Полный текст (7 151 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.
стр. 3431
متوجه إلى الرقبة فإذا بطل لم يملك بها المقصود بها غير أنه لم يضمن الأجرة إن سكن أو تصرف فلو كانت العمري نخلاً فأثمرت لم يملك الثمرة ,ولو كانت شاة فنتجت لم يملك الولد, فإن تلفت الثمرة في يده وملك الولد, فإن كان بغير فعله لم يضمن, وإن كانت بفعله ضمن.
والثاني: وهو قوله في الجديد أنها جائزة, وهي ملك له في حياته ثم لورثته بعد وفاته لرواية أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " من أعمر عمري فهي له ولعقبه يرثها من يرثه من عقبه".
فصل:
وأما الحالة الثالثة وهو أن يقول: قد جعلتها لك مدة عمري أو جعلتها عمر زيد والحكم فيها واحد والمذهب أنها عطية باطلة؛ لأنه لا يملكه إياها عمره فيورث عنه ولا جعلها عمري فيستعمل فيها الخبر، وإنما قدر ذلك بعمر نفسه أو عمر أجنبي فاقتضى لما هي عليه من خلاف الأصل خروجها من حكم النفي أن تبطل وهكذا لو قال: قد أعمرتكها سنة أو شهراً كانت كذلك في البطلان، وكان بعض أصحابنا يغلب فيها حكم العمري، ويخرجها على قولين وهو خطأ لما بيناه.
فصل:
وأما الرقبي فعلى ضربين:
أحدهما: أن يشترط ارتقاب كل واحد منهما أصاحبه فيقول: قد جعلتها لك رقبي ترقبني وأرقبك فإن مت قبلي رجعت إليِّ وإن مت قبلك فهي لك، فهذه عطية باطلة، لما في هذا الشرط من منافاة الملك.
والثاني: أن يشترط ذلك بل يقول: قد جعلتها لك رقبي فعلى قولين:
أحدهما: وهو قوله في القديم أن ذلك باطل لا يحصل به التمليك اعتباراً بمقصود اللفظ.
والثاني: وهو الجديد أنها عطية جائزة يملكها المعطي أبداً ما كان حياً ويورث عنه إن مات سواء كان المعطي حياً أو ميتاً استدلالاً بقوله [ ﷺ ] [فمن أعمر شيئاً أو أرقبه فهو سبيل الميراث].
باب عطية الرجل ولده
قال الشافعي ﵀: [أخبرنا مالك عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن وعن محمد بن النعمان بن بشير يحدثنانه عن النعمان بن بشير ﵁ أن أباه أتى
стр. 3432
به إلى رسول الله ﷺ فقال: إني نحلت ابني هذا غلاماً كان لي فقال رسول الله ﷺ [أكل ولدك نحلت مثل هذا]؟ قال لا، فقال رسول الله ﷺ : [أليس يسرك أن يكونوا في البر إليك سواء؟] فقال بلى، قال: [فأرجعه] قال الشافعي ﵀: [وبه نأخذ وفيه دلالة على أمور منها حسن الأدب في أن لا يفضل فيعرض في قلب المفضول شيء يمنعه من بره فإن القرابة بنفس بعضهم بعضاً ما لا بنفس العدى ومنها إعطائه بعضهم جائز ولولا ذلك لما قال ﷺ : [فأرجعه] ومنها للوالد أن يرجع فيما أعطى ولده وقد فضل أبو بكر رضي اللع عنه عائشة ﵂ بنخل وفضل عمر ﵄ بشيء أعطاه إياه وفضل عبد الرحمن بن عوف ولد أم كلثوم].
قال في الحاوي: وهذا كما قال أفضل الهبات صلة ذوي الأرحام لقوله ﷺ : [خير الصدقة على ذي الأرحام الكاشح] فإذا هب لولده فيختار التسوية في الهبة ولا يفضل ذكراً على أنثى، وبه قال مالك وأبو حنيفة وهو مذهب شريح ومحمد بن الحسن وأحمد وإسحاق إلى أن الأفضل أن يعطي الذكر مثل حظ الأنثيين استدلالاً بقسمته لأحدهم سهم في المواريث.
ودليلنا ما رواه عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: [سووا بين أولادكم في العطية ولو كنت مفضلاً لفضلت البنات] وهذا يمنع من حملهم على المواريث وإن كان فيها يسوي بين الذكور والإناث كالإخوة من الأم وكالأبوين مع الابن والله أعلم.
مسألة:
فإن لم يسو بينهم وخص بالهبة بعضهم كانت الهبة جائزة وإن أساء، وبه قال مالك، وأبو حنيفة. وقال طاووس وأحمد وإسحاق وداود: الهبة باطلة استدلالاً بقوله ﷺ لبشير [كل ولدك نحلت مثله]؟ قال: لا قال: [فأرجعه] وروي أنه قال: [فأشهد غيري على التبرؤ من فعله] ودل قوله هذا جور على ذمة فعله، قالوا: لأن تفضيل بعضهم على بعض يؤدي إلى عقوق، والعقوق حرام.
ودليلنا قوله ﷺ [فأرجعه] فلولا يقود الهبة لما أمره بالاسترجاع ثم قوله [أشهد غيري] دليل على عدم الجواز لأن ما لا يجوز لرسول الله ﷺ أن يشهد فيه لا يجوز لغيره أن يشهد فيه، وإنما أمره بإشهاد غيره استئنافاً، وهذا جواب ودليل قوله هذا جواب أي ميل يقال فجاز السهم إذا مال عن الرمية فقال ذلك لأنه مال إلى الموهوب له وقد روي أن أبا بكر ﵁ خص عائشة ﵂ بنحل عشرين وسقاً من تمر وقال وددت أنك قد قبضته وهو اليوم من مال الوارث وفضل عمر بن الخطاب ﵁ عاصماً بنخل وخص عبد الرحمن بن عوف ولد أم كلثوم ولأنه لما جاز أن يجمع جمعيهم جاز أن
стр. 3433
يعطي جميعهم جاز أن يفعل ذلك بجمعيهم كالأجانب، ولأنه لما جازت هبة بعض الأولاد للأب جازت هبة الأب لبعض الأولاد.
مسألة:
قال الشافعي ﵀: [ولو اتصل حديث طاووس: لا يحل لواهب أن يرجع فيما وهب ألا والد فيما يهب لولده] لقلت به ولم أرد واهباً غيره وهب.
قال في الحاوي: وهذا صحيح والحديث متصل، وليس لواهب أقبض ما وهب أن يرجع فيه إلا أن يكون والداً فيجوز له الرجوع، فأما من سواه فلا رجوع له سواء كان أجنبياً أو ذا رحم، وقال أبو حنيفة: ﵀: إن وهب لذي رحم محرم لم يجز أن يرجع في هبته له وإن وهب لذي غير رحم جاز الرجوع، فأما أبو حنيفة فالكلام معه في فصلين:
أحدهما: جواز رجوع الأب في هبته وأبو حنيفة يمنع منه.
والثاني: منع الأجنبي من الرجوع في هبته، وأبو حنيفة فأما الفصل الأول وهو جواز رجوع الأب في هبته فاستدل أبو حنيفة على المنع من رجوعه بقوله ﷺ [لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه] فكان عموم هذا يمنع رجوعه فيما ملك الابن عنه، وبراوية ابن عباس أن النبي ﷺ قال: [العائد في هبته كالكلب يقيئ ثم يعود فيه] وبما روى عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: من وهب لذي رحم لم يرجع ومن وهب لغير ذي رحم رجع ما لم يبيت. قال: لأن الهبة لذي الرحم صدقة، لأن المقصود بها ثواب الله تعالى دون المكافأة فلما لم يجز أن يرجع في الصدقة لم يجز أن يرجع في الهبة لذي الرحم، ولأن في الرجوع في الهبة عقوقاً وعقوق ذي الرحم حرام، ولأنه لو وهب بشرط الثواب فأثيب لم يرجع وهذا قد أثيب من قبل الله تعالى في هبة الرحم فلم يجز أن يرجع.
ودليلنا قوله ﷺ لبشير في هبته للنعمان من بين ولده [فأرجعه] فلولا أن رجوعه جائز لما أمر به ولكان الأولى لو فعله أن يمنعه منه، وروى عمرو بن سعيد عن طاووس عن ابن عمر وابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ [لا يجوز لرجل أن يعطي عطيه أو أن يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده، ومثل الذي يعطي العطية ويرجع فيها كمثل الكلب يأكل فإذا شبع قاء ثم عاد في قيئته] وهذا نص لم يكن متصلاً عند الشافعي وقد ثبت
стр. 3434
اتصاله وبهذا يخص ما استدل به من عموم الخبر الأول، ويعمم ما اقتصر عليه من بقية الخبر الثاني، وقال ﷺ [أولادكم من كسبكم فكلوا من طيب كسبكم] فيميز الولد من غيره جعله كسباً لوالده فكان ما كسبه الوالد منه أولى أن يكون من كسبه، وقد يتحرر من هذا الاعتلال قياس فيقال: لأنه وهب كسبه لكسب غير معتاض عنه فجاز له الرجوع فيه كما لو وهب لعبد، ولأن ما للولد في يد والده لجوز تصدقه فيه إذا كان صغيراً وأخذ النفقة منه إذا كان كبيراُ فصارت هبة له وإن خرجت عن يده في حكم ما وهبه وهو باق في يده، فإذا جاز أن يرجع فيما وهبه لغيره إذا لم يقبضه لبقائه في يده جاز أن يرجع فيما وهبه لولده وإن أقبضه، لأنه في حكم الباقي في يده، وتحرير هذا الاستدلال قياساً أنها هبة يجوز تصدقه فيها فجاز له الرجوع فيها قياساً على ما لم يقبض، ولأن الأب لفضل حنوه تباين أحكامه أحكام غيره فلا يعاديه ولا تقبل شهادته له، ويجوز أن يتصرف في يديه بالتزويج وفي ماله بالعقود لفضل الحنو وانتفاء التهم فجاز أن يخالف غيره في جواز الرجوع في الهبة؛ لأن انتفاء التهمة تدل على أن رجوعه فيها لشدة الحاجة منه إليها، ولأننا وأبا حنيفة قد أجمعنا على الفرق في الهبة بين الأجنبي وذي الرحم فلأن يكون الرجوع فيها مع الرحم المباغض دون الأجنبي أولى منه أن يكون مع الأجنبي دون ذي الرحم لثلاثة أمور:
أحدهما: النص المعاضد.
والثاني: البغيضة الممازجة.
والثالث: التمييز بالأحكام المخصوصة، وفي هذه المعاني جواب، وجوابهم عن الاستدلال بالثواب فهو أنه إذا أثبت بالمال، فقد وصل إليه البدل فلم يجز أن يكون جامعاً بينه وبين المبدل فخالف من لم يصل إليه البدل على أن ثواب الله تعالى إنما يستحقه في الهبة غير الراجع فيها من الآباء.
فصل:
وأما الفصل الثاني في أن الأب لا يجوز أن يرجع في هبته، وأجاز أبو حنيفة للأجنبي أن يرجع فيها، استدلالاُ بحديث عمرو. ودليلنا مع ما قدمناه من حديث طاووس أن كل من وجب له القصاص على واهبه لم يملك واهبه الرجوع عليه في هبته كالأخ طرداً والوالد عكساً، ولأن انتفاء القرابة تمنع من الرجوع في الهبة المقبوضة كالزوجين، ولأنها هبة لا يجوز فيها بغير حكم حاكم فلم يجز الرجوع فيها بحكم حاكم كالهبة على الثواب.
فصل:
وإذا ثبت أن ليس الوالد أن يرجع فيما وهب لولده فلا فرق بين الأب والأم
стр. 3435
والجد والجدة، ومنع مالك الأم والجد أن يرجعا في هبتهما تعلقا بحقيقة الأم في الولد فهذا ليس بصحيح، لأن كل منهم والد فيه بعضيه، فأما فأما الولد فلا يجوز له الرجوع في هبته للوالد لما بينهما من الفرق وفضل الحنو وحق الولاية وجواز التصرف، فإذا صح أن كل واحد منهما والد ووالده أو ووالدة أو جد وجدة وهب فله الرجوع في هبته سواء قال الأب: قصدت بالهبة برة فعتق ولم يبر، أو قال لم أقصد ذلك، وقال ابن سريج: إنما يرجع الأب في هبته إذا قال قصدت بها بره وظهور إكرامه ولم يبر ولم يكرم، ولا يجوز أن يرجع إن لم يقل ذلك ويدعيه، وهذا خطأ من وجهين:
أحدهما: عموم الخبر.
والثاني: أن ما جاز به الرجوع فهذا المعنى غير مؤثر فيه كما أن ما لا يجوز به الرجوع فهذا غير مؤثر فيه.
فصل:
فأما إذا تصدق الأب على ولده فقد اختلف أصحابنا هل يجوز له الرجوع فيها أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: يجوز تغليبا لحكم الهبات.
والثاني: لا يجوز اعتبارا بحكم الصدقات، ولا فرق بين أن يكون الولد ذكرا أو أنثى صغيرا أو كبيرا، عاقلا أو مجنونا، مسلما أو كافرا.
فصل:
ولو تداعا رجلان طفلا وقال كل واحد منهما هو ابني ثم وهب له هبة لم يكن لواحد منهما الرجوع في هبته، لأنه لا يحكم لواحد منهما بأبوته، فإن انتفى عن أحدهما ولحق بالآخر فهل لمن لحق به الرجوع فيما تقدم من هبته أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: يرجع، لثبوت أبوته.
والثاني: لا يرجع، لأنه حين وهب كان ممن لا يرجع.
فصل:
وإذا وهب الأب لأولاده ثم أراد أن يرجع في نفسه لبعضهم جاز وفي كراهيته وجهان:
أحدهما: يكره له استرجاع الهبة من بعضهم حتى يسترجعها من جميعهم كما يكره له الهبة لبعضهم حتى يهب لجميعهم.
والثاني: لا يكره لأن الخبر في التسوية في العطاء لا في المنع.
فصل:
وإذا وهب لأبنه هبة فباعها أو استهلكها فليس للأب الرجوع ببدلها وإنما
стр. 3436
يرجع لو كانت باقية في يده، وهكذا لو رهنها الابن لم يكن للأب الرجوع بها كما كانت رهنا، فإن أفتكها الابن جاز للأب الرجوع بها، ولو باعها الابن ثم ابتاعها أو ورثها فهل للأب الرجوع فيها أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: يرجع بها، لبقائها في يده.
والثاني: لا يرجع بها، لخروجها عن ملك الابن.
فصل:
فلو كانت باقية في يد الابن ثم حكم الحاكم بفلسه ففي جواز رجوع الأب بها وجهان:
أحدهما: يرجع بها، لبقائها في يده.
والثانية: لا يرجع بها، لتعلق حق الغرماء بها.
