Полный текст (7 151 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
باب كيفية المسح على الخفين
قال: أخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي يَحْيَي. . . وذكر الخبر.
وهذا كما قال. قال: السنة في المسح على الخفين هي أن يمسح أعلى الخف وأسفله، وبه قال ابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، ومالك، وابن المبارك، وإسحاق.
وقال أبو حنيفة: السنة مسح الظاهر دون الباطن. وبه قال أنس، وجابر والشعبي،
والنخعي، والأوزاعي، والثوري، وأحمد، وداود.
واحتجوا بما روي عن علي ﵁ أنه قال: "لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى [٢٥٥ ب/١] بالمسح من ظاهره، لكني رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهره". وهذا غلط؛ لما روي عن المغيرة بن شعبة ﵁ أنه قال: وضأت رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فمسح أعلى الخف وأسفله، وخبرهم محمول على الجواز، ويرجح بالقياس، وهو أنه محل يجازي محل الفرض، فأشبه الظاهر.
فإذا تقرر هذا فيكفيه ذلك أن يضع يده اليسرى تحت عقب الخف، واليمنى على أطراف أصابعه، ثم يمرر اليمنى إلى ساقه واليسرى إلى أطراف أصابعه، وإنما يفعل ذلك لأنه أمكن وأسهل، ولأن اليد اليسرى للمباشرة الأذى، وأسفل الخف محل القذرات واليمني بعد ذلك. ولهذا قلنا: إذا أخذ الماء لمنخريه وأدخل فيهما بيمينه ينثره بيساره، وأما من تحت الخف ويدًا من فوقه، ثم يمسح مسحة واحدة تبلغ يده حد الوضوء.
وقال القاضي أبو حامد: نص الشافعي في مختصر الطهارة أن يمسح على العقب فقد قيل: يمسح عليه قولًا واحدًا. والذي نقله المزني: يحتمل أنه يريد به أنه يضع يده اليسرى تحت عقب الخف، فتكون بقية راحته على [٢٥٦ أ/١] عقبه. وقيل قولان: أحدهما: يمسح عليه لأنه يحاذي محل الفرق والثاني: لا يمسح عليه لأنه موضع صقيل ويفسد ذلك بالمسح، وفي إيصاله إلى العصون التي فيه مشقة والأول أصح.
فرع
لو كان على باطن الخف نجاسة فدلكه بالأرض، وقلنا: تجوز الصلاة فيه بالدللك في أحد القولين لا يمسح عليه، لأنه إذا مسح عليه زاد التلويث، فيلزمه حينئذ غسل اليد وغسل باطن الخف.
стр. 282
مسألة: قال: "وَإِنْ مَسَحَ عَلَى بَاطِنَ الْخُفَّ وَتَرَكَ الْظَّاهِرَ أَعَاد، وَإِنْ مَسَحَ عَلَى الْظَّاهِرِ وَتَرَكَ الْبَاطِنَ أَجُزَأَهُ".
وهذا كما قال. لا يجوز الاقتصار بالمسح على باطن الخف، هكذا نقله المزني وقال أبو إسحاق: يجزيه، والذي نقله المزني لا نعرفه للشافعي، وهذا لأنه موضع من الخف محاذي محل الفرض كالظاهر، وقال ابن سريج: لا يجوز كما ذكره المزني، ولا خلاف فيه بين المسلمين، وقول أبي إسحاق: إنه لا يعرف ذلك للشافعي غلط؛ لأنه نص في "مختصر البويطي" في آخر باب المسح على الخفين على أنه لا يجوز، فقال: "وإن مسح أسفله ولم يمسح أعلاه أعاد كل صلاة صلاها بهذا المسح". ونص عليه في الإملاء أيضًا، وهذا هو الصحيح؛ لأنه موضع من [٢٥٦ ب/١] الخف لا يرى غالبًا، فلا يجوز الاقتصار بالمسح عليه، لأنه لا يمتنع أن يكون البدل في موضع محل الفعل، كالتيمم لا يجوز إلا في الوجه واليدين خاصة. وقال القفال: فيه قولان، والأقيس جوازه، وإن كان ظاهر المذهب أنه لا يجوز، وفي هذا نظر.
فرع
لو أدخل يده في ساق الخف ومسح على الداخل لم يجز بلا خلاف، وأبو إسحاق أول قول المزني بهذا، ولو اقتصر بالمسح على أعلاه بلا خلاف أنه يجوز.
فرع آخر
لو اقتصر على مسح العقب، فإن قلنا: إنه سنة أجزأه، وإن قلنا: لا يسن، فيه وجهان: أحدهما: يجوز كالساق. والثاني: يجوز، لأنه يقابل محل الفرض، وقيل: وجه واحد أنه يجوز؛ لأنه موضع من الخف يحازي محل الفرض يرى غالبًا، فوجد فيه علة أبي إسحاق، وعلة ابن سريج.
مسألة: قال: " وَكَيْفَ مَا أَتَى بِالْمَسْحِ عَلَى طُهْرِ الْقَدَمِ بِكُلَّ الْيَدِ أَوْ بِبَعْضِهَا أَجْزَأَهُ".
وهذا كما قال: عندنا المفروض منه ما يقع عليه الاسم قل أو كثر، وبأي شيء مسحه به من يد أو خشبة بيده جاز. وقال أبو حنيفة: يجب أن يمسح قدر ثلاثة أصابع بقدر الممسوح والممسوح به، حتى لو مسح قدر ثلاثة أصابع من أصغر أصابع رجل الماسح وهي [٢٥٧ أ/١] الخنصر، وهذا لا معنى له؛ لأن التقدير على هذا الوجه لا يوجد إلا توفيقًا، ولم يرد ذلك.
وقال أحمد: لا يجزيه إلا مسح الأكثر من القدم؛ لأن الحسن البصري قال: سنة
стр. 283
المسح خطط بالأصابع. قلنا: هذا مرسل فلا يلزمنا القول به، وأراد بالسنة المستحب، ونحن نقول به.
باب الغسل للجمعة والأعياد
مسألة: قال الشافعي: "والاخْتِيَارُ في السُّنَّةِ لِكُلُ مَنْ أَرَادَ الْجُمْعَةِ الاغْتِسَالُ لَهَا".
وهذا كما قال: غسل يوم الجمعة سنة مؤكدة. قال الشافعي ﵀:" ما تركته قط ولا يجب عندنا". وقال مالك:"هو واجب يقضي بتركه إلا أن صلاة الجمعة تصح بدونه" وقيل: هذا مذهب داود ولا يصح عنه. وروى عن الحسن أنه قال:"هو واجب". وقال كعب الأحبار:"لو لم أجد ماء إلا بدينار في يوم الجمعة لاشتريته واغتسلت به".
واحتجوا بما روى أبو سعيد الخدري- ﵁ أن النبي ﷺ قال: "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم". ومعناه كل بالغ، وهذا غلط لما روى سمرة بن جندب أن النبي ﷺ قال:"من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل".
(٢٥٧ ب/ ١) وقوله فبها، أي بالفريضة أخذ. ونعمت: يعنى الخلة الفريضة. وقيل: معناه فبالسنة أخذ، ونعمت الخصلة السنة. وقال والدي ﵀: يحتمل أنه أراد به الضوء من الحدث بنية رفع الحدث والجمعة، ويحتمل أنه أراد الوضوء المجدد بنية التجديد والجمعة فيبقى للجمعة اختصاص من هذا الوجه، كالجنب يغتسل يوم الجمعة بنية الجنابة والجمعة تجوز عنهما، ويحتمل أن يقال: إذا توضأ بنية الحدث فقد استفاد فضل الطهارة للجمعة، وإن كان دون الفضل. وإذا نوى ذلك قياسًا على أحد القولين في الجنب يغتسل يوم الجمعة بنية الجنابة يصح الغسل عنهما.
قلت: ويحتمل أن يقال: أراد به التجديد للجمعة على الاختصاص، وهذا أشبه عندي؛ لأنه مدحه على ذلك لكونه في يوم الجمعة. وقد روى أبو سعيد الخدري، أن النبي ﷺ قال:" إذا أتى أحدكما الجمعة فليتوضأ بنيتها" وروى أنس- ﵁ أن
النبي ﷺ قال:"من توضأ فيها ونعمت، ومن اغتسل أفضل" والغسل من السنة.
стр. 284
وأيضًا فقد قال علي- رضي الله (٢٥٨ أ/ ١) عنه: أمرنا رسول الله ﷺ بالغسل يوم الجمعة وليس بواجب".
وروى ابن عباس- ﵄ أن النبي ﷺ قال:"الوتر علَّى فريضة وهو لكم تطوع".
وروى جابر أن النبي ﷺ قال:"من اغتسل يوم الجمعة فقد أحسن، ومن لم يغتسل فيها ونعمت".
وروى عن أنس أن النبي ﷺ قال:"من توضأ يوم الجمعة فيها ونعمت". وهي تجزئ عنه الفريضة، ومن اغتسل فهو أفضل وهي من السنة.
وروى ابن مسعود أن النبي ﷺ قال:"إن من السنة الغسل يوم الجمعة ".
وأيضًا روى عن عائشة- ﵂ أنها قالت: كان الناس عمال أنفسهم وكان مسجد رسول الله ﷺ على عرش، فيفرقون فتفوح منهم رائحة الضأن، فقال رسول الله ﷺ :"لو اغتسلتم" وهذا لفظ ندب وإرشاد لا لفظ إيجاب، وروى أنها قالت: كان الناس مهَّان أنفسهم. والمهان جمع الماهن وهو الخادم، تريد أنهم يتولون المهنة لأنفسهم في الزمان الأول حين لم يكن لهم خدم.
واحتج الشافعي عن عمر وعثمان- ﵄ وعام الخبر ما روى أن عمر بن الخطاب- ﵁ كان يخطب (٣٦٩ ب/ ١) على المنبر يوم الجمعة فدخل عثمان- ﵁ فقطع الخطبة وقال لعثمان: آية ساعة هذه؟ فقال عثمان: ما زدت على أن توضأت وحضرت. فقال عمر: والوضوء أيضًا أي واقتصرت على الوضوء، وقد علمت
أن النبي ﷺ كان يأمرنا بالغسل.
فقال الشافعي:"لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَرَجَعَ عُثْمَانَ وَمَا تَرَكَهُ عُمَرُ" فهذا دليل من فعلهما جميعًا على ما ذكرنا.
وقال القفال: في هذا دليل من فعلهما دليل على أنه يجوز للمحتشم الذي يوسع الناس له أن يتخطى رقاب الناس، وإنما يكره لمن لا يرى له هذا الإيجاب، وهو كما خرج رسول الله ﷺ يُهادي بين اثنين فخرقوا له الصفوف حتى وصل إلى المحراب، لأن الطهارة تراد الصلاة، فلو كانت واجبة لما صحت الصلاة دونها، أو يقول: لأنها طهارة مأمور بها من غير حدث فلا يجب كالغسل للإحرام وأما خبرهم: قلنا: أراد به وجوب الاختيار، كما يقال: حقك علَّي واجب، ونحو ذلك. والدليل على هذا ما روى عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال:"الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم ". والسواك لا يجب بالإجماع (٢٥٩ أ/ ١).
стр. 285
فإذا تقرر هذا، فالكلام الآن فيمن يستحب له الغسل، فاعلم أن القصد من هذا الاغتسال التنظيف وقطع الرائحة الكريهة، ولهذا خص الشافعي به من أراد صلاة الجمعة، ولا يستحب لمن لم يحضرها بخلاف غسل يوم العيد فإنه يستحب لمن يريد الحضور ولمن لا يريد؛ لأن ذلك للزينة وإظهار السرور، ولا يسن للمسافر إذا لم يرد أن يصليها.
وقال أبو ثور: يسن هـ ذلك، واحتج بقوله ﷺ :"غسل الجمعة واجب على كل محتلم. وهذا غلط؛ لقوله ﷺ :"من جاء إلى الجمعة فليغتسل"، وهذا أخص.
فرع
قال أصحابنا: ويستحب للصبيان أن يقتدوا بهم إذا أرادوا حضور الجمعة وإن قال ﷺ ""على كل محتلم".
فرع آخر
إذا أرادت المرأة أن تحضر الجمعة يستحب لها الغسل. وقال أحمد: لا يستحب؛
لأنها غير مخاطبة بالجمعة. وهذا غلط للخبر الذي ذكرناه. وأما ما ذكر فإنه ينتقض بالعيد.
فرع آخر
غسل الجمعة هل يستحب على من كان من أهلها ولكن ممنوع بعذر؛ فيه وجهان: أحدهما سنة، لأن زوال عذره مجوّر، ولزم الجمعة له ممكن.
والثاني: لا يسن، ذكره في "الحاوي"، والأول أظهر عندي، وبه قال جمهور أصحابنا.
فرع آخر
(٢٥٩ ب/ ١) إذا اغتسل للجمعة بعد الفجر ثم أجنب لم ينتقض، ولو استأنفه ناويًا كان أولى. وقال الأوزاعي: يعيد غسل الجمعة. وهذا غلط؛ لأنغسل الجمعة تنظيف، فإذا تعقبه غسل الجنابة زاده تنظيفًا فلا يعيد.
فرع آخر
قال القفال: فإن لم يجد الماء فتيمم حاز الفضيلة ويتصور في قوم في بلد توضأوا
стр. 286
ثم نفذ ماؤهم وانقطع، فتيمموا. ويتصور في الجريح في غير مواضع الوضوء يتيمم بنية الغسل.
فرع آخر
قال في "الأم": وعلى قياس هذا أحب التنظيف لكل من أراد حضور وطن يتجمعون فيه الناس، للطاعة والقربة بالاغتسال والسواك وحلق الشعر والتطيب.
مسألة: قال:" وَيُجْزِيهِ غُسْلُهُ لَهَا إِذَا كَانَ بَعٌدَ الْفَجْرِ".
وهذا كما قال. الكلام الآن في وقت غسل الجمعة، وله وقتان: وقت استحباب ووقت جواز. فالاستحباب هو وقت الوراح إلى الجمعة.
وأما وقت الجواز: فهو ما بين طلوع الفجر الثاني وصلاة الجمعة، فلو اغتسل قبل الفجر لا يجوز. وقال الأوزاعي: لو اغتسل قبل طلوع الفجر يوم عيد الفطر،
وهذا غلط؛ لأن غسل (٣٦٠ أ/ ١) للجمعة قبل الفجر فلا يجوز كما لو راح بعد طلوع الفجر.
وأما في العيد: إذا اغتسل قبل الفجر، قد قيل: فيه قولان: وإن سلمنا بالفرق أن وقت صلاة العيد إذا طلعت الشمس فيضيق على الناس وقت الغسل من الفجر، فجوزنا قبله بخلاف الجمعة فإنها بعد الزوال. وقال مالك: يحتاج أن يغتسل بعد الفجر ويروح، فإن أخر الرواح لم يجر. وقال القفال: رأيت مالك في الموطأ مثل مذهبنا، والدليل على قوله ﷺ :"غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم" فاعتبر اليوم ولم يفصل. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال:"من اغتسل يوم الجمعة ثم راح، فكأنما قرب بدنه". ثم للتراض قلا يجب عقيبه.
مسألة: قال:"وَإِنْ كَانَ جُنُبًا فَاغْتَسَل إنما أَجْزَأَهُ".
وبه قال أبو حنيفة وجماعة، وحكى عن مالك: لا يجوز حتى يفرد كل واحد منهما لاختلاف موجبهما، وهذا غلط، لأنه يكفي لغسل الجنابة والحيض غسل واحد، كذلك هاهنا، وقد روى نافع عن ابن عمر- ﵄ أنه كان يغتسل من الجنابة والجمعة غسلًا واحدًا. وإن نوى بغسله الجنابة أجزأه عن الجنابة.
