إلى إحياء نفسه بطعامه، كما يجب عليه أكل الميتة لإحياء نفسه بها.
والثاني: أن القتال مباح له، وليس بواجب عليه؛ لأن مالك الطعام لا ينفك في الأغلب من دين أو عقل يبعثه كل واحد منهما على إحياء المضطر بماله فجاز أن يكون موكولاً إليه، وخالف أكل الميتة في الوجوب؛ لأنه لا سبيل إلى إحياء نفسه إلا بها، فإذا شرع في قتاله توصل بالقتال إلى أخذ ما يتعلق به الإباحة من طعامه، وفيه ما قدمناه من القولين:
أحدهما: يقاتله إلى أن يصل أخذ ما يمسك الرمق، فإن قاتله بعد الوصول إلى إمساك الرمق كان متعدياً.
والثاني: يقاتله إلى أن يصل إلى قدر الشبع، ويكون القتال بعد الوصول إلى إمساك الرمق مباحاً، وليس بواجب وجهاً واحداً، وقتاله بعد الوصول إلى قدر الشبع عدوان.
فإن لم يصل بالقتال إلى شيء من طعامه حتى تلف أحدهما، نظر، فإن كان التالف
стр. 1895
رب الطعام كانت نفسه هدراً لا تضمن بقود ولا دية، لأنه مقتول بحق ٠ كمن طلب نفس إنسان، فقتله المطلوب دفعاً كانت نفسه هدراً، وإن كان التالف المضطر كانت نفسه مضمونة على رب الطعام، لأنه قتل مظلوماً ثم نظر فإن علم رب الطعام بضرورة المضطر ضمنه بالقود ٠ وإن لم يعلم بضرورته بالدية؛ لأنه مع العلم بها عامد ٠ ومع الجهل بها خاطئ والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي ﵀: "ولو وجد المضطر ميتة وصيداً وهو محرم أكلل الميتة ولو قيل يأكل الصيد ويفتدي كان مذهباً. قال المزني ﵀: الصيد محرم لغيره وهو الإحرام ومباح لغير محرم والميتة محرمة لعينها لا لغيرها على كل حلال وحرام فهى أغلظ تحريماً فإحياء نفسه بترك الأغلظ وتناول الأيسر أولى به من ركوب الأغلظ بالله التوفيق ".
قال في الحاوي: مقدمة هذه المسألة أن يذكر ما يستبيحه المضطر من أكل المحرمات إذا انفردت ثم يذكر حكمها في حقه إذا اجتمعت، فإذا وجد المضطر صيداً، وهو محرم حلّ له أكل الصيد، لضرورته في إحياء نفسه كالميتة التي يستبيح أكلها بالضرورة، وإن حرمت عليه إذا أكل الصيد أن يفديه بالجزاء؛ لأن الضرورة لا تمنع من وجوب الجزاء؛ لأنها فيه، وليست في الصيد، وهو من حقوق الله تعالى، التي يستوي فيها العامد والخاطئ، وفي قدر ما تستبيحه من أكله قولان كالميتة:
أحدهما: قدر إمساك الرمق.
والثاني: قدر الشبع، ولو كان ما وجده المحرم المضطر صيداً مقتولاً أكل منه، ولم يضمنه بالجزاء سواء ضمنه قاتله أو لم يضمنه؟ لأن ضمان الصيد على المحرم مستحق بالقتل دون الأكل، وذا كان غير ضامن لجزائه، نظر، فإن كان قاتل الصيد محلاً، فهو ذكي مملوك، فيضمن المضطر قيمة ما أكل لمالكه، وان كان قاتله محرماً، فهل يكون ميتة أو مذكى؟ فيه قولان:
أحدهما: يكون ميتة كالذكاة المجوسي، فعلى هذا لا يجب على المضطر قيمة ما أكل؛ لأنه لا قيمة للميتة.
والثاني: يكون مذكى يحرم على المحرم، ويحلّ لغيره، فعلى هذا من ضمان المضطر لقيمة ما أكل وجهان من اختلاف القولين هل يستقر للمحرم عليه ملك أم لا؟ أحد الوجهين لا ضمان عليه إذا قيل: إن المحرم لم يملك.
والثاني: عليه الضمان، إذا قيل إنه يملك.
стр. 1896
فصل:
وإذا وجد المضطر لحم آدمي ميت جاز أن يأكل منه، وهو قول الجماعة وقال داود: لا يجوز أن يأكل منه، وهو حرام على المضطر كتحريمه على غيره، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "حرمة ابن آدم بعد موته كحرمته في حياته وكسر عظمه بعد موته ككسر عظمه في حياته ".
قال محمد بن داود: ولأن هذا مفض إلى أكل لحوم الأنبياء والصديقين، ومن أوجب الله تعالى حفظ حرمته، وتعظيم حقه.
فقلبه عليه أبو العباس بن سريج وقال: المنع من أكله مفض إلى قتل الأنبياء والصديقين إذا اضطروا حفظاً لحرمة ميت كافر، وهذا أعظم، فلم يصح بما قاله ابن داود.
والدليل على إباحته، قول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة:٣] فكان على عمومه، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال في حمزة بن عبد المطلب حين قتل بأحد: "ولا صفية لتركته تأكله السباع، حتى يحشر من بطونها". فإذا جاز أن تأكله البهائم التي لا حرمة لها، فأولى أن تحفظ به نفوس ذوي الحرمات؛ ولأنه لما كان أن يحيي نفساً بقتل نفس، فإحياؤها بغير ذي نفس أولى؛ ولأن لحمه يبلى بغير إحياء نفس، فكان أولى أن يبلى بإحياء نفس.
وأما الخبر فهو بأن يكون دليلاً في إباحة أكله أشبه؛ لأنه لما حفظ حرمته بعد الموت، كان حفظها في الحياة أوكد، وإذا لم يمكن حفظ الحرمتين، كان حفظ حرمة الحي بالميت أولى من حفظ حرمة الميت بالحي.
فإذا ثبت إباحة أكله منه، فليس له أن يأكل إلا قدر ما يمسك رمقه قولاً واحداً؛ ليحفظ به الحرمتين معاً، ويمنع من طبخه وشيه، ويأكله نيئاً إن قدر لأن طبخه محظور، وان لم يؤكل، وأكله محظور وان لم يطبخ، والضرورة تدعو إلى الأكل فأبحناه، ولا تدعو إلى الطبخ فحظرناه.
وخالف الميتة التي تختص بتحريم الأكل دون الطبخ، فجاز أن يجمع بينهما عند الضرورة.
وأما إذا وجد، المضطر آدمياً حياً، فمان كان ممن لا يستباح قتله حرم على المضطر أن يأكله ما يحيي به نفساً؛ لأنه لا يجوز إيحاء نفس بإتلاف نفس مع تكافئهما في الحرمة.
وسواء كان المأكول مسلماً أو ذميا؛ لأن نفس الذميين محظورة كالمسلم وان كان
стр. 1897
المأكول ممن يجب قتله في ردّة أو حرابة أو زناً جاز أن يأكل المضطر من لحمه لكن بعد قتله، ولا يأكل لحمه في حياته، لما فيه من تعذيبه، فإن أكل من لحمه حياً كان مسيئاً إن قدر على قتله، ومعذوراً إن لم يقدر على قتله لشدة الخوف على نفسه، فإن لم يجد المضطر ما يمسك رمقه إلا بقطع عضو من جسده ففي إباحته وجهان:
أحدهما: وهو محكي عن أبي إسحاق المروزي إذا كان غالب قطعه السلامة لحفظ نفسه بعضو من جسده، كما يقطع إذا وقعت فيه الأكلة ليحفظ به نفسه.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه يجمع بقطعه بين خوفين، فكان أسرع إلى تلفه وليس كقطع الأكلة، لأن يأمن سرايتها بقطعه.
فصل:
فإذا تكرر ما ذكرنا من حكم الاستباحة على الانفراد انتقلنا إلى الجمع بين كل مستباحين بالضرورة محظورين من غير ضرورة.
فمن ذلك إذا وجد المضطر، وهو محرم ميتة وصيداً حياً.
وهي مسألة الكتاب، ففيما يستبيحه منهما قولان:
أحدهما: وهو مذهب مالك وأبي حنيفة: أنه يأكل الميتة دون الصيد لأمرين:
أحدهما: أن استباحة الميتة نص، واستباحة الصيد اجتهاد.
والثاني: أن أكل الميتة لا يوجب الضمان، وأكل الصيد موجب لضمان الجزاء، فصارت الميتة بهذين الأمرين أخف حكماً.
والثاني: وهو اختيار المزني: أنه يأكل الصيد، ويعدل عن الميتة لأمرين:
أحدهما: أن إباحة الصيد عامة، وحظره خاصة من الإحرام، وحظر الميتة عام، واباحتها خاصة في الاضطرار، فكان ما أباحته أعمّ أخفّ مما تحريمه أعم.
والثاني: أن تحريم الصيد لمعنى في غيره، وتحريم الميتة لمعنى فيها، فكان ما فارقه معنى التحريم أخف مما حله معنى التحريم، فثبت بهذين أن أكل الصيد أولى.
فأما إذا وجد ميتة ولحم صيد قتله محرم، فإن قيل: بذكاته كان أولى من الميتة وإن قيل: بنجاسته كان الميتة أولى منه.
فصل:
وإذا وجد المضطر ميتة وطعاماً لغيره، فإن أذن له في أكله حرمت عليه الميتة، وإن منعه من أكله حلّت له الميتة، وإن كان غائباً لم يأذن ولم يمنع فعلى قولين كالميتة مع الصيد.
ولو وجد المضطر المحرم مبدأ وطعام الغير، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يأكل الصيد؛ لأن تحريمه عليه من حق الله تعالى، فكان أخف.
стр. 1898
والثاني: يأكل طعام الغير؛ لأنه يستباح بالإباحة.
والثالث: أنه مخير في الأكل من أيهما شاء.
فصل:
ولو وجد المضطر ميتتين إحداهما من جنس ما يؤكل لحمه، كالشاة والبعير والأخرى من جنس ما لا يؤكل لحمه كالسبع والذئب، ففيه وجهان:
أحدهما: أنهما سواء، وله الخيار في الأكل من أيهما شاء؛ لأنهما قد استويا في النجاسة بالموت.
والثاني: أنه يأكل مما يؤكل لحمه دون ما لا يؤكل؛ لأن للمأكول أصلاً في الإباحة فكان أولى مما لا أصل له في الإباحة.
ولو وجد المضطر ميتين إحداهما طاهرة في حياتها، والأخرى نجسة في حياتها، ففيه وجهان:
أحدهما: أنهما سواء، ويأكل من أيهما شاء: إلا أن يكون خنزيراً، لأنهما قد استويا في النجاسة بعد الموت.
والثاني: أنه يأكل من الطاهر دون النجس: لأن له في الطهارة أصلاً ليس للنجس ولو وجد المضطر ميتة ولحم ابن آدم أكل الميتة، وان كان خنزيراً دون لحم ابن آدم وجهاً واحداً، لأن تحريم الميتة من حق الأكل وتحريم ابن آدم في حقه وحق الأكل، فكان أغلظ، وكذلك لو وجد صيداً ولحماً ابن أدم وهو محرم أكل الصيد تعليلاً بما ذكرنا.
فصل:
وإذ قد مضى ما يحل ويحرم من الحيوان وجب أن نبين ما يحل ويحرم من النبات، والنبات على أربعة أقسام:
أحدها: ما كان غذاء كالحبوب والثمار والفواكه، والبقول، فأكلها مباح وبيعها جائز، وسواء أكلت قوتاً أو تفكهاً، فإن كانت مما زرعه الآدميون، فهي ملك لزراعها وان كانت مما أتيته الله تعالى في الموات، فهي ملك لآخذها.
والثاني: ما كان دواء، فأكله للتداوي مباح، وينظر في أكله لغير التداوي، فإن كان ضاراً منع من أكله، وان كان غير ضار أبيح أكله وبيعه في الحالين جميعاً جائز.
والثالث: ما كان مسكراً، وهو على ثلاثة أضرب:
أحدها: أن يكون فيه مع السكر شدة مطربة، فأكله حرام، وعلى آكله الحدّ، ولا يجوز أن يستعمل في دواء ولا غيره كالخمر، وبيعه حرام.