فصل:
ولو وهب الأب لابنه هبة ثم وهبها الابن جاز للابن أن يرجع بها على ابنه وهل للأب الرجوع بها على ابن ابنه أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: يرجع بها، لأنه ابن ابنه الذي يجوز له الرجوع عليه بهبته.
والثاني: لا يرجع بها، لأنه غير الواهب له، فعلى هذا لو استرجعها الابن من ابنه ففي رجوع الأب بها وجهان.
فصل:
ولو وهب لابنه جارية فأعتقها الابن، أو دارا فوقفها لم يكن للأب الرجوع بها ولا بقيمتها، لأنه في حكم المستهلكة، وهكذا لو وطاء الابن الجارية، فأجلها لم يكن للأب الرجوع بها ولا بقيمتها، لأن من ملك أم الولد لا يجوز أن انتقل إلى مالك آخر ولكن لو لم يحبلها جاز للأب الرجوع بها ثم وطئها حرام عليه، لأنها صارت من حلائل أبنائه، وليس للأب مطالبته بأرش التحريم وهكذا لو كانت الأمة بكرا فافتضها الابن لم يكن له مطالبه بأرش البكارة، فلو جنى عليها في يد الابن جناية أحذ أرشها ثم رجع الأب بها لم يرجع بأرش الجناية على ابنه، لأنه بدل مما فات رجوع الأب به فصار أرش جنايتها كثمنها لو باعها، فلو كان الابن كاتبها لم يكن للأب الرجوع بها إلا أن تكون الكتابة فاسدة فيرجع بها، فإن عجزت عن الكتابة الصحيحة رجوع الأب بها وجها واحدا بخلاف ما لو باعها، لأن البيع يزيل الملك، والكتابة توقف الملك ولا تزيله، فلو دبرها الابن أو اعتقها بصفة لو بات جاز للأب الرجوع بها لبقائها على ملكه، ولم ينقل ملكها إلى غيره فلو كان الابن قد زوجها رجع الأب بها والنكاح على حاله، وكذلك لو أجرها الابن للأب جاز للأب الرجوع بها والإجارة بحالها إلى انقضاء مدتها والمهر معا للابن دون الأب.
стр. 3437
فصل:
ولو كانت الهبة شاة فنتجت ثم رجع الأب بها كان النتاج للابن دون الأب، فلو كانت الشاة عند الهبة حاملا ثم ولدت في يد الابن ثم رجع الأب بالشاة ففي ولدها قولان من اختلاف قوليه في الحمل، فلو كانت الشاة حائلا ثم رجع الأب بها حاملا ففي ولدها إذا وضعته أيضا قولان، ولو كانت الهبة نخلا فأثمرت في يد الابن ثم رجع الأب بالنخل فإن كانت الثمرة مؤبرة عند رجوع الأب فهي للابن، وإن كانت غير مؤبرة ففيها قولان:
أحدهما: للابن أيضا، مما يتميز.
والثاني: للأب، لأن ما يؤبر من النخل لأصله كالبيع.
فصل:
ولا يصح رجوع الأب في هبته إلا بالقول الصريح، سواء كان الابن صغيرا أو كبيرا بخلاف هبته لابنه الصغير حيث جوزناها بالنية في أحد الوجهين، لأنه استرجاع ملك فكان أغلط ثم لا يصح أن يكون الرجوع معلقا بصفة حتى لو قال إذا دخلت دار فقد رجعت في هبتي لابني لم يجز، وهل يجوز ذلك في رجوعه في الوصية؟ على وجهين:
أحدهما: لا يجوز كالهبة.
والثاني: يجوز، لأنه لما جازت الوصية بالصفة جاز الرجوع فيها بالصفة.
مسألة:
قال الشافعي ﵀: [لمن يستثيب من مثله أو لا يستثيب].
قال في الحاوي: اعلم أن الهبة نوعان نوع لا يقتضي المكافأة ونوع يقتضيها، فأما ما لا يقتضي المكافأة فمن ثمانية أوجه.
أحدهما: هبة الإنسان لمن دونه; لأنه المقصود بها التفضل.
والثاني: هبة الغني للفقير ; لأن المقصود بهذا النفع.
والثالث: هبة البالغ العاقل للصبي أو المجنون، لأنها ممن لا يصح الاعتياض منها.
والرابع: الهبة للأهل والأقارب; لأن المقصود منها صلة الرحم.
والخامس: الهبة للمنافر المعادي؛ لأن المقصود منها التآلف.
والسادس: الهبة للعلماء والزهاد؛ لأن المقصود بها القربة والتبدر.
والسابع: الهبة للأصدقاء والإخوان؛ لأن المقصود بها تأكيد المودة.
стр. 3438
والثامن: الهبة بمن أعان بجاه أو بمال؛ لأن المقصود بها المكافأة، فهذا النوع من الهبة على هذه الأوجه الثمانية لا يستحق عليها المكافأة، وإذا أقبضها الموهوب له بعد القبول فقد ملكها مستقرا كالذي يملك بابتياع أو ميراث.
فصل:
وأما ما يقتضي المكافأة فهو ما سوى هذه الوجوه مما يظهر أن المقصود بها طلب المكافأة عليها ففي وجوب المكافأة قولان:
أحدها: وهو قوله في القديم، وبه قال مالك: أن المكافأة عليها واجبة، لقوله ﷺ لسلمان: " إنا نقبل الهدية ونكافئ عليها" ولرواية أبي هريرة ﵁ أن أعرابيا أهدى إلى رسول الله ﷺ ناقة مكافأة فلم يرضى فكافأه فلم يرضى فلم يزل يكافئه حتى رضي ثم قال: " هممت أن لا تهب إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقتي" وإنما خص هذا، لأنهم مشهورون بسماحة النفوس وقلة الطمع فلولا وجوب المكافأة لما صبر على طمع الأعرابي وآذاه؛ لأن العرف الجاري في الناس المكافأة بها يجعله كالشرط فيها ويكون قبول الهبة رضي بالتزامها.
والثاني: وبه قال في الجديد، وهو مذهب أبي حنيفة أن المكافأة عليها غير واجبة، لقوله ﷺ : "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه" ولأن ما صح تملكه من غير ذكر بدل لم يستحق فيه البدل كالوصية والصدقة، ولأن العقود لا يختلف استحقاق البدل فيها باختلاف العاقدين لها اعتبارا بسائر العقود من البيع والإجارة في استحقاقه، والوصية والعارية في إسقاطه.
فصل:
فإذا تقرر بوصية القولين فإن قلنا بأن الثواب لا يجب فإن المكافأة لا تستحق فأثاب الموهوب له وكافأ فهي هبة مبتدأة لا يتعلق حكم واحدة من الهبتين بالأخرى، فلو استحقت إحداهما أو ظهر بها عيب فالأخرى على حالها لا يجوز أن تسترجع، فإن شرط على هذا القول في نفسه ثوابا ومكافأة فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون الثواب الذي شرط مجهولا فالهبة باطلة، لاشتراط ما ينافيها.
والضرب الثاني: أن يكون معلوما ففيها قولان:
أحداهما: باطلة، لما ذكرنا من التعليل.
والثاني: جائزة، لأنها معاوضة على بدل معلوم كالبيع، فإن كان بلفظ الهبة فإذا قلنا ببطلان الهبة عند اشتراط الثواب معلوما كان أو مجهولا فالموهوب له ضامن بها
стр. 3439
بالقبض، لأنها مقبوضة على وجه المعاوضة، وعليه ردها لفساد العقد، فلو تلفت في يده كان ضامنا لها كالمقبوض من بيع فاسد بأكثر ما كان قيمته من وقت القبض إلى وقت التلف على أصح المذهبين في ضمان البيع الفاسد، ولو نقصت مع بقاء عينها ضمن قدر نقصها، فإذا قلنا بصحة الهبة عند اشتراط الثواب المعلوم فهي كالبيع المحض يستحق فيه خيار المجلس بالعقد وخيار الثلث بالشرط، ويجوز اشتراط الرهن والضمين فيه، وإن استحقت الهبة وجب رد الثواب، وإن استحق الثواب وجب رد الهبة وإن كان الثواب معينا أو غرم مثله مع بقاء الهبة إن كان الثواب موصوفا، وإن ظهر في الهبة عيب كان الموهوب به بالخيار بين المقام والفسخ.
فصل:
وإن قلنا إن الثواب واجب والمكافأة مستحقة فلا يخلو أن يشترط الثواب أولا بشرطه، فإن لم يشترطه لزمه بالعقد، وفيه ثلاث أقاويل:
أحدهما: أن عليه أن يثيب ويكافئ حتى يرضى الواهب؛ لأن النبي ﷺ لم يزل يكافئ الأعرابي حتى رضي.
والثاني: عليه أن يكافئ بما يكون في العرف ثوابا لمثل تلك الهبة، لأن الرضي لا ينحصر فكان العرف أولى أن يعتبره.
والثالث: عليه أن يكافئ بقدر قيمته الهبة لا يلزمه الزيادة عليها، ولا يجزئه النقصان منها، لأن ما استحق فيه البدل إذا عدم المسمى رجع إلى القيمة اعتبارا بمهر المثل وقيم المتلفات، فعلى هذا يكون الموهوب له بالخيار أن يكافئ في مقدار ما ذكرناه من الثواب وبين أن يرد الهبة، ولا خيار للواهب في أحد الأمرين، فإن رد الهبة لم يكن للواهب أن يطالبه بالثواب، فإن ردها ناقصة فإن كان نقصها بفعله ضمنه للواهب، وإن كان بغير فهله ففي ضمانه إياه وجهان أصحهما عليه صفاته.
والثاني: لا يضمنه، وإن ردها وقد زادت فإن كانت الزيادة لا تتميز كالطول والسمن أخذها الواهب زائدة، لأن ما لا يتميز من الزيادات تبع للأصل، وإن كانت الزيادة متميزة فهي للموهوب له كالنتاج والثمرة، لحدوثها على ملكه ولا يلزمه دفعها إلى الواهب وإن رد عليه الهبة، وإن لم يرد الهبة وكافأة عليها بما ذكرناه من الثواب فيها فالواهب بالخيار أن يقبل المكافأة وبين أن يقبل ولا خيار له في استرجاع الهبة، فإن قبل المكافأة ثم استحقت من يده فالموهوب له بالخيار بين أن يكافئه ثانية وبين أن يرد الهبة، ولو استحقت الهبة دون المكافأة كان للموهوب له أن يرجع بالمكافأة، فلو قال الواهب: أنا أهب لك مثل تلك الهبة ولا أرد المكافأة لم يكن ذلك له بخلاف استحقاق المكافأة، فلو لم يكافأ الموهوب له عن نفسه وكافأه عنه غيره جاز ولا رجوع للواهب، لوصول الثواب إليه، ولا رجوع للمكافئ على الموهوب له بما أثاب عنه وكافأ؛ لأنه متطوع إلا أن يكافئ بأمره فيرجع عليه، فلو لم يكافئه الموهوب له عنده الهبة حتى تلفت
стр. 3440
في يده [بغير] فعله ففي وجوب الثواب عليه قولان:
أحدهما: لا يجب عليه الثواب, لأنه إنما يجب أن يكافئ ويثيب في الحال التي إن رد ولم يثب فعلى هذا تتلف غير مضمونة عليه.
والثاني: أن الثواب واجب عليه لاستحقاقه بالعقد, فإن أثاب وإلا ضمنها بالقيمة لتلفها عن بدل فائت.
فصل:
وإن اشترط الواهب الثواب على هذا القول فلا يخلو أن يشترطه معلومًا أو مجهولًا فإن اشترطه مجهولًا صحت الهبة ولزم الشرط, لأنه يوجب العقد, ثم حكي هذه الهبة والثواب على ما مضى, وفيه ثلاثة أقاويل غير أن الهبة لو تلفت في يده مع هذا الشرط قبل الثواب لزمه أن يثيب أو يضمن القيمة قولًا واحدًا, وإن اشترط الثواب معلومًا ففيه قولان:
أحدهما: جائز, لأن ما منع عن الجهالة كان أولى بالصحة وله ما اشترط, ويكون الفرق بينه وبين البيع أنه في الهبة يشترط الثواب المعلوم يكون مخيرًا بين دفع الثواب وبين رد الهبة وفي البيع يلزمه دفع الثمن ولا خيار له في الرد ما لم يكن خيار أو عيب, ثم هما فيما سوى ذلك على سواء.
والثاني: وهو قول أبي ثور أن الهبة باطلة لخروجها عن حكم الهبات المطلقة والبيوع اللازمة, فعلى هذا تكون مضمونة ضمان البيع الفاسد على ما مضى.
فصل:
هبة المريض في الثلث, فإن احتملها الثلث أمضيت وإلا ردت, لأنها في حكم الوصية, وإن احتمل الثلث بعضها أمضى منها قدر ما احتمله الثلث إلا أن يجيزه الوارث فيصح في الجميع, فلو وهب في الصحة وأقبض في المرض فهي هبة في المرض؛ لأنها بالقبض فيه تمت فلو اختلفا فقال وارث الواهب هي في المرض وقال الموهوب له في الصحة، فالقول قول الوارث مع يمينه؛ لأن الأصل فيها عدم لزوم فلو مات الواهب قبل القبض ففيها قولان:
أحدهما: أن وارثه بالخيار بين إقباضها بالعقد الماضي أو المنع.
والثاني: أن العقد قد بطل بالموت, فإن أحب إمضاء الهبة استأنف عقدًا وقبضًا.
فصل:
وإذا دخل المسلم دار الحرب فوهب له أهلها هبة قبلها وقبضها، ولم يغنمها المسلمون إن ظفروا بها، وفرق أبو حنيفة بين ما ينقل فيها وما لا ينقل، فجعل ما ينقل مملوكًا وما لا ينفع مغنومًا، استدلالًا بما روي عن عمر ﵁ أنه قال: من منحه المشركون أرضًا فلا أرض له وهذا إن صح عنه محمول على العارية دون الهبة.
стр. 3441
فصل:
هبة دور مكة وعقارها يجوز بخلاف قول أبي حنيفة بناء على البيع، فأما إجارتها للحجاج فيجوز هبتها إن جاز بيعها، وأبطل إن لم يجز بيعها.
فصل:
هبة الدين لغير ما هو عليه لا يجوز، ولمن هو عليه يجوز، لأن هبته لمن هو عليه إبراء ولغيره تمليك، وهبة المنافع عارية لا تلزم، لأن قبضها قبل انقضائها لا يصح.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: "قَالَ: وَتَجُوزُ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ إِلَّا رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ لَا يَاخُذُهَا لَمَّا رَفَعَ اللَّهُ مِنْ قَدْرِهِ وَأَبَانَهُ مِنْ خَلْقِهِ إِمَّا تَحْرِيمًا وَإِمَّا لِئَلَّا يَكُونَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ يَدْ؛ لأَنَّ مَعْنَى الصَّدقَةَ لَا يُرَادُ ثَوَابُهَا وَمَعْنَى الهَدِيَّةِ يُرَادِ ثَوَابُهَا وَكَانَ يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ وَرَأَى لحَمْاً تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى بُرَيْرَةَ فَقَالَ: "هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ"".