وأما عن الجمعة: قال أبو إسحاق: قال المزني في" الجامع الكبير" (٢٦٠ ب/ ١): يجزيه عن الجمعة والجنابة؛ لأن القصد من غسل الجمعة التنظيف وقد حصل. وقال الربيع: قال في "الإملاء": لا يجزيه عن الجمعة، ولأنه
стр. 287
نوى التبرد لا يجوز عنه، وإن حصل المقصود كذلك هنا، وإن اغتسل ولم ينو الجنابة ولا الجمعة لا يجزئ عن واحد منهما؛ لأن كلها قربة تفتقر إلى النية، وإن اغتسل بنية الجمعة دون الجنابة، قال أصحابنا: لا تجزيه عن الجنابة قولًا واحدًا، وليس كالمحدث توضأ لقراءة القرآن ظاهرًا، أو الجنب اغتسل للعبور في المسجد يجوز له أن يصلي به في أضعف الوجهين، لأن المقصود من غسل الجمعة النظافة دون رفع الحدث بخلاف ذلك، فإنه
يتضمن رفع الحدث. وهل يجزيه عن الجمعة؟ فيه وجهان، والمذهب أنه يجزيه؛ لأنه نواها. والوجه الآخر لا يجزيه، لأنه لا تحصل النظافة. مع الجنابة. ومن أصحابنا من جعل هذا قولًا للشافعي وهو غلط.
وقال في "الحاوي" فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا يجزي عنهما. والثاني: يجزي عنهما. والثالث يجزيه عن الجمعة وحدها (٢٣١ أ/ ١) وهو اختيار جمهور أصحابنا.
والمستحب إذا كان جنبًا يوم الجمعة أن يغتسل للجنابة ثم يغتسل للجمعة حتى يكون قد فعل أكمل الوجوه، ذكره أصحابنا.
فرع
لو اغتسل بنية العيد حصل بعد غسل الجمعة، ولو اغتسل بنية الجمعة حصل به غسل العيد قولًا واحدًا بخلاف المسألة قبلها في أحد الطريقتين؛ لأن ذلك جنسان نفل وفرض، وهاهنا هما نقلان.
مسألة: قال:"وَأَحِبُّ الْغُسْل مِنْ غُسْلِ المَيَّتِ".
الفصل
وهذا كما قال: الغسل من غسل الميت مستحب غير واجب. وقال في التقديم: أوجبه للاختيار فيه. وقال في موضع من "الجديد": لو ثبت الخبر قلت به. يعني بوجوبه، وأراد به ما روى أبو هريرة- ﵁ أن النبي ﷺ قال:"من غسل ميتًا فليغتسل، ومن مسه فليتوضأ".
وقال النبي ﷺ لعلي- ﵁ بعد ما غسل أباه "اغتسل" ولم يفرق بين غسل الميت والمسلم والكافر في هذا، وإنما قال: "إن صح الخبر". لأن في إسناده ضعفاء. وقيل: إنه موقوف على أبي هريرة. ومن أصحاب الجديد من خرج لصحته مائة وعشرون طريقًا.
стр. 288
واختلف أصحابنا في هذا، فمنهن من قال قول واحد أنه (٢٦١ ب/ ١) لا يجب، وإن صح الخبر، ولفظه يحمل على الاستحباب والاختيار. وقيل: معنى قوله: "فليتوضأ" أي ليكن على وضوء لتتهيأ له الصلاة على الميت. ومنهم من قال: فيه قولان. فإذا قلنا: يجب، فقد قيل: إنه غير معقول المعنى، ويؤمر به تعبدًا للشرع وهو الصحيح.
وقيل: إنما وجب لأن الميت نجس والماء الذي يلاقيه نجس، فلا ينفك من يغسله عن نجاسة تصيبه، منه، ولا يعرف مكان فيلزمه غسل كل بدنه.
وقيل: إن لم نقل الميت نجس فلا نأمن أن تصيبه نجاسة مما يخرج منه، فأمر بالغسل للاحتياط. أو لما جاز أن يجب علينا أن نغسله جاز أن يجب علينا الغسل لغسله. وهذه وجوه ضعيفة.
وأما الوضوء بمسه فلا يجب، وتأويله كما ذكرنا كما قال: "ومن حمله فليتوضأ" على معنى أن يكون على وضوء عند حمله لئلا تفوته الصلاة عليه. وقيل: أراد مس ذكره. وقيل: أراد غسل اليد، فكذا في الوضوء من حمله أراد إذا باشر الحامل شيئًا من بدنه يغسل يده.
وروى عن أحمد أنه قال: يجب الوضوء من مسه، والغسل لا يجب إن شاء الله. وهذا غلط؛ لقوله ﷺ : "الماء من الماء". فدل أنه لا يجب الغسل من غير خروج الماء بحق الظاهر، ولأن غسل (٢٦٢ أ/ ١) آدمي فلا يوجب الغسل، كما لو غسله حيًا، ولأنه مس آدميًا لا يقصد به الشهوة فلا وضوء عليه كما لو مس حيًا. وقال أبو حنيفة والمزني: لا يسن الغسل من غسله، ولا الوضوء من مسه. وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر.
مسألة: "وَكَذَلِكَ الْغُسْلُ للأَعْيَاَدِ هو سُنَّةٌ اخْتِيَارًا".
وهذا كما قال: غسل العيد والجمعة سواء في الأحكام إلا في شيئين. أحدهما: أنه يستحب ذلك لجميع الناس، كالغسل للإحرام دون هذا. والثاني: يجوز قبل الفجر في قول.
وقال في "البويطي": ويغتسل للعيدين قبل الفجر وبعده. وقال القاضي الطبري: لا أعرف للشافعي غير هذا، فالمسألة على قول واحد بخلاف غسل الجمعة. وقال أبو حامد:
قال في "الأم": لا يجوز الغسل لها قبل الفجر كالجمعة. فالمسألة على قولين، وجملة مسنونات الغسل في غير الحج أربعة: غسل الجمعة، وغسل العيد،
стр. 289
والغسل من غسل الميت، وغسل الكافر إذا أسلم. ولم يذكر الشافعي في هذا الباب الأخير، وقد ورد به الخبر، وإن لم يكن لزمه الغسل أصلًا.
مسألة: قال: "وَأَوْلَى الغُسْلِ أَنْ يَجِبَ عِنْدِي بَعْدَ غُسْلِ الْجَنَابَةِ الْغُسْلُ مِنْ غُسلُ الْمَيَّتِ".
الفصل
وهذا كما قال: ليس بعد الغسل الواجب من غسلين (٢٦٥ ب/ ١) غسل الجمعة، والغسل من غسل الميت، ثم اختلف في قوله في الأوكد بعد الغسل الواجب، فقال في القديم: واجبًا، وبين أن لا يصح فيكون مستحبًا. وقيل: فيه وجه ثالث: هما سواء. واحتج المزني بأن الخبر إذا لم يثبت في الغسل من غسل الميت وثبت في غسل الجمعة فهو آكد، ثم أكد بأن من مس خنزيرًا أو ميتة لا غسل عليه ولا وضوء، فكيف يجب في أخيه المؤمن ذلك.
ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأنه لو ثبت الخبر في الميت وجب، لأن اللفظ أمر مطلق، فيخاف إذا تركه أن يكون تاركًا للواجب، وهناك يتيقن أنه لا يترك واجبًا، وليس كمس الخنزير، ولأن للآدمي من الحرمة ما ليس لغيره، ولا ينكر وجوب الغسل والوضوء من مماسة ما له حرمة كما لو مس فرجخ، فإنه يلزمه الوضوء بخلاف ما لو مس خنزيرًا أو فرجه. والجواب عن هذا أنه لم يثبت الخبر فيه، ولا ذهب أحد من السلف إلى وجوبه، ومذهب مالك وجوب الغسل للجمعة فلا يكون ذلك آكد منه.
باب حيض المرأة، وطهرها، واستحاضتها
(٢٦٣ أ/ ١) قال: قال الله تعالى: ﴿َيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾.
(البقرة: ٢٢٢)، الآية وهذا كما قال.
اعلم أن الحيض دم يرخيه الرحم عند بلوغها في أوقات معتادة، وأوصله من قولهم: حاض السيل إذا أفاض وسال. وحاضت الشجرة: إذا أخرجت صمغها حتى سال منها. والأصل فيه هذه الآية.
قال الشافعي: أراد المحيض الحيض، يقال: حاضت المرأة حيضًا ومحيضًا، كما يقال: سار سيرًا ومسيرًا ويكون تقديم الكلام: فاعتزلوا النساء في زمن حيضهن. وقيل: المحيض عبارة عن الفرج لأنه موضع الحيض، كما يسمى موضع البيتوتة مبيتًا، وموضع القيلولة مقيلًا، ويكون تقديره: اعتزلوهن فلا تجامعوهن في الفرج. وما قاله
стр. 290
الشافعي أولى؛ لأن الله تعالى وصفه بأنه أذى، والأذى هو الدم لا الفرج ولا الزمان. ولهذا قال: " حَتَّى يَطْهُرْنَ" (البقرة:٢٢٢)، وأراد يطهرن منه، وإنما يطهرن من الدم.
فإذا تقرر هذا، فاعلم أنه يتعلق بالحيض أربعة عشر حكمًا يوجب حكمين ويمنع الباقي. فالذي يوجب البلوغ به، والغسل. ويتعلق بالرفع حكمان: المنع من الاستمتاع والطلاق. ويتعلق بالعدة حكمان: يمنع الاعتداد بالشهور ويمنع الدخول في العدة الشرعية ويختص (٢٦٣ ب/ ١) ويتعلق بالمسجد ثلاثة أحكام: اللبث فيه، والاعتكاف، والطواف. ويتعلق بالصلاة ثلاثة أحكام تمنع وجوبها، وفعلها، وقراءة القرآن. ويبقى حكمان: حمل المصحف، والمنع من الصوم دون وجوبه. وقيل: خمسة عشر، وذلك أنه يمنع صحة الغسل؛ لأن الجنب إذا حاضت لا يصح غسلها عن الجنابة، وهذا يرجع إلى تعليق الغسل به؛ لأن الغسل لا يفيد شيئًا لوجوبه بالحيض. وقيل: يتعلق به اثني عشر حكمًا، ولم يحسب هذا القائل البلوغ، والغسل به، وصحة الغسل، وما ذكرناه أصح.
وقال القفال: جملته أن ما منعت الجناية منه منع الحيض منه وزيادة أربعة أشياء: وجوب الصلاة، وجواز الصوم، وإتيان الزوج، وكون الطلاق سببًا، قلت: ويمنع الاعتداد بالأشهر، والدخول في العدة الشرعية فالزيادة هي ستة لا أربعة.
فإذا تقرر هذا فاعلم أن الحيض إذا وجد ممن قد بلغت تسع سنين حكمنا ببلوغها؛ لأنه زمن تحيض له الجارية ويبلغ فيه الغلام بالاحتلام. قال الشافعي في "الأم": وأعجل من سمعت من النساء تحيض نساء تهامة يحيض لتسع، وقد رأيت جدة لها إحدى وعشرين سنة ولم يذكر الجدة تحديدًا أقل سن تكون فيه جدة. وإنما (٢٦٤ أ/ ١) أخبر عما رآه، فقد تكون جدة لها تسع عشرة سنة تحمل ولها تسع، وتضع بعد ستة أشهر ثم تحمل هذه الجارية لتسع وتضع بعد ستة أشهر، فيكون تسع عشرة سنة.
ومن أصحابنا من قال: إذا رأت الدم وقد دخلت في تسع سنين ولم تكمل التاسعة، هل نحكم بكونه حيضًا؟ فيه وجهان: أحدهما: نحكم لأنه يقال لها بنت تسع والثاني: لا نحكم وهو الأصح.
وتسع سنين هل هي حد تقريب أو حد تحقيق؟ وجهان: أحدها: أنه تحقيق يتعين الحكم بنقصان يوم. والثاني: تقريب فلا يضر نقصان يوم أو يومين، وهذا أقرب عندي.
ومن أصحابنا: قال: حد القرب هو أن لا يكون بين انقطاع الدم والتسع زمان يسع لحيض أو طهر، ولو رأت قبل الستع موصولًا بالتسع، وقلنا: إنه تحديد فإن رأت قبل التسع أقل من يوم وليلة، وبعد التسع قدر يوم وليلة، فإنا نجعل الكل حيضًا. وإن رأت
стр. 291
قبل التسع يومًا وليلة وبعده دون يوم وليلة لم يجعل حيضًا. وإن كان المجموع يبلغ قدر أقل الحيض بعضه قبل التسع وبعضه بعد التسع هل يجعل حيضًا؟ وجهان.
وأما الغسل فقد ذكرنا حكمه كيف يجب بالحيض. وأما الطلاق فلا يحل (٢٦٤ ب/ ١) في حال الحيض بغير عوض. وأما العدة قفلا تدخل المقعدة في العدة الشرعية ما دامت حائضًا حتى تطهر. وأما الاعتداد بالشهود فلا يكون إلا في حق من لا تحيض. وأما اللبث في المسجد فلا يجوز لها كالجنب. وأما العبور ففيه كلام سنذكره إن شاء الله، وأما الاعتكاف فيه فهو عين اللبث في المسجد، وكذلك الطواف. ويفتقر إلى الطهارة ولا تصح منها. وأما الصلاة فقد روى أن امرأة سألت عائشة- ﵄ عن الحائض هل تقضي الصلاة؟ فقالت: لا. فقالت لها: فمال بال الحائض تقضي الصوم دون الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت كنا ندع الصوم والصلاة على عهد رسول الله ﷺ فنقضي الصوم دون الصلاة. وقولها:" أحرورية أنت" تعني من أهل حروراء أنت؟ وأكثر أهل حروراء خوارج، وإنما زجرتها ولم يتبين لها دليلًا؛ لأن تلك المرأة لم تكن أهلًا لذلك، ولم تكن ممن تقيم الحجة، وتمنع القراءة لأنها أسوأ حالًا من الجنب، ويمنع الصوم دون وجوبه. والفرق بين الصوم والصلاة من حيث المعنى: هو أن قضاء الصوم لا يشق؛ لأنه ربما يفسد من شهر رمضان خمسة عشر يومًا ولا يشق قضاء ذلك في باقي السنة. والصلاة تتكرر (٢٣٦٥ أ/ ١)، فإذا قضت في كل شهر أدي إلى المشقة، ولأن الصوم لم تبن على أن تؤخر ثم تقضى، بل لا تجنب في مواضع، ومتى وجبت لم يجز تأخيرها بعذر.
والصوم بنى على ترك بعذر المرض، أو السفر والقضاء بعده، فجاز لها أن تترك أيضًا ثم تقضيه، ولهذا يترك المسافر ركعتين لا إلى القضاء ويترك الصوم إلى القضاء.
وأما الاستمتاع بها فهو على ثلاثة أضرب؛ محظور، ومباح، ومختلف فيه فالمحظور: هو الوطء في الفرج، كقوله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة:٢٢٢]. وروى أن اليهود كانوا يعتزلون الحيض أشد الاعتزال فلا يواكلوهن، ولا يشار بوهن، ولا يساكنونهن في بيت واحد، ولا يتناولونهن الطعام إلا برأس خشبة. والنصارى كانوا يخالطون الحيض أكثر من مخالطة الطاهرات، يتقربون بذلك إلى الله تعالى، فلما جاء الإسلام سئل رسول الله ﷺ عن ذلك، فنزلت هذه الآية، فظن المسلمون أنهم أمرور بمثل ما تفعله اليهود، فسألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال:" وأكلوهن وشاربوهن وضاجعوهن، وافعلوا بهن كل شيء إلا الجماع ". فقالت اليهود: لا يدع هذا الرجل شيئًا إلا خالفنا فيه، فسمعه سعد بن عبادة، فأراد مغايظتهم، فأتى [٢٦٥ ب/١]
стр. 292
رسول الله ﷺ وقال: إن اليهود قالت كذا وكذا، فأذن لنا في جماعهن، فتغير وجه رسول الله ﷺ حتى ظننا أنه قد وجد عليه.
وروى أبو داود في سننه أن سيد بن حضير وعباد بن بشر سالا ذلك منه فتمعر وجه رسول الله ﷺ قال أنس ﵁: حتى ظننا أنه قد وجد عليهما، قال: فخرجنا واستقبلهما هدية من لبن إلى رسول الله ﷺ ، فبعض في آثارهما فسقاهما، وظننا أنه لم يجد عليهما.
وهذا أصح عندي. وقوله:"تغير" هو مصحف، ومعنى تمعر أي تغير، والأصل في التمعر قلة النظارة.
