← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

لرب المال أن يقتصر في كل صنف على ثلاثة فصاعداً، فالفرق بينهما قد ذكرناه وهو أن العامل يقسم جميع الصدقات، فلزمه أن يعم بها جميع أهل السهمان، ورب المال يقسم بعض الصدقات فجاز أن يقتصر على بعض أهل السهمان. والثاني: أن على العامل أن يقسم سهم كل صنف على قدر حاجاتهم، ولا يجوز أن يساوي بينهم مع تفاضلهم في الحاجة ولا أن يفاضل بينهم مع تساويهم في الحاجة، ورب المال يقسم ذلك على خياره مع تسوية وتفضيل، ولا يلزمه أن يقسمه بينهم على قدر الحاجة والفرق بينهما أن العامل لما لزمه أن يعم جميع أهل السهمان لم يلزمه التسوية بينهم بحسب الحاجة، وكان على خياره في قدر العطاء كما كان على خياره في تميز العطاء فإذا ثبت الفرق بين هذين الوجهين فقد مضى الكلام فيما يتولاه العامل؛ فأما رب المال فلا يجوز أن يقتصر من الصنف الواحد على أقل من ثلاثة، إذا وجدوا؛ لأن الله تعالى ذكر كل صنف بلفظ الجمع المطلق وقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:٦٠] وأقل الجمع ثلاثة فرقاً بين الجمع والتثنية، فأما الجمع بين الأصناف كلهم فيستوي فيه العامل ورب المال فلا يجوز لرب المال أن يخل بصنف منهم إذا قدر عليه في بلده كالعامل، والفرق بين هذا وبين أن لا يلزمه استيعاب كل صنف بخلاف العامل، لأن الله تعالى جعل كل زكاة لجميع الأصناف ولم يجعلها الجميع كل صنف فإذا تقرر أن الواجب عليه أن يعطي ثلاثة من كل صنف بالخيار بين التسوية بينهم والتفضيل اعتباراً بالحاجة، فأي هذه الثلاثة فعلى أجزأه، فإن قسمها على اثنين مع وجود الثالث ضمن حصة الثالث وفي قدر ما ضمنه، قولان: أحدهما: ثلث ذلك السهم وهو المنصوص عليه في هذا الموضع اعتباراً بالتسوية عند ترك الاجتهاد في التفضيل. والثاني: يضمن أقل ما يجزئ اعتباراً بما جعل من الخيار والله أعلم بالصواب. مسألة (١) قال الشافعي: "وإن أعطى قرابته من السهمان ممن لا تلزمه نفقته كان أحق بها من البعيد منه وذلك أنه يعلم من قرابته أكثر مما يعلم من غيرهم وكذلك خاصته ومن لا تلزمه نفقته من قرابته ما عدا ولده ولا يعطى ولد الولد صغيراً ولا كبيراً زمناً ولا أخاً ولا جداً زمين ويعطيهم غير زمني لأنه لا تلزمه نفقتهم إلا زمني". قال في الحاوي: قد ذكورا أن أقارب صاحب المال من مناسبه وذوي رحمه أولى بزكاة ماله من الأجانب، وإذا كان كذلك فهم ضربان: ضربة تجب نفقاتهم، وضرب لا تجب. فأما من تجبه نفقته بفقره وزمانته من أقاربه فهم الوالدون والمولودون؛ فالوالدون الآباء، والأمهات والأجداد من قبل الآباء والأمهات.

стр. 3082

وأما المولودون فالبنون والبنات وبنو البنين وبنو البنات. وأما من لا تجب عليه نفقتهم فهم من عدا من ذكرنا من الإخوة والأعمام والعمات والأخوال والخالات ومن اتصل بهم من أبنائهم. وقال أبو حنيفة: تجب نفقة كل ذي رحم محرم والكلام عليه في كتاب النفقات فإذا كان الأقارب ممن تجب نفقاتهم كانوا أولى بالزكاة من الأجانب البعداء سواء كان يتطوع بالنفقة عليهم أم لا. وقال أحمد بن حنبل: إن تطوع بالنفقة عليهم صاروا في تحريم الزكاة كمن تجب نفقتهم. وهذا خطأ، لأن له قطع ما تطوع به من النفقة فلم تحرم عليهم الصدقة كتطوعه بنفقات الأجانب. فصل وإن كانوا ممن تجب نفقاتهم لم يجز أن يدفع إليهم من الزكاة بأن كانوا فقراء أو مساكين لأنهم بوجوب نفقاتهم عليه قد صاروا به أغنياء، ولأنه يصير مرتفقاً بها في سقوط نفقاتهم عنه، فلم يجز لهذين الأمرين أن يعطيهم من سهم الفقراء والمساكين، فأما إن كانوا من العاملين عليها جاز أن يعطيهم سهم العاملين منها؛ لأن سهمهم في مقابلة عمل فكان عوضاً فإن كانوا من المؤلفة أعطاهم من سهم المؤلفة إن كانوا أغنياء ولم يعطهم منه إن كانوا فقراء، لأنه تسقط نفقاتهم عنه بما يأخذونه منه فصار مرتفقاً بها. وإن كانوا مكاتبين جاز أن يعطيهم من سهم الرقاب؛ لأن نفقة المكاتب لا تجب على مناسب وإن كانوا من الغارمين جاز أن يعطيهم من سهمهم سواء كانوا ممن أداء في مصلحة نفسه أو مصلحة غيره فلا يعطى إلا مع الفقراء، وإن كانوا ممن أدان في المصالح العامة فيعطى مع الغنى والفقر؛ لأن ما يعطونه يلزمهم صرف ديونهم التي تجب عليه قضاؤها عليهم، فليس يرتفق بها في سقوط نفقتهم. وإن كانوا من الغزاة أعطاهم من سهم سبيل الله قدر ما يستعينون به في مؤونة حمولتهم، وثمن سلاحهم ودوابهم ونفقات خيلهم وغلمانهم ولا يعطيهم نفقات أنفسهم لوجوبها عليه حتى لا يصير مرتفقاً بسقوطها عنه. وإن كانوا من بني السبيل أعطاهم من سهمهم كراء مسيرهم ولم يعطهم نفقات أنفسهم إلا ما زاد على نفقة الحضر لئلا يصير مرتفعاً بها في سقوطها عنه؛ لأنه لا يلزمه أن يسافر بهم ولا يقرهم كما لا يلزمه أن يقضي ديونهم فجاز أن يعطيهم منها ما اختص بالسفر والغزو والله أعلم. مسألة (١) قال الشافعي: "ولا يعطي زوجته لأن نفقتها تلزمه فإن أدانوا أعطاهم من سهم

стр. 3083

الغارمين وكذلك من سهم ابن السبيل لأنه لا يلزمه قضاء الدين عنهم ولا حملهم إلى بلد أرادوه فلا يكونون أغنياء عن هذا به كما كانوا به أغنياء عن الفقر والمسكنة". قال في الحاوي: قد مضى الكلام في الأقارب المناسبين، فأما الزوجة فلا يخلو حالها من أحد أمرين: إما أن تكون مقيمة أو مسافرة فإن كانت مقيمة لم تخل من أن تكون مطيعة أو ناشزة فإن كانت مطيعة تلزمه نفقتها ولم يجز أن يعطيها من سهم الفقراء والمساكين، لأنها غنية به وإن كانت ناشزة لم تلزمه نفقتها وسقطت عنه بالنشوز ولا يجوز أن يعطيها من سهم الفقراء، والمساكين، وإن لم يكتسب لقدوته على الكفاية فأما إعطاء الزوجة من سهم العاملين فليست ممن يستعمل على الزكاة فيعطاه وأما من سهم المؤلفة فلا يجوز أن تعطى لأن المؤلفة هم الرجال المقاتلة، ولو قيل: يعطى لكان مذهباً لأن ما يقصد من حسن إسلام الرجل وترغيب قومه في الإسلام موجود في المرأة. وأما إن كانت مكاتبة أو غارمة جاز أن تعطى من سهم الرقاب والغارمين؛ لأنه لا يلزمه قضاء دينها، وأداء كتابتها، أما من سهم سبيل الله فلا يجوز أن تعطاه؛ لأنها ليست من أهل الجهاد وأما من سهم بني السبيل فنذكر حكم سفرها، فلا يخلو أن تسافر وحدها أو مع زوجها فإن سافرت مع زوجها فلا يخلو أن يكون بإذنه أو بغير إذنه، فإن كان بإذنه فلا يعطيها من سهم ابن السبيل؛ لأن مؤنة حمولتها تلزمه لأجل إذنه، وإن كان بغير إذنه فلها النفقة لكونها معه ولا يلزمه حمولتها لخروجها بغير إذنه، ولا يجوز أن يعطيها من سهم بني السبيل كراء حمولتها؛ لأن سفر معصية وإن سافرت وجدها فلا يخلو أن يكون بإذنه أو بغير إذنه فإن كان بغير إذنه فلا نفقة لها لكونها ناشزة، ويجوز أن يعطيها من سهم الفقراء والمساكين بخلاف المقيمة الناشزة. والفرق بينهما أن المقيمة إذا نشزت قدرت على النفقة بتعجيل المطاوعة ولا يجوز أن يعطيها من سهم بني السبيل؛ لأنه سفر معصية، وإن كان سفرها بإذنه، فعلى ضربين: أحدهما: فيما يختص بزوجها فعليه نفقتها وحمولتها فلا يجوز أن يعطيها من سهم الفقراء والمساكين ولا من سهم بني السبيل. والثاني: أن يكون فيما يختص بها ففي وجوب نفقتها قولان: أحدهما: تجب عليه، فعلى هذا لا يجوز أن يعطيها من سهم الفقراء والمساكين لقناها به، ويجوز أن يعطيها سهم بني السبيل لأن حمولتها لا تلزمه. والثاني: لا نفقة لها، فعلى هذا يجوز أن يعطيها من سهم الفقراء والمساكين ويجوز أن يعطيها من سهم بني السبيل. فصل فأما إذا كانت في عدة طلاقه فإن وجبت نفقتها لكونها رجعية أو حاملاً في طلاق

стр. 3084

بائن فلا يجوز أن يعطيها من سهم الفقراء والمساكين لوجوب نفقتها عليه، ولا من سهم بني السبيل لحظر السفر عليها في العدة وإن لم تجب نفقتها لكونها حائلاً في طلاق بائن جاز أن يعطيها من سهم الفقراء والمساكين ولم يجز أن يعطيها من سهم بني السبيل، وإن كانت في عدة من وطئه بشبهة فإن كانت حائلاً لم تجب عليه نفقتها، فجاز أن يعطيها من سهم الفقراء والمساكين ولم يجز أن يعطيها من سهم بني السبيل لحظر السفر عليها في العدة وإن كانت حاملاً ففي وجوب نفقتها عليه قولان: أحدهما: تجب، فيجوز أن يعطيها من سهم الفقراء والمساكين ولا يعطيها من سهم بني السبيل. والثاني: تجب نفقتها فلا يجوز أن يعطيها من سهم الفقراء والمساكين ولا من سهم بني السبيل. فصل فأما الزوجة فيجوز لها دفع زكاتها إلى زوجها من السهام كلها وقال أبو حنيفة: لا يجوز استدلالاً بأنه أحد الزوجين فمنع زكاة صاحبه كالزوج إلى زوجته. ولأنه وارث لا يسقط بالحجب فوجب أن يمنع من الزكاة كالأب ولأنه قد ترتفق بدفع زكاتها إليه؛ لأنه قد يستغنى بها فتلزمه لها نفقة موسر. ودليلنا عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:٦٠] وحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال لزينب امرأة عبد الله بن مسعود: "زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم" (١) فكان على عمومه. فإن قيل: فهذا محمول على التطوع، لأنه جمع بين الزوج والولد ولا يجوز أن يدفع إلى الولد من الفرض فثبت أنه التطوع، فعن ذلك جوابان: أحدهما: وهو جواب أبي عبيد أنه يحتمل أن يكون أولاده من غيرها. والثاني: وهو جواب الشافعي أن أولاده وإن كانوا منها فإنهم كانوا بالغين أصحاء فسقطت نفقاتهم، وجاز دفع الزكاة إليهم. ومن القياس أنه نسب لا يستحق به النفقة فلم تحرم به الصدقة قياساً على ذوي الأرحام، ولأن الزوج مع الزوجة بمنزلة الأجنبي في سقوط النفقة فوجب أن يكون بمنزلته في استباحة الصدقة. فأما الجواب عن قياسهم على منع الزوج من دفعها إلى زوجته فهو لأن نفقتها تلزمه فمنعت من صدقته ونفقته لا تلزمها فلم يمنع من صدقتها وأما قياسه على الأب أنه لا يسقط بالحجب، فالمعنى فيه أن الأب تميز باستحقاق النفقة فيمنع من الصدقة، وليس كذلك الزوج.

стр. 3085

وأما الجواب عن قولهم أنها قد ترتفق بدفع زكاتها إليه، فهو أنها لا ترتفق بالدفع، وإنما ترتفق بما قد يحدث بعده من اليسار وذلك لا يمنع من الزكاة كمن دفعها إلى غريم له فأخذها من بعد قبضها من دينه جاز، ولا يكون ذلك رفقاً يمنع من جوازها لحصول ذلك بعد استقرار الملك بالقبض كذلك ما يأخذه الزوج والله أعلم. مسألة (١) قال الشافعي ﵀: "فأما آل محمد ﷺ الذين جعل لهم الخمس عوضاً من الصدقة فلا يعطون من الصدقات المفروضات، وإن كانوا محتاجين وغارمين وهم أهل الشعب وهم صلبية بني هاشم وبني المطلب ولا تحرم عليهم صدقة التطوع وروي عن جعفر بن محمد عن أبيه أنه كان يشرب من سقايات بين مكة والمدينة فقلت له أشرب من الصدقة؟ فقال: إنما حرمت علينا الصدقة المفروضة وقبل النبي ﷺ الهدية من صدقة تصدق بها على بريرة وذلك أنها من بريرة تطوع لا صدقة". قال في الحاوي: وجملته أن الناس في صدقة الفرض والتطوع ينقسمون ثلاثة أقسام: منهم من تحرم عليه صدقة الفرض والتطوع، ومنهم من تحل له الصدقتان جميعاً، ومنهم تحرم عليه صدقة الفرض دون التطوع. فأما من تحرم عليه صدقة الفرض والتطوع فهو رسول الله ﷺ لما رفع الله تعالى من قدره وفضله على جميع خلقه. روى أبو رافع أن النبي ﷺ قال: "إنا لا تحل لنا الصدقة" (٢). وروى أنس بن مالك أن النبي ﷺ وجدتموه وقال: لولا أخاف أن تكون صدقة لأكلتها" (٣). وروي أن سلمان الفارسي حمل إلى النبي ﷺ طبقاً من رطب فقال: "ما هذا"؟ قال: صدقة، قال: "إنا لا تحل لنا الصدقة" فحمل إليه طبقاً آخر فقال: "ما هذا"؟ قال: هدية، قال: "إنا نقبل الهدية ونكافئ عليها". وإذا ثبت هذا فقد كان يمتنع من صدقة الغرض تحريماً وفي امتناعه من صدقة التطوع قولان: أحدهما: أنه كان يمتنع منها تحريماً كالقرض، ولأن النبي ﷺ أكل من لحم تصدق