والثاني: أن يسكر، ولا تكون فيه شدة مطربة كالبنج، فأكله حرام، ولا حدّ على آكله، ويجوز أن يستعمل في الدواء عند الحاجة، وان أفضى إلى السكر إذا لم يوجد من إسكاره بد، وينظر في بيعه، فإن كان يستعمل في الأدوية غالباً جاز بيعه ولم يكره، وان
стр. 1899
كان يستعمل فيها نادراً كره بيعه، وان جاز.
والثالث: ط أمكر مع غيره ولم يسكر بانفراده كالداذي، وما شاكله، فينظر فيه، فإن لم ينتفع به من دواء، ولا غيره، حرم أكله وبيعه تغليباً، لغالب أحواله، وان انتفع بأكله في الدواء، حلّ أكله تداوياً وجاز بيعه، وكان مكروهاً إن كان أغلب أحواله استعماله في المسكر، ولم يكره إن كان أغلب أحواله استعماله من غير المسكر.
والرابع: ما كان ضاراً كالسموم، فهذا على أربعة أضرب:
أحدها: ما قتل قليله، وكثيره، فأكله حرام، وبيعه باطل سواء كان قتله موجباً أو مبطئاً.
والثاني: ما قتل كثيره دون قليله، فأكل كثيره حرام، فأما قليله، فإن كان غير منتفع به حرم أكله، وبطل بيعه تغليباً لضرورة، وإن كان منتفعاً به من التداوي حل أكله تداوياً وجاز بيعه، ولم يكره، وإن كان غالبه التداوي وكره إن كان غالبه غير التداوي.
والثالث: ما يقتل في الأغلب، وقد يجوز أن لا يقتل، فحكم الأغلب له ألزم ويكون على ما تقدم.
والرابع: ما لا يقتل في الأغلب، وقد يجوز أن يقتل، فقد ذكر الشافعي في موضع إباحة أكله، وذكر في موضع تحريم أكله، فتوهم بعض أصحابه، فخرج إباحة أكله على قولين اعتباراً بظاهر كلامه في الموضعين.
والصحيح أن إباحته لأكله إذا كان منتفعاً به في التداوي وتحريم أكله إذا كان غير منتفع به في التداوي، فيكون على اختلاف حالين لا على اختلاف قولين.
مسألة:
قال المزني: "وخالف الشافعي المزني والكوفي في الانتفاع بشعر الخنزير وفي صوف الميتة وشعرها فقال: لا ينتفع بشيء من ذلك".
قال في الحاوي: وقد مضى الخلاف في نجاسة الشعور والأصواف وطهارتها في كتاب الطهارة، فالظاهر منها يجوز استعماله في الذائب واليابس وأما النجس منها، فضربان:
أحدهما: ما كان في الحياة طاهراً، كشعور السباع، والذئاب، فاستعمالها في اليابسات من متاع دون الذائبات.
والثاني: ما كان نجساً في الحياة كشعر الكلب والخنزير، وإن جرى عرف العوام باستعماله، وأجازه أبو حنيفة ومالك.
وسئل عنه أحمد بن حنبل، فقال الليف أعجب إلي منه، فكأنه كرهه وأجازه وعولوا
стр. 1900
في إباحة استعماله على أمرين:
أحدهما: أن الحاجة داعية إليه.
والثاني: أن عرف العامة جاز باستعماله، وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أنه لما حرم الانتفاع بالخنزير حياً كان تحريم شعره ميتاً أولى.
والثاني: أنه لما كان أغلظ تنجيساً وجب أن يكون أغلظ تحريماً، فإن خالفوا من نجاسته انتقل الكلام إليه.
فأما تعويلهم على الحاجة إليه فالحاجة لا تبيح محظوارً، وقد يقوم الليف مقامه، فسقطت الحاجة إليه.
وتعويلهم على العرف في استعماله، فهو عرف من مسترسل في دينه.
فإذا صح تحريم استعماله كان مأثم تحريمه عائداً على مستعمله، وجاز بيع المحروز به، فإن كان الشعر عند الاستعمال يابساً لاقى يابساً، فالخف المحروز به طاهر، والصلاة فيه جائزة، وإن لاقى في الحرز نداوة كان ما مسه الشعر من الخف المحروز نجساً، فإن غسل سبعاً بتراب طهر ظاهره، ولم تطهر دواخل الحرز، ولم تجز الصلاة فيه، والله أعلم.
стр. 1901
كتاب السبق والرمي
قال الشافعي ﵀: "أخبرنا ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن نافع بن أبي نافع عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ : "لا سبق إلا في نصلٍ أو خفٌ أو حافرٍ".
قال في الحاوي: الأصل في إباحة السبق والرمي قول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، فروى عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ وإن القوة الرمي ثلاثاً.
وروى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : "ارتبطوا الخيل، فإن ظهورها لكم عز وأجوافها لكم كنز" فموضع الدليل من هذه الآية أنه لما أمر بإعداد الرمي والخيل للعدو في حربه، وذلك لا يكون إلا بالتعليم والثقة بالسبق والإصابة، فدل على إباحة ما دعا إليهما.
وقال تعالى فيما حكاه عن إخوة يوسف: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٧] وفي قوله: ﴿نَسْتَبِقُ﴾ تأويلات:
أحدهما: ننتضل من السباق في الرمي ـ قاله الزجاج.
والثاني: أنهم أرادوا السبق بالسعي على الأقدام.
وموضع الدليل في هذا هو: أنهم أخبروا بذلك نبياً لم ينكره عليهم، فدل على إباحته في شرعه، وما تقدم به شرع لم يتعقبه نسخ كان معمولاً به.
وقال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] وفي هذا الرمي تأويلان:
أحدهما: ما رواه ابن عباس أن النبي ﷺ قبض يوم أحد قبضة من تراب وما هم بها وقال: "شاهدت الوجوه" أي: قبحت، فألقى الله تعالى القبضة في أبصارهم حتى
стр. 1902
شغلتهم بأنفسهم، وأظفر المسلمين بهم.
والثاني: أنه أراد في أصحابه بالسهام، فأضاف رميهم إليه؛ لأنهم رموا عنه، ومن قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] تأويلان:
أحدهما: معناه: وما ظفرتم إذ رميت ولكن الله أظفركم.
والثاني: أنه أراد ما أرسله من الريح المعينة لمهامهم، حتى أصابت، فلما أعانهم الله على الرمي كان كل عون عليه مناوباً إليه.
والدليل عليه من السنة مع الحديث الذي رواه الشافعي في صار الباب ما رواه الشافعي عن عبد الوهاب عن حميد عن أنس قال: كانت ناقة لرسول الله ﷺ تسمى "العضباء" فكانت لا تسبق، فجاء أعرابي على قعود له، فسبقها، فاشتد ذلك على المسلمين، وقالوا: يا رسول اثه، سبقت العضباء، فقال رسول الله ﷺ : "حق على الله أن لا يرفع الناس شيئاً إلا وضعه الله".
وروى الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ : "سابق بين الخيل التي قد أضمرت من الحفياء، وكان أمدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر الثنية إلى مسجد بني زريق، وأن عبد الله بن عمر فيمن سابق لها وقيل: إن من الحفياء إلى ثنية الوداع خمسة أميال، ومن ثنية الودع إلى مسجد بني زريق ثلاثة أميال.
وروى الشافعي عن سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: "سابقني رسول الله ﷺ فسبقته، فلما حملت اللحم سابقني، فسبقني، فقال لي: يا عاثشة هذه بتلك".
وروى الشافعي عن سفيان عن شبيب بن غرقدة عن أبيه عن عروة البارقي قال: سمعت وسول الله ﷺ يقول: "الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة " وروي أبو سلمة عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله ﷺ وهم يرمون، فقال: "ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان رامياً، ارموا وأنا مع ابن الأذرع، فأمسك القوم، قسيهم، وقالوا: من كنت معه غلب، فقال النبي ﷺ : ارموا وأنا معكم كلكم ".
وروي عن النبي ﷺ أنه قال لسعد بن أبي وقاص يوم أحد: "ارم فداك أبي وأمي"، اثنتي عشرة مرة ودعا له، فقال: "اللهم أجب دعوته، وسدد رميته " وروي عن النبي ﷺ -
стр. 1903
أنه قال: "أحضروا الهدف، فإن الملائكة تحضره، وإن بين الهدفين لروضة من رياض الجنة".
وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال لجماعة من قريش: تمعددوا واخشوشنوا، واحتفوا، واركبوا وارموا، ولأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا وربما أسند هذا عن النبي ﷺ .
وفي قوله: "اتمعادوا" تأويلان:
أحدهما: انتسبوا إلى معل وعدنان.
والثاني: تكلموا بلسان معد وعدنان.
وفي قول: "واخشوشنوا" تأويلان:
أحدهما: كونوا في أموركم خشناً أجلاداً.
والثاني: البسوا أخشن الثياب.
وفي قوله: "واحتفوا" تأويلان:
أحدهما: امشوا حفاة.
والثاني: حفوا شواربكم.
فصل:
فإذا ثبت جواز السبق والرمي، فهو مندوب إليه إن قصد به أهبة الجهاد ومباح إن قصد به غير، لأنه يكون عدة للجهاد، ويجوز أخذ العوض في السابقة والمناضلة، منهم ومن السلطان على ما سنصفه.
وحكي عن أبي حنيفة أنه منع من أخذ العوض عليه بكل حال، فمن متأخري أصحابه من أنكره من مذهبه، وجعله موافقاً.
وقال مالك: إن أخرجه السلطان من بيت المال جاز، وان أخرجه المتسابقون المتناضلون لم يجز استدلالاً بأمرين:
أحدهما: أنه أخذ عوض على لعب، فأشبه أخذه على اللهو والصراع.
والثاني: أنه أخذ مال على غير بدل، فأشبه القمار.
ودليلنا: قول النبي ﷺ : "لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل" فلما استثناه في الإباحة دل على اختصاصه بالعوض، ولولا العوض لما احتاج إلى الاستثناء لجواز جميع الاستباق بغير عوض.
وروي أنه سئل عثمان بن عفان ﵁: "أكنتم تراهنون على عها رسول الله ﷺ قال: نعم، رهن رسول الله ﷺ على فرس له، فجاءت سابقة، فلهش لذلك، وأعجبه.
ومعلوم أن الرهن لا يكون إلا على عوض؛ ولأن في بذل العوض عليه تحريضاً
стр. 1904
على الجهاد، وبعثاً على الاستعداد، وامتثالاً لأمر الله تعالى في قوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] وما أفضى إلى هذه المصالح، فأقل حاليه إذا لم يكن واجباً أن يكون مباحا.
فأما الجواب عن استدلالهم، بأنه لعب، فمن وجهين:
أحدهما: أن ما فيه من وجوه المصالح يخرجه عن حكم اللعب.
والثاني: أن النبي ﷺ قد استثناه، فقال: "كل اللعب حرام إلا لعب الرجل بغرسه ولعبه بقوسه، ولعبه مع زوجته".
وأما الجواب عن استدلالهم بأنه قمار، فمن وجهين:
أحدهما: أن السبق خارج عن القمار؛ لأن القمار ما لم يخل صاحبه من أخذ أو إعطاء، وقد يخلو المسابق من أخذ وإعطاء؛ لأن بينهما محللاً.
والثاني: أن تحريم القمار بالشرع، وإباحة السبق بالشرع، فلو جاز إلحاق السبق بالقمار من التحريم لجاز لأحد أن يلحق القمار بالسبق في التحليل، فلما كان هذا في إباحة القمار فاسداً، أوجب أن يكون في تحريم السبق فاسداً، ولزم الوقوف على ما ورد به الشرع فيهما.
فصل:
فإذا صح جواز السبق بعوض وغير عوض، فهو بفير عوض من العقود الجائزة، دون اللازمة، وان كان معقوداً على عوض، ففي لزومه قولان:
أحدهما: أنه من العقود اللازمة كالإجارة ليس لواحد منهما فسخه بعد تمامه إلا عن تراض منهما بقسمة ولا يدخله خيار الثلاثء وفي دخول خيار المجلس فيه وجهان:
كالإجارة، فإن شرعا في السبق والرمي يسقط خيار المجلس فيه؛ لأن الشرع في العمل رضى بالإمضاء.
والثاني: أنه من العقود الجائزة دون اللازمة كالجعالة، وبه قال أبو حنيفة ويكون كل واحد من السابقين قبل الشروع من السبق، وبعد الشروع فيه ما لم يستقر السبق، وينبرم بالخيار.