وقوله:"فظننا أنه لم يجد عليها" أراد علمنا، فالظن الأول حسبان والظن الآخر علم ويقين، فأن بادر فوطئ فإن كان جاهلًا بالتحريم أو الحيض، أو بوجوب الكفارة فلا كفارة عليه، وإن كان عالمًا بع ففيه قولان، قال في"الجديد": "لا كفارة عليه ويتوب إلى الله تعالى ويستغفر الله تعالى منه" وقال في"القديم":"إن كان في إقبال الدم تصدق بدينار، وإن كان في إدباره تصدق بنصف دينار" وذلك يجب على الزوج في ماله، ويصرفها إلى الفقراء والمساكين، وبه قال الأوزاعي، وأحمد، [٢٦٦ أ/١] وإسحاق.
وحكي عن أحمد أنه قال:"يتخير بين الدينار ونصف الدينار". ووجهه ما روى مقسم عن ابن عباس-﵁ أن النبي ﷺ قال في الذي يأتي أهله وهي حائض:"يتصدق بدينار أو نصف دينار".
وروى": من أتى امرأة حائضًا فليتصدق بدينار، ومن أتاها وقد أدبر الدم عنها ولم تغتسل فليتصدق بنصف دينار". وقيل: قال الشافعي في مواضع:" إن صح هذا الحديث قلت به".
وروي:" ومن أتاها بعد ما رأت الطهر ولم تغتسل فعليه دينار". وروي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال:"من جامع امرأة وهي حائض في أو الدم فليتصدق بدينار، وإن جامعها في لآخر الدم وقد انقطع قبل أن تغتسل فليتصدق بنصف دينار".
ووجه قوله الجديد وبه قال مالك، والثوري، وأبو حنيفة، ما روى أبو هريرة-﵁ أن النبي ﷺ قال:" من أتى كاهنًا فصدقه فيما يقوله، أو أتى امرأة في دبرها، أو حائضًا، فقد برئ مما جاء به محمد" ولم يذكر الكفارة.
стр. 293
وروي أن رجلًا قال لأبي بكر الصديق: رأيت في منامي كأنني أبول دمًا. فقال: يوشك أن تطأ امرأتك وهي حائض، قال: [٢٦٦ ب/١] استغفر الله ولا تعد. ولم يوجب الكفارة، ولأنه وطء حرم لأجل الأذى فلا تجب به الكفارة كالوطء في الدبر.
وأما الخبر الذي ذكروه وروي موقوفًا على ابن عباس ولا يثبت مرفوعًا، وألفاظه مختلفة، ويحتمل الاستحباب، ولهذا إنه حير بين الدينار ونصفه.
وروي عن عمر-﵁ أنه قال:" يجب إعتاق رقية"، وبه قال سعيد بن جبير. وروى عن الحسن البصري أنه قال:" يلزمه نا يلزم من المجامع في نهار رمضان"، وبه قال عطاء الخراساني، وهذا لا يصح لما ذكرنا.
وقال الأستاذ الإمام أبو إسحاق الإسفراييني:" أراد بإدبار الدم انقطاع دمها ووطئها قبل الاغتسال فيتصدق بنصف دينار. وأما قبل الانقطاع فيجب دينار وإن كان في آخره" وسائر أصحابنا قالوا: إدبار الدم هو أن يقل ويقرب الانقطاع فإذا تقرر هذا، فإذا انقطع دمها لا يحل له وطئها أيضًا، وسواء انقطع لأكثر الحيض أو لأقله، أو لما بينهما حتى تصير إلى صفة تسبيح الصلاة بالغسل عند وجود الماء، وبالتيمم عن عدمه. وبه قال الزهري وربيعه، والحسن، وسليمان بن يسار، ومالك، والليث، والثوري، وأحمد، وإسحاق.
وقال أبو حنيفة: إن انقطع دمها لعشرة أيام-وهي أكثر مدة الحيض عنده-[٢٦٧ أ/١] حل وطئها وإن لم يغتسل. وإن انقطع دمها لدون العشر لا يحل وطئها ما لم تغتسل أو يمر عليها وقت الصلاة. وعندنا مرور وقت الصلاة لا يبح الوطء بحالٍ. وقال أيضًا: لا يحل وطئها بالتيمم حتى تصلي بالتيمم. وقال مكحول: لا يحل وطئها بالتيمم أصلًا. وقال طاوس ومجاهد: إذا لم تجد الماء يحرم وطئها حتى تتوضأ ثم تحل.
واحتج الشافعي على أبي حنيفة بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، يعني من الحيض، وهو انقطاع الدم ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ يعنى اغتسلن بالماء ﴿فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٢٢]، يعني في القبل دون الدبر، وقد قرنت هذه الآية (حتى يطهرن) بتشديد الطاء والهاء، يعني يغتسلن.
وأما الاستمتاع المباح فهو مباشرتها فوق الإزار، والإزار عبارة عما بين السرة والركبة، وهو قدر عورة الرجل.
وأما المختلف فيه فمباشرتها بما تحت الإزار ما دون الفرج، نص الشافعي أنه حرم خوفًا أن يصيبه منها أذي. ذكره في أحكام القرآن و"الأم" وبه قال مالك: وأبو حنيفة، وأبو يوسف. قال أبو إسحاق بن خيران وحكاه صاحب"الحاوي" عن مالك هو
стр. 294
حلال. وبه قال الثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، ومحمد بن الحسن، واختاره ابن المنذر. وروي ذلك عن الشعبي والنخعي.
وقال [٢٦٧ ب/١] بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان. قال في "القديم": لا يحرم ذلك، وهذا غريب. وقيل وجهان، والصحيح ما ذكرت. ووجه القول الثاني ما روي عن النبي ﷺ أنه قال:"اصنعوا كل شيء غير النكاح".
وروى عن عائشة-﵂ أنها قالت: كنت مع رسول الله ﷺ في الخميلة،
فحضت فانسللت، فقال ﷺ :"مالك؟ أنفست"؟ قلت: نعم. فقال:" ائتزري وعودي إلى مضجعك". فائتزرت وعدت، فنال مني ما ينال الرجل من امرأته إلا الجماع.
وقال عائشة-﵂:" كان رسول الله ﷺ يأمرنا في فوج حيضتنا أن نَتَّزِرَ ثم يباشرنا، وأيكم كان يملك إربه كما كان رسول الله ﷺ يملك إربه". وفوج الحيض هو معظمه وأوله، يقال: فاج وفاع بمعنى واحد. والإرب: مكسورة الألف، والأرب مفتوحة الألف والراء كلاهما واحد، ومعناه: وطر النفس وحاجتها.
ووجه القول الصحيح ما روي عن عائشة-﵂ قالت قيل لرسول الله ﷺ : ما الذي يحل للرجل من امرأته الحائض؟ فقال:" ما فوق الإزار:.
وقال أبو [٢٦٨ أ/١] الفياض من أصحابنا: فيه ثلاثة أوجه، والوجه الثالث أنه كان يضبط نفسه عن إصابة الفرج، وأما لضعف شهوته أو لقوة تحرجه، جاز الاستمتاع بذلك، وإن لم يضبط نفيه فلا يجوز، لقول عائشة:" وأيكم يملك إربه" الخبر.
فرع
لو تلوث بدم الحيض ما عدا ما بين السرة والركبة هل يحل مباشرتها في موضع تلوثها بالدم؟ هذا لا فيه للشافعي, وقال أصحابنا: لو قيل يحرم ذلك كما يحرم ما تحت الإزار لم يبعد. ولو قيل: لا يحرم لأنه لا يخاف أن يصيبه دم الحيض من الفرح بغير واسطة بلم يبعد أيضا، وهذا أصح وهو فرق واضح، فصار ذلك بمنزلة سائر النجاسات إذا أصابها لا يمتنع الاستمتاع.
فرع آخر
لو قصد رحل غشيان زوجته فزعمت أنها حائض، وهكذا كلما رغب فيها قالت هكذا، ولا يعرف الرجل ميقات حيضها وطهرها، فكل مكان يصدقها فأنها حائض لا يحوز له
стр. 295
وطئها، وكل زمان لا يصدقها فله وطئها ولا يقبل قولها، ويفارق هذا إذا قال: أما إن حضت فأنت طالق، فقالت حضت يقع الطلاق وإن كذبها؛ لأن التقصير من جهته حيث علق الطلاق بأمر لا يعرف إلا بالقول منها، وأما الإباحة [٢٦٨ ب/١] والتحريم بالحيض فهو أمر شرعي، ولم يحد من جهة الزوج تقصير فلا يلزمه قولها فيه.
فرع آخر
الحائض هل هي مخاطبة بصوم رمضان؟ وجهان: احدهما: أنها مخاطبة بدليل وجوب القضاء. والثاني: أنها لا تكون مخاطبة؛ لأنها ممنوعة منه بسبب عي غير مفرطة ولا لها قدره على إزالة المانع والقضاء وحب بأمر ثان.
مسألة: قال:" وَإِذَا اتَّصَلَ بِالْمَرْأَةِ الدَّمُ نَظَرَتْ".
الفصل
وهذا كما قال. أراد أنه اتصل دم الحيض بدم الاستحاضة، والاستحاضة تخالف الحيض اسمًا وحكمًا ومحملًا، ولا يمنع الاستحاضة ما يمنع الحيض، وخروجه من عرق خارج الرحم، يقال له: العاذل، في أدنى أول الرحم، وخروج الحيض من الرحم، ثم الاستحاضة تنفصل من الحيض، فإن يكون في حال نقصان السن أو لنقصان القدر، بأن يكون دون يوم وليلة، وقد يتصل بالحيض دم الاستحاضة بأن يجاوز الدم أكثر مدة الحيض، فيعرف أن بعضه حيض، وبعضه استحاضة. والأصل في هذا أن الشافعي-﵀ رجع في أقل الحيض وأكثره، وفي أقل الحمل وأكثره، وأقل سن تحيض فيه الجارية، وأقل سن تيأس به المرأة من الحيض وأقل [٢٦٩ أ/١] الطهر، وأكثر النفاس إلى الوجود، ومعنى الوجود ما جرى به عرف العادة، وهذا لأن كل ما ورد به الشرع مطلقًا، ولا بد من تقديره، ولا تقدير له في الشرع ولا في اللغة، فالمرجع فيه إلى العرف والعادة، كالإحراز، وكالقبض والتفرق في البيع.
فإذا ثبت هذا وجد الشافعي-﵀ أقل سن تحيض له الجارية لتسع سنين. فإن رأت قبل التسع فهو دم فساد ولا يتعلق به حكم الحيض. وإن رأت لتسع سنين فإن لم يتصل يومًا وليلة فهو دم فساد أيضًا، وإن اتصل يومًا وليلة فهو حيض، فإن زاد على ذلك لا يخلو إما أن يتجاوز خمسة عشر أو لا يتجاوزها فإن لم يتجاوزها مثل إن انقطع لتمامها أو لما دونها فهي حائض. وإن غير خمسة عشر فهي مستحاضة ودخلت الاستحاضة في الحيض، ولا تمنع الاستحاضة صحة الحيض؛ لأن الاستحاضة مرض وسقم، والحيض عادة وصحة، والسقم يطرأ على الصحة، والصحة على السقم، فإذا صارت مستحاضة نذكر حكم المستحاضة.
وجملته: أن المستحاضة على أربعة أضرب: مميزة لا عادة لها، ومعتادة لا تميز
стр. 296
لها، ومن لها تميز وعادة، ومن لا تمييز لها ولا عادة. والأصول منها ثلاثة مميزة ومعتادة [٢٦٩ ب/١] ومن لا تمييز لها ولا عادة، وكلها في المختصر على هذا الترتيب، والتي لها تمييز وعادة فرع من هذه الأصول، لأنها جمعت ضفة أصلين، ولكل أصل من هذه الثلاثة أصل في الشريعة ثبت به، فالأصل في المميزة حديث فاطمة بنت أبي حبيش قالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطر، أفأدع الصلاة؟ فقال النبي ﷺ :"إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، ثم اغتسلي وصلي".
وروي أنه قال:" إنما هو داء عرض أو عرق انقطع، توضئي لكل صلاة" وروى أنه قال لها:" إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف، فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي فإنما عو عرق". أو ردها إلى التمييز.
وروى أن النبي ﷺ قال لأم حبيبة بنت جحش:"إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي". وقد استحيضت سبع سنين، ولا يقول لها ﷺ هذا إلا ويعرف إقبالها وإدبارها بعلامة ينفصل لها من الأمرين، وهي بأن تراه زمانًا أسود ثخينًا فذلك إقبال حيضها، ثم تراه رقيقًا مشرقًا [٢٧٠ أ/١] فذلك إدبارها.
وروى عن ابن عباس-﵁ أنه قال:"إذا رأت الدم البحراني فلا تصلي، وإذا رأت الطهر ولو ساعة فلتغتسل وتصلي". وأراد البحراني: الدم الغليظ الواسع الذي يخرج من قعر الدم، ونسب إلى البحر لكثرته وسعته.
والأصل في المعتادة: ما روى عن أم سلمة-رضى الله عنها- أن امرأة كانت تهراق الدم على عهد رسول الله ﷺ ، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله ﷺ فقال:"لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك فلتغتسل، ثم لتستثفر ثوب ثم لتصل" الاستثفار
هو: أن تشد توبًا تحتجر به تمسك موضع الدم لتمنع السيلان، وهو مأخوذ من الثفر، قالت عائشة ﵂: رأيت مركنها ملآن دمًا. والمركن: شبه الجفنة الكبيرة.
والأصل في التي لا تمييز لها ولا عادة: ما روى عن حبيبة بنت جحش، قالت:
стр. 297
كنت أستحاض حيضة كبيرة شديدة، فأتيت رسوله الله ﷺ أستفتيه وأخبره، فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش [٢٧٠ ب/١] فقلت: يا رسول الله، إن لي إليك حاجة، وإنه لحديث ما منه بد، وإني لأستحي منه، فقال:" ما هو يا هنتاه"؟ فقلت: إني امرأة أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فما ترى فيها معنى الصوم والصلاة. فقال:"فإني أنعت لك الكرسف، فإنه يذهب الدم"، وقيل:" أبعث لك الكرسف" وهو مصحف عندي. قلت: هو أكثر من ذلك، قال:"فتلجمي" قلت: هو أكثر من ذلك، قال: فاتخذي ثوبًا قلت هو أكثر من ذلك إنما أثج ثجًا، قال:"سأمرك بأمرين أيهما فعلت أجزاك عن الآخر، فإن قويت عليهما فأنت أعلم، إنما عي ركضة من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله، ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي ثلاثًا وعشرين أو أربعة وعشرين ليلة وأيامها، وصومي فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء وكما تطهرن ميقات حيضهن وطهرهن، وإن قويت على أن تؤخرني الظهر وتعجلي العصر فتغسلي وتجمعي بين الصلاتين الظهر والعصر، وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر فافعلي، وصومي إن قدرت على ذلك". قال [٢٧١ أ/١] رسول الله ﷺ :"وهذا أحب الأمرين إلي".
قال الشافعي: واحتمل هذا أمرين:
أحدهما: أنه كان لها عادة، فردها رسول الله ﷺ إلى عادتها إن كانت ستًا فستًا، وإن كانت سبعًا فسبعًا، فلا تكون المستحاضة إلا أصلان مميزة ومعتادة.
والثاني: أنه لم يكن لها عادة، بل كانت مبتدأة، فردها رسول الله ﷺ إلى غالب عادة النساء إن كانت ستًا فستًا، وإن كانت سبعًا فسبعًا وهو أخد قولي الشافعي فيكون هذا أصلًا ثالثًا في التي لا تمييز لها ولا عادة وقد بين النبي ﷺ حكمها.
وقال أصحابنا: ويحتمل وجهًا آخر، وهو أن هذه المرأة قد ثبت لها فيما تقدم أيام ستة أو سبعة، إلا أنها قد نسيتها فلا تدري أيتها كانت، فأمرها أن تتحرى وتجتهد وتبني أمرها
على ما تيقنه، من أحد العددين، وحكاه صاحب الشامل هذا عن الشافعي. والدليل على هذا أنه قال:" في علم الله"، أي فيما علم الله من أمرك من ستة أو سبعة، وقد ترك بعض أصحابنا القول بهذا الخبر، لأن في رواية كلامًا، وصار في المبتدأة التي لا تمييز لها إلى أنها تحتاط وتأخذ باليقين، فلا تترك الصلاة إلا أقل مدة الحيض وهو يوم وليلة [٢١٧ ب/١] ثم تغتسل وتصلي سائر الشهور وهذا أحد قولي الشافعي. وقوله:" أنعت لك الكرسف" يعني: القطن وقوله:" أثج ثجًا": فإن الثج شدة السيلان. وقوله:
стр. 298
" إنما هو ركضة من ركضات الشيطان": فأصل الركض الضرب بالرجل والإصابة بها، يريد به الإضرار والإفساد، كما تركض الدابة وتضرب برجلها، ومعناه: أن الشيطان قد وجد بذلك طريقًا إلى التلبس عليها في أمر دينها، فصار في التقدير كأنه ركضة نالتها من ركضاته، وإضافة النسيان في هذا على فعل الشيطان، كهو في قوله تعالى: ﴿َأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ﴾ [يوسف:٤٢].