стр. 3086

به على بريرة قال: "هو لها صدقة لنا هدية وصدقات اللحوم بالمدينة كانت من ضحايا تطوع غير واجبة". والثاني: أنه كان يمتنع منها تنزيهاً لا تحريماً، لأنه قد كان يصلي في المساجد وهي صدقات ويشرب من بئر رومة بالمدينة وبئر زمزم بمكة وهما صدقتان. وقال أبو علي بن أبي هريرة: ما كان من صدقات التطوع على الأعيان كانت محرمة عليه، وما كان منها مسألة على الكافة لم تحرم عليه مثل صلاته في المساجد وشربه من الآبار. والذي أراه عندي أصح أن ما كان منها أموالاً مقومة كانت عليه محرمة وما لم تكن أموالاً مقومة كانت له مباحة، فعلى هذا كانت صلاته في المساجد وشربه من بئر رومة وزمزم، ولو كانت الصدقة المسيلة ثمار لا تحل له، وعلى قول ابن أبي هريرة تحل له. فصل وأما من تحرم عليه الصدقة- الفرض دون التطوع- فهم آل رسول الله ﷺ لرواية أبي هريرة أن الحسن بن علي أخذ تمرة من تمرة الصدقة فجعلها في فيه فنزعها رسول الله ﷺ من فيه بلعابها وقال كخ كخ، وقال: "إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة". وسأله الفضل بن العباس عمالة الصدقات فغضب وقال: "أليس في خمس الخمس ما يغنيكم عن أوساخ الناس". فدل هذا الخبران على تحريم الفرض عليهم. فأما التطوع فحلال لما روي أن جعفر بن محمد شرب من سقايات بين مكة والمدينة. فقيل: له: أليس قد حرم عليكم الصدقات؟ فقال: إنما حرم الله علينا الصدقات المفروضات؛ لأن الله تعالى عوضهم مالاً واحداً عن مال واحد، فإذا ثبت أن آل رسول الله ﷺ تحرم عليهم الصدقات المفروضات دون التطوع فهم ذو القربى من بني هاشم وبني المطلب. وقال أبو حنيفة: إنما تحرم على آل العباس وآل حمزة وآل الحارث بني عبد المطلب وعلى آل علي وآل جعفر والفضل ولا تحرم على آل أبي لهب ولا على غير المذكورين من بني عبد المطلب ولا على جميع بني المطلب، وهذا خطأ؛ لأن من استحق سهم ذي القربى منع صدقة الفرض وقد ثبت أن سهم ذي القربى مشترك بين جميع بني هاشم وبني المطلب وكذا صدقة الفرض حرام على جمع بني هاشم. وأما من تحل له صدقة الفرض والتطوع فهم سائر الناس تحل لهم صدقاه الفرض والتطوع بالفقر وصدقات التطوع مع الغنى والفقر، وقد دللنا عليه من قبل.

стр. 3087

مسألة (١) قال الشافعي: "وإذا كان فيهم غارمون لا أموال لهم فقالوا أعطنا بالغرم والفقر قيل لا إنما تعطيكم بأي المعنيين شئتم فإذا أعطيناه باسم الفقر فلغرمائه أن يأخذوا مما في يديه حقوقهم وإذا أعطيناه بمعنى الغرم أحببت أن يتولى دفعه عنه ولا فجائز كما يعطى المكاتب فإن قيل: ولم لا يعطى بمعنيين؟ قيل: الفقير مسكين والمسكين فقير يجمعهما اسم ويتفرق بهما اسم فلا يجوز أن يعطى إلا بأحد المعنيين ولو جاز ذلك جاز أن يعطى رجل بفقر وغرم وبأنه ابن سبيل وغاز ومؤلف فيعطى بهذه المعاني كلها فالفقير هو المسكين ومعناه أن لا يكون غنياً بحرفة ولا مال فإذا جمعا معاً فقسم لصنفين بهما لم يجز إلا أن يفرق بين حاليهما بأن يكون الفقير الذي بدئ به أشدهما فقراً وكذلك هو في اللسان". قال في الحاوي: وصورتها في رجل من أهل الصدقات جمع بين سببين يستحق بكل واحد منهما فيهما كغارم فقير، وعامل مسكين طلب أن يطعى بالفقر أو بالغرم أو بالعمالة والمسكنة فالذي نص عليه الشافعي في هذا الموضع، وأكثر كتبه أنه لا يجوز أن يجمع له بهما ولا يعطى إلا بأحدهما وقال في كتاب فرض الزكاة من قسم الصدقات: أنه يجوز أن يعطى بالسببين، فاختلف أصحابنا في ذلك على ثلاثة مذاهب: أحدهما: وهو قول أبي حامد الإسفراييني وكثير من البغداديين أن ذلك على قولين لاختلاف نصه في الموضعين. أحد القولين: أنه لا يجوز أن يعطى إلا بأحد السببين، وهذا هو الأشهر قوله، والأصح من مذهبه لئلا يؤدي ذلك إلى الأخذ بجميع الأسباب كما لا يورث المجوس إذا اجتمعت له قرابتان إلا بأحدهما. والقول الثاني: يجوز أن يعطى بهما معا؛ لأنه لما جاز أن يأخذ بالسبب الواحد إذا انفرد به جاز أن يأخذ بالسببين إذا اجتمعا فيه، وكما يجوز أن يورث الزوج إذا كان ابن عم لها بالسببين. والثاني: قاله أبو حامد المروروذي جمهور البصريين: أن ذلك على قول واحد لا يعطى إلا بأحدهما ولا يجمع له بينهما وما قاله في فرض الزكاة من جواز إعطاءه بالسببين محمول على أنه من زكاتين. والثالث: أنه يجوز أن يعطى بالسببين إذا اختلفا ولا يجوز أن يعطى بهما إذا اتفقا فاختلافهما أن يكون أحدهما لحاجته إلينا، والآخر لحاجتنا إليه كالعامل إذا كان فقيراً والغازي إذا كان مسكيناً، واتفاقهما أن يكونا معاً لحاجته إلينا كالفقير إذا كان غارماً والمسكين إذا كان مكاتباً، كما أنه لا يورث أحد بسببين متفقين كغرضين أو نصيبين

стр. 3088

ويورث بسببين مختلفين من فرض وتعصيب، فإذا تقرر هذا: إنه لا يعطى بهما وكان فقيراً غارماً خير في إعطائه بأي السببين شاء من فقر وغرم، فإن اختار أن يعطى بالفقر سلم إليه وكان لصاحب الدين أن يأخذه من دينه، وإن اختار أن يعطى بالغرم جاز أن يسلم إليه وجاز أن يعطيه لصاحب الدين بأمره. فإن قيل: فأيهما أولى، قلنا: إن كان بقدر دينه كله فأولى دفعه إلى صاحب الدين وإن كان أقل فالأولى دفعه إلى الغارم لعله أن يتجر به فينمى. وإن قيل: يجوز أن يعطى بالسببين أعطى بالفقر والغرم، فإن كان في سهم الغرم وفاء لدينه استبقى سهم الفقر، وإن كان يعجز عن دينه كان له أن يأخذ منه سهم الفقر ليستوفي دينه، والله أعلم بالصواب. مسألة (١) قال الشافعي: "فإن كان فيهم رجل من أهل الفيء ضرب عليه البعث في الغزو ولم يعط فإن قال لا أغزو واحتاج أعطي فإن هاجر بدوي واحتاج واقترض وغزا صار أهل الفيء وأخذ فيه ولو احتاج وهو في الفيء لم يكن له أن يأخذ من الصدقات حتى يخرج من الفيء ويعود إلى الصدقات فيكون ذلك له". قال في الحاوي: وهذا كما قال. قد ذكرنا أن أهل الفيء بمعزل عن أهل الصدقات ينصرف إليهم مال الفيء دون الصدقات وأهل الصدقات بمعزل عن أهل الفيء ينصرف إليهم مال الصدقات دون الفيء وضرب هم من أهل الصدقة، فأما غزاة أهل الفيء فهم المقترضون في ديوان الفيء من المقاتلة فهو لا يعطون أرزاقهم من مال الفيء ولا يجوز أن يعطوا من الصدقات وأما غزاة أهل الصدقات فهم المتطوعة من الأعراب وأهل الصنائع من أهل الأمصار الذين إن شاؤوا غزوا وان شاؤوا أقاموا، فهؤلاء إذا أرادوا الغزو أعطوا من مال الصدقات من سهم سبيل الله، ولم يجز أن يعطوا من مال الفيء لرواية عباس، وقال: كان أهل الفيء على عهد رسول الله ﷺ بمعزل على أهل الصدقات، وأهل الصدقات بمعزل عن أهل الفيء، فلو أن رجلاً من أهل الفيء معترضاً في ديوانه ضرب عليه البعث في الغزو أو لم يضرب عليه فأراد الخروج من أهل الفيء والدخول في أهل الصدقات ليغزوا إن شاء ويقعد عنه إن اختار كان ذلك له لأنه لم يكن عليه عقد لازم وإنما هو جعالة فيسقط رزقه من ديوان الفيء ويعطى من مال الصدقات، ولو أن أعرابياً من أهل الصدقات هاجر وأراد أن يقترض من ديوان الفيء جاز أن يقرضه الإمام فإذا رآه الإمام أهلاً لذلك، خرج من أهل الصدقات.

стр. 3089

مسألة (١) قال الشافعي ﵀: "وإن لم يكن رقاب ولا مؤلفة ولا غارمون ابتدئ القسم على خمسة أسهم أخماساً على وصفت فإن ضاقت الصدقة قسمت على عدد السهمان ويقسم بين كل صنف على قدر استحقاقهم ولا يعطى أحد من أهل سهم وإن اشتدت حاجته وقل ما يصيبه من سهم غيره حتى يستغني ثم يرد فضل إن كان عنه ويقسم". قال في الحاوي: وهذه مسألة قد مضت، فذكرنا أن أهل السهمان ثمانية أصناف فإن كملوا قسمت الزكاة أثماناً بينهم متساوية، وإن عدموا نقلت إلى أقرب البلاد بهم، وإن وجد بعضهم قسمت على من وجد منهم، وسقط سهم من عدم إلا الغزاة فإنهم يسكنون الثغور فينقل إليهم سهمهم إن كان الإمام هو القاسم لها. فأما إن كان رب المال هو المتولي لقسمها سقط سهمهم إن عجز عن إيصاله إليهم؛ لأن الإمام يقدر على نقل سهمهم على ما لا يقدر عليه أرباب الأموال فافترق الحكم فيه. مسألة (٢) قال الشافعي: "فإن اجتمع حق أهل السهمان في بعير أو بقرة أو شاة أو دينار أو درهم أو اجتمع فيه اثنان من أهل الهماز أو أكثر أعطوه ويشرك بينهم فيه ولم يبدل بغيره كما يعطاه من أوصى لهم به وكذلك ما يوزن أو يكال". قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا كان مال الزكاة ينقسم قليلة ويتجزأ كالحبوب أعطي كل واحد من أهل السهمان حقه منه ولم يشرك فيه بين اثنين للاستغناء عن الشريك، وإن كان مما لا يتجزأ، كالإبل، والبقر، والغنم فإن اتسعت الصدقة أن ينفرد كل واحد منهم ببعير له أو بقرة أو شاة لم يشرك بينهم وأفرد كل واحد منهم بحقه وإن ضاقت الصدقة عن ذلك جاز أن يشرك الجماعة في البعير الواحد أو البقرة أو الشاة الواحدة سواء كانت الجماعة من صنف واحد أو أصناف بعد أن يبين حصة كل واحد منهم فيه؛ لأن التفضيل بينهم بحسب الحاجة معتبر من جهة العامل وغير معتبر من جهة رب المال، فإن لم يبين حصة كل واحد كانوا في الظاهر شركاء بالسوية فلم يجز أن يباع ذلك ويقسم عليهم ثمنه قبل أن يملكه إياهم، لأن القيم في الزكاة لا تجزئ، وسواء كان القاسم رب المال أو العامل، لأنهم أهل رشد لا يولى عليهم بعجز أرباب السهام إلا أن تدعو العامل الضرورة إلى بيعه، وإما لعطب الحيوان وخوفه من تلفه، وإما لبعد المسافة وإحاطة مؤونة نقله بجميع قيمته فيجوز له في هاتين الحالتين بيعه للضرورة، وقسم ثمنه فيهم، ولا يجوز ذلك لرب المال بحال لثبوت الزكاة في ذمة رب المال دون العامل وأن

стр. 3090

للعامل ولاية ليست لرب المال. قال الشافعي: وكذلك ما يوزن أو يكال يعني في أنه لا يجوز بيعه على أهل السهمان إلا عند الضرورة فتجوز للعامل دون رب المال. مسألة (١) قال الشافعي: "وإذ أعطى الوالي من وصفنا أن عليه أن يعطيه ثم علم أنه غير مستحق نزع ذلك منه إلى أهله فإن فات فلا ضمان عليه لأنه أمين لمن يعطيه ويأخذ منه لا لبعضهم دون بعض لأنه كلف فيه الظاهر وإن تولى ذلك رب المال ففيها قولان أحدهما أنه يضمن والأخر كالوالي لا يضمن. قال المزني ولم يختلف قوله في الزكاة أن رب المال يضمن". قال في الحاوي: وصورة هذه المسألة في زكاة دفعت إلى مستحق لها في الظاهر فبان غير مستحق لها في الباطن، فهذا على ثلاثة أقسام: أحدهما: ما يكون الضمان فيه على الدافع واجباً سواء كان الدافع لها إماماً أو مالكاً. والثاني: ما لا يجب فيه الضمان على الدافع سواء كان إماماً أو مالكاً. والثالث: ما يختلف في وجوب الضمان فيه بحسب اختلاف الدافع إن كان إماماً أو مالكاً. فأما القسم الأول: الذي يجب فيه الضمان على الدافع إماماً كان أو مالكاً فهو أن تدفع إلى من لا يجوز الدفع إليه إلا ببينة على سبب استحقاقه كالمكاتب والغارم، فإذا دفعها إلى من ذكر أنه مكاتب أو غارم بغير بينة ثم بان أنه غير مكاتب ولا غارم فعلى الدافع الضمان إماماً كان أو مالكاً، لأن إخلاله بالبينة التي هي شرط في جواز الدفع تفريط منه، فإن أمكنه استرجاعها من المدفوع إليه مكان مسترجعاً لهما في حق نفسه لا في حق أهل السهمان لوجوب ضمانها عليه فلو دفعها بينة ثم بان أن البينة شهدت بزور أو خطأ كانت البينة ضامنة فإن كان الدافع إماماً ضمت البينة ذلك لأهل السهمان وكان الإمام بريئاً من الضمان وإن كان الدافع مالكاً كانت البينة ضامنة للمالك الذي هو رب المال وكان وجوبها باقياً في ذمة رب المال، والفرق بينهما أن للإمام ولاية على أهل السهمان ليست لرب المال. فصل وأما القسم الثاني الذي لا يجب فيه الضمان على الدافع سواء كان إماماً أو مالكاً فهو أن يدفعها إلى من يستحقها بسبب يستحدثه كابن السبيل والغازي فلا يسافر ابن السبيل ولا يغزو الغازي فلا ضمان على الدافع، لأنه لم يكن منه تفريط في الدفع سواء كان إماماً

