← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المياه التي يتطهر بها أنها تكون في الأواني. وجملته: أن الأواني الطاهرة يجوز التطهر من الماء الذي فيها، ولا يجوز التطهر من الماء الذي في الأواني النجسة، ومن الأواني الطاهرة ما ينهى عن استعمالها مع جواز التطهر من مائها. فإذا تقرر هذا، فقوله: "ويتوضأ في جلود الميتة إذ دبغت" أراد به ميتة كانت طاهرة في حال الحياة، فنجست بالموت؛ لأن الحوت لا ينجس بالموت ولا يحتاج في جلده إلى الدباغ، والكلب نجس في حال الحياة فلا يؤثر في تطهير جلده الدباغ. وفيما نقله المزني خلل؛ لأن هذا لفظ عام وعطف عليه الخبر، وهو قوله ﷺ : "أيما إهاب دبغ فقد طهر". وهو عام، يدخل تحته السباع وغيرها. ثم عطف عليه فقال: " وَكَذَلِكَ جُلُودُ مَا لاَ يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنَ السَّبَاعِ". وهذا لا يحسن، ألا ترى أنه لو قال قائل: جميع الجلود تطهر بالدباغ، وكذلك جلود السباع كان لغوأً، وإنما ذكر الشافعي في أول الباب خبر شاة ميمونة وهو أنه صلي الله عليه وسلم [٢٩ ب/ ١] مر بشاة ميتة لميمونة، وروي لمولاة ميمونة، فقال: "هلا انتفعتم يإهابها؟ " فقيل: إنها ميتة، فقال: "أيما إهاب دبغ فقد طهر". وروي أنه قال: "أليس في الشب والقرظ ما يطهره". وروي أنه قال: "إنما حرم عن الميتة أكلها". ثم عطف عليه، فقال: " وَكَذَلِكَ جُلُودُ مَا لاَ يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنَ السَّبَاعِ " ويحسن عطف العام على الخاص كما فعل الشافعي ولا يحسن عطف الخاص على العام كما فعل المزني. وقوله: "ويتوضأ في جلود الميتة" ومعناه بالماء الذي في جلود الميتة. واعلم أن الميتات كلها نجسة إلا خمسة؛ الحوت، والجراد، والصيد إذا مات في يد المعلم من غير عقر في قول، والآدمي في قول، والجنين إذا خرج ميتاً بعد ذكاة أمه. واختلف الناس في جلود الميتات على سبعة مذاهب: فذهب الشافعي إلى أن جلود الميتات تنجس بالموت كما ينجس لحمها، إلا أنه يطهر بالدباغ جلد كل حيوان كان طاهراً في حياته ظاهراً وباطناً، ويجوز الصلاة معه وعليه، ويجوز استعماله في الأشياء الرطبة واليابسة، وكل حيوان نجس في حال حياته كالكلب والخنزير وما توالد منهما،

стр. 37

أو من أحدهما لا يطهر جلده بالدباغ أصلاً وبه قال علي، وابن مسعود ﵄ وذكر ابن القطان وجهان، الجلد لا ينجس بالموت، وإنما الزهومة فيه تصير نجسة فيؤمر بالدباغ لزوالها كما يغسل من النجاسة، وهذا [٣٠ أ/ ١] ليس بشيء؛ لأن كل جزء تحله الحياة تنجس بالموت. وأما جلد الآدمي هل ليطهر بالدباغ؟ فيه وجهان. إذا قلنا إنه ينجس بالموت في أضعف القولين، وقيل: إنه لا يتأتى فيه الدباغ، وقال أبو حنيفة: يظهر جلد الكل بالدباغ إلا جلد الخنزير والإنسان. ثم منهم من قال: عين الخنزير نجس في حال الحياة كمذهبنا. ومنهم من قال: عينيه طاهرة كعين الكلب، إلا أن جلده لا يقبل الدباغ؛ لأنه نبت الشعر في جلده من لحمه. وقال أبو يوسف: يطهر جلد الخنزير أيضاً، وبه قال داود. وروى هذا عن أبى حنيفة. وقال مالك: يطهر ظاهر الجلد دون باطنه فيجوز الصلاة عليه ولا يجوز الصلاة فيه، ويجوز استعماله في الأشياء اليابسة دون الرطبة، إلا الماء فإنه عنده لا ينجس الماء إلا بالتغير. وقال الأوزاعي، وأبو ثور، وإسحاق: يطهر جلد ما يؤكل لحمه بالدباغ دون ما لا يؤكل. وقال أحمد: لا يطهر جلد الميتة بحالٍ في رواية، وبه قال عمر وابن عمر، وعائشة ﵃، وروى هذا عن مالك أيضاً. وقال ابن المنذر: كان الزهري ينكر الدباغ، وقال: ينتفع بجلود الميتة على كل حال ما وسع الناس فيه قولا الزهري، ثم داود، ثم أبو حنيفة، ثم مالك، ثم الأوزاعي، ثم أحمد، والدليل على بطلان قول أبي حنيفة أن الكلب حيوان نجس العين فلا يطهر جلده بالدباغ كالخنزير. وقول الشافعي [٣٠ ب/ ١]: لأنهما نجسان وهما حيان إشارة إلى الدليل. وهو أن الدباغ معالجة فتزيل النجاسة العارضة دون الأصلية، ونجاسة الكلب هي أصلية فلا ترتفع بالدباغ كما لا ترتفع بالحياة. والدليل على بطلان قول أبي يوسف أن الحياة هي أقوى من الدباغ، والحياة لا تطهر جلد الخنزير فالدباغ أولى أن لا يطهره. والدليل على بطلان قول مالك ظاهر ما ذكرنا من الخبر. وروى عن سودة بنت زمعة ﵂ أنها قالت: ماتت شاة لنا، فأخذنا إهابها ودبغنا. وجعلنا منه قربة ننبذ فيها إلى أن صارت شناً. ومعنى ننبذ فيها: أي نطرح التميرات في الماء الذي فيها حتى نسكب ملوحته وتصير حلوى. وقال ابن عباس ﵄: توضأ رسول الله صلي الله عليه وسلم من قربة قيل له: إنها ميتة، فقال: "إن دباغها

стр. 38

يذهب رجسها أو نجسها وخبثها". ولأنه جلد يجوز الصلاة على قلبه ووجهيه، فيجوز الصلاة معه أصله جلد المزكي المأكول واحتج مالك أنه جامد نجس فلا ينقلب طاهراً. قلنا: يبطل بظاهر، ثم تأثير الدباغ في باطنه كهو في ظاهر فيستوي حكمها. والدليل على بطلان قول الأوزاعي عموم الخبر، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولأنه حيوان طاهر العين فأشبه المأكول، واحتج بان الزكاة أقوى من الدباغ ولا تؤثر الزكاة إلا فيما يؤكل بالدباغ أولى، ولأنه حيوان لا يطهر [٣١ أ/ ١] جلده بالزكاة فلا يطهر بالدباغ كالكلب. قلنا: الدباغ أقوى؛ لأنه يرفع النجاسة المحققة والزكاة ترفع النجاسة، وإنما افترقا لأنه يقصد بالزكاة اللحم، فإذا لم ينج اللحم لا يطهر الجلد بالدباغ، يقصد الجلد لا غير فيرده إلى حالة الحياة من الطهارة. والدليل على بطلان قول أحمد الخبر الذي ذكرناه، واحتج بما روي عن عبد الله بن عكيم أنه قال: كتب إلينا رسول الله ﷺ قبل موته بشهران: "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب". وروي: "لا تنتفعوا من الميتة بشيء". ولأنه جزء من الميتة فلا يظهر بالدباغ كاللحم، لأنه تنجس بالموت فلا يطهر بالدباغ كجلد الكلب. قلنا: أما الخبر فمضطرب مرسل، وخبرنا مسند أخرجه مسلم في الصحيح، ثم أراد به قبل الدباغ؛ لأنه يسمى إهاباً قبل الدباغ وبعده يسمى أديماً أو صوفاً. فإن قيل: خبرنا ورد قبل موته بشهر فهو متأخر؟ وأما اللحم فلا يؤثر فيه الدباغ ولا يغيره عن حالته، بل يفسده بخلاف الجلد. وأما الكلب فجلده لمنجس بالموت. بل كان نجساً قبله بخلاف هذا. والدليل على بطلان قول الزهري الخبر الذي ذكرنا؛ لأنه جعل الدباغ شرح في طهارة الجلد. وروت عائشة ﵂ "أن النبي ﷺ أمر أن يستمتع [٣١ ب/ ١] بجلود الميتة إذا دبغت". واحتج بخبر شاه ميمونة أن النبي ﷺ لم يذكر فيه الدباغ، وقال: "إنما حرم من الميتة أكلها". قيل: روينا لفظ الدباغ، وروي: "فدبغوه وانتفعوا به"والناس أولى، وقوله: "إنما

стр. 39

حرم أكلها": تحريماً لا يرتفع وتحريم الجلد يرتفع. قالوا: لو كان نجساً لم يطهر بالدباغ؟ قيل: يجوز أن يكون الشيء نجس العين وينقلب طاهراً كالخمر يصير خلاً. فإذا تقرر هذا فالكلام الآن في ثلاثة فصول: أحدها: فيما يدبغ به الجلد. والثاني: في جواز بيعه. والثالث: في جواز أكله. فأما ما يدبغ به الجلد: فيجوز أن يدبغ بما كانت العرب يدبغون به من القرظ والشب هكذا في الخبر. قال أصحابنا: والشب أفصح، وروي ذلك وهو شيء يشبه الزاج وقيل: الشت بثلاث نقط، هو شجر من الطعم لا يعلم هل يدبغ به أم لا؟ والقرظ: ورق شجرة تنبت بتهامة يدبغ به الجلد. ويجوز أيضاً بكل ما يقوم مقامها من العفص وقشور الرمان، وما أشبه ذلك مما ينشف الفضول ويزيل الرطوبة حتى لا يفسد بورود الماء عليه. وفي خبر ميمونة ﵂ ذكر القرظ والشب، وقال قي خبر آخر: "ويطهرها الماء والقرظ". فصار تنبيها على ما يقوم مقامها. ومن أصحابنا من قال: يعتبر فيه ثلاثة أوصاف؛ أن ينشف فضوله الظاهرة، ورطوبته الباطنة، وأن يطيب الرائحة [٣٢ أ/ ١]، وأن يبقي على حالته بعد الاستعمال. فلا يفسد بورود الماء عليه مدة. ومن أصحابنا عن زاد وصفاً رابعاً، فقال: وأن ينقل اسمه من الإهاب إلي الأديم والشت. وقال الشافعي: "ولا يجوز بالتراب ولا بالملح" وهذا صحيح؛ لأنه لا يصلحه على ما ذكرنا، وكذلك الشمس لا تطهره. وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يطهرها التتريب والشمس؛ لأنها تجففه وتنشف فضوله، وهذا غلط؛ لأنه لا يأمن الفساد، ومتى لحقه بالماء عاد إلي حاله. وذكر بعض أصحاب أبي حنيفة أنه إنما يطهره ذلك إذا عملت فيه عمل الدباغ على ما ذكرنا. وقد قال أصحابنا: إن كان الرماد ونحوه يصلحه يجوز به الدباغ أيضاً، ثم إذا دبغ الجلد وأحكمه، قال أبو إسحاق: لا يطهر حتى يغسل بالماء القراح ليطهر ما جاوره من النجاسة؛ لأن ما لاقاه نجس به. وقال بعض أصحابنا: يطهر بالدباغ ولا يحتاج إلي الماء، وهو ظاهر السنة، ولأن العين انقلبت فصارت طاهرة كالخمر يصير خلاً. وبه قال صاحب "التلخيص" كل نجاسة لا يجزئ في تطهيرها إلا الماء إلا الاستنجاء والدباغ، والأول أصح وأقيس. فرع ما يتناثر من الجلد من أجزاء والدباغ هل يكون نجساً؟ فإن قلنا: يجب غسل الجلد وهو المذهب، فهو نجس، وإن قلنا: لا يجب غسل الجلد فتلك الأجزاء طاهرة؛ لأن نجاستها لنجاسة الجلد، فإذا زالت نجاسة الجلد حكم بطهارتها كما يحكم بطهارة المزر إذا انقلب خلاً.

стр. 40

فرع آخر [٣٢ ب/ ١] قال في "الأم": "لو دبغ وترك عليه شعر فيما بين الماء الشعرة نجس الماء، وإن كان الماء في باطنه والشعر على ظاهره لم ينجس الماء. قال صاحب "الإفصاح": وهذا يدل على أن جلد الميتة إذا دبغ بماء نجس طهر. وقال القاضي الطبري: هذا لا يجيء على مذهب الشافعي، وتأويله: أنه غسل باطنه بالماء القراح، ثم جعل فيه الماء، وإذا دبغ بشيء نجس يحتاج إلى الماء القراح بلا خلاف. وقال بعض أصحابنا: بخراسان: هل يطهر به؟ وجهان. وهذا لا وجه له؛ لأنه يؤدي إلى أن لا سبيل إلى تطهيره؛ لأنه لا يمكن رده غير مدبوغ، والصحيح أنه يطهر ويغسل بالماء بعده. فرع آخر جلد ميتة الغير ودبغة فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون ملكاً لربه. والثاني: يكون ملكاً لدابغه. والثالث: إن كان رب الجلد رفع يده، فإن ألقاه فأخذه الدابغ كان ملكاً للدابغ، وإن لم يكن قد رفع يده كان لربه. وأما الفصل الثاني: وهو الكلام في جواز بيعه: فلا خلاف أنه لا يجوز بيعه قبل الدباغ. وحكي عن أبي حنيفة أنه قال يجوز بيعه؛ لأنه يمكن تطهيره ولا يصح عنه، بل هو قول بعض السلف وهو ربيعة، وهو غلط؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: "إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه". وهذا الجلد محرم قبل الدباغ. وقال: أصحابنا: يجوز استعماله في اليابسات ويجوز هبته على سبيل نقل اليد والوصية به أيضاً على سبيل [٣٣ أ/ ١] التمليك. وأما بيعه بعد الدباغ، قال في "القديم": لا يجوز، وبه قال مالك؛ لأن النبي ﷺ قال في شاة ميمونة: "هلا أخذتم إهابها فانتفعتم به". فخص الانتفاع فلا يحل ثمنه. وقال في "الجديد" وهو الصحيح، وبه قال كافة العلماء: يجوز بيعه؛ لأنه طاهر منتفع به ليس في بيعه إبطال حقه، فجاز بيعه كالزكاة، فأما ما ذكر فلا يصح؛ لأن بيعه من جملة الانتفاع به، وعلى هذا أصل هل يجوز إجارته؟ وجهان كالكلب. وقيل يجوز إجارته وهبته والوصية به قولاً واحداً، وإنما القولان في بيعه ورهنه. وأما الفصل الثالث وهو الكلام في جواز أكله: قال أصحابنا بالعراق: وإن كان جلد حيوان لا يؤكل لا يجوز أكله قولاً واحداً؟ لأنه لا يحل بالزكاة مع أنها أقوى، فلأن لا يحل بالدباغ أولى، وإن كان جلد حيوان يؤكل فيه قولان. قال في "القديم": لا يحل أكله وهو الصحيح؛ لأنه جلد طاهر من حيران مأكول، فأشبه المزكي وأما الخبر فقد روى: "إنما حرم من الميتة لحمها".

стр. 41

وقيل: إنما بني قوله في "القديم" على أن باطن الجلد لا يطهر بالدباغ، وهذا ليس بشيء. وقال بعض أصحابنا بالعراق: قوله القديم أصح؛ لأن الدباغ لو أفاد الإباحة لم تصح فيما يوكل لحمه كالمزكاة. وقال القفال [٣٣ ب/ ١]: القولان في جميع الجلود ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل؛ لأنه طاهر لا حرمة له ولا يتضرر بأكله، وهذا أقيس. وذكره ابن كج رحمه الله تعالى. مسألة: قال: "وَلاَ يَطْهَرُ بالدِّبَاغِ إِلاَّ الإِهَابُ وَحْدَه". وهذا كما قال، أراد به: ولا يطهر من الميتة بالدباغ إلا الجلد والمشبعة التي فيها الولد إذا انفصلت من الحيوان يكون نجساً ولا يطهر بحال، فأما الصوف والشعر والريش والقرن والعظم قلا يطهر بحالٍ، وهو ظاهر المذهب. ذكره القاضي أبو حامد في جامعه، وقال الشيخ أبو حامد، وأبو إسحاق: فيها قولان: أحدها: أنها طاهرة كالخشب وهذا ليس بصحيح. وأما الصوف والشعر والريش، فالنص هاهنا، وهو رواية الربيع وحرملة والبويطي أن فيها حياة وتنجس بالموت ولا تطهر بحالٍ وهو ظاهر المذهب. وروى ربيع بن سليمان الجيزي عن الشافعي أن الشعر تابع للجلد يطهر بطهارته وينجس بنجاسته، فإذا دبغ الجلد طهر تبع الشعر وهذا لا يصح؛ لأن الدباغ لا يؤثر في الشعر ولا يصلحه، بل يمزقه فلم يقر طهارته بللحم بخلاف الجلد. وروى إبراهيم البليدي عن المزني عن الشافعي أنه رجع من تنجيس شعر بني آدم فمن أصحابنا من قال: هذا لكرامة الآدميين، وحكمه مقصور على شعورهم، وهذا [٣٤ أ/ ١] هو الصحيح. ومنهم من قال: هذا لأنه اعتقد أنه لا وقع في الشعر، فهو قول في جميع الشعور. فعلى هذا حصل أربعة أقوال: أحدها: الكل طاهر إلا شعر الكلب والخنزير، ولا روح فيها وبه قال أبو حنيفة، والثوري، ومالك، وأحمد، وإسحاق، والمزني. وقال أبو حنيفة في شعر الكلب مثله، وفي شعر الخنزير روايتان عنه، وقال مثل هذا في العظم والسن والقرن وخالفه فيها مالك، وأحمد، وإسحاق والمزني ووجه هذا القول أنه لا يحسن ولا يألم. والقول الثاني: فيه روح والكل نجس إلا ما يؤخذ من الحيوان المأكول ني حياته أو بعد ذكاته لا جزء من حيوان ينمو بحياته فينجس بنجاسة موته كسائر الأجزاء. وبه قال عطاء والحسن، والأوزاعي والليث بن سعد. وحكي عن حماد أن فيه روحاً وينجس لموته، ولكنه يطهر بالغسل. وروي نحوه عن الحسن، والأوزاعي، ومالك، والليث، ووافقونا في العظم أنه لا يطهر بحالٍ. والثالث: الجلد على ماذكرنا، وبه قال مالك. والرابع: أنه شعر بني آدم هو مخصوص بالطهارة للكرامة وما عداه نجس إلا ما ذكرناه. ومن أصحابنا من قال: تنجس بالموت ولا رفع فيه كاليد الشلاء لا روح فيها،

стр. 42

وتنجس بموت الحيوان لاتصالها به وهو ضعيف. فإذا تقرر هذا، فعلى المذهب المشهور الحيوان على ثلاثة أضرب، نجس، وطاهر يؤكل لحمه، وطاهر لا يؤكل لحمه، فالنجس ما كان [٣٤ ب/ ١] نجساً في حال حياته، فلا سبيل إلى طهارة شعره. وأما ما يؤكل لحمه فشعره طاهر إذا جز وحلق، وإذا زكى، فلو نتف أو قطع بضعة لحم منه وعليها صوف أو شعر لا نص فيه. واختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: إنه نجس لأنه غير مأذون فيه. ومنهم من قال: إنه طاهر وهو كالذبح بسكين، قال: يفيد الإباحة مع الكراهة والتحريم وتنجس شعره في موضع واحد، وهو إذا مات حتف أنفه. وأما ما لا يؤكل لحمه من الطاهر كالبغل والحمار ونحوها فشعره طاهر في موضع واحد، وهو ما دام قائماً عليه في حياته، فإن جز منه أو حلق أو مات حتف أنفه أو قتل أو ذبح نجس، فإن دبغ الجلد فهو يطهر الشعر تبعاً، فهو على ما ذكرنا من القولين. وأما شعر بني آدم قال بعض أصحابنا: الآدمي هل ينجس بالموت؟ قولان، والصحيح أنه لا ينجس؛ لأنه يؤمر بغسله تعباً فإن قلنا: لا ينجس بالموت فشعره وشعر ما لا يؤكل لحمه واحد. وقيل في شعره قول واحد إنه طاهر، لأنه صح رجوعه فيه. وأما شعر رسول الله ﷺ إن قلنا شعر غيره من الآدميين طاهر فشعره أولى. وإن قلنا: ذاك نجس ففي شعره وجهان. قال أبو جعفر الترمذي وجماعة: هو طاهر؛ لأن النبي ﷺ لما حلق رأسه فرق شعره على أصحابه، ولو كان نجساً [٣٥ أ/ ١] منه كالدم والبول. وقال بعض أصحابنا بخراسان: في بوله ودمه وجهان أيضاً؛ لأن ابن الزبير حسا دمه تبركاً ولم ينكر عليه. وروي أن أبا طيبة شرب دمه. وروي أن النبي ﷺ دفع محاجمه إلى علي ﵁، فقال: "واره حيث لا يراه أحد" فشرب دمه وقال: واريته حيث لا يراه أحد، فقال: "لعلك شربتها". فقال: نعم. فلم ينكر عليه. وروي أنه أم أيمن شربت بوله فقال: ﵊: "لا ينجع بطنك" وهذا بعيد. وقد روي أنه نهى أبا طيبة عن مثله وقال: "حرم الله جسمك على النار". وروي عن سالم بن أبي سالم الحجام، قال: حجمت رسول الله ﷺ ، فلما وليث المحجمة من رسول الله ﷺ شربته، فقلت: يارسول الله شربته، فقال: "ويحك يا سالم، أما علمت أن الدم كله حرام، لا تعد".

стр. 43

فرع الوسخ الذي ينفصل عن الآدمي في الحمام حكمه حكم ميتة الآدمي نجس يعفي عن قليله؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه كدم البراغيث، وفسر بعض أصحابنا القليل بالشعرة والشعرتين، وقال: إذا وقع في الماء القليل فإنه يعفي عنه، ذكره أهل العراق. وفيه نظر؛ لأن العفو عن يسير النجاسة لا يكون في الماء؛ لأنه يتعدى وينتشر بخلاف الثوب. فإذا تقرر هذا، قال الشافعي: "وَلَوْ كَانَ الصَّوفُ وَالْشَّعْرُ وَالْرَّيشُ [٣٥ ب/ ١] لاَ يَمُوتِ بِمَوْتِ ذَوَاتِ الرُّوحِ، أَوْ كَانَ يَطْهُرُ بِالدَّبَاغِ لَكَانَ ذَلِكَ في قَرْنِ الْمَيْتَةِ وَسَبيِّهَا، وَجَازَ في عَظْمِهَا، لأَنَّه قَبْلَ الدِّباغِ وبَعْدَهُ سَوَاءُ". وقصد به الرد على مالك لا على أبي حنيفة، وكان الشافعي شك في مذهبه فلم يتيقن أنه يقول: لا ينجس الأشياء البادية بالموت أصلاً، أو يقول: تنجس ولكنها تطهر بالدباغ فألزمه الدليل على .... فقال: إن زعمت أنها لا تنجس بالموت فهلا قلت ذلك في السن والعظم والقرن، وإن زعمت أنها تنجس ثم تطهر بالدباغ، فهلا قلت ذلك في هذه الثلاثة أيضاً؛ لأن هذه الأشياء الستة قبل الدباغ وبعده سواء، لا تأثير للدباغ فيها كتأثيره في الجلد. ومن أصحابنا من قال: إنه قصد به الرد على أبي حنيفة ومالك، وتقديره: ولو كان الصوف والشعر والريش لا يموت بموت ذات الروح، كما قال أبو حنيفة، أو كان يطهر بالدباغ كما قال مالك، كان س في قرن الميتة وسيما دليل على أبي حنيفة، إلا أنه لا يسلم ذلك، فننقل الكلام إليه، واحتج بقوله تعالى: ﴿قَالَ مَن يُحْيِي اَلَعِظَامَ وهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]. وقوله: وكان في عظمها دليل على مالك والأول أصح. وعلى هذا قوله: "وجاز في عظمها".لم يقتصر فيه على مجرد العطف كما اقتصر في السن تحسيناً للعبادة، ولا معنى له غيره، فتقديره: لكان ذلك قي قرن الميتة وسنها وعظمها. فرع إذا ماتت شاة وفي ضرعها [٣٦ أ/ ١] لبن كان نجساً لا يحل شربه. وقال أبو حنيفة، وداود: يحل شربه؛ لأن السحابة لما فتحوا المدائن أكلوا الجبن، وهو يعمل بالأنفحة، وهي تؤخذ من صغار المعز فهي بمنزلة اللبن، وذبح المجوس بمنزلة موت الحيوان، وهذا غلط؛ لأنه مائع غير الماء، وفي وعاء نجس فكان نجساً، كما لو حلب في إناء نجس ولا علم لنا بما ذكروه عن الصحابة. فرع آخر إذا ماتت دجاجة وفي جوفها بيضة، فإن كانت رخوة ضعيفة فهي كاللبن، وإن كانت

стр. 44

قوية وصلبة قشرها فهي طاهرة، كما لو وقعت البيضة في ماء نجس. وقال بعض أصحابنا: فيها ثلاثة أوجه: أحدها: طاهرة لأن فيها جمودة والثاني: أنها نجسة وإن تصلبت، وحكام ابن المنذر عن علي ﵁ وعلل بأنها ميتة. وروي ذلك عن ابن مسعود أيضاً. وقيل: اختاره الشافعي مرة، والثالث: التفصيل على ما ذكرناه، وهو المذهب؛ لأن البيضة مودعة في الحيوان لا تحلها الحياة والموت، ولو تفرخت هذه البيضة كان الفرخ طاهراً بلا خلاف. فرع البيضة لذا صارت مذرة واختلطت الصفرة بالبياض طاهرة وحكمها حكم اللحم إذا نتن. فرع آخر إذا انفصلت البيضة من الدجاجة ففي بللها وجهان أحدهما: أنه ظاهر كالمنى، والثاني: أنه نجس وهو الظاهر وهكذا الوجهان في البلل الخارج تبع الحمل. فرع آخر إذا ماتت الظبية وفيها فارة مسك تنجس الفارة [٣٦ ب / ١] وجهاً واحداً بخلان البيض لأن للبيض نماء بعد موت الدجاجة وليس لفارة المسك نما. فرع آخر المرة العفرة نجسة لأنها غذاء يغير إلى النساء. فرع آخر أنفحة السخلة المذبوحة إذا لم تكن شربت إلا اللبن طاهرة؛ لأنها وإن كانت غذاء متغير فما تغير إلى الفساد، فإن ماتت فهي نجسة. فرع آخر البلغم عند الشافعي طاهر. وحكي عن المزني أنه قال: هو نجس. وهذا غلط؛ لقوله ﷺ ﵁: "ما نحامنك ودموع عينيك إلا سواء". ولأنه يخرج من الرأس أو من الحلق والصدر فكان طاهراً كالمخاط. فرع آخر الماء الذي يسيل في النوم طاهر وإن كان متغير الرائحة كاللعاب، وإن علم أنه خرج من المعدة لمرض أو علة، ويعرف ذلك بالنتن فهو نجس. فرع آخر لو رأى شعراً فلم يعلم أنه من شعر مأكول أو غير مأكول، فيه وجهان بناء على أن أصول الأشياء هل هي على الخطر أو على الإباحة؟ ولو علم أنه شعر مأكول ولا يدرى هل أخذ في حياته أو بعد موته؟ فهو طاهر ذكره بعض أصحابنا ويحتمل وجهاً آخر.

стр. 45

فرع آخر لو باع جلد الميتة بعد الدباغ وعليه شعر، وقلنا شعره نجس، فإن باع الجلد وحده دون شعره يجوز، وإن باع مع شعره ففي الشعر لا يجوز، وفي الجلد قولان بناء على جواز تفريق الصفقة، وإن باعه مطلقاً فيه [٣٧ أ/ ١] وجهان: أحدهما: أنه لا يدخل الشعار في البقع لأنه غير مقصود، ولا يصح فيه البيع فيصح بقع الجلد. والثاني: يدخل في البيع لاتصاله بالمبيع، فيكون كما لو قال: يقبل مع الشعر. فرع آخر إذا عمل من الجلد المنجوس حوض فطرح فيه ماء، فإن كان دون قلتين صار نجساً، وإن بلغ قلتين فأكثر فالماء طاهر والإناء نجس، ويجوز التوضاء منه إذا كان الوضوء لا ينقصه عن القلتين. مسألة: قال: "وَلاَ بِدُهْن في عَظْمِ فيلٍ" وهذا كما قال. قرئ هذا بثلاث قراءات بتشديد الدال والهاء، وبتشديد الدال وتخفيف الهاء، وبتخفيف الدال وتشديد الهاء والمعنى واحد، وأراد به أنه لا يستعمل دهن في عظم فيل لنجاسته؛ لأن الفيل لا يؤكل لحمه. وقال مالك: إذا ذكيِّ الفيل فعظمه طاهر؛ لأن الفيل عنده مأكول. وإن مات فعظمه نجس؛ لأن العظم يحله الموت. قال النخعي: طهارة العاج خرطه، فإذا خرطا صار طاهراً. وقال الليث: إذا طبخ حتى خرج دهنه كان طاهراً. وقال أبو حنيفة: لا ينجس كما قال في سائر العظام. واحتج الشافعي ﵀ بكراهته من عمر ﵁ لذلك، وهذه كراهة تحريم؛ لأن العاج هو ألطف من أن تعافه النفس حتى تكرهه كراهه تنزيه، إلا أنهم كانوا يعدلون عن لفظة التحريم إلى لفظة الكرامة احتراماً للشريعة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل: ١١٦] [٣٧ ب/ ١] ويجوز أن يعبر عن التحريم بالكراهة، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨] أي محرماً. فإن قيل: روي أن في جهاز فاطمة ﵂ سوار من عاج؟ قيل: إنه كان من عظم بعير، وقيل: من زبل، وهو عظم سمكة في البحر وسمي عاجاً لبياضه. فإذا نقرر هذا فلو اتخذ مشطاً لا يجوز أن يمشط به إذا كان أحدهما رطباً، فإن كان المشط والشعر مايتتين، قال في "البويطي": يكره الانتفاع في شيء تمسه يده، وإن كانت تمسه يابسة فلا تنجسه. وإن أراد أن يجعل فيه الدهن للاستصباح أو الاستعمال في غير أبدان المتعبدين، فالصحيح من المذهب أنه جائز.

стр. 46

مسألة: قال: (فَأَمَّا جِلْدُ كُلُ مُذَكِيِّ يُؤْكَل لَحْمَهُ فَلاَ بَاسَ بِالْوضُوءِ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يُدْبَغْ". وهذا كما قال، الحيوان على ضربين: أحدها: يحل أكله، فإذا ذبح فلحمه وجلده طاهر، ويجوز استعمال جلده وحوله حوضاً للماء قبل دباغه ما لم يصبه دم أو ورث، فإن أصابه ذلك غسله. والثاني: ما لا يحل أكله فذبحه وموته سواء، نص عليه في "الأم" ولم ينقله المزني. وقال مالك وأبو حنيفة: يطهر كله بالذبح إلا الخنزير والإنسان وهذا غلط؛ لأن المقصود بالذكاة إباحة اللحم عرفاً وشرعاً، وهذه الذكاة لا تفيد المقصود، فلا يفيد البائع. مسألة: قال: "وَلاَ أكْرَهُ مَنَ الآنيَةِ إِلاَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَّ". وهذا كما قال. أراد به ولا أكرم من الآنية الطاهرة شيئاً [٣٨ أ/ ١] إلا الذهب والفضة، فإني أكرههما من حيث الاستعمال لا من حيث التطهير خاصة فإذا تقرر هذا فالأواني على ضربين: متحدة من جنس الأثمان، ومتحدة من غير جنس الأثمان. فأما المتحدة من جنس الأثمان: وهي آنية الذهب والفضة لا يحل استعمالها بحالٍ في شيء من الأشياء. وقال في كتاب الزعفراني من القديم لا يحل ذلك كراهة وتنزيها لا تحريماً؛ لأن الغرض بذلك تركه التشبه بالأعاجم والخيلاء وإغاظة الفقراء، وذلك لا يقتضي التحريم، وهذا غلط لما روت أم سلمة أن النبي ﷺ قال: "الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في جوفه نار جهنم". وروي "نار جهنم" بالرفع، فمعنى الرفع كأنه قال: إنما يصون نار جهنم، والجرجرة هي الصوت، ومعناه تلقى في جوفه نار جهنم حتى يسمع صوته يقال: جرجر فلان الماء في حلقه إذا تجرعه جرعاً متتابعاً يسمع له صوت، والجرجرة في حكاية ذلك الصوت، وهذا وعيد يقتضي التحريم، ومعنى النصب كأنه يقول: إنما يجرجر نار جهنم، فيكون جرجر على هذا المعنى مضاعف جر، وهو أن هذا الفعل يكون سبباً لعذابه في نار جهنم، وهذا كما قال تعالى: ﴿إنَّمَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] وقال داود: يحرم الشرب منها فقط؛ لأن الخبر ورد في الشرب وهذا غلط، لما روي عن النبي ﷺ : "لا تشربوا في آنية الذهب ولا الفضة، ولا تلبسوا الحرير [٣٨ ب/ ١] والديباج، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة". آخر هذا الخبر يدل على أن التحريم عام في الشرب وغيره وروى حذيفة أيضاً أن النبي ﷺ نهى عن الأكل والشرب تنبيهاً على غيرهما، فإن خالف وأكل فالأكل محرم والمأكول حلال. ومن أراد أن

стр. 47

يتوقى المعصية فيها فليخرج الطعام منها ثم يأكله إن شاء. كما حكي أن فرقد السيخي والحسن البصري - رحمهما الله - حضرا وليمة فقدم إليهما طعام في إناء فضة، فقبض فرقد يده عن الأكل منه، فأخذ الحسن الإناء وكبه على الخوان، وقال: كُل الآن إن شئت. وهكذا لو توضأ منها فالوضوء صحيح، وإن كان الفعل محرماً: لأن المنع لم يكن في الماء خلافاً لداود. وأما اتخاذها هل يحل؟ قيل: فيه قولان، وقبل وجهان والأصح أنه لا يحل كالملاهي، وعلى هذا لا يضمن بالكسر ولا يستحق الأجرة باتخاذها وأما المتخذة من غير جنس الأثمان فضربان: ثمين وغير ثمين. فإن لم يكن ثميناً كآنية النحاس والرصاص والفخار والزجاج، فكلها مباح. وقالت عائشة: "كنت اغتسل أنا ورسول الله ﷺ من تور من شبة". وإن كان ثميناً كان لصنعه فيها كالمخروط عن الزجاج فهو مباح كلبس الثوب الكتان النفيس، وإن كان لنفاسة جوهره مثل البلور والياقوت والعقيق فيه قولان. في حرملة: حرام لأن فيه سرفاً وخيلاء. وقال في "الأم" ونقله المزني: أنه مباح [٣٩ أ/ ١] وهو المشهور. آنية من غير جنس الأثمان فأشبه المخروط من الزجاج؛ لأن السرف فيه غير ظاهر؛ لأنه لا يعرفه إلا الخواص من الناس، فلا يخاف افتتان العوام. وقال القفال: هذا مبني على أن تحريم آنية الذهب والفضة لأعيانها، أو لمعنى فيهما. قال في الحديث: تحرم لأعيانهما كأحكام كثيرة اختصت بالذهب والفضة دون غيرهما. وقال في القديم: يحرم لمعنى الخيلاء والفتنة فعلى القول الأول لا تحرم آنية التور نحوه، وعلى القول الثاني تحرم. قال: وعلى هذا لو اتخذها من ذهب وغشاها بالرصاص. فإن اعتبرنا عين الذهب فهو حرام، وإن اعتبرنا عين الذهب فهو حرام، وإن اعتبرنا المغني فهو حلال. قال: ولو اتخذها من رصاص وموهها بالذهب، فإن اعتبرنا المعنى فلا تحل، وإن اعتبرنا العين حل. فرع في الأواني المتخذة من الطيب الرفيع كالعود المرتفع والكافور المصاعد والمعجون من المسك والعنبر وجهان مخرجان، وفي غير المرتفع من المسك والصندل وجه واحد يجوز استعماله. مسألة: قال: "وَأَكْرَهُ الْمُضَبَّبَّ بِالْفِضَّةِ لَئِلاَّ يَكُونَ شَارِباً عَلَى فِضَّةِ". وهذا كما قال المضبب أن يكون جزءاً من أجزاء الإناء فضة، واختلف أصحابنا في هذه المسالة. قال القفال: التضبيب على شفة الإناء لم يحبز استعماله في الشرب، وأن

стр. 48

كان في غيرها يجوز؛ لأنه لا يكون شارباً على فضة، ويروى هذا عن مالك. وقال غيره: لا فرق بين أن يكون في شفته [٣٩ ب/ ١] أو في غيرها. وقول الشافعي: "لئلا يكون شاربا على فضة" يريد من إناء فيه فضة. ثم من أصحابنا من قال: هذه كراهة تنزيه بخلاف آنية الذهب والفضة؛ لأنه قال: "ولا أكره من الأواني إلا الذهب والفضة". وأراد بتلك الكراهة التحريم فخرج منها المضبب. والصحيح أنه على التحريم. وقوله: " وَلاَ أَكْرَهُ مِنَ الأَوَانِيِ إِلاَّ الْذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ" قصد به بيان جنس الأواني المحرمة والمباحة، فلا يدل على ما قاله القائل الأول. ثم المضيب على أربعة أضرب: يسير للحاجة كحلقة القصعة وشعيرة السكينة، وضبة القصف فهذا مباح. وروى أنه كان الرسول الله ﷺ قصعة فيها سلسلة من فضة. ومعنى قولنا: "للحاجة": أنها في موضع الحاجة، وإن قام غير الضبة مقامها ني ذلك وقيل: لغير حاجة فلا يحرم لعلته، ويكره لعدم الحاجة إليه وهو مراد الشافعي هنا، وكثير الحاجة مثل أن يتشقق الإناء فتكثر فيه الضبات، فيكسره لكثرته ولا يحرم للحاجة، وكثير لغير حاجة فهر حرام. وقال أبو حنيفة: لا يحرم وإن كان جميع الإناء مضبب. واحتج بأنه إناء جاوره فضة فلا يحرم استعماله، كما لو أخذ الإناء بكفه وفيها خاتم، وهذا غلط، لما روى عبد الله بن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من شرب من إناء الذهب والفضة أو إناء فيه شيء من ذلك فإنما يجرجر ني جوفه نار جهنم". ولأن [٤٠ أ/ ١] سرفاً وخيلاء كما في إناء الذهب، ومن أصحابنا من ذكر قولاً آخر في الكثير لحاجة، وفي القليل لغير حاجا إنها حرام. فرع لو ضبب في الإناء دراهم أو دنانير وشرب منه لم يكره، فإن أثبتها عليه بالمسامير فهي كالضبات سواء. ولو شرب بