← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

فإنه يختلف باختلاف المسافة بأعداد الأذرع لأن مسافة الثانية مثلا مسافة الذراع الثانية مثلا مسافة الذراع الأولة ومسافة الثالثة ثلاثة أمثالها فلم يجز العدول عن تقسيط الأجرة عليها فصار في مذهب الشافعي من هذا الوجه اطراح لعملٍ هو أصح تحقيقًا وأحصر تقسيطًا, وإذا كان كذلك وجب أن تقسط الأجرة المسماة على الحفر والنقل فما قابل الحفر قسم على أعداد الأذرع من غير تفاضل لأن العمل في جميعها متماثل وما قابل النقل قسم على ما تنتهي إليه الأذرع لأن العمل فيها متضاعف, فإن قيل: لا يجوز أن يفصل بين أجرة الحفر والنقل لأن أحدهما تبع للآخر قلنا: هذا فاسد من وجهين أحدهما: أنه ليس جعل النقل تبعًا للحفر بأولى من جعل الحفر تبعًا للنقل وإذا لم يتميز التابع من المتبوع صار كل واحدٍ منهما مقصودًا, والثاني: وما كان تبعًا لغيره لم يجز أن يفرد بالعقد وقد ثبت أنه لو استأجر على الحفر أجيرًا لا ينقل التراب وعلى نقل التراب أجيرً لا يحفر جاز فإذا صح ذلك فللعمل عليه مقدمة وهو أنك إذا أردت أن تعلم مبلغ مسافة نقل التراب من عشر أذرع وشق عليك أن تجمع من الواحد إلى العشرة على الولاء فبابه المختصر أن تزيد على العشرة واحدًا تكن أحد عشر ثم تضربها في نصف العشرة تكن خمسة وخمسين وإن شئت ضربت نصف أحد عشر في عشرة تكن خمسة وخمسين وهو مبلغ العدد المجموع من واحد إلى عشرة على الولاء والعلة في ذلك ما ذكره شجاع بن نصر أن الواحد والعشرة يكون أحد عشر والاثنين [١٧٥/ أ] والتسعة تكون أحد عشر والثلاثة والثمانية تكون أحد عشر والأربعة والسبعة أحد عشر والستة والخمسة أحد عشر فتعلم أن الذي معك من جملة إعداد العشرة خمس مرارٍ أحد عشر فلذلك ضربت في نصف العشرة وهو خمسة في أحد عشر فعلى هذا إذا أردت أن تجمع من واحد إلى خمسة عشر على الولاء فزد الواحد على خمسة عشر يكن ستة عشر ثم أضربها في نصف خمسة عشر يكن مائة وعشرين وإن شئت ضربت نصف ستة عشر في خمسة عشر يكن مائة وعشرين ثم على هذا القياس, فإذا تقررت هذه المقدمة ضرنا إلى العمل فإذا قيل: رجل استؤجر على حفر بئر عمقها خمس أذرعٍ في دورٍ ومعلوم بعشرين درهمًا فإن يقال: كم تساوي أجرة الحفر فإذا قيل: خمسة قيل وكم تساوي أجرة النقل فإذا قيل: خمسة عشر فليس في ذبك محاباة فاجعل أجرة الحفر التي هي خمسة مقسومة على عدد الأذرع الخمس بالسوية لأنه ليس لبعضها على بعض في الحفر فضل فيكون قسط كل ذراع بالحفر وحده درهما واحدًا ثم اجعل أجرة النقل التي هي خمسة درهمًا مقسومةً وثلاث وأربع وخمس وإن شئت أن تعمله بالباب المختصر زدت على الخمسة واحدًا تكن ستة ثم ضربتها في نصف الخمسة تكن خمسة عشر وهي مبلغ مسافة النقل من خمس أذرع فإذا قسمت عليها قسطت من الأجرة وهي خمسة عشر درهمًا كان أجرة كل ذراعٍ فإذا حفر ونقل ذراعًا واحدةً استحق درهمين لأن له بالحفر درهمًا ولو حفر ونقل ذراعين استحق خمسة دراهم لأن له بحفر

стр. 3362

ذراعين درهمين وبنقل ذراعين ثلاثة لأن الأول ذراع, والثانية ذراعان ولو حفر ونقل ثلاث أذرع استحق تسعةٍ لأن له بحفر الأذرع الثلاث ثلاثة وله بالنقل من ثلاث أذرع ستة دراهم [١٧٥/ ب] وعلى هذا القياس والله أعلم. فرع آخر لو استأجره لضرب اللبن جاز وتكون المنفعة معلومةً لأحد أمرين على ما ذكرنا, وإذا كان بالعمل لابد من تعيين مكان الضرب والموضع الذي يستقي منه الماء والتراب الذي يضرب منه فإذا كان في المصر قالب معروف معتاد عمل عليه لأنه كمكيال الطعام, وإن لم يكن قالب معروف فلابد من ضبط الطول والعرض والسمك فإذا ذكر السمك والدود أجزاه لأنه يشمل على الطول والعرض ويذكر كل ألفٍ بكذا, وقال القاضي الطبري: لو شاهد القالب جاز قال أصاحبنا: في هذا نظر لأن فيه ضربًا من الغور وهو كتعليق السلم بمكيال بعينه. فرع آخر تجوز الإجارة على بناء الدار نص عليه في كتاب الإجارة في الرواية البويطي, فإن كانت معلومةً بالعمل لابد من مشاهدة المكان ويعرف العرض والطول والارتفاع وآلة البناء من طين وجصٍ أو لبن أو آجر أو حجر وإن قدر بالزمان جاز. فرع آخر تجوز الإجارة على تطبيق السطوح والحيطان وتجصيصها ولا يصير هذا معلومًا بالعمل ولكن تذكر المدة لأن العمل يختلف اختلافًا لا يأتي عليه وصفٌ ولا يعرف عادةٌ في بعضه أثخن وفي بعضه أرق. فرع آخر يجوز أيضُا على طبخ الآجر وطحن الطعام ونسج الثياب وقصارتها وصبغها وخياطها ولى التجارة وغير ذلك من الصناعات إذا وقع العقد على عملٍ موصوفٍ معلومٍ على ما بيناه. فرع آخر لو استأجره لرعي الغنم لا يصح إلا مدةً معلومةً لأن المنفعة هاهنا لا تكون معلومة إلا بالعمل ثم لا يخلو إما أن يطلق أو يعين الغنم فإن أطلق وقال لرعي الغنم شهرًا انطلق إلى رعي العدد الذي يرعاه الواحد في العادة من مائة رأس فما دونها وفوقها فإذا سلم للرعي ما جرى به العرف لم يكن للمكتري [١٧٦/ أ] أن يزيد على ذلك فإن أراد أن يستبدل بغيرها كان له وإن ذبح بعضها كان له أن يستخلف غيرها للرعي فإن بقي منها ولو واحدة فرعاها بقية المدة كان له الأجرة وإن توالدت سخالاً حفظ سخالها على ما جرت به العادة, ومن أصحابنا من قال: لا يجوز الإطلاق حتى يذكر العدد لأنه يختلف وليس فيه عرفٌ واحدٌ وهذا أصح عندي, وإن كانت الغنم تعلق العقد

стр. 3363

بأعيانها ولم يكن للمكتري أن يعطيه غيرها ليرعاها ولا له أن يزيد فيها فإن مات شيء منها بطلت الإجارة فيما مات منها وله أجرة ما بقي بالحصة وقيل: القياس أنه يجوز إبدالها كما قال الشافعي: إذا استأجر دابةً ليركبها له أن يركب غيره لأن الغنم غير معقودُ عليها بل يستوفيٍ بها منفعة الراعي ولهذا لو سلم لنفسه وجبت الأجرة وإن لم يرع فإن توالدت سخالاً لم يكن عليه حفظها ولا رعيها لأن العقد تعلق بأعيانها فلا تزاد. فرع آخر لو استأجر اليهودي عبدًا مسلمًا أو حرًا, فغن كان على عملٍ مضمون في ذمته جاز كما أن عليًا ﵁ أجر نفسه من امرأةٍ يهوديةٍ ليستسقي لها الماء كل دلوٍ بتمرة, وإن كان على خدمةٍ تتعلق برقبته فإذا قلنا: تجوز بجبر على نقلها من نفسه إلى مسلم وإلا فسخا الحاكم عليه وهو كما لو اشترى عبدًا مسلمًا. فرع آخر لو استأجر المسلم أجيرًا فوجده يهوديًا, فإن كان ما يمنع منه حكمًا كالحج لا يجوز فإن حج لم يكن له أجرة, وإن كان يمنع حظرًا ككتبة المصاحف فإنه ممنوع من مسها لا يجوز فإن كتبه قبل أن يعلم بحاله له أجرة مثله دون المسمى, وإن كان عمل الصناعات التي ليس فيها طاعةً مقصودة لا خيار للمستأجر ويصح, وإن كان من الأعمال التي فيها طاعة مقصودة كبناء المسجد ونحر الأضاحي, فإن كانت الإجارة معينةً فللمستأجر الخيار لأن قيام المسلم به [١٧٦/ ب] أعظم ثوابًا, وإن كانت في الذمة قيل: للأجير إن استنبت فيها مسلمًا فلا خيار للمستأجر وإن توليتها بنفسك فللمستأجر الخيار. فرع آخر لو استأجر كحالاً لم يجز حتى يكون المعقود عليه معلومًا وإنما يصير معلومًا بالمدة دون العمل, فإن كانت المدة شهرًا نظر, فإن كان الكحل من عند المستأجر صحت الإجارة ولو شرط أن يكون الكحل من جهة المكري لا يجوز, وفيه وجه آخر يجوز لأن العادة جرت به ويشق على العليل تحصيل الدواء فجوز الرضاع ذكره القاضي الطبري. فرع آخر لو برأت العين مع انقضاء المدة استقرت الأجرة وإن تبرأ عند انقضاء المدة استقرت أيضًا وإن برأت قبل انقضاء المدة بطلت الإجارة فيما بقي من المدة وكان له من الأجرة ما مضي من المدة وحكي أصحابنا عن مالك أنه قال: إذا لم تبرأ لم تجب الأجرة وهذا غلط لأن العمل الذي عقد عليه الإجارة قد وجد وإن لم يحصل الغرض فوجبت الأجرة.

стр. 3364

فرع آخر لو اشترى منه الكحل واستأجره للعمل في عقدٍ واحدٍ من غير شرطٍ فهو بيعٍ وإجارة فيه قولان, وحكى عن مالك أنه يجوز وقال: أيضًا لو استأجره ليبني له حائطًا والآجر من عنده يجوز كما لو استأجره لصبغ ثوبٍ والصبغ من عنده وهذا غلط لأن الإجارة عقدٌ على منفعة وشرط العين فيه شرط عقد البيع فيصير في معنى بيعتين في بيع ولا يشبه مسألة الصبغ لأنه بيع العين والعمل فيه تسليم الصبغ لأنه مقدر به. فرع آخر يجوز استئجار المرأة للحضانة والرضاع لقوله تعالى: ﴿فَإنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦] ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك لأنه قد يكون الإنسان ولد فتموت أمه فيحتاج إلى مرضعةٍ ولا يجد من يتطوع به. فرع آخر لا يجوز إلا بأربع شروط أحدها أن تكون الأجرة معلومة في سائر الإجارات فإن استأجرها بطعمة بطنها وهي نفقتها وكسوتها [١٧٧/ أ] لا يجوز وبه قال أبو يوسف ومحمد, وقال أبو حنيفة: ذلك في الطير خاصةً استحسانًا, وقال مالك وأحمد: يجوز في كل أجير أن يستأجر بنفقته وكسوته ويكون له ما يكون لمثله من الوسط واحتجوا بأن عرض المنفعة يقوم العرف فيه مقام التسمية كمنفعة الزوجة وهذا غلط لأن هذا عوض في عقد فلا يجوز أن يكون مجهولاً كالثمن في البيع والدليل على أبي حنيفة أن ما لا يجوز أن يكون أجرة في غير الرضاع لا يجوز أن يكون أجرة في الرضاع كالدراهم المجهولة, والثاني: لابد أن يكون الطفل معلومًا وإنما يكون معلومًا وإنما يكون معلومًا بالمشاهدة لأن الرضاع يختلف به وذكر في"الحاوي" أنه لابد من معرفة سنه مشاهدةً أو خبرًا لاختلاف شربه باختلاف سنه, والثالث: أن تكون المنفعة معلومة وإنما تصير معلومة بالمدة لا غير فيستأجروها شهرًا أو شهرين أو أكثر ولا يمكن تقدير ذلك بالعمل, والرابع: يشترط موضع الرضاع في بيتها أو بيت والده لأنه يختلف الغرض بذلك ولو أطلق من الاشتغال بأمور منزلي والرجل يقول: أرضعيه في بيتي حتى أشرف على ذلك. فرع آخر لو استأجرها على أن يعطيها كان يومٍ رطلين من الخبز لا يجوز لأن الخبز لا يثبت في الذمة ويجوز بالحب في الذمة.

стр. 3365

فرع آخر ليس على المرضعة أن تأتي إلى الطفل بل يجب حمله إليها. فرع آخر لولي الطفل أن يمنعها من أكل ما يضر بلبنها, فإن كان الطفل لا يستمري لبنها لعلةٍ في اللبن كان عيبًا تفسخ به الإجارة. فرع آخر لو أجرت نفسها ثم تبين أنها ذات زوج له الفسخ فإن أجاز لا يمنع الزوج من وطئها. فرع آخر لو أجرت نفسها بإذن الزوج لم يكن له منعها بعد ذلك ولا يشغلها عن الرضاع إلا في الوقت الذي يستغني الصبي عن الرضاع فيه أو يكون نائمًا [١٧٧/ ب] ثم للزوج وطؤها وليس لها أن تمنعه نفسها ولا لأهل الصبي أن يمنعوا زوجها من ذلك مخافة الحبل وذهاب اللبن به, وقال لبعض أصحابنا بخراسان: يمنع من وطئها لأنه يؤدي إلى قطع اللبن كما يمنع الراهن من وطء المرهونة وهذا أقيس وبه قال مالك والأول ظاهر المذهب. فرع آخر لو أجرت نفسها ولم يكن لها زوج ثم تزوجت صح النكاح ولا تبطل الإجارة وليس للزوج مقال حتى تنقضي مدة الإجارة لأنه ملكها وهي مسلوبة المنفعة ولا يمنع من وطئها على ما ذكرنا لأن الوطء مستحق بالنكاح فلا يسقط لأمرٍ مشكوك فيه. فرع آخر لو أجرت نفسها ثم ذكرت أنها ذات زوج لم يقبل قولها في حق المكتري ولو نكحت مطلقًا ثم ذكرت بأنها أجرت نفسها للرضاع لم يقبل قولها في حق الزوج. فرع آخر لو كانت المرأة ذات زوج فأجرت نفسها لإرضاع مولود من غير إذن الزوج فالإجارة باطلة, وقال أبو حامد في"الجامع": وقد قيل: للزوج إبطال الإجارة وهذا يدل على أنه موقوف على فسخ الزوج ويصح المذهب الأول لأن الزوج يملك الاستمتاع بها كل وقت فلا يجوز التوقيت عليه وقيل: فيه وجهان أحدهما: ما ذكرنا, والثاني: يصح لأن العقد تناول محلاً غير المحل الذي تناوله عقد النكاح لأنه لا يملك خدمتها ولا إرضاعها وعلى هذا للزوج الخيار في فسخه لأنه يفوت به الاستمتاع في بعض الأوقات.

стр. 3366

فرع آخر إذا كان للمرأة من زوجها لم يكن عليها أن ترضعه وإنما مؤونته على أبيه وإن أرادت إرضاعه كان له منعها لأنه يمنع استمتاعه وإن أراد أن يستأجرها للإرضاع لا يجوز, وقال أحمد: يجوز لأن كل عقد يجوز أن يعقد مع غير الزوج فكذلك مع الزوج كالبيع وهذا غلط لأنه يستحق حبسها وأخذت منه عوضًا في مقابلة الاستمتاع وعوضًا آخر في مقابلة التمكين فلا يلزمه عوض الحر ولو بانت منه جاز له [١٧٨/ أ] أن يستأجرها لإرضاع ولده ولو تبرعت بالإرضاع لم يكن له منعها لأنه أحظ لولدها من ضرر يلحقه. فرع آخر لو سقت المرضعة الطفل من لبن غيرها وكانت معيبة لا أجرة لها, وقال أهل العراق: لها الأجرة وهذا غلط لأنها لم تأت ما هو المستحق بالعقد عليها. فرع آخر الأجرة تجب حيث تجب النفقة, فإن كان للطفل مال فالأجرة منه, وإن لم يكن له مال فعلى أبويه على ما يقتضيه الإنفاق عليه فإن تطوع الأب ببدل الأجرة وللطفل مال فقد أحسن. فرع آخر اختلف أصاحبنا فيما يتناول العقد على وجهين أحدهما: العقد واقع على اللبن والحضانة والخدمة تابعة بدليل أن الإنسان إنما يقصد باستئجار المرضعة لبنها, والثاني: وهو المذهب العقد واقع على الحضانة والخدمة واللبن تابع لأن عقد الإجارة على العين على أن تكون المنافع تابعة لا يجوز والعقد على المنفعة والعين تابعة يجوز مثل أن يستأجر دارًا يدخل ماء البئر في الإجارة تابعًا فإذا جاز الاستئجار هاهنا ثبت أن العين تابعة. فرع آخر قالوا: استأجرها للرضاع والحضانة معا يلزمها الأمران معًا ولو استأجرها للرضاع دون الحضانة أو للحضانة دون الرضاع لزم ما ذكراه ولو استأجرها للرضاع مطلقًا هل تلزم الحضانة والخدمة وهي الحفظ والتربية والتدهين والتكحيل وغسله وتنويمه وشده وغسل خرقه وجهان أحدهما: لا يلزمها غير الرضاع, والثاني: يلزمها الأمراض لأنه العرف وأصل الوجهين ما الذي تناول العقد فإن قلنا: تناول اللبن والحضانة تابعة تجبر عليها وإن قلنا بالوجه الآخر لا تجبر عليها واعلم أن الشافعي قال في "المختصر" في أول الباب: وقد تختلف الرضاع فلما لم توجد فيه إلا هذا جازت الإجارة أي: إذا صارت جملة العمل معلومة فلا معتبر بالتفصيل إذ لا يوقف على ما يشرب الصبي من اللبن وعلى عدد الرضعات وهذا يدل على أن [١٧٨/ ب] العقد يتناول الحضانة لا اللبن.

стр. 3367

فرع آخر لو استأجرها للحضانة, قال بعض أصحابنا بخراسان: لا يلزم الإرضاع وجهًا واحدًا, وقال بعضهم: يلزم الإرضاع وجهًا واحدًا والصحيح عندي أن هذا على وجهين أيضًا بناءً على ما ذكرنا من الوجهين أن اللبن تابعُ أو متبوع. فرع آخر لو مات من الجماعة واحدٌ نظر, فإن مات المكتري وهو الأب أو غيره فالإجارة بحالها وإن ماتت المكترأة وهي الظئر الإجارة فيما بقي من المدة وفيما مضى طريقان على ما ذكرنا, وكذلك لو جف ثدييها وإن مات الطفل فيه قولان المنصوص في الخلع وفي النفقات في"الأم" أنه يبطل العقد لأن المنفعة المعقود عليها فاتت لأن الولد الذي يرضع إرضاعه وغيره لا يقوم مقامه لأن شرب اللبن يختلف بالصبيان والمرأة قد تدر على ولدٍ ولا تدر على آخر فبطلت الإجارة وفيه قول مخرج لا تبطل الإجارة لأن المنفعة المعقود عليها باقية وإنما مات المستوفي فلا تبطل الإجارة كموت الراكب وهذا ضعيف فإذا قلنا بالمذهب فالحكم فيه كما لو ماتت الظئر وإذا قلنا: لا يبطل فالمكتري بالخيار بين أن يقيم غيره مقامه أو يدع فإن أقام غيره مقامه فلا كلام وإن لم يفعل أو اختلفا كان له فسخ العقد فإذا فسخ كان الحكم كما لو انفسخ وقد ذكرنا وإن مرضت الظئر نقص لبنها فلأهله فسخ الإجارة فإذا فسخ فالحكم كما لو انفسخ. فرع آخر للسيد أن يؤاجر الأمة القن أو المدبرة والمعتقة بصفةٍ وأم ولده للإرضاع وكذلك المأذون لها في التجارة نفسها بغير إذن سيدها لم يجز وله أن يجبر أمته وأم ولده على إرضاع ولده منها أو من غيرها. فرع آخر للمكاتبة أن تؤاجر نفسها للرضاع لأنه نوع من الاكتساب وكسبها لها وليس لسيدها الحكم عليها في ذلك. فرع آخر لو استأجر ملقحًا يلقح النخيل يجوز بشرط أن يكون [١٧٩/ أ] الكش وهو طلع الفحل من عند المكتري فإن شرط على الأجير ذلك بطل. فرع آخر لو استأجر رجلاً ليشتري له ثوبًا بعينه أو يبيعه صحت الإجارة لأن كل ما جاز العقد عليه إن كان مقدرًا بزمانٍ جاز العقد عليه إذا كان معلومًا في نفسه كركوب الدابة, وقال أبو حنيفة: لا يجوز ذلك لأن يتعذر عليه فأشبه ضراب الفحل وهذا غلط لما ذكرنا, ومن أصحابنا من قال: لا يجوز في الشراء ويجوز في البيع, والفرق أن البيع

стр. 3368

في العادة ممكن لأنه لا يعدم راغبًا فيه والشراء لا يكون إلا من واحدٍ وقد لا يمنع فلا يمكن تحصيل العمل ظاهرًا ولو استأجره ليشتري له شيئًا ولم يعينه جاز بلا خلاف. فرع آخر لو استأجر رجلاً ليخيط له ثوبًا بعينه في يومه بدرهمٍ قد ذكرنا أنه لا يجوز قال القاضي الطبري: هكذا قال أصحابنا ورأيت في "البويطي" بخلاف ذلك كما لو اكترى بناءً أو نجاراً أو خياطًا أو رجلاً يعمل بيديه فوقع الكراء على عمل بدنه في مال صاحب المال فلا تجوز الإجارة على أن يعمل له بعد الإجارة بيوم ولا يجوز له إلا أن يشترط عليه أن يعمل له ساعة استأجره أو تكون الإجارة على خياطة هذا الثوب أو بناء هذه الدار ولا يسمى متى يعمله فتجوز الإجارة وعليه أن يبدأ في عملة ساعة تمت الإجارة فإن شرط له عليه أن يأخذ في عمله وسمي الفراغ إلى أجلٍ يمكن أن يعمل مثله فلذلك أفضل وإن لم يسم الأجل فهو جائز ويعمل له طاقته حتى يفرغ منه وهذا نص بين على ذكر الأجل فيه أفضل إذا كان الأصل مما يمكن العمل فيه وأنهما إذا تركا الأجل كان جائزًا وهذا حسن وهو صحيح عندي. فرع آخر لو استأجروا على أن يخيط له قميصًا وشرط أنه إن خاطه روميًا وهو مثل خياطة الصوف درزين درزين فله درهمان وإن خاطه فارسيًا فله درهم لم يصح عقد الإجارة [١٧٩/ ب] استأجرتك لتحمل لي هذه الرزمة إلى دكان فلان بدرهم أو تخيط لي هذا القميص بدرهمين لا يجوز, وقال أبو حنيفة يجوز ذلك وهذا غلط لما ذكرنا. فرع آخر إذا استأجر دابةً شهرًا ليقضي عليها الحقوق ويشيع الموتى لا يجوز. فرع آخر لو استأجر شيئًا أول ليرده بالعشي لم يجز لأنه لا يعرف, وفيه وجه آخر أنه يجوز ويرده بعد الزوال. فرع آخر إذا حط الحمولة بالبلد المكتري إليه ثم قال: غلطت منزلي فاحملها إليه ليس له ذلك. فرع آخر إذا حط الحمولة بالبلد المكتري إليه ثم قال: غلطت منزلي فاحملها إليه ليس له ذلك. فرع آخر إذا أدخل المستأجر إلى الدار ما له إدخاله من بعير أو بقر فانكسر طابق الدار لا يضمن.

стр. 3369

فرع آخر إذا استأجر دارًا ليسكنها وحده فتزوج قال أبو ثورٍ: لا تسكنها معه وهو القياس ذكره الصميري. فرع آخر لو أبق العبد من يد الغاصب فاستأخر الغاصب المالك لطلبه بالأجرة فيه وجهان. فرع آخر إذا استأجر لخياطة ثوب فقال: إن خطته اليوم فلك درهم, وإن خطته غدًا فلك نصف درهم فالعقد فاسد, وإذا خاطه فله أجر مثله وبه قال مالك وزفر, وقال أبو حنيفة: الشرط الأول جائز, والثاني: فاسد, إن خاطه في اليوم الأول استحق درهمًا, وإن خاطه في اليوم الثاني فله أجرة مثله لا ينقص فيها عن نصف درهم ولا يزاد على درهم, قال أبو يوسف ومحمد: الشرطان جائزان وهذا غلط لأنه عقد واحد فإذا اختلف فيه العوض بالتأخير والتقديم كان فاسدًا كما لو قال: أجرتك هذا بدرهمٍ نسيئةً أو بنصف درهمٍ نقدًا. فرع آخر ولو اكترى مصحفًا ليقرأ فيه القرآن, أو دفترًا فيه الفقه أو اللغة أو الشعر مدةً معلومةً يصح عقد الإجارة عليها, وقال أبو حنيفة: لا يجوز لأنه ليس في ذلك أكثر من النظر إليه, ولا تجوز الإجارة على مثله كالنظر إلى التصاوير وهذا غلط لأن هذه منفعةٌ مباحة [١٨٠/ أ] مقصودة فجاز عقد الإجارة عليها وليس كالنظر إلى التصاوير لأنه ليس بمقصود, فإن كان شيئًا مقصودًا مباحًا جاز أن يؤاجر من الناظر إليها مثل الكتابة وصور الأشجار ذكره أصحابنا. فرع آخر تجوز إجارة الثياب للبس والبسط والفرش والستر وغير ذلك مما يفرش أو يلبس أو ينصب أو يتغطى به أو ينام فيه وعليه نص عليه. فرع آخر لو اكترى قميصًا يومًا إلى الليل ليلبسه فاتزر به كان ضامنًا, ولو تردى به فجعل كميه على كتفيه فيه وجهان أحدهما: لا يضمن لأن التردي أقل ضررًا من اللبس, والثاني: يضمن لأن العادة لم تجر بالتردي بالقميص فلم يتناوله العقد ذكره القاضي أبو حامد. فرع آخر قال: لو أن امرأة درعًا ثلاثة أيام لتلبسها لم يكن له أن تنام فيها ليلاً, ولها أن تنام فيها نهارا لأن العادة جرت بالنوم في الثياب بالنهار دون الليل, وقيل: إن نامت أكثر النهار فيها ضمنت لأنها خلاف العادة ويجوز أن تلبسها بالليل إلى وقت المبيت للعادة.

стр. 3370

فرع آخر قال: ولو استأجرت ثوبًا يومًا مثل يوم عيد ونحوه بكراءٍ معلومٍ فلم تخرج كانت الأجرة لازمة لها فإن ضاع منها الثوب الذي اكترته فلم تجده حتى تقضي اليوم فلا أجرة عليها إذا علم ضياع الثوب, فإن ادعت أن الثوب ضاع ولم تجده إلى وقت انقضاء الإجارة لم تقبل منها إلا بالبينة ولم يكن لها أن تلبسه بعد تقضي اليوم, وإذا وجدته فإن لبسته بعدما وجدته كانت ضامنةً وعليها كراء مثله. فرع آخر قال الشافعي: وتجوز إجارة الحلي والجواهر وسائر ما تلبسه النساء ذهبًا كان أو فضة أو لؤلؤًا منظومًا أو خرزًا, والحكم في ذلك كالحكم في سائر ما تستأجره, فإن كان الحلي ذهبًا فاكتراها بذهبٍ أو فضةٍ جاز لأنه لا ربا بين الذهب ومنافع الذهب, وفيه وجه آخر لا تجوز [١٨٠/ ب] بجنسها ولو غصب حليًا يجوز أن يضمن منفعتها بجنسه أيضًا. فرع آخر قال: ويجوز إجارة القدور والطسوس والأباريق وسائر الأعيان القائمة التي ينتفع بها مع بقائها إذا كانت معلومةٍ, واشترطت منفعةً معلومةٍ في مدةٍ معروفةٍ, وكذلك لا بأس بإجارة الرماح والقسي ولا تجوز إجارة النشاب. فرع آخر لو استأجر دراهم أو دنانير مدةً معلومةً فيه وجهان أحدهما: لا يجوز وهو المشهور من المذهب لأن المقصود منها الانتفاع بها بإتلاف عينها, والثاني: يجوز لأن الانتفاع المباح يمكن بها مع بقاء عينها وهو أن يضعها الصيرفي بين يديه يتجمل بها أو يعبر بها السنجة والأوزان وهذا اختيار القاضي الطبري, وقال أبو حامد: الصحيح الأول لأنه لا خلاف أنه لا يضمن منافعه بالغصب وما ذكره من التجمل يبطل بالطعام لا يجوز إجارته ويحصل به التجمل أيضًا. فرع آخر لو استأجر رجلاً ليحمل له خمرًا إلى داره, أو استأجر جملاً ليحملها فالإجارة فاسدة وبه قال أبو يوسف ومحمد, وقال أبو حنيفة: يجوز لأن الفعل لا يتعين عليه, ولو حمل مثلها خلاً جاز وهذا غلط لأنه استئجار لأمرٍ محرم فأشبه الاستئجار على الزنا. فرع آخر لو استأجر لينقلها للإراقة يجوز لأنه غير محرمٍ بل هو واجب.

стр. 3371

فرع آخر لو استأجر دارًا ليبيع فيها خمرًا كانت الإجارة فاسدة, وقال أبو حنيفة: يجوز ذلك من الذمي. فرع آخر إذا استأجر بيتًا ليتخذه بيت نار أو كنيسة لا يجوز وبه قال أبو يوسف ومحمد, وقال أبو حنيفة: لا بأس أن يؤاجر بيتًا في السواد ممن يتخذه بيت نارٍ أو كنيسة, ومن أصحابنا من قال: أراد أبو حنيفة إذا علم المؤجر ولم يشترطه فيرتفع الخلاف على هذا وهذا غلط [١٨١/ أ] لما ذكرنا. فرع آخر لو استأجر دارًا أو بيتًا ليتخذه مسجدًا يصلي فيه جاز وبه قال مالك, وقال أبو حنيفة: لا يجوز وهذا غلط لأنه فعل جائز فجاز الاستئجار له كالخياطة. فرع آخر يجوز أن يستأجر من يقتص له في النفس والطرف وبه قال مالك, وقال أبو حنيفة: لا تجوز الإجارة على قصاص النفس لأن عدد الضربات وموضع القطع مجهول وهذا غلط لأنه يجوز التوكيل في استيفائه فجاز عقد الإجارة عليه كقصاص الطرف, وأما ما ذكروا يبطل بخياطة الثوب فإن الغرزات مجهولة ويجوز ذلك. فرع آخر أجرة السياف على المقتص من طرفه كأجرة الكيال على من عليه لأنه لإيفاء الحق, وقال أبو حنيفة: تجب الأجرة على المقتص له. فرع آخر ذكرنا أن الأجرة الناقد على المستوفي لأنه استوفى حقه في الظاهر ويريد بالانتقاد رده عليه إن ظهر عيب, وإذا اشترى ثمرةً فأجرة الجداد على المشتري وفي إجارة الكلب ذكرنا وجهين والأصح جوازها لأن منفعة الكلب لا تتصف بالنجاسة والطهارة والعقد يقع عليها, وقيل: الأعيان ضربان حيوان, وغير حيوان وغير الحيوان ضربان أحدهما: ما يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه كالشمع والمطعومات فلا تجوز إجارته والحيوان على ضربين آدمي وغير آدمي, والآدمي تجوز إجارته فيؤاجر نفسه وولده ومماليكه من العبيد والإماء, وأما غير الآدمي فضربان مملوك وغيره فالمملوك على ثلاثة أضربٍ ضربٌ ينتفع بظهره فقط كالبغال والحمير تجوز إجارتها, وضربٌ ينتفع بدرها دون ظهرها كالأغنام لا تجوز إجارتها لأن منافعها أعيان اللهم إلا أن يستأجروها لتدوس [١٨١/ ب] الزرع أو الطين فتجوز, وضرب ينتفع بدره ونسله وظهره كالإبل والبقر فإن استأجرها لغير الأعيان جاز, وإن كان الانتفاع بالأعيان لا يجوز وتفصيل هذا يرجع إلى ما تقدم ذكره.

стр. 3372

فرع آخر لو استأجر شجرًا للاستظلال بها أو ليعلق به حبلاً يبسط عليه الثياب أو ليربط مواشي إليها وليبسط الثياب عليها قال أصحابها: يجوز, وقال في "الحاوي": إن كان هذا مقصودًا من منافعها غالبًا يصح, وإن كان نادرًا غير مقصود في العرف فيه وجهان كاستئجار الطعام لتعيير المكيال أو الدرهم للجمال وهذا خلاف ما ذكر أبو حامد في الطعام, ولو استأجر حبلاً ليعلق عليه الثياب جاز وجهًا واحدًا لأن هذا منفعة مقصودة فيه. فرع آخر لو قال: استأجرتك هذا اليوم بعينه لتبيع لي كذا وكذا أشياء بأعينها قال ابن القفال في "التهذيب": يحتمل أن يجوز ذلك لأن الأغلب إمكانه فإن تعذر البيع فيه كان له الأجر المسمى لأنه شغله عن منافع نفسه وبذل له العوض ويحتمل أن يقال: لا أجرة له لأن العمل لم يحصل, وقال القاضي الطبري: هذا يصح على ما نص عليه في "البويطي" أن العمل إذا كان معلومًا جاز تقديره بمدة وكان أفضل من السكوت عنه. فرع آخر قال في "الدعوى والبينات": لو استأجره لنقر جيفة من المزبلة وجعل أجرة نقلها جلدها ولم يجز لأنه نجس العين فلا يجوز أن تجعل أجرة لأنه مجهول لأنه لم يسلخ, ولو استأجره لسلخ شاه مدبوحة على أن جلدها له لم يجز لأنه مجهول, ولو سلخ جلد الميتة ثم استأجر من يحملها بجادها لم يجز لأنه جلد ميتة, ولو كان مذبوحًا والجلد مسلوخ فاستأجره لنقلها بجلدها جاز حينئذ لأنه طاهر معلوم, ولو رافعه إلى الحاكم, فإن كان قبل أن يعمل العمل فلا شيء له, وإن كان عمل له أجر المثل لأنه عمل بشرط عوضٍ لم يسلم له, وإن كان الأجير سلخ رده إليه لأنه [١٨٢/ أ] وإن كان ميتةً تقر يده عليه وله استصلاحه. فرع آخر لو استأجر دابةً من آمل إلى جرجان بدراهم مطلقة كانت الدراهم من نقد آمل, وقال أبو حنيفة: يلزمه من نقد جرجان وهذا غلط لأن الاعتبار بموضع العقد دون غيره. فرع آخر لو استأجر لضرب اللبن ليس عليه غير الضرب, وقال أبو حنيفة: عليه إقامة اللبن حتى تجف وهذا غلط لأنه لم يصرح به في عقد الإجارة فلا يلزمه. فرع آخر لو استأجره لحفر قبرٍ ليس عليه التراب إلى القبر بعد وضع الميت فيه, وقال أبو حنيفة: يلزمه ذلك.

стр. 3373

فرع آخر لو استأجره لشيء اللبن فليس عليه إلا الشيء وليس عليه إخراج الآجر من الأتون خلافًا لأبي حنيفة. فرع آخر لو استأجر دابة من بغداد إلى البصرة فإذا بلغ عمران البصرة له استرداد الدابة ووضع الأحمال, وقال أبو حنيفة: عليه أن يأتي بالحمل إلى دار المكتري, وقال: لو نول في موضعٍ من البلد ثم قال: أخطأت منزلي في غيره لم يكن له أن يركبها إلى منزله وهذا غلط, لأنه لو كان ذلك حقًا له لو لم ينزل لكان حقًا له وإن نزل, وقال في "الحاوي": ولو كان البلد الذي ركب إليه صغيرًا تتقارب أقطاره له أن يسير عليها إلى منزله كما لو نزل في طريقه منزلاً جاز أن ينزل حيث شاء من أول المنزل وآخره. فرع آخر لو دفع إلى حائك غزلاً على أن ينسجه عشرة أذرع في عرض أربعةٍ فجاء به دون ذرعه أو عرضه استحق حصته من المسمى, وإن جاء به أطول لم يستحق الزيادة, وقال محمد: إن جاء به أطول أو أقصر كان صاحب الثوب بالخيار بين أن يطالبه بمثل غزله ويدفع إليه الثوب, وبين أن يدفع إليه حسابه من الأجرة لأنه لم يحصل غرضه فصار كأنه أتلفه عليه وهذا غلط لأنه استأجره ليعمل له عملاً فعمل بعضه فيستحق بقدره من الأجرة كما لو استأجره ليضرب [١٨٢/ ب] له ألف آجر فضرب بعضه. فرع آخر لو دفع ثوبه إلى غسال فقال له: اغسله حتى أحاسبك أقاطعك أو آتي بكلام يدل على الأجرة كان للغسال أجر مثله إذا غسل, ولو ألقى إليها لثوب وقال: اغسل هذا ولم يقل شيئًا آخر فغسله لم تكن له الأجرة ذكره أبو حامد في "الجامع" نصًا, وكذلك لو قال للجمال: احملني على بعيرك, أو قال للحمال: احمل هذا الطعام إلى منزلي, أو قال للخياط: خط ثوبي هذا فحمل أو خاط لا أجرة له, والغسال ومن ليس بغسالٍ والحمال ومن ليس بحمالٍ في ذلك سواء قال: وقد قيل فيه وجه آخر أنه إن كان معروفًا بالعمل بالأجرة تلزمه الأجرة, وإن لم يكن معروفًا بذلك لا تلزمه الأجرة لأنه إذا كان معروفًا بذلك فالظاهر يدل على العوض وبه أفتي, وذكر المزني في "الجامع الكبير" أنه يستحق الأجرة لأنه أتلف منفعته بأمره, وقال أبو إسحاق: لو بدأ الغسال فقال: أغسل ثوبك فأعطني فأعطاه لا يستحق الأجرة, ولو بدأ صاحب الثوب فقال: اغسل ثوبي يستحق الأجرة لأنه إذا دفع إليه فهو المتلف لمنافعه وإذا أخذ هو رضي بإتلاف منافع نفسه وهذا كله غير صحيح والمذهب الأول وهو اختيار ابن سريج والإصطخري وعامة أصحابنا ووجهه أن المنافع أضعف حالاً من الأعيان, ثم لو أتلف على غيره عينًا من أعيان ماله بإذنه لا يلزمه العوض وهو إذا قال للخباز: أطعمني هذا فأطعمه ولم

стр. 3374

يذكر ما يدل على العوض فلأن لا يلزمه عوض المنافع هاهنا أولى ولأنه لو قال: أسكني دارك شهرًا فأسكنه لا يستحق الأجرة بالإجماع وما ذكروه يبطل بالأعيان وهكذا الخلاف لو دفع إلى صباغ ثوبًا ليصبغه أو أمره بالبناء أو التجارة ولم يذكر الأجرة. فرع آخر إذا قلنا: لا أجرة له عند الإطلاق فادعى الأجرة فالقول قول رب الثوب, كما لو قدم إلى رجل طعامًا فقال: كل فلما أكل قال: إنما أذنت لك في الأكل [١٨٣/ أ] يعوض فالقول قول الآكل, فإن قيل: أليس لو دفع إلى رجل عينًا وسكت فقال المدفوع إليه: وهبتها مني وأنكر الدافع كان القول قول الدافع ويلزمه ضمان العين إن لم يردها فقالوا في المنافع إذا لم تؤخذ منه الهبة يضمنها قلنا: الفرق أن دفع العين لا يتضمن إتلافها وقصارة الثوب تتضمن إتلاف العمل فيه فلهذا لم يضمنها. فرع آخر قال: وكراء الحمامات جائز, ولا يجوز حتى ينظر إلى الأشياء المقصودة التي تختلف المنافع باختلافها وهي سبعة أشياء البيوت والقدر والأتون ومطرح الرماد ومبسط الزبل والقماش والحطب والبئر والجنئة وجمعها جئات وهي موضع مستنقع ماء الحمام فإن أخذ برؤية شيء منها كانت الإجارة فاسدة كما نقول في البيع: لابد من مشاهدة هذه المواضع وهذا لأن الأغراض تختلف بكبر هذه المواضع وصغرها وسعتها وضيقها. فرع آخر كل ما كان للتمكين من الانتفاع فعلى المكري كالقير والجص والجامات والحوض والصاروج والأبواب والمفاتيح. وكل ما كان لاستيفاء المنافع كالدلو والحبل والبكرة والقصاع التي في الحمام والوقود فعلى المكتري, وأما التحسين والتزيين لا يجب على واحدٍ منهما كما نقول في الدار سواء فإن شاء المكتري فعل, وإن شاء ترك. فرع آخر تنقية الآبار والجئة على المكتري إلا أن تكون الآبار والجئة مملوءة حين اكترى فيكون ذلك على المكري لأنه من جملة التمكين من الانتفاع, وقال أبو حنيفة: القياس هذا ولكن الاستحسان أن يكون على المكري لأنها عادة الناس ذلك وهذا غلط لأنه حصل بفعل المكتري فكان تنظيفه عليه كما لو طرح فيها قماشًا, قال أبو حامد: وقد قال الشافعي في المساقاة: تنقية الأنهار وإصلاح طريق الماء على العامل فكذلك هاهنا يلزم على المكتري قال: ولا خلاف [١٨٣/ ب] بين أصحابنا أنه إذا اكترى دارًا فتنقية البالوعة والوحش على المكتري كذلك هذا, ومن أصحابنا من قال: كسح لأن والجئة في الحمام على المكتري أبدًا ذكره أبو حامد في "الجامع" وهو المذهب لأن التمكين من الانتفاع به لا يكون إلا به وفي المساقاة تنقية الأنهار على رب النخل أيضًا وإنما تنقية الآبار التي على حوالي النخل على العامل ولا يشبه الحش في الدار لأن

стр. 3375

معظم انتفاع الدار لا يكون به بخلاف الحمام, وقال بعض أصحابنا بخراسان: في الدار والحمام وجهان أحدهما: على رب الدار والحمام لأنه من تمام التمكين وبه أفتي, والثاني: أنه على المكتري. فرع آخر إذا انقضت مدة الإجارة لا يجب على المكتري تنظيف البالوعة حتى يردها كما تسلمها ويلزمه نقل الكناسة والتراب الذي ألقاه, وهكذا في الحمام لا يجب عليه تنظيف مستنقع الماء عند الرد. فرع آخر لو شرط على المستأجر عمارته أو مرمته أو تطيين سطوحه أو تنقية بئره كانت الإجارة فاسدة, ولو أنفق يلزم المكري بإذنه بشرط العوض, ولو اختلفا في قدره قال القاضي الطبري: القول قول المنفق لأنه أمينه على ذلك, ومن أصحابنا من قال: لا يجعل القول قوله لأنه لم يأتمنه وإنما شرط أن تكون النفقة عليه وذلك لا يقتضي الأمانة. فرع آخر قال في كتاب "الدعوى والبينات": لو أكراه دارًا سنةً بعشرين دينارًا على أن ما يحتاج إلى عمارتها أنفق المكتري من الأجرة وأقاما على العقد حتى مضت المدة فعلى المكتري أجر المثل والقول قوله فيما أنفق مع يمينه ما لم تبلغ النفقة عشرين دينارًا, فإن تلف عشرين فعليه ضمان ما لم يأذن له فيه وهو ما تمت به العشرون لأنه ما أذن له به وعلى هذا عقد إجارة صحيحة من غير شرطٍ ثم أذن له في الإنفاق ليحتسب له بذلك من الأجرة ثم اختلفا في القدر [١٨٤/ أ] القول قوله في القدر لأنه إذا جعله الشافعي أمينًا في الإجارة الفاسدة فلأن يجعل أمينًا في الإجارة الصحيحة أولى, وقال بعض أصحابنا بخراسان فيه قول آخر القول قول المالك لأن الأصل براءة الذمة. فرع آخر لو اشترط في عقد الإجارة دراهم يأخذها منه عند العقد سلفًا لتكون محبوسة عليه إلى آخر مدة الإجارة كانت فاسدة, وهكذا لو اشترط على المستأجر تسويده بالقير أو تبييضه بالنورة كانت فاسدة. فرع آخر لو انهدم الحمام انفسخت الإجارة وليس له أن يقول: أعيده كما كان لأنه يكون حمامًا آخر. فرع آخر لو اشترط رب الحمام على المستأجر أن لا يكون لدخوله الأجرة ولا لدخول غلمانه كانت الإجارة فاسدة.

стр. 3376

فرع آخر لو تعطل واحتاج إلى العمارة شهرًا ونحو ذلك لا يصح أن يشترط العطلة على المالك وعلى المكتري, فإن فعل ذلك فسدت الإجارة للجهل بمدة العطلة, وإن كان العقد مطلقًا كان كالعيب يحدث فيه فالمكتري بالخيار بين أن يقيم على العقد بكل الأجرة, أو يفسخ لأن المنفعة لم تتعذر جملةً بل نقصت. فرع آخر أو استأجر حمامًا فقل دخول الناس فيه, فإن كان لأمرٍ يعود إلى المؤجر من شعثه فعلى المؤجر إصلاحه فإن بادر إلى عمارته فلا خيار للمستأجر, وإن لم يبادر إلى عمارته فله الخيار, وإن كان لأمرٍ يعود إلى المستأجر من قلة الحطب ونحوه فلا خيار له, وإن كان لأمرٍ لا ينسب إلى واحدٍ منهما, فان كان لمانعٍ منه بفتنة حادثة أو لخراب الناحية فهذا عيب للمستأجر الخيار, وإن كانت فتنة يسيرة جرت بها العادة لا خيار, وإن كان لرغبة عنه بحدوث ما هو أعمر منه لا يكون عيبًا ولا خيار للمستأجر. فرع آخر لو نزل رجل في سفينة ملاح بغير إذنه فحمله فيها إلى بلدٍ له أجر مثله لأن الراكب صار مستهلكًا لمنفعة موضعه من السفينة على مالكها, ولو نزل فيها بإذنه [١٨٤/ ب] من غير ذكر الأجرة فهو كمسألة القصار وهكذا لو دخل حمامًا بالإذن من غير دليل الأجرة, وهكذا لو أخذ من سقاءٍ ماءً, فإن كان من غير طلب منه فعليه ثمنه, وإن كان بالطلب فعلى الاختلاف. فرع آخر قال الشافعي: ولا يجوز أن يكون أجيرًا على شيء وهو شريك فيه مثل أن يقول: اطحن هذه الحنطة لي ولك ربعا والمعنى الواضح في إبطاله أن الدقيق الذي يحصل من حنطةٍ بعينها بعد طحنها مجهول فكأنه استأجره على أن أجرته ربع دقيق مجهول وذلك لا يجوز, وكذلك قو قال: على أن النخالة لك لا يجوز, وكذلك لا يجوز أن يقول: انسج لي من هذا الغزل ثوبًا على أن لك ربعه شائعًا لا يجوز. فرع آخر لو استأجره للخدمة مطلقًا قال الشافعي: لا يجوز حتى يبين الجهة أن خياطة أو ماذا, وقيل: يجوز ويدخل فيه غسل الثوب والخياطة والخبز وتعليف الدواب وحمل الماء للشرب والطهارة وخدمة الزوجة وحلب المواشي, وقيل: تعليف الدواب وحلبها وخدمة الزوجة لا تدخل إلا بالشرط وهو اختيار شيوخنا بنيسابور. فرع آخر لو استأجر طحانًا لطحن تسعة أقفزة بالقفيز العاشر منها لأنه حصل تسعة أعشاره معقودًا عليه وعشرة معقودًا به.

стр. 3377

فرع آخر قال في "البويطي": ومن اكترى ظهرًا في بلدٍ يحمل له طعامًا فذهب فوجد الطعام قد ضاع فالكراء لازم له ويكريها من شاء على مثل حمولته, فإن لم يفعل حتى ذهب الوقت الذي لو حمله فيه يرجع إلى بلده لزمه كل الكراء لأنه قابض لها. فرع آخر قال: ولو تكارى ظهرًا وجهها إلى بلدٍ تحمل له طعامًا وليس معها وكيله فلم يجد الطعام فعلى صاحب الظهر أن يأتي الوالي فيخبره حتى يطلب له الكراء, فإن لم يصب السلطان فرجع [١٨٥/ أ] فليس له في الرجوع شيء وله حصة الذهاب فارغة. فرع آخر قال ابن القاص: قال الشافعي: ولا يجوز أن يشتري لبنًا على أن يسلمه إليه مطبوخًا قال ابن القاص: وهكذا لا يجوز أن يدفع خفًا إلى إسكافٍ على أن ينعله بدرهم والنعل من عند الإسكاف إلا أن يقدر لثمن النعل وللأجرة شيئًا فيجعله عقدين, وهكذا نعل الدواب وهكذا لو دفع جبةً إلى ندافٍ بأجرة معلومة والقطن من عنده قال ابن القاص: وفيه قول آخر إن ذلك جائز وذلك أن الشافعي قال: ولو كاتب عبده على أن يبني له بيتًا والعمارة من عند العبد كان جائزًا إذا سمى الطوب والأحجار ومنتهى البنيان, قال أبو عبد الله الختن في "الرشح": في جميع هذه المسائل مع مسألة الكتابة قولان أحدهما: لا يجوز لأنه في معنى ما نهى النبي ﷺ عنه من بيعتين في بيعةٍ ولأن قسط كل واحدٍ من العقدين من العوض مجهول فلا يجوز, والثاني: يجوز لأن جملة العوض معلومة كما يجوز شراء الأعيان المختلفة بثمن واحد, وإن لم يعلم قسط كل عين من الثمن قال ابن القاص: إلا في الرضاع فإنه يجوز الجمع فيه بين اللبن والكفالة قولاً واحدًا, وكذلك نص الشافعي أنه يجوز أن يدفع ثوبًا إلى صباغٍ ليصبغه بصبغه, قال ابن القاص: ويجوز أن يدفع المصحف إلى الوراق ليكتبه بحبره قلته تخريجًا, وذلك إنما جاز للحاجة إليه لأن إفراد اللبن بالعقد لا يجوز لأنه مجهول مجوز على طريقة التبع لغيره, وكذلك مقدار الصبغ الذي يحتاج إليه والحبر الذي يكتب به مجهول المقدار فجرى فيه العفو والمسامحة. فرع آخر إذا استأجر بعيرًا عقبةً جاز نص عليه في "الأم" وذلك أن يركب زمانًا ويمشي زمانًا بقدره وإنما كان كذلك لأنه يجوز أن يكترى البهيمة ليركبها جميع المسافة فجاز أن يكريها ليركبها بعضها [١٨٥/ ب] ولأنه يكون بمنزلة ما اكترى نصف البهيمة وذلك جائز, فإذا ثبت هذا فإنه يركب ويمشي على حسب العادة, فإن كانت العادة تقدير ذلك بالزمان كأنه يركب ليلاً ويمشي نهارًا عمل على ذلك, وإن كانت العادة تقديره بالمسافة كأنه يركب فرسخًا ويمشي فرسخًا عمل على ذلك فإن طلب أن يركب ثلاثة أيام ويمشي

стр. 3378

ثلاثة أيام قال الشافعي: لم يكن له ذلك يضر بالبعير لاتصال الركوب عليه, وكذلك إن طلبه صاحبه للبعير لم يكن له ذلك يضر بالراكب لاتصال الركوب عليه, وكذلك المشي عليه وأما زمان العلف وزمان النزول للاستراحة لا يحسب من ذاك لأن هذا ليس بزمان الركوب, وإن طالبا أن يركب يومًا وليلةً وينزل يومًا وليلة أجيب إلى ذلك, ولو اكترى دارًا للسكنى هكذا يجوز أن يسكن ثلاثة أيام ويفرغ ثلاثة أيام لأن العقار لا يستضر به, ولو اكترى اثنان بعيرًا ليتعاقبا عليه يجوز أيضًا. وقال المزني: لا يجوز لأن الذي يركب بعد الأول لا يتصل انتفاعه بالعقد وهذا يبطل عقد الإجارة وهذا غلط لأنهما إذا اكتريا ملكا جميعًا منافع الركوب بينهما, ألا ترى أنهما لو اكتريا البعير من واحدٍ جميعًا صح فثبت أنهما ملكا المنافع على وجه الإشاعة إلا أنه لا يمكنهما أن يستوفيا جميعًا فيتقدم أحدهما: على الآخر وذلك لا يقدح في العقد, ألا ترى أنهما لو اشتريا طعامًا من صبرةٍ فإن أحدهما: يقبض قبل الآخر ولا يكون ذلك تأخير التسليم, فإذا ثبت هذا فإن اتفقا على أن يبدأ أحدهما: ركب, وإن اختلفا أقرعنا بينهما لتساوي حقهما, وقال ابن القاص: يجوز اكتراء الحمولة للركوب معينة ومضمونة في الذمة إلا للعقب فإنه لا يجوز إلا مضمونة الذمة وقد ذكره المزني في "الجامع الكبير" تخريجًا على قياس المذهب وهذا اختيار القاضي الطبري لأنه إن اكتراه [١٨٦/ أ] رجلان لا يمكن تسليمه إلا إلى أحدهما وتسليمه إلى الآخر غير ممكن فلا يصح, وإن اكتراه واحدٌ عقبة شرط قطع التسليم في معقود عليه معين وذلك لا يجوز وهذا المعنى موجود أيضًا في اكتراء الاثنين فلم يجز إلا مضمونًا في الذمة وهذا ظاهر صحيح عندي, وقال القفال: يجوز إذا لم يكن الجمل معينًا ويمكن أن يكتري معينًا أيضًا بأن يكترياها معًا من صاحبها من غير شرط العقب ثم يهيئانها بينهما فيركبها هذا يومًا وهذا يومًا وهذا عندي إذا أمكن أن يركبا معًا, فإن لم يكن هكذا فلا يجوز كراءهما للركوب معًا. فرع آخر لو دفع رجلٌ إلى سقاء قطعة وأخذ الكوز وشرب منه الماء فوقع الكوز من يده وانكسر يلزمه الضمان لأنه لا يلزمه تسليم الماء في موز نفسه, فإذا أعطاه قائمًا فإنما هو بمنزلة العارية يكون مضمونًا عليه هكذا ذكره القاضي الطبري ويحتمل عندي وجهًا آخر أنه لا يضمن لأن القطعة إنما تجب بدفع عوضًا عن الماء ومنفعة تلك الآنية أيضًا, ولكن إن كان وقوع الكوز بتفريطٍ من جهته مثل دسمٍ كان في يده أو ضعفٍ استمساكه ضمن, وإن كان بصدم إنسانٍ أو بعارضٍ عرض من هدمٍ أو غلبة ريح أو علة اعترضت لا يضمن والله أعلم. فرع آخر قال المزني في "المنثور": لو اشترى رجلٌ بيتًا من صاحب الحانوت ودفع المشتري

стр. 3379

إلى البائع الإناء ليصب فيه فوقع الإناء من يد البائع ساهيًا عير متعمد لا ضمان عليه لأنه أباح له الصب فيه فهو بمنزلة وكيله قال: ولو وضعه إلى جانبه فنام فسقط عليه فانكسر ضمن لأنه أتلفه بسقوطه عليه, وعندي لو كان سقوطه بتفريطٍ منه على ما ذكرت يضمن أيضًا. فرع آخر قال ابن الحداد: لو اكترى منه دواب على أن تحمل له خمسة أعبد من بلد إلى بلد فمات اثنان منهم وحمل الثلاثة الباقين فليس له إلا ثلاثة أخماس الكراء. فرع آخر قال: ولو أن رجلاً آجر أرضًا له من رجلٍ على أن يبني المستأجر فيها بناءً معلومًا فبني ثم حبسها يعني وقفها كان الحبس جائزًا, وقيل للباني: اقلعه إلى حيث شئت وسلم الأرض [١٨٦/ ب] لأن الأرض صارت غير مملوكة لا يجوز بيعها وإنما يجعل له قيمة البناء إذا كانت الأرض مما يجوز بيعها وعندي قبل مضي مدة الإجارة لا يطالب بالقلع وبعد انقضاء المدة إن شرط عليه قلعه يلزمه القلع, وإن لم يكن شرط عليه القلع يدفع المتولي قيمة العمارة إن رأى فيه الحظ لأن الوقف ورد بعد استحقاق البناء فيها. فرع آخر يجوز استئجار الرجل ولده للخدمة خلافًا لأبي حنيفة ووافقنا أنه يجوز لغير الخدمة. فرع آخر لو كان بينهما حنطة مشتركة فاستأجر أحدهما: صاحبه ليطحنها جاز خلافًا لأبي حنيفة على أنه لو استأجر جوالقًا ليجعل فيها حنطة مشتركة جاز. فرع آخر لو استأجر إلى مكة بعيرًا لم يكن له أن يحج له أن يحج عليه إذا وصل إليها, ولو استأجره ليحج عليه كان له أن يركبه إلى منى ثم إلى عرفة إلى المزدلفة ثم إلى منى إلى مكة لطواف الإفاضة, وهل له أن يركبه من مكة عائدًا إلى منى ليبيت بها ويرمي أم لا؟ فيه وجهان, أحدهما: له ذلك لأنه من بقايا الحج, والثاني: ليس له ذلك لإحلاله من الحج. فرع آخر لو تعادل رجلان على بعيرٍ استأجراه فارتدف معهما ثالث ركب بغير أمرهما لزمه أجرة المثل لمالكه ولزمه ضمان البعير إن تلف وفيه ثلاثة أوجه أحدهما: النصف اعتبارًا بجنس الإباحة والحظر, والثاني: الثلث اعتبارًا بأعدادهم دون وزنهم وبه قال أبو حنيفة لأن الرجال لا يوزنون. والثالث: يقدر ثقله من ثقل الثلاثة تقسيطًا على وزنهم؛ لأن الرجال لا يوزنون فيما لا يعتبر فيه الثقل والخفة والحمل مما يعتبر ذلك لتقسيط الأجرة عليه لجاز أن يوزنوا وإن كانوا رجالاً.

стр. 3380

فرع آخر لو كان الراكبان أذنا للرديف أن يركب معهما ضمنوا جميعًا البعير إن تلف ورب البعير بالخيار في الرجوع على أيهم شاء فإن رجع على الرديف رجع بما ذكرنا من الأوجه، وإن رجع على أحد الراكبين، فإن كان البعير مع [١٨٧/ أ] الجمال ففي قدر ما يضمنه ثلاثة أوجه كالرديف ويرجع بها الغارم على الرديف بعد غرمها، وإن كان البعير معهما دون الجمال ضمنا جميع قيمتها ولم يرجع الغارم منهما على الرديف بعد غرمها إلا بقدر ما كان يلزم الرديف منها على الأوجه الثلاثة. باب تضمين الأُجراء مسألة: قال: "الأجراءُ كلهم سواءٌ". الفصل وهذا كما قال: الأجير هو المستأجر للعمل على مال الغير كالصانع والصائغ والحائك والقصار والخياط والنجار والخباز والراعي والرائض والمؤدب يسلم إليه العبيد، فإذا استؤجر واحد منهم لشيء مما ذكرنا لم يخل من أحد أمرين إما أن تكون يد المكتري على ملكه أو لا تكون له عليه يد، فإن كانت يده على ملكه وهو أن يكون صاحبه معه فيعمله بحضرته أو حمل الصانع إلى بيته ليعمل فيه أو استأجره ليرعى ماشيته في ملكه ولا يخرجها منه فلا ضمان عليه قولًا واحدًا لأن الشيء في يد صاحبه نص عليه في "الإملاء" قال ابن سريج: وهذا في الحقيقة استعانة به فإن تعدى في شيء منها يلزمه الضمان بالتعدي والجناية، وإن لم تكن يد مالكه عليه وهو العادة فسلم إليه ملكه حتى تثبت يده عليه هل يلزمه ضمانه؟ قولان: أحدهما: لا ضمان عليه وهو اختيار المزني وبه قال عطاء وطاوس وزفر وأحمد وإسحاق لأنه قبض الشيء لمنفعة نفسه ومنفعة مالكه فلا يضمن إلا بالتعدي كالعامل في القراض وكالمرتهن. والثاني: يلزمه الضمان وقبضه قبض ضمان وبه قال مالك وابن أبي ليلى، وروي عن عمر وعليّ ﵄ قال الشافعي: كان عليّ ﵁ يضمن الأجراء ويقول: لا يصلح الناس إلا هذا ووجهه أنه قبض الشيء لمنفعته من غير استحقاق فيضمنه بالقبض كالمستعير. ومن أصحابنا من قال قولًا واحدًا لا ضمان عليه إلا بالتعدي لأن الربيع قال: كان اعتقاد الشافعي أنه لا ضمان عليهم ولكنه كان لا يبوح به مخافة أجراء [١٨٧/ ب] السوء وكذلك كان عنده أن الحاكم يحكم بعلمه ولكنه كان لا يبوح به مخافة قضاة السوء أو مخافة فساد القضاة والقول الآخر حكاية مذهب الغير وقد به تزييف قول من

стр. 3381

يفصل بين أن يتلف بعمله الذي لم يتعدّ فيه أو دون عمله. وروى الحارث أن الشافعي سلم بمصر ثيابًا مرتفعةً إلى قصارٍ فاحترق دكان القصار واحترقت الثياب فتشفع القصار إليه بقومٍ في الصبر عليه إلى أجلٍ فقال: لا أضمنه شيئًا لأنه لم يصح عندي أن الصنَّاع يلزمهم الضمان هذا إذا كان الأجير مشتركًا وهو يعمل له ولغيره يكون مشتركًا بين الناس كلهم. فأما الأجير المنفرد وهو إذا استأجر رجلًا شهرًا ليعمل له عملًا فمنفعته في هذه المدة صارت مستحقة لهذا المستأجر وليس له أن يعمل فيها لغيره، قال في "الإفصاح": فيه قولان أيضًا ولا فرق بين الأجير المشترك والمنفرد، لأن الشافعي قال: والأجراء كلهم سواء. ومن أصحابنا من قال: لا ضمان على الأجير المنفرج قولًا واحدًا وهذا اختيار ابن أبي أحمد لأن منفعته صارت مملوكة للمستأجر، فإذا سلم ثوبه إليه فهو في الحكم في يده وقبضه وكان بمنزلة ما لو حمل الصانع إلى بيته والطريقة الأولى أصح، وقال في "الحاوي": الخياط الذي يعمل في دكان نفسه لرجلٍ واحدٍ ولا يعمل لغيره ومستأجره غائب عنه قال أبو إسحاق: وهو مذهب البصريين هو في حكم الأجير المنفرد لاختصاصه بمستأجر واحد. وقال ابن أبي هريرة: وهو مذهب البغداديين هو في حكم الأجير المشترك لاختصاصه باليد والتصرف دون المستأجر وقيل: صورة المشترك أن يستأجره ليعمل له شيئًا، وقال له: اعمل فيه في أي موضع شئت فجعله شريكًا في الرأي والتدبير. والمنفرد أن يقول له: اعمل في هذا الموضع ولا تعمل في غيره، والصحيح في صورة المشترك والمنفرد ما ذكرنا أولًا، وقال أبو يوسف ومحمد: إن تلف بأمر ظاهرٍ كالحريق [١٨٨/ أ] والنهب لا ضمان، وإن تلف بغير ذلك ضمن. وقال أبو حنيفة: إن تلف بفعله ضمن وإن دقَّ دقّ مثله ولم يتعدَّ إذا كان مشتركًا، وإن كان منفردًا لا يضمن وإن تلف بغير فعله لا ضمان أصلًا وهذا غلط لأن الضمان بالخرق عند الدق، وإن كان بالتعدي فلا فرق فيه بين المنفرد وغيره، وإن لم يكن بالتعدي فيجب أن يضمنا أيضًا، وإن كان بالتلف من غير التعدي فعلهما وعندنا إذا لم يبالغ في غسل الثوب ودقّة مبالغة تؤدي إلى حرقه أو خرقه لا يضمن. واحتج المزني على اختياره بثلاثة أشياء. أحدها: قال: قطع الشافعي بأن لا ضمان على الحجام يأمره الرجل أن يحجمه أو يختن غلامه أو يبيطر دابته. والثاني: قال: وما علمت أحدًا ضمن الراعي المنفرد بالرعي. والثالث: قال: قال الشافعي: لو اكترى رجلًا ليحفظ متاعه في دكانه فاحترق المتاع لا ضمان عليه. قال: فإذا ألقوا عن هؤلاء الضمان لزمهم إلقاؤه عن الصناع يعني بذلك

стр. 3382

أن الضمان إذا كان ساقطًا عن الأجير المشاهد والأجير المنفرد فكذلك يجب أن يكون الضمان ساقطًا عن الأجير المشترك قال أصحابنا: لا فرق بين هذه المسائل وبين ما ذكرناه من مسألة القولين، وإنما قال الشافعي: لا ضمان على هؤلاء لأن الغالب أن الغلام يُختن في يد صاحبه وبيته ويحجم هكذا، وكذلك البيطار يبيطر في بيته أو في يده وصاحبها يكون معها فأما إذا أخذ الغلام أو الدابة وانفرد بهما فالمسألة على قولين أيضًا، وأما الأجير الذي في حانوته يحفظ متاعه فهو في ملكه والمتاع في يد صاحبه، وأما الراعي إن كان يرعى لا في ملكه فقولان أيضًا فلا ينتفع المزني بما أورده، وإن كان الصحيح ما اختار من القولين ثم قال الشافعي: ما أعلم أني سألت أحدًا منهم ففرق بينهما وهذا يوهم أن الفقهاء لم يفصلوا بين المنفرد والمشترك وليس كذلك فإن أهل العراق يفصلون بين هذين الأجيرين وإنما أراد الشافعي بذلك فرق المعنى لا فرق المذهب أي: ما سألت أحدًا منهم عن الفرق بين الأجير [١٨٨/ ب] المنفرد، وبين الأجير المشترك إلا عجز عن الفرق. فرع إذا قلنا بالقول الضعيف كيف يضمن؟ وجهان أحدهما: يضمن أكثر التركات ما كانت قيمته من حين قبض إلى حين أن تلف كالمغضوب وهذا اختيار أبي حامد، والثاني: يضمن قيمته يوم التلف ولا يضمن الزيادة الحادثة في يده لأن الشيء كان في يده بإذن صاحبه ولم يكن مأمورًا برده عليه في كل حالٍ قال القاضي الطبري: ويجب أن يكون ضمانه ضمان المأخوذ سومًا إذا تلف عنده على هذا الوجه. وأما نقصان الجزء من يوم قبض مضمون عليه بلا إشكال. فرع آخر الأجرة هل تلزم للأجير؟ ينظر فإن تلف الشيء قبل العمل لا أجرة له، وإن كان بعد الفراغ من العمل نظر، فإن كان الشيء في يد صاحبة استحق الأجرة لأن العمل صار مقبوضًا لصاحبه وكل ما عمل جزءًا من العمل استقر أجرته اللهم إلا أن يبتدئ بالتلف أول ما يعمل فلا يستحق، وإن كان في يد الأجير فلا أجرة له لأنه لم يسلم العمل، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا قصره القصار ثم تلف عنده فإن قلنا: القصارة عينٌ لا أجرة له لأن العين تلفت قبل التسليم، وإن قلنا: أثر فله الأجرة وفي هذا نظر. فرع آخر إذا عمل الأجير ما استؤجر عليه هل له حبس المال عن مالكه لاستيفاء الأجرة؟ قال أبو يعقوب الأبيوردي: إن لم يكن له أثر قائم فيه لم يكن له حبسه عن مالكه قولًا واحدًا، وإن كان له عين مال فيه كالصبغ ونحوه له حبسه لأخذ الأجرة إذا جعلنا للبائع حبس المبيع لاستيفاء الثمن، وإن كان له فيه أثر كالقصارة والخياطة والتصبيغ بصبغ المالك فيه قولان مخرجان بناءً على أن هذه تجري مجرى الأعيان والآثار، وفيه قولان

стр. 3383

ذكرناهما في التفليس فكل موضع قلنا له الحبس فحبس ثم تلف بغير جناية أحدٍ سقطت أجرته كما يسقط الثمن بتلف المبيع قبل التسليم، واختار الكشميهني أنه ليس لهم الحبس. فرع آخر قال بعض أصحابنا بخراسان: [١٨٩/ أ] لو قصر الثوب ثم جاء متلف فأتلفه في يد القصار فالمالك بالخيار إن شاء رجع على المتلف بقيمة الثوب مقصورًا ثم يؤدي أجرة القصار، وإن شاء رجع على المتلف بقيمة الثوب غير مقصور والقصار يطالب المتلف أيضًا بأجرته، كما لو أتلف المبيع في يد البائع فالمشتري بالخيار إن شاء فسخ العقد وتبع البائع المتلف بالقيمة، وإن شاء أجاز البيع وأدى الثمن وطالب المتلف بالقيمة، ولو أتلف القصار الثوب بعدما قصر فقولان كالقولين في جناية البائع أنها كآفٍة سماويةٍ أو كجناية الأجنبي، فإن قلنا: إنها كالآفة السماية لا أجرة للقصار سواء جعلنا القصارة أثرًا أو عينًا، وإن جعلناها كجناية الأجنبي فالمالك بالخيار بين أن يغرّم القصار قيمة الثوب مقصورًا أو يغرم له الأجرة أو يغرمه قيمة الثوب غير مقصور ولا أجرة له وهذا كله على ما ذكرنا أن القصارة تصير مسلَّمةً من صاحب الثوب وهذا لا يصح لأن القصارة، وإن كانت أثرًا لا بد من أن تصل إلى يد صاحبه وفيه الأثر حتى تتقرر الأجرة ويستقر حكم العمل فلا وجه لهذا القول والله أعلم. فرع آخر لو سلّم مملوكًا أو حرًا إلى رجلٍ ليعلمه الحرفة بأجرةٍ فمات قال صاحب "التلخيص": لا ضمان عليه قلته تخريجًا، وقال أبو عبد الله الختن في شرح "التلخيص": أما الحر فلا يضمنه لأن اليد لا تثبت على الحر، وأما العبد فإن أخذ وغاب معه فالقياس فيه أنه على قولين كما ذكرنا في الأجير ويحتمل أنه أراد به إذا كان يعمله في بيت صاحبه أو حانوته. فرع آخر إذا استأجر رجلًا ليحمل له طعامًا على ظهرٍ أو في سفينة فحمله فتلف في الطريق، فإن كان صاحبه معه فلا ضمان على الأجير إلا أن يتعدى فيه فإن تعثر فهلك لا ضمان وله الأجرة ذكره الصيمري، وإن لم يكن صاحبه معه نظر، فإن تعدى فيه ضمنه، وإن لم يتعدّ فيه فعلى قولين. فرع آخر لو استأجر الملاّح مدادًا له السفينة فهلكت في يده فإن نسب إلى تعدٍّ أو تفريطٍ ضمن وإن لم ينسب، فإن كان الملاّح حاضرًا لم يضمن، [١٨٩/ ب] وإن كان غائبًا فعلى اختلاف أصحابنا يكون منفردًا أو مشتركًا.

стр. 3384

فرع آخر الحمَّامي إذا تلفت ثياب الناس عنده هل يضمن أم لا؟ اختلف أصحابنا فيما يأخذه من العوض هل هو ثمن الماء أو أجرة الحفظ والدخول أحدهما: أنه ثمن الماء ويكون متطوعًا بحفظ الثياب ومعيرًا للسطل، فعلى هذا لا يضمن الثياب إن تلفت وله غرم السطل إن هلك، والثاني: أنه أجرة الدخول والسطل وحفظ الثياب فعلى هذا لا غرم في السطل إن هلك ويكون في ضمان الثياب كالأجير المشترك. فرع آخر لو تلف المتاع في يد الوكيل بجعلٍ، فإن كان منفردًا لم يضمنه، وإن كان مشتركًا فيه قولان. فرع آخر لو وكل في شراء متاعٍ بجعلٍ يكون أجيرًا في الشراء مأذونًا له في قبض المبيع فإن تلف عنده المبيع لم يضمنه، وإن تلف الثمن فيه قولان. مسألة: قال "وإن استأجر من يخبز له خبزًا معلومًا في تنّور أو فرنٍ". الفصل وهذا كما قال: الفرن التنور الكبير الواسع الذي يخبز فيه الكعك وهو الفراني وذلك أنه يُسجَّر حتى يحمى فإذا حمي واشتد حماه أخذت النار والجمر والرماد من تحته ونظف أسفله ثم طرح في أسفله عجين حتى ينضج بحمى التنور ويحمرّ، فإذا استأجره ليخبز له فاحترق نظر، فإن كان معه صاحبه فلا ضمان إلا بالتعدي، وإن لم يكن معه صاحبه، فإن كان قد تعدى فيه ضمن، وإن لم يكن تعدى فيه قولان على ما ذكرنا في الأجير المشترك، ووصف الشافعي صفة التعدي فقال: هو أن يلزقه في حال استيقاد التنور وشدة حموه أو يلزقه بعد سكون وهجه واعتدال التنور ولكنه في التنور بعد نضجه حتى احترق فعليه الضمان، قال الشافعي: وإن كان حاضرًا فعمل الأجير عملًا فقال: هذا تعدي فيه، وقال الأجير: بل هو صلاح له رجع فيه إلى أهل البصر به فإن قال عدلان: إنه ليس تعدِّ [١٩٠/ أ] لم يضمن، وإن قالا: هو تعدِّ ضمن، وإن لم تكن بينة كان القول قول الأجير مع يمينه. فرع لو استأجر أجيرًا شهرًأ ليخبز له ألف رطلٍ من الخبز فالإجارة باطلة لأنه لا يجوز أن يجمع بين عملٍ مقدرٍ ومدة محصورة، ولأن الوصف مجهول لأن الرغفان تختلف في القلة والكثرة والصغر والكبر، ولو اقتصر على قوله: ألف رطل خبز ولم يذكر المدة كان باطلًا لهذا المعنى فكيف إذا ذكر المدة؟ وقول الشافعي: ولو استأجر من يخبز له

стр. 3385

خبزًا معلومًا معناه حصر وزنه وعدده وقدره إلى سائر ما يجب حصره على أن يكون عملًا معلومًا في ذمته غير متعلقٍ بمدةٍ معلومة معينة مقدورة ويجوز للأجير حينئذ عقد إجارة ثانية وثالثة مع من شاء هكذا ثم يقسّط أيام العمل على الأعمال بقدرها فيعجل لكل واحدٍ منهم يومًا أو يومين ويقرع بينهم ليرتّب بعضهم على بعضٍ أن يستأجروا ويستوي فيه المتقدم والمتأخر من المستأجرين، كما يستوون في الديون قديمها وحديثها ذكره أبو عبد الله الختن. مسألة: قال: "وإن اكترى دابةً فضربَهَا أو كبحَهَا باللجَامِ". الفصل وهذا كما قال: هذه المسألة ليست من مسائل الأجراء وإنما ذكرها هنا ليبين الفرق بين الأجير إذا تلف الشيء في يده، وبين المستأجر إذا تلف المؤاجر في يده فقال: إن المؤاجر لا يضمن باليد قولًا واحدًا وإنما يضمن بالتعدي فإذا اكترى دابةً فضربها أو كبحها باللجام فماتت، فإن كان القدر الذي فعله من الضرب والكبح باللجام مثل ما يفعل في العرف والعادة لم يضمن وبه قال أبو يوسف ومحمد، وإن خرج عن العرف للمستأجر أن يضرب الدابة ما لم يأذن له المالك في ضربها وهذا خطأ لما روي أن النبي ﷺ قال: "اضربوها على العثار ولا تضربوها [١٨٨/ أ] على النّفار" يعني أنها في العثار ساهية فالضرب يوقظها وفي النّفار تزاد بالضرب نفورًا فإن قاسوا على ضرب الزوج زوجته يوجب الضمان إذا أدى إلى التلف قلنا: الفرق أنه يمكن تأديبها بالكلام والتخويف فجوّز الضرب بشرط السلامة، فإذا تلف ضمن وها هنا لا بد من الضرب فلم يضمن. مسألة: قال: "فأما الرّواض فإنَّ شأنهم استصلاحُ الدوابِ". الفصل وهذا كما قال: الرائض إذا ضربها فتلفت، فإن كان زاد في ذلك على ما جرت به عادة الرّواض كان ضامنًا لها سواء كانت في يده أو في يد صاحبها، وإن كان ضربها ضربًا جرت العادة من الرّواض به، فإن كانت في يد صاحبها لا ضمان، وإن كان منفردًا بها فعلى القولين، والشافعي لم يبيّن أن هذا من مسائل القولين وأصحابنا ذكروا ما قلنا، واعلم أن تسيير الرائض الدابة وضربه إياها أكثر في العادة من تسيير الراكب المستأجر وضربه لأن المستأجر لا يضربها إلا عند الحاجة وهو إذا وقفت أو عثرت والرائض يضربها في حال السير لأنه يقصد به التقويم والرياضة فيجب الرجوع في

стр. 3386

ضرب الرائض وحمله عليها بالسير إلى أهل البصر بالرياضة على ما بيناه. مسألة: قال: "والراعي إذا فعلَ ما للرعاةِ أنْ يفعلوهُ ممّا فيه صلاحٌ لم يضمن، فإن فعل خلاف ذلك ضمن وهذا أيضًا على أحد القولين على ما ذكرنا ثم قال المزني: وهذا يقضي لأحد قوليه بطرح الضمان كما وصفتُ يقال له: هذا جواب على أحد القولين فكيف نحتج به ولا حجة فيه؟ مسألة: قال": "ولو اكترى لحملِ مكيلةِ وما زاد فبحسابه". الفصل وهذا كما قال: اختلف أصحابنا في تأويله فمنهم من قال: معناه إذا قال: احمل لي هذه الصبرة وهي عشرة أقفزة بكذا وكذا وما زاد من طعام آخر فبحسابه [١٩١/ أ] صحت الإجارة في الصبرة، ولم تصح في الزيادة لأن الزيادة غير مشاهدة ولا موصوفة وهكذا في البيع لو قال: بعتك هذه الصبرة وهي عشرة أقفزة بكذا وكذا وما زاد بحسابه صح البيع في الصبرة ولم يصح في الزيادة، ومنهم من قال: تأويله أنه قال: إن زادت هذه الصبرة على عشرة أقفزة فبحسابه يصح في العشرة لأنها متيقنة ولا يصح في الزيادة لأن وجودها غير متيقن فلم يصح تعليق العقد عليه فعلى هذا إن كانت الزيادة متيقنة يجوز هكذا ذكره أبو حامد. ومن أصحابنا من قال: لا تصح في الزيادة، وإن كانت متيقنة لأنها غير مقدرة بمقدار معلوم ولا مشاهدة لأن الإشارة إليها غير ممكنة، ألا ترى أنه إذا قال: بعتك هذه الصبرة إلا مدًأ لم يجز لأن ما عدا المد ليس بمشاهد مشار إليه ولا مقدر بمقدار معلوم ذكره القاضي الطبري، فإن قيل: هلاّ قلتم: إن العقد إذا فسد في بعضه فسد كله لأن العقد إذا فسد في بعضه للجهالة فسد في جميعه كما لو قال: أجرتك هذه الدار كل شهرٍ بكذا لم يصح العقد في الشهر الأول ولا في الأشهر الباقية، أو هلاّ قلتم: يبنى على القولين في تفريق الصفقة لأن العقد تناول ما يجوز وما لا يجوز قلنا: العقد على المكيلة المعلومة منفصل عن العقد على الزيادة فهما عقدان مختلفان لأن المكيلة قد صح العقد عليها بأجرتها ثم عقد على الزيادة بمثل أجرتها فكان أحدهما منفصلًا عن الآخر كما لو قال: بعتك هذه السلعة بألف درهمٍ، وبعتك هذا العبد بمثل ثمنها كانا عقدين وكان له أن يقبل أحدهما ويرد الآخر ولم يفسد ها هنا أحد العقدين لفساد الآخر. وقال أبو إسحاق: تأويلها أنه كان له صبرتان حاضرة وغائبة فقال: اكتريتك لتحمل هذه الصبرة كل قفيز بدرهمٍ [١٩١/ ب] والغائبة بحساب ذلك صح في الحاضرة وبطل في الغائبة لأنهما عقدان أحدهما: على الحاضرة، والثاني: على الغائبة، ولو قال:

стр. 3387

لنقل هذه والتي في البيت كل قفيز بدرهمٍ بطل في الغائبة وفي الحاضرة حينئذ قولان والتأويل الأول أوضحها وأشبه بكلام الشافعي. فرع لو قال: استأجرتك على أن تحمل لي عشرة أقفزة من هذه الصبرة بكذا على أن ما زاد عليها بحسابه كان العقد باطلًا في الجميع لأنهما عقدان جعل أحدهما: شرطًا في الآخر، فهو كما لو قال: بعتك هذا بألفٍ على أن أبيعك هذا بمثله. فرع آخر لو قال: استأجرتك على أن تحمل هذه الصبرة كل قفيز بكذا جاز كما يجوز البيع، وقال ابن أبي هريرة: يحتمل أن يكون باطلًا في البيع والإجارة والأول هو المذهب، وقال أبو حنيفة: يصح في قفيز واحد، كما لو قال: آجرتك هذه الدار كل شهر بدرهمٍ يصح في الشهر الأول وهذا غلط لأن الصبرة معلومة الجملة بالمشاهدة والشهور غير معلومة. فرع آخر لو قال: تحمل هذه الصبرة بجملتها بعشرة دراهم يصح أيضًا لأن الصبرة معلومة بالمشاهدة والأجرة معلومة. فرع آخر لو قال: لتحمل من هذه الصبرة كل قفيز بدرهم فالإجازة فاسدة لأن من تقتضي التبعيض وهو مجهول. مسألة: قال: "ولو حملَ لهُ مكيلةً فوجدتْ زائدةً". الفصل وهذا كما قال: لو اكترى دابةً ليحمل عليها عشرة أقفزة طعامًا إلى موضعٍ معلومٍ فحمل فوجد الطعام هناك زائدًا فالكلام في ثلاثة فصول في الأجرة، وفي الضمان إن ركب الدابة وفي الطعام ما الذي يصنع به وجملته أنه لا يخلو الذي كال الطعام من ثلاثة أحوالٍ، إما أن يكون المكتري أو المكري [١٩٢/ أ] أو الأجنبي، فإن كان المكتري هو الذي اكتاله مثل أن قال له المكري: تول الكيل أنت وحصّله في الغرائر ففعل فوجد زائدًا فعلى المكتري المسمى وأجر المثل في الزيادة لأنه استوفى المستحق وزاد، وأما ضمانها إذا تلفت تحت الطعام نظر، فإن لم يكن يد صاحبها عليها فقد ضمنها باليد فلزمه كمال قيمتها، وإن كانت يد صاحبها عليها فالضمان ضمان الجناية وقد تلفت من مستحق وغير مستحق فكم يضمن؟ قولان ذكرهما في "الإملاء" أحدهما: نصف قيمة الدابة، والثاني: القسط من المكيلة فإن حمل خمسة زيادة يلزم ثلث الضمان.

стр. 3388

ومن أصحابنا من قال: يجب القسط قولًا واحدًا لأن أثر المكاييل في الدابة لا يتفاوت غالبًا بخلاف ما لو زاد على الحد سوطًا لأنه قد يكون لسوطٍ واحدٍ من التأثير ما لا يكون لغيره، وأما الطعام فقد حصّل طعام نفسه هناك يفعل به ما شاء، وإن كان المكري اكتال فقد تعدى بحمل الزيادة فعليه ضمان تلك الزيادة إن تلفت ولا أجرة له فيها ولا ضمان للبهيمة على أحدٍ، وأما الطعام فقد وجده صاحبه في ذلك الموضع الذي حمل إليه فله أخذ طعامه هناك، فإن قال المكري: أنا أرده إلى موضعه لم يكن له ذلك، وإن اختار صاحب الطعام أن يكلفه رده إلى ذلك الموضع يلزمه رده لأنه نقله من غير أمره، وإن رجع صاحب الطعام إلى الموضع الذي حمل منه الطعام فصادف المكري هناك فطالبه ببدل الطعام هناك قال الشافعي في "الأم": لرب الطعام مطالبته برده إليه، وقيل: له مطالبته ببدل طعامه، ونقل المزني: له مطالبته ببدله وترك أصل قوله. واختلف أصحابنا فيه على طريقين فمنهم من قال: رب الطعام بالخيار بين مطالبته برده وبين مطالبته ببدله، وكلام الشافعي على هذا يحمل على التخيير فعلى هذا إن كلفه الرد فلا كلام وإن كلفه البدل [١٩٢/ ب] وأخذ منه البدل ملك ولم يملك المكري المبدل فإذا رد المكري عين الطعام إلى موضعه انتقص ملك صاحبه عن البدل الذي أخذه، ومن أصحابنا من قال: لرب الطعام مطالبته بالرد وليس له مطالبته بالبدل لأنه غاصب قادر على رد عين الطعام بخلاف الآبق فإن الغاصب لا يقدر على رده، قال هذا القائل: قول الشافعي: قد قيل له مطالبته بالبدل حكاية مذهب الغير، وقال أبو إسحاق: هذا إذا اتفقا على الزيادة فإن اختلفا فيها فالقول قول المكري لأن يده عليها وهذا إذا كانت الزيادة متفاوتة، فإن كانت يسيرة كالمكوك والمكوكين فلا أجرة لذلك ولا ضمان بهيمة لأنه لا يمكن الاحتراز منه كما نقول في بيع الوكيل بما يتغابن الناس بمثله لا يمنع صحة البيع، وإن كان الكيال أجنبيًا تراضيا به فعلى الكيال أجرة مثله للمكري والحكم ضمان البهيمة ورد الطعام وأخذ بدله على ما مضى فيكون الأجنبي كالمكري في حق المكتري وكالمكتري في حق المكري وقد بيناه. فرع لو اكتال صاحب الطعام ولكن أوقره الجمال فيه وجهان أحدهما: التدليس من جهة صاحب الطعام فهو كما لو أوقره بنفسه، والثاني: أنه كما لو اكتال الجمَّال بنفسه وأوقره لأن صاحب الجمل هو المفرط وكان يجب أن ينظر ويتأمل ويبحث عنه ولا يدخل فيه إلا على ثقةٍ وعلم به فإذا قصر فيه لم يعذر وهذا مبني على القولين في رجل طرح في طعامه سمًا وناوله إنسانًا فأكله هل يضمن؟ قولان.

стр. 3389

فرع آخر لو اكتال الجمال زائدًا فقال رب الطعام في الموضع الحاصل فيه ردها إلى الموضع الذي حملت منه، وقال الجمال: أنا اضمن لك وأرد مثلها في ذلك الموضع فيه وجهان أحدهما: قاله أبو إسحاق وابن أبي هريرة القول قول رب الطعام كما في الغاصب، والثاني: القول قول الجمال ويأخذ الزيادة مضمونة [١٩٣/ أ] ليرد مثلها في الموضع المحمول منه لأن الزيادة لما اتصلت فارقت حكم الغصب. وإن كان المحمول مما لا مثل له كالسويق أو الدقيق لزم الجمَّال رد الزيادة بعينها إلى البصرة في الوجهين جميعًا. مسألة: قال: "ومعلم الكتاب والآدميين مخالف لراعي البهائم". الفصل وهذا كما قال: إذا ضرب المعلم صبيًا فمات، أو ضرب الزوج زوجته فماتت وكان الضرب بحيث لا يقتل مثله غالبًا فالدية تجب على عاقلته في ثلاث سنين قولًا واحدًا، وتكون الدية مغلَّظة لأن ذلك شبيه العمل، وإن كان ضربًا يقتل في الغالب يجب القصاص عليهما لأنه قتل عمد ولا فرق بين أن يضرب بإذن والده أو بغير إذنه لأن الضمان فيه لا يسقط بإذن الغير. ولو كان عبدًا فضربه بإذن سيده ولم يجاوز القدر المأذون فمات لم يضمن، ولو قال: أدّب عبدي فضربه فمات قال القفال: يضمن لأنه بان لنا أنه كان متعديًا بضربه، وكذلك الإمام إذا ضرب رجلًا في التعزير فمات يضمن قولًا واحدًا، وقال أبو حنيفة: لا يضمن وهذا بناء على أن التعزير عنده واجب وعندنا لا يجب. واحتج الشافعي على أنه لا يجب بأن قال: قد فعل غير شيء في عهد رسول الله ﷺ غير حدٍ يعني ارتكبوا أشياء كثيرة سوى الحدود فلم يضرب فيها رسول الله ﷺ من ذلك الغلول في الغنيمة ومن ذلك الاعتراض على رسول الله ﷺ في قسمة الغنائم حيث قال له قائل: أعدل فإنك لم تعدل، وقال له قائل: اتق الله يا محمد، وغير ذلك، وما أتى رسول الله ﷺ بحدٍ قط إلا استوفاه ولم يعف فلو كان التعزير جاريًا مجرى الحد لكانت عادة الرسول ﷺ فيهما واحدة، فإذا تقرر هذا هل يلزم ضمان ذلك على عاقلة الإمام أو في بيت المال؟ قولان أحدهما: يلزم على عاقلته لما احتج الشافعي ها هنا أن عمر ﵁ بعث إلى امرأةٍ رسولًا في شيء بلغه عنها ففزعت وكانت حبلى فأسقطت [١٩٣/ ب] فاستشار الصحابة فقال له عبد الرحمن بن عوف: إنك مؤدب لا شيء عليك، وقال عليّ: إن كان اجتهد فيه فقد أخطأ، وإن كان لم يجتهد فيه فقد غش عليك الدية فقال عمر ﵁: عزمت عليك ألا تجلس حتى تقسمها على

стр. 3390

قومك، وروي تضربها على قومك يعني على بني عدي وهم رهط عمر بن الخطاب وهم قوم عليّ ﵁ لأن قريشًا ضمهم جميعًا والصحيح من تفسير قول عليّ: إن كان اجتهد فقد أخطأ أنه أراد بذلك عبد الرحمن بن عوف، وقيل: أراد بذلك الرسول الذي بعثه عمر إليها وكأنه زاد في رسالته ما لم يقله عمر بن الخطاب وكانت تلك الزيادة سببًا للفزع فقال عليّ: إن كان اجتهد فزاد في الرسالة بالاجتهاد فقد أخطأ وإن زاد بغير اجتهاد فقد غش، والقول الثاني تجب الدية في بيت المال لأن الإمام منصوب لأمور المسلمين، فإذا أخطأ عاد خطأه إلى عامتهم بضمانه ويلزم الكفارة في ماله بكل حال، وفيه وجه آخر يلزم الكفارة في بيت المال إذا قلنا: الدية في بيت المال وقيل: في الكفارة قولان على هذا القول ذكره القاضي الطبري. وأما الإمام إذا جني خطأ فيما لا يتصل بالإمامة يلزم الدية على عاقلته قولًا واحدًا، فإذا تقرر هذا قال الشافعي: ومعلم الكتاب والآدميين وفائدة هذا الجمع أنه لو ضم صبيًا إلى رجل ليعلمه حرفة من الحرف فضربه على تعلمها فمات كان حكمه حكم معلم الكتاب في وجوب الضمان بأمر أبيه إذا مات لم يضمن، ولو ضربه الأب بنفسه فمات يضمن، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يضمن الأب والمعلم يضمن وهذا أولى من قول أبي حنيفة، وإن كان كلاهما فاسدٌ لاتصافهم على أن الزوج يضمن ما حدث عن التأديب كذلك هذا. مسألة: قال: "ولو اختلفا في ثوبٍ فقال ربُّ الثوبِ: أمرتك أن تقطعه قميصًا". الفصل وهذا [١٩٤/ أ] كما قال: إذا اختلف رب الثوب والخياط فقال ربه: أمرتك أن تقطعه قميصًا، وقال الخياط: أمرتني أن أقطعه قباءً، نقل المزني عن الشافعي فيه قولين أحدهما: القول قول رب الثوب وبه قال أبو حنيفة، ووجهه أنه لو أنكر أصل الإذن كان القول قوله فإذا أنكر كيفية الإذن كان القول قوله أو لأنه أحدث قطعًا في ملك غيره فكان القول قول المالك فيه، كما لو اختلفا في أصل القطع، والثاني: القول قول الخياط وبه قال ابن أبي ليلى ومالك، ووجهه أنهما اتفقا على أنه مأذون له في القطع والأصل أنه لم يتعد وكان القول قوله في صفته، وقال المزني: الصحيح القول الأول. وقال أبو إسحاق: ذكر الشافعي قول ابن أبي ليلى وأبي حنيفة واختار قول أبي حنيفة وقطع به، واحتج بأن رسول الله ﷺ قال: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" وذكر دلائله، وقال القاضي أبو حامد: القول قول رب الثوب في أولى قوليه، وحكى

стр. 3391

الماسرجسي عن ابن أبي هريرة أنه قال: القول قول رب الثوب قولًا واحدًا، ولم يحك هؤلاء قولًا ثالثًا في المسألة. وقال في "الإفصاح": قال الشافعي في موضع آخر: يتحالفان وهذا اصح، وقال القاضي الطبري: ما نقله صاحب "الإفصاح" من "الجامع الكبير" وليس بمذهب الشافعي وإنما ذاك حكايةً عن غيره ولا يصح أيضًا في الاحتجاج ولهذا لم يحك سائر أصحابنا، وقال أبو حامد: نص على قول التحالف في "الإملاء" قال: وفي اختلاف الأجير والمستأجر ردهما إلى أصل السنة أنهما يتحالفان، فإذا تحالفا رد الثوب على صاحبه ولا أجرة للأجير وعليه أرش النقص فالمسألة على قولٍ واحدٍ أنهما يتحالفان وهذا لأنه لما حكي القولين في اختلاف العراقيين قال: وكلاهما مدخول، وكذا حكاه القفال وقيل: صور المسألة في "الإملاء" فيمن دفع ثوبًا إلى صبَّاغ فصبغه أسود فقال رب الثوب: أمرتك بالأحمر. وقال الصبَّاغ: بل أمرتني بالأسود يتحالفان وعلى الصبَّاغ ما نقص ووجهه أن كل واحدٍ [١٩٤/ ب] منهما مدعٍ ومدعّى عليه لأن صاحب الثوب يدعي على الخياط الأرش وينكر أن يكون له عليه أجرة، والخياط يدعي الأجرة وينكر الأرش فيتحالفان فحصل في المسألة ثلاث طرق أحدها في المسألة قولان على ما ذكره القاضي الطبري وهو الأظهر، والثانية في المسألة ثلاثة أقوال، والثالثة القول قول رب الثوب قولًا واحدًا وهو الأقيس، وقول التحالف لا يصح لأن الاختلاف وقع في الإذن لا في الأجرة والغرم فكان القول قول الآذن، فإذا قلنا: القول قول رب الثوب فإنه يحلف ما أمره بقطعه قباء ولا يحلف لإثبات ما ادعاه من إذنه في القميص. وقال بعض أصحابنا: ينبغي أن يحلف على النفي والإثبات فيقول: ما أمرته أن يقطعه قباء ولقد أمرته أن يقطعه قميصًا وهذا غير صحيح لأن اليمين على النفي والإثبات بالجمع إنما يكون عند التحالف الذي يصير كل واحد منهما فيه منكرًا ومدعيًا ولا يؤخذ ها هنا، ولأن الغرم وسقوط الأجرة يتعلق بعدم الإذن خاصةً فلا يحتاج إلى إثبات ما أمر به، فإذا حلف رب الثوب لا أجرة للخياط وله استرجاع الخيوط إن كانت له وليس له استرجاعها إن كانت لرب الثوب، وقال ابن أبي هريرة: له الأجرة في القدر الذي يصلح القميص وهذا ليس بشيء لأنه لم يقطعه للقميص، ولو دفع رب الثوب إليه قيمة الخيوط التي لم يجبر على قبولها لأن عين ماله باق فلا يجبر على أخذ قيمته، ولو قال: أشد في طرف الخيط خيطًا آخر حتى إذا جر ذلك الخيط حصل مكانه آخر لم يجبر عليه لأنه عين ماله فلا يجوز أن يصل به شيئًا، فإن تراضيا به جاز ثم على الخياط الضمان وفيما يضمنه قولان أحدهما: يضمن ما بين قيمته مقطوعًا قباءً وقميصًا لأن قطع القميص مأذون فيه فعلى هذا إن كانت قيمته قباءً مثل قيمته قميصًا أو أكثر فلا غرم عليه وهذا اختيار ابن أبي هريرة وعلى هذا ينظر إلى قطع ما يصلح للقميص فلا يضمنه وإلى ما لا يصلح [١٩٥/ أ] للقميص فيضمنه لأن المخالفة حصلت في الزيادة على قطع

стр. 3392

ما يصلح للقميص، والثاني: وهو اختيار أبي إسحاق يغرم ما بين قيمته ثوبًا صحيحًا وما بيت قيمته مقطوعًا قباء لأنه بالعدول عن القميص ضمن القطع من أصله، وإذا قلنا: القول قول الخياط يحلف لقد أمره أن يقطعه قباء ولا يلزمه اليمين على النفي. ومن أصحابنا من قال: يحلق على النفي والإثبات فيقول: والله ما أمرني أن أقطعه قميصًا ولقد أمرني أن أقطعه قباءً فإذا حلف لا غرم عليه وهل له الأجرة؟ فيه وجهان أحدهما: لا أجرة له قاله أبو إسحاق لأن قوله قبل في سقوط الغرم عنه لأنه منكر ولم يقبل قوله في الأجرة لأنه فيها مدعٍ فعلى هذا إن كانت الخيوط لرب الثوب لم يكن للخياط نقضها لأنها آثار مستهلكة ويصير الثوب قباءً مخيطًا لربه، وإن كانت الخيوط للخياط له استرجاعها وضمان ما نقص الثوب بأخذها إلا أن يتراضيا على دفع قيمتها، والثاني: وهو اختيار ابن أبي هريرة وجماعة: له الأجرة لأنه صار محكومًا بقبول قوله في الإذن وهو الأصح وعلى هذا ليس له نزع الخيوط بحالٍ لأنها تابعة للثوب وأخذ الأجرة في مقابلتها، فإذا قلنا بهذا قال أصحابنا: لا يستحق الأخرى المسمى قولًا واحدًا لأنه قد يحلف على مالٍ عظيمٍ أو ألف أو ألفين ولأن أجرة المثل تلزم لوجود فعله المأذون فيه بحكم المعاوضة، ولو أوجبنا المسمى لثبت بيمينه وقوله وذلك لا يجوز. وقال في "الحاوي": فيه وجهان أحدهما: يستحق المسمى لتحقيق ما حكم به من قبول قوله، والثاني: أجرة المثل لئلا يصير مقبول القول في العقد، وإذا قلنا: يتحالفان قد ذكرنا أنه لا أجرة له وهل يضمن ما نقص بالقطع؟ فيه قولان أحدهما: لا يضمن شيئًا وهو الذي نقل المزني في "الجامع الكبير" فقال: يتحالفان ويبرأ كل واحدٍ منهما بيمينه لأنه لما حلف كل واحدٍ منهما على ما ادعاه ونفى ما ادعاه صاحبه برئ كل واحدٍ منهما بيمينه كالمتبايعين [١٩٥/ ب] إذا اختلفا وتحالفا، والثاني: يضمن أرش النقص لأنهما إذا تحالفا ارتفع العقد وحكمنا بأن القطع كان من غير فقدٍ فيلزم الأرش كما لو تلفت السلعة في يد المشتري وتحالفا على الثمن تجب قيمتها فإذا قلنا بهذا فكيفية الأرش ما ذكرنا إذا جعلنا القول قول ب الثوب وهذا هو المنصوص في "الإملاء". فرع لو اختلفا عند الرد فقال الخياط: هذا ثوبك وأنكر رب الثوب وقال: ثوبي في هذا فالحكم فيه وفي سائر الأحوال ويكون القول قول الأجير لأنه يدعي عليه إقباض ثوب غير هذا وهو ينكره، فإذا حلف فقد اعترف بثوبٍ لرب الثوب وهو لا يدعيه فماذا يفعل به؟ قد ذكرنا فيما تقدم.

стр. 3393

فرع آخر لو قال رجل للخياط: إن كان يكفيني هذا الثوب قميصًا فاقطعه فقطعه فلم يكفه كان ضامنًا، ولو قال: أيكفيني هذا الثوب قميصًا؟ فقال: نعم قال: اقطعه فقطعه فلم يكفه لم يضمن، والفرق أن اللفظ الأول شرط، والثاني: استفهام فافترقا. مسألة: قال: "ولو اكترى دابة فحبسهَا قدرُ المسيرِ". الفصل وهذا كما قال: إذا اكترى دابةً ليركبها من آمل إلى الرَّى قد ذكرنا أنه يتقرر الأجرة، وهكذا لو عرضها على المكتري فامتنع من الأخذ ومضت لو أراد أن يستوفي المنفعة أمكنه تقررت الأجرة خلافًا لأبي حنيفة، وإن حبسها أكثر من ذلك يلزمه أجر المثل في مقدار ما زاد على مدة المسير أو فيما زاد عليها، فإن كان في مدة المسير لا يضمن لأن حبسها أرفق بها من السير وكدّه ومشقته، وإن كان فيما زاد عليها قال الشافعي: عليه الضمان وأراد به ضمان القيمة. وقال بعض أصحابنا: لا ضمان عليه في الحالين لأن مدة الإجازة إذا انقضت يكون الشيء في يده على طريق الأمانة ومتى حصل الشيء في يده بإذن صاحبه على طريق الأمانة لا يلزمه حمله إلى صاحبه [١٩٦/ أ] وإنما تجب مؤونة الرد على المكري ويجب على المكتري دفعها إليه إذا طالبه المكري كالوديعة وقول الشافعي: ضمن، أراد به إذا طالبه بالرد فلم يرد، قال في "الحاوي": وهذا مذهب الشافعي ولا وجه لمن خرّج وجهًا آخر من الرهن لأن في الرهن يتغلب نفع المرتهن فجاز أن يجب رده، وفي الإجارة يستويان في النفع فاختص المالك بمؤونة الرد لحق المالك، وقال القاضي الطبري: هذا وإن كان له وجه فهو خلاف مذهب الشافعي الذي نص عليه ها هنا وهذا لأنه يمسكه في مدة الإجارة بإذن صاحبه فهو أمين فإذا انقضت المدة سقط الإذن ولزمه رده عليه ولزمته مؤونة الرد، فإذ لم يفعل ضمن كما لو أطارت الريح بثوب إلى داره تلزمه مؤونة الرد فإن لم يفعل يلزمه الضمان، وكذلك إذا مات وعنده وديعة لزم ورثته الرد والضمان بتركه يوجب مؤونة الرد كما نقول في المستعير وبهذا قال مالك وبالأول قال أبو حنيفة وهو الصحيح عندي، وإذا أطارت الريح ثوبًا في داره يلزمه الإعلام لا الرد ولا المؤونة، وكذلك إذا مات المودع وترك الوديعة يلزم ورثته الإعلام، وذكر القفال هكذا وقال: ليس المذهب على الإطلاق الذي نقله المزني ولا بد فيه من تفصيل فنقول الحبس منقسم، فإن كان بذلك الحبس يمنعها عن صاحبها مع مطالبته إياه بردها صار ضامنًا لقيمتها، فأما إذا حبسها ليردها عند المطالبة لا يضمنها ولا يلزمه ردها ولا مؤونة ردها بل عليه التخلية بينها وبين مالكها إذا جاء يطلبها وهكذا نقول في الأجرة

стр. 3394

فيما زاد على المدة إن كان ممتنعًا من الرد يلزمه أجر المثل لزيادة المدة استعملها أو لم يستعملها وإذا لم يكن ممتنعًا من الرد لا يلزمه أجر المثل إلا [١٩٦/ ب] بالاستعمال لأن عليه التخلية فقط لا يكلف بالرد. وقال صاحب "التقريب": لو اكترى دابةً لحمل أو ركوب ليرد الدابة إلى صاحبها بالبلدة التي اكتراها منه فعليه أن يفعل ذلك، وإن لم يشترط أن يردها إلى صاحبها فإن خرج المالك معها فذاك، وإن لم يخرج فعليه ردها إلى البلد الأول. وقال القفال: هذا عندي غلط بل لا يجب الرد، وإذا صار إلى البلد الآخر بالدابة ولم يكن المالك معه فهي كدابةٍ ضالةٍ فله رفعها إلى الحاكم فيأخذها الحاكم أو يأمره أن يودع أمينًا ثم إن رأى الحاكم بيعها على الغائب فعل، وإن رأى أن يستدين على المالك فعل. فرع آخر لو شرط على المكتري أن يرده إليه بعد انقضاء المدة فحبسه بعد انقضائها لزمه ضمانه بلا خلاف ذكره القاضي الطبري، وقال بعض أصحابنا: إذا قلنا: لا يلزمه الرد لا يجوز اشتراطه لأنه ينافي موجب العقد، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا شرط عليه الرد إلى البلد الأول بطل العقد بهذا الشرط في القياس. فرع آخر لو انهدم عليها الاصطبل وتلفت بسبب الحبس ضمن سواء كان في المدة، أو بعد انقضائها. فرع آخر لو قال له المكري: إذا انقضت مدة الإجارة فاتركها عندك لم يلزمه ردها وإذا تلفت لا يضمن وتكون وديعة في يده، وكذلك لو لم يكن ردها لفساد في الطريق أو لعلة مانعة وعذر بيّن حتى تلفت الدابة لا يضمن. فرع آخر يجوز أن يؤاجر حائطه ليضع عليه خشبًا معلومًا مدةً معلومةً، وقال أبو حنيفة: لا يجوز هذا غلط لأن هذه منفعة مقصودة مقدور على استيفائها فجاز عقد الإجارة عليها. فرع آخر هل يصح استئجار الفحل للضراب؟ وجهان أحدهما: يجوز لأن يستباح بالإعارة، والثاني: لا يجوز وهو الصحيح لنهيه ﷺ [١٩٧/ أ] عن ثمن عسب الفحل ولأن المقصود منه الماء الذي يخلق منه وهو محرم لا قيمة له.

стр. 3395

فرع آخر لو استأجر رجلًا ليعلمه بنفسه سورةً وهو لا يحسنها فيه وجهان أحدهما: يصح كما يصح أن يشتري سلعةً بدراهم وهو لا يملكها ثم يحصلها ويسلم، والثاني: لا يصح لأنه عقد على منفعةٍ معينة لا يقدر عليها، وقد قالت عائشة ﵂: سألت رسول الله ﷺ عن كسب المعلمين فقال: "إن أحق ما أُخذ عليه الأجر كتاب الله". فرع آخر لو استأجر دارًا للسكنى جاز أن يطرح فيها المتاع لأن ذلك متعارق في السكنى، ولا يجوز أن يربط فيها الدواب ولا تقصير الثياب ولا يطرح في أصول حيطانها الرماد والتراب لأن ذلك غير متعارف في السكنى، وهل يجوز أن يطرح فيها ما يتسارع إليه النار؟ فيه وجهان أحدهما: لا يجوز لأن النار تنقب الحيطان للوصول إلى ذلك، والثاني: يجوز هو الأظهر لأن ذلك متعارف في سكنى الدار فلا يمنع منه. فرع آخر لو استأجر دابةً ليركبها بسرج لا يجوز أن يركبها عريًا لأن ركوبة عريًا أضر، ولو اكتراها ليركبها عريًا لم يجز أن يركبها بسرج لأنه يحمل عليها أكثر ما عقد عليه، ولو اكتراها لحمل المتاع لم يجز أن يركبها لأن الراكب يقعد في موضع والمتاع يتفرق على جنبيه، ولو اكتراها للركوب لم يجز حمل المتاع بقدره لأن الراكب يعين المركوب بحركته بخلاف المتاع. فرع آخر لو استأجر عينًا لمنفعةٍ وشرط عليه أن لا يستوفي مثلها أو دونها ولا يستوفيها إلا بنفسه فلا يستوفيها بمن هو مثله أو دونه فيه ثلاثة أوجه أحدها: تبطل الإجارة لأنه شرط ما ينافي موجبها، والثاني: تصح الإجارة والشرط باطل لأنه شرط لا يؤثر في حق [١٩٧/ ب] المؤجر فألغي وبقي العقد على مقتضاه، والثالث: تصح الإجارة والشرط لازم لأن المستأجر يملك المنافع من جهة المؤجر فلا يملك ما لم يرض به. فرع آخر لو اختلف المتكاريان في مقدار المنفعة أو في قدر الأجرة تحالفا والحكم فيه ما ذكرنا في البيع، وإذا اختلفا في رد العين فإن قلنا: يضمن لا يقبل قوله في الرد، وإن قلنا: لا يضمن فيه وجهان كما قلنا في الوكيل بجعل، ولو ادعى هلاك العين بعد العمل وأنه يستحق الأجرة فالقول قول المستأجر لأن الأصل عدم البدل.

стр. 3396

فرع آخر إذا استأجر من متولي الوقف قضاء الوقف على أن يُبنى فيه فبنى بإذن المتولي فأراد أن يأمره بالرفع هل تلزم قيمة النقض في مال الوقف أو مال المتولي؟ قال الإمام أبو عبد الله الحناطي ﵀: يلزم في مال الوقف دون مال المتولي إذا كان الإجارة صحيحة وكان الصلاح في إجارته كذلك، ولو كانت الإجارة فاسدة فبنى فيه بإذن المتولي يؤمر بالرفع فإذا أمر بذلك يلزم النقض في مال المتولي دون مال الوقف ويحتمل أن يقال: لا يلزمه في ذلك شيء. فرع آخر إذا أوصى بخدمة عبده لرجل على أن يخدمه ما دام الموصى له حيًا ولا ينتقل هذا الاستحقاق إلى ورثة الموصى له بوفاته فأجره الموصى له شهرًا ثم مات قبل انقضاء المدة هل تبطل الإجارة؟ وجهان أحدهما: لا تبطل كالمالك للعبد إذا أجره ثم مات، والثاني: وهو الأصح تبطل لأن المنفعة بعد وفاة الموصى له من حقها انتقالها إلى ورثة الموصي فلا يمكن جعل عقد الموصى له كعقد وارت الموصي لأنه غير قائم مقامه ولا تستفيد هذه المنفعة إرثًا من الموصى له فبطل العقد، وهذه المسألة بناء على مسألة الوقف إذا أجر من عليه الوقف ثم مات وانتقال الوقف [١٩٨/ أ] إلى البطن الثاني هل تبطل الإجارة أم لا؟ وبالله التوفيق والعون والعصمة. وجدت في الأصل المنقول من خط المصنف تمت المجلدة التاسعة بخط المصنف ﵀ وكان قد فرغ منها يوم الخميس سلخ ذي الحجة سنة سبع وسبعين وأربعمائة وأول المجلدة العاشرة بخده ﵀ كتاب المزارعة فنقلها كذلك وبالله التوفيق. فرغ من نسخة أضعف عباد الله يوم الأحد سلخ ربيع الآخر عبد الله بن أحمد بن بكر بن الحسين بن إبراهيم بن محمد بن علي الفقيه الشافعي الروياني ببلد بغداد في درب الخبازين في دريبة المدار في أيام المستنصر بالله أمير المؤمنين سنة اثنين وثلاثين وستمائة وهو يحمد الله على الآية ويصلي على النبي محمد خير خلقه وعلى آله وأصحابه ويستغفر من زللِه وخطئه وحسبنا الله ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. [١٩٨/ ب].

стр. 3397

كتاب العطايا والصدقات والحبس والسائبة مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: "يَجْمَعُ مَا يُعْطَى النَّاسُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ثَلَاثَةُ وُجُوهٍ ثْمَّ يَتَشَعَّبُ وَجْهٍ مِنْهَا فَفِي الحَيَاةِ وَجْهَانِ وَبَعْدَ المَمَاتِ مِنْهَا وَجْهً فَمِمَّا فِي الحَيَاةِ الصَّدَقَاتِ وَاحْتَجَّ فِيهَا بِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابَ ﵁ مَلَكَ مَائَةَ سَهْمٍ من مِنْ خَيْبَرَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لمْ أُصِبْ مَالًا مِثْلَهُ قَطُّ, وَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَتَقَرَّبَ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "حَبْسُ الْأَصْلِ الثَّمَرَةِ" قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: "فَلَمَّا جَازَ ﷺ أَنْ يُحْبَسَ أَصْلَ الْمَالِ وَتَسّبَلَ الثَّمَرَةُ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى إِخْرَاجِهِ الأَصْلَ مِنْ مِلْكِهِ إِلَى أَنْ يَكُونَ مَحْبُوسًا لَا يَمْلِكُ مَنْ سَبَّلَ عَلَيْهِ ثَمَرَهُ بَيْعَ أَصْلِهِ، فَصَارَ هَذَا الْمَالُ مُبَايِنًا لِمَا سِوَاهُ وَمُجَامِعًا لَأَنْ يَخْرُجَ الْعَبْدُ مِنْ مِلْكِهِ بِالْعِتْقِ لِلَّهِ إِلَى غَيْرِ مَالِكٍ، فَمَلَّكَهُ بِذَلِكَ مَنْفَعَةَ نَفْسِهِ لَا رَقَبَتَهُ كَمَا يَمْلِكْ المُحْبَسُ عَلَيْهِ مَنْفَعَةَ الْمَالِ لَا رَقَبَتَهُ، وَمُحَرَّمٌ عَلَى الْمُحَبِّسِ أَنْ يَمْلِكَ الْمَالَ كَمَا مُحَرَّمٌ عَلَى الْمُعْتِقِ أَنْ يَملِكَ العَبْدَ وَيَتِمَّ الحَبْسُ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ؛ لأَنَّ عُمَرَ ﵁ هُوَ المُصَدِّق بِأَمْرِ النَّبِيَّ ﷺ وَلَمْ يَلِي صَدَقَتَهُ فِيمَا بَلَغَنَا حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ وَلَمْ يَزَلْ عَلِيٌّ ﵁ يَلِي صَدَقَتَهُ حَتَّى لَقِي اللَّهُ تَعَالَى وَلَمْ تَزَلْ فَاطِمَةُ ﵂ صَدَقَتَهَا حَتَّى لَقِيتَ اللَّهَ. وَرَوَى الشَّافِعِيُّ ﵀ حَدِيثًا ذَكَرَ فِيهِ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَصَدَّقَتْ بِمَالِهَا عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي المًطَّلِبِ وَأَنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ تَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ وَأَدْخَلَ مَعَهُمْ غَيْرَهُمْ". قال في الحاوي: فأما الذي يكون بعد الوفاة فهو الوصية ولها كتاب مفرد نذكرها فيه إن شاء الله، وأما اللذان في حال الحياة فهما الهبة، والوقف، فأما الهبة فلها باب يجيء فيما بعد، وأما الوقف فهذا موضعه فالوقف يحبس الأصل ويسبل المنفعة، وجمعه وقوف وأوقاف، فإذا وقف شيئًا زال ملكه عنه بنفس الوقف ولزم الوقف، فلا يجوز له الرجوع فيه بعد ذلك ولا التصرف فيه ببيع ولا هبة، ولا يجوز لأحد من ورثته التصرف فيه، وليس من شرطه لزوم القبض ولا حكم الحاكم وهو قول الفقهاء، أجمع، وهو قول أبي سفيان ومحمد غير أن محمدًا يقول: من شروط لزومه القبض، وروى عيسى بن أبان أن أبا يوسف لما قدم بغداد كان على قول أبي حنيفة في بيع الأوقاف حتى حدثه

стр. 3398

إسماعيل ابن علية بحديث عمر ﵁ فقال: هذا لا يسع أحد خلافه. وقال أبو حنيفة: إن حكم الحاكم بالوقف لزم، وإن لم يحكم به لم يلزم، وكان الواقف بالخيار إن شاء باعه أو وهبه، وإن مات ورثه ورثته، وإن أوصى بالوقف يلزم في الثلث قال القاضي: قد ناقض أو حنيفة في هذا؛ لأنه جعل الوقف لازمًا في ثلثه في حال مرضه المخوف إذا أنجزه ولم يؤخره ولا لازمًا من جميع ماله في حال صحته، لأن كل ما لزم في الثلث بوصية لزم فيه في مرضه إذا أنجزه وفي جميع ماله في حال صحته مثل العتق، فإنه إذا أوصى به لزم في ثلثه، وإذا أنجزه في مرضه لزم في ثلثه، وإذا أنجزه في حال صحته لزم في جميع ماله واحتد بأشياء: أحدهما: ما روي عن ابن عباس قال: لما نزلت سورة النساء وفرض فيها الفرائض رسول الله ﷺ : "لا حبس بعد سورة النساء". وروي أن عبد الله بن زيد صاحب الأذان جعل حائطًا له صدقة وجعله إلى رسول الله ﷺ "فأتى أبواه النبي ﷺ فقالا: يا رسول الله لم يكن لنا عيسى إلا هذا الحائط فرده رسول الله ﷺ ثم ماتا فورثهما" فدل هذا على أن وقفه إياه لم يخرجه من ملكه، ولو كان قد أخرجه عن ملكه لم يصح الرد على أبويه وروي عن شريح قال: جاء محمد ﷺ بإطلاق الحبس. وروي عن سلمان بن زيد عن أبيه أن رجلًا وقف وقفًا فأبطله رسول الله ﷺ فلو كان قد لزم لم يصح إبطاله ومن القياس أنه قصد إخراج ماله عن ملكه على وجه الصدقة فوجب أن لا يلزم لمجدد القول. أصله: صدقة التمليك، لأنه عقد على منفعة فوجب أن لا يزول به الملك عن الرقبة قياسًا على الإجارة، ولأنه لو قال هذه الأرض محرمة لا تورث ولا تباع ولا توهب لم يصر وقفًا ولم يزل ملكه عنها، وقد أتى بصريح معنى الوقف فإذا قال وقفتها أو حبستها أولى أن لا يزول ملكه عنها. ودليلنا ما روى ابن عمر ﵁ ملك مائة سهم من خيبر اشتراها فلما استجمعها قال: يا رسول الله إني أصبت مالًا لم أصب مالًا قط مثله وقد أردت أن أتقرب به إلى الله فقال النبي ﷺ "حبس الأصل وسبل الثمرة" وفي حديث آخر أن النبي ﷺ قال له: "إن شئت تصدّقت بها وحبست أصلها" فجعلها عمر على الفقراء، والمساكين، والغزاة في سبيل الله، وفي الرقاب، وابن السبيل، ولا جناح على من ولاها إن أكل منها

стр. 3399

بالمعروف ويطعم صديقه غير متمول، وأوصى بها إلى حفصة، ثم إلى الأكابر من أولاد عمر، والتعلق بهذا الحديث من وجهين. أحدهما: أن النبي ﷺ أمره بأن يحبس الأصول، وعند المخالف لا يقع تحبيس الأصل بحال، فإن قيل: بل يصح منه، لأنه يقف ويرفع ذلك إلى النبي ﷺ حتى يحكم به، فإذا حكم به لزم قيل: فلا يكون ذلك اللزوم من جهته إنما يكون من جهة الحاكم بالحكم، كما يكون ذلك في جميع مسائل الخلاف، وعلى أنه لم ينقل أن عمر رفع ذلك إلى النبي ﷺ وحكم به، ولو كان ذلك لنقل، لأنه أولى بالنقل من غيره. والثاني: بالخبر أن عمر جعلها صدقة ثم ذكر أحكامها فقال: لا تباع، ولا توهب، ولا تورث فدل على أن هذه الأحكام تتعلق بها إذا صارت صدقة وإن لم يحكم بها الحاكم، ويدل على ذلك إجماع الصحابة، لأن أبا بكر وعمر، وعثمان، وعليًا، وطلحة، والزبير، وأنسًا، وأبا الدرداء، وعبد الرحمن بن عوف، وفاطمة وغيرهم وقفوا دورًا وبساتين ولم ينقل عن أحد منهم أنه رجع في وقفه فباع منه شيئًا ولا عن أحد من ورثتهم مع اختلاف همهم، فلو كان ذلك جائز لنقل عن أحد منهم الرجوع. ومن القياس: أنه تصرف يلزم بالوصية فجاز أن يلزم في حال الحياة من غير حكم الحاكم أصله: إذا بنى مسجدًا فإنه يلزم من غير حكم الحاكم، وقد قال أبو حنيفة: إذا أذن لقوم فصلوا فيه صار محبسًا وثبت وقفه، وكذلك إذا عمل مقبرة وأراد أن يقفها فأذن لقوم فدفنوا فيها ثبت الوقف، ولأنه إزالة ملك يلزم بحكم الحاكم فجاز أن يلزم بغير حكمه. أصله: سائر أنواع التصرف التي تزيل الملك. فأما الجواب عن حديث ابن عباس فمن وجهين: أحدهما: أنه أراد حبس الزانية، وذلك قوله تعالى: ﴿َأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ [النّسِاَء] وقد بين النبي ﷺ السبيل فقال البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم. والثاني: أنه أراد به ما يثبته في آخر وهو قوله: "إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" فكأنه قال: لا يحبس عن وارث شيء جعله الله له. وأما الجواب عن حديث عبد الله بن زيد: فهو أن ذلك الحائط ما كان له إنما كان لأبويه بدليل أنه روي عن الخبر "ماتا فورثهما". وأما الجواب عن حديث شريح فهو أن نقول: هذا مرسل، لأن شريحًا تابعي، ولا نقول بالمراسيل أو نقول أراد بذلك الأحباس التي كانت تفعلها الجاهلية، وقد ذكرها الله تعالى في كتابه العزيز فقال: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣]. وأما الجواب عن الخير فهو أنه لا حجة فيه، لأنه يجوز أن يكون ذلك الوقف ما صح لمعنى عرض فيه فرده لذلك المعنى، وذلك الرد لا يدل على بطلان الحبس كما لو

стр. 3400

روي أن رجلًا باع مبيعًا فرده رسول الله ﷺ لم يدل ذلك على أن حبس البيع باطل. وأما قياسهم على صدقة التمليك فإنا نقلبه، فنقول: فوجب أن يكون وجود حكم الحاكم وعدمه سواء. أصله: ما ذكروه ثم لا يمتنع أنه لا يلزم بمجرد القول إذا أخرجه بلفظ الصدقة، وإذا أخرجه بلفظ الوقف لزم ألا ترى أن هبة العبد لا تلزم بمجرد القول، وعتقه يلزم بمجرد القول، وأما قياسهم على عقد الإجارة فهو إنا لا نسلم أنه عقد على منفعة وإنما هو عقد على الرقبة، لأن الوقف مزيل الملك عن الرقبة، فهو كالعتق، وأما استدلالهم الأخير فهو أنه لا يمتنع أنه لا يلزم إذا أتى بصريح المعنى، ويلزم إذا أتى بلفظة كما قال عن عقد النكاح أحللت لك هذه المرأة وأبحتها لك لم صح النكاح وقد صرح بمعناه ولو قال: زوجتك أو أنكحتك جاز ذلك والله أعلم. فصل: ذكر أصحابنا تفسير السائبة، والبحيرة، والوصية، والحاك، فأما السائبة فهي الناقلة تلد عشرة بطون كلها إثات فتسيب تلك الناقة فلا تحلب إلا للضيف ولا تركب، والبحيرة: ولدها الذي يجيء به في البطن الحادي عشر فإذا كان أنثى فهي البحيرة، وإنما سموها بذلك، لأنهم كانوا ينحرون أذنها أي يشقونها، والنحر الشق، ولهذا سموا البحر بحرًا لأنه شق في الأرض. وأما الوصيلة فهي الشاة تلد خسمة بطن في كل بطن عناقان فإذا ولدت بطنًا سادسًا ذكرًا أو أنثى قالوا: وصلت أخاها فما ولدت بعد ذلك يكون حلالًا للذكور وحرامًا للإناث وأما الحام فهو الفحل ينتج من ظهره عشرة بطون فيسيب ويقال: حمى ظهره فكان لا يركب. فصل: ليس من شرط لزوم الوقف عندنا القبض وقال محمد بن الحسن: من شرط لزومه القبض كالهبة. ودليلنا قول النبي ﷺ لعمر: "حبس الأصل وسبل الثمرة" ولم يأمره بالإقباض ولأنه جعل إليه التحبيس، وعقد المخالف لا يملك الواقف للتحبيس؛ لأنه تصير بوقفه لازمًا حتى يقبضه من غيره وذلك سبب من جهة غيره، ولأن عمر وقف تلك السهام التي ملكها من أرض خيبر فكان يلي صدقته حتى قبضه الله، وكذلك وقف علي كرم الله وجهه ولم يزل يلي صدقته حتى قبضه الله ولم تزل فاطمة ﵍ تلي صدقتها حتى لقيت الله، فدل ذلك على أن الوقف يلزم قبل القبض، فأما ما ذكره المخالف فهو أنا لا تسلم أنه عطية، لأن الوقف بمنزلة العتق، والعتق والعقد لا يسمى عطية، فكذلك الوقف ثم المعنى في الأصل إن ذلك تمليك بدليل أن الموهوب له يملك التصرف في الموهوب
следующие страницы →