стр. 3091

أو مالكاً؟ لأن بالدفع قد سقطت الزكاة عن رب المال من غير أن يكون مراعاً بإحداث سفر أو جهاد لكن على الدافع مطالبة المدفوع إليه فإن كان عام الزكاة باقياً خيره في المطالبة بين رد ما أخذه وبين أن يستأنف سفراً، وغزواً، وإن كان عام الزكاة قد انقضى طالبه بالرد من غير تخيير، لأن زكاة كل عام مستحقة لأهلها في ذلك العام، لا في غيره، فإن لم يسترجع منه حتى سافر وغزا في العام الثاني نظر فإن كان قد أخذ في العام الثاني من زكاة ثانية استرجع منه ما أخذه في العام الأول، لأنه قد أخذ في العام الثاني ما استحقه بسفره وغزوه، وإن كان لم يأخذ في العام الثاني من زكاته ثانية يسترجع منه ما أخذه العام الأول، وكانت بمثابة زكاة أخرت من عام إلى عام، فإنها تقع موقع الأجزاء، وإن كره التأخير مع إمكان التعجيل فلو مات المدفوع إليه قبل السفر والغزو ولم يكن استرجاع ما أخذ، كان ذلك تالفاً في حق أهل السهمان. فصل وأما القسم الثالث: الذي يختلف فيه الضمان باختلاف حال الدافع إن كان إماماً أو مالكاً فهو مسألة الكتاب، وهو أن يدفعها إلى من يستحقها بالفقر والمسكنة فتبين غير مستحق فهذا على ضربين: أحدهما: أن لا يستحقها لعدم الفقر. والثاني: أن لا يستحقها مع وجود الفقر لسبب يمنع من جواز الأخذ فأما الضرب الأول: فهو أن يدفعها إلى رجل ظن به فقراً فبان غنياً، فإن كان الدافع لم يجتهد عند الدفع ضمن إماماً أو مالكاً لأن ترك الاجتهاد تفريط وإن كان قد اجتهد عند الدفع نظر فإن كان الدافع لها إماماً أو والياً عليها من قبل الإمام لم يضمن، لأنه أمير عليها لم يفرط فيها ولكن له استرجاعها من الآخذ لها إن كان حياً من تركته إن كان ميتاً سواء شرط عند الدفع أنها زكاة أو لم يشرط؛ لأن الوالي لا يدفع من الأموال إلا ما وجب وإن كان الدافع لها هو رب المال، ففي وجوب ضمانه قولان: أحدهما: أنه لا يضمن كالإمام. والثاني: يضمن بخلاف الإمام، والفرق بينهما من ثلاثة أوجه: أحدها: أن للإمام عليها ولاية ليست لرب المال فلم يضمنها إلا بالعدوان. والثاني: أن الإمام بريء الذمة من ضمانها قبل الدفع فلم يضمنها إلا بتفريط ظاهر ورب المال مرتهن الذمة بضمانها قبل الدفع فلم يبرأ منها إلا باستحقاق ظاهر. والثالث: أن الإمام لا يقدر على دفعها إلى مستحقها إلا باجتهاد دون اليقين فلم يضمن إذا اجتهد، ورب المال يقدر على دفعها إلى مستحقها بيقين، وهو الإمام مضمونة إذا دفعها بالاجتهاد. فإذا تقرر هذا نظر في رب المال، فإن شرط عند الدفع أنها زكاة كان له استرجاعها من الآخذ لها إذا كان غنياً، وإن لم يشترط ذلك عند الدفع نظر في الآخذ لها فإن صدقه

стр. 3092

أنها زكاة لزمه ردها، وإن لم يصدقه من يلزمه ردها بخلاف الإمام؛ لأن رب المال قد يعطى فرضاً وتطوعاً فلم يسترجع إلا بشرط والإمام لا يعطى إلا فرضاً واجباً فجاز أن يسترجع بغير شرط، ولأن للإمام ولاية على أهل السهمان فكان قوله عليهم مقبولاً وليس لرب المال عليهم ولاية فلم يقبل قوله عليهم فكان هذا فرقاً بين الإمام ورب المال في جواز الاسترجاع عند عدم الشرط، ولكن اختلف أصحابنا هل يكون لرب المال إحلاف المدفوع إليه؟ أنه لا يعلم أن ما أخذه تعجيل أم لا؟ على وجهين: أحدهما: له إحلافه، لأنه لو عمل لزمه الرد. والثاني: ليس له إحلاف لأنه هو المفرط حيث لم يشترط، ولكن لو قال رب المال: شرطت التعجيل وقال المدفوع إليه: لم يشترط، كان له إحلافه وجهاً لوجه. فصل وأما الضرب الثاني وهو أن يكون غير مستحق لها مع الفقر لسبب يمنع من جواز الآخذ كفقير دفعت إليه، وظاهره الحرية فبان عبداً أو كان ظاهره الإسلام فبان كافراً، أو كان ظاهره أنه في سائر الناس فبان في ذوي القربى من بني هاشم بني المطلب رضوان الله عليهم فإن كان الدافع لم يجتهد في الآخذ لها عنا الدفع فعليه الضمان والياً كان أو مالكاً، وإن كان قد اجتهد فقد اختلف أصحابنا في ذلك على طريقتين: إحداهما: أن الخطأ في ذلك كالخطأ في الفقير فلا يضمن إن كان والياً وفي ضمانه أن يكون مالكاً قولان، فهذه طريقة كثير من المتقدمين. والثانية: أن الخطأ في هذا أخص بالضمان من الخطأ في الفقير فيضمن الدافع إن كان مالكاً، وفي ضمانه إن كان والياً قولان، وهذه طريقة أبي علي بن أبي هريرة وطائفة من المتأخرين وفرقوا بين الخطأ في الفقير وبين الخطأ في الحرية والإسلام بأنه لا يعلم يقين الفقر قطعاً فجاز أن يعمل فيه على الظاهر، ويعلم يقين الحرية والإسلام قطعاً فلم يجز أن يعمل فيه على الظاهر. مثاله: أن من صلى خلف جنب أو محدث لم يعد صلاته لأنه لا يعلم يقين طهارة إمامه قطعاً، فإذا عمل فيها على الظاهر لم يعد، ولو صلى خلف امرأة وكافر، أعاد؛ لأنه قد يعلم يقين كون إمامه رجلاً مسلماً فإذا عمل على الظاهر أعاد. وسوى أبو حنيفة بين خطأ الوالي والمالك وفرق بين الخطأ في الفقير وبين الخطأ في الحرية والإسلام الذي قدمناه وفيما مضى دليل كاف. مسالة (١) قال الشافعي: "ويعطى الولاة زكاة الأموال الظاهرة الثمرة والزرع والمعدن

стр. 3093

والماشية فإن لم يأت الولاة لم يسع أهلها إلا قسمها فإن جاء الولاة بعد ذلك لم يأخذوهم بها وإن ارتابوا بأحد فلا بأس أن يحلفوه بالله لقد قسمها في أهلها وإن أعطوهم زكاة لتجارات والفطرة والركاز أجزأهم إن شاء الله". قال في الحاوي: قد ذكرنا أن الأموال ضربان: ظاهرة كالثمار، والزروع والمواشي، وباطنه كالدراهم والدنانير وعروض التجارات والركاز وزكاة الفطر فما كان منها باطناً لم يلزمه دفع زكاته إلى الإمام وجاز لأربابها أن يتولوا إخراجها وقسمها في أصلها وإن دفعوها إلى الولاة جاز وما كان منها ظاهراً ففيها قولان: أحدهما: وهو قوله في الجديد أنها كالباطنة يجوز لأهلها أن يتولوا إخراج زكاتها ولا يلزمهم دفعها إلى الإمام. والثاني: أن عليهم دفع زكاتها إلى الإمام أو عامله عليها، ولا يجوز لأربابها أن يتولوا إخراجها بأنفسهم مع القدرة على دفعها إلى الإمام أو عامله عليها، وبه قال مالك وأبو حنيفة وقد مضى توجيه القولين. فإن تأخر الإمام وعامله وتعذر على أرباب الأموال دفع زكاتهم إليه فهل لهم على القول القديم إخراجها بأنفسهم أم لا على وجهين: أحدهما: لا يجوز وتكون محبوسة عليه حتى يأتي فيتولى إخراجها لأن من استحق قدر مال لم يجز أن يدفع إلى غيره لتأخره كالديون. والثاني: وهو ظاهر نصه في هذا الموضع يجب على أهلها تعجيل إخراجها بأنفسهما إذا تأخر الوالي عنهم؛ لأنه مستحق لجهات يمكن إيصاله إليها والوالي نائب، وتأخر الوالي النائب لا يوجب تأخر الحق كالوالي والوكيل، فإذا أخرجها أربابها عند تأخر الوالي ثم حضر فأخبروه بإخراجها فالقول قولهم وله إحلافهم إن استراب بهم، وفي هذه اليمين وجهان: أحدهما: أنها مستحقة، فإن نكلوا عنها لم تؤخذ منهم الزكاة. والثاني: أنها واجبة فإن نكلوا عنها أخذت منهم الزكاة بالوجوب المتقدم لا بالنكول وقد مضى تعليل ذلك في كتاب الزكاة. مسألة (١) قال الشافعي: "إنما يستحق أهل السهمان سوى العاملين حقهم يوم يكون القسم". قال في الحاوي: اعلم أن الشافعي قد نص في هذا الموضع على أن استحقاق أهل السهمان للزكاة يكون يوم القسم ونص في كتاب الزكاة أنها إذا وجبت في قرية فمات أحد

стр. 3094

أهل السهمان أن نصيبه لوارثه فجعلها مستحقة يوم الوجوب وليس ذلك على قولين وإنما هو باختلاف حالين فالموضع الذي جعلها مستحقة يوم الوجوب إذا تعين أهل السهمان فيها مثل أن تجب الزكاة عليهم في قرية فيها من كل صنف من أهل السهمان ثلاثة فما دون فيكونوا في استحقاقها معنيين لا يجوز العدول عنهم إلى غيرهم، فعلى هذا يكون استحقاقهم لها معتبراً بيوم الوجوب لا بعد القسم، فلو مات أحدهم كان حقه لوارثه ولو غلب أو أيسر لم يسقط حقه منها ولو حضر القرية بعد الوجوب غريب لم يجز دفعها إليه. والموضع الذي جعلها مستحقة يوم القسم إذا لم يتيقن أهل السهمان فيها مثل أن تجب الزكاة عليه في بلد كبير فيه كل صنف من أهل السهمان عدد كبير فيلزمه أن يعطى من كل صنف ثلاثة ويمنع الباقين، فلا يكونوا فيها معنيين فيكون الاعتبار باستحقاقهم يوم القسم لا يوم الوجوب، فعلى هذا لو مات أحدهم قبل القسم لم يعط وارثه ولو غاب أو أيسر لم يكن له فيها حق ولو حضر غريب بعد الوجوب وقبل القسم أعطى وبالله التوفيق. باب ميسم الصدقات مسألة (١) قال الشافعي ﵀: "ينبغي لوالي الصدقات أن يسم كل ما أخذ منها من بقر أو إبل في أفخاذها ويسم الغنم في أصول آذانها وميسم الغنم ألطف من ميسم الإبل والبقر ويجعل الميسم مكتوباً بالله؛ لأن مالكها أداها لله تعالى فكتب لله وميسم الجزية مخالف لميسم الصدقة لأنها أديت صغاراً لا أجر لصاحبها فيها وكذلك بلغنا عن عمال عمر ﵁ أنهم كانوا يسمون. وقال أسلم لعمر: إن في الظهر ناقة عمياء فقال عمر ﵁: ندفعها إلى أهل بيت ينتفعون بها يقطرونها بالإبل. قال: قلت: كيف تأكل من الأرض؟ قال عمر: أمن نعم الجزية أو من نعم الصدقة؟ قلت: لا بل من نعم الجزية قال: فأمر بها عمر: أردتم والله لأكلها فقلت: إن عليها ميسم الجزية. قال: فأمر بها عمر فنحرت. قال: فكانت عنده صحاف تسع فلا تكون فاكهة ولا طريفة إلا وجعل منها في تلك الصحاف فيبعث بها إلى أزواج النبي ﷺ ويكون الذي يبعث به إلى حفصة ﵂ من آخر ذلك، فإن كان فيه نقصان كان في حظها. قال: فجعل في تلك الصحاف من لحم تلك الجزور فبعث به إلى أزواج النبي ﷺ وأمر بما بقي من اللحم فصنع فدعا عليه المهاجرين والأنصار. قال: ولا أعلم في الميسم علة إلا أن يكون ما أخذ من الصدقة معلوماً فلا يشتريه الذي أعطاه لأنه خرج لله كما أمر رسول الله ﷺ عمر ﵁ في فرس حمل عليه في سبيل الله فرآه ويباع أن لا يشتريه وكما ترك المهاجرون نزول منازلهم بمكة لأنهم تركوها لله تعالى".

стр. 3095

قال في الحاوي: وهذا كما قال: الميسم عندنا مستحب في مواشي الزكاة والجزية وحكي عن أبي حنيفة كراهيته لنهي النبي ﷺ عن تعذيب الحيوان ودليلنا رواية أنس أن النبي ﷺ كان يسم إبل الصدقة (١). وروي أن النبي ﷺ رأى العباس وهو يسم إبله في وجوهها فقال: يا عباس لا تسم في الوجه فقال: العباس والله لا وسمتها بعد هذا إلا في الجاعرتين. وروى ابن عيينة عن عاصم بن مسعد بن نقادة عن أبيه عن جده نقادة الأسدي، أنه قال: يا رسول الله إني رجل مغفل فأين أسم قال: في موضع الجرم من السالفة، فقال: يا رسول الله أطلب لي طلبة، قال: أبغني حلبانه ركبانة غير أن لا تولد ذات ولد عن ولدها. المغفل صاحب الإبل الغفل التي لا سمة عليها والجرم: الزمام. والسالفة: مقدم صفحة العتق، والحلبانة: ذات لبن يحلب والركبانة ذات ظهر يركب، وروى زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال لعمر بن الخطاب: إن في الظهر ناقة عمياء، فقال عمر ادفعها إلى أهل بيت ينتفعون بها يقطرونها بالإبل قلت: فكيف تأكل من الأرض، قال عمر: من نعم الجزية أو من نعم الصدقة؟ فقلت: الإبل هي من نعم الجزية، فقال عمر: أردتم والله أكلها فقلت: إن عليه وسم الجزية، قال: فأمر بها فنحرت. الحديث فدل على أن الميسم فعل الأئمة وإجماع الصحابة، ولأن به تمتاز الأموال مع تميز مستحقها وليكون إذا ضلت سبباً لردها فإذا ثبت جواز الوسم، فالكلام فيه يشتمل على فصلين: أحدهما: أن يكون الميسم منها. والثاني: فالذي يكتب عليه. فأما مكانه فهو كل موضع صلب من البدن وقل شعره، فإن كان في الإبل والبقر فعلى أفخاذها وإن كان في الغنم فعلى أصول آذانها، ويكون ميسم الغنم ألطف لأنها ضعيفة لا تصبر من الألم على ما يصبر عليه غيرها، فأما ما يكتب فإن كانت من نعم الصدقة كان بالخيار بين ثلاثة أسماء، إما أن يكتب عليها صدقة أو طهرة أو لله، وهذا أحبها إلى الشافعي تبركاً بذكر الله تعالى واقتداء بالسلف، وإن كانت من الجزية كان بالخيار بين أمرين: إما أن يكتب جزية أو يكتب صغاراً، وهذا اجتهاد الشافعي إتباعاً لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩] فأما تمييزها بجدع الأنوف وقع الآذان فمكروه، لما روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن المثلة (٢)، والله أعلم.