فإن شرط فيه اللزوم بطل، فإن قيل بلزومه على القول الأول، فدليله شيئان:
أحدهما: أنه عقد ومن شرط صحته أن يكون معلوم العوض والمعوض، فوجب أن يكون لازماً كالإجارة طرداً والجعالة عكساً.
والثاني: أن ما أفضى إلى إبطال المعقود بالعقد كان ممنوعاً منه في العقد، وبقاء خياره فيه مفض إلى إبطاله المقصود به؛ لأنه إذا توجه السبق على أحدهما فسخ لم يتوصل إلى سبق، ولم يستحق فيه عوض، والعقد موضوع لاستقراره واستحقاقه، فنافاه الخيار وضاهاه اللزوم.
стр. 1905
فإن قيل: بجوازه على القول الثاني، فدليله شيئان:
أحدهما: أن ما صحّ من عقود المعاوضات إذا قابل غير موثوق بالقدرة عليه عند استحقاقه كان من العقود الجائزة دون اللازمة كالجعالة طرداً؛ لأنه لا يثق بالغلبة في السبق والرمي كما لا يثق بوجود الضالة في الجعالة وعكسه الإجارة متى لم يثق بصحة العمل منه لم يصح العقد.
والثاني: أن ما كان إطلاق العوض فيه موجباً لتعجيل استحقاقه كان جائزاً كالجعالة وإطلاق العوض في السبق والرمي لا يوجب التعجيل، فوجب أن يكون جائزاً ولا يكون لازماً، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي ﵀:"الخف الإبل والحافر الخيل والنصل كل نصل من سهم أو نشابه ".
قال في الحاوي: وهذا من قول الشافعي تفسير لقول النبي ﷺ : "لا سبق إلا من خف أو حافر أو نصل" مبين أن المراد بالخف الإبل؛ لأنها ذوات أخفاف تعد للطراد، وأن المراد بالحافر الخيل: لأنها ذوات حوافر للكر والفر.
وقال في موضع آخر: إن الحافر الخيل والبغال والحمير؛ لأنها تركب إلى الجياد كالإبل ويلقى عليها العدو كالخيل قد شهد رسول الله ﷺ حرب هوازن على بغلته الشهباء، فصار في الحافر قولان.
فأما النصل، فالمراد به السهم المرمى به عن قوس، وإن كان النصل اسماً لحديدة السهم فالمراد به جميع السهم، فهذه الثلاثة هي التي نص عليها رسول الله ﷺ في جواز السبق بها، فاختلف قول الشافعي فيها، فقال: يحتمل معنيين:
أحدهما: أنها رخصة مستثناة من جملة محظورة؛ لأنه أخرج باستثنائه ما خالف حكم أصله، فعلى هذا لا يجوز أن يقاس على هذه الثلاثة غيرها، ويكون السبق مقصوراً على التي تضمنها الخبر، وهي الخف والخف الإبل وحدها، والحافر وفيه قولان:
أحدهما: الخيل وحدها.
والثاني: الخيل والبغال والحمير، والنصل، وهو السهام، ويكون السبق بما عداها محظوراً.
والثاني: في المعنيين أن النصل على الثلاثة أصل، فهذا ورد الشرع ببيانه وليس بمستثنى، وإن خرج مخرج الاستثناء؛ لأن المراد به التوكيد دون الاستثناء فعلى هذا يقاس على كل واحد من الثلاثة ما كان في معناها كما قيس على الستة في الربا ما وافق معناها،
стр. 1906
وعليه يكون التفريع، فيقاس على الخف السبق بالفيلة؛ لأنها ذوات أخفاف كالإبل، وهي في ملاقاة العدو أنكأ من الإبل، وهل يقاس عليها السبق بالسفن والطيارات والشدات أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: وهو قول ابن سريج يجوز السبق عليها؟؛ لأنها معدة لجهاد العدو في البحر وحمل ثقله، كالإبل في البر.
والثاني: لا يجوز السبق عليها؛ لأن سبقها بقوة ملاحها دون المقاتل فيها، فأما السبق بالزوارق الكبار والمراكب الثقال التي لم تجر العادة في لقاء العدو بمثلها فغير جائز على الوجهين معاً.
فصل:
فأما الحافر بالخيل والبغال والحمير نصاً في أحد القولين لا نقلاً من اسم الحافر عليها، وقياساً في القول الثاني؛ لأنها ذوات حوافر كالخيل وفي معناها واختلف أصحابنا هل يقاس عليها السبق بالأقدام؟ أم لا على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي حنيفة: تجوز السمابقة بالأقدام؛ لأن رسول الله ﷺ استبق هو وعائشة ﵂ على أقدامها؛ ولأن السعي من قتال الرجالة كالخيل في قتال الفرسان.
والثاني: وهو الظاهر من مذهب الشافعي أن المسابقة بالأقدام لا تجوز؛ لأنه سبق على فعلها من غير آلة فأشبه الطفرة والوثبة؛ ولأن السبق على ما يستفاد بالتعليم ليكون باعثاً على معاطاته، والسعي لا يستفاد بالتعليم فعلى هذا إن قيل: إن المسابقة بالأقدام لا تجوز، فالمسابقة بالباحة أولى أن لا تجوز وإن قيل بجوازها على الأقدام، ففي جوازها بالسباحة وجهان:
أحدهما: تجوز كالأقدام، لأن أحدها على الأرض، والآخر في الماء.
والثاني: أنها لا تجوز بالسباحة، وان جازت بالأقدام؛ لأن الماء مؤثر في السباحة والأرض غير مؤثرة في السعي.
ومنها اختلاف أصحابنا في السبق بالصراع على وجهين:
أحدهما: وهو مذهب أبي حنيفة أنه جائز لما روي عن النبي ﷺ أنه خرج إلى الأبطح، فرأى يزيد بن ركانة يرى أعنزاً له، فقال يزيد: يا محمد هل لك من أن تصارعني، فقال له النبي ﷺ "ما تستبق لي" فقال: شاة فصارعه، فصرعه النبي ﷺ فقال يزيد: هل لك العود؟ فقال النبي ﷺ : ما تستبق لي؟ فقال: شاة فصارعه، فصرعه النبي ﷺ فقال يزيد: يا محمد اعرض علي الإسلام، فما أحد وضع جنبي على الأرض غيرك، فعرض عليه الإسلام فأسلم، ورد عليه غنمه" فدل على جواز السبق على الصراع.
стр. 1907
والثاني: وهو ظاهر مذهب الشافعي أنه لا يجوز السبق على الصراع لما ذكرنا من المعنيين من السبق بالأقدام، فعلى هذا إن قيل: إن السبق على الصراع لا يجوز، فالسبق على المشابكة بالأيدي لا يجوز وإن قيل بجوازه في الصراع ففي جوازه بالمشابكة وجهان كالسباحة.
ومنها اختلافه أصحابنا في السبق بالحمام على وجهين:
أحدهما: يجوز؛ لأنها بالهداية تؤدي أخبار المجاهدين بسرعة.
والثاني: لا يجوز؛ لأنها لا تؤثر في جهاد العدو، وقد روي عن النبي ﷺ أنه رأى رجلاً يسعى بحمامة، فقال: "شيطان مع شيطانة ".
فأما السبق بالكلام، وبنطاح الكباش ونقار الديكة، فهو أسفه، والسبق فيه باطل لا يختلف، والله أعلم بالصواب.
فصل:
وأما النصل، وهو السهام، فقياسه كل سلاح فارق يد صاحبه من الحراب ومقاليع الأحجاز وقس البندق، واختلف أصحابنا، فيما لا يفارق يد صاحبه من السيوف والرماح والأعمدة، هل يجوز السبق بها أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: يجوز كالمفارق ليده؛ لأن جهاد العدو بها.
والثاني: لا يجوز، لأنه يكون بذلك محارباً لا مسابقاً.
فأما السبق بالمدامي وكرة الصولجان فلا؛ لأن الجهاد لا يكون بهما.
فأما الدمو بالحجر الثقيل أو رفعه من الأرض، لاختبار القوة، والارتياض بها، فالسبق عليه كالسبق على الصراع، فيكون على وجهين. ولله أعلم.
فصل:
فإذا تقرر ما يجوز السبق به على الأعواض المبذولة، فلصحة العقا عليه خمسة شروط:
أحدها: التكافؤ فيما يستبقان عليه، وفيما يتكافآن به وجهان:
أحدهما: وهو الظاهر من مذهب الشافعي، وما عليه جمهور أصحابه أن التكافؤ بالتجانس، فيسابق بين فرسين أو بغلين أو حمارين أو بعيرين، ليعلم بعد التجانس فضل السابق، ولا يجوز أن يسابق بين فرس وبغل ولا بين حمار وبعير! لأن تفاضل الأجناس معلوم وأنه لا يجري البغل في شوط الفرس، كما قال الشاعر:
إنَّ المُذَرَّعَ لَا تُغْنِي ضُؤولَتُهُ كَالبَغْلِ يَعْجَزُ عَنْ شَوْطِ المحَاضِيرِ
стр. 1908
لكن يجوز السبق بين عتاق الخيل، وهجانها؛ لأن جميعها جنس، والعتيق في أول شوطيه أحد وفي آخره ألين، والهجين في أول شوطيه ألين وفي آخرها أحد فربما صارا عند الغاية متكافئين.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي أن التكافؤ في الاستباق غير معتبر بالتجانس وإنما هو معتبر بأن يكون كل واحد من المستبقين يجوز أن يكون سابقاً ويجوز أن يكون مسبوقاً، فإن جوز ذلك بين فرس وبغل أو بين بعير وحمار جاز السبق بينهما، وإن علم يقيناً أن أحدهما يسبق الآخر قبل الاختبار لم يجز السبق بينهما، ولو علم ذلك بين فرسين عتيق وهجين أو بين بعيرين عربي وبختي لم يجز السبق بينهما، وكذلك ولو اتفق الفرسان في الجنس، واختلفا في القوة والضعف، فيمنع من الاستباق بينهما، وهما من جنس واحد، وبخوزه بينهما، وهما في جنسين مختلفين اعتباراً بالجواهر دون التجانس.
والشرط الثاني: الاستباق عليها مركوبة لتنتهي إلى غايتها، بتدبير راكبها، فإن شرط إرسالها لتجري مسابقة بأنفسها لم يجز، وبطل العقد عليها؛ لأنها تتنافر بالإرسال ولا تقف على غاية السبق، وإنما يصح ذلك في الاستباق بالطيور إذا قيل: بجواز الاستباق عليها لما فيها من الهداية إلى قصد الغاية، وأنها لا تتنافر في طيرانها.
والشرط الثالث: أن تكون الغاية معلومة؛ لأنها مستحقة في عقد معاوضة، فإن وقع العقد على إجراء الفرسين حتى يسبق أحدهما الآخر لم يجز لأمرين:
أحدهما: جهالة الغاية.
والثاني: لأنه يفضي ذلك لإجرائهما حتى يعطبا.
والشرط الرابع: أن تكون الغاية التي يمتد شرطها إليها يحتملها الفرسان، ولا ينقطعان فيها، فإن طالت عن انتقاء الفرسين إليهما إلا عن انقطاع وعطب بطل العقد، لتحريم ما أفضى إلى ذلك.
والشرط الخامس: أن يكون العوض فيه معلوماً، كالأجور والأثمان، فإن أخرجه غير المتسابقين جاز أن يتساويا فيه، ويتفاضلا؛ لأن الباذل للسبق مخير بين القليل والكثير، فجاز أن يكون مخيراً بين التساوي في التفضيل، ويجوز أن يتماثل جنس العوضين، وإن لم يختلف.
فصل:
فأما الرمي، فيعتبر في صحة عقده خمسة شروط أيضاً:
أحدها: أن يكون الرامي مجانسة فيتناضلان بالنشاب أو بالحراب، فإن كان أحدهما ينضل بالنشاب، والآخر بالحراب، لم يجز لتنافيهما؛ لكن يجوز أحدهما مناضلاً بالنشاب والآخر بالنبل؛ لأن كليهما سهم يخرج عن قوس.
стр. 1909
والشرط الثاني: أن يكون بين المتناضلين مقاربة في الرمي والإصابة يحتمل أن يكون ناضلاً ومنضولاً، ليعلم بالنضال أحذقهما، فإن تفاوت ما بينهما، فإن كان أحدهما أكثر سهامه صائبة، والآخر أكثر سهامه خاطئة، ففيه وجهان:
أحدهما: وهو مقتضى قول أبي إسحاق المروزي: لا يجوز، يكون العقد بينهما.