وقد روى أصحابنا في المستحاضة الناسية للوقت المتحيرة في أمرها: أن حبيبة بنت جحش استحيضت في عهد رسول الله ﷺ فأمرها بالغسل لكل صلاة، وروت زينب بنت أبي سلمة أن امرأة كانت تهراق الدم، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف، فأمرها رسول الله ﷺ أن تغتسل عند كل صلاة وتصلي. وروت عائشة-﵂ أن سهلة بنت سُهيل استحيضت، فأتت النبي ﷺ ، فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة، فلما جهدها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل، والمغرب [٢٧٢ أ/١] والعشاء بغسل، وتغتسل للصبح. والشافعي-﵀ لا يقول بهذا الجمع، فإذا تقرر هذا، بيني كل واحدة منهن ويذكر حكمها.
فالمميزة: هي التي لا إعادة لها، هي المبتدأة ترى الدم ثم يتصل بها وينفصل بعضه عن بعض ما يقع التمييز به، وذلك يكون بلون وريح ورقة. فاللون يكون الأول أسود، ثم يتغير إلى الحمرة. قال الشافعي: يكون أسود محتدمًا وأرد بالمحتدم: الحار كأنه محترق. يقال: احتدم النهار إذا اشتد حره. وأما الريح: يكون الأول رائحة، ثم تزول. وأما الرقة: أن يكون الأول ثخينًا، ثم يرق فيصفر أو يشرق، فإذا تميز شيء من هذا، فإنما يتعلق حكم التمييز إذا اجتمع شرطان: أحدهما: أن لا يزيد الأسود أو الأحمر على أكثر الحيض.
والثاني: أن لا ينتقص عن أقل الحيض؛ لأنه إذا زاد على أكثر الحيض لا يجوز أن يجعل جميع الأسود حيضًا. وإذا نقص عن اليوم والليلة لا يجوز أن يكون حيضًا. فإذا وجد هذان الشرطان رددناها على الدم السود، وجعلناه حيضًا، وقضت ما زاد عليه من الصلوات هذا في الشهر الأول. فأما في الشهر الثاني تترك الصلاة في الدم الأول، فإذا تغير وصار بعد السواد أحمر تغتسل وتصلى ولا تنتظر إلى آخر [٢٧٢ ب/١] خمسة عشر، وإنما تنتظر في الشهر الأول فقط إلى خمسة عشر لتنظر هل ينقطع لتمام الخمسة عشر أو يختلط به دم الاستحاضة. فأما الشهر الثاني فقد حكمنا بأنها مستحاضة وعرفت أمر نفسها فلا تؤخر الصلاة.
وأما المعتادة التي لا تمييز لها: هي أن يكون لها عادة مستقرة في كل شهر، فلما كان في هذا الشهر اتصل الدم وزاد على العادة على لون واحد، وقول الشافعي: وكان مشتبهًا إلى لون الدم مشتبهًا شبه بعضه بعضَا، فإنها تؤخر الصلاة حتى تنظر، فإن انقطع لخمسة عشر فما دونها فهو حيض، وإن عبر خمسة عشر فهي مستحاضة تغتسل حين عبر، ثم تقضي ما بعد العادة، وتقعد في كل شهر بعد الأول عن الصلاة في أيام
стр. 299
العادة، وتغتسل عقيبها وتصلي ولا تؤخر، وتكون على يقين الطهر، ولا يجئ فيه قول الاحتياط.
وأما التي لها تمييز وعادة: مثل إن كان لها عادة في كل شهر، فلما كان في هذا الشهر زادت العادة وتغير الدم، فإنها تقعد عن الصلاة حتى تنظر، فإن انقطع لتمام خمسة عشر فما دونها فهو حيض، وإن عبر خمسة عشر فهي مستحاضة فتنظر عقيبه فإن تغير عند انتهاء العادة واتصل فهذه امرأة قدر عادتها وتمييزها [٢٧٣ أ/١] واحد تغتسل حين يعبر وتقضي ما بعد الأول، وإن تغير بعد أن جاوز العادة، مثل إن كانت العادة خمسة أسود فاتصل في هذا الشهر الأسود عشرة، ثم تغير إلى الحمرة واتصل، فالمنصوص أن التمييز مقدم على العادة. وبه قال جمهور أصحابنا، وهذا لأن التميز اعتبار صفة الدم في الوقت، والعادة هي اعتبار صفة ما مضاى فالصفة في الوقت أولى. وقال ابن خيران، والاصطخري: العادة مقدمة على التمييز، وبه قال أحمد: لأن العادة أسبق فلا تبطل بالتأخير، ولأن العادة لا تختلف والتمييز يختلف، وهذا لا يقوى؛ لأن العادة تختلف أيضًا في الشهور كالتمييز. وإذا قلنا العادة مقدمة قضت ما بعد العادة. وإذا قلنا التمييز مقدم قضت ما بعد التمييز. فأما ما بعد هذا من الشهر فلا تؤخر الصلاة عقيب العادة إن اعتبرنا العادة، ولا بعد التمييز إن اعتبرنا التمييز.
وقال أبو حنيفة لا اعتبار بالتمييز وإنما الاعتبار بالعادة. قال: فإن لم يكن لها تمييز وكان لها عادة استظهرت بعد زمان العادة بثلاثة أيام، وإن لم يجاوز خمسة عشر يومًا، ثم
بعد ذلك هي مستحاضة لا حيض لها. وروى عنه أنه قال: إذا انقضى الدم الأسود فقعد [٢٧٣ ب/١] ثلاثة أيام استظهارًا.
فأما التي لا تمييز لها ولا عادة: فهي المبتدأة إذا طبق بها الدم بصفة واحدة أو بصفتين، إلا أن السواد يزيد على خمسة عشر أو ينتقص عن يوم وليلة، فيكون ذلك تمييزًا فاسدًا لا اعتبار به، فتتوقف عن الصلاة. فإن انقطع لجون خمسة عشر ولتمامها فهو حيض، وإن غير فهي مستحاضة.
وفي مقدار حيضها قولان:
أحدهما: اليقين، وهو يوم وليلة, وبه قال أحمد في رواية، وأبو ثور، وزفر، وهذا لأن الزيادة على اليوم والليلة مشكوك فيها فلا يعمل فيها.
والثاني: غالب عادة النساء، وهي ست أو سبع والباقي طهر، وبه قال عطاء، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق وأحمد في رواية. ووجهة خبر حمنة بنت جحش وظاهره أنها كانت مبتدأة لأنه لم ينقل أنه سألها عن حيضها قبل ذلك، وروي البويطي قولًا ثالثًا: أنها ترد إلى أقل الحيض وأقل الطهر وليس بمشهور.
وروى ابن القاسم عن مالك: أنها تقعد خمسة عشر يومًا حيضًا. وروي ذلك عن
стр. 300
أحمد. وعن أحمد رواية رابعة أنها ترد على عادة نسائها. وقال أبو حنيفة: تحيض أكثر الحيض. وقال أبو يوسف: تأخذ في الصوم والصلاة [٢٧٤ أ/١] بالأقل، وفي وطء الرفع بالأكثر. فإذا قلنا بالقول الأول اغتسلت وقضت ما بعد يوم وليلة. وإذا قلنا بالقول الثاني قضت ما بعد ست أو سبع. وأما في الشهر الثاني إذا مضى وقت حيضها تغتسل وتصلي ولا تتوقف عن الصلاة. فإذا قلنا ترجع إلى غالب عادة النساء فالست والسبع علي التخيير أو على الاجتهاد؟ وجهان:
أحدهما: على التخيير أي العددين شاءت؛ لأن كل واحد منهما قد ثبت لا لعرف فيه، وعلم الرسول أن كل واحد منهما عادة غالبة في النساء فخيرها.
والثاني: أنه على الاجتهاد فتجتهد في الأغلب منهما وتعمل على ما ثبت عندها أنه أغلب، وهذا هو المذهب، والرسول ﷺ عرف أن أحدهما هو الغالب فأمرها بالاجتهاد في أغلبهما، قال ابن سريج: وعلى هذا الوجه يحتمل وجهين:
أحدهما: أنها تجتهد في الغالب من هذين العددين في عادة نسائها من قبيلتها وعشيرتها، ولا تعتبر نساء العصبات كما في مهر المثل، بل تعتبر بجملة نساء أهل بيتها من
طرفي نسبها وهو المذهب، وهذا لأن طبعها إلى طباعهن أقرب. وذكر بعض أصحابنا نساء العصبات، وهو غلط ظاهر.
الثاني: تعتبر نساء الدنيا في بلدها خاصة، فإذا [٢٧٤ ب/١] قلنا: ترد إلى يوم وليلة فما حكمها وبعد اليوم والليلة إلى تمام خمسة عشر يومًا؟ فيه قولان: أحدهما: لها من للطاهرات تتوضأ لكل صلاة.
وثانيهما: زوجها، ويصح صومها وصلاتها فيها. ولفظ الشافعي في"الأم": يحل لزوج المستحاضة وطئها إن شاء الله تعالى.
والثاني: أنها تستعمل للاحتياط فلا يأتيها زوجها في ذلك الوقت، وتغتسل لكل صلاة، ولو صامت فيها أو طاقت قضت؛ لأنه يحتمل أن يكون ذلك زمان الحيض، والأصل بقاء الفرض فالاحتياط، هكذا نص عليهما في"الأم" والصحيح الأول؛ لأن حكمنا بأنه زمان طهر، فلا يجوز أن لا يكون لها فيه حكم الطاهرات بخلاف المتحيرة؛ لأن هناك لم يتقدم طهرها المشكوك حيض بيقين. وقال الحكم، وابن سيرين، والنخعي: لا يجوز وطء المستحاضة وبه قال أحمد، إلا أن بخاف العنت على نفسه؛ لأن بها أذى, وهذا غلط لأن حمنة بنت جحش كانت مستحاضة، وكان زوجها طلحة-﵁ يجامعها، وأم حبيبة كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، وكان يطأها مستحاضة، والظاهر أن ذلك كان بإذن رسول الله ﷺ .
وأما قول الشافعي في"المختصر": لاَ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَسْتَظْهِرَ بِثَلاَثَةِ أَيَّامٍ] ٢٧٥ أ/
стр. 301
١] قرئ بالظاء المعجمة، وقرئ بالطاء، وقصد به مالكًا ﵀ فبالطاء غير المعجمة: هو اشتقاق من الطهارة، وهو طلب الطهر. وبالظاء المعجمة: اشتقاق من الاستظهار وهو الاستعانة بها لاستيقان الطهر والاحتياط. والدليل على بطلان قوله: إنما لم يجعل بعض الدم طهرًا مع أن الاحتياط فيه أبلغ، فلأن لا تجعل بعض الدم الأضعف حيضًا أولى. واحتج بأن الدم الأسود لا ينقطع ثمره بل يرق ويشرق ويصفر، ثم ينقطع. فلينظر ثلاثة أيام كذلك، قلنا: هذا لا يوجد في المعتادة وأنت تأمرها بالاستظهار ثلاثة أيام.
فإذا تقرر هذا، فنذكر الآن حكم الصفرة والكدرة، ثم نشتغل بالتفريع.
قال الشافعي هاهنا: والصُّفْرَةُ وَالكُدْرَةُ في أَيَّامِ الْحَيْضِ حَيْضٌ
واختلاف أصحابنا في معنى ذلك، فقال عامة أصحابنا: المراد به أيام الإمكان وإن لم تكن عادة كالدم السود. وبه قال سعيد بن المسيب، وربيعة ومالك، والثوري، والأوزاعي،
وأحمد، وإسحاق، وأبو حنيفة، ومحمد، وقال الإصطخري: المراد به أيام العادة دون أيام الإمكان، فإن ذات الصفرة في غير أيام العادة ويكون دم الاستحاضة، وإن أمكن فيه الحيض. وبه قالت عائشة، وعطاء رضي [٢٧٥ ب/١] الله عنهما.
قال أبو إسحاق المروزي: إلى هذا كنت أذهب، حتى رأيت الشافعي يقول في أول كتاب"العدة": الصفرة والكدرة حيض، والمبتدأة فيهما سواء. فدل أنه لا فرق بين العادة وغيرها، وحكى ابن أبي هريرة زجهًا ثالثًا عن بعض أصحابنا، وبه قال أبو ثور، وابن المنذر، أنه إن تقدم دم أسود ولو بعض يوم، فالصفوة التي بعده هي حيض مع الأسود. وإن لم يتقدم دم أسود لا يكون حيضًا، قال القفال: وإلى هذا الوجه الثالث أشاء الشافعي في"كتاب العدة"، قال لو اعتدت امرأة قرءين ثم رأت في القرء الثالث دفعة سواء، ثم رأت صفرة أو كدرة حتى جمد يومًا وليلة ثم انقطع قدرًا انقضت عدتها. يعني بالطعن في هذه الدفعة التي كملت بالصفوة يومًا وليلة. فحصل من هذا أن لصفوة والكدرة حيض في أيام العادة بالاتفاق. وقيل: إن مراد الشافعي به أن لا ترى المرأة في أيام عادتها دمًا سائلًا، ولكنها إذا استدخلت قطنة أو خرقة، ثم استخرجت فرأت عليها صفرة أو كدرة، فإنه يحكم لها، بحكم الحيض كالدم السائل، وفي أيام الإمكان ثلاثة أوجه. قال داود: لا يكون حيضًا أصلًا، والمذهب الأول؛ لأن كل دم كان حيضًا [٢٧٦ أ/١] في وقت العادة كان حيضًا في
стр. 302
غير وقت العادة كالدم الأسود. ولأن الله تعالى وصف الحيض بأنه أذى، وهذا يتناول الصفرة والكدرة.
واحتجوا بما روي عن أم عطية-وكانت بايعت رسول الله ﷺ أنها قالت:"كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الغسل شيئًا". وقال علي-رضي لله عنه- في الصفرة والكدرة بعد الطهر: ليس بحيضة، ولا تترك لها الصلاة. وحكاه أبو سليمان الخطابي عن الثوري والأوزاعي، قلنا: روي أصحابنا عن عائشة-﵂ أنها قالت:"كنا نعد الصفرة والكدرة حيضًا" وقولها أولى، وقال أبو يوسف في رواية الطحاوي: إنها قد رأت يومًا
وليلة دمًا، ثم رأت بعد صفرة أو كدرة فهو حيض وإلا فلا. وحكي عنه أنه قال: الصفرة حيض والكدرة حيض إلا أن يتقدمها دم أسود. وقيل: هذا قول محمد أيضًا.