قال في الحاوي: والمقصود بهذه المسألة فصلان مضيا.
أحدهما: تحريم الصدقات على رسول الله ﷺ وقد ذكرناه.
والثاني: إباحة لصدقة التطوع على الأغنياء وقد بيناه فلم يكن للإطالة بتكرارهما وجه مع ما حصل من إطالة الاستيفاء، فأما المسألة فتحرم على الغنى وإن حلت له الصدقة، روى عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ قال: "إن المسألة لا تحل إلا من فقر مدقع أو غرم مفظع أو دم مولع" وبالله التوفيق.
стр. 3442
كتاب المزارعة وكراء الأرض
والشركة في الزرع وما دخل فيه
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "أَخْبَرَنَا سُفْيَانَ قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرو بْنَ دِينَارٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: كُنَّا نُخَابِرُ وَلَا نَرَى بِذَلِكَ بَاسًا حَتَّى أَخْبَرَنَا رَافِعُ بْنَ خُدَيْج أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ المُخَابَرةِ فَتَرَكْنَاهَا لِقَوْلِ رَافِع قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: وَالمُخَابَرَةِ اسْتِكْرَاءُ الأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَدَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي نَهْبِه عَنِ المُخَابَرَةِ عَلَى أَنْ لَا تَجُوزَ المُزَارَعَةُ عَلَى الثُّلُثُ وَلَا عَلَى الرُّبع وَلَا جُزْءٍ مِنَ الَأجْزَاءِ لأَنَّهُ مَجْهُولٌ وَلَا يَجُوزُ الكِرَاءُ إِلَّا مَعْلُومًا".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، المخابرة هي المزارعة وهي ما وصفها الشافعي ﵁ أنها استكراء الأرض ببعض ما يخرج منها، واختلف الناس في تسميتها بالمخابرة على قولين ذكرهما ابن قتيبة.
أحدهما: أنها مأخوذة من معاملة خيبر حين أقرهم رسول الله ﷺ فقال: خابروهم أي عاملوهم على خيبر.
والثاني: أنها مأخوذة من الخبرة وهي النصيب. قال عروة بن الورد:
أما جعلت الشاة للقوم خبرة فشأنك أني ذاهب لشؤون
والخبرة: أن يشتري الشاة جماعة فيقتسمونها.
وإذا كانت المخابرة هي استكراء الأرض لزراعتها ببعض ما يخرج منها فهي على ضربين، ضرب أجمع الفقهاء على فساده، وضرب اختلفوا فيه. فأما الضرب الذي أجمعوا على فساده، فهو أن تكون حصة كل واحد منهما من زرع أورض مفردة عن حصة صاحبه، مثل أن يقول قد زارعتك على هذه الأرض على أن ما زرعت من هرن كان لي وما زرعت من أقل كان لك, أو على ما بنت ما الماذيانات كان لي، وما نبت على السواقي والجداول كان لك، أو على أن ما سقي بالسماء فهو لي وما سقي بالرشاء فهو لك، فهذه مزارعة باطلة اتفق الفقهاء على فسادها لرواية سعيد بن المسيب عن سعد قال: كنا نكري الأرض بما على السواقي وما سقي بالماء منها فنهانا رسول الله ﷺ عن ذلك,
стр. 3443
وأمرنا أن نكريها بذهب أو ورق ولأن تميز ما لكل واحد منهما يمنع من إلحاقه بالمساقاة المشاعة, ويخرج بالجهالة عن حكم الإجارة الجائزة فصار باطلًا.
فصل:
وأما الضرب الذي اختلف الفقهاء فيه فهو أن يزارعه على أرضه ليكون العمل على الأجير والأرض لربها والبذر منهما أو من أحدهما بحسب شرطهما على أن ما أخرج الله تعالى من زرع كان بينهما على سهم معلوم من نصف أو ثلث أو ربع ليأخذ الزارع سهمه بعمله, ويأخذ رب الأرض سهمه بأرضه فهذه هي المخابرة والمزارعة التي اختلف الفقهاء فيها على ثلاثة مذاهب:
أحدها: وهو مذهب الشافعي ﵁ أنها باطلة سواء شرط البذر على الزارع أو على رب الأرض، وبه قال من الصحابة عبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله, ورافع بن خديج ﵃، ومن التابعين سعيد بن جبير، وعكرمة، ومن الفقهاء الشافعي ومالك وأبو حنيفة ﵃.
والثاني: أنها جائزة سواء شرط البذر على الزارع أو على رب الأرض، وبه قال من الصحابة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود وسعد بن أبي وقاص ومعاذ بن جبل ﵃، ومن التابعين سعيد بن المسيب، ومحمد بن سيرين وعبد الرحمن بن أبي ليلى ومن الفقهاء سفيان الثوري وأبو يوسف ومحمد.
والثالث: أنه إن شرط البذر على صاحب الأرض لم يجز، ولأن شرطه على الزارع جاز, وهو مذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه.
واستدل من أجاز ذلك برواية عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ﵁: "أن النبي ﷺ عامل أهل خيبر على شطر ما يخرج من ثمر وزرع".
وروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: قلت لطاوس: يا أبا عبد الرحمن لو تركت المخابرة فإنهم يزعمون أن النبي ﷺ نهى عنها فقال: يا عمرو وأخبرني أعلمهم ابن عباس أنه لم ينه عنها ولكن قال: لأن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ عليها خرجًا معلومًا. وروى عروة بن الزبير عن زيد بن ثابت، قال: "رحم الله رافع بن خديج أنا أعلم بهذا الحديث منه"، يعني ما رواه عن المخابرة قال لزيد: " أتى رسول لله ﷺ رجلان من الأنصار، وكان قد اقتتلا، فقال رسول الله ﷺ : إن كان هذا شأنكما فلا تكروا المزارع".
стр. 3444
قالوا: ولأن المعاملة على الأصول ببعض نمائها يجوز كالمساقاة على النخل، المضاربة بالمال، وكذلك المخابرة على الأرض. قالوا: ولأنه لما جازت المخابرة إذا اقترنت بالمساقاة جازت بانفرادها.
والدليل على فسادها مع ما رواه الشافعي ﵁ في صدر الباب عن ابن عمر، رواية الشافعي عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء عن جابر قال: "نهى رسول الله ﷺ عن المخابرة. والمخابرة كراء الأرض بالثلث والربع، وروى يعلى بن حكيم عن سليمان بن يسار أن رافع بن خديج قال: "كنا نخابر على عهد رسول الله ﷺ ، وإن بعض عمومتي أتاني فقال: "نهى رسول الله ﷺ عن أمر كان لنا نافعًا، وطواعية الله ورسوله أنفع لنا وأنفع، قال: فقلنا: "وما ذاك" قال: قال رسول الله ﷺ من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه، ولا يكاريها بثلث ولا ربع ولا طعام مسمى، وروى ابن خيثم عن أبي الزبير بن جابر بن عبد الله ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من لم يذر المخابرة فليؤذن بحرب من الله ورسوله، ولأن الأصول التي تصح إجارتها ولا تصح المعاملة عليها ببعض كسبها, وكذا الأرض لما جازت إجارتها لم تجز المخابرة عليها.
فهذه دلائل الفريقين في صحة المخابرة وفسادها، ولما اقترن بدلائل الصحة عمل أهل الأمصار مع الضرورة الماسة إليها، وكان ما عارضها محتملًا أن يكون جاريًا على ما فسره زيد بن ثابت، وقال عبد الله بن عباس كان صحة المخابرة أولى من فسادها مع صحة شهادة الأصول لها في المساقاة والمضاربة.
فصل:
فإن قيل بجواز المخابرة حملًا فيها على ما شرطاه من بذر وسهم, وإن قيل بفسادها فالزرع لصاحب البذر, فإن كان البذر لمالك الأرض فالزرع له، وعليه للعامل أجرة مثل عمله, وبقره, وآلته, لأنه بذل ذلك في مقابة عوض فوته عليه فساده العقد فرجع بقيمه, وإن كان البذر للزارع له وعليه لرب الأرض أجرة مثل أرضه لأنه بدلها في مقابلة عوض فوته عليه فساد العقد، فرجع بقيمته، وإن كان البذر لهما، فالزرع بينهما, وعلى رب الأرض للعامل نصف أجرة عمله، وبقره، وآلته، وعلى العامل لرب الأرض نصف أجرة أرضه.
قال الشافعي ﵁ فلو اشترك أربعة في زراعة الأرض فكانت الأرض لأحدهم, والبذر للآخر, ومن الرابع العمل, على أن الزرع بينهم أرباعًا كان الزرع لصاحب البذر, وعليه أجرة المثل لشركائه. وقد روى الأوزاعي عن واصل بن أبي
стр. 3445
جميل، عن مجاهد قال: اشترك أربعة رهط على عهد رسول الله ﷺ في زرع فقال أحدهم قبلي الأرض, وقال الآخر: قبلي البذر، وقال الآخر، قبلي العمل، وقال الآخر قبلي الفدان, فلما استحصد الزرع صاروا إلى رسول الله ﷺ فجعل الزرع لصاحب البذر، وألغى صاحب الأرض، وجعل لصاحب الفدان شيئًا معلومًا, وجعل لصاحب العمل درهمًا كل يوم.
فصل:
ولمن قال بفساد المخابرة ثلاثة وجوه يتوصل بكل واحد منها إلى صحة الشركة في الزرع:
أحدها: أن يشتركا في منفعة الأرض إما بملك رقبتها أو بإجارتها أو استعارتها أو تكون لأحدهما فيؤجر صاحبه أو لغيره نصفها مشاعًا فتصير منفعة الأرض لهما ثم يشتركان في البذر والعمل فيصير منفعة الأرض لهما ثم يشتركان في البذر والعمل فيصير الزرع بينهما.
والثاني: أن يقول صاحب الأرض للعامل: قد أجرتك نصف أرضي مشاعًا سنة بدينار، واستأجرت نصف عملك ونصف عمل ما قد شاهدته من بقرك وآلتك سنة بدينار ثم يقع القصاص والإبراء، ويخرجان البذر بينهما فيصيران شريكين في الزرع.
والثالث: أن يقول صاحب الأرض للعامل قد أجرتك نصف أرضي مشاعًا بنصف عملك ونصف عمل ما شاهدته من بقرك وآلتك سنة، فيصير كل واحد منهما مستأجرًا لنصف ما لصاحبه سنة، بنصف ما للآخر سنة، أو يعقدان ذلك سنين معلومة، ثم يخرجان البذر بينهما، فيصيران شريكين في الأرض والبذر، والعمل، فيصير الزرع بينهما.
فإن أراد أن يكون لصاحب الأرض الثلث وللعامل الثلثان، قال صاحب الأرض قد أجرتك ثلثي الأرض بثلث عملك، ويخرج صاحب الأرض ثلث البذر فيصير ثلث الزرع لصاحب الأرض وثلثاه للعامل.
ولو أراد أن يكون لرب الأرض ثلثا الزرع وللعامل الثلث، قال رب الأرض: قد آجرتك ثلث أرضي بثلثي عملك ويخرج ثلثي البذر فيصير لرب الأرض ثلثا الزرع، وللعامل الثلث.
وإن أراد أن يكون البذر من رب الأرض والزرع بينهما، قال رب الأرض قد استأجرت نصف عملك بنصف هذا البذر، ونصف منفعة هذه الأرض فيصير الزرع بينهما نصفين.
وإن أراد أن يكون البذر من العامل قال رب الأرض قد آجرتك نصف أرضي بنصف عملك ونصف هذا البذر فيصير الزرع بينهما نصفين.
وقال أبو حامد الإسفراييني إذا عقدا على الوجه الذي يكون البذر فيه من أحدهما فهو بيع وإجارة فيخرج على قولين.
стр. 3446
وليس الأمر فيه على ما قاله بل هو عقد إجارة محضة، والأجرة فيها نصف البذر ونصف العمل فيصح قولًا واحدًا وبالله التوفيق.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "وَيَجُوزُ كِرَاءُ الأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالوَرَقِ وَالعَرْضِ وَمَا نَبَتَ مِنَ الأَرْضِ أَوْ عَلَى صِفَةٍ تُسَمِّيهِ كَمَا يَجُوزُ كِرَاءُ المَنَازِلِ وَإِجَارَةُ العَبِيدِ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، وقد اختلف الناس في إجارة الأرضين على ثلاثة مذاهب:
أحدها: ما ذهب إليه الحسن البصري وطاوس إلى أن إجارة الأرضين باطلة لا تجوز بحال.
والثاني: ما قاله مالك بن أنس أن إجارتها جائزة بالذهب والورق، ولا يجوز بالبر، والشعير، ولا بما ينبت من الأرض.
والثالث: ما قاله الشافعي ﵁ وأبو حنيفة وجماعة الفقهاء أنها تجوز بكل معلوم من ذهب او ورق أو عرض أو بما ينبت من الأرض من بر أو شعير أو غيره.
واستدل الحسن طاوس على المنع من إجارتها بحديث رواه ابن شهاب عن سالم بن عبد الله أن ابن عمر كان يكري أرضه حتى بلغه أن رافع ابن خديج الأنصاري كان ينهى عن كراء الأرض فلقيه عبد الله فقال: يا ابن خديج ماذا تحدث عن رسول الله ﷺ في كراء الأرض فقال رافع لعبد الله بن عمر سمعت عمي وكانا قد شهدا بدرًا يحدثان أهل الدار أن رسول الله ﷺ نهى عن كراء الأرض فقال عبدالله, والله لقد كنت أعلم في عهد رسول الله ﷺ أن الأرض تكري، ثم خشي عبد الله أن يكون رسول الله ﷺ أحدث في ذلك شيئاً لم يكن يعلمه، فترك كراء الأرض.
وروى ابن المبارك عن سعيد بن أبي شجاع عن عيسى بن سهل عن رافع بن خديج قال إني ليتيم في حجر رافع، وحججت معه فجاءه أخي عمران بن سهل فقال: أكرينا أرضنا فلانة بمائتي درهم، فقال: دعه، فإن النبي ﷺ نهى عن كراء الأرض.
قال: ولأنه لما لم تجز إجارة النخل والشجر لكونهما أصلًا لكل ثمر فكذلك الأرض لأنها تجمع الأصل والفرع.
فصل:
واستدل مالك على أن إجارتها بالطعام وبما ينبت من الأرض لا يجوز، بحديث سليمان بن يسار، عن رافع بن خديج عن بعض عمومته، أن النبي ﷺ قال: "من كانت له ارض فليزرعها أو ليزرعها أخاه، ولا يكاريها بثلث ولا ربع ولا بطعام مسمى" وروى
стр. 3447
طارق بن عبد (الرحمن) عن سعيد بن المسيب عن رافع بن خديج قال: "نهى رسول الله ﷺ عن المحالقة والمزابنة وقال: إنما يزرع ثلاثة، رجل له أرض فهو يزرعها، ورجل منع أرضًا، فهو يزرع ما منع، ورجل استكرى أرضًا بذهب أو فضة.