والثاني: يجوز ويكون العقد بينهما صحيحاً؛ لأن المال إذا استحق بعث على معاطاة الحذق.
والشرط الثالث: أن لا يتناضلا على جراح النفوس بالسهام والسلاح، وليكن قصدهما إصابة غير ذات الأرواح لتحريم عقرها، فإن شرط فيه جراحة النفوس بطل لحظره.
والشرط الرابع: أن يكون العوض معلوماً من أعيان موجودة، أو مال في الذمة موصوفاً.
والشرط الخامس: أن يحفظ من دخول الجهالة في النضال على ما سنذكره في موضعه.
مسألة:
قال الشافعي: والاستباق ثلاثه سبق يعطيه الوالي أو غير الوالي من ماله وذلك أن يسبق بين الخيل إلى غاية فيجعل للسابق شيئاً معلوماً وإن شاء جعل للمصلي والثالث والرابع فهذا حلال لمن جعل لأ ليست فيه علة.
قال في الحاوي: أما السبق، فيذكر تارة بتسكين الباء، وتارة بغتحها، وهو بتسكين الباء فعل سبق من المسابقة، وهو بفتح الباء العوض المخرج في المسابقة.
قال الشافعي: "والأسباق ثلاثة " يريد به العوض في الأسباق ثلاثة:
أحدها: أن يخرجه غير المتسابقين.
والثاني: أن يخرجه المتسابقان.
والثالث: أن يخرجه أحدهما.
فأما السبق الأول الذي يراه الشافعي؛ وهو الذي يخرجه غير المتسابقين، فيجوز سواء أخرجه الإمام من بيت المال وأخرجه غير الإمام من ماله.
وقال مالك: إن أخرجه الإمام جاز، وإن أخرجه غيره لم يجز؛ لأنه من أسباب الجهاد المختصة بالأئمة، وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أن ما فيه معونة على الجهاد جاز أن يفعله غير الأئمة، كارتباط الخيل وإعداد السلاح.
стр. 1910
والثاني: أن ما جاز أن يخرجه الإمام من بيت مال المسلمين جاز أن يتطوع به كل واحد من المسلمين لبناء المساجد والقناطر.
فصل:
فإذا صح جوازه من كل باذل لم يخل التبدل من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يختص به السابق وحده دون غيره، كقوله: إذا كان المتسابقون عشرة فقد جعلت للسابق منكم عشرة، وهذا جائز، فأيهم جاء سابقاً لجماعتهم استحق العشرة كلها، ولا شيء لمن بعده، وإن كانوا متفاضلين في السبق، فلو سبق اثنان من الجماعة، فجاءا معاً، وتأخر الباقون، اشترك الاثنان في العشرة، لتساويهما في السبق، فاستويا في الأخذ، ولو سبق خمسة اشتركوا في الأخذ كذلك، ولو سبق تسعة وتأخر واحد اشتركوا في العشرة دون المتأخر منهم، ولو جاؤوا مجيئاً واحداً لما يتأخر عنهم واحد منهم، فلا شيء لهم، لأنه ليس فيهم سابق، ولا مسبوق.
والثاني: أن يبذله لجماعة منهم، ولا يبذله لجميعهم، كأنه بذل للأول عوضاً وللثاني عوضاً، ولكل واحد منهم في اللغة اسم إذا تقدم على غيره خاص يقال للسابق الأول: المجلى، والثاني: المصلى، والثالث: التالي، والرابع: البارع، والخامس: المرتاح، والسادس: الحظي، والسابع: العاطف، والثامن: المؤمل، والتاسع: اللطيم، والعاشر: السكيت، وليس لما بعد العاشر اسم إلا الذي يجيء آخر الخيل كلها، يقال له: الفسكل، فإذا بذل لبعض دون بعض، فعلى ضربين:
أحدهما: أن يفاضل بين السابق والمسبوق، فيجعل للأول الذي هو المجلى عشرة ويجعل للثاني الذي هو المصلي تسعة، والثالث الذي هو التالي خمسة والرابع الذي هو البارع أربعة، والخامس الذي هو المرتاح ثلاثة، ولا يجعل لمن بعدهم شيئاً فإن هذا جائز، لأنه قد منع المسبوقين وناضل بين السابقين، فحصل التحريض في طلب التفاضل، وخشية المنع.
ويتفرع على هذا أن يجعل للسابق عشرة، وللمصلي خمسة، ولا يجعل لمن بعدهم شيئاً، فيكون السابق خمسة والمصلي واحداً، فيقسم الخمسة السابقين بالعشرة لكل واحد درهمان، وينفرد الواحد المصلي بالخمسة، وإن صار بهما أفضل من السابقين؛ لأنه أخذ الزيادة لتفرده بدرجته، ولم يأخذها لتفضيل أصل درجته وقد كان يجوز أن يشاركه غيره في درجته، فيقل سهمه عن سهم من بعده، ثم على هذا القياس إذا جعل للتالي شيئاً ثالثاً، فحصل من كل درجة انفراد أو اشتراك، وجب أن يختص المنفرد بسبق درجته، ويشترك المشتركون بسبق درجتهم.
والثاني: أن يسوي فيهم بين سابق ومسبوق كأنه جعل للسابق عشرة وللمصلي عشرة، وفاضل بين بقية الخمسة، وهذا غير جائز؛ لأن مقتضى التحريض، أن يفاضل بين السابق والمسبوق، فإذا تساويا فيه بطل مقصوده فلم يجز وكان السبق من حق المصلي
стр. 1911
الذي سوى بينه وبين سابقه باطلاً ولم يبطل في حق الأول، وفي بطلانه في حق من عداه وجهان بناء على اختلاف الوجهين في الذي بطل السبق في حقه، هل يستحق على الباذل أجرة مثله أم لا على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي إنه لا أجرة له على الباذل لأن منعه عائد عليه لا على الباذل.
فعلى هذا يكون السبق في حق من بعده، باطلاً، لأنه يجوز أن يفضلوا به عن من سبقهم.
والثاني: وهو قول أبي علي الطبري أن له على الباذل أجرة مثله؛ لأن من استحق المسمى في العقد الصحيح استحق أجرة المثل في العقد الفاسد اعتباراً بكل واحد من عقدي الإجارة والجعالة، فعلى هذا يكون السبق في حق من بعده صحيحاً، ولكل واحد منهم ما سمى له، وان كان أكثر مثل من بطل السبق في حقه، لأنه لا يجوز أن يفضلوا عليه إذا كان مستحقاً بالعقد، وهذا مستحق بغيره. ويتفرع على هذا إذا جعل للأول عشرة، ولم يجعل للثاني شيئاً، وجعل للثالث خمسة وللرابع ثلاثة، ولم يجعل لمن بعدهم شيئاً، فالثاني خارج من السبق لخروجه من البدل ومن قيام من بعده مقامه وجهان:
أحدهما: يقوم الثالث مقام الثاني، ويقوم الرابع مقام الثالث؛ لأنه يصير وجوده بالخروج من السبق كعدمه، فعلى هذا يصح السبق فيها، بالمسمى لهما بعد الأول.
والثاني: أنهم يترتبون على التسمية ولا يكون خروج الثاني منهم بالحكم مخرجاً له من الثالث فعلى هذا يكون السبق فيها باطلاً، لتفضيلها على السابق لهما وهل يكون لهما أجرة مثلها أم لا على ما ذكرنا من الوجهين:
والثالث: أن يبذل العوض لجماعتهم، ولا يخلي آخرهم من عوض، فينظر، فإن سوى فيهم بين سابق ومسبوق كان السبق باطلاً، وكان الحكم فيه على ما قدمنا، وإن لم يساو بين السابق والمسبوق، وفضل كل سابق على كل مسبوق، حتى يجعل مستأخرهم أقلهم سهماً، ففي السبق وجهان:
أحدهما: أنه جائز اعتباراً بالتفاضل في السبق، فعلى هذا يأخذ كل واحد منهم ما سمي له.
والثاني: أن السبق باطل، لأنهم قد تكافؤوا في الأخذ، وإن تفاضلوا فيه، فعلى هذا هل يكون باطلاً في حق الآخر وحده؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه باطل في حقه وحده؟ لأن بالتسمية له فسد السبق.
والثاني: أنه يكون باطلاً في حقوق جماعتهم؛ لأن أول العقد مرتبط بآخره، وهل يستحق كل واحد منهم أجرة مثله أم لا على الوجهين المذكورين، فهذا حكم السبق الأول.
стр. 1912
مسألة:
قال الشافعي: "والثاني يجمع وجهين وذلك مثل الرجلين يريدان أن يستبقا بفرسيهما ولا يريد كل واحد منهما أن يسبق صاحبه ويخرجان سبقين فلا يجوز إلا بالمحلل وهو أن يجعل بينهما فرساً ولا يجوز حتى يكون فرساً كفؤاً للفرسين لا يأمنان أن يسبقهما".
قال في الحاوي: وهذا هو السبق الثاني من الأسباق الثلاثة وهو: أن يستبق الرجلان، ويخرج كل واحد منهما سبقاً من ماله يأخذه السابق منهما، وهذا لا يصح حتى يوكلا بينهما محللاً، لا يخرج شيئاً، ويأخذ إن سبق ولا يعطى إن سبق لنص ومعنى.
أما النص، فما رواه سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من أدخل فرساً بين فرسين وهو لا يؤمن أن يسبق فلا بأس به، ومن أدخل فرساً بين فرسين وهو يؤمن أن يسبق، فلا بأس به، ومن أدخل فرساً بين فرسين وهو يؤمن أن يسبق، فإن ذلك هو القمار".
وأما المعنى، فهو أن إباحة السبق معتبرة، بما خرج عن معنى القمار هو الذي لا يخلو الداخل فيه من أن يكون غانماً أو غارماً إن أعطي، فإذا لم يدخل بينهما محلل كانت هذه حالها، فكان قماراً، وإذا دخل بينهما محلل غير مخرج يأخذان سبق ولا يعطى إن سبق خرج عن معنى القمار فعل.
وهذا الداخل يسمى محللاً لأن العقد صح به، فصار حلالاً ويسميه أهل السبق ميسراً، ويصح العقد به بأربعة شروط:
أحدها: أن يكون فرسه كفؤاً لفرسهما، أو أكفأ منهما، لا يأمنان أن يسبقهما فإن كان فرسه أدون من فرسيهما، وهما يأمنان أن يسبقهما لم يصح للنص، ولأن دخوله مع العلم بأنه لا يسبق غير مؤثر من أخذ السبق.
والثاني: أن يكون المحلل غير مخرج لشيء وان قل، فإن أخرج شيئاً خرج عن حكم المحلل، فصار في حكم المستبق.
والثالث: أن يأخذ إن سبق فإن شرط أن لا يأخذ لم يصح.
والرابع: أن يكون فرسه معيناً عند العقد، لدخوله فيه كما يلزم تعين فرس المستبقين، إن كان غير معين بطل.
فصل:
فإذا صح العقد بالمحلل على استكمال شروطه، فمذهب الشافعي، وما عليه
стр. 1913
جمهور أصحابه أن المحلل دخل ليحلل العقد ويحلل الأخذ، فيأخذ إن سبق ويؤخذ به إن سبق.
وقال أبو علي بن خيران من أصحابه: إن المحلل دخل لتحلل العقد ويأخذ ولا يؤخذ به وهذا خطأ، لأن التحريض المقصود باستفراه الخيل، ومعاطاة الفروسية غير موجود وإذا لم يؤخذ بالسبق شي، فيصير مانعاً من السبق وإذا أخذ به صار باعثاً عليه وهذا يتضح في التفريع الذي نذكره من بعد.
مسألة:
قال الشافعي: "ويخرج كل واحد منهما ما تراضيا عليه يتواضعانه على يدي رجل يثقان به أو يضمنانه".
قال في الحاوي: ولصحة العقد بينهما مع دخول المعلل أربعة شروط:
أحدها: أن يكون العوض، وهو السبق الذي بذلاه معلوماً إما معيناً أو موصوفاً فإن كان مجهولاً لم يصح، لأن الأعواض في العقود ولا تصح إلا معلومة.
والثاني: أن يتساويا في جنسه ونوعه وقدره، فإن اختلفا فيه أو تفاضلا لم يصح لأنهما لما تساويا في العقد وجب أن يتساويا في بذله.
والثالث: أن يكون فرس كل واحد منهما معيناً، فإن أنهم ولم يعين بطل.