فصل
في التفريغ على هذا إذا كانت تحيض من أول كل شهر خمسة أيام وتطهر في الباقي، فرأت في بعض الشهور في تلك الخمسة صفرة أو كدرة، وانقطع كانت الصفرة والكدرة حيضًا في ظاهر المذهب. وقول الإصطخري: ولا يكون حيضًا في الوجه الثالث، وإن كانت عادتها خمسة في كل شهر [٢٧٦ ب/١]، فلما كان في هذا الشهر رأت الخمسة بحالها، ثم رأت صفرة وكدرة إلى تمام خمسة عشر فما دونها ثم انقطع، فالدم الأسود حيض وأما الصفرة والكدرة ففي قول الإصطخري لا تكون حيضًا، وفي قول غيره تكون حيضًا وإن كانت المسألة بحالها قرأت الخمسة بحالها، ثم رأت صفرة وكدرة خمسة أيام، ثم رأت خمسة أسود وانقطع، قال ابن سريج هاهنا: هذه الصفرة هي بمنزلة دم الاستحاضة ولا تكون حيضًا، وهو قول الإصطخري: فإن قلنا: لا تلفق الدماء فالكل حيض، وإن قلما: تلفق بجمع الدم الأسود إلى الدم الأسود، فيكون حيضها غيره، والصفرة والكدرة طهر بينهما، ووجه هذا أن عادة دم الحيض أنه إذا تطاولت به الأيام يرق ويضعف، فيعمل على أنه بقية الحيض. وإن رأت دمًا أسود بعد ذلك لا يمكن أن يحمل على البقية والضعف بطول الأيام؛ لأنه لو كان كذلك ثم جاء بعده دم أسود فجعلناه طهرًا بخلاف ما إذا لم ير بعده دمًا أسود، فإن كانت بحالها فرأت مكان الصفوة والكدرة دمًا أحمر؟ قال ابن سريج: الكل حيض الأسود والأحمر معًا. قال: والفرق بينهما أن الأحمر إلى السواد أقرب، بالحيض أشبه [٢٧٧ أ/١]، والصفرة والكدرة إلى النقاء أقرب، وبالطهر أشبه على المذهب في كلتا المسألتين
стр. 303
حيض. وإن كانت العادة في أول كل شهر خمسة أسود وخمسة وعشرون طهرًا، فلما كان في هذا الشهر رأت الدم على العادة ثم طهرت خمسة عشر يومًا، ثم رأت صفرة وكدرة خمسة أيام فهل يكون حيضًا أم لا؟ على الوجوه، لأنها في وقت الإمكان. وإن رأت المبتدأة خمسة أيام صفوة أو كدرة وانقطع، أو رأت أقل من خمسة غير صفرة، فعلى قول عامة أصحابنا حيض، وعلى الوجهين الآخرين ليس بحيض.
فصول
في التفريع على كل واحدة من المستحاضات الأربع الذي تقدم ذكرهن.
الفصل الأول
منها في التفريغ على المميزة التي لا إعادة لها، إذا كانت من أهل التمييز كما شرطناه تعتبر كل حيضة بنفسها في كل شهر سواء اتفقت الأيام أو اختلفت إلى زيادة أو إلى نقصان أو إليهما. فالاتفاق أن يرى في أول كل شهر خمسة أيام دمًا أسود وباقية أحمر، والاختلاف على الزيارة أن يرى في الأول يومًا أسود ثم يصير أحمر، وفي الثاني يومين أسود، وفي الثالث ثلاثة أسود.
والاختلاف إلى النقصان أن يكون الأسود في الأول: [٢٧٧ ب/١] خمسة، وفي الثاني: أربعة، وفي الثالث: ثلاثة، وفي الرابع: يومين، والاختلاف إلى النقصان والزيادة معًا أن يكون في شهر خمسة، وفيما بعده أربعة، وفيما بعده ستة. وعلى هذا فيكون أيام الأسود حيضًا والباقي استحاضة، ولا يعتبر حكم شهر بشهر آخر، لأن التمييز شاهد في نفس الدم، فاعتبر كل دم تشاهده.
وجملته: أنها لا تخلو من أربعة أحوال: إما أن ترى أولًا أسود، ثم أحمر، أو ترى أسود ثم أحمر ثم أسودن فيكون أحمر بين أسودين. أو ترى أولًا أحمر ثم أسود، أو ترى أحمر ثم أسود ثم أحر فيكون أسود بين أحمرين. فإن رأت أسود ثم أحمر مثل إن رأت أولًا خمسة أسود ثم صار أحمر، فإن لم يغير خمسة عشر فالكل حيض؛ لأن التمييز إنما يعتبر عند حصول الاستحاضة ولم يحصل هاهنا؛ لأنه لم يعبر خمسة عشر التي هي أكثر الحيض. وإن عبر ذلك أو رأت خمسة عشر أسود ثم صار أحمر واتصل، فالأسود حيض والأحمر بعدة استحاضة. فإن رأت ستة عشر أسود ثم صار أحمر واتصل فكأنه لا تمييز لها بحيضها في أول الأسود، وكم تحيضها؟ على ما ذكرنا من القولين، فإن رأت خمسة أسود ثم طهرت يومًا أو يومين ثم عاد أحمر [٢٧٨ أ/١] وعبر فالأسود حيض، والنقاء طهر، والدم بعد استحاضة؛ لأنه لو اتصل الأحمر بالأسود كان استحاضة، فإذا انفصل بطهر لا يحتسب أولى أن يكون استحاضة فأما الأحمر بين أسودين: أن ترى خمسة أسود وخمسة أحمر، ثم صار أسود وعبر، فالخمسة الأولى حيض وما بعده من الأحمر والأسود معًا استحاضة؛ لأن الأسود الأخير عبر ولم نقف على أكثر الحيض.
стр. 304
وإن رأت الأسود يومًا وليلة، ثم أحمر عشرة، ثم أسود أربعة، ثم صار أحمر واتصل، قال ابن سريج: ما بعد الأربعة استحاضة وما قبله من الأسودين حيض، فيكون الأسود
الحيض خمسة أسود، والأحمر بين الأسودين في حكم الطهر؛ لأن المستحاضة متى جعل لها أحمر بين أسودين فهو في حكم الطهر أولًا، وليست كالحائض التي يجعل لها أحمر بين أسودين فيكون الكل حيضًا. فإذا كان الأحمر هاهنا في حكم الطهر فهل يلفق أم لا؟ على قولين، كما لو كان مكان الأحمر طهر، فإنه على قولين. فإن قلنا: لا يلفق فالكل حيض، وإن قلنا: يلفق لفق الأسود إلى الأسود والأحمر إلى الأحمر، فيكون الأسود حيضًا والأحمر استحاضة. ثم قال: والأشبه بالمذهب أن لا يلفق إذا كان بين الأسودين طهر؛ لأن التقاء [٢٧٨ ب/١] بالطهر أشبه.
وإن رأت نصف يوم أسود ونصف يوم أحمر كذلك إلى الرابع، ثم رأت الخامس كله أسود، ثم صار أحمر وعبر، فإن ما بعد الخامس استحاضة والأسود حيض، وهو ثلاثة أيام الهامس ونصف الأربعة، والأحمر بين الأسودين في حكم الطهر. فإن قلنا لا يفلق فهو حيض أيضًا، فيكون حيضها خمسة وإن قلنا يلفق فالأحمر طهر وهو يومان وهو نصف الأربعة وثلاثة أيام حيض وهو زمان الأسود.
وإن رأت نصف يوم أسود ثم صار أحمر إلى تمام التاسع، ثم رأت العاشر كله أسود، ثم صار أحمر وعبر، فما بعد العاشر استحاضة، وزمان الأسود حيض وهو بوم ونصف، والأحمر بينهما. هو في حكم الطهر على ما ذكرنا، ويجئ فيه ما قال من الأشبه بالمذهب.
وأما الأحمر ثم الأسود مثل أن يرى خمسة أحمر ثم صار أسود عبر، فهل يمنع الأسود من أن يكون الحمر قبله حيضًا أم لا؟ قال ابن سريج: فيه وجهان وهما أصل في هذا الباب: أحدها: يمنع لقوله بالسنة ومزينه عليه. والثاني: لا يمنع للاحمرار أن يكون حيضًا؛ لأنه وجد في وقت يمكن أن يكون حيضًا؛ لأنه وجد في وقت يمكن أن يكون حيضًا كما لو انفرد. فإذا قلنا: لا يمنع سقط حكم الأسود وصار كأنه أحمر كله، ولا تكون [٢٧٩ أ/١] مميزة. وكم حيضها من أول ما رأت الدم فيها؟ على قولين: أحدهما اليقين يومًا وليلة والباقي استحاضة. والثاني: غالب عادة النساء وهو كل الأحمر وعامة من الأسود والباقي استحاضة. وإذا قلنا بمنع ذلك سقط حكم الأحمر وثبت حكم الأسود، ولا تكون مميزة في الحقيقة، فيكون ابتداء الحيض من الأسود والأحمر قبله استحاضة. وكم تحيض من الأسود؟ قولان: اليقين أو غالب عادة النساء، وكل موضع يقول اليقين يريد يومًا وليلة. وكل موضع يقول غالب عادة النساء يريد ستًا أو سبعًا، فإن كانت بحالها فرأت الأحمر عشرة ثم صار أسود واتصل. فإن قلنا: الأسود لا يمنع الأحمر حيضناها في أول الأحمر. وكم نحيضها؟ على القولين وإذا قلنا يمنع حيضناها من أول الأسود، وكم يحيضها؟ على القولين والباقي استحاضة.
стр. 305
فإن كانت بحالها فرأت الأحمر خمسة عشر ثم صار أسود واتصل، فإن قلنا: الأسود
لا يمنع الأحمر حيضناها من أول الأحمر، وكم تحيضها؟ على القولين وإن قلنا يمنع سقط الأحمر، وكم تحيضها من الأسود؟ على القولين.
وعلى هذا فإنها تدع الصلاة في النصف الثاني من الشهر أيضًا رجاء أن ينقطع على خمسة فيكون النصف من الشهر الباقي [٢٧٩ ب/١] حيضها، ولا يتصور امرأة يلمها ترك الصلاة شهرًا كاملًا إلا في هذه المسألة على الوجه، وذلك أنها لما رأت الأحمر في الابتداء يلزمها ترك الصلاة رجاء أن ينقطع على خمسة عشر، حتى إذا انقطع كان الأحمر حيضها، فلما رأت الأسود بان حيضها النصف الثاني من الشهر دون النصف الأول.
فإن كانت بحالها فرأت المبتدأة ستة عشر يومًا دمًا أحمر ثم صار أسود واتصل. قال ابن سريج: يبني على الوجهين، فإن قلنا: الأسود لا يمنع الأحمر يبني ذلك على القولين فإن قلنا تحيض يومًا وليلة كان حيضها يومًا وليلة من أول الدم الأحمر، وبقية الأحمر في حكم الطهر. وتحيض من لون الأسود حيضة أخرى. وإن قلنا: تحيض ستًا وسبعًا لم يمكن هذا إلا أن يكون الأحمر اثنين وعشرين يومًا فتحيض يومًا وليلة أيضًا. وإن قلنا الأسود يمنع الأحمر تبنى على القولين. فإن قلنا: تحيض يومًا وليلة، لم يمنع هاهنا لأنه يكون بينهما طهر كامل فتحيض من أول الأحمر يومًا وليلة، ومن أول الأسود يومًا وليلة. وإن قلنا تحيض ستًا وسبعًا لم يمكن أن تحيضها هذا القدر؛ لأنه يؤدي إلى أن لا تحيض من أول الأسود فيسقط هذا القدر بحيضها يومًا [٢٨٠ أ/١] وليلة قولًا واحدًا.
وقال القاضي الطبري: الصحيح عندي أن تحيض من أول الأحمر ولا اعتبار بالأسود لأنه قد بطلت إماراته لزيادته على أكثر الحيض. ومن أصحابنا من قال: ابن سريج ناقض في هذا الفرع؛ لأنه إذا قال الأسود يمنع الأحمر، فكان ينبغي أن نحيضها من أول الأسود ويكون الأحمر استحاضة؛ لأن معنى قوله"يمنع الأحمر" أنه يدل على أن الأحمر استحاضة وإن كان زمانه زمان الحيض. وقوله:"يمكن المنع بينها" لا يصح، لأن المميزة المبتدأة إذا رأت يومًا دمًا أسود وباقي الشهر أحمر حيضها الدم الأسود، وكان الأحمر استحاضة. وإن كان يمكن أن يكون السابع عشر حيضًا ولا يمنعه الأسود.
وفرع أصحابنا على ما قال القاضي الطبري: إذا رأت خمسة أيام دمًا أحمر ثم رأت بعده دمًا أسود إلى آخر الشهر فهذه لا تمييز لها؛ لأن الأسود أكثر من أكثر الحيض ويختص من أول شهر يومًا وليلة أو ستًا أو سبعًا على اختلاف القولين وحكي عن ابن سريج فيه وجهان أحدهما: هذا والثاني: يختص من أول الأسود بطلت صلاته على ما ذكرنا. وقال أيضًا: لو رأت خمسة عشر دمًا أحمر وخمسة عشر أسود، فالأسود حيضها [٢٨٠ ب/١] فإن زاد الأسود على خمسة عشر
стр. 306
يومًا فلا تمييز لها، وتحيض من
أول الأحمر، ويجئ وجه آخر على ما قال ابن سريج أنها تحيض من أول الأسود.
وأما الأسود يسن أحمرين، مثل إن رأت خمسة أحمر ثم أسود دون يوم وليلة، ثم صار أحمر وعبر، فلا حكم لها لهذا الأسود؛ لأنه لو انفرد لم يكن حيضًا لنقصانه عن أقل الحيض، وإنما يكون له حكم إذا كان تقرر خمسة يمكن أن يكون حيضًا. فإن رأت خمسة أحمر ثم أسود، ثم صار أحمر وعبر، قال ابن سريج: فيه ثلاثة أقوال، وأراد ثلاثة أوجه.
أحدها: أن الأسود لا يمنع الأحمر، فله أن يكون حيضًا فيسقط التمييز، وكم نحيضها من أول الأحمر؟ على القولين، وهذا لأنها رأت في الخمسة الأولي أحمر في وقت يصلح أن يكون حيضًا وجب أن نحكم بكونه حيضًا، ثم إذا حكمنا بكونه حيضًا لم يجز أن يكون الدم الأحمر حيضًا ويكون الأسود استحاضة، فكان الأسود حيضًا أيضًا.
والثاني: الأسود يمنع الأحمر أن يكون حيضًا، فيكون الأحمر استحاضة والحيض هي الخمسة الأسود. قال القاضي الطبري: هذا هو الصحيح الذي لا يجوز أن يقال غيره، ووجهه ما سبق لأنه قوي.
والثالث: يكون حيضًا [٢٨١ أ/١] عشرة أيام، الخمسة الأسود والخمسة الأسود والخمسة الأحمر، وما بعد ذلك استحاضة؛ لأن الأسود قوة بالصفة، والأحمر قوة بالسبق فثبتا حيضًا معًا، وهذا لا يصح مع الوجه الأول؛ لأنه الصفة أقوى من الدمان عند الشافعي، ولهذا قدم التمييز على العادة، وهكذا لو رأت خمسة أحمر ثم عشرة أسود، ثم رأت الأحمر واتصل، وقال القفال: اختلف أصحابنا في المميزة إذا كان ابتداؤها أضعف الدمين على ثلاثة أوجه:
أحدها: يترك ابتداؤه ويعمل على الأسود.
والثاني: لا يترك بحالٍ، ولكن هذا لأضعف إن كان مع الأقوى الذي بعده إذا جمعا لم يجاوزا خمسة وعشر فالكل حيض. وإن جاوزاه ردت على يوم من أول الدم الأضعف إن كانت مبتدأة، أ, إلى غالب عادة النساء على اختلاف القولين، وترجع على عادتها إن كانت معتادة.
والثالث: إن أمكن أن تجعل ابتداء الدم مع السواد الذي بعده حيضًا بأن لا يجاوزا خمسة عشر فعل، وإن جاوزا فحينئذ يترك ابتداء الدم ويجعل الحيض هو السواد، فعلى هذا في المسألة الأخيرة إن قلنا بالوجه الأول فالعشرة حيض، وإن قلنا بالوجهين الأخيرين فجميع الخمسة عشر حيض.
قال: وإن رأت خمسة أحمر واحد عشر أسود، ثم رأت [٢٨١ ب/١] حمرة، فعلى الوجه الأول والثالث السواد عو الحيض، وعلى الوجه الثاني ترد إلى أول الدم الأحمر، أما إلى اليقين وإما إلى غالب عادة النساء. وعلى هذا لو رأت خمسة صفرة
стр. 307
وستة عشر سوادًا، فعند الإصطخري هي مستحاضة ترد إلى أول السواد، وكذلك على الوجه الأول والثالث، فأما على الوجه الثاني ترد إلى أول الصفرة على ما ذكرنا على اليقين أو إلى الغالب من عادة النساء، فإن كانت الصفرة ستة أيام والسواد خمسة عشر جعل زمان الصفرة حيضًا وهو ستة وزمان السواد طهرًا لا حكمًا للتمييز، بل ردًا للتمييز إلى عادة النساء وكانت ستة.