стр. 3096

باب الاختلاف في المؤلفة مسألة (١) قال الشافعي ﵀: "قال بعض الناس لا مؤلفة فيجعل سهمهم وسهم سبيل الله في الكراع والسلاح في ثغور المسلمين". قال في الحاوي: قد مضت مسائل هذا الباب مشروحة بدلائلها وإنما أورده الشافعي مقصوراً على ذكر الاختلاف فيها والاحتجاج عليها فاقتصرنا منه على الإشارة إلى تفصيل ما أورده، فمن ذلك مسألتان قدمهما في هذا الفصل: إحداهما: في سهم المؤلفة. والثانية: في سهم سبيل الله. فأما سهم المؤلفة فإن أبا حنيفة أسقطه وزعم أن لا مؤلفة للاستغناء عنهم بقوة الدين وإعزاز المسلمين، وهو عند الشافعي ثابت على الشرح الذي قدمناه؛ لأن الله تعالى أثبت لهم في آية الصدقات سهماً فلم يجز نسخه بعد انقطاع الوحي؛ ولأن ما بقي للإسلام أعداء يلزم جهادهم بقي مؤلفة يتآلف قلوبهم كالعصر الأول. وأما سهم سبيل الله تعالى، فإن أبا حنيفة زعم أنه مصروف مع سهم المؤلفة في الكراع والسلاح في ثغر المسلمين وعند الشافعي أنه مصروف على ما قدمناه في الغزاة والمجاهدين، ولا يجوز أن يشتري به كراعاً ولا سلاحاً لمن لم يتعين منهم، لأن الله تعالى جعل مال الصدقات مصروفاً إلى مالكين فإن تعين الغزاة الذين يعطون تلك الصدقات واحتاجوا إلى كراع وسلاح فإن كان قاسم الصدقة رب المال لم يجز أن يشتري لهم بسهمهم كراعاً وسلاحاً ودفع إليهم عين ماله ليتولوا لأنفسهم شراء ما احتاجوا إليه من كراع وسلاح لئلا يصير رب المال دافعها قيمة زكاة إذ يمنع الشافعي منها وإن كان قاسم الصدقة والياً ففي جواز إتباعه ذلك لهم وجهان مضيا. مسألة (٢) قال الشافعي: "وقال بعضهم ابن السبيل من مر يقاسم في البلد الذي به الصدقات". قال في الحاوي: وهذه مسألة ثالثة أراد بها أبا حنيفة حيث يقول: إن ابن السبيل الذي يستحق سهمه من الصدقات هو المجتاز ببلد الصدقة دون المنشئ لسفره منه ليكون مصروفاً إلى من تناوله حقيقة الاسم، وعند الشافعي أنه مصروف إلى المجتاز والمنشئ اعتباراً بالعموم، ولأن المنشئ جاز للمال فكان أولى من المجتاز الغريب، ولأنه لما جاز أن يعان المجتاز على بعض سفره فأولى أن يعان المنشئ على جميع سفره.

стр. 3097

مسألة (١) قال الشافعي: "وقال أيضاً حيث كانت الحاجة أكثر فهي واسعة كأنه يذهب إلى أنه فوضى بينهم يقسمونه على العدد والحاجة لأن لكل أهل صنف منهم سهماً". قال في الحاوي: وهذه مسألة رابعة أراد بها أبا حنيفة حيث يقول: إن مال الصدقات لا يلزم صرفه في جميع الأصناف ولكن يصرف في أمسهم حاجة ويعدل عن الباقين، وعند الشافعي: أنه يصرف في جميع الأصناف الثمانية المسماة في آية الصدقات؛ لأن الله تعالى سمى لكل صنف منهم حقاً، فلم يجز العدول عن بعضهم كما لم يجز العدول عن جميعهم، ولأنه لما كان عطايا الآدميين من الوصايا إذا سمى فيها أصناف لم يجز الاقتصار على بعضها كانت عطايا الله تعالى أولى؛ ولأنه لو كانت الحاجة معتبرة لبطل حكم التصريف والتسمية، والله أعلم. مسألة (٢) قال الشافعي: "ومن أصحابنا من قال: إذا تماسك أهل الصدقة وأجدب آخرون نقلت إلى المجدبين إذا كانوا يخاف عليهم الموت كأنه يذهب إلى أن هذا مال من مال الله قسمة لأهل السهمان لمعنى صلاح عباد الله على اجتهاد الإمام". قال في الحاوي: وهذه مسألة خامة أراد بها أبا حنيفة، فإنه يجوز نقل الصدقة عن بلد المال إلى غيره بحسب ما يؤدي اجتهاد الإمام إليه في شدة الحاجة، وعند الشافعي أنه لا يجوز نقل الصدقة عن بلد المال إلى غيره لأحل الحاجة لما قدمناه من الدليل. فإن قيل: فقد نقل عدي بن حاتم والزبرقان بن بدر صدقات قومهما إلى أبي بكر الصديق ﵁ بالمدينة قيل أجاب الشافعي عنه بأربعة أجوبة. أحدها: أنه يحتمل أن يكون نقل إلى المدينة ما فضل من جيران المال. والثاني: أنه كان من بالمدينة أقرب الناس بهم نسباً وداراً فكانوا أحق بها. والثالث: أنه يحتمل أن يكون من حولهم ارتدوا؛ لأنه كان وقت الردة فلم يستحقونها مع الردة فنقلت إلى المدينة. والرابع: أنه يحتمل أن يكون قد حملت إلى أبي بكر إظهارا لطاعته؛ لأن الناس قد كانوا منعوا الزكاة في ذلك الوقت، فلما أظهروا الطاعة بنقل الزكاة ردها عليهم ليتولوا قسمها في جيرانهم. مسألة (٣) قال الشافعي: " وأحسبه يقول وتنقل سهمان أهل الصدقات إلى أهل الفيء بأن

стр. 3098

جهدوا وضاق الفيء وينقل الفيء إلى أهل الصدقات إن جهدوا وضاقت الصدقات على معنى إرادة صلاح عباد الله. وقال الشافعي: وإنما قلت بخلاف هذا القول لأن الله جل وعز جعل المال قسمين أحدهما في قسم الصدقات التي هي طهرة فسماها الله لثمانية أصناف ووكدها وجاءت سنة رسول الله ﷺ بأن يؤخذ من أغنيائكم فترد على فقرائهم لا فقراء غيرهم ولغيرهم فقراء فلا يجوز فيها عندي والله أعلم أن يكون فيها غير ما قلت من أن لا تنقل عن قوم وفيهم من يستحقها ولا يخرج سهم ذي سهم منهم إلى غيره وهو يستحقه وكيف يجوز أن يسمي الله تعالى أصنافاً فيكونون موجودين معاً فيعطي أحد سهمه وسهم غيره ولو جاز هذا عندي جاز أن يجعل في سهم واحد جميع سهام سبعة ما فرض لهم ويعطى واحد ما لم يفرض له والذي يخالفنا يقول: لو أوصى بثلثه لفقراء بني فلان وغارمي بني فلان رجل آخر وبني سبيل بني فلان رجل آخر إن كل صنف من هؤلاء يعطون من ثلثه وأن ليس لوصي ولا والي أن يعطى الثلث صنفاً دون صنف وإن كان أحوج وأفقر من صنف لأن كلا ذو حق سمي له وإذا كان هذا عندنا وعند قائل هذا القول فيما أعطي الآدميون أن لا يجوز أن يمض إلا على ما أعطوه فعطاء الله أولى أن لا يجوز أن يمض إلا على ما أعطى. قال: وإذا قسم الله الفيء وسن رسول الله ﷺ أن أربعة أخماسه لمن أوجف على الغنيمة للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم ولم نعلم رسول الله ﷺ : فضل ذا غناء على من دونه ولم يفضل المسلمون الفارس أعظة الناس غناء على جبان في القسم وكيف جاز لمخالفنا في قسم الصدقات وقد قسمها الله تعالى أمين القسم بعضاً دون بعض وينقلها عن أهلها المحتاجين إليها إلى غيرهم لأن كانوا أحوج منهم أو يشركهم معهم أو ينقلها عن صنف منهم إلى صنف غيره. أرأيت لو قال قائل لقوم أهل غزو كثيراً وجفوا على عدو أنتم أغنياء فآخذ ما أوجفتم عليه فأقسمه على أهل الصدقات المحتاجين إذا كان عام سنة لأنهم من عيال الله تعالى هل الحجة عليه إلا من قسم الله له بحق فهو أولى به وإن كان من لم يقسم له أحوج منه وهكذا ينبغي أن يقال في أهل الصدقات وهكذا لأهل المواريث لا يعطى أحد منهم سهم غيره ولا يمنع من سهمه لفقر ولا لغنى ومضى معاذ بن جبل ﵁ أيما رجل انتقل من مخلاف عشيرته إلى غير مخلاف عشيرته ففي هذا معنيان: أحدهما: أنه جعل صدقته وعشرة لأهل مخلاف عشيرته لم يقل لقرابته دون أهل المخلاف والأخر أنه رأى أن الصدقة إذا ثبتت لأهل مخلاف عشيرته لم تحول عنهم صدقته وعشره بتحوله عنهم وكانت كما ينبت بدأ فإن قيل فقد جاء عدي بن حاتم أبا بكر ﵁ بصدقات والزبرقان بن بدر فهما وإن جاءا بها فقد تكون فضلاً عن أهلها ويحتمل أن يكون بالمدينة أقرب الناس بهم نسباً وداراً ممن يحتاج إلى سعة من مضر وطيئ من اليمن ويحتمل أن يكون من حولهم ارتدوا فلم يكن لهم فيها حق ويحتمل أن يؤتى بها أبو بكر ﵁ ثم يردها إلى غير أهل المدينة وليس في

стр. 3099

ذلك خبر عن أبي بكر نصير إليه فإن قيل: فإنه بلغنا أن عمر ﵁ كان يؤتى بنعم من الصدقة فبالمدينة صدقات النخل والزرع والناض والماشية وللمدينة ساكن من المهاجرين والأنصار وحلفاً لهم وأشجع وجهينة ومزينة بها وبأطرافها وغيرهم من قبائل العرب فعيال ساكني المدينة بالمدينة وعيال عشائرهم وجيرانهم وقد يكون عيال ساكني أطرافها بها وعيال جيرانهم وعشائرهم فيؤتون بها وتكون مجمعاً لأهل السهمان كما تكون المياه والقرى مجمعاً لأهل السهمان من العرب ولعلهم استغنوا فنقلها إلى أقرب الناس بهم وكانوا بالمدينة. فإن قيل: فان عمر ﵁ كان يحمل على أبل كثيرة إلى الشام والعراق فإنما هي والله أعلم من نعم الجزية لأنه إنما يجعل على ما يحتمل من الإبل وأكثر فرائض الإبل لا تحمل أحداً وقد كان يبعث إلى عمر بنعم الجزية فيبعث فيبتاع بها إبلاً جلة فيحمل عليها. وقال بعض والناس: مثل قولنا في أن ما أخذا من مسلم فسبيله سبيل الصدقات". قال في الحاوي: وهذه مسألة سادسة أراد بها أهل العراق، ولعل أبا حنيفة معهم فإنهم جوزوا نقل الصدقات إلى أهل الفيء، ونقل الفيء أهل الصدقات اعتباراً بشدة الحاجة ثم اختلفوا بعد النقل، وهل يقضي من نقل عنه سهمه إذا اتبع مال المنقول إليه؟ فمنهم من أوجب القضاء، ومنهم من أسقطه وعند الشافعي لا يجوز نقل الصدقة إلى أهل الفيء وإن جهدوا ولا نقل الفيء إلى أهل الصدقات وإن جهدوا، ويقسم كل واحد من الحالين في أهله؛ لأن الله تعالى سمى لكل مال مالكاً فلم يجز أن يعدل به عنه لما فيه من إبطال النص، ولأنه لما لم يجز أن يعدل بالغنيمة عمن سماه الله تعالى فيها انقيادا لحكم النص، وإن كان غيرهم أشد ضرورة وأمس حاجة لم يجز في مال الفيء والصدقات أن يعال به عن حكم النص، ولأنه لما كانت عطايا الآدميين من الوصايا لا يجوز أن يعدل بها عمن سميت له فعطايا الله تعالى أولى؛ ولأنه لما لم يجز أن يعدل بالمواريث عمن سماه الله تعالى إلى من هو آثر وأحوج، فكذلك مال الفيء والصدقات؛ ولأن عمر ﵁ كان يسم إبل الصدقة ميسم وإبل الجزية ميسم فلولا تميز المستحق لكل واحد من المثالين لما ميز بالميسم. فإن قيل: فإن عمر بن الخطاب ﵁ كان يحمل على إبل كثيرة من إبل الصدقة إلى الشام والعراق، فدل على جواز دفع الصدقة إلى أهل الفيء. قال الشافعي جواباً عن هذا: إن عمر إنما كان يحمل على إبل الجزية لا على إبل الصدقة، لأن أكثر فرائض الإبل في الصدقات لا يحمل عليه، وقد روي عن عمر ﵁ أنه كان ليبعث إليه بنعم الجزية فيبعث بها فيبتاع بها إبلاً يحمل عليها. مسالة (١) قال الشافعي: "وقالوا والركاز سبيل الصدقات ورووا ما روينا أن رسول الله ﷺ

стр. 3100

قال: "وفي الركاز الخمس" وقال: "المعادن من الركاز وكل ما أصيب من دفن الجاهلية من شيء فهو ركاز" ثم عادا لما شدد فيه فأبطله فزعم أنه إذا وجد ركازاً فواسع له فيما بينه وبين الله تعالى أن يكتمه وللوالي أن يرده عليه بعدما يأخذه منه أو يدعه له فقد أبطل بهذا القول السنة في أخذه وحق الله في قسمه لمن جعله الله له ولو جاز ذلك جاز في جميع ما أوجبه لله لمن جعله له. قال: فإنا روينا عن الشعبي أن رجلاً وجد أربعة أو خمسة آلاف درهم فقال علي ﵁ لأقضين فيها قضاء بيناً أما أربعة أخماس فلك، وخمس للمسلمين. ثم قال والخمس مردود عليك. قال الشافعي ﵀: فهذا الحديث ينقض بعضه بعضاً إذا زعم أن علياً قال: والخمس للمسلمين فكيف يجوز أن يرى للمسلمين في مال رجل شيئاً ثم يرده عليه أو يدعه له وهذا عن علي مستنكر، وقد رووا عن علي ﵁ بإسناد موصول أنه قال: أربعة أخماسه لك واقسم الخمس في فقراء أهلك فهذا الحديث أشبه بحديث علي ﵁ لعل علياً علمه أميناً وعلم في أهله فقراء من أهل السهمان فأمره أن يقسمه فيهم. قال الشافعي ﵀: "وهم يخالفون ما رووا عن الشعبي من وجهين أحدهما أنهم يزعمون أن من كانت له مائتا درهم فليس للوالي أن يعطيه ولا له أن يأخذ شيئاً من السهمان المقسومة بين من سمى الله تعالى ولا من الصدقات تطوعاً والذي يزعمون أن علياً ترك له خمس ركازه رجل له أربعة آلاف درهم ولعله أن يكون له مال سواها ويزعمون أنأ إذا أخذ الوالي منه واجباً في ماله لم يكن له أن يعود عليه ولا على أحد يعوله ويزعمون أن لو وليها هو لم يكن له حبسها ولا دفعها إلى أحد يعوله". قال الشافعي ﵀: "إذا كان له أن يكتمها وللوالي أن يردها إليه فليست بواجبة عليه وتركها وأخذها سواء وقد أبطلوا بهذا القول السنة في أن في الركاز الخمس وأبطلوا حق من قسم الله من أهل السهمان الثمانية فإن قال: لا يصلح هذا إلا في الركاز. قيل: فإن قيل لك: لا يصلح في الركاز ويصلح فيما سوى ذلك من صدقة وماشية وعشر زرع وورق فما الحجة عليه إلا كهي عليك؟ والله أعلم". قال في الحاوي: وهذه مسألة سابقة أراد بها أبا حنيفة، فإنه جعل في الركاز الخمس للخبر المروي فيه ثم ناقض في قوله بعد وجوب الخمس فيه، فجعل واجد الركاز مخيراً بين إظهاره للإمام وبين كتمه ثم جعل للإمام إذا ظهر له الركاز، مخيراً بين أخذ خمسه منه وبين رده عليه وعول فيه على أنه ضعيف رواه الشعبي منقطعاً: أن رجلاً وجد أربعة أو خمسة آلاف درهماً فقال علي لأقضين فيها قضاء بيناً، أما أربعة أخماسه فلك وخمس للمسلمين ثم قال: والخمس مردود عليك، وهذا خطأ بل الخمس مستحق لأهل الصدقات لا يجوز تركه عليه لقوله ﷺ : "في الركاز الخمس" (١) ولأنه لا يخلو أن يكون

стр. 3101

واجباً فلا يجوز تركه أو غير واجب فلا يجوز أخذه، ولأنه لو كان غنياً لم يكن له حبس الخمس على نفسه بوفاق أبي حنيفة فكذلك إذا كان فقيراً كالعشر. فأما حديث الشعبي فقد قال الشافعي بعضه ينقض بعضاً إذا زعم أن علياً قال: إن الخمس للمسلمين، فكيف يجوز أن يرى للمسلمين في مال رجل شيئاً ثم يرده عليه، وهذا عن علي مستنكر، وقد روي عن علي ﵁ بإسناد موصول أنه قال: أربعة أخماسه لك واقسم الخمس في فقراء أهلك وهل الحديث أشبه بعلي ﵇ مما رواه الشعبي، ولأن رد الصدقة على الفيء لا يجوز عنده، ومن وجد أربعة آلاف درهم كان غنياً عنده ببعضها ولعله قد كان يملك غيرها فكيف يجوز أن يرد عليه صدقة هو عنده غير مستحق لها ولو جاز مثل هذا في الركاز لجاز في غيره من الصدقات، فدل على فساد ما ذهب إليه وتناقض ما عول عليه وبالله التوفيق وهو الهادي إلى سواء الطريق. تم كتاب الصدقات والحمد لله كثيراً وصلواته على سيدنا محمد وآله يتلوه بحول الله وعونه كتاب النكاح وحسبنا الله ونعم الوكيل.