والرابع: أن يكون مدى سبقهما معلوماً، والعلم له أن يكون من أحد وجهين إما بتعيين الابتداء والانتهاء، ومعلوماً بالتعين دون المسافة كالإجارة المعينة، وإما المسافة يتفقان عليها مذروعة بذراع مشهور كالإجارة المضمونة، فإن اتفقا على موضع من الأرض ذرعا تلك المسافة حتى يعرف ابتداؤها وانتهاؤها، فإن أغفلا ذكر الأرض، وان كانت التي عقدا فيها السبق يمكن إجراء الخيل فيها: فهي أخص المواضع بالسبق، وان لم يكن إجراء الخيل فيها لحزونتها وأحجارها فأقرب المواضع إليها من الأرض السهلة.
فصل:
فإذا صح العقد بينهما على شروطه المعتبرة فيها، وفي المحلل الداخل بينهما لم يخل حالهما في حال السبق من ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يتفقا على تركه في أيديهما ويثق كل واحد منهما بصاحبه فيحملان على ذلك، ولا يلزم إخراج مال السبق من يد أحدهما إلا بعد أن يصير مسبوقاً، فيؤخذ منه باستحقاقه.
والحال الثانية: أن يتفقا على أمين قد تراضيا به، فيؤخذ مال السبق منهما ويوضع على يده، ويعزل مال كل واحد منهما على حدته، ولا يخلطه، فان سبق أحدهما سلم إليه
стр. 1914
ماله، ومال المسبوق، فإن سبق المحلل سلم إليه مال السبقين ولم يكن للأمين أجرة على السابق، ولا على المسبوق إلا عن شرط فإن كانت له أجرة في عرف المتسابقين، فمن حمله على عرفهم فيه مع عدم الشرط وجهان من اختلافهم فيمن استعمل خياطاً أو قصاراً، فعملا بغير شرط هل يستحق مثله أم لا؟ على وجهين:
أحد الوجهين: أن الأمين يستحق أجرة مثله إذا حكم للصانع بالأجرة، وتكون على المستبقين لا يختص بها السابق، لأنهما أجرة على حفظ المالين.
والوجه الثاني: أنه لا أجرة له وإن جرى بها العرف إذا لم يحكم للصانع بالأجرة.
والحالة الثالثة: أن يختلفا فاختلافهما على ضربين:
أحدهما: أن يختلفا في اختيار الأمين مع اتفاقهما-على إخراجه من أيديهما فيختار الحاكم لهما أميناً يقطع به تنازعهما، وهل يكون إجباره مقصوراً على من تنازعا فيه، أو يكون على العموم في الناس كلهم؟ على وجهين:
أحدهما: أن يكون مقصوراً على اختيار أحد الأمينين اللذين وقع التنازع فيهما، لانصراف المتسابقين عن اختيار غيرهما.
والثاني: أن يكون عاماً في اختيار من رآه من جميع الأمناء، لأن تنازعهما قد رفع حكم اختيارهم.
والثاني: أن يختلفا في إخراجه من أيديهما، فيقول أحدهما: يكون مال كل واحد منا في يده.
ويقول الآخر: بل يكون موضوعاً على يد أمينين، وعلى هذا الاختلاف يعتبر مال السبق فإن كان في الذمة، فالقول فيه قول من دعا إلى إقراره معه، لأن العقد على الذمة، ولا يؤخذ إلا باستحقاق، وإن كان معيناً، فالقول فيه قول من دعا إلى وضعه على يد أمين لتعيين الحق فيه، وأنه لا يوصل إليه من غيره.
مسألة:
قال الشافعي: "ويجري بينهما المحلل فان سبقهما كان السبقان له وإن سبق أحدهما المحلل أحرز السابق ماله وأخذ سبق صاحبه وإن أتيا مستويين لم يأخذ أحدهما من صاحبه شيئاً".
قال في الحاوي: وهذا صحيح: يجب أن يجري المحلل فرسه بين فرس المتسابقين لأمرين:
أحدهما: أنه لما دخل بينهما للتحليل دخل بينهما في الجري.
والثاني: لأنهما بإخراج السبق متنافران فدخل بينهما ليقطع تنافرهما، فإن لم
стр. 1915
يتوسطهما، وعدل إلى يمين أو يسار جاز وان أساء إذا تراضيا به المستبقان، فإن لم يتراضيا إلا بأن يجري فرسه بينهما منع من العدول عن توسطهما إلى يمين أو يسار، لأنه تبع لهما، فكان أمرهما عليه أمضى، فإن رضي أحدهما بعدوله عن التوسط ولم يرض به الأخر فالقول قول من دعا إلى التوسط دون الانحراف، لأنه أعدل بينهما وأمنع من تنافرهما، فإن رضيا بانحرافه عن التوسط بينهما، ودعا أحدهما إلى أن يكون متيامناً، ودعا الأخر إلى أن يكون متياسراً لم يعمل على قول واحد منهما، وجعل وسطاً بينهما، لأنه العال المقصود والعرف المعهود، وهذا حكم موضع المحلل. فأما المستبقان فإن اتفقا على المتيامن منهما والمتياسر حملا على اتفاقهما وإن اختلفا فيه يقرع بينهما وأوقف كل واحد منهما في موضع قرعته من يمين أو شمال.
فصل:
وإذا استقرت بينهما مع المحلل في الجري، فيختار أن يكون في الموضع الذي ينتهي إليه السبق، وهو غاية المدى قصب قد غرزت في الأرض تسميها العرب قصب السبق، ليحوزها السابق منهم. فيقلعها حتى يعلم بسبقه الداني والقاضي، فيسقط به الاختلاف، وربما كر بها راجعاً يستقبل بها المسبوقين إذا كان مفضلاً في السبق متباهياً في الفروسية، وإذا كان كذلك فللمتسابقين والمحلل سبعة أحوال:
إحداها: أن ينتهوا إلى الغاية على سواء لا يتقدمهم أحدهم: فليس فيهم سابق ولا مسبوق، فيجوز كل واحد من المتسابقين سبق نفسه، ولا يعطي ولا يأخذ ولا شي للمحلل لأنه لم يسبق.
والثانية: أن يسبق المخرجان، فيصلا معاً على سواء، ويتأخر المحلل عنهما فيجوز كل واحد من المخرجين سبق نفسه لاستوائهما في السبق ولا شيء للمحلل لأنه مسبوق.
والثالثة: أن يسبق المحلل، ويأتي المخرجان به بعده على سواء أو تفاضل، فيستحق المحلل سبق المخرجين لسبقه لهما.
وهذه الأحوال الثلاثة ليس يختلف فيها المذهب.
والرابعة: أن يسبق أحد المخرجين ثم يأتي بعده المحلل والمخرج الآخر على سواء، فيجوز السابق سبق نفسه، فأما سبق المسبوق فمذهب الشافعي أن يكون للسابق، ويؤخذ به إن كان مسبوقاً، وقد حصل السبق لغيره، فوجب أن يكون أحق يأخذه، فيكون جميعه للمخرج السابق.
وعلى مذهب أبي علي بن خيران أن دخول المحلل ليأخذ ولا يؤخذ به، يكون سبق المتأخر من المخرجين مقراً عليه، لا يستحقه السابق من المخرجين لأنه يعطي ولا يأخذ، ولا يستحقه المحلل، لأنه لم يسبق.
والخامسة: أن يسبق المحلل وأحد المخرجين على سواء، يجوز السابق من
стр. 1916
المخرجين سبق نفسه، ويكون مال المخرج المسبوق على مذهب الشافعي بين المخرج السابق والمحلل، وعلى مذهب ابن خيران يكون جميعه للمحلل دون المخرج السابق.
والسادسة: أن يسبق أحد المخرجين ثم المحلل بعده ثم المخرج الآخر بعد المحلل فعلى مذهب الشافعي يكون مال المسبوق للمخرج الأول لسبقه، وعلى مذهب ابن خيران للمحلل دون السابق.
والسابعة: يسبق أحد المخرجين ثم يتلوه المخرج الثاني، ويتأخر عنها المحلل: فعلى مذهب الشافعي: يستحق السابق مال المسبوق، وعلى مذهب ابن خيران لا يستحقه السابق؛ لأنه لا يأخذ، ولا يستحقه المحلل، لأنه لم يسبق، ويكون مقراً على المسبوق، ثم على قياس هذا في اعتبار المذهبين.
مسألة:
قال الشافعي: "والسبق أن يسبق أحدهما صاحبه وأقل السبق أن يسبق بالهادي أؤ بعضه أو بالكتد أو بعضه"
قال في الحاوي: والسبق ضربان:
أحدهما: أن يكون مقيداً بأقدام مشروطة كاشتراطهما السبق بعشرة أقدام، ولا يتم السبق إلا بها ولو سبق أحدهما بتسعة أقدام لم يكن سابقاً في استحقاق البدل، وإن كان سابقاً في العمل.
والثاني: أن يكوم مطلقاً بغير شرط فيكون سابقاً بكل قليل وكثير.
قال الشافعي: "أول السبق أن يسبق بالهادي أو بعضه أو كالكتد أو بعضه" فأما الهادي فهو العنق، وأما الكتد يقال بفتح التاء وكسرها والفتح أشهر وفيه تأويلان:
أحدهما: أنه الكتف.
والثاني: أنه ما بين أصل العنق والظهر، وهو مجتمع الكتفين في موضع السنام من الإبل، فجعل الشافعي أقل السبق بالهادي والكتد.
وقال الأوزاعي: أقل السبق بالرأس، وقال المزني: أقل السبق بالأذن استدلالا بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " بعثت والساعة كفرسي رهان كاد أحدهما أن يسبق الآخر بإذنه " والمقصود بهذا الخبر ضرب المثل على وجه المبالغة، وليس بحد لسبق الرهان كما قال رسول الله ﷺ : "من بنى لله بيتا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة " وان كان بيت لا يبنى كمفحص القطاة، وإنما لم يعتبر بالأذن كما قال المزني، ولا بالرأس كما قال الأوزاعي، لأن من الخيل ما يزجي أذنه ورأسه، فيطول ومنها ما يرفعه،
стр. 1917
فتقصر فلم يدل واحد منهما على التقديم، وإذا سقط اعتبارها ثبت اعتبار الهادي والكتد، ولو اعتبر السبق بأيديهما، فأيهما تقدمت يداه، وهو السابق كان عندي أصح، لأن السعي بهما والجري عليهما، لكن الشافعي اعتبره بالهادي والكتد.
فأما السبق بالكتد فمتحقق، سواء اتفق الفرسان في الطول والقصر أو تفاضلا.
وأما السبق بالهادي، وهو العنق، فلا يخلو حال الفرسين أن يتساويا فيه أو يتفاضلا، فإن تساويا في طوله أو قصره، فأيهما سبق بالعنق كان سابقاً، وان تفاضلا في طوله أو قصره، فإن سبق بالعنق أقصرهما عنقاً كان سابقاً، وان سبق بالعنق أطولهما عنقاً لم يكن سابقاً إلا أن ينضاف السبق بكتده، لأنه سبقه بعنقه إنما كان لطوله لا لزيادة جريه
فإن قيل: فإذا كان السبق بالكتد صحيحاً مع اختلاف الخلقة، فلم أعتبر بالعنق الذي يختلف حكمها باختلاف الخلقة.
قيل: لأن السبق بالكتد يتحقق للقريب دون البعيد، والسبق بالعنق يشاهده، ويتحققه القريب والبعيد، وربما دعت الضرورة إليه ليشاهده شهود السبق فشهدوا به للسابق شهوداً يستوقفون عند الغاية ليشهدوا للسابق على المسبوق فلو سبق أحدهما عند الغاية بهاديه أو كتده ثم جريا بعد الغاية، فتقدم المسبوق بعدها على السابق بهاديه أو كتده كان السبق لمن سبق عند الغاية دون من سبق بعدها، لأن ما يجاوز الغاية غير داخل في العقد، فلم يعتبر، وهكذا لو سبق أحدهما قبل الغاية ثم سبق الآخر عند الغاية كان السبق لمن سبق عند الغاية دون من سبق قبلها لاستقرار العقد على السبق إليها.
مسألة:
قال الشافعي: "وسواء لو كانوا مائة وأدخلوا بينهم محللا فكذلك ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح؛ لأن كثرة المتسابقين لا يوجب كثرة المحللين؛ لأن دخول المحلل ليكون فيهم من يأخذ ولا يعطي حتى يصير خارجاً من ذكر القمار، وهذا موجود في دخول الواحد بين مائة متسابق، وإن كان الأولى أن يكثر المحللون إذا كثر المتسابقون، ليكون من القمار أبعد، وإن خرج من حكم القمار بالواحد، وعلى هذا لو دخل بين الاثنين محللان فأكثر كان جائزاً وإن عقد السبق بالمحلل على شرط فاسد أوجب سقوط المسمى فيه ثم سبق أحدهما نظر فيه، فإن كان هو المحلل، استحق أجرة مثله على المتسابقين تكون بينهما نصفين يستوي في التزامها من تقام منهما، ومن تأخر ويستحقها وجهاً واحداً لأنه معهما كالأجير وإن سبق أحد المخرجين فلا شيء للمحلل، وهل يستحق السابق على المتأخر أجرة مثله أم لا؟ على ما قدمنا من الوجهين.
стр. 1918
مسألة:
قال الشافعي: "والثالث أن يسبق أحدهما صاحبه فان سبقه صاحبه أحذ السبق وإن سبق صاحبه أحرز سبقه".
قال في الحاوي: وهذا هو السبق الثالث من الأسباق الثلاثة، وهو أن يستبق الرجلان على أن يخرج أحدهما مال السبق دون الآخر، فإن سبق مخرج المال أحرز مال نفسه، ولا شيء على المسبوق، فإن سبق غير المخرج أخذ مال المخرج، وهذا سبق جائز لأنه يصير غير المخرج منهما محللاً، فصار به خارجاً من حكم القمار. وهكذا لو كانوا ثلاثة، وأخرج مال السبق منهم، اثنان أو عشرة، فأخرج مال السبق منهم تسعة صح وكان غير المخرج كالمحلل.
فإن تسابق الرجلان يخرج أحدهما المال دون الآخر على شرط فسد به العقد بينهما ثم سبق أحدهما نظر.
فإن كان السابق مخرج المال، فلا شيء له على المسبوق لدخوله في العقد على غير بدل وإن سبق غير المخرج نفس استحقاقه أجرة مثله على المسبوق المخرج وجهان مضيا.
مسألة:
قال الشافعي: "ولا يجوز الشبق إلا أن تكون الغاية التي يخرجان منها وينتهيان إليه واحدة".
قال في الحاوي: وهذا صحيح؛ لأن من شرط صحة السبق من مسافة السباق ثلاثة شروط:
أحدها: أن تكون مسافة السبق معلومة الانتهاء فيشترطان، الجري من ابتداء معلوم إلى غاية معلومة؛ لأنه من عقود المعاوضات المحروسة بالابتداء من الجهالة، فإن استبقا على غير غاية على أن أيهما سبق صاحبه كان سابقاً من قريب المدى وبعيده لم يجز لعلتين:
إحداهما: أن من الخيل من يشتد جريه في الابتداء، ويضعف في الانتهاء وهو عتاقها، ومنها ما يضعف في الابتداء ويشتد في الانتهاء، وهو هجانها، ولا يتحقق السابق منها مع جهالة المدى.
والثانية: أن يفضي ذلك منهما إلى إجراء الخيل حتى تنقطع، وتهلك طلباً للسبق فمنع منه، فأما الرمي إذا عقد بين المترامين على أن أيهما أبعد سهماً فهو فاضل ففي صحته وجهان:
стр. 1919
أحدهما: أنه لا يصح كالسبق بالخيل حتى يعقد على عدد الإصابة دون بعد المدى.
والثاني: يصح أن يعقد على بعد المدى كما يصح أن يعقد على عدد الإصابة؛ لأن كل واحد من بعد المدى، ومن الإصابة مؤثر في العقد، فصح العقد عليهما، ولا يؤثر في العقد إجراء الخيل بالسبق إلى غاية فافترقا.
والشرط الثاني: أن تكون المسافة المشروطة مسماة يمكن أن ينتهي شوط الفرس إليها غير منقطع في العرف، فإن زادت حتى لا ينتهي شوطه إليها إلا منقطعاً لم تجز لتحريم ذلك من حقوقهما وأن الانتهاء إليها ممتنع، فإن كانت مسافة السبق تنتهي إليها هجان الخيل الشديدة دون عتاقها الضعيفة جاز الاستباق إليها بالهجان دون العتاق، وكذلك لو كانت مسافة ينتهي إليها شوط الإبل دون الخيل جاز الاستباق إليها بالإبل دون الخيل.
والشرط الثالث: أن يتساويا في ابتداء الجري وانتهائه ليكونا في الغاية متساويين، ولا يفصل أحدهما بشيء في الابتداء والانتهاء، وإن فضل أحدهما صاحبه بشيء، وإن قل فسد السبق، لأن المقصود بالسبق العلم بأفره الفرسين ولا يعلم ذلك مع التفضيل، والله أعلم.
فصل:
وإذا عثر أحد الفرسين أو ساخت قوائمه في الأرض، فسبق الآخر لم يحتسب له بالسبق، لأن العثرة أخرته، ولو كان العاثر هو السابق احتسب سبقه، لأنه إذا سبق مع العثرة كان بعدها أسبق، ولو وقف أحد الفرسين بعد الجري حتى وصل الآخر إلى غايته كان مسبوقاً إن وقف لغير مرض، ولا يكون مسبوقاً إن وقف لمرض فأما إن وقف قبل الجري لم يكن مسبوقاً سواء وقف لمرض أو غير مرض، لأنه بعد الجري مشارك، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "والنضال فيما بين الرماة كذلك في السبق والعلل يجوز في كل واحد منهما ما يجوز في الآخر ثم يتفرعان فإذا اختلفت عللهما اختلفا".
قال في الحاوي: أما السباق فاسم يشتمل على المسابقة بالخيل حقيقة وعلى المسابقة بالرمي مجازاً، ولكل واحد منهما اسم خاص: فتختص الخيل بالرهان، ويختص الرمي بالنضال.
فأما قولهم: سبق فلان بتشديد الباء فمن أسماء الأضداد يسمى به من أخرج مال السبق، ويسمى به من أحرز مال السبق، وقد مضى حكم السباق بالخيل.
стр. 1920
فأما السباق بالنضال فهما في الإباحة سواء، والخلاف فيهما واحد، وقد تقام الدليل عليهما، وقد ذكر الشافعي ها هنا كلاماً اشتمل على أربعة فصول:
أحدهما: قوله: "والنضال فيما بين الرماة كذلك في السبق والعلل" يريد بهذا الفصل أمرين:
أحدهما: جواز النضال بالرمي كجواز السباق بالخيل.
والثاني: اشتراكهما في التعليل لإرهاب العدو بهما، لقول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].
والفصل الثاني: قوله: "يجوز في كل واحد منهما ما يجوز في الآخر" يريد بهذا أن الأسباق في النضال ثلاثة كما كانت الأسباق في الخيل ثلاثة:
أحدها: أن يخرج الوالي مال السبق فيجوز كجوازه في الخيل.
والثاني: أن يخرجه المتناضلان، فلا يجوز حتى يدخل بينهما محلل يكون رميه كرميهما أو أرمى منهما، كما لا يجوز في الخيل إلا محلل يكون فرسه كفؤا لفرسيهما أو أكفأ.
والثالث: أن يخرجه أحد المتناضلين، فيجوز كما يجوز في الخيل إذا أخرجه أحد المتسابقين.
والفصل الثالث: قوله: "ثم يتفرعان" يريد به أمرين:
أحدهما: أن الأصل في سباق الخيل الفرس والراكب تبع، والأصل في النضال الرامي، والآلة تبع، لأن المقصود في سباق الخيل فراهة الفرس، ولو أراد أن يبدله بغيره لم يجز ويجوز أن يبال الراكب بغيره.
والمقصود في النضال حذق الرامي، ولو أراد أن يستبدل بغيره لم يجز، ويجوز أن يبدل آلته بغيرها.
والثاني: أنه في النضال من تفريع المرمى بالمبادرة والمخاطبة ما لا يتفرع في سباق الخيل.
والفصل الرابع: قوله: "فإذا اختلفت عللهما اختلفا" يريد به أنه لما كان المقصود في سباق الخيل الفرس دون الراكب لزم تعيين الفرس، ولم يلزم تعيين الراكب، ومتى مات الفرس بطل السبق ولا يبطل بموت الراكب إن لم يكن هو العاقد وفي بطلانه بموت العاقد قولان:
أحدهما: لا يبطل بموته إذا قيل: إنه كالإجارة.
والثاني: يبطل بموته إذا قيل: إنه كالجعالة ولما كان المقصود في النضال الرامي دون الآلة لزم تعيين الرامي، ولم يلزم تعيين الآلة، وبطل النضال إذا مات الرامي، ولم يبطل إذا انكسر القوس، فقد اختلف حكمهما كما اختلفت عللهما.
стр. 1921
مسألة:
قال الشافعي: "فإذا سبق أحدهما صاحبه وجعلا بينهما قرعاً معلوماً فجائز أن يشترطا محاطة أو مبادرة".
قال في الحاوي: اعلم أن عقد الرامي معتبر بعشرة شروط:
أحدها: أن يكون الراميين متعينين، لأن العقد عليهما والمقصود به حذفهما، فإن لم يتعينا بطل العقد سواء وصفا أو لم يوصفا كما لو أطلق في السبق الفرسان، فإن لم يتعينا كان باطلاً، ولا يلزم تعيين الآلة، ولكل واحد منهما أن يرمي عن أي قوس شاء، وبأي سهم أحب، فإن عينت الآلة لم يتعين وبطلت في التعيين، فإن قيل: فيرمي عن هذين القوسين لم يؤثر في العقد جاز لهما الرمي عنهما، وبغيرهما وإن قيل: على أن لا يرمي عن هذين القوسين كان العقد فاسداً، لأنه على الوجه الأول صفة، وعلى الوجه الثاني شرط.
فصل:
والشرط الثاني: أن يكون عدد الرمي معلوماً، لأن العمل المعقود عليه ليكون غاية رميهما فيه منتهياً إليه، ويسمى الرشق: يقال بفتح الراء وبكسرها فالرشق بفتح الراء هو الرمي، والرشق بكسر الراء عدد الرمي، وعرف الرماة في الرمي أن يكون من عشرين إلى ثلاثين فإن عقد له على أقل منها أو أكثر جاز.
فصل:
والشرط الثالث: أن يكون عدد الإصابة الرشق معلوماً ليعرف به الناضل من المنضول، وأكثر ما يجوز أن يشترط فيه الإصابة، فأنقص من عدد الرشق المشروط بشيء وإن قل ليكون متلافياً للخطأ الذي يتعذر أن يسلم منه المتناضلان فقد قيل: إن أحذق الرماة في العرف من أصاب من العشرة ثمانية، فإن شرط إصابة الكل من الكل بطل، لتعذره في الأغلب، وإن شرطا إصابة ثمانية من العشرة جاز، فإن شرطا إصابة تسعة من العشرة، ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز لبقاء سهم الخطأ.
والثاني: لا يجوز لأن إصابته نادرة.
فأما أقل ما يشترط في الإصابة فهو ما يحصل فيه القاصد وهو ما زاد على الواحد، وقد نص الشافعي في كتاب الأم على مسألة، فقال: "فلو تناضلا على أن الرشق عشرة والإصابة من تسعة لم يجز" واختلف أصحابنا في تأويلها على وجهين:
أحدهما: تأويلها أن يشترط إصابة تسعة من عشرة فيبطل على ما ذكرناه من أحد
стр. 1922
الوجهين.
والثاني: تأويلها أن يشترط أن يكون الرشق عشرة، والإصابة محتسبة في تسعة دون العاشر فيبطل وجهاً واحداً لاستحقاق الإصابة في جميع الرشق به، فإن أغفلا عدد الإصابة وعقداه على أن يكون الناضل منهما أكثرهما إصابة، ففيه وجهان:
أحدهما: من التعليلين في اشتراط فعله في سباق الخيل إذا عقداه إلى غير غاية ليكون السابق من تقدم في أي غاية كانت، وهو باطل في الخيل لعلتين:
إحداهما: أن من الخيل ما يقوى جريه في ابتدائه، وتضعف في انتهائه ومنها ما هو بضده فعلى هذا يكون النضال على كثرة الإصابة باطلاً، لأن من الرماة من تكثر إصابته في الابتداء وتقل في الانتهاء، ومنهم من هو بضده.
والثانية: أن إجراء الخيل إلى غير غاية مفض إلى انقطاعها، فعلى هذا يجوز النضال على كثرة الإصابة؛ لأنه غير مفض إلى انقطاع الرماة.