ولأن استكراء الأرض ببعض ما يخرج منها باطل كالمخابرة.
ودليلنا على مالك رواية الأوزاعي عن حنظلة بن قيس الأنصاري قال سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والورق، فقال: لا بأس بها، إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله ﷺ بما على الماذيانات وأقبال الجداول، وأشياء من الزرع، فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا، ولم يكن للناس كراء إلا هذا فذلك زجر عنه، فأما شيء مضمون معلوم فلا بأس به فكان هذا على عمومه مع شبيهه على معنى النهي، فصار هذا تفسير لما أجمله من النهي.
ولأن ما صح أن يؤاجر بالذهب والورق صح أن يؤاجر بالبر والشعير، كالدور والعقار، ولأن ما صح أن تؤاجر به الدور والعقار صح أن تؤاجر به الأرضون كالذهب والورق.
فأما الجواب عما استدل به الحسن من حديثي رافع في النهي عن كراء الأرض فمحمول على ما فسره في هذا الحديث من كرائها بما على الماذيانات، لأن الروايات عن رافع مختلفة.
وأما الجواب عن جمعه بين الأرض وبين النخل والشجر فهو أن المستفاد من النخل أعيان، ومن الأرض آثار.
وأما الجواب عما استدل به مالك من حديثي رافع فهو ما ذكرنا، ونهيه عن إجارتها بطعام مسمى يعني من الأرض المؤاجرة.
وأما الجواب عن قياسه على المخابرة فهو أن العوض في المخابرة لا يثبت في الذمة وفي الإجارة يثبت في الذمة والله أعلم.
مسألة]:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "وَلَا يَجُوزُ الكِرَاءُ إِلَّا عَلَى سَنَةٍ مَعْرُوفَةٍ".
قال في الحاوي: قد مضى الكلام في مدة الإجارة، وأن لا بد أن تكون معلومة، وأنها تجوز سنة، وفي جوازها سنين قولان:
أحدها: أن يشترط سنة هلالية، فيصح ويكون العقد على اثني عشر شهرًا بالأهلة يحتسب بكل شهر ما بين الهلالين، كاملًا كان أو ناقصًا ويكون قدر السنة الهلالية ثلاثمائة
стр. 3448
وأربعة وخمسين يومًا، وهذا أخص الآجال بالشرع، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩].
والثاني: أن يشترط سنة عددية فيصح ويكون العقد على ثلاثمائة وستين يومًا كاملة لأن عدد الشهر مستوفٍ بكامله.
والثالث: أن يشترط سنة شمسية وهي ثلاثمائة وخمسة وستون يومًا وربع يوم، فقد اختلف أصحابنا في صحة الإجارة بهذا الأجل على وجهين:
أحدهما: يصح للعلم بالمدة فيها.
والثاني: باطلة، لأنها مقدرة بحساب تنشأ فيه أيام، وقد حرم الله تعالى النسيء بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧].
والرابع: أن يطلق ذكر السنة، فلا يشترطها هلالية، ولا عددية ولا شمسية فتصح الإجارة حملًا على السنة الهلالية لأنه الزمان المقدر في الآجال الشرعية، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: "وَإِذَا تَكَارَى الرَّجُلُ الأَرْضَ ذَاتَ المَاءِ مِنَ العَيْنِ أَوْ النَّهْرِ أَوْ عَثْرِيًا أَوْ غَيْلًا أَوْ الآبْارِ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا غَلَّة شِتَاءٍ وَصَيْفٍ فَزَرَعَهَا إِحْدَى الغَلَّتَيْنِ وَالمَاءُ قَائِمٌ ثُمَّ نَضَبَ المَاءُ فَذَهَبَ قَبْلَ الغَلَّةِ الثَّانِيَةِ فَأَرَادَ رَدّ الأَرْضِ لِذِهَابِ المَاءِ عَنْهَا فَذَلِكَ لَهُ وَيَكُونُ عَلَيْهِ مِنَ الكِرَاءِ بِحِصَّةِ مَا زَرَعَ إِنْ كَانَ الثُلُثُ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ وَسَقَطَتْ عَنْهُ حِصَّةُ مَا لَمْ يَزْرَعْ لأَنَّهُ لَا صَلَاحَ لِلزَّرْعِ إِلَّا بِهِ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، إذا استأجر أرضًا فلا بد من ذكر ما قد استأجرها له، من زرع أو غرس أو بناء، فإن أغفل ذكر ما يستأجرها له بطلت الإجارة لاختلافه، ثم لا يذكر ذلك بلفظ الشرط بل يقول: "لتزرعها" فإن أخرجها مخرج الشرط، فقال: "على أن تزرعها" بطلت الإجارة لأنه إذا جعله شرطًا لزمه، والمستأجر لا يلزمه استيفاء المنفعة، وإنما هو إذا أمكن منها مخير بين استيفائها أو تركها ألا ترى أن من استأجر دارًا للسكنى كان مخيرًا بين سكانها وتركها، فإن شرط عليه سكانها في العقد فقيل فيه: "على أن يسكنها" بطلت الإجارة.
فإذا استأجر أرضًا سنة لزرعها غلة شتاء وصيف، فلا بد من أن يكون لها وقت العقد ماء قائم يسقى به الزرع من عين أو نهر أو نيل أو عثريًا، وهو: الماء المجتمع في أصول الجبال أو على رؤوسها، أو غيلًا, وهو: السيح الجاري، سمي سيحًا لأنه يسيح في الأرض، أو غللًا: وهو الماء بين الشجر، وإنما افتقر عقد الإجارة عليها إلى وجود الماء لزرعها، لأن الزرع لا ينبت في جاري العادة إلا بماء يسقيه فلزم أن يكون لها ماء يمكن معه استيفاء المنفعة منها لأن على المؤجر تمكين المستأجر من استيفاء المنفعة، فبطلت الإجارة، وهكذا لو كان سقى زرعها بعلًا أو عذيًا، والبعل، ما شرب بعروقه، والعذي:
стр. 3449
ما سقته السماء، فهي كالأرض التي لا ماء لها، لأنه غير قائم فيها، وقد يكون ولا يكون، فلا يصح إجارتها للزرع.
فإذا استأجرها ولها ماء قائم فزرعها إحدى الغلتين، ثم نضب الماء أو نقص أو ملح وتعذر عليه لأجل ذلك زرع الغلة الثانية نظر، فإن توصل المؤجر إلى إعادة الماء بحفر نهر، أو بئر، أو استنباض عين فالإجارة بحالها ولا خيار للمستأجر فيها.
وإن تعذر عليه إعادة الماء أو أمكنه فلم يفعل لم يجبر عليه كما لا يجبر على بناء الدار إذا انهدمت، ولا يجبر البائع على مداواة العبد المبيع إذا ظهر به مرض. ثم للمستأجر الخيار مع بقاء العقد بين المقام عليه أو الفسخ، لما حدث من النقص بتعذر التمكين.
فإن قيل فهلا بطلت الإجارة بانقطاع الماء عنها كما لو انهدمت الدار أو مات العبد، قيل: الفرق بينهما أن الأرض المستأجرة باقية مع انقطاع عنها، والدار تالفة بانهدامها، وكذلك العبد بموته، فلم تبطل الإجارة بانقطاع الماء عن الأرض، وإن بطلت بانهدام الدار، وموت العبد واستحق المستأجر الخيار للنقص الداخل عليه، فإن أقام فعليه الأجرة المسماة، وإن فسخ فله فسخ الإجارة فيما بقي من المدة، وفي جواز فسخها فيما مضى وجهان:
أحدهما: ليس له ذاك لأنه صار مستهلكًا لما مضى من المدة باستيفائها ومن استهلك معقودًا عليه لم يستحق خيارًا في فسخه، فعلى هذا يقيم على ما مضى من المدة بحصته من الأجرة، ويرجع لباقي المدة بحصته من الأجرة.
والثاني: له الخيار في فسخ ما مضى، كما كان له الخيار في فسخ ما بقي لأنها صفقة فلم يفترق حكمها في الخيار، فعلى هذا إن فسخ في الجميع رجع بالمسمى، وكان عليه أجرة المثل ما مضى، وإن قام على ما مضى، وفسخ فيما بقي، لزم من الأجرة بقسط ما مضى، ورجع منها بقسط ما بقي، وقد خرج قول آخر: إنه يقيم على ما مضى بكل الأجرة وإلا فسخ وهذا ليس بصحيح.
فإذا أراد أن يرجع بحصة ما بقي لم يقسط ذلك على المدة، وإنما يقسط على أجرة المثل، فإذا كان الماضي من المدة نصفها لم يرجع بنصف الأجرة وقيل: "كم تساوي أجرة مثل المدة الماضية؟ فإذا قيل عشرون دينارًا، قيل وكم تساوي أجرة مثل المدة الباقية؟ فإذا قيل: عشرة دنانير رجع بثلث الأجرة، ولو كان أجرة ما مضى عشرة وأجرة ما بقي عشرون، رجع بثلثي الأجرة لأنه قد تختلف أجرة مثل المدتين، فلم يجز أن يقسط على أعدادها ولزم أن يقسط على أجور أمثالها والله أعلم.
стр. 3450
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: "وَلَوْ تَكَارَاهَا سَنَةً فَزَرَعَهَا فَانْقَضَتِ السَّنَةُ، وَالزَّرْعُ فِيهَا لَمْ يَبْلُغْ أَنْ يُحْصَدَ فَإِنْ كَانَتِ السَّنَةُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَزْرَعَ فِيهَا زَرْعَاً يُحْصَدُ مَا قَبْلَهَا فَالْكِرَاءُ جَائِزٌ وَلَيْسَ لِرَبِّ الزَّرْعِ أَنْ يُثَبِّتَ زَرْعَهُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَنْقُلَهُ عَنِ الْأَرْضِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّ الْأَرْضِ تَرْكَهُ. قَالَ َالشَّافِعِيُّ: وَإِذَا شَرَطَ أَنْ يَزْرَعَهَا صِنْفًا مِنَ الزَّرْعِ يُسْتَحْصَدُ أَوْ يُسْتَقْصَلُ قَبْلَ السَّنَةِ فَأَخَّرَهُ إِلَى وَقْتٍ مِنَ السَّنَةِ وَانْقَضَتِ السَّنَةُ قَبْلَ بُلُوغِهِ فَكَذَلِكَ أَيْضًا وَإِنْ تَكَارَاهَا لِمُدَّةٍ أَقَلَّ مِنْ سَنَةٍ وَشَرَطَ أَنْ يَزْرَعَهَا شَيْئَا بِعَيْنِهِ وَيَتْرُكَهُ حَتَى يُسْتَحْصَدَ وَكَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُسْتَحْصَدَ فِي مِثْلِ الْمُدَّةِ الَّتِي تَكَارَاهَا فَالْكِرَاءُ فِيهِ فَاسِدٌ مِنْ قِبَلِ إِنْ أُثْبِتْ بَيْنَهُمَا شَرْطَهُمَا وَلَمْ أُثْبِتْ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يُسْقِيَ زَرْعَهُ فِيهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ أَبْطَلْتُ شَرْطَ الزَّارِعِ أَنْ يَتْرُكَهُ حَتَّى يُسْتَحْصَدَ وَإِنْ أُثْبِتْ لَهُ زَرْعَهُ حَتَّى يُسْتَحْصَدَ أَبْطَلْتُ شَرْطَ رَبِّ الْأَرْضِ فَكَانَ هَذَا كِرَاءً فَاسِدًا وَلِرَبِّ الْأَرْضِ كِرَاءُ مِثْلِ أَرْضِهِ إِذَا زَرَعَهُ وَعَلْيِهِ تَرْكُهُ حَتَّى يُسْتَحْصَدَ".
قال في الحاوي: وصورة هذه المسألة أن يستأجر الرجل أرضًا مدة معلومة ليزرعها زرعًا موصوفًا فزرعها، ثم انقضت المدة، قبل استحصاد زرعها، فلا يخلو حال المدة من ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يعلم أن ذلك الزرع يستحصد في مثلها، والثاني: أن يعلم أنه لا يستحصد في مثلها، والثالث: أن يقع الشك فيه.
فأما الأول: وهو ان يعلم بجاري العادة أن مثل ذلك الزرع يستحصد في مثل تلك المدة فانقضت المدة قبل استحصاده، فلا يخلو ذلك من ثلاثة أقسام:
أحدهما أن يكون تأخر استحصاده لعدوله عن الجنس الذي شرطه إلى غيره مثل أن يستأجر خمسة أشهر لزرع الباقلا، فيزرعها برًا، فستقضي المدة، والزرع غير مستحصد، فهذا يؤخذ بقلع زرعه قبل استحصاده لأنه بعدوله عن الباقلا إلى البر يصير متعديًا فلم يستحق استيفاء زرع تعدى فيه، فإن تراضى المؤجر والمستأجر على تركه إلى أوان حصاده بأجرة المثل فيما زاد على المدة أقر، وإن رضي المستأجر وأبى المؤجر، أو رضي المؤجر وأبى المستأجر من بدل أجرة المثل قلع.
والثاني: أن يكون تأخير استحصاده لتأخير بذره من غير عدول عن جنسه، فهذا مفرط، ويؤخذ بقلع زرعه قبل استحصاده لأن تفريطه لا يلزم غيره، فإن بذل أجرة مثل المدة الزائدة، ورضي المؤجر بقبولها ترك وإلا قلع.
والثالث: أن يكون تأخير استحصاده لأمر سمائي، من استدامة برد، أو تأخير مطر، أو دوام ثلج، ففيه وجهان:
أحدهما: يترك إلى وقت استحصاده لأنه لم يكن من المستأجر عدوان، ولا تفريط فإذا ترك إلى وقت الحصاد ضمن المستأجر أجرة مثل المدة الزائدة على عقده.
والثاني: أن يؤخذ بقلع زرعه ولا يترك لأنه قد كان يقدر على الاستظهار لنفسه في
стр. 3451
استزادة المدة خوفًا من حادث سماء، فلما يستظهر صار مفرطًا.
فصل:
وأما القسم الثاني من أقسام الأصل، وهو أن يعلم بجاري العادة أن مثل ذلك الزرع لا يستحصد في مثل تلك المدة، مثل أن يستأجر أربعة أشهر لزرع من بر أو شعير فهذا على ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يشترط قلعه عند تقضي المدة، فهذه إجازة جائزة لأنه قد يريد زرعه قصيلًا، ولا يريده حبًا، فإذا انقضت المدة أخذ بقلع زرعه وقطعه.