ولو رأت خمسة أصفر ثم خمسة عشر أسود، فعلى قول الإصطخري والوجه الأول والثالث زمان السواد حيض كامل، وما قبله لا شيء. وعلى الوجه الثاني هي مستحاضة ترد إلى ما قلنا، وما تقدم أصح الدلائل التي ذكرناها ولا نعيدها.
فروع ثلاثة
في اجتماع ثلاثة دماء ذكرها بعض أصحابنا بخراسان:
أحدها: لو رأت عشرة أسود، ثم عشرة حمرة، ثم عشرة أصفر فحيضها العشرة الأولى بلا إشكال
والثاني: لو رأت عشرة أحمر، ثم عشرة أصفر، ثم عشرة أسود، أو عشرة أصفر ثم عشرة أحمر، ثم عشرة أسود، فإن قلنا بالوجه الأول فحيضها العشرة [٢٨٢ أ/١] الثالثة، وإن قلنا بالوجه الثاني فهي كالمبتدأة. ثم ابتداء المدة من أي وقت يكون؟ إن قلنا الصفرة حيض يحسب من ابتداء الصفرة، وإن كانت العشرة الأولى صفرة. فإن قلنا ليست بحيض يحسب من ابتداء الأحمر في العشرة الثانية.
والثالث: لو رأت خمسة أحمر، ثم خمسة أصفر، ثم خمسة أسود. فإن قلنا بالأول فالأسود حيض. وإن قلنا بالثاني وقلنا الصفرة حيض فالخمسة عشر كلها حيض.
وإن قلنا ليست بحيض يخرج على قولي التلفيق. إن قلنا يلفق فالخمسة الأولى والثالثة حيض، والخمسة الوسطى طهر، وإن قلنا لا يلفق فالكل حيض.
فرع آخر
ذكره الإمام أبو حامد عن ابن سريج-رحمهما الله- لو رأت خمسة أسود وخمسة
أصفر وخمسة أسود، فظاهر المذهب أن الكل حيض؛ لأن التمييز بين الدمين للمستحاضة وهذه ليست مستحاضة.
وقال ابن سريج: الصفوة لا تكون حيضًا، بل هي في أيامها في حكم الطهر بخلاف ما لو كان أحمر؛ لأن الأحمر هو بالحيض أشبه، والصفرة بالطهر أشبه، وهذا لا يجئ على مذهب ابن سريج؛ لأن عنده الصفرة في زمان الإمكان حيض، وإنما يجئ ذلك على قول الإصطخري، لأنه يقول: الصفرة في غير أيان العادة [٢٨٢ ب/١] ليست بحيض.
الفصل الثاني في المعتادة التي لا تمييز لها
إذا استحيضت المعتادة ردت إلى عادتها سواء كانت عادتها أقل الحيض، أو غالبه،
стр. 308
أو أكثره، (وسواء) ثبت ذلك بحيض صحيح وطهر صحيح أو بالتمييز. بيانه: كأنها كانت تحيض يومًا وليلة وتطهر خمسة عشر، أو تحيض ستًا أو سبعًا وتطهر خمسة عشر، أو تحيض خمسة عشر وتطهر خمسة عشر، هذا هو الحيض الصحيح والطهر الصحيح.
وأما ثبوتها بالتمييز: هو أن تكون عادتها يومًا وليلة أسود وخمسة عشر أحمر، أو ستًا أو سبعًا أسود وخمسة عشر أحمر، أو خمسة عشر أسود وخمسة عشر أحمر، وترد في وقت حيضها إلى عادتها سواء طال شهرها أو قصر، بيانه: قد يكون شهرها ستة عشر يومًا، وهو أقل ما يمكن فيه أقل الحيض يومًا وليلة، وأقل الطهر خمسة عشر يومًا، وقد يكون شهرها ثلاثين يومًا خمسة دم والباقي طهر، وقد يكون ستين يومًا خمسة دم والباقي طهر، وقد يكون سنة وخمسة دم والباقي طهر فإذا ثبت كيفية ثبوت العادة فالكلام الآن فيما تثبت بعه العادة وينظر فيه، فإن تكرر عليها مرتين العادة به بلا خلاق [٢٨٣ أ/١] وإن لم يكن ذلك منها إلا مرة واحدة، فالمنصوص وبه قال ابن سريج: ثبت بها، لأن اعتبارها بنفسها أولى من اعتبارها بغيرها، ولأن النبي ﷺ قال للمستحاضة أن تنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن أصابها، والخبر ولم يعتبر التكرار.
ومن أصحابنا من قال: لا يثبت بها؛ لأن معنى العادة أن تعتاد ذلك، وهي مشتقة من العود، وإنما يحصل ذلك بالتكرار، وبه قال أبو حنيفة وهذا لا يصح؛ ولأن الشرع لم يرد باسم العادة، ولا معنى لاعتبار الاشتقاق في اللغة.
وعلى هذا لو رأت أول مرة خمسة والباقي طهرًا ثم استمر بها الدم في الشهر الثاني
فإن قلنا ثبت العادة مرة واحدة فهي معتادة عادتها خمسة. وإن قلنا لا تثبت بمرة فهي مبتدأة. ولو رأت في شهرين خمسة والباقي طهرًا ثم اتصل الدم في الشهر الثالث، فإنها ترجع إلى عادتها وهي خمسة بلا خوف. فإذا تقرر هذا، فإذا استحيضت بعد التكرار لا تخلو عادتها من أحد أمرين، فإما أن تكون متفقة أو مختلفة فإن كانت متفقة مثل إن كانت العادة خمسًا فالحكم على ما ذكرنا أبدًا وإن كانت مختلفة فلا تخلو [٢٨٣ ب/١] إما أن تكون على ترتيب أو على غير ترتيب. فإن كانت على ترتيب واحد ودور مستقيم، مثل إن كانت تحيض في الشهر الأول ثلاثًا، وفي الثاني أربعًا، وفي الثالث خمسًا، وفي الرابع ستًا، وفي الخامس سبعًا، ثم تعود إلى ثلاث وأربع وخمس وست وسبع، ثم طبق بها الدم على لون واحد، نظرت فإن عرفت نوبة هذا الشهر عملت عليه وأكملت العادة في كل شهر حتى تعود إلى الأول، وعلى هذا أبدًا، وقال القفال: فيه وجهان: أحدهما هذا. والثاني: أنها تعود إلى عادتها في الشهر الذي قبل الاستحاضة، ويكون ذلك عادتها.
стр. 309
وكذلك لو توالى لها شهران ثلاثة ثلاثة، وشهران خمسة خمسة، وشهران ستة ستة، ثم دارت النوبة هكذا مرة أخرى، ثم استحيضت على المذهب الصحيح تعمل بدورها. وفي الوجه الذي ذكره القفال تعمل بما قبيل الاستحاضة ولا تعرف هذه لنفسها دورًا مستقيمًا في هذه المسألة في أقل من سنة كاملة؛ لأنها تحتاج أن تمر بها نوبتها مرتين، وإن نسيت نوبة ذلك الشهر حيضناها ثلاثًا؛ لأنها أقل عادتها، ثم تغتسل أخر كل يوم إلى آخر السابع لجواز أن يكون وقت الانقطاع للدم فيه، وكذلك [٢٨٤ أ/١] تفعل في كل شهر.
وإن كانت العادة على غير ترتيب، مثل إن أرادت في الأول ثلاثة، وغي الذي يليه ستًا، وفي الذي بعده خمسًا ثم ثلاثًا ولم تتفق على شيء، ثم استحيضت بعد هذا نظر، فإن كان بها شهران على عدد واحد، ثم بعدها شهر الاستحاضة فذلك عادتها؛ لأنها قد تكررت مرتين، وإن لم يكن كذلك فهو على الوجهين فإن قلنا: تثبت العادة بمرة واحدة عملت على الشهر الذي يلي شهر الاستحاضة وكذلك في كل شهر، وإن قلنا: لا تثبت بمرة واحدة، قال بعض أصحابنا: نحيضها ثلاثًا؛ لأنه أقل عدد لها. وأيضًا الأقل داخل في الأكثر، فيكون الأقل قد تكرر مرتين، وهذا غلط؛ لأنه إذا لم يكون ذلك منها مرتين سقط حكمه على هذا القول كأن لم يكن. وكم نحيضها في كل شهر؟ على القولين: أحدها: اليقين. والثاني: الغالب.
فإذا قلنا بهذا، فهل يلزمها الاحتياط ما بين أقال عادتها إلى الأكثر؟ قال القفال: فيه قولان كما ذكرنا في المبتدأة، فتغتسل عند انقضاء أوسط العادات وأكثر العادات. وإن صامت في هذا الأيام التي بين أقل العادات وأكثرها أعادت على هذا، ويجئ هذا القول في المسألة قبلها إذا نسيت [٢٨٤ ب/١] نوبة الشهر.
ولو رأت في ابتداء شهر خمسة وفي شهر آخر عشرة، ثم اتصل الدم في الثالث، فهكذا الجواب وقال القفال: إن قلنا: لا تثبت العادة بمرة فحيضها خمسه، لأن الخمسة هي موجودة في العشرة وقد تكررت الخمسة شهرين، غير أن في أحد الشهرين زيادة لم تتكرر فتركناها. قال: ولو لم تر العشرة إلا شهراً ثم رأت الخمسة في الثاني، ثم اتصل في الثالث فعادتها خمسة بكل حال؛ لأنا إن قلنا تثبت بمرة فالذي قبل الاستحاضة خمسة. وإن قلنا لا تثبت فالمتكرر لم يوجد إلا في الخمسة، وما تقدم أصح لما ذكرنا.
الفصل الثالث في المعتاد التي لها تمييز
وقد ذكرنا أن التمييز مقدم العادة على المذهب الصحيح، وذكرنا عن ابن خيران، وجهًا أخر، وذكر القفال وجهًا ثالثاًا أن يجمع بينهما إن إمكن، وإن لم يمكن فهي كالمبتدأة، فإذا كانت عادتها في كل شهر خمسة أيام فرأت ثلاثة أسود، ثم رأت أحمر واتصل، كان الحيض ثلاثة على المذهب، وعند ابن خيران خمسة وإن رأت الأسود بحالة خمسة ثم رأت أحمر واتصل فقد اتفق ها هنا التمييز والعادة على عدد واحد
стр. 310
فحيضها خمسة [٢٨٥ أ/ ١]، ولو رأت مكان الأسود أحمر ثم صار أسود واستمر، فإن قلنا: الأسود لا يمنع الأحمر سقط فحيضها الخمسة الأحمر وما بعده استحاضة. وإن قلنا يمنع الأحمر سقط حكمه وحيضناها الخمسة من الأسود؛ لأنها قدر العادة.
ولو رأت مكان الأسود أحمر ثم صار أسود خمسة ثم صار أحمر واتصل، ففيه ثلاثة أوجه. إن قلنا الأسود لا يمنع الأحمر سقط حكم الأسود وحيضناها خمسه من أول الشهر؛ لأنها عادتها والباقي استحاضة. وإن قلنا الأسود يمنع الأحمر سقط حكم الحمر والحيض هو السود خمسة. وهو الوجه الثاني والثالث يكون حيضها عشرة الأسود خمسه وقبله الأحمر خمسة؛ لأن الأحمر وافق العادة ووقتها فلم يسقط، والأسود قوي بلونه فلم يسقط أيضاً وعلى الوجه الذي ذكره القفال يمكن، فالحكم هذا.
ولو رأت المبتدأة في الشهر الأول دمًا أحمر ورأت في الشهر الثاني خمسة أيام أسود والباقي أحمر، ورأت في الشهر الثالث دمًا بلون واحد لا يتميز، فإنها في الشهر الأول لا تمييز لها ولا عادة، فإلي ماذا ترد؟ قولان. وفي الشهر الثاني فمييزة غير معتادة، فحيضها خمسة أيام، وفي الشهر الثالث لإن قلنا إن العادة تثبت [٢٨٥ ب/ ١] بمرة فهي كالمبتدأة.
فإن كانت المسألة بحالها فرأت في الأول دمًا أحمر، ثم رأت شهرين في كل شهر
خمسة أسود والباقي أحمر، ثم رأت في الرابع دمًا أحمر كله، ففي الأول الحكم على ما ذكرناه، وفي الثاني والثالث ميزة ترد إلى التمييز، وفي الرابع ترد إلى عادتها بلا خلاف، ولو كانت عادتها خمسة أسود من أول الشهر فرأت في شهر عشرة أحمر ثم خمسة أسود فعلى ثلاثة أوجه على ما ذكرنا.
ولو رأت خمسة عشر أحمر وخمسة اسود فعلي الوجه الأول الخمسة الأولي حيض وهي عادتها، وعلى الثاني السواد حيض، وعلى الوجه الذي ذكر القفال هي المبتدأة.
وإن كانت عادتها شهرين في كل شهر خمسة أسود والباقي أحمر، ثم رأت الثالث كله أحمر، ثم في الرابع أحمر وأسود، فإنَّا نحيضها في الشهر الأول والثاني بلا إشكال خمساً خمساً، وفي الثالث خمسًا بالعادة، وفي الرابع رأت أحمر وأسود ذكر ابن شريج فيه ثلاث مسائل:
أحدها: رأت من الرابع ثلاثًا أحمر ثم صار أسود واتصل فهذه تبني على الوجهين؛ إن قلنا الأسود لا يمنع الأحمر كان وجوده وعدمه سواء نحيضها من الرابع خمسًا، ثلاثة أحمر ويومين أسود. وإن [٢٨٦ أ/ ١] قلنا يمنع سقط حكم الأحمر وحيضناها من الأسود عادتها، وما قبله وبعده استحاضة.
والثانية: رأت من الرابع خمسة أحمر ثم صار أسود واتصل. فإن قلنا: الأسود لا يمنع الأحمر سقط حكم الأسود، وكان حيضها الخمسة الأحمر قبله، وإن قلنا:
стр. 311
الأسود يمنع الأحمر سقط الأحمر وحيضناها من الأسود لأنها الهادة، والباقي هو استحاضة.
والثالثة: رأت من الرابع ستة عشر أحمر ثم صار أسود واتصل. فإن قلنا: الأسود لا يمنع الأحمر حيضناها من أول الرابع خمسًا والباقي استحاضة، وإن قلنا يمنع لا يمكن ها هنا أن نحيضها العادة من الأحمر، لأن الأسود يمنع منه، فإذا لم نحيضها العادة دبرت أمرها في هذا الشهر، كأنها ابتدأت به فنحيضها على هذا الوجه يومًا من الأول الأحمر، ثم بعده خمسه عشر استحاضة ويكون ابتداء الأسود ابتداء حيضة أخرى، لأن بينه وبين أول الأحمر اقل الطهر، وقد تقدم نحو هذا في المميزة التي لا عادة لها.
الفصل الرابع في المبتدأة التي لا تمييز لها ولا عادة
إذا رأت هذه المبتدأة الدم على لون واحد نحيضها في كل شهر حيضة، وشهرًا وشهر المستحاضة يكون ثلاثين يومًا، وقد ذكرنا مقدار تلك الحيضة [٢٨٦ ب/ ١]، فإذا قلنا باليقين
فلها ثلاثة أحوال: حيض بيقين يوم وليلة، وطهر مشكوك فيه وهي أربعة عشر يومًا، وطهر بيقين وهو ما بعد ذلك، وإن قلنا بالغالب فلها أربعة أحوال: حيض بيقين يوم وليلة، وطهر مشكوك فيه ما بعد ست أو سبع إلى خمسة عشر، وما بعد ذلك طهر بيقين، بقي الحيض بيقين والحيض المشكوك فيه حكمها حكم الحيض، وفي الطهر بيقين حكمها حكم الطاهرات، وفي الطهر المشكوك فيه تفعل ما يفعل الطاهرات وهل يستعمل الاحتياط به؟ ذكرنا قولين.
الفضل الخامس في انتقال العادة والزيادة فيها والنقصان للانتقال
هو أن تنتقل عادتها إلى تثبيت من العدد إلى زيادة أو نقصان، وفي الوقت إلى تقدم أو تأخر، كأنه كانت عادتها في كل شهر خمسة وستة طهرًا، ثم انتقلت، ففيه مسائل: طهرت خمستها وحاضت خمسة بعدها، طهرت خمستها وخاضت خمسه قبلها، خاضت خمستها وخمسة قبلها وخمسة بعدها. وإن كانت عادتها في كل شهر عشرًا وعشرين طهرًت ففيه مسائل: طهرت عشرتها وحاضت بعدها خمسًا أو عشرًا أو خمسة عشرة، أو حاضت عشرتها [٢٨٧ أ/ ١] وحاضت خمساً بعدها.
وأما التقدم ها هنا لا يمكن إلا بخمسة كان بينها وبين الحيص قبلها عشرين، فإذا تقدمت بخمس بقي بينهما أقل الطهر عشرة يومًا، وإن تقدمت بخمسة فقبلها ثلاث مسائل: حاضت عشرتها وخمسة قبلها، حاضت خمسة قبلها وطهرت عشرتها، وحاضت خمسة قبلها من عشرتها، ويمكن تصوير المسائل بأكثر من هذا، والأصل في التقدم ما ذكرنا، وهو ان لا يقصر بالتقدم ما بين وقت التقدم والحيض قبله
стр. 312
عن أقل الطهر، وإن كانت عادتها خمسة وبقية الشهر طهراً صح أن يتقدم ها هنا بخمسة وبعشرة× لأنه يبقي أثل الطهر. وإن كانت عادتها خمسة عشرة وبقية الشهر طهر لم يتقدم شيء بحالٍ.
وفرع ابن سريح فرعين بين بهما فقه التقدم:
أحدهما: إذا كانت عادتها خمسة في كل شهر وبقية طهر فقدمت لعشر صح، وهو إن حاضت منه خمساً وطهرت خمسة عشر، ثم رأت الدم نظر، فإن انقطع لتمام قوم إلى خمسة عشر فهو حيض، فإن اتصل وعبر حيضناها خمسة؛ لأنها العادة.
وهل نحيضها ذلك بما انتقلت إليه أو بما انتقلت عنه؟ قال ابن سريج: فيه وجهان: أحدهما: بما انتقلت إليه؛ لأنه في وقت لا يمكن أن يكون حيضاً. وكذلك [٢٨٧ ب/ ١ [في كل شهر فيكون شهرها عشرين يومًا خمسة حيض وخمسة عشر ظهر. والثاني بما انتقلت
عنه فيكون خمسة من أول كل شهر، لأنَّا إذا رددنا إلى العادة في مقدار الحيض فكذلك في مكانه.
والثاني: إذا كان عادتها أن تحيض في كل شهر خمسًا وخمسة وعشرين طهرًا، فتقدمت بأكثر من عشر، مثل إن حاضت خمسًا وطهرت عشراً، ثم رأت الدم، فهذا انتقال لا يمكن أن يكون أول حيضاً، ولا أن تعتبر ما انتقلت إليه؛ لأن بين رؤيتها الدم وبين الحيضة فيها أقل من الطهر، فتكون مستحاضة تحيض من أول كل شهر عادتها، وهي خمسة بخلاف المسألة قبلها.
ولو رأت في العشرة الأولي خمسة أحمر، ثم رأت أسود، ثم رأت الأحمر واتصل فقد ذكرنا ثلاثة أوجه هاهنا، في أحد الوجوه تكون مميزة انتقل حيضها وتأخر، وهو إذا قلنا حيضها الأسود، ولو كانت عادتها في كل شهر خمسة فحاضت خمستها وخمسة بعدها وانقطع. قال بعض أصحابنا: هذه امرأة زادت عادتها خمسة ولم تنقل. كذلك لو رأت حمستها ورأت خمسة قبلها وانقطع، وهذا اختلاف في العبادة، وفي الحقيقة [٢٨٨ أ/ ا] هو انتقال إلى زيادة، ويجوز أن تسمى منتقلة وقد ذكرنا حكمها.
الفضل السادس في الناسية
الناسية: من كانت لها عادة ثم استحضيت، فلا تخلو من ثلاثة أحوال: إما أن تكون ناسية للوقت دون العدد، أو العدد دون الوقت، أو الوقت والعدد معاً. والأصل فيها أن كل زمان لا يصلح لغير الحيض فهو حيض، وكل زمان لا يصلح لغير الطهر فهو طهر، وكل زمان يصلح للأمرين معاً فهو طهر مشكوك فيه، وكل زمان أمكن انقطاع الدم فيه فعليها أن تغتسل فيه، هذا هو الأصل، ونحن نفرد كل قسم منها بتفريع ينفرد به وأول ذلك:
стр. 313
فروع
الناسية للوقت دون العدد إذا قالت: حيضي أحد أعشار الشهر لا أعلم أي عشر هو، فمعني هذا أعلم أنه عشر من ثلاثة أعشار الشهر، ولا أعلم أي عشر من ثلاثة أعشار. ولا أعلم أي عشر من ثلاثة أعشار، الأول، أو الثاني، أو الثالث، ولا أخلط عشرًا بعشر، غير أني لا أعرف عينه، قلنا: زمانان كله مشكوك فيه؛ لأنه ما من عشر إلا ويجوز أن يكون حيضك فيه، فتتوضأ لكل صلاة إلى أخر العشر، ثم تغتسل لجوزا انقطاع الدم، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى أخر الشهر [٢٨٨ ب/١] ثم تغسل لجواز انقطاع الدم وعلى هذا.
وإن قالت: حيضي عشرة في الشهر لا أعرف موضعها منه، فمعني هذا قد ضاعت لي عشرة أيام في كل الشهر لا أعلم ما هو العشر الأول أو الثاني أو الثالث، وهو المسألة المتقدمة.
وكذلك إن قالت: حيضي عشرة من الشهر ولا أعلم موضعها منه إلا أن العشر الثالث كان طهراً/ قلنا: الثالث من العشر طهر بيقين، فتتوضأ لكل صلاة إلى آخر العاشر، ثم تغتسل لإمكان انقطاع دمها، ثم تغتسل لكل صلاة إلى تمام العشر الثاني لإمكان انقطاع دمها عند كل صلاة، إلا أن تعلم الوقت الذي كان ينقطع دمها فيه في كل يوم، فتغتسل في ذلك الوقت دون غيره وهذا الذي ذكرنا هو إذا اختلط أحد العشرين الأولين بالآخر. بحيث يمكن أن يكون كل وقت من العشرين حيضاً أو طهراً.
فإن قالت: كنت أحيض عشرة أيام من الشهر، إما الأولي أو الثانية أو لا يختلط أحد العشرين بالآخر، واعلم أني أكون في العشر الأخير من الشهر طاهرة فهذه حيضها، أما العشر الأول أو الثاني فتغتسل عند انقطاع العشر الأول [٢٨٩ ا/ ١]، وعند انقضاء العشر الثاني، فيحصل لها غسلان ويكفيها، وهكذا الحكم فيه إذا قالت: كنت أحيض عشرة ولا أعرف وقتها، إلا أني كنت طاهرة في العشر الأول، فهذه حيضها في العشرين الأخيرين من الشهر، فالعشر الأول طهر بيقين ويجئ فيها المسألتان اللتان ذكرناهما في المسألة قبلها، وهي إذا قالت: كنت أحيض عشرة ولا أعرف الوقت ويختلط أحط العشرين بالآخر. والثانية: إذا قات: لم يكن يختلط أحد العشرين بالآخر.
فرع آخر
قالت: كانت حيضتي ثلاثة من العشر الأول من الشهر، ولا أعلم موضعها منه. قلنا: العشران الآخران طهر بيقين، والعشر الأول مشكوك فيه، تتوضأ لكل صلاة إلى أخر الثالث، ثم تغتسل لكل صلاة إلى أخر العاشر، إلا أن تعرف الوقت الذي كان ينقطع دمها فيه من كل يوم فتغتسل في ذلك الوقت دون غيره.
وإن قالت: حيضي أربعة منه. قلنا: تتوضأ لكل صلاة إلى أخر الرابع ثم تغتسل لكل صلاة إلى أحسن العشر.
стр. 314
وإن قالت: حيضي خمسة منه، قلنا: تتوضأ لكل صلاة إلى أخر الخامس، ثم تغتسل لكل صلاة إلى أخر العشرة.
وإن قالت: حيضي سته منه فقد حصل لها حيض بيقين؛ لأن عدد الحيض زاد على
نصف العشر، والأصل فيه متى ضاع عدد [٢٨٩ ب/ ١] حيضها في عدد أيام نظرت، فإن كان عدد الحيض مثل نصف عدد الأيام فما دونه فالكل طهر مشكوك فيه. وإن زاد عدد حيضها على نصف الأيام فلها حيض بيقين، فإذا أرادت أن تعرف مبلغ حيضها فانظر إلى قدر الزيادة على النصف أضف إليه مصله، فما بلغ فهو حيض بيقين.
فإذا قالت: حيضي منه ست، قلنا بالخامس، والسادس حيض بيقين، يجوز أن يكون الابتداء من الأول والانتهاء من السادس، ويجوز أن يكون الابتداء من الخامس إلى آخر العاشر، فالخامس والسادس لا ينفك عن الحيض، فتتوضأ لكل صلاة إلى آخر العاشر.
وإن قالت: حيضي سبعة منه، قلنا: لك أربعة أيام حيض بيقين؛ لأن الزائد على نصف العشر يومان.
وإن قالت: حيضي ثمانية منه، قلنا لك منه ست أيام حيض بيقين؛ لأن الزائد على النصف ثلاثة.
وإن قالت: حيضي تسعة منه، قلنا: لك منه ثمانية حيض بيقين، لأن الزائد عن النصف أربعة، فتتوصأ لكل صلاة إلى أهر الأول، ومن الثاني على آخر التاسع حيض بيقين، ثم تغتسل لكل صلاة إلى أخر العاشر، وعلى هذا.
فرع آخر
قالت: حيضي خمسة من العشر الأول من الشهر لا أعلم [٢٩٠ ا/ ١] موضعها منه، غير أن اليوم الأول كنت ظاهراً. قلنا: الأول طهر بيقين، والسادس حيض بيقين لجواز أن يكون الابتداء من الثاني إلى أخر السادس، ويجوز أن يكون الابتداء من السادس إلى آخر العاشر، والأصل في هذا النوع أن ينظر إلى طهرها بيقين من الخمسة الأولي، فذات حيض بيقين من الخمسة الثانية، فتتوضأ لكل صلاة إلى آخر الخامس وتدع الصلاة يوم السادس، ثم تغتسل لكل صلاة إلى أخر العاشر.
стр. 315
وإن قالت: أعلم أني يوم الثاني طاهر، قلنا: لك يومان طهر بيقين الأول والثاني، ويومان حيض بيقين السادس والسابع والباقي طهر مشكوك فيهن فتتوضأ لكل صلاة إلى آخر الخامس والسادس، والسابع حيض بيقين فتدع الصلاة، ثم تغتسل لكل صلاة إلى أخر العاشر. فإن قالت: أعلم أني يوم الرابع طاهر، قلنا الأربعة الأولي طهر بيقين والأربعة حيض بيقين، أولها السادس إلى آخر التاسع، فتفعل على نحو ما ذكرنا.
وإن قالت: أعلم أني يوم الخامس طاهر، قلنا: هذه مغالطة، لأنك إذا علمت هذا
ثبت أن الحيض هي الخمسة الثانية. وإن قالت أعلم أني يوم السادس طاهر، قلنا: هذه [٢٩٠ ب/ ١] مغالطة أيضاً، لأنك إذا علمت هذا ثبت أن الحيض هي الخمسة الأولي. وإن قالت: أعلم أني يوم الثاني طاهر، ويوم الخامس حائض. قلنا: الأول والثاني طهر بيقين والثالث والرابع طهر مشكوك فيه، والخامس والسادس والسابع حيض بيقين، والثامن والتاسع طهر مشكوك فيه، والعاشر طهر بيقين؛ لأنه يحتمل أن يكون الابتداء أوله الثالث وآخرة إلى آخر السابع، ويمكن أن يكون الابتداء أول الرابع وأخره أخر الثامن، ويمكن أن يكون الابتداء من الخامس وآخرة التاسع فالعاشر لم يصل إليه الحيض، فتتوضأ لكل صلاة إلى آخر الثامن ويكون طهر بيقين فتتوضأ لكل صلاة إلى آخر التاسع، وتتوضآ لكل صلاة إلى آخر العاشر لأنه طهر بيقين.
نوع آخر
لو قالت: حيضي خمسة من خمسين من العشر الأول، ولا أرى ثلاثة من الأولي أو يومان الأولى وثلاثة من الثانية. قلنا: الأولي والثاني طهر بيقين؛ لأنه لا يمكن ابتداء الحيض فيهما، وأمكن كون الحيض من أول الثالث وآخره أخر السابع إذا كانت الثلاثة من الأولي، ويمكن أن يكون أوله أول الرابع وآخره آخر الثامن، فهذه قد جمعت خمسة في ستة، فيكون لها حيض بيقين أربعة [٢٩١ ا/ ١]، وهو ما زاد على نصف الستة، فالأول والثاني طهر بيقين تتوضأ لكل صلاة. الثالث طهر مشكوك فيه، تتوضأ لكل صلاة وتدع الصلاة من أول الرابع على آخر السابع؛ لأنه حيض بيقين فتغتسل عقيب السابع وتتوضآ لكل صلاة إلى آخر الثامن، ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة إلى آخر العاشر لأنه طهر بيقين. قلنا: غسلان عقب الثاني من الخمسة الثانية، وعقيب الثالث منها أيضاً.
فإن كانت بحالها فقالت: خمسة من خمسين من الشهر، وأعلم أنها خمسة من خمسين ثلاثة من الأولي، ويومان من الثانية، أو يومان من الأولي وثلاثة من الثانية، ولا أداري من أي الخمسين من الشهر هي. قلنا: يحتمل في الخمسين الأولين فيه ما نزلناه غير أنه لا تكون الأربعة حيضاً بيقين لجواز أن تكون من غير هاتين الخمسين، فتتوضأ لكل صلاة إلى آخر الثاني؛ لأنه طهر بيقين، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر السابع؛ لأنه طهر مشكوك فيه، ثم تغتسل لجواز انقطاع الدم، ثم تتوضأ إلى كل صلاة إلى آخر الثامن وتغتسل عقيبه، والثامن يمكن أن يكون طهراً من وجهين: أحدها: لا ينتهي الحيض إليه لجواز أن يكون الابتداء من الثالث؟ والثاني [٢٩١ ب/ ١]: لا يبتدأ بالحيض منه في الخمسة الثالثة لجواز أن يكون الدمان منهما. ويمكن أن يكون حيضاً من وجهين ينتهي الحيض إليه ويبتدأ به إن كانت
الثالثة من الخمسة الثالثة فتتوضا لكل صلاة إلى أخر الثاني من الخمسة الثالثة وتغتسل، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى أخر الثالث من الثالثة. وهكذا تفعل في كل خمسة من الشهر، فيحصل لها في كل خمسة غسلان من الخمسة الثانية إلى آخر الشهر، فيكون لها عشر غسلات في جميع الشهر، وفي الباقي تتوضأ لكل صلاة، ولها فيه أربعة أيام طهر بيقين، يومان من أول الشهر ويومان منها في أخره.
стр. 316
فإن قالت: حيضي يوم ونصف من يومين لست أدري كل الأول ونصف الثاني، أو نصف الأول وكل الثاني. قلنا: كل يوم حيض بيقين، لأنه قد ضاع يوم ونصف في يومين، وزاد على النصف نصف يوم، فإذا أضعفته صار يومًا كاملًا، فيحتمل أن يكون أول حيضها أول الشهر وآخره مع الزوال من الثاني. ويحتمل أن يكون أوله أول الزمان من الأول، وآخره آخر الثاني، فمن أول اليوم إلى الزوال هو طهر مشكوك فيه تتوضأ لكل صلاة ثم تدع الصلاة [٢٩٢ ا/ ا] إلى الزوال من عنده، ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر الثاني.