стр. 3102

كتاب العارية [٢/أ] مسألة (١): قال: وكل عارية مضمونة على المستعير. الفصل وهذا كما قال: أعلم أن العارية إباحة الانتفاع بعين من الأعيان، وقيل: إنها هبة المنافع مع استيفاء ملك الرقبة، وقال الأزهري: هي مشتقة من عاد الشيء إذا ذهب وجاء وتردد، ومنه قيل للغلام الخفيف: عيار لتردده وخفته في بطالته وكثرة ذهابه ومجيئه فيها، والعارية اسم وجمعها عواري وعواري بتخفيف الياء وتشديدها والعارية عقد معونة وإرفاق جاء الشرع بها وندب الناس إليها ولا يجب ذلك وقد كانت واجبة في ابتداء الإسلام حتى توعد الله تعالى من منعها فقال : ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤)﴾ إلى قوله ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون:٤ - ٧] قال ابن عباس وابن مسعود ﵄: "الماعون العارية، وفسرها ابن مسعود فقال: هي عارية القدر والدلو والميزان (٢)، وروي عن على وابن عمر ﵄ أنهما قالا: "الماعون الزكاة"، وروى سعيد بن المسيب والزهري: "إنه المال بلسان قريش"، وقال محمد بن كعب القرظي: إنه المعروف، وقال أبو عبيد: الماعون اسم لكل منفعة وعطية، وقال محمد بن جرير الطبري: إنه المنافع. والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فالآية التي ذكرناها وأيضاً قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ [النساء:١١٤] والعارية من المعروف، وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢] وهذا من البر. وأما السنة فما روى أبو أمامة أن النبي ﷺ قال في خطبته عام حجة الوداع: "العارية مؤداة والمنحة مردودة والدين مقضي والزعيم غارم" (٣) ورواه أبو هريرة: "العارية مضمونة". وروى أمية بن صفوان عن أبيه أن النبي ﷺ استعار منه يوم حنين أدرعاً فقال: أغصباً يا محمد أم عارية؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا بل عارية [٢/ب] مضمونة مؤداة" (٤). وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما من صاحب إبل ولا بقر لم

стр. 3103

يؤد حقها إلا بطح يوم القيامة بقاع قرقر تطأه بأظلافها وتنطحه بقرونها كلما نفذت أخراها عادت أولاها" قيل: يا رسول الله وما حقها؟ قال: "إعارة دلوها، وإطراق فحلها، ومنحة لبنها" (١). وأما الإجماع فلا خلاف بين المسلمين في جوازها واستحبابها. لأنه لما جازت هبة الأعيان بالإجماع كذلك هبة المنافع كما تصح الوصية بهما. فإذا تقرر هذا فاعلم أنه لا تصح الإعارة إلا من جائز التصرف في المال، أما من لا يملك التصرف في المال كالصبي والسفيه لا تصح منه الإعارة ولا يجوز للعبد المأذون أن يعير خلافاً لأبي حنيفة ولا تنعقد إلا بإيجاب وقبول لأنه إيجاب حق لآدمي كالبيع والإجارة، وتصح بالقول من أحدهما: والفعل من الآخر فإن قال المستعير: أعرني فسلمها المعير إليه انعقد، وإن قال المعير: أعرتك فقبضها المستعير انعقد لأنه إباحة التصرف في ماله فتصح بالقول من أحدهما: والفعل من الآخر كإباحة الطعام. واعلم أن تمام العارية بالقبض ويصح القبض فيه بالإذن فيه من غير إقباض، ولا يصح القبض في الهبة بالإذن في القبض من غير إقباض، والفرق أن قبض المستعير لا يزول به ملك المعير فجاز أن يأذن بالتصرف فيه والقبض في الهبة مزيل لملك الواهب فلم يتم إلا بإقباض الواهب ولا تلزم العارية وله الرجوع فيها متى شاء، وقال مالك: إن قدر العارية بمدة تلزمه ولم يكن له الرجوع قبل انقضائها بناء على أصله الهبة تلزم بالقول من غير قبض وهذا غلط لأن لزومها يخرجها عن حكم العارية إلى حكم الإجارة فلا يجوز ذلك. ثم اعلم أنها مضمونة عندنا سواء تعدى فيها أو لم يتعد وسواء كان حيواناً أو غير حيوان، وسواء شرط الضمان أو لم يشرط وبه قال ابن عباس وعائشة وأبو هريرة ﵃ وهو مذهب عطاء وأحمد وإسحاق، وقال ربيعة: العارية مضمونة بكل حال إلا أن تكون حيواناً فيموت في يد المستعير فلا يضمنه، وقال مالك: إن كان مما يخفى [٣/أ] هلاكه ضمن، وإن كان مما يظهر لم يضمن، وقال أبو حنيفة: العارية أمانة غير مضمونة إلا بالتعدي وبه قال النخعي والشعبي وشريح والحسن والثوري والأوزاعي ويحكى هذا عن مالك وإسحاق، وروي هذا عن علي وابن مسعود ﵄، وقال عثمان البتي: العارية مضمونة بكل حال إلا أن تكون حيواناً فلا يضمن سواء مات حتف أنفه، أو بفعل المستعير من غير تفريط، ويحكى هذا عن مالك أيضاً، وقال قتادة وعبيد الله العنبري وداود: إن شرط ضمانها على المستعير ضمن وإلا فلا يضمن وهذا كله غلط لما ذكرنا من خبر أبي هريرة وصفوان ولأنه أخذ ملك غيره لمنفعة نفسه منفرداً بها من غير استحقاق ولا إذن في الإتلاف فيضمنه كالمغصوب. واحتجوا بما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال:

стр. 3104

ليس على المستعير غير المغل ضمان، وليس على المستودع غير المغل ضمان (١) قلنا: قال الدارقطني: رواه عبيد بن حسان وهو ضعيف ثم أراد به ضمان الأجزاء التالفة بالاستعمال بدليل ما ذكرنا. واحتج قتادة بأن النبي ﷺ شرط لصفوان الضمان قلنا: ذاك إخبار عن صفة العارية وبيان لحكمها ولم يكن شرطاً ولأن أصول الشرع على أنه لا يتغير حكم الضمان بالشرط وعدمه كما في البيع والإجارة والوديعة، فإذا تقرر هذا قال الشافعي ها هنا وقال: من لا يضمن العارية فإن قلنا: إذا اشترط المستعير الضمان ضمن قلت: إذاً تترك قولك وإنما قصد الشافعي بهذا الكلام قتادة والعنبري ومعنى هذا الكلام قريب من معنى الاستفهام أي إن قلنا: إذا شرط المستعير الضمان ضمن فهل تستنكر هذا المذهب وهل تستبعده؟ فقال الشافعي لهذا المستفهم إذاً تترك يعني يناقض مذهبك فقال الخصم: وأين المناقضة في مذهبي؟ فقال: ما تقول في الوديعة إذا شرط الضمان أو في القرض أن لا يضمن أيتغير الحكم؟ فقال: لا قال: فكذلك ها هنا وجب أن لا يتغير بوجود الشرط لأن الشرط لا يغير حكم الأصل فقال الخصم: إن لم يكن للشرط تأثير فلم شرط رسول الله ﷺ الضمان قال: لجهالة صفوان [٣/ب] بالحكم فإنه كان مشركاً لا يعرف حكم الإسلام ولو عرفه ما ضره شرطه له قال: فهل قال هذا أحد يعني ضمان العارية من غير شرط قال: في هذا كفاية وغنية وقد قال بذلك أبو هريرة وابن عباس ﵄ هذا شرح كلام الشافعي في مناظرته، فإن قيل: ما تأويل قول الشافعي في موضع من كتاب الإجارات العارية غير مضمونة إلا بالتعدي؟ قلنا: هذا ليس بقول ثان في سقوط ضمانها كما وهم فيه الربيع وهو محمول على سقوط ضمان الأجرة أو على سقوط ضمان الأجزاء أو حكاية عن مذهب غيره. فرع إذا استعار شيئاً وانتفع به ثم رده على صاحبه لم يكن عليه ضمان المنافع ولا ضمان ما تلف بالاستعمال من أجزائه قولا واحداً وهو مثل ذهاب أجزاء المنشفة بالنشف والثوب باللبس لأنه مأذون فيه، وعلى هذا لو كان سيفاً لتقاتل به فانكسر في الضربة لا ضمان، ومن أصحابنا من قال: فيه وجه آخر أنه يضمن الأجزاء التالفة بالاستعمال ذكره ابن سريج وهو غلط لما ذكرنا. فرع آخر لو تلفت في يده نظر، فإن تلفت عقيب القبض فعليه كمال قيمتها، فإن قيل: هلا أسقطتم عنه ضمان الأجزاء المأذون في إتلافها. قيل: إنما يسقط ضمان الأجزاء إذا

стр. 3105

أتلفها منفردة عن العين على وجه الاستعمال المأذون، فأما إذا تلفت بتلف العين ضمنها لأنه لا يمكن تمييزها عن العين في الضمان، وإن تلفت بعد الاستعمال فالمذهب أن عليه قيمتها يوم التلف لأنه لا يضمن الأجزاء التي أتلفها بالاستعمال على ما ذكرنا فلا يضمن الزيادة التي حدثت في العين لأنه لم يقبضها ولم يكن مأموراً برد العين في حال الزيادة، ويخالف المغصوب والمقبوض بعقد فاسد لأن كل واحد منهما مأمور برد العين على صاحبها في كل حال، ومن أصحابنا من قال: يلزمه أكثر ما كانت قيمتها من حين القبض إلى حين التلف كالمقبوض عن العقد الفاسد وهذا لأن الأجزاء غير مضمونة عليه مع بقاء العين، فأما إذا تلفت العين ضمن الجميع كما نقول في زيادة السوق والزيادة التي تحدث في العين تدخل في العارية فيجب أن تكون مضمونة [٤/أ] عليه، ومن أصحابنا من قال: يلزمه قيمتها يوم القبض تمثيلاً بالقرض وهذا والذي قبله ضعيف والأصح الأول. فرع آخر لو كانت العارية مما له مثل فإن قلنا: فيما لا مثل له يضمن بأكثر ما كانت قيمتها يلزمه مثلها، وإن قلنا: يضمن ذاك بقيمتها يوم التلف ضمنها ها هنا بقيمتها. فرع آخر لو استعملها في غير ما أذن فيه مثل أن استعار قميصاً ليلبسه فنقل فيه الطعام والشراب والطين ونحو ذلك، أو استعار دابة ليركبها فنقل عليها الطعام أو غيره يلزمه أجرة مثلها وضمان ما نقص من الأجزاء قولاً واحداً، وإن تلفت يلزمه أكثر ما كانت قيمتها من حين التعدي إلى حين التلف. فرع آخر إذا رجع المعير في العارية تلزم مؤونة الرد على المستعير قولاً واحداً لأن النبي ﷺ قال في خبر صفوان بن أمية: "لا بل عارية مضمونة مؤداة" فقوله: مضمونة أفاد ضمان الأصل، وقوله: مؤداة أفاد ضمان الرد. فرع آخر إذا ردها نظر، فإن كان إلى مالكها أو إلى من يقوم مقامه في القبض كان رداً صحيحاً، وإن ردها إلى زوجته أو جاريته لم يكن رداً صحيحاً، وإن كانت دابة فردها إلى اصطبلها لا يكون رداً صحيحاً ويلزمه الضمان، وقال أبو حنيفة: القياس أن لا يبرأ والاستحسان أن يبرأ ويكون رداً صحيحاً لجريان العادة به وهذا غلط لأنه لم يردها إلى صاحبها ولا إلى من يقوم مقامه فلا يكون رداً صحيحاً كما لو ردها إلى زوجته، وكما لو رد المغصوب إلى بيت مالكه أو رد السارق المسروق إلى الحرز لا يبرأ بالإجماع. فرع آخر لو حمل السيل حباً لرجل أو النوى فأدخله أرض غيره فنبت منه الزرع أو الشجر

стр. 3106

فالزرع والشجر لصاحب الحب والنوى دون صاحب الأرض وقد نبت في أرض غيره بغير تفريط منه فلا أجرة عليه، وكذلك لو أطارت الريح إلى دار غيره طعاماً له فامتلأت به لا أجرة عليه، ثم لصاحب الزرع والشجر تحويله عن الأرض فإن اختار الاستبقاء فيها نظر، فإن رضي صاحب الأرض فلا كلام وإن أبى هل يجبر على قلعه؟ فيه وجهان أحدهما: لا يجبر لأن مالكه غير متعد ولكن يلزمه بدل [٤/ب] الأجرة، ومن أصحابنا من قال: على هذا الوجه هو كالمستعير لا تلزمه الأجرة وهو ضعيف، والثاني: يجبر لأنه نبت في أرضه بغير اختياره كما لو دخل غصن شجرة في هواء دار غيره يلزمه تحويل الغصن عن ملكه كذلك ها هنا وهذا هو المذهب الصحيح. فرع آخر إذا قلع في هذه المسألة يلزمه تسوية الحفر لأنه أدخل النقص في ملك غيره لاستصلاح ملكه. فرع آخر لو أعاره حائطاً ليضع عليه جذعاً فله أن يرجع في العارية قبل وضعه لأنه لا ضرر عليه في ذلك، وإن أراد الرجوع بعد الوضع والبناء عليه لا يصح الرجوع ولا يجبر على قلعه لأن العرف فيه التأبيد، فإن قيل: العارية جائزة فكيف تجعلونها لازمة ها هنا؟ قلنا: من أصحابنا من قال: العارية ضربان جائزة ولازمة وهذه عارية لازمة وهذا لا يصح بل العواري كلها جائزة وإنما لا يمكن الرجوع ها هنا لإلحاق الضرر بالمستعير كما لو أعار سفينة فطرح المستعير فيها طعاماً فطالبه المعير بالرد وهي في لجة البحر لم يكن له لا لكون العارية لازمة بل لما ذكرنا من علة الضرر كذلك ها هنا. فرع آخر لو رجع ها هنا في العارية وقلنا: لا يطالب بالقلع هل يستحق عليه الأجرة بعد الرجوع؟ فيه وجهان أحدهما: يستحق كما يستحق أجرة أرضه بعد الغرس إذا غرسها بإذنه ورجع في العارية وعلى هذا لو امتنع من بذلها أخذ بقلعها، والثاني: وهو الأصح لا أجرة له والفرق بين هذه المسألة وبين مسألة الأرض أن الحائط قد يصل مالكه إلى منافعه، وإن كانت الأجذاع موضوعة فيه ولا يصل إلى منافع الأرض مع بقاء الغراس والبناء فيها مع أن العرف لم يجر بإجارة الحائط وجرى بإجارة الأرض. فرع آخر لو أراد المعير أن يعطيه قيمة الجذوع كلها أو قيمة أطرافها التي في ملكه أو يطالبه بالنقص وعليه ما نقص لم يكن ذلك له، لأن بعضها في ملك المستعير ويفارق إذا غرس شجراً في أرضه بإذنه ثم رجع صاحب الأرض له دفع قيمته لأن كلها في ملك الغير.