فصل:
والشرط الرابع: أن تكون مسافة ما بين موقف الرامي والهدف معلومة، لأن الإصابة تكثر مع قرب المسافة، وتقل مع بعدها، فلزم العمل بها، وأبعدها في العرف ثلاثمائة ذراع، وأقلها ما يحتمل أن يصاب وأن لا يصاب، فإن أغفلا مسافة الرمي، فلها ثلاثة أحوال:
إحداها: أن لا يكون للرماة هدف منصوبء ولا لهم عرف معهود، فيكون العقد باطلاً للجهل بما تضمنه.
والحال الثانية: أن يكون للرماة الحاضرين هدف منصوب، وللرماة فيه موقف معروف، فيصح العقد ويكون متوجهاً إلى الهدف الحاضر من الموقف المشاهد، والرماة يسمون موقف الرامي الوجه.
والحالة الثالثة: أن لا يكون لهم هدف منصوب، ولكن لهم فيه عرف معهود، ففيه وجهان:
أصحهما: يصح العقد مع الإطلاق، ويحملان فيه على العرف المعهود كما يحمل إطلاق الأثمان على غالب النقد المعهود.
والثاني: أن العقد باطل، لأن قذف الرماة يختلف، فاختلف لأجله حكم الهدف فلم يصح حتى يوصف.
فصل:
والشرط الخامس: أن يكون الغرض من الهدف معلوماً، لأنه المقصود بالإصابة.
أما الهدف فهو تراب يجمع أو حائط يبنى، وأما الغرض فهو جلد أو شيء بالٍ ينصب في الهدف، ويختص بالإصابة، وربما جعل في الغرض دارة كالهلال تختص
стр. 1923
بالإصابة من جملة الغرض، وهي الغاية في المقصود من حذق الرماة.
وإذا كان كذلك، فالعلم بالغرض يكون من ثلاثة أوجه:
أحدها: موضعه من الهدف في ارتفاعه وانخفاضه؛ لأن الإصابة في المنخفض أكثر منها في المرتفع.
والثاني: قدر الغرض في ضيقه وسعته، لأن الإصابة في الواسع أكثر منها في الضيق، وأوسع الأغراض في عرف الرماة ذراع، وأقله أربع أصابع.
والثالث: قدر الدارة من الغرض إن شرطت الإصابة بها.
فصل:
والشرط السادس: أن يكون محل الإصابة معلوماً هل هو في الهدف أو في الغرض أو في الدارة؟ لأن الإصابة في الهدف أوسع، وفي الغرض أوسط، وفي الدارة أضيق، وإن أغفل ذلك كان جميع الغرض محللاً للإصابة؛ لأن ما دونه تخصيص، وما زاد عليه فهو بالغرض مخصوص.
فإن كانت الإصابة مشروطة في الهدف سقط اعتبار الغرض، ولزم وصف الهدف في طوله وعرضه، وإن شرطت الإصابة في الغرض سقط اعتبار الهدف، ولزم وصف الغرض وإن شرطت الإصابة في الدارة سقط اعتبار الغرض ولزم وصف الدارة.
فصل:
والشرط السابع: أن تكون الإصابة موصوفة بقرع أو خزق أو خسق.
فالقارع: ما أصاب الغرض، ولم يؤثر فيه.
والخازق: ما ثقب الغرض، ولم يثبت فيه.
والخاسق: ما ثبت من الغرض، بعد أن ثقب.
ولا يحتسب بالقارع في الخزق والخسق، ويحتسب بالخاسق في القرع، ولا يحتسب به في الخسق، ويحتسب بالخازق في القرع والخزق، وينطلق على جميع هذه الإصابات اسم الخواصل وهو جمع خصال، فإن أغفل هذا الشرط كانت الإصابة محمولة على القرع، لأن ما عداه زيادة.
فصل:
والشرط الثامن: أن يكون حكم الإصابة معلوماً هل هو مبادرة أو محاطة لأن حكم كل واحد منهما مخالف لحكم الآخر، والمبادرة أن يبادر أحدهما إلى استكمال إصابته في أقل العددين على ما سنصفه.
والمحاطة: أن يحط أقل الإصابتين من أكثرهما، ويكون الباقي بعدها هو العدد المشروط على ما سنشرحه، فإن أغغلا ذلك وما يشترطاه فد العقد إن لم يكن للرماة
стр. 1924
عرف معهود بأحدهما، وفي فساده إن كان لهم عرف معهود وجهان على ما تقدم.
فصل:
والشرط السابع: أن يكون المال المخرج في النضال معلوماً؛ لأنه عوض في عقد، ويسمى هذا المال المخرج السبق بفتح الباء ويسمى الخطر، ويسمى الندب، ويسمى الوجب: وكل ذلك من أسمائه، فإن أغفل ذكر الغرض كان باطلاً، ولا شيء للناضل إذا نضل، وإن جهل الغرض كان العقد باطلاً، في استحقاقه لأجرة مثله إذا نضل وجهان.
فصل:
والشرط العاشر: أن يذكر المبتدئ منهما بالرمي، وكيفية الرمي هل يتراميان سهماً وسهماً أو خمساً وخمساً، ليزول التنازع، ويعمل كل واحد منهما على شرطه فإن أغفل ذكر المبتدئ منهما بالرمي، ففي العقد قولان:
أحدهما: باطل.
والثاني: جائز.
وفي المبتدئ وجهان:
أحدهما: مخرج المال.
والثاني: من قرع.
وإن أغفل عدد ما يرميه كل واحد منهما في بدئه فالعقد صحيح، ويحملانه على عرف الرماة إن لم يختلف، فإن اختلف عرفهم رميا سهماً، فهذه عشرة شروط يعتبر بها عقد المناضلة.
فأما قول الشافعي في هذه المسألة: "وكذلك لو سبق أحدهما قرعاً معلوماً" فقد اختلف أصحابنا في مراده بالقرع على ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه أراد به المال ويكون من أسمائه كالوجب والندب والحظر _ ذكره أبو حامد الإسفراييني، وحكاه عن ابن الأعرابي.
والثاني: وهو المشهور في قول أصحابنا إنه أراد صفة الإصابة أنها قرع لا خزق ولا خسق.
والثالث: أنه أراد بالقرع الرشق في عدد الرمي، وله على كل واحد من هذه الوجوه الثلاثة حكم بيناه _ وبالله التوفيق _.
مسألة:
قال الشافعي: "فإن اشتترطا محاطة فكلما أصاب أحدهما وأصاب الآخر بمثله
стр. 1925
أسقطا العددين ولا شيء لواحد منهما ويستأنفان وإن أصاب أقل من صاحبه حط مثله حتى يخلص له فضل العدد الذي شرط فينضله به".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن النضال على ضربين: محاطة ومبادرة، فبدأ الشافعي بذكر المحاطة، لأنها كانت غالب الرمي في زمانه، وقيل: إنه كان راميا ييب من العشرة ثمانية في الغالب وهي عادة حذاق الرماة.
فإذا عقدا سبق النضال على إصابة خمسة من عشرين محاطة ورماية وجب أن تحط أقل الإصابتين في أكثرهما وينظر في الباقي بعد الحط، فإن كان خمسة، فهو القرد المشروط فيصير صاحبه به ناضلاً.
وإن كان الباقي أقل من خمسة لم ينضل، وإن كان أكثر أصابه لنقصانه من العدد المشروط، فإذا كان كذلك لم يخل حالهما بعد الرمي من أحد أمرين: إما أن يتساويا في الإصابة أو يتفاضلا.
فإن تساويا في الإصابة، فأصاب كل واحد منهم عشراً عشراً أو خمساً خمساً، قال الشافعي: "فلا شيء لواحد منهما وليستأنفان"، فاختلف أصحابنا في مراده بقوله: "وليستأنفان " على وجهين حكاهما ابن أبي هريرة:
أحدهما: يستأنفان الرمي بالعقد الأول؛ لأن عقد المحاطة ما أوجب حط الأقل من الأكثر وليس مع التساوي عقد حط، فخرج من عقد المحاطة، فلذلك استأنفا الرمي ليصير ما يستأنفانه في عقود المحاطة.
والثاني: أنه أراد بهما يستأنفان عقداً مستجداً إن أحبا، لأن العقد الواحد لا يلزم فيه إعادة الرمي مع التكافؤ كما لا يلزم في الخيل إعادة الجري مع التكافؤ والذي أراه - وهو عندي الأصح _ أن ينظر.
فإن تساويا في الإصابة قبل الرشق استأنفا الرمي بالعقد الأول، وإن تساويا فيه بعد استكمال الرشق استأنفاه بعقد مستجد إن أحبا، لأنهما قبل استكمال الرشق في بقايا أحكام العقد وبعد استكماله قد نقضت جميع أحكامه.
فصل:
فإن تفاضلا في الإصابة لم يخل تفاضلهما فيها من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يفضل، ولا ينضل بما فضل، وهو أن يشترطا إصابة خمسة من عشرين محاطة، فيصيب أحدهما عشرة أسهم، ويصيب الآخر ستة أسهم فتحط الستة من العشرة، فيكون الباقي منها أربعة فلا ينضل، لأن شرط الإصابة خمسة، وهكذا لو أصاب أحدهما خمسة عشر، وأصاب الآخر أحد عشر لم ينضل الفاضل، لأن الباقي له بعد الخط أربعة ثم على هذه العبرة إذا كان الباقي أقل من خمسة.
والقسم الثاني: أن ينضل بما فضل بعد استيفاء الرشق، وهو أن يصيب أحدهما
стр. 1926
خمسة عشر من عشرين، ويصيب الآخر عشرة من عشرين، فينضل الفاضل، لأنها إذا أسقطت من إصابته عشرة كان الباقي بعدها خمسة، وهو عدد النضل، وهكذا لو أصاب أحدهما عشرة، وأصاب الآخر خمسة كان الفاضل ناضلاً، لأنه إذا أسقطت الخمسة من إصابته كان الباقي بعدها خمسة، وهو عدد النضل، وهكذا لو كان الباقي بعد الحط أكثر من خمسة، ثم على هذه العبرة.
والقسم الثالث: أن ينضل بما فضل قبل استيفاء الرشق، وهو أن يصيب أحدهما عشرة من خمسة عشرة، ويصيب الآخر خمسة من خمسة عشرة، ويكون الباقي من الأكثر خمسة هي عدد النضل فهو يستقر النضال بهذا قبل استيفاء الرشق أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: يستقر النضل ويسقط باقي الرشق؛ لأن مقصوده معرفة الأحذق، وقد عرف.
والوجه الثاني: - وهو الأظفر - أنه لا يستقر النضل بهذه المبادرة إلى العدد حتى يرميا بقية الرشق، لأن العقد قد تضمنها، وقد يجوز أن يصيب المفضول جميعها أو أكثرها ويخطى، الفاضل جميعها أو أكثرها.
وعلى هذا يكون التفريع، فإذا رميا بقية الرشق، وهو الخمسة الباقية فإن أصاب المفضول جميعها أو أخطأ الفاضل جميعها، فقد استويا ولم ينضل واحد منهما لأن إصابة كل واحد منهما عشرة وإن أصاب الفاضل، وأخطأ المفضول جميعها استقر فضل الفاضل، لأنه أصاب خمسة عشر من عشرين، وأصاب المفضول خمسة من عشرين فكان الباقي بعد الحط عشرة هي أكثر من شرطه، فلو أصاب الفاضل من الخمسة الباقية سهماً وأصاب المفضول سهمين لم يفضل الفاضل، لأن عدد إصابته أحد عشر سهماً، وعدد إصابة المفضول سبعة إذا حطت من تلك الإصابة كان الباقي أربعة والشرط أن تكون خمسة فلذلك لم ينضل وان فضل، فلو أصاب سهمين، والمفضول سهمين صار الفاضل ناضلاً، لأنه أصاب اثني عشرة، وأصاب المفضول سبعة ليبقى للفاضل بعد الحط خمسة.
ولو أصاب أحدهما سبعة من عشرة وأصاب الأخر سهمين من عشرة، فإذا رميا بقية السهام فإن أصاب المفضول جميعها، وأخطأ الفاضل جميعها صار الأول ناضلاً والثاني منضولاً لأن الأول له سبعة والثاني اثنا عشر يبقى له بعد الحط خمسة، ولو أصاب الأول جميعها، وأصاب الثاني جميعها كان الأول ناضلاً؛ لأن إصابته سبعة عشر وإصابة الثاني اثنا عشر، فإن أخطأ الأول في سهم من بقية الرشق لم يفضل ولم ينضل، ولو أصاب اثني عشر من خمسة عشر، وأصاب الآخر سهمين من خمسة عشر استقرّ النضل، وسقط بقية الرشق وجهاً واحداً، لأن المفضول لو أصاب جميع الخمسة الباقية في الرشق حتى استكمل بما تقدم سبعة كان منضولاً لأن الباقي للفاضل بعد حطها خمسة فلم يستفد ببقية الرمي أن يدفع عن نفسه النضل، فسقط ثم على هذه العبرة.