وإن قالت: حيضي خمسة من الشهر لا أعلم موضعها منه، قلنا: كل الشهر طهر مشكوك فيه تتوضأ لكل صلاة إلى أخر الخامس، ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر الشهر، وهكذا لو قالت: غير أني أعلم أني ظاهر في اليوم السادس، أو السادس والعشرين، فإن وجود هذه الزيادة وعدمها سواء، فالحكم على ما مضي، لأنها ما أفادت بهذه الزيادة فائدة، بل أبقت الأمر على الشك وإن قالت: حيضي خمسة من الشهر لا أعلم موضعها منه فير أني كنت يوم السادس والعشرين طاهراً. قلنا: هذا تطويل معناه: غير أني أحيض أحد هذين اليومين من الشهر، ولا أدري فالوجه أن تترك كل واحد من العشرين. ثم نذكر الحكم، فإن كان هذا من العشر الأول أمكن أن يكون الابتداء أول الثاني وآخره آخر السادس. وأمكن أن يكون الابتداء أول السادس وآخره أخر العاشر، فاليوم الأول طهر بيقين والسادس حيض بيقين وبقية العشر طهر مشكوك فيه. وإن كان هذا [٢٩٢ ب/ ١] من العشر الثالث أمكن أن يكون الابتداء أول الثاني والعشرين وآخره آخر السادس والعشرين. ويمكن أن يكون الابتداء أول السادس والعشرين وآخره أخر الشهر، فمن الثاني والعشرين إلى آخر الخامس طهر مشكوك فيه، والسادس حيض بيقين، وإلى آخر الشهر طهر مشكوك فيه، وما قبل هذا من الشهر طهر بيقين، فإذا احتمل هذين لم يكن لها حيض بيقين لأنها على شك مما ذكرته، فتتوضأ لكل صلاة اليوم الأول؛ لأنه طهر بيقين، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى أخر السادس؛ لأنه طهر مشكوك فيه، ثم تغتسل لكل صلاة إلى لآخر العاشر؛ لأنه يمكن انقطاع الدم فيه. قلنا: اثني عشر يومًا طهر بيقين والباقي طهر مشكوك فيه.
نوع آخر
قالت: حيضي عشرة من الشهر لا أعلم موضعها منه غير أني أعلم يوم العاشر حائض، فيحتمل أن يكون الابتداء من أول يوم في الشهر، ويحتمل أن يكون الابتداء أول العاشر وآخره آخر التاسع عشر، فالعشر الثالث طهر بيقينـ، لأن الحيض لا يصل إليه، وآخر العشر الثاني وهو يوم العشرين طهر بيقين أيضاً.
وأصل [٢٩٣ أ/١] هذا النوع أن ينظر إلى ما لها من الطهر بيقين من العشر الثاني فهو حيضها بيقين من العشر الأول، فكلما زاد في طهرها بيقين من العشر الثاني زاد في
стр. 317
حيضها من العشر الأول، فمن الأول إلى أخر التاسع طهر مشكوك فيه، والعاشر حيض بيقين، ومن العاشر إلى آخر التاسع عشر طهر مشكوك فيه، ويوم العشرين طهر بيقين.
وإن قالت: اعلم أني يوم التاسع حائض. قلنا: يمكن أن يكون الابتداء أول الشهر وآخره العاشر، ويمكن أن يكون أول التاسع وآخره الثامن عشر، فيكون التاسع عشر والعشرون طهراً بيقين، والتاسع والعاشر حيضاً بيقين.
فإن قالت: أعلم أني أكون يوم الثامن حائض. قلنا: يحتمل أن يكون الابتداء أول الشهر وآخره أخر العاشر، ويحتمل أن يكون الابتداء أول الثامن وآخره آخر السابع عشر، فيكون ثلاثة أيام من آخر العشر الثاني طهر بيقين، وثلاثة أيام من آخر العشر الأول حيض بيقين وعلى هذا التنزيل، فإن قالت: غير أني أعلم أني يوم السادس حائض. قلنا: يمكن أن يكون الابتداء أول الشهر وآخره آخر العاشر، ويمكن أن يكون الابتداء أول السادس وآخره أخر الخامس [٢٩٣ ب/ ١] عشر فخمسة من آخر العشر الثاني طهر بيقين، وخمسة من أخر العشر الأول حيض بيقين.
فإن قالت: أعلم أني اليوم الثاني حائض. قلنا: يحتمل أن يكون الابتداء الثاني وآخره آخر الحادي عشر، فيكون تسعة أيام من الثاني طهر بيقين وتسعة من الأول حيض بيقين، فتتوضأ لكل صلاة إلى آخر يوم الأول، ثم تدع الصلاة إلى آخر العاشر، ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر الحادي عشر، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر العشر الثاني، والعشر الثالث أخرجناه عن هذا لأنه أبداً طهر بيقين.
فإن قالت: أعلم أني يوم الأول حائض. قلنا: هذه مغالطة، أنت قد علمت أن الحيض هو العشر الأول، وبقية الشهر طهر بيقين فما نسيت شيئًا.
فإن قالت: أعلم أني يوم الثاني عشر حائض ولي من الشهر طهر كامل. قلنا: قد عرفت أن نصفه الثاني طهر بيقين؛ لإن حيضك في النصف الأول وقد ضاع عشرتك منه،
فيمكن أن يكون الابتداء أول الثالث وآخره آخر الثاني عشر، ويمكن أن يكون الابتداء أول السادس وآخره الخامس عشر، فيكون اليوم الأول والثاني طهراً بيقين، ومن أول الثالث إلى آخر الخامس طهر [٢٩٤ ا/ ١] مشكوك فيه، ومن أول السادس إلى آخر الثاني عشر حيض بيقين، ومن الثالث عشر إلى آخر الخامس عشر طهر مشكوك فين، فتتوضأ لكل صلاة إلى آخر الثاني؛ لأنه طهر بيقين، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الخامس، لأنه طهر مشكوك فيه، ثم تدع الصلاة سبعة أيام إلى آخر الثاني عشر؛ لأنه حيض بيقين، ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر الخامس عشر؛ لأنه يحتمل انقطاع الدم فيه، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الشهر؛ لأنه طهر بيقين.
نوع آخر
قالت: حيضي عشرة من الشهر لا أعلم موضعها منه، إلا أني يوم العاشر طاهر. قلنا: هذا معناه العشر الأول كله طهر، وإنما ضاع عشرتك فيما بقي من الشهر. وإن قالت أعلم أني يوم السادس طاهر. قلنا: معناه من أول الشهر إلى آخر السادس طهر
стр. 318
بيقين، وقد ضاع عشرتك فيما بقي منه. وإن قالت: أعلم أني يوم الحادي والعشرين طاهر. قلنا: يوم من أوله طهر بيقين وقد ضاع حيضك فيما سلف منه. وإن قالت: أعلم أني يوم السادس والعشرين طاهر. قلنا: قد علمت من السادس إلى الباقي طهر بيقين، وقد ضاع حيضك فيما سلف. وإن قالت: اعلم أني يوم الحادي عشر [٢٩٤ ب/ ١] طاهر. قلنا: هذا كلام يحتمل أن يكون الابتداء أول الشهر وآخره آخر العاشر، ويحتمل أن يكون الحيض بعد الحادي عشر وآخره آخر الحادي والعشرين، وآخره ثلاثين. فالأول هو طهر مشكوك فيه تتوضأ لكل صلاة لإمكان انقطاع الدم، ثم تتوضأ لكل صلاة يوم الحادي عشر لأنه طهر بيقين، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الحادي والعشرين أنه طهر مشكوك فيه، ثم تغتسل عقب الحادي والعشرين إلى آخر الشهر؛ لأنه يمكن انقطاع الدم فيه.
نوع آخر
لو قالت: حيضي خمسة عشر من الشهر لا أعلم موضعها منه. قلنا: تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الخامس عشر، ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر الشهر. فإن قالت: أعلم أني يوم الثاني عشر حائض. قلنا: يحتمل أن يكون الابتداء أول الشهر وآخره آخر الخامس عشر. ويحتمل أن يكون الابتداء أول الثاني عشر وآخره السادس والعشرين، فيكون أول الشهر إلى آخر الحادي عشر طهراً مشكوكاًً فيه، تتوضأ لكل صلاة، وأربعة حيض بيقين إلى آخر الخامس عشر، ثم إلى آخر السادس والعشرين طهر مشكوك فيه، فتغتسل لكل صلاة، ويكون
(٢٩٥ أ/ ١) أربعة أيام بيقين تتوضأ لكل صلاة.
وإن قالت: حيضي أريعه أيام من الشهر لا أعلم موضعها منه، وأعلم أن لي من الشهر طهرًا كاملًا، وآخر خمسة فيه طهر. قلنا: معنى هذا الكلام شهري خمسة وعشرون يومًا؛ لأنها قد تحققت أن الخمسة الأخيرة من الشهر طهر، والإشكال فيما سلف.
ولو قالت: لي منه خمسة حيض وطهر كامل. قلنا: يحتمل
стр. 319
أن تكون الخمسة في العشر الأول، والطهر بعد العشر خمسة يومًا. ويحتمل أن يكون في العشر الأخير من شهرك وهو من أول السادس عشر إلى آخر الخامس والعشرين، فيكون العشر الأول طهرًا مشكوكًا فيه، تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الخامس، ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر العاشر؛ لأنه يمكن انقطاع الدم فيه، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الخامس عشر لأنه طهر بيقين؛ لأنه إن كان الطهر من أول شهرك فهذه الخمسة هي طهر، وإن كان من آخره فهذه الخمسة طهر، ثم تتوضأ لكل صلاة من أول السادس عشر إلى آخر العشرين، ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر الخامس والعشرين، وبقى من الشهر خمسة طهر بيقين تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الشهر.
وإن (٢٩٥ ب/ ١) قالت: شهري عشرون يومًا وحيضي منه خمسة لا أعلم موضعها منه. قلنا: يمكن أن يكون أول خمسة منه خمسة عشر وهي تمام شهرك طهرًا. ويحتمل أن تكون الخمسة الأخيرة وخمسة عشر من أول شهرك طهرًا. فالخمسة الأولى هي طهر مشكوك فيه، والخمسة الأخيرة كذلك وبينهما عشرة طهر بيقين تتوضأ لكب صلاة إلى آخر الخامس، ثم تغتسل لجواز انقطاع الدم فيهـ ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الخامس عشر لأنه طهر بيقين، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر العشرين لأنه طهر مشكوك فيه، ثم تغتسل عقيب ذلك لجواز انقطاع الدم فيه.
فإن قالت: شهري ستة عشر يومًا وأحيض منه يومًا لا أعلم موضعها.
قلنا: الأول والسادس عشر طهر مشكوك فيه، وما بينهما طهر بيقين وهو أربعة عشر يومًا.
فإن تقرر هذا، فالكلام في حكم العبادات وإتيان الزوج: وقد قلنا: إن لها ثلاثة أحوال طهر بيقين، وحيض بيقين، وطهر مشكوك فيه. فالطهر بيقين حكمًا فيه حكم الطاهرات، وفي الحيض بيقين حكمها حكم الحائض، وفي طهرها المشكوك تأتي العبادات ولا يأتيها الزوج، ولا تقضي الصلاة وتقضي الصوم والطواف (٢٩٦ أ/ ١) على ما نذكر.
وجملته أن طهر المستحاضة هو على ضربين، يقين، وغير يقين، فاليقين لا كلام فيه؛
لأنه حدث كسلس البول. وأما غير اليقين فعلى ثلاثة أضرب: ضرب ثبت بالدليل الواضح وهو التمييز أو العادة، فهذه يأتيها زوجها وتأتي بكل العبادات ولا تقضي.
وضرب ثبت احتياطيًا بغير دليل فهو طهر، من قالت: حيضي خمسة من الشهر لا أعلم موضعها، فالشهر كله مشكوك فيه لا يأتيها زوجها، وتأتي بالعبادات وتقضي غير الصلاة؛ لأن العبادات لا تسقط بالشك في الوقت كما لو خفيت عليه دلائل القبلة فإنه يصلي ويعيد.
وضرب اختلف القول فيه، وهو طهر المبتدأة التي لا تمييز لها كم نحيضها؟ قولان. وعلى القولين الباقي إلى تمام أكثر الحيض طهر مشكوك فيه، وفيه قولان: أحدها: هو الطهر المميز. والثاني: كطهر المتحيرة. وهذا لأن خبر حمنة بنت جحش يحتمل أن في المعتادة، ويحتمل أنه في المبتدأة. فإن كان في المعتادة فليس في المبتدأة دليل واضح، فهي كالمتحيرة، وإن كان في المبتدأة فقد ثبت طهرها بالدليل الواضح فهي كالمميزة والمعتادة.
وقال والدي الإمام ﵀: من (٢٩٦ ب/ ١) أصحابنا من قال في الوطء في الطهر المشكوك أنه يحل في الطهر المشكوك أولًا ولا يحل في الطهر المشكوك آخر لأن الأصل إباحة الوطء في القسم الأول فلا يحرم إلا باليقين بخلاف الثاني. قال والدي الإمام: وهذا هو أولى ما قال أصحابنا على الإطلاق يحرم وطئها.
وأما فروع الناسية للعدد دون الوقت إذا قالت: أعلم أن أول الوقت الدم أول الشهر، ولا أعلم مبلغه حيضناها اليقين يومًا وليلة، وما بعده طهر مشكوك فيه إلى آخر الخامس
стр. 320
عشر؛ لأنه غاية مدة الحيض، وتغتسل لكل صلاة عقيب الأول إلى آخر الخامس عشر لإمكان انقطاع الدم فيه، وتصلي وتصوم وتقضي، وبقية الشهر طهر بيقين تتوضأ لكل صلاة.
ولو قالت: اعلم انتهاء حيضي ولا اعلم ابتدائه ولا بعدده، وكان الانتهاء آخر يوم من الشهرـ قلنا: آخر يوم من الشهر حيض بيقين، وما قبله السادس عشر طهر مشكوك فيه، وأول الشهر إلى آخر الخامس عشر طهر بيقين، فتتوضأ لكل صلاة إلى آخر الخامس عشر، لأنه طهر بيقين، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر التاسع والعشرين لأنه طهر مشكوك فيه ولا تغتسل؛ لأنه لا يمكن (٢٩٧ أ/ ١) انقطاع الدم فيه، وهي تعلم أن آخر حيضها آخر الشهر، وتدع الصلاة آخر يوم من الشهر؛ لأنه حيض بيقين.
ولو قالت: لي في كل شهر حيضتان بينهما طهر صحيح، ولا أعلم موضعهما ولا عددهما، قال الشيخ أبو حامد: أقل ما يحتمل أن يكون حيضها أربعة عشر يومًا من أول الشهر إلى آخره، ويومًا وليلة من أول الشهر، أو آخره، ويكون بينهما خمسة عشر يومًا
طهرًا. ويحتمل ما بين الأقل والأكثر فيلزمها أن تتوضأ لكل صلاة وتصلي في اليوم الأول من الشهر لأنه طهر مشكوك فيه، وتغتسل في آخره، ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر الرابع عشر لاحتمال انقطاع الدم فيه، ويكون الخامس عشر والسادس عشر طهرًا بيقين؛ لأنه إن كان ابتداء الطهر في اليوم الثاني فالسادس عشر طهرًا بيقين، لأنه إن كان ابتداء الطهر في اليوم الثاني فالسادس عشر آخره، وإن كان من الخامس عشر، فالخامس عشر والسادس عشر داخل في الطهر، ثم تغتسل من انقطاع السابع عشر إلى آخر الشهر لكل صلاة؛ لأنه يمكن انقطاع الدم في كل وقت منه. وقال القاضي الطبري: هذا خطا؛ لأنَّا إذا نزلنا هذا التنزيل لم يجز أن يكون ذلك حالها في الشعر الذي بعده (٢٩٧ ب/ ١)، بل يجب أن تكون في سائر الشهور كالمتحيرة الناسية لأيام حيضها ووقتها، فتغتسل لكل صلاة ولا يطأها الزوج وتقضي العبادات.
وأما فروع الناسية للوقت والعدد معًا متى نسيت الوقت والعدد معًا لا تذكر أوله ولا آخره، فهي التي تسميها الفقهاء المتحيرة. ويتصور ذلك في مجنونة تفيق فترى الدم سائلًا ولا تعرف شيئًا من حالها، فمتى تحيرت هكذا فيه قولان، قال في كتاب "الحيض": "لا أحيضها شيئًا بحال؛ لأنه ما من زمان بها إلا ويمكن أن يكون طهرًا، فكل طهر مشكوك فيه". وقال في "كتاب العدة": "ولو ابتديت مستحاضة أو نسيت أيام حيضها تركت الصلاة يومًا وليلة". فجعل لها الحيض يومًا وليلة في كل شهر، وسوى بينها وبين المبتدأة، وهذا لأن كل شهر غالب، وقد حيض النساء، والأول أصح؛ لأنها إذا لم تعلم الوقت لا يمكن تعينه بوقت دون وقت، فإذا
следующие страницы →