стр. 3107

فرع آخر [٥/أ] لو تلفت الأجذاع ثم أراد أن يعيد مثلها على الحائط لم يجز إلا بإذن جديد لأن الإذن تناول الأول دون غيره، وهكذا لو انكسر الجذع وأراد أن يطرح مكانه جذعاً آخر، وفيه وجه آخر له إعارته لأن هذه الإعارة اقتضت التأبيد ولو سقط الحائط قد ذكرنا فيما قبل أنه إن أعاره بغير الآلة الأولى لم يكن للمستعير إعادة خشبه عليه، وإن أعاره تلك الآلة بعينها فيه وجهان والصحيح أنه ليس له ذلك لأن هذا الحائط غير الأول، ألا ترى أنه لو أوصى له بحائط فانهدم قبل موته وبناه ثانياً لم تصح الوصية في الثاني، وقيل: لا فرق بين أن يعداه بتلك الآلة أو بغيرها فيه وجهان وعلى هذا لو أعاره بقعة تغرس فيها غراساً فانقلع الغراس أو قلعه هل له إعادة مثله؟ وجهان. فرع آخر لو أعاره جذعاً ليسمك به حائطاً ليس له بعد السمك أن يرجع فيه ما كان الحائط قائماً وكان الجذع صحيحاً لأنه يخاف السقوط وهل له المطالبة بعد الرجوع بأجرته؟ وجهان على ما ذكرنا. فرع آخر لو أعار أرضاً لدفن ميت فدفن لزم، ولو أوصى الميت بنقله منها منعوا منه لأن فيه انتهاك حرمته وليس لصاحب الأرض المطالبة بالأجرة بعد الرجوع في العارية وجهاً واحداً لأن الميت زائل الملك والأولياء لا يلزمهم ولو نبشه السبع حتى ظهر يلزم أن يعاد إلى قبره جبراً لأنه قد صار حقاً للميت مؤبداً. فرع آخر إذا دفن في أرضه ميتاً بإذنه ليس لصاحب الأرض أن يتصرف على ظاهر القبر من أرضه، ولو أراد أن يدفن فيه ميتاً آخر لم يجز إلا أن يتجاوز مكان لحد. فيجوز، وإن كان مقارباً. فرع آخر لو مات المستعير يلزم الوارث أن يبادر بردها على المعير طلب أو لم يطلب علم بموته أو لم يعلم لأن رد العارية واجب بخلاف ما لو مات المودع لا يلزم وارثه ردها لأن ردها لا يجب وإنما يجب التمكين فقط. فرع آخر لو لم يقدر وارث المستعير على الرد حتى هلكت ضمن في تركة المستعير [٥/ب] ولو كان مع القدرة على ردها فهي مضمونة على ورثة المستعير مع الأجرة، وكذلك لو جن المستعير يلزم الولي أن يبادر بردها على المعير.

стр. 3108

فرع آخر لو باع العارية وردها غير ممكن كالأرض إذا غرست فالبيع باطل لأن مدة بقاء الغرس فيها مجهولة واسترجاعها غير ممكن إلا ببذل قيمة الغراس وأرش النقص وذلك غير واجب على المعير ولا على المشتري، وفيه وجه آخر أنه يصح البيع ويؤخذ المستعير بقلع الغراس ويجبر البائع المعير على بذل نقص الغرس لأنه من حقوق التسليم كما يجبر على مؤونة التسليم. فرع آخر لو بطلت العارية بالشرط الفاسد وتصرف فيها هل يلزمه أجرة المنفعة؟ وجهان أحدهما: يضمن لأن فسادها رافع لحكمها، والثاني: لا يضمن لأن كل عقد فسد فحكمه في وجوب الضمان وسقوطه حكم الصحيح منه كفاسد القرض وصحيحه. فرع آخر لو استعار شيئاً له أن يستوفي منفعته بنفسه وبوكيله، ولو أراد إجارته لم يجز وجهاً واحداً لأنه لم يملك المنافع فلا يجوز أن يملكها، ولأن العارية غير لازمة والإجازة لازمة فلا يجوز أن يترتب اللازم على غير اللازم، وإن أراد إعارته فيه وجهان أحدهما: لا يجوز وهو المذهب وبه قال أحمد لأن العارية إباحة المنفعة له فلا يجوز أن يبيح للغير كما لو أبيح له طعام لا يجوز له أن يبيح لغيره، والثاني: يجوز له ذلك وبه قال أبو حنيفة لأنه مثل ما ملك فصار كالمستأجر يؤاجر ما استأجره. فرع آخر لو أعار المستعير العارية من رجل بإذن المعير جاز ثم نظر، فإن لم يسمه فالمستعير الأول على عاريته وهو المعير لها من الثاني وضمانها باق عليه وله الرجوع فيها إن شاء، ولو ردها إلى المستعير الأول يبرأ، وإن سماه المعير برئ المستعير الأول من ضمانها، ولو ردها المستعير الثاني على المستعير الأول لا يبرأ. فرع آخر يجوز إعارة كل ما يجوز إجارته وما لا يجوز [٦/أ] إجارته لا يجوز إعارته إلا الفحل للنزو ويجوز إعارته، ولا يجوز إجارته وتجوز إعارة الدراهم والدنانير، وإن كان في جواز إجارتها وجهان لأن حكم العارية أوسع بدليل أنه يجوز أن يستعير ما يرهنه، ولا يجوز أن يستأجر ما يرهنه ويجوز إعادة الكلب للصيد وجهاً واحداً، وإن كان في إجارته وجهان ويجوز إعارة النخل لربط السفن والبهائم، وإن كان في إجارتها وجهان. فرع آخر يجوز إعارة الإبل والبقر والخيل والبغل والأحرار والعبيد ويجوز للرجل أن يعير ولده الصغير ليخدم من يتعلم منه، وقد روي أن النبي ﷺ استعار من أبي طلحة فرساً فركبه.

стр. 3109

فرع آخر لا يجوز إعارة الشاة، ولكن يجوز أن يمنح قال الشافعي: والمنحة أن يدفع الرجل ناقته أو شاته إلى رجل ليحلبها ثم يردها فيكون اللبن ممنوحاً ولا ينتفع منها بغير اللبن، وقد روى أبو هريرة أن النبي ﷺ في قال: "المنحة أفضل الصدقة تغدو بإناء وتروح بآخر" (١)، وقال القاضي الطبري: أطلق أصحابنا أنه لا يجوز إعارة الشاة وعندي يجوز ولا ينبغي أن يكون فيها اختلاف ثم فسر بما ذكرنا من المنحة والأولى ما قاله أصحابنا لأن إباحة اللبن لا تسمى عارية. فرع آخر لا يجوز استعارة الجواري للخدمة في الجملة، وهل يكره؟ فإن كان المستعير امرأة أو محرماً لها لا يكره، وإن لم يكن محرماً لها فإن كانت موسومة بالجمال يكره أن يخلو بها في الاستخدام خوفاً من غلبة الشهوة، وإن كانت ممن لا يشتهى لكبرها أو وحشتها لم يكره لأنه يؤمن عليها، ومن أصحابنا من قال: إذا كانت شابة يخاف منه عليها لا تجوز الإعارة منه وتحرم وهذه الكراهة كراهية تحريم وقيل: يكره مطلقاً من غير فرق بين الشابة والكبيرة لئلا يخلو الرجل بالمرأة فيدخل الشيطان بينهما. فرع آخر لا يجوز إعارتها للاستمتاع بحالٍ، فإن أعارها للخدمة فوطئ المستعير فإن كان جاهلاً بالتحريم [٦/ب] لا يلزمه الحد ويلزمه المهر ويلحق به النسب والولد حر وعليه قيمته لسيدها، وإن كان عالماً بالتحريم فهو زناً، وهكذا لو أعارها للاستمتاع ووطئها، وقال داود: لا يلزمه الحد وهذا غلط لأنه حرام محض لا شبهة فيه. فرع آخر يكره أن يعير العبد لخدمة ولاه لأنه يكره للإنسان أن يستخدم أباه أو أمه، ولو أعار منه صحت العارية، وإن أراد أن يستعيره ليرفهه ولا يستخدمه لا يكره بل يستحب ذلك، وكذلك حكم الأجداد والجدات ولا يعتق عليه بالعارية بحال لأنه لا يملك بها رقبة المال. فرع آخر لو استعار رجلاً من حلال من محرم صيدا فقتله أو تلف في يده نظر، فإن كان المحرم اصطاده في حال إحرامه لم يجب على المستعير شيء ويجب على المعير الجزاء، وإن كان اصطاده قبل إحرامه فإن قلنا: يزول ملكه بالإحرام فالحكم ما ذكرنا ولا يجوز إعارته، وإن قلنا: لا يزول ملكه عنه فعليه قيمته لصاحبه ولا جزاء على الحلال ولا على المحرم لأن المحرم على هذا القول لم يمنع من إمساكه وإنما منع من إتلافه ولم يتلفه. ويجوز إعارته منه فلم يلزمه الجزاء وهذه العارية تتصور في حمار

стр. 3110

الوحش أو بقر الوحش ونحو ذلك، ولو استعار محرم من حلال صيداً فتلف في يده يلزمه الجزاء لله تعالى والقيمة لصاحبه ولا تجوز هذه العارية. فرع آخر لو استعار دابة ليركبها إلى موضع بعينه فجاوز ذلك الموضع فإنه قبل أن يجاوز بها ذلك الموضع هي في يده عارية لا تلزمه غرامة النقصان إن حصل بالاستعمال ولا يلزمه أجر مثلها، وإن تلفت يضمنها ضمان العارية. وأما بعد مجاوزة ذلك الموضع فهو متعد فيها وحكمه حكم الغاصب من وقت المجاوزة، فإن ردها إلى ذلك الموضع الذي جاوزه لا يبرأ من الضمان، وكذلك لو استأجرها إلى موضع فجاوز ذلك الموضع [٧/أ] ثم ردها إليه لا يبرأ من الضمان ووافقنا أبو حنيفة في هاتين المسألتين أنه لا يبرأ عن الضمان بالرد إلى ذلك الموضع وإن خالفنا في الوديعة وقال: إذا ردها إلى مكانها بعد التعدي يزول الضمان. فرع آخر لو استعار عارية واستعملها مدة لمثلها أجرة ثم بانت مستحقة كان لمالكها أجر مثلها وبدل ما نقص من الأجزاء بالاستعمال وله أن يرجع بذلك على من شاء من الغاصب والمستعير معاً فإن رجع على المستعير به هل يرجع المستعير على المعير بما غرم؟ قولان قال في "الجديد": لا يرجع عليه لأن التلف حصل في يده بغير حق فاستقر الضمان عليه، وقال في القديم وبه قال أحمد: يرجع عليه لأنه غره فإنه دفع إليه على أن لا يضمن الأجرة ولا ما تلف عن الأجزاء باستعماله فاستقر الضمان على المعير، وإن رجع المالك على المعير هل يرجع على المستعير؟ قولان بناءً على القولين في تضمين المستعير فإن قلنا: قرار الضمان على المستعير رجع عليه فإن قلنا: قراره على المعير لا يرجع عليه، وإن تلفت في يد المستعير فالكلام في الأجرة والأجزاء التالفة بالاستعمال على ما ذكرنا، وأما قيمتها فالمستعير دخل على أن ضمانها ضمان العارية وهو قيمتها حال التلف على الصحيح من المذهب وقد وجب ضمان الغصب وهو أكثر ما كانت قيمتها من وقت القبض إلى حالة التلف فإن كانت القيمتان سواء فالضمان مستقر على المستعير قولاً واحداً لأنه دخل على أنها عارية مضمونة، وإن كانت قيمتها غصباً أكثر فتلك الزيادة بمنزلة الأجرة والأجزاء وقد ذكرنا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يتقرر الضمان على المستعير؟ قولان وهو ضعيف غريب. مسألة (١): قال: "ولو قال رب الدابة أكريتها إلى موضع كذا وكذا، وقال الراكب: بل عارية". الفصل وهذا كما قال: إذا اختلف صاحب الدابة وراكبها فقال صاحبها: أجرتكها بكذا

стр. 3111

وكذا، وقال الراكب: بل أعرتنيها ولا أجرة لك قال الشافعي [٧/ب] ها هنا: القول قول الراكب مع يمينه. وقال في كتاب "المزارعة": وإذا زرع رجل أرض رجل ثم اختلفا فقال الزارع: أعرتنيها، وقال رب الأرض: أكريتكها فالقول قول رب الأرض مع يمينه فاختلف أصحابنا فيه فقال الأكثرون: المسألتان على قولين، ولا فرق بين الدابة وبين الأرض وهو الصحيح، وقد قال الربيع لما نقل هذه المسألة كما نقل المزني وفيه قول آخر إن القول قول المالك وهكذا ذكر المزني في "الجامع الكبير". ووجه قولنا إن القول قول المالك فيهما وهو اختيار المزني ورواه أصحابنا عن مالك أن المنافع تجري مجرى الأعيان بدليل جواز العقد عليها كجوازه على الأعيان وتضمن بالمسمى في العقد الصحيح وبعوض المثل في العقد الفاسد، ولو اختلفا في العين فقال: أذنت لي في إتلافه أو تناوله أو وهبت مني وأنكر المالك فالقول قول المالك كذلك ها هنا، ولأنهما لو اختلفا في أمل الإذن كان القول قول المالك فكذلك إذا اختلفا في وصف الإذن ووجه قولنا القول قول الآخذ وبه قال أبو حنيفة إن الأصل براءة الذمة عما يدعي عليه من الكراء وقد تصادقا على أن الاستعمال صدر عن الإذن والأول أصح، فإذا قلنا: القول قول الآخذ حلف أنه ما استأجره ويسقط عنه ما يدعيه من الأجرة ويرد الدابة على صاحبها، فإن لم يحلف ونكل رددنا اليمين على المالك فيحلف ويستحق المسمى قولاً واحداً لأن اليمين مع النكول إما أن تكون بمنزلة البينة أو الإقرار وأيهما كان يثبت به المسمى وإذا قلنا: القول قول المالك حلف وله الأجرة، وهل تجب الأجرة المسماة أو أجرة المثل؟ فيه وجهان: أحدهما: يجب المسمى لأنه جعل القول قوله وحلف عليه والثاني وهو الأصح وقيل: نص عليه في "الأم" تجب أجرة المثل لأنهما لو اتفقا على الإجارة واختلفا في الأجرة لا يقبل فيه قول المؤجر فلأن لا يقبل قوله فيه مع اختلافهما في أصل الإجارة أولى. [٨/أ] ويخالف هذا إذا حلف مع نكول الآخر لما ذكرنا أن يمينه مع نكوله تجري مجرى البينة أو الإقرار، ومن أصحابنا من قال في مسألة النكول: هل يستحق المسمى أو أجر المثل؟ وجهان أيضاً وهذا غلط والفرق ظاهر وعلى هذا القول إن لم يحلف المالك لا ترد اليمين على الآخذ لأنه لا يدعي شيئاً والأجرة ساقطة عنه بنكول المالك وصار هذا بمنزلة المدعي إذا رأت عليه اليمين فلم يحلف لا ترد اليمين ثانياً على المدعى عليه. ومن أصحابنا من غلط ها هنا وقال: إنه يحلف عند نكوله وليس بشيء هذا إذا كانت الدابة باقية، فإن كانت الدابة تلفت في يد الآخذ لا يخلو إما أن تتلف عقيب الدفع أو بعد مضي مدة تجب لمثلها أجرة فإن تلفت عقيب الدمع لا معنى للأحلاف لأن صاحبها يدعي الإجارة وقد انفسخت بتلفها ولكن صاحب الدابة يقول: تلفت في يدك بإجارة فلا ضمان عليك، وقال الآخذ تلفت في يدي بالعارية فعلي ضمان القيمة فهو يقر بالقيمة لمن لا يدعيها فيسقط حكم إقراره ولا شيء عليه، وإن كانت قد مضت مدة

стр. 3112

لمثلها أجرة ثم تلفت فصاحب الدابة يدعي عليه الأجرة ولا يدعي القيمة، والآخذ ينكر الأجرة ويقر بالقيمة فإن كانت الأجرة التي يدعيها أكثر من قيمة الدابة فالمالك يدعي فضل الأجرة والآخذ ينكرها فيكون الحكم فيه كما لو كانت العين قائمة وقد ذكرنا حكمها، وإن كانت الأجرة وفق القيمة فالمالك يدَّعيها أجرةً والآخذ ينكرها والآخذ يقر قيمة والمالك لا يدَّعيها فما الذي يصنع بها؟ فيه وجهان: أحدهما: يأخذها الحاكم من الآخذ ويدفع إلى المالك وتنقطع الخصومة بينهما لأنه ادعى عليه حقاً وقد أقر له بقدره فلم إليه ولا يعتبر اختلاف جهة الدعوى والإقرار. والثاني: لا يؤخذ منه شيء لأنه أقر له قيمة تجب بالتلف وهو لا يدعيها فلا يمكن دفعها إليه والحق الذي ادعاه هو أجرة المدة والآخذ لم يقر به فلا يلزمه تسليمه فعلى هذا هما على الخصومة فالقول قول من على ما ذكرنا من القولين وعلى هذا إذا كانت الأجرة التي يدعيها أكثر [٨ / ب] من قيمتها ففي قدر قيمتها هل يؤخذ منه أم لا؟ وجهان أحدهما: ما ذكرنا والحكم في الزيادة على القولين، وإن كانت العين قائمة والاختلاف كان عقيب العقد فالقول قول الآخذ مع يمينه وترد الدابة والأرض إلى المالك ولا يتصور الكلام في الأجرة ولا في القيمة، ومن أصحابنا من قال: المسألتان على ظاهر النصين ففي الدابة القول قول الراكب وفي الأرض القول قول رب الأرض، والفرق أن العادة جرت بإعارة الدواب ولم تجر بإعارة الأرض للزراعة فالعادة تشهد لرب الأرض فجعلنا القول قوله وتشهد ها هنا للراكب فكان القول قوله وهذا غلط لأن الشافعي لا يعتبر العادات في الدعاوى ولهذا لا يقدم دعوى العطار مع الدباغ في دعوى العطر. فرع لو كانت المسألة بالضد من هذا فقال ربها: أعرتكها، وقال الراكب: أجرتنيها لا يخلو من أحد أمرين إما أن تكون قائمة أو تالفة فإن كانت قائمةً فإن اختلفا عقيب القبض فالمالك يدعي الإعارة والقابض يدعي الإجارة والمالك ينكرها فالقول قول المالك مع يمينه فيحلف ويأخذ الدابة وإن اختلفا بعد انقضاء مدة الإجارة مثل أن يقول: أعرتكها في هذه السنة، وقال الآخذ: بل أجرتنيها سنةً بمائةٍ وقد مضت فالقابض يعترف له بأجرةٍ لا يدعيها فلا يلزمه تسليمها ويأخذ المالك دابته وينصرف، وإن اختلفا بعد مضيّ نصف المدة فالقابض يعترف له باستقرار خمسين من الأجرة والمالك لا يدعيها فلا يلزمه تسليمها، والقابض يدعي أن له في الدابة بقية الإجارة تمام المدة فيكون القول قول المالك مع يمينه ويأخذ الدابة، وإن كانت تالفة لا يخلو إما أن يكون التلف عقيب القبض أو بعد مدةٍ، فإن كان عقيب القبض فالمالك يدعي عليه قيمتها لأنها عارية والقابض يدعي أمانة بعقد إجارة فالقول قول المالك قولاً واحداً وعليه قيمة الدابة لأنهما اتفقا على أن الملك له، واختلفا في جهة سقوط بدله فالقول قول المالك ويخالف الأجرة في المسألة قبلها في أحد القولين لأن هناك على حدوث المنافع (٩/أ) في ملك المدفوع إليه وادعى المالك عوضاً عليه في مقابلتها فلم يقبل قوله، وان كان التلف

стр. 3113

مضي مدة لمثلها أجرة فالقابض يعترف بالأجرة والمالك لا يدعيها والمالك يدعي القيمة والقابض لا يعترف بها فإن كانت القيمة أكثر من الأجرة فالقول قول المالك فيما زاد على الأجرة مع يمينه ويستحق وفي القدر الذي هو وفق الأجرة وجهان أحدهما: يسلم الحاكم منه بلا يمين، والثاني: لا يدفع إليه إلا بيمين لأنه لا يدعيها أجرة وإنما يدعيها قيمة فلا يدفع إلا بعد أن يحلف أنه أعارها منه ثم يأخذ القيمة بالتمام. مسألة (١): قال: "ولو قالَ: آعرتنيهَا، وقال ربُّها: بل غصبتنيهَا". الفصل وهذا كما قال: إذا كانت لرجل دابة فوجدت في يد رجل فقال صاحبها: غصبتنيها، وقال من في يده: بل أعرتنيها لا يخلو إما أن يكون الاختلاف عقيب الدفع أو بعد مدة فإذا كان عقيب الدفع أو بعد مدة أخذ المالك دابته بلا يمين لأنه يقول: دابتي في يده غصباً وهو يقول: بل عارية فله أخذ دابته لأن الرجوع في العارية يجوز ورد المغصوب واجب فإن كان هذا بعد مضيّ مدة لملها أجرة فالمالك يدعي أجرة المثل لأن القبض عن غصب والقابض ينكر لأن القبض عارية نص الشافعي في الإقرار والمواهب على أن القول قول المستعير، واختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: الحكم فيه كما لو قال: أجرتكها وقال: بل أعرتنيها وقد ذكرنا فيه طريقين، ومن أصحابنا من قال: ها هنا قول واحد القول قول المالك والذي قاله في الإقرار والمواهب ونقله المزني قول مرجوع عنه لأن الربيع قال: رجع الشافعي عن قبول قول المستعير وجعل القول قول ربّ الدابة مع يمينه وعلى الراكب كرا مثلها حكاه أبو حامد في الجامع، والفرق بين هذه المسألة والتي قبلها أن هاهنا لم ينقضا على أنه ركبها بإذن مالكها والأصل عدم الإذن وهناك اتفقا على أنه ركبها بإذنه ثم ادعى عليه العوض فكان حدّ ماله مثل أن يجتمع عليه البينة في ذلك في أحد القولين، أو نقول: في تلك المسألة اتفقا على حدوث المانع ني ملك المنتفع وصاحبها يدعي العوض فلم يقبل [٩/ب] قوله في العوض، وهاهنا اختلفا ني ملكه والأمل أن المانع للمالك فلا يقبل قول المنتفع إلا بحجة، وهذا هو الصحيح. وتال أبو حامد الاسفراييني: الصحيح الطريقة الأولى، والطريقة الثانية ذكرها أبو إسحاق، وهو يخطئ المزني فيما نقله، والشافعي نص عليه في "لأم"، والعلة تدل على هذا أيضاً، لأن في المسألة الأولى جعلنا القول قول المنتفع؛ لأن العرف والعادة معه، وهو أن الناس يعيرون الدابة في العادة، وهذا المعنى موجود هاهنا، ومدعي الغصب يدعي خلاف ظاهر اليد وهذا لا يصح؛ لأنَّا لم نقل أخطأ المزني، بل نقول رجع الشافعي عنه، وتد أبطلنا اعتبار العادة وبينَّا الفرق بين المسلمين، وإن كانت الدابة تالفة لا يخلو إما أن يكون التلف عقيب القبض أو بعد مدة، فإن كان عقيب القبض أخذ

стр. 3114

قيمتها بلا يمين: لأن الراكب يقر له بالقيمة بالإعارة، وهو يدعيها بالغصب والقيمة فيهما سواء، لأنه عقيب القبض، واختلافهما في السبب الموجب للقيمة لا يجري مجرى إقرار أحدهما بالأجرة، ودعوى الآخر القيمة؛ لأن ذلك حقان مختلفان، وهاهنا اتفقا على وجوب القيمة، فإن كان بعد مضي مدة لمثلها أجرة فالكلام في الأجرة على المضي إذا كانت قائمة، وأما القيمة فالمالك يدعي قيمة المغصوب أكثر ما كانت من وقت القبض إلى حين التلف، والمستعير يعترف بقيمة العارية وهي ما يكون يوم التلف، فإن كانت القيمتان سواء أخذها المالك بغير يمين، وإن كانت قيمتها غصباً أكثر أخذ المالك قدرها عارية بلا يمين، وما زاد على قيمة العارية لا يأخذ إلا باليمين؛ لأنه يدعيه والمستعير ينكره. واختار المزني أن القول قول مالك وهو منصوص في كتاب "المزراعة"، وهو الصحيح على ما ذكرنا واعترض على القول المنصوص هاهنا فقال: "هذا خلاف أصله لأنه من سكن دار غيره كمن تعدى على سلعته فأتلفها، ولو أكل طعام رجل وقال: أكلته بإذنك، فالقول قول المالك كذلك هاهنا "قلنا للمزني إن كان مرادك في هذا الاختيار مسألة الاختلاف في الغصب والعارية فكما رأيت وقد بينا ذلك. وإن كان [١٠/أ] مرادك المسألة الأولى فقد ذكرنا فيه الاختلاف وما يمكن أن يجعل فرقأ بين ما أوردت من النظير وبين تلك المسألة. مسألة (١): قال: "ومن تعدَّى في وديعةٍ ثم ردَّها إلى مّوْضِعِها الذي كانت فيه ضَمِنَ". الفصل وهذا كما قال، هذه المسألة من كتاب "الوديعة"، وذكرها المزني في هذا الكتاب، وكان الأولى بالمزني أن يذكرها هناك ونحن نستقصي بيانها هناك، ولكنا نشير إلى المذهب هاهنا، فالرجل إذا أودع عند رجل وديعة ثم تعدى فيها بأن كانت ثوباً فأخرجه ليلبسه، أو كانت دابة فأخرجها ليركبها، أو كانت دراهم فأخرجها لينفقها ضمنها فعل ذلك أو لم يفعل، وإذا ضمنها ثم ردها إلى حرزها لم يبرأ من ضمانها إلا أن يردها على صاحبها أو إلى وكيله. وقال أبو حنيفة ومالك: يسقط الضمان إذا ردها إلى حرزها. وعند أبي حنيفة إذا أخرجها من الحرز الانتفاع لا تدخل في ضمانه ما لك ينتفع، وزاد أبو حنيفة على مالك فقال: لو أنفق الدراهم أو الدنانير ثم رد مثلها إلى حرزها سقط عنه الضمان. وخالفه مالك في هذا، وبني هذا على أصله أن المودع الموسر يقترض الوديعة وينفقها ويكون بدلها في ذمته. وهذا غلط، لأن صاحبها أودعها للحفظ لا للإنفاق ولم يوجد منه الرضا بذلك. فرع لو قال ربها بعدما ضمنها: أبرأتك من الضمان أو أودعتها ثانياً عندك هل يبرأ

стр. 3115

ويخرج من الضمان؟ المذهب أنه يبرأ، نص عليه في "كتاب الرهن" وقال هاهنا: لأنه خرج من الأمانة ولم يحدث له رب المال استئماناً، فدل أنه يبرأ بإحداث الاستئمان. ومن أصحابنا من قال: لا يبرأ حتى يتلف ثم يبرئه من قيمته؛ لأن الإبراء لا يصح من الأعيان وإنما يصح مما في الذمة، وأراد بالاستئمان الجديد بعد الرد. فرع أخر لو أذن له المالك في ردها إلى الحرز هل يسقط الضمان به؟ وجهان كالإبراء. مسأله: قال (١): "ولو أعاره بقعة يبني فيها". الفصل وهذا كما قال. إعارة الأرض للبناء والغراس والزرع جائزة: لأن منفعة الأرض تستباح لهذه الوجوه بالإجارة فكذلك بالإعارة، ويجوز [١٠/ب] أن يطلق ولا يعين المنفعة ويحمل في الانتفاع بها على العادة الجارية في مثلها بخلاف الإجارة، والفرق أن في الإجارة عوضاً ينفي عنه الجهالة ولهذا لزم فيها تقدير المنفعة بخلاف العارية فجازت مع الجهالة ويجوز إطلاق المدة فيها ويجوز تقييدها وإن طال لأنه إذا جاز الإطلاق فالتقييد أولى وهذا لأنها جائزة يمكن الرجوع فيها متى شاء، ثم إن أعارها لهذه الأشياء الثلاثة التي ذكرناها فعلها كلها وأيها شاء، وإن عين واحداً منها فإن أعارها للزرع لا يجوز له أن يغرس، ولا أن يبني ولا أن يزرع زرعاً هو أضر مما عينَّ إن عين نوعا منه وله أن يزرع ما ضرره مثل ضرره أو دونه فإن أعارها لزراعة الحنطة ليس له أن يزرع الدُّخْن وان أعارها للبناء أو الغراس له أن يزرع لأنه أقل ضرراً منهما، وإن أذن له بزرع الدخن له أن يزرع الحنطة لأنها أقل ضرراً، وإن أذن له في البناء أو الغراس هل يجوز له أن يعدل من إلى الآخر وجهان: أحدهما: يجوز له ذلك لأن كل واحد منهما يراد للتأبيد فيكون ضرر أحدهما مثل ضرر الآخر. والثاني: لا يجوز وهو الصحيح لأن كل واحد منهما يختص بضرر لا يشاركه الآخر فيه فضرر الغراس تحت الأرض أكثر لأن عروقه تنتشر في الأرض وضروه في الظاهر أقل والبناء ضرره في الظاهر أكثر وفي الباطن أقل فإذا صح هذا وكانت الإعارة مطلقة غير مؤقتة كان له ذلك ما لم يرجع فيها، فإن رجع لم يكن له إحداث شيء من ذلك وما أحدثه بعد رجوعه فله مطالبته بقلعه من غير دفع القيمة وحكمه حكم الغاصب في ذلك، وإن أحدثه بعد بإذنه قبل الرجوع لا يخلو إما أن يكون قد شرط القلع أو لم يكن شرط، فإن كان قد شرط يلزمه قلعه متى طالب لأنه على هذا الشرط دخل فإذا قلعه لم يلزمه تسوية الأرض لأن صاحب الأرض حيث شرط القلع علم أنه يحصل بذلك

стр. 3116

تخريب الأرض ورضي بذلك الضرر فلم يلزم المستعير إزالة ذلك عنه، وإن لم يكن شرط القلع لا يخلو المستعير من أحد [١١/أ] أمرين إما أن يختار القلع أو التبقية فإن اختار القلع كان له ذلك وليس للمعير منعه لأنه عين ماله فإذا قلع هل يلزمه تسوية الأرض من الحفر؟ وجهان: أحدهما: ليس عليه ذلك لأنه لما أذن له في ذلك فقد رضي بالضرر. والثاني: يلزمه ذلك وهو الصحيح لأن القلع ليس من مقتضى العارية وإنما له قلعه بحق الملك وقد قلع باختياره بعد زوال العارية من غير أن ألجئ إليه، وإن اختار التبقية نظر في المعير فإن مكنه وأقره عليه فلا كلام، وإن منعه من ذلك نظر، فإن اختار أن يعطيه قيمة الغراس والبناء كان له لأن للمعير أن يسترد العارية على وجه لا يضر بالمستعير ويلزم قيمته قائماً ولا يعتبر قيمة الطوب والخشب غير قائم لأن المستعير كان كالبناء والتأليف غير متعدٌ والاعتبار بقيمة البناء يوم يخرجه لا يوم بناه لأن هذا الوقت وقت نقل الملك إليه بالقيمة، وإن كان مكان الغرس زرع فإن كان الزرع مما يقصل في العادة فللمعير الإجبار على قلعه وان عين واحداً منها فإن أعارها للزرع لا يجوز له أن يغرس ولا أن تبنى ولا أن يزرع من غير دفع القيمة، وإن كان مما يترك إلى أن يستحصد يجبر على تركه إلى الحصاد لأن مطلق الإعارة محمول على ما يكون هي العرف فإن قال: أنا أدفع إليه قيمة زرعه قائماً ليكون الزرع لي فيه وجهان: أحدهما: له ذلك كما قلنا في الغراس سواء وهو اختيار القاضي الطبري. والثاني: ليس له ذلك بل عليه أن يقره في أرضه بأجرة مثله إلى حين حصاده وليس له ذلك من غير الأجرة لأن له وقتاً ينتهي إليه بخلاف البناء والغراس وهكذا لو امتنع المعير من بذل القيمة وامتنع المستعير من قلعه قيل للمستعير: إما أن يقلع أو يعطي الأجرة على ما ذكرنا ولفظ الشافعي ها هنا أنه يقر على ذلك إذا بذل الأجرة بعد الرجوع في العارية ولا يجبر على القلع، ومن أصحابنا من قال: لا يلزم المستعير بذل الأجرة لأن العارية تقتضي الانتفاع من غير ضمان وهذا اختيار المزني فعلى هذا إذا لم تدفع القيمة يترك البناء من غير أجرة، وان أراد المستعير أن يعطي المعير قيمة أرضه ليكون له [١١/ب] الأرض مع الغراس لم يكن له لأنها الأصل المتبوع والبناء والغراس يتبعان الأرض ولو طالبه بالقلع فإن ضمن له ما ينقص بالقلع كان له، وإن لم يضمن ذلك لم يكن له بل عليه تمكينه منها، وقال أبو حنيفة ومالك: له مطالبته بالقلع من غير أن يغرم له شيئاً إلا أن تكون العارية مؤقتة فأراد أن يرجع قبل انقضاء الوقت ليس له ذلك ها هنا إلا بالقيمة وهذا غلط لأنه بني في ملك غيره بإذنه فلم يكن له مطالبته بقلعه من غير ضمان كما لو طالبه به قبل انقضاء المدة. ومن أصحابنا من قال: إذا لم يختر المستعير القلع ولا المعير دفع القيمة وما ينقص بالقلع يباعان جميعاً ويقسم الثمن على قدر قيمتهما فيقال: كم تساوي أرضه وفيها الغراس دون الغراس فيقال: تسعون قلنا: وكم تساوي الغراس في أرض غيره؟ فيقال: عشرة فللمستعير عشر الثمن وللمعير تسعة أعشاره والمذهب الصحيح ما تقدم وهو أنهما

стр. 3117

يتركان ويمنع صاحب البناء من الانتفاع بالأرض وصاحب الأرض من الانتفاع بالبناء، فإن أراد أحدهما: دخول الأرض لتعهد ماله نظر، فإن أراد المعير أن يدخلها كان ذلك له، وان كان مستظلاً بغرسه وبنائه وان أراد المستعير دخولها لتعهد بنائه أو غراسه فيه وجهان: أحدهما: ليس له ذلك لأن التطرق ضربٌ من التصرف واستحقاق الترك لا يوجب التصرف فيها بعد الرجوع في العارية. والثاني: له ذلك وهو المذهب واختاره ابن أبي هريرة ويجبر المعير على تمكينه لأن الإذن بالغرس والبناء إذن به وبمنافعه ولا يجوز أن يمنع من مراعاة ملكه وليس له دخولها من غير حاجة، ولو أراد المستعير بيع غرسه وبنائه فإن باعه من المعير جاز، وإن أراد بيعه من غيره فيه وجهان: أحدهما: يجوز وهو المذهب وليس للمعير أن يأخذ المشتري بالقلع كما لم يكن له أن يأخذ به المستعير وهذا لأنه ملكه وأكثر ما فيه أن غيره يملك إسقاط حقه منه وإزالة ملكه [١٢/أ] ولا يمنع هذا صحة البيع كما لو اشترى شقصاً مشفوعاً فللمشتري بيعه، وإن كان الشفيع يملك إزالة ملكه عنه، والثاني: لا يجوز لأن المشتري غير مستعير وترك ما اشتراه غير مستديم لأن المعير متى بذل القيمة استحق بها أخذ الغرس أو قلعه وهذان الوجهان من اختلافهم هل يجوز له أن يعير ولأنه ممنوع من دخوله في أحد الوجهين فإذا باعه لا يمكنه تسليمه، وإن كانت العارية مؤقتة فالحكم على ما ذكرنا في المطلقة إذا شرط القلع بعد انقضاء المدة لو لم يشترط. وقال المزني: إذا انقضت المدة له مطالبته بقلعه من غير قيمة وحكاه الساجي عن الشافعي ذكره القاضي أبو عليّ الزجاجي ﵀. وقال أيضاً: لو وقّت له وقتاً ثم اختلفا فقال رب الأرض: انقضت المدة، وقال الباني: لم تنقض المدة فالقول قول رب الأرض مع يمينه، وهذا غير صحيح لأن البناء حيث يُبنى إنما يبنى للتأبيد وقول المعير: إلى وقت كذا يتردد بين احتمالات منها أن يكون إلى ذلك الوقت بغير أجر المثل ومنها هذا الوقت بأجر المثل ومنها أن يرضى بعد ذلك الوقت بالنقض والنقل ويرضى بنقل الملك إلى رب الأرض على شرط القيمة فلما احتمل لفظه هذه المعاني لم يجبره على القلع ومخالفة عادة التأبيد إلا بأن يكون له حق على رب الأرض، ولو كانت العارية مؤقتة ثم أراد ربّ الأرض إخراجه عنها قبل انقضاء الوقت كان له ولا يستحب ذلك ونعني بالإخراج الإخراج بشرط القيمة على ما ذكرنا. واعلم أن المزني أخل بالنقل ها هنا لأنه نقل هذا الفصل في العارية المطلقة فقال: وإذا أعاره بقعة يُبنى فيها بناء ثم ألحق العارية المؤقتة بالمطلقة حيث قال: ولو وقت له وقتاً ثم غلط فعطف على المؤقتة العارية المطلقة التي سبق ذكرها في أول الفصل فقال: وكذلك لو أذن له في البناء مطلقاً وهو عن هذا العطف مستغنى لأن أول الفصل كان في العاوية [١٢/ب] المطلقة. وبالله التوفيق.

стр. 3118

كتاب الغضب مسألة (١): قال: " وإذا شَقَّ رجَلٌ لرجلٍ ثوباً". الفصل وهذا كما قال: قال ابن فارسٍ الغصب أخذ الشيء مجاهرة لا سراً فإن أخذه من حرز سراً يسمى سرقة، وإن أخذه مكابرةً في صحراء سمى محاربا، وان أخذه استيلاء سمي مختلساً، وان أخذه من شيء كان من مؤتمناً عليه سمي خائناً، وان أخذه قهراً بغلبة وقوة فضلٍ سمي غاصباً والغصب في الشرع منع الإنسان من ملكه والتصرف فيه من غير استحقاقٍ، فإن منع ولم يتصرف كان تعديا ولم يتعلق به ضمان، وإن تصرف ولم يمنع كان تعدياً ولا يتعلق به ضمان لأنه تعد على المالك دون الملك وإذا أجمع بين المنع والتصرف تم الغصب ولزمه الضمان. والأصل في تحريم الغصب الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿لَا تَاكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَيْنكُمْ بِالْبَاطِلِ إلَّا أَنْ تَكُون تِجَارَة عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩] والغصب خارج عن ذلك وأيضا قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وإذَا كَالُوهُمْ أَو وزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ١ - ٣] وهذا الوعيد على الظلم فيما بين الكيلين تنبيه على تحريم الغصب الذي هو أعظم منه. وأما السنة فما روى أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: " لا يحل مال أمريء مسلم إلا عن طيب نفس منه" (٢)، وروى جابر أن النبي ﷺ قال في خطبة الوداع: "ألا إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا" (٣) ومعناه دماء بعضكم على بعض وأموال بعضكم على بعض. وروى عبد الله بن السائب بن يزيد عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "لا يأخذن أحدكم متاع أخيه جاداً ولا لاعباً" (٤) ومن أخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه فليردها" وذلك ما حرم الله مال المسلم على المسلم، وروي عن عمرو بن يثربي الضمري أنه قال: شهدت خطبة النبي ﷺ بمنى فقال: [١٣/أ] "ولا يحل لأحد مال أخيه إلا ما طابت به نفسه" فقلت: يا رسول الله أرأيت لو لقيت غنم ابن عمي فأخذت منه شاة

стр. 3119

فاجتررتها فعليٌ في ذلك شيء، فقال: "إن لقيتها نعجةً تحمل شفرةً وزناداً بخبث الجميش [فلا تمسها" (١). الجميش (٢)]: اسم موضع. وروى يحيى بن عروة عن أبيه عروة أن رجلاً غصب أرضاً من رجل من بني بياضة من الأنصار فغرسها نخلاً "عُماً) فرفع ذلك إلى رسول الله ﷺ فأمر بقلعه وقال: "ليس لعرق ظالمٍ حق" قال عروة: فأخبرني من رأى الفؤوس تعمل في أصولها (٣) وقال أيضاً: رأيتها وأنه لتضرب في أصولها بالفؤوس وإنه لنخلٌ عمُّ حتى أخرجت وقوله: عُماً يعني طوالاً وقيل: يعني عمَّت بخيرها ومنه قوله ﷺ : "عمَّتكم النخلة" (٤) يعني عمت بخيرها وقيل: أراد أنها خلقت من فضل طينة أدم ﷺ فصارت عمة في النسب. وروى سعيد بن زيد أن النبي ﷺ قال: "من ظلم من الأرض شيئاً فإنها تطوقه من سبع أرضين" (٥) وزاد جابر مرفوعاً: "وكلف نقل ترابه إلى المحشر" وروي: "من اقتطع شبراً من الأرض" (٦) وروى عليّ بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لعن الله من غيَّر منار الأرض" (٧) وروي أنه قال: " لعن الله سارق المنار قيل: يا رسول الله وما سارق المنار قال: "يأخذ الرجل العلامة من أرض نفسه إلى أرض غيره" (٨) وقال أيضاً: "ملعون من غير تخوم الأرض" (٩) يعني حدودها وأعلامها. وأما الإجماع فلا خلاف بين المسلمين فيه. فإذا تقرر هذا فالأموال ضربان حيوان وغير حيوان فأما غير الحيوان فضربان: ما له مثل، وما لا مثل له فإن كان له مثل يلزمه رده إن كان باقياً لقوله ﷺ : "على اليد ما أخذت حتى ترد" (١٠) وروي "حتى تؤديه" ويلزمه رد مثله إن كان تالفاً لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤] وعلى هذا لو غصب قفيزاً من طعام قيمته دينار فرده أو ردَّ (١٣/ب) مثله وقيمته درهم لم يكن عليه غيره وهذا لأن الرجوع إلى المثل رجوع إلى المشاهدة والرجوع إلى القيمة

стр. 3120

رجوع إلى الاجتهاد، والمشاهدة أولى من الاجتهاد، وإن لم يكن له مثل يضمن بالقيمة. وحكي عن عبيد الله العنبري أنه قال: يضمن للأشياء كلها بالمثل فإذا أتلف خشبةً يلزمه مثلها من جنسها وكذلك في الثوب وقيل: هو مذهب أحمد ذكره في "الحاوي" (١). وحكي عن داود أنه قال: يجب في الحيوان المثل فيجب في العبد العبد وفي العصفور العصفور وشبَّهه بجزاء الصيد وهذا غلط لما روى عبد الله بن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من أعتق شركاً له في عبد قُوّم عليه" (٢) فأمر بالتقويم في حصة الشريك لأنهما متلفة بالعتق ولم يأمر بمثيلها ولأن القيمة فيما لا مثل له أعدل فإنهما قد يتساويان في القيمة ويختلفان في الصفة، وقد يتساويان في الصفة ويختلفان في القيمة فاعتبار القيمة أولى. وأما تشبيهه بجزاء الصيد لا يصح لأن ذلك من حق الله تعالى المبني على المساهلة ونصَّ فيه على المثل بخلاف هذا، واحتج عبيد الله العنبري بما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: ما رأيت صانع طعام مثل صفية صنعت طعاماً لرسول الله ﷺ فبعثت به فأخذني إفكل فكسرت الإناء فقلت: يا رسول الله ما كفارة ما صنعت؟ قال: "إناء مثل إناء وطعام مثل طعام" (٣) والإفكل: الرعدة من الغيرة قلنا: ذكر هذا على وجه المعونة والإصلاح دون بتّ الحكم فإن القصعة والطعام ليس لهما مثل معلوم، وهذا الطعام والإناء حملا من بيت صفية والغالب أنه ملك الرسول ﷺ وله أن يحكم في ملكه كيف شاء، أو يحمل على مثل القيمة. وأما الحيوان فعلى ضربين آدمي وغير آدمي فأما غير الآدمي يضمن بقيمة عند الإتلاف وفي الجناية يضمن ما نقص. وأما الآدمي فضربان حرّ، وعبد فالحر لا يضمن باليد ويضمن بالجناية، وأما العبد فيضمن باليد والجناية. فرع حدُّ ماله مثل أن يجتمع [١٤/أ] فيه شرطان؛ تماثل الأجزاء، وأمن التفاضل كالحبوب، والأدهان، والأثمان، والتمور، والخل ونحو ذلك، فإن كان مكيلاً كان الكيل شرطاً في المماثلة دون الوزن، وان كان موزوناً كان الوزن شرطاً في المماثلة دون الكيل، ولو خيف تفاضله كالثمار الرطبة فلا مثل له وتجب القيمة. وقيل: حده ما يتساوى أجزاؤه وقيمة أجزائه، وأن يكون على حالة الادخار أو حالة الكمال. وقال القفال: حده ثلاثة أشياء، أن يكون مكيلاً أو موزوناً، وأن يكون مضبوطاً بالصفة بحيث يجوز فيه السلم، وأن يجوز بيع بعضه ببعضٍ، فالرّبُ لا يكون من ذوات
следующие страницы →