стр. 1927
مسألة:
قال الشافعي: "ويستحق سبقه يكون ملكاً له يقضي به عليه كالدين يلزمه إن شاء أطعم أصحابه وان شاء تموله".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا نضل الرامي ملك مال النضال، وكذلك في السبق، وصار كسائر أمواله، فإذ كان عيناً استحق أخذها وإن كان ديناً استوجب قبضه، ولم يلزمه أن يطعمه أصحابه من أهل النضال والسباق.
وحكى الشافعي عن بعض فقهاء الرماة أن عليه أن يطعمه أصحابه، ولا يجوز أن يتملكه، وهذا فاسد لأنه لا يخلو إما أن يكون كمال الإجارة أو مال الجعالة؛ لأن عقده متردد يبن هذين العقدين، والعوض في كل واحد منهما مستحق يتملكه مستحقه، ولا تلزمه مشاركة غيره، فبطل ما قاله المخالف فيه، فعلى هذا إن مطل به المنضول قضى به الحاكم عليه، وحسبه فيه، وباع عليه ملكه، وإن مات أو أفلس ضرب به مع غرمائه ويقدم به على ورثته.
مسألة:
قال الشافعي: "وإن أخذ به رهناً أؤ ضميناً فجائز".
قال في الحاوي: أعلم أن مال النضال لا يخلو إما أن يكون معينا أو في الذمة، فإن كان معينا لم يجز أخذ الرهن منه، ولا الضمين لأن الأعيان لا تستوفي من رهين ولا ضامن، فلم يصح فيها رهن ولا ضمان، وإن كان في الذمة، فإن استقر المال بالفلج جاز أخذ الرهن فيه، والضمين لاستقراره في الذمة كسائر الديون، وان لم يستقر بالفلج كان أخذ الرهن فيه والضمين لاستقراره في الذمة كسائر الديون، وان لم يستقر بالفلج كان أخذ الرهن فيه والضمين معتبرا بحكم العقد في اللزوم والجواز، فإن قيل بلزومه كالإجارة جاز أخذ الرهن فيه، والضمين كالأجرة، وإن قيل بجوازه كالجعالة، ففي جواز أخذ الرهن والضمين فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: لا يجوز أخذهما منه لأن العوض فيه غير لازم.
والثاني: يجوز أن يؤخذ فيه لأنه مفض إلى اللزوم.
والثالث: أنه يجوز أن يؤخذ فيه الضمين، ولا يجوز أن يؤخذ فيه الرهن، لأن حكم الضمان أوسع من حكم الرهن كما يجوز ضمان الدرك، ولا يجوز أخذ الرهن فيه.
مسألة:
قال الشافعي: "ولا يجوز السبق إلا معلوماً كما لا يجوز في البيوع".
стр. 1928
قال في الحاوي: وهذا صحيح يريد باسلبق المال المخرج في العقد، فلا يصح معه العقد حتى يكون معلوماً من وجهين إما بالتعيين كاستباقهما على عين شاهد، وإما بصفة كاستباقهما على مال في الذمة؛ لأنه من عقود المعاوضات كالبيع والإجارة، فإن تسابقا على ما ينفقان عليه أو على ما يحكم به زيد كان باطلاً للجهالة به عند العقد.
ولو تسابقا وتناضلا على مثل ما يسابق أو يناضل به زيد وعمرو، فإن كان ذلك بعد علمهما بقدره صح، وإن كان قبل علمهما بقدره بطل، ولو كان لأحدهما في ذمة الآخر قفيز من حنطة، فتناضلا عليه، فإن كان القفيز مستحقاً من سلم لم يصح لأن المعاوضة على السلم قبل قبضه لا تصح، وإن كان عن غصب صحّ، لأن المعاوضة عليه قبل قبضه تصح، وان كان من قرض، فعلى وجهين من الوجهين في صحة المعاوضة عليه قبل قبضه ولو تناضلا على دينار إلا دانقاً صحّ، ولو تناضلا على دينار إلا درهماً لم يصح، لأن يكون بالاستثناء من جنسه معلوماً، وبالاستثناء من غير جنسه مجهولا، ولو تناضلا على دينار معجل وقفيز حنطة مؤجل صح، لأنه على عوضين حال ومؤجل، ولو تناضلا على أن يأخذ الناضل ديناراً ويعطى درهماً لم يجز لأن الناضل من شرطه أن يأخذ ولا يعطي، ولا تناضلا على دينار بذله أحدهما فإن نضل دفعه، ولم يرم أبداً أو شهراً كان العقد فاسداً، لأنه قد شرط فيه الامتناع، وهو مندوب إليه، فبطل وإذا تناضلا وقد فسد العقد بما ذكرنا، فنضل أحدهما، فإن كان الناضل باذل المال، فلا شيء على المنضول، وان كان الناضل غير الباذل ففي استحقاقه لأجرة مثله على الباذل وجهان على ما مضى.
مسألة:
قال الشافعي: "ولو اشترط أن يطعم أصحابه كان فاسداً".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن مال السبق يملكه الناضل، ولا يلزمه أن يطعمه أصحابه، فإن شرط عليه في العقد أن يطعمه أصحابه، ولا يملكه كان الشرط فاسداً لأنه ينافي موجب العقد، وفي فساد العقد به وجهان:
أحدهما: وهو الظاهر مذهب الشافعي أن العقد يفسد بفساد الشرط كالبيع.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي، وبه قال أبو حنيفة أن العقد صحيح لا يفسد بفساد هذا الشرط، لأن نفعه لا يعود على مشترطه وكان وجوده كعدمه.
مسألة:
قال الشافعي: "وقد رأيت من الرماة من يقول صاحب السبق أولى أن يبدأ والمسبق لهما يبدئ أيهما شاء ولا يجوز في القياس عندي إلا أن يتشارطا".
قال في الحاوي: أما اشتراط الابتداء فهو معتبر في الرمي دون السبق لأنهما في
стр. 1929
السبق يتساويان في الجري معاً لا يتقدم أحدهما على الآخر.
وأما الرمي فلا بد أن يبتدئ به أحدهما قبل الآخر ولا يرميان معاً لاختلاط رميهما ولما يخاف من تنافرهما، فإن شرطا في العقد البادئ، منهما بالرمي كان أحقهما بالابتداء سواء كان المبتدئ مخرج المال أو غير مخرجه فمان أراد بعد استحقاقه التقدم أن يتأخر لم يمنع؛ لأن التقدم حق له، وليس يحق عليه وان أغفل في العقد اشتراط البادئ بالرمي، ففي العقد قولان:
أحدهما: وهو اختيار الشافعي في هذا الموضع أن العقد باطل لأن للبداية تأثيراً في قوة النفس، وكثرة الإصابة، فصارت مقصودة، فبطل العقد بإغفالها.
والثاني: أن العقد صحيح، وإن غفلت فيه البداية. وقد حكاه الشافعي عن بعض فقهاء الرماة لأنه من توابع الرمي الذي يمكن تلافيه بما تزول التهمة فيه من الرجوع إلى عرف أو قرعه فعلى هذا إذا كان مخرج المال أحدهما كان هو البادئ بالرمي اعتباراً بالعرف وفيه وجه أخر أنه يقرع بينهما وإن كان باذل المال غيرهما كان لمخرج المال أن يقدر من شاء منهما اعتباراً بالعرف.
وفيه وجه آخر: أن يقرع بينهما، فإن كانا مخرجين للمال أقرع بينهما لتكافئهما، وهل يدخل المحلل قرعتهما أو يتأخر عنهما على وجهين:
أحدهما: يتأخر ولا يدخل في القرعة إذا قيل: إن مخرج المال يستحق التقدم.
والثاني: يدخل في القرعة ولا يتأخر إذا قيل: إن مخرج المال لا يتقدم إلا بالقرعة.
فصل:
قال الشافعي في الأم: "وقد جرت عادة الرماة أن يكون الرامي الثاني يتقدم على الأول بخطوة أو خطوتين أو ثلاثة ". وهذا معتبر بعرف الرماة وعادتهم، فإن كانت مختلفة فيه يفعلونه تارة، ويسقطونه أخرى سقط اعتباره ووجب التساوي فيه، وإن كانت عادتهم جارية لا يختلفون فيها، ففي لزوم اعتباره بينهما وجهان:
أحدهما: لا يعتبر لوجوب تكافئهما في العقد فلم يجز أن يتقدم أحدهما على الآخر بشيء، لأنه يصير مصيباً بتقدمه لا بحذقه.
والثاني: يعتبر ذلك فيهما لأن العرف في العقود كإطلاق الأيمان، فعلى هذا إن لم يختلف عرفهم في عدد الأقدام حملاً على العرف في عددها ليكون القرب بالأقدام في مقابلة قوة النفس بالتقدم.
وإن اختلف العرف في عدد الأقدام اعتبر أقل العرف دون أكثره فإن تقدم أحدهما
стр. 1930
على الآخر بما لا يستحق فلم يحتسب له بصوابه، واحتسب عليه بخطئه.
مسألة:
قال الشافعي: "وأيهما بدأ من وجه بدأ صاحبه من الآخر".
قال في الحاوي: عادة الرماة في الهدف مختلفة على وجهين، وكلاهما جائز. فمنهم من يرمي هدفين متقابلين، فيقف أحد الحزبين في هدف يرمي منه إلى الهدف الآخر، ويقف الحزب الآخر في الهدف المقابل، فيرمي منه إلى الهدف الآخر، وهذا أحبهما إلينا مع جوازهما. لقول النبي ﷺ : "بين الهدفين روضة من رياض الجنة " ولأنه أقطع للمتنافر، وأقل للتعب، فإن رميا إلى هدفين كان للمبتدئ بالرمي أن يقف في أي الهدفين شاء، ويرمي الآخر ويقف الثاني في الهدف الثاني، ويصير ذلك مستقراً بينهما إلى آخر رميهما، وليس لواحد منهما أن يدفع الآخر عن هدفه، وإن كان الهدف واحداً وقف المبتدئ في أي موضع شاء في مقابلته، ويقف الثاني حيث شاء من يمين الأول أو يساره، فإن لم يرض إلا أن يقف في موقف الأول، ففيه وجهان:
أحدهما: له أن يقف في موقف ليساويه فيه.
والثاني: ليس له ذلك، لأن الأول إذا زال عن موقفه بشيء حسن صنيعه. والله أعلم -.
مسألة:
قال الشافعي: "ويرمي البادئ بسهم ثم الآخر بسهم حتى ينفذا نبلهما".
قال في الحاوي: وهذا فيما يختص بالرمي دون السبق لاختصاص الرمي بالمبتدئ، فاختص بما يواليه من عدد ما يرمي؛ فإن شرطاه في العقد حملا فيه على موجب الشرط وكان الشرط أحق من العرف، فإن شرطا أن يرميا سهماً وسهماً، أو شرطا أن يرميا خمساً وخمساً، أو شرطا أن يواصل كل واحد منهما رمى جميع رشقه رمى كل واحد منهما عدد ما أوجب الشرط، فإن زاد عليه لم يحتسب به مصيباً ولا مخطئاً لخروجه عن موجب العقد، وإن أغفل ولم يشترط في العقد لم يبطل العقد بإغفاله لإحكامه التكافؤ فيه واعتبر فيهما عرف الرماة، لأنه يجري بعد الشرط مجرى الشرط، فإن كان عرف الرماة جارياً حدّ الثلاثة المجوزة في الشرط صار كالمستحق بالشرط، وإن لم يكن للرماة عرف لاختلافه بينهم رميا سهماً وسهماً، ولم يزد كل واحد منهما على سهم واحد حتى يستنفذا جميع الرشق، لأن قرب المعاودة إلى الرمي أحفظ لحسن الصنيع.
فإن رمى أحدهما أكثر من سهم، فإن كان قبل استقرار هذا الترتيب كان محتسباً به مصيباً ومخطئاً وإن كان بعد استقراره لم يحتسب به مصيباً ولا مخطئاً لأنه قبل الاستقرار
следующие страницы →