والثاني: أن يشترط تركه إلى وقت حصاده، فهذه إجارة فاسد لأن اشتراط استيفاء الزرع بعد مدة الإجارة ينافي موجبها، فبطلت ثم للزارع استيفاء زرعه إلى وقت حصاد، وإن بطلت الإجارة، فلا يؤخذ بقلع زرع، لأنه زرع عن إذن اشترط فيه الترك، وعليه أجرة المثل والفرق بين هذه المسألة في استيفاء الزرع مع فساد الإجارة، وبين أن يؤخذ بقلعه فيما تقدم من الأقسام مع صحة الإجارة: أن الإجارة إذا بطلت روعي الإذن دون المدة، وإذا صحت روعيت المدة.
والثالث: أن يطلق العقد فلا يشترط فيه قلعًا ولا تركًا، فقد اختلف أصحابنا هل إطلاقه يقتضي القلع أو الترك على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنه يقتضي القلع اعتبارًا بموجب العقد، فعلى هذه الإجارة صحيحة، ويؤخذ المستأجر بقلع زرعه عند تقضي المدة.
والثاني: وهو ظاهر كلام الشافعي ﵁ أن الإطلاق يقتضي الترك إلى أوان الحصاد اعتبارًا بالعرف فيه، كما أن ما لم يبد صلاحه من الثمار يقتضي إطلاق بيعه للترك إلى وقت الصرام اعتبارًا بالعرف فيه، فعلى هذا تكون الإجارة فاسدة، ويكون للمستأجر ترك زرعه إلى وقت حصاده، وعليه أجرة المثل كما لو شرط الترك.
وأما القسم الثالث من أقسام الأصل وهو أن يقع الشك في تلك المدة هل يستحصد الزرع فيها كأنه استأجرها خمسة أشهر لزرع البر أو الشعير فقد يجوز أن يستحصد الزرع في هذه المدة في بعض البلاد وبعض السنين، ويجوز أن لا يستحصد، فيكون حكم هذا القسم حكم ما علم أنه يستحصد فيه ويكون حكم هذا القسم حكم ما علم أنه لا يستحصد فيه على ما مضى إسقاطًا للشك واعتبارًا باليقين والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "وَإِذَا تَكَارَى الْأَرْضَ الَّتِي لَا مَاءَ لَهَا وَاَلَّتِي إنَّمَا يُسْقَى بِنَطْفِ السَّمَاءِ أَوْ بِسَّيْلٍ إنْ جَاءَ فَلَا يَصِحُّ كِرَاؤُهَا إلَّا عَلَى أَنْ يُكْرِيهِ إيَّاهَا أَرْضًا بَيْضَاءَ لَا
стр. 3452
مَاءَ لَهَا يَصْنَعُ بِهَا الْمُسْتَكْرَي مَا شَاءَ فِي سَنَتِهِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَبْنِي وَلَا يَغْرِسُ فَإِذَا وَقَعَ عَلَى هَذَا صَحَّ الْكِرَاءُ وَلَزِمَهُ زَرَعَ أَوْ لَمْ يَزْرَعْ فَإِنْ أَكْرَاهُ إيَّاهَا عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا وَلَمْ يَقُلْ أَرْضًا بَيْضَاءَ لَا مَاءَ لَهَا وَهُمَا يَعْلَمَانِ أَنَّهَا لَا تُزْرَعُ إلَّا بِمَطَرٍ أَوْ سَيْلٍ يَحْدُثُ فَالْكِرَاءُ فَاسِدٌ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، قد ذكرنا إجارة الأرض للزرع لا تجوز إلا أن يكون لها ماء قائم تغتذي به الزرع، فإذا كانت الأرض بيضاء لا ماء لها، وإنما تسقى بما حدث من نطف سماء من مطر أو طل أو بحدوث سيل من زيادة واد أو نهر فلا تصح إجارتها للزرع إلا يقول أجرتكها على أنها أرض بيضاء لا ماء لتصنع بها ما شئت على أن لا تبني ولا تغرس لأنه إذا لم يشرط هذا وقد استأجرها للزرع، توهم المستأجر أن المؤجر ملتزم بحفر بئر أو نهر لما عليه من حقوق التمكين، وذلك غير لازم له فلم يكن بد من شرط ينفي هذا التوهم، هذا الاحتمال وإذا كان هكذا فلا يخلو حال العقد من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يشترط أن لا ماء لها فالإجارة صحيحة على ما وصفنا وللمستأجر أن يزرعها ولا يغرسها، ويحفر فيها للزرع بئرًا إن شاء، وعليه طمها عند انقضاء المدة.
والثاني: أن يشترط أن لها ماء، وهو ما يحدث من سيل أو مطر فالإجارة باطلة لأن السيل والمطر قد يحدث وقد لا يحدث.
والثالث: أن يطلق العقد، فلا يشرط أنها بيضاء لا ماء لها، ولا يشرط أن لها ماء يحدث، فلا يخلو حال الأرض من أمرين:
أحدهما: أن تكون رخوة يمكن حفر بئر فيها أو شق نهر إليها فالإجارة باطلة لما فيها من احتمال التزام المؤجر لذلك.
والثاني: أن تكون صلبة لا يمكن من حفر بئر فيها ولا شق نهر إليها كأراضي الجبال ففيه وجهان حكاهما أبو إسحاق المروزي:
أحدهما: وهو اختياره أن إجارتها مع عدم الشرط وإطلاق العقد جائزة لأن استحالة ذلك فيها يغني عن الشرط، ويقوم مقامه.
والثاني: أن إجارتها مع الإطلاق باطلة ما لم يقترن بها شرط لأنه مع استحالة حفرها قد يجوز أن ينصرف إلى زرعها بما يحدث من سيل أو سماء.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "وَلَوْ كَانَتِ الْأَرْضُ ذَاتَ نَهْرٍ مِثْلِ النِّيلِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَعْلُو الْأَرْضَ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا زَرْعًا لَا يَصْلُحُ إِلَّا بِأَنْ يُرْوَى بِالنِّيلِ لَا بِئْرَ لَهَا مَشْرَبَ غَيْرُهُ فَالْكِرَاءُ فَاسِدٌ".
стр. 3453
قال في الحاوي: وصورتها في أرض على نهر يعلو على ماء البئر فلا يقدر على سقيها إلا بأن يزيد ماء ذلك النهر حتى يعلو فيسقيها كأرض النيل والفرات وما انحدر من أرض دجلة، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يؤجرها عند زيادة الماء وعلوه، وإمكان سقي الأرض به فالإجارة جائزة لوجود الماء وإمكان الزرع، وليس ما يخاف من صدور نقصانه بمانع من صحة الإجارة لأمرين:
أحدهما: أن ما يظن من حدوث الأسباب المفسدة للعقد لا يمنع في الحال من صحته، كموت العبد، وانهدام الدار.
والثاني: أن حدوث النقصان إنما يكون عرفًا بعد اكتفاء الأرض وارتواء الزرع فلم يكن له تأثير.
والثاني: أن يؤجرها عن نقصان الماء وقبل زيادته فالإجارة باطلة لأمرين:
أحدهما: أن زرعها بعد العقد غير ممكن فصار استيفاء المنفعة متعذرًا.
والثاني: أن حدوث الزيادة مظنون قد يحدث ولا يحدث، وقد يحدث منها ما يكفي، وما لا يكفي، فلهذين بطلت الإجارة.
فصل:
فأما أرض البصرة ذات المد والجزر فإجارتها للزرع جائزة في وقت المد والجزر، لأنه معتاد لا يتغير المد عن وقته ولا الجزر عن وقته على حسب أيام الشهور وأحوال القمر لا تختلف عادته ولا يختلف وقته.
فصل:
فإذا كانت أرض من أراضي الجبال قد استقرت فيها نداوة المطر حتى يمكن زرعها به من غير مطر يأتي، ولا سيل يحدث جاز أن تؤاجر للزرع، وإن لم يكن له ماء مشاهد، لأن زرعها على حالها هذه ممكن، فصارت كالأرض ذات الماء.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "وَإِذَا تَكَارَاهَا وَالْمَاءُ قَائِمٌ عَلَيْهَا وَقَدْ يَنْحَسِرُ لَا مَحَالَةَ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُ فِيهِ الزَّرْعُ فَالْكِرَاءُ جَائِزٌ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَنْحَسِرُ لَا مَحَالَةَ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُ فِيهِ الزَّرْعُ فَالْكِرَاءُ جَائِزٌ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَنْحَسِرُ وَلَا يَنْحَسِرُ كَرِهْتُ الْكِرَاءَ إِلَّا بَعْدَ انْحِسَارِه".
قال في الحاوي: وصورتها في أرض دخلها الماء حتى علا عليها، وأقام فيها
стр. 3454
فاستؤجرت للزرع فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون الماء كثيرًا يمنع من مشاهدتها لكدره وكثرته ولم تتقدم رؤية المستأجر لها قبل علوه فالإجارة باطلة للجهل بحال ما تناوله العقد.
والثاني: أن يكون الماء صافيًا لا يمنع من مشاهدتها، أو يكون قد تقدم رؤية المستأجر قبل علو الماء عليها، وإن كان مانعًا من مشاهدتها فهما في الحكم سواء فهذا على ضربين
أحدهما: أن يستأجرها لما يمكن زرعه مع بقاء الماء عليها كالأرز فالإجارة جائزة.
والثاني: أن لا يمكن زرعه مع بقاء الماء عليه كالحنطة فهذا على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يعلم بجاري العادة أن الماء لا ينحسر عنها قبل وقت الزراعة فالإجارة باطلة لأن استيفاء ما استؤجرت له متعذر.
والثاني: أن يشك في انحسار الماء عنها قبل وقت الزراعة فالإجارة باطلة إسقاطًا للشك واعتبارًا باليقين في بقاء الماء والله أعلم.
والثالث: أن يعلم أن الماء ينحسر عنها يقينًا قبل وقت الزراعة، فإن كان لأن لها مغيضًا يمكن إذا فتح الماء أن يفيض فيه فالإجارة جائزة للقدرة على إرسال مائها، والمكنة من زراعتها، وإن كان ذلك للعادة الجارية فيها فإنها تشرب ماءها، وتنشفه الأرض والرياح عرفًا قائمًا فيها، وعادة جارية لا يختلف فيها، ففي صحة إجارتها وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي، والظاهر من مذهب الشافعي ﵁ أن الإجارة جائزة لما استقر من العرف فيها.
والثاني: حكاه أبو علي بن أبي هريرة عن بعض المتقدمين أن الإجارة باطلة لأن زرعها في الحال غير ممكن وارتقاء الماء عليها يقين.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "وَإِنْ غَرَّقَهَا بَعْدَ أَنْ صَحَّ كِرَاؤُهَا نِيلٌ أَوْ سَيْلٌ أَوْ شَيْءٌ يُذْهِبُ الْأَرْضَ أَوْ غُصِبَتِ انْتَقَضَ الْكِرَاءُ بَيْنَهُمَا مِنْ يَوْمِ تَلِفَتِ الْأَرْضُ".
قال في الحاوي: وصورتها في أرض استؤجرت للزرع فغرقت، أو غصبت فلا يخلو حال غرقها أو غصبها من أحد أمرين، إما أن يكون زمانًا يسيرًا كالثلاث فما دون فالإجارة صحيحة لا تبطل بما حدث من غرقها أو غصبها في هذه المدة اليسيرة، لكنه عيب قد طرأ والمستأجر لأجله بالخيار بين المقام أو الفسخ، وإن كان الزمان كثيرًا فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون في ابتداء المدة من حين الإجارة، فقد بطلت للحائل بين
стр. 3455
المستأجر وما استأجره كما لو مات العبد أو انهدمت الدار، ثم للمستأجر أن يرجع بالأجرة كلها.
والثاني: أن يكون بعد مضي بعض المدة، كأنه مضى من المدة نصفها، وبقي نصفها، فالإجارة فيما بقي منها باطلة ثم مذهب الشافعي ﵁ جوازها فيما مضى، ومن أصحابنا من خرج قولًا ثانيًا أنها باطلة فيما مضى لبطلانها فيما بقي جمعًا للصفقة ومنعًا من تفريقها في الحكم وهو تخريج فاسد لما تقدم من تعليل فساده.
فإذا قيل بهذا التخريج في بطلان ما مضى وما بقي رجع المستأجر بجميع المسمى ورجع المؤجر بأجرة مثل ما مضى وإذا قيل: بصحتها فيما مضى، وأن تبطل فيما بقي فالمذهب لزومه وسقوط خيار المستأجر فيه، فعلى هذا يقيم عليه بقسطه من الأجرة، وفيه وجه آخر أن له فيه الخيار لما حدث من تفريق الصفقة بين المقام أو الفسخ. فإن فسخ التزم أجرة مثل ما مضى ورجع بالمسمى، وإن أقام فأصح القولين أنه يقيم بقسطه من الأجرة، والثاني: وهو مخرج أنه يقيم بكل الأجرة وإلا فسخ.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "فَإِنْ تَلِفَ بَعْضُهَا وَبَقِيَ بَعْضٌ وَلَمْ يَزْرَعْ فَرَبُّ الزِّرْعِ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ أَخَذَ مَا بَقِيَ بِحِصَّتِهِ مِنَ الْكِرَاءِ وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا لِأَنَّ الْأَرْضَ لَمْ تُسَلَّمْ لَهُ كُلُّهَا وَإِنْ كَانَ زَرَعَ بَطُلَ عَنْهُ مَا تَلِفَ وَلَزِمَهُ حِصَّةُ مَا زَرَعَ مِنَ الْكِرَاءِ وَكَذَا إِذَا جَمَعَتِ الصَّفْقَةُ مِائَةَ صَاعٍ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ فَتَلِفَ خَمْسُونَ صَاعًا فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ فِي أَنْ يَاخُذَ الْخَمْسِينَ بِحِصَّتِهَا مِنَ الثَّمَنِ أَوْ يَرُدَّ الْبَيْعَ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ كُلَّ مَا اشْتَرَى وَكَذَلِكَ لَوِ اكْتَرَى دَارًا فَانْهَدَمَ بَعْضُهَا كَانَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ مِنْهَا مَا بَقِيَ بِحِصَّتِهِ مِنَ الْكِرَاءِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَا يَتَبَعَّضُ مِنْ عَبْدٍ اشْتَرَاهُ فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ أَخْذِهِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ رَدِّهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْلَمْ لَهُ مَا هُوَ غَيْرُ مَعِيبٍ وَالْمَسْكَنُ يَتَبَعَّضُ مِنَ الْمَسْكَنِ مِنَ الدَّارِ وَالْأَرْضِ كَذَلِك".
قال في الحاوي: وصورتها في رجل استأجر أرضًا فغرق السيل بعضها وبقي بعضها، فالإجارة في الذي غرق منها باطلة ثم المذهب أنها في الباقي منها جائزة وهو بالخيار في فسخ الإجارة فيه أو أخذه بقسطه من الأجرة لتقسيط الأجرة على أجزاء الأرض كتقسيط ثمن الصبرة على أجزاء الصبرة، وليس كالعبد الذي إذا قطعت يده لم يقسط عليه الثمن، كان ذلك عيبًا يوجب خيار المشتري في أخذه بجميع الثمن، أو فسخ البيع فيه، وقد خرج قول أن الإجارة باطلة فيما بقي لبطلانها فيما غرق، ويمنع المستأجر من زرع الباقي، فإن زرعه ضمن أجرة مثله دون المسمى وليس بصحيح.
стр. 3456
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:"وَإِنْ مَرَّ بِالْأَرْضِ مَاءٌ فَأَفْسَدَ زَرْعَهُ أَوْ أَصَابَهُ حَرِيقٌ أَوْ جَرَادٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ فَهَذَا كُلُّهُ جَائِحَةٌ عَلَى الزَّرْعِ لَا عَلَى الْأَرْضِ كَمَا لَوِ اكْتَرَى مِنْهُ دَارًا لِلْبَزِّ فَاحْتَرَقَ الْبَزّ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، إذا استأجر الرجل أرضًا، فزرعها، ثم هلك الزرع بزيادة ماء أو لشدة برد، أو دوام ثلج، أو أكل جراد، فالإجارة بحالها، ولا خيار للمستأجر فيها: لأن الأرض المعقود عليها سليمة يمكن استيفاء منافعها، وإنما حدثت الجائحة في مال لم تبطل الإجارة لسلامة المعقود عليه، ولو احترق الدكان بطلت الإجارة لتلف المعقود عليه.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "وَلَوِ اكْتَرَاهَا لِيَزْرَعَهَا قَمْحًا فَلَهُ أَنْ يَزْرَعَهَا مَا لَا يَضُرُّ بِالْأَرْضِ إِلَّا إِضْرَارَ الْقَمْحِ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا استأجر أرضًا ليزرعها حنطة فله أن يزرع الحنطة وغير الحنطة مما يكون ضرره مثل ضرر الحنطة أو أقل، وليس له أن يزرعها ما ضرره أكثر من ضرر الحنطة، وقال داود بن علي: "لا يجوز إذا استأجرها لزرع الحنطة أن يزرعها غير الحنطة، وإن كان ضرره أقل من ضرر الحنطة استدلالًا بقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] فلم يجز عما تضمنه العقد، قال ولأنه لما لم يجز إذا اشترى بدراهم بأعيانها أن يدفع غيرها من الدراهم وإن كانت مثلها لما فيه من العدول عما اقتضاه العقد، كذلك في إجارة الأرض لزرع الحنطة لا يجوز أن يعدل فيها عن زرع الحنطة.
ودليلنا هو أن ذكر الحنطة في إجارة الأرض إنما هو لتقدير المنفعة به لا لتعيين استيفائه، ألا تراه لو تسلم الأرض ولم يزرعها لزمته الأجرة لأن ما تقدرت به المنفعة المستحقة قد كان ممكنًا من استيفاءه، ولو تعين الاستيفاء بالعقد ما لزمته الأجرة.
فإذا ثبت أن ذكر الحنطة لتقدير المنفعة، فهو إذا استوفى المنفعة بما تقدرت به في العقد وبغيره جاز، كما لو استأجر لحمل قفيز من حنطة فحمل قفيزًا غيره، وكما لو استأجرها ليزرع حنطة بعينها فزرع غيرها، ولأن عقد الإجارة يتضمن أجرة يملكها المؤجر ومنفعة يملكها المستأجر، فلما جاز للمؤجر أن يستوفي حقه من الأجرة كيف شاء بنفسه وبوكيله وبمن يحيله جاز للمستأجر أن يستوفي حقه من المنفعة كيف شاء بزرع الحنطة وغير الحنطة وبإعارتها لمن يزرعها وبتركها وتعطيلها.
فأما استدلاله بقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] فمثل الحنطة مما تضمنه
стр. 3457
العقد بما دللنا.
وأما الجواب عما استدل به من تعيين الأثمان بالعقد فكذا في الإجارة، فهو أن الفرق بينهما في التعيين متفق عليه لأن الدراهم تتعين بالعقد حتى لا يجوز العدول إلى جنسها والحنطة لا تتعين في عقد الإجارة، وإنما الخلاف في تعيين جنسها، ألا تراه لو استأجرها لزرع حنطة بعينها جاز له العقود إلى غيرها من الحنطة، فكذلك يجوز أن يعدل إلى غير الحنطة.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا لم يخل حال من استأجر أرضًا لزرع الحنطة من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يستأجرها لزرع الحنطة وما أشبهها فيجوز له بوفاق داود أن يزرعها الحنطة وغير الحنطة مما يكون ضرره مثل ضرر الحنطة أو أقل إلا أن داود يجيزه بالشرط، ونحن نجيزه بالعقد، والشرط تأكيد.
والثاني: أن يستأجرها لزرع الحنطة، ويغفل ذكر ما سوى الحنطة، فهذا القسم الذي خالف فيه داود، فمنعه من زرع غير الحنطة، ويجوز له عندنا أن يزرعها غير الحنطة مما ضرره كضرر الحنطة أو أقل.
والثالث: أن يستأجرها لزرع الحنطة على أن لا يزرع ما سواها، ففيه ثلاثة أوجه حكاهما ابن أبي هريرة:
أحدها: أن الإجارة باطلة: لأنه شرط فيها ما ينافي موجبها.
والثاني: أن الإجارة جائزة، والشرط باطل، وله أن يزرعها الحنطة وغير الحنطة: لأنه لا يؤثر في حق المؤجر فالغنى.
والثالث: أن الإجارة جائزة، والشرط لازم وليس له أن يزرعها غير الحنطة لأن منافع الإجارة إنما تملك بالعقد على ما سمي فيه، ألا تراه لو استأجرها للزرع لم يكن له الغرس فكذلك إذا استأجرها لنوع من الزرع.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "وَإِنْ كَانَ يَضُرُّ بِهَا مِثْلَ عُرُوقٍ تَبْقَى فِيهَا فَلَيْسَ ذَلِكَ فَإِنْ فَعَلَ فَهُوَ مُتَعَدٍّ وَرَبُّ الْأَرْضِ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ أَخَذَ الْكِرَاءَ وَمَا نَقَصَتِ الْأَرْضُ عَمَّا يُنْقِصُهَا زَرْعُ الْقَمْحِ أَوْ يَاخُذُ مِنْهُ كِرَاءَ مِثْلِهَا. قَالَ الْمُزَنِيُّ ﵀ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَخَذَ مَا اكْتَرَى وَزَادَ عَلَى الْمُكْرِي ضَرَرًا كَرَجُلٍ اكْتَرَى مَنْزِلًا يُدْخِلُ فِيهِ مَا يَحْمِلُ سَقْفُهُ فَحَمَلَ فِيهِ أَكْثَرَ فَأَضَرَّ ذَلِكَ بِالْمَنْزِلِ فَقَدِ اسْتَوْفَى سُكْنَاهُ وَعَلَيْهِ قِيمَةُ ضَرَرِهِ وَكَذَلِكَ لَوِ اكْتَرَى مَنْزِلًا سُفْلًا فَجَعَلَ فِيهِ الْقَصَّارِينَ أَوِ الْحَدَّادِينَ فَتَقَلَّعَ الْبِنَاءُ فَقَدِ اسْتَوْفَى مَا اكْتَرَاهُ وَعَلَيْهِ بِالتَّعَدِّي مَا نَقَصَ بِالْمَنْزِلِ".
قال في الحاوي: ذا استأجر أرضًا لزرع الحنطة لم يكن له أن يغرسها ولا أن
стр. 3458
يزرعها ما هو أكثر ضررًا من الحنطة كالدخن والكتان والذرة، فإن فعل فقد تعدى، ويؤخذ بقلع زرعه: لأنه غير مأذون فيه فصار كالغاصب، وهل يصير بذلك ضامنًا لرقبة الأرض حتى يضمن قيمتها إن غصبت أو تلفت بسيل؟ على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي حامد الإسفراييني: أنه يضمنها: لأنه قد صار- بالعدول عما استحقه- غاصبًا والغاصب ضامن.
والثاني: وهو الأصح: أنه لا يضمن رقبة الأرض، لأن تعديه في المنفعة في الرقبة.
فإن تمادى الأمر بمستأجرها حتى حصد زرعه ثم طولب بالأجرة، فالذي نص عليه الشافعي أن رب الأرض بالخيار بين أن يأخذ المسمى، وما نقصت الأرض، وبين أن يأخذ أجرة المثل.
فاختلف أصحابنا فكان المزني وأبو إسحاق المروزي وأبو علي بن أبي هريرة يخرجون تخيير الشافعي ﵁ على قولين:
أحدهما: أن رب الأرض يرجع بأجرة المثل دون المسمى: لأن تعدي الزارع بعدوله عن الحنطة إلى ما هو أضر منها كتعديه بعدوله عن الأرض إلى غيرها، فلما كان بعدوله إلى غير الأرض ملتزمًا لأجرة المثل دون المسمى، فكذلك بعدوله إلى غير الحنطة.
والثاني: أنه يرجع بالمسمى من الأجرة وينقص الضرر الزائد على الحنطة: لأنه قد استوفى ما استحقه وزاد، فصار كمن استأجر بعيرًا من مكة إلى المدينة فتجاوز به إلى البصرة فعليه المسمى وأجرة المثل في الزيادة وقال الربيع وأبو العباس بن سريج وأبو حامد المروروزي: إن المسألة على قول واحد، وليس التخيير منه اختلافًا للقول فيها فيكون رب الأرض بالخيار بين أن يفسخ الإجارة ويرجع بأجرة المثل: لأنه عيب قد دخل عليه فجاز أن يكون به مخيرًا بين المقام أو الفسخ.
فأما المزني فإنه اختار أن يرجع بالمسمى وما نقصت الأرض واستدل بمسألتين:
إحداهما: أن يستأجر بيتًا لحمولة مسماة فيعدل إلى غيرها، فهذا ينظر، فإن استأجر سفل بيت ليحرز فيه مائة رطل حديد فأحرز فيه مائة وخمسين رطلًا، أو عدل عن الحديد إلى القطن فلا ضمان عليه لأن سفل البيت لا تؤثر فيه هذه الزيادة، ولا العدول عن الجنس، وإن كان علو بيت تكون الحمولة على سقفه، فإن كانت الإجارة لمائة رطل من حديد فوضع عليه مائة وخمسين رطلًا، فهذه زيادة متميزة فيلزمه المسمى من الأجرة وأجرة مثل الزيادة، وإن كان قد استأجره لمائة رطل قطنًا فوضع فيه مائة رطل من حديد فهذا ضرر لا يتميز: لأن القطن يتفرق على السقف، والحديد يجتمع في موضع منه، فكان أضر، فيكون رجوع المؤجر على ما ذكرنا من اختلاف أصحابنا في القولين.
стр. 3459
والثانية: من دليل المزني على اختياره: أن يستأجر دارًا للسكنى فيسكن فيها حدادين، أو قصارين، أو ينصب فيها رحى، فهذه زيادة ضرر لا يتميز، فيكون رجوع المؤجر على ما وصفنا من اختلاف أصحابنا في القولين فلم يكن للمزني فيما استشهد به دليل من مذهب ولا حجاج.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "وَإِنْ قَالَ لَهُ ازْرَعْهَا مَا شِئْتَ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ زَرْعِ مَا شَاءَ وَلَوْ أَرَادَ الْغِرَاسَ فَهُوَ غَيْرُ الزَّرْعِ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا استأجرها ليزرعها ما شاء صح الكراء وله أن يزرعها جميع أصناف الزرع مما يكثر ضرره أو يقل، فإن زرعها ما يكثر ضرره فقد استوفى جميع حقه وإن زرع ما يقل ضرره فقد استوفى بعض حقه وسامح ببعضه.
فإن قيل: فهلا بطلت الإجارة كما لو استأجر دابة ليحمل عليها ما شاء قيل الفرق بينهما: أنه قد يشاء أن يحمل على الدابة ما لا تحتمله فتهلك وليس يشاء أن يزرع الأرض ما لا تحتمله لأنه إن شاء أن يزرع ما تضعف الأرض عن احتماله هلك الزرع دون الأرض.
فأما إذا استأجرها للزرع فأراد الغرس لم يكن له ذاك لأن ضرر الغرس أكثر من ضرر الزرع من وجهين:
أحدهما: أنه أدوم بقاء من الزرع.
والثاني: أنه أنشر عروقًا في الأرض من عروق الزرع.
ولكن لو استأجرها للفرس فأراد الزرع كان له: لأن ضرر الزرع أقل، وله أن يستوفي بعض حقه، وليس له أن يريد على حقه.
فلو استأجرها للفرس، فأراد أن يبني فيها لم يجز، لأن ضرر البناء قد يزيد على ضرر الغرس في صلابة الأرض وخشونتها، ولو استأجرها للبناء لم يكن له أن يزرع ولا يغرس لأن الزرع والغرس يفسدها ويرخيها.
مسالة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: "وَإِنْ قَالَ ازْرَعْهَا مَا شِئْتَ فَالْكِرَاءُ جَائِزٌ قَالَ الْمُزَنِيّ أَوْلَى بِقَوْلِهِ أَنْ لَا يَجُوزَ هَذَا لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي يَغْرِسُ أَكْثَرَ الْأَرْضِ فَيَكْثُرُ الضَّرَرُ عَلَى صَاحِبِهَا أَوْ لَا يَغْرِسُ فَتَسْلَمُ أَرْضُهُ مِنْ النُّقْصَانِ بِالْغَرْسِ فَهَذَا فِي مَعْنَى الْمَجْهُولِ وَمَا لَا يَجُوزُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقِ".
стр. 3460
قال في الحاوي: وهذا الفصل يشتمل على ثلاث مسائل:
إحداهن: أن يقول قد أجرتكما لتزرعها إن شئت أو تغرسها إن شئت فالإجارة صحيحة وهو مخير بين زرعها إن شاء، وبين غرسها، فإن زرع بعضها وغرس بعضها جاز، لأنه لما جاز له غرس الجميع كان غرس البعض أولى بالجواز.
والثانية: أن يقول قد أجرتكها لتزرعها أو تغرسها، فالإجارة باطلة لأنه لم يجعل له الأمرين معًا ولا أحدهما معينًا فصار ما أجره له مجهولًا.
والثالثة: أن يقول قد أجرتكما لتزرعها وتغرسها ففيه وجهان:
أحدهما: وهو مذهب المزني: أن الإجارة باطلة: لأنه لما لم يخيره بين الأمرين وجمع بينهما صار ما يزرع منها ويغرس مجهولا، وهذا قول أبي إسحاق.
والثاني: وهو ظاهر كلام الشافعي، وقاله ابن أبي هريرة أن الإجارة صحيحة، وله أن يزرع النصف، ويغرس النصف لأن جمعه بين الأمرين يقتضي التسوية بينهما، فلو زرع جميعها جاز، لأن زرع النصف المأذون في غرسه أقل ضررًا، ولو غرس جميعها لم يجز: لأن غرس النصف المأذون في زرعه أكثر ضررًا.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "وَإِنِ انْقَضَتْ سِنُوهُ لَمْ يَكُنْ لِرَبَّ الْأَرْضِ أَنْ يَقْلَعَ غَرْسَهُ حَتَّى يُعْطِيَهُ قِيمَتَهُ وَقِيمَةَ ثَمَرَتِهِ إِنْ كَانَتْ فِيهِ يَوْمَ يَقْلَعُهُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: وَلِرَبِّ الْغِرَاسِ إِنْ شَاءَ أَنْ يَقْلَعَهُ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ مَا نَقَصَ الْأَرْضَ وَالْغِرَاسُ كَالْبِنَاءِ إِذَا كَانَ بِإِذْنِ مَالِكِ الْأَرْضِ مُطْلَقًا قَالَ الْمُزَنِيُّ ﵀ الْقِيَاسُ عِنْدِي وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ أَنَّهُ إِذَا أَجَّلَ لَهُ أَجَّلَ لَهُ أَجَلًا يَغْرِسُ فِيهِ فَانْقَضَى الْأَجَلُ أَوْ أَذِنَ لَهُ بِبِنَاءٍ فِي عَرْصَةٍ لَهُ سِنِينَ وَانْقَضَى الْأَجَلُ أَنَّ الْأَرْضَ وَالْعَرْصَةَ مَرْدُودَتَانِ لِأَنَّهُ لَمْ يُعِرْهُ شَيْئًا فَعَلَيْهِ رَدُّ مَا لَيْسَ لَهُ فِيهِ حَقٌّ عَلَى أَهْلِهِ وَلَا يُجْبَرُ صَاحِبُ الْأَرْضِ عَلَى غِرَاسٍ وَلَا بِنَاءٍ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ وَاللَّهُ يَقُولٌّ: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النِسَاء: ٢٩] وَهَذَا قَدْ مَنَعَ مَالَهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِيَ مَا لَا يَرْضَى شِرَاءَهُ فَأَيْنَ التَّرَاضِي".
قال في الحاوي: وصورتها فيمن استأجر أرضًا ليبني فيها ويغرس فانقضى الأجل، والبناء والغراس قائم في الأرض، فليس له بعد انقضاء الأجل أن يحدث بناء ولا غرسًا، فإن فعل كان متعديًا وأخذ بقلع ما أحدثه بعد الأجل من غرس وبناء فأما القائم في الأرض قبل انقضاء الأجل فلا يخلو حالهما فيه عند العقد من ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يشترطها قلعه عند انقضاء المدة فيؤخذ المستأجر بقلع غرسه وبنائه لما تقدم من شرطه، وليس عليه تسوية ما حدث من حفر الأرض لأنه مستحق بالعقد.
стр. 3461
والثانية: أن يشترطا تركه بعد انقضاء المدة، فيقر ولا يفسد العقد بهذا الشرط لأنه من موجباته لو أخل بالشرط ويصير بعد انقضاء المدة مستعيرًا، مذهب الشافعي ﵁ فلا تلزمه أجرة، وعلى مذهب المزني عليه أجرة ما لم يصرح له بالعارية، فإن قلع المستأجر غرسه وبناءه لزمه تسوية ما حدث من حفر الأرض لأنه لم يستحقه بالعقد، وإنما استحقه بالملك. وهذا قول جميع أصحابنا، وإنما اختلفوا في تعليله، فقال بعضهم: العلة فيه أنه لم يستحقه بالعقد، وهو التعليل الذي ذكرناه، فعلى هذا لو قلعه قبل انقضاء المدة لم يلزمه تسوية الأرض.
والثالثة: أن يطلقا العقد فلا يشترطان فيه قلعه ولا تركه فينظر، فإن كان قيمة الفرس والبناء مقلوعًا كقيمته قائمًا أخذ المستأجر بقلعه لأنه لا ضرر يلحقه فيه، ولا نقص، وإن كان قيمته مقلوعًا أقل من قيمته قائمًا- وهو الأغلب- نظرًا فإن بذل رب الأرض قيمة الغرس والبناء قائمًا أو ما بين قيمته قائمًا أو مقلوعًا لم يكن للمستأجر تركه، لأن ما يدخل عليه من الضرر بقلعه يزول ببذل القيمة أو النقص وقيل: لا نجبرك على أخذ القيمة، ولكن نخيرك بين أن تقلعه، أو تأخذ قيمته، وليس لك إقراره وتركه.
وإن لم يبذل رب الأرض قيمة الغرس والبناء ولا قدر النقص نظر في المستأجر فإن امتنع من بذل أجرة المثل بعد تقضي المدة لم يكن له إقرار الغرس والبناء وأخذ بقلعه، وإن بذل أجرة المثل مع امتناع رب الأرض من بذل القيمة أو النقص فمذهب الشافعي وجمهور أصحابه أن الغرس والبناء مقر لا يؤخذ المستأجر بقلعهما، ويؤخذ أجرة مثلهما، وقال أبو حنيفة والمزني ويؤخذ المستأجر بقلعهما ولا يجبر رب الأرض بعد انقضاء المدة على تركهما استدلالًا بما ذكره المزني من قول الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [الّنِسَاء:٢٩].
وليس من رب الأرض رضي بالترك فلم يجبر عليه، ولأنه لما أخذ بقلع زرعه عند انقضاء المدة لم يقر إلى أوان حصاده مع أن زمان حصاده محدود فلأن يؤخذ بقلع الغرس والبناء مع الجهل بزمانهما أولى، ولأن تحديد المدة يوجب اختلاف الحكم في الاستيفاء كما أوجب اختلاف الحكم في إحداث الغرس والبناء. وهذا المذهب أظهر حجاجًا وأصح اجتهادًا واستدل أصحابنا على تركه وإقراره بقوله ﷺ : "ليس لعرق ظالم حق".
فاقتضى ذلك وقوع الفرق بين الظالم والمحق، فلم يجز أن يسوى بينهما في الأخذ بالقلع، قالوا ولأن من أذن لغيره في إحداث حق في ملكه كان محمولًا فيه على العرف المعهود في مثله كمن أذن لجاره في وضع أجذاعه في جداره كان عليه تركه على الأبد، ولم يكن له أخذه بقلعها لأن العادة جارية باستدامة تركها، كذلك الغرس والبناء العادة فيهما جارية بالترك والاستيفاء، دون التقلع والتناول فحملا على العادة فيهما، وهذا الاستدلال يفسد بالزرع لأن العادة جارية بتركه إلى أوان حصاده ثم هي غير معتبرة حين يؤخذ بقلعه والله أعلم.
стр. 3462
فصل:
وإذا كانت الإجارة فاسدة، فبنى المستأجر فيها وغرس فهو في الإقرار والترك على ما ذكرناه في الإجارة الصحيحة، لأن الفاسد من كل عقد حكمه حكم الصحيح في الأمانة والضمان.
فصل:
وإذا أراد المستأجر بيع بنائه وغرسه قائمًا في الأرض فإن باعه على رب الأرض جاز، وإن باعه على غيره ففي البيع وجهان:
أحدهما: باطل لأن ملك المستأجر عليه غير مستقر، لأن رب الأرض متى بذل له قيمته أجبر على أخذها أو قلعه.
والثاني: أن البيع جائز لأن ما يخاف من زوال ملكه في الثاني لا يمنع من جواز بيعه في الحال كالمبيع إذا استحقت فيه الشفعة.
وهكذا رب الأرض إذا أراد بيعها فإن باعها على مالك الغرس والبناء جاز وإن باعها على غيره كان على هذين الوجهين.
ولكن لو اجتمع رب الأرض وصاحب الغرس والبناء على البيع جاز وكان الثمن مقسطًا على القيمتين.
فصل:
فأما إذا أراد المزارع بيع الأكارة والعمارة فقد قال أبو حنيفة: إن كانت له إثارة جاز له بيعها، وإن لم يكن له إثارة لم يجز لأنه يصير إدخال يد بدلًا من يده بثمن. وقال مالك: يجوز له بيعها في الأحوال كلها ويجعل الأكار شريكًا لرب الأرض بعمارته، وعلى مذهب الشافعي ﵁ لا يجوز بيع العمارة ما لم تكن أعيانًا لأن عمارة الأرض تبع لها.
فصل:
وإذا دفع الرجل أرضه إلى رجل ليبني فيها ويغرس على أن يكون ذلك بينهما نصفين لم يجز، وكانت الأرض على ملك ربها، والغراس والبناء على ملك ربه، وله إقراره ما بقي. وعليه أجرة المثل، وقال مالك يجوز أن يدفع الرجل أرضه إلى رجل ليغرسها فسيلًا، فإذا صارت الفسيلة على ثلاث سعفان كانت الأرض والنخل بينهما وهذا مذهب يغني ظهور فساده عن إقامة دليل عليه.
стр. 3463
فصل:
وإذا وقف صاحب الغرس والبناء غرسه وبناءه قائمًا صح للوقف ولم يكن لرب الأرض أن يبذل له قيمة ذلك قائمًا لأنه وقف لا يصح بيعه، وله أن يأخذ الواقف بقلعه إن بذل له أرض نقصه، فإذا قلعه لزمه أن ينقله إلى أرض أخرى يكون وقفًا فيها جاريًا على سبيله.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "وَمَا اكْتَرَى فَاسِدًا وَقَبَضَهَا وَلَمْ يَزْرَعْ وَلَمْ يَسْكُنْ حَتَى انْقَضَتِ السَّنَةُ فَعَلَيْهِ كِرَاءُ الْمِثْلِ".
قد ذكرنا أن ما قبضه المستأجر عن عقد صحيح فمنافعه مضمونة عليه سواء تصرف فيه أو لم يتصرف، فأما ما قبضه عن عقد فاسد من أرض أو دار فهو أيضًا ضامن لأجرة مثلها سواء سكن وتصرف أو لم يسكن ولم يتصرف.
وقال أبو حنيفة: إن تصرف ضمن الأجرة، وإن لم يتصرف لم يضمنها استدلالًا بأنه عقد لا يستحق فيه التسليم فلم يستحق فيه العوض إلا بالانتفاع، كالنكاح الفاسد طردَا، والصحيح عكسًا.
ودليلنا هو أنها منافع يضمنها في العقد الصحيح فوجب أن يضمنها في العقد الفاسد، وإن تصرف، ولأن ما ضمنه من المنافع بالتصرف ضمنها بالتلف على يده من غير تصرف كالعقد الصحيح، ولأن المنافع جارية مجرى الأعيان في المعاوضة والإباحة، ثم ثبت أن ما قبض من الأعيان عن عقد فاسد فهو مضمون عليه، سواء تلف بتصرفه، أو غير تصرفه كالعقد الصحيح وجب أن تكون المنافع إذا تلفت مضمونة في العقد الفاسد كضمانها في العقد الصحيح.
فأما الجواب عن قياسه على النكاح الفاسد، فهو أنه إن كانت المنكوحة حرة فالحرة لم تزل يدها عن نفسها ولا عن بضعها فلذلك لم يضمن مهر بضعها إلا بالتصرف وإن كانت أمة فإنه وإن استقر الغصب على منافعها فهو غير مستقر على بضعها بل يدها عليه أثبت، ولذلك وجب على الغاصب أجرة مثلها، استخدم أو لم يستخدم، ولم يجب عليه مهر مثلها ما لم يستمتع بها، ولذلك منع سيد الأمة من بيعها إذا غصبت لأن يد الغاصب حائلة، ولم يمنع من تزويجها إذا غصبت، لأنه ليس للغاصب على البضع يد حائلة، والله أعلم وأحكم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "فَإِذَا اكْتَرَى دَارًا سَنَةً فَغَصَبَهَا رَجُلٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ كِرَاءٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ مَا اكْتَرَى".
стр. 3464
قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا غصبت الأرض المستأجرة من يد المستأجر فله الفسخ، وهل تبطل الإجارة بالغصب على قولين:
أصحهما: باطلة، والمستأجر بريء من أجرة مدة الغصب، ولا يكون المستأجر خصمًا للغاصب فيها لأن خصم الغاصب إنما هو المالك أو وكيله، وليس المستأجر مالكًا ولا وكيلًا، فلم يكن خصمًا.
والثاني: أن الإجارة لا تبطل، لأن غاصبها ضامن لمنافعها، لكن يكون المستأجر بحدوث الغصب مخيرًا بين المقام والفسخ، فإن فسخ سقطت عنه الأجرة، ولم يكن خصمًا للغاصب فيها، وإن أقام فعليه المسمى، ويرجع بأجرة المثل على الغاصب، ويصير خصمًا له في الأجرة دون الرقبة، إلا أن يبقى من مدة الإجارة شيء، فيجوز أن يصير خصمًا في الرقبة ليستوفي حقه من المنفعة.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "وَإِذَا اكْتَرَى أَرْضًا مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ أَوِ الْخَرَاجِ فَعَلَيْهِ فِيمَا أُخْرِجَتِ الصَّدَقَةُ خَاطَبَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] وَهَذَا مَالُ مُسْلِمٍ وَحَصَادُ مُسْلِمٍ فَالزَّكَاةُ فِيهِ وَاجِبَةٌ".
قال في الحاوي: وجملة الأرضين ضربان، أرض عشر، وأرض خراج، فأما أرض العشر فهو ما أحياه المسلمون أو غنموه فاقتسموه، أو أسلموا عليه فملكوه، فالعشر في زرعها واجب إن زرعها مسلم، ولا عشر فيه إن كان الزرع لمشرك.
وقال أبو حنيفة: إذا اشترى الذمي أرض عشر صارت أرض خراج ولا تعود إلى العشر أبدًا.
وقال أبو يوسف وابن أبي ليلى: يضاعف عليه العشر ويكون فيئًا، فإن عادت إلى مسلم حولت إلى العشر.
وقال مالك: يجبر الذمي على بيعها، ولا تقر في يده، ولا يؤخذ منه عشر وعلى مذهب الشافعي ﵁ أن أرض العشر لا تنتقل إلى الخراج أبدًا فإن ملكها ذمي أقرت في يده ولا عشر عليه، وإن ملكها مسلم أخذ منه العشر عن زرعها.
فلو أجرها المالك وزرعها المستأجر كان عشر زرعها واجبًا على الزارع المستأجر دون المؤجر المالك.
وقال أبو حنيفة: على المؤجر دون المستأجر، لأنه قد عاوض على الأرض فانتقل الحق إليه، وهذا خطأ لقوله تعالى: ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] ولقوله ﷺ : "فيما سقت السماء العشر".
стр. 3465
ولأن من ملك زرعًا التزم عشره إن كان من أهله كالمستعير، ولأن اعتياض المؤجر عن منافع الأرض لا يوجب التزام حقوق الزرع كالنفقة.
فصل:
وأما أرض الخراج فضربان خراج يكون جزية، وخراج يكون أجرة، فالخراج الذي يكون جزية هو ما ضربه الأئمة على أرض أهل العهد مع إقرارها على ملكهم، فهذه الأرض إن زرعها أهل العهد وجب عليهم الخراج دون العشر، وإن أسلموا أو انتقلت عنهم إلى مسلم وجب العشر في زرعها وسقط الخراج، فإن استأجرها منه مسلم وجب الخراج عليهم لبقاء ملكهم عليها، ووجب العشر على المسلم لملكه للزرع، وأما الخراج الذي يكون أجرة كأرض السواد التي ضرب عمر ﵁ عليها خراجًا جعله إما ثمنًا وإما أجرة على اختلاف الناس فيه فلا يسقط عن رقاب الأرض بإسلام أهلها، فإن زرعها مسلم هي بيده لزمه الحقان الخراج عن الرقبة والعشر عن الزرع.
وقال أبو حنيفة: عليه الخراج وحده دون العشر لأن لا يجتمع فيها حقان، وقد دللنا عليه في كتاب الزكاة في إيجاب الحقين معًا بما أغنى عن إعادته، ولو كان إسقاط أحد الحقين بالآخر لكان العشر المستحق بالنص أثبت وجوبًا من الخراج المضروب عن اجتهاد.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي اكْتِرَاءِ دَابَّةٍ إِلَى مَوْضِعٍ، أَوْ فِي كِرَائِهَا أَوْ فِي إِجَارَةِ الْأَرْضِ تَحَالَفَا فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الرُّكُوبِ وَالزَّرْعِ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا وَإِنْ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ كِرَاءُ الْمِثْلِ ".
قال في الحاوي: إذا اختلف المتكاريان في قدر الأجرة أو في قدر المدة أو في قدر المسافة تحالفا كما يتحالف المتبايعان إذا اختلفا، فإن أقام كل واحد منهما ببينته تعارضتا وفيهما قولان:
أحدهما: تسقط البينتان ويتحالفان.
والثاني: يقرع بينهما فأيهما قرعت يحكم بها.
وقال أبو حنيفة: إن اختلفا في قدر المسافة فقال رب الدابة اكتريتها من مكة إلى الكوفة فقال الراكب إلى بغداد فالقول قول رب الدابة مع يمينه، ولو أقاما على ذلك بينة فالبينة بينة الراكب لأنها أزيد، ولو قال رب الدابة اكتريتها بعشرين وقال الراكب بعشرة فالقول قول الراكب، فإن أقاما بينة فالبينة بينة رب الدابة لأنها أزيد.
стр. 3466
وهذا مردود باختلاف المتبايعين لأنهما معًا اختلفا في صفة عقد معاوضة فاقتضى أن يستويا في التحالف.
فإذا اختلفا وفسخ العقد بينهما إما بالتحالف أو بالفسخ الواقع بعد التحالف على ما مضى في البيوع نظر فإن لم يمض من المدة شيء ترادا الكراء والمكرى، وإن مضت المدة التزم المكتري أجرة المثل واسترجع المسمى، وسواء كانت أجرة المثل أقل مما ادعاه المكري أو أكثر لأنها قيمة متلف.
فصل:
وليس لمؤجر الأرض أن يحتبس الأرض على المستأجر على دفع الأجرة، ولا للحمال أن يحبس ما استؤجر على حمله من المتاع ليأخذ الأجرة لأنه في يده أمانة وليس برهن، فأما الصانع المستأجر على عمل من خياطة أو صياغة أو صبغ هل له احتباس ما بيده من العمل على أجرته؟ فيه وجهان.
أحدهما: ليس له ذاك قياسًا على ما ذكرنا.
والثاني: له ذاك: لأن عمله ملك له كالبائع والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:"وَلَوْ قَالَ رَبُّ الْأَرْضِ بِكِرَاءٍ وَقَالَ الْمُزَارِعُ عَارِيَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْأَرْضِ مَعَ يَمِينِهِ وَيَقْلَعُ الزَّارِعُ زَرْعَهُ وَعَلَى الزَّارِعِ كِرَاءُ مِثْلِهِ إِلَى يَوْمِ قَلْعِ زَرْعِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ فِي إِبَانِ الزَّرْعِ أَوْ غَيْرِهِ قَالَ الْمُزَنِيّ ﵀ هَذَا خِلَافُ قَوْلِهِ فِي كِتَابِ الْعَارِيَةِ فِي رَاكِبِ الدَّابَّةِ يَقُولُ أَعَرْتَنِيهَا وَيَقُولُ بَلْ أَكْرَيْتُكَهَا إِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الرَّاكِبِ مَعَ يَمِينِهِ وَخِلَافُ قَوْلِهِ فِي الْغَسَّالِ يَقُولُ صَاحِبُ الثَّوْبِ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ وَيَقُولُ الْغَّسَالُ بِأُجْرَةٍ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ صَاحِبِ الثَّوْبِ وَأَوْلَى بِقَوْلِهِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ فِي كِتَابِ الْمُزَارَعَةِ. وَقَدْ بَيَّنْتُهُ فِي كِتَابِ الْعَارِيَةِ".
قال في الحاوي: قد مضت هذه المسألة في كتاب العارية مستوفاة ولكن نشير إليها لمكان إعادتها، فإذا اختلف رب الأرض وزارعها فقال ربها بأجرة وقال زارعها عارية قال الشافعي ﵁ القول قول رب الأرض دون الزارع وقال في الدابة إذا اختلف ربها والراكب فقال ربها بأجرة وقال راكبها عارية أن القول قول الراكب دون ربها، فاختلف أصحابنا فكان أبو إسحاق المروزي وأبو علي بن أبي هريرة وجمهور أصحابنا ينقلون جواب كل مسألة إلى الأخرى، ويخرجونها على قولين ذكرنا توجيههما. وكان أبو العباس بن سريج يحمل جواب كل واحدة من المسألتين على ظاهرة، ويجعل القول في الدابة قول راكبها دون ربها، وفي الأرض القول قول ربها دون زارعها اعتبارًا بالعرف في إعارة الدواب وإجارة الأرضين.
فإذا قيل إن القول قول رب الأرض والدابة فمع يمينه وله أجرة المثل فيما مضى
стр. 3467
على أصح وجهي أصحابنا وفي الآخر المسمى وإذا قيل إن القول قول الزارع والراكب فلا أجرة عليه فيما مضى، وعليه رفع يده في المستقبل، فإن كان له في الأرض زرع فإن امتنع من أجرة المثل في المستقبل قلع، لأن قوله إنما قبل في الماضي دون المستقبل، وإن بذلها أقر زرعه، والله أعلم.
стр. 3468
كتاب إحياء الموات
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "بِلَادُ الْمُسْلِمِينَ شَيْئَانِ عَامِرٌ وَمَوَاتٌ، فَالْعَامِرُ لِأَهْلِهِ وَكُلُّ مَا صَلَحَ بِهِ الْعَامِرُ مِنْ طَرِيقٍ وَفِنَاءٍ وَمَسِيلِ مَاءٍ وَغَيْرِهِ فَهُوَ كَالْعَامِرِ فِي أَنْ لَا يُمْلَكَ عَلَى أَهْلِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِمْ وَالْمَوَاتُ شَيْئَانِ: مَوَاتُ مَا قَدْ كَانَ عَامِرًا لِأَهْلِهِ مَعْرُوفًا فِي الْإِسْلَامِ ثُمَّ ذَهَبَتْ عِمَارَتُهُ فَصَارَ مَوَاتًا فَذَلِكَ كَالْعَامِرِ لِأَهْلِهِ لَا يُمْلَكُ إِلَّا بِإِذْنِهِمْ. وَالْمَوَاتُ الثَّانِي مَا لَا يَمْلِكُهُ أَحَدٌ فِي الْإِسْلَامِ يُعْرَفْ وَلَا عِمَارَةَ مِلْكٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا لَمْ يُمْلَكْ فَذَلِكَ الْمَوَاتُ الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَحْيَا مَوَاتًا فَهُوَ لَهُ ".
قال في الحاوي: والأصل في جواز إحياء الموات وحصول الملك بالإحياء رواية هشام بن عروة عن أبيه عن سعيد بن زيد عن النبي ﷺ أنه قال: "من أحيا أرضًا ميتة فهي له وليس لغرق ظالم حق".
وروى وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: "من أحيا أرضًا ميتة فيها أجر وما أكلت العوافي منها فهو له صدقة" والعوافي: جمع عاف وهو طالب الفضل.
وروى نافع عن ابن عمر عن ابن أبي مليكة عن عروة قال: أشهد أن رسول الله ﷺ قضى أن الأرض أرض الله والعباد عباد الله ومن أحيا مواتًا فهو أحق به جاءنا بهذا عن النبي ﷺ الذين جاءوا بالصلوات عنه.
وروى شعبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ أنه قال: "من أحاط حائطًا على أرض فهي له".
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "موتان الأرض للهِ ورسوله ثم هي لكن مني".
وروى الشافعي عن سفيان عن طاوس عن النبي ﷺ أنه قال: "عمارات الأرض لله ورسوله ثم هي لكم فيء"، ولأن ما لم يجر عليه ملك نوعان: أرض، وحيوان، فلما
стр. 3469
ملك الحيوان إذا ظهر عليه بالاصطياد ملك موات الأرض إذا ظهر عليه بالإحياء.
فصل:
فإذا تقرر جواز الإحياء قال الشافعي: بلاد المسلمين شيئان: عامر، وموات، وإنما خص الشافعي بلاد المسلمين بما ذكره من قسمي العامر والموات، وإن كانت بلاد الشرك قسمين: عامر وموات لما ذكره من أن عامر بلاد المسلمين لأهله لا يملك عليه إلا بإذنهم وعامر بلاد الشرك قد يملك عليهم قهرًا وغلبة بغير إذنهم وإذا كان كذلك بدأنا بذكر العامر من بلاد المسلمين ثم بمواتهم أما العامر فلأهله الذين قد ملكوا بأحد أسباب التمليك وهي ثمانية:
أحدها: الميراث.
والثاني: المعاوضات.
والثالث: الهبات.
والرابع: الوصايا.
والخامس: الوقف.
والسادس: الصدقات.
والسابع: الغنيمة.
والثامن: الإحياء.
فإذا ملك عامرًا من بلاد الإسلام بأحد هذه الأسباب الثمانية صار مالكًا له ولحريمه ومرافقه من فناء وطريق ومسيل ماء وغير ذلك من مرافق العامر التي لا يستغني العامر عنها، فلا يجوز أن يملك ذلك على أهل العامر بإحياء ولا غيره، فمن أحياه لم يملكه وقال داود بن علي: حريم العامر كسائر الموات من أحياه فقد ملكه استدلالًا بقوله ﷺ من أحيا أرضًا مواتًا فهي له، وهذا خطأ، لما روي عن النبي ﷺ قال: "لا حمى إلا في ثلاث: ثلة البئر، وطول الفرس، وحلقة القوم".
وثلة البئر: هو ملقى طينها وطول الفرس وهو ما انتهى الفرس إليه بحبله الذي قد ربط به وحلقة القوم فإنه نهى منه عن الجلوس وسط الحلقة، ولأن حريم العامر قد كان على عهد رسول الله ﷺ ثم على عهد خلفائه مقرًا على أهله لم يتعرض أحد لإحيائه مع ما انتهوا إليه عند كثرتهم من ضيق العامر بهم، ولأنه لو جاز إحياء حريم العامر ومنع أهله منه بالإحياء ليبطل العامر على أهله وسبط الانتفاع به، لأنه يقضي إلى أن يبني الرجل دارًا يسد بها باب جاره فلا يصل الجار إلى منزله وما أدى إلى هذا من الضرر كان ممنوعًا منه، وليس الحريم مواتًا فيصح استدلال داود عليه.
فصل:
وأما الموات فضربان:
أحدهما: ما لم يزل على قديم الدهر مواتًا لم يعمر قط هذا هو الموات الذي قال
стр. 3470
فيه رسول الله ﷺ : "من أحيا أرضًا مواتًا فهي له" فمن أحيا من المسلمين فقد ملكه وإن أحياه ذمي لم يملكه.
وقال أبو حنيفة: يملكه الذمي بالإحياء كالمسلم استدلالًا بعموم قوله ﷺ : "من أحيا أرضًا مواتًا فهي له" ولأنها أعيان مباحة فجاز أن يستوي في تملكها المسلم والذمي كالصيد، والحطب، ولأن من صح أن يملك بالاصطياد والاحتطاب صح أن يملك بالإحياء كالمسلم، ولأنه سبب من أسباب التمليك فوجب أن يستوي فيه المسلم والذمي كالبيع.
ودليلنا: قوله تعالى ﷺ : "الأرض للهِ ورسوله ثم هي لكم" فواجه المسلمين بخطابه وأضاف ملك الموات إليهم فدل على اختصاص الحكم بهم.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب" إشارة إلى إجلائهم حتى أجلاهم عمر ﵁ من الحجار فلما أمر بإزالة أملاكهم الثابتة فأولى أن يمنعوا من أن يستحبوا أملاكًا محدثة، لأن استدامة الملك أقوى من الاستحداث، فإذا لم يكن لهم الأقوى فالأضعف أولى؛ ولأن من لم يقر في دار الإسلام إلا بجزية منع من الإحياء كالمعاهد، ولأن ما كل يملكه الكافر قبل عقد الجزية لم يملكه بعد عقد الجزية.
أصله: نكاح المسلمة؛ ولأنه نوع تمليك ينافي كفر الحربي فوجب أن ينافيه كفر الذمي كالإرث من مسلم.
فأما الجواب عن قوله ﷺ : "من أحيا أرضًا مواتًا فهي له" فهو أن هذا لخبر وارد في بيان ما يقع به الملك.
وقوله: "ثم هي لكم مني" وارد في بيان من يقع له الملك فصار المعنى في كل واحد منهما فيما قصد له قاضيًا على صاحبه فصار الخبران في التقدير كقوله: "من أحيا أرضًا مواتًا من المسلمين فهي له".
وأما الجواب عن قياسهم على الصيد والحطب فهو أنه منتفض بالغنيمة حيث لم يستو المسلم والذمي فيها مع كونها أعيانًا مباحة ثم لو سلم من النقص لكان المعنى في الصيد والحطب أن لا ضرر على المسلم فيه إذا أخذه الكافر وليس الإحياء. ولذلك لم يمنع المعاهد من الاصطياد والاحتطاب وإن منع الإحساء فكان المعنى الذي فرقوا به في المعاهد بين إحياءه واصطياده هو فرقنا في الذمي بين إحيائه واصطياده وهو الجواب عن قياسهم والثاني يكون لصغار الذمة فاستغلى على من خالف الملة.
وأما الجواب عن قياسهم على البيع فهو أنه منتقض بالزكاة؛ لأنها بسبب من أسباب التمليك الذي يختص بها المسلم دون الذمي، ثم المعنى في البيع أنه لما جاز أن يملك به المعاهد جاز ان يملك به الذمي ولما لم يجز في الإحياء أن يملك به المعاهد لم يملك به الذمي.
следующие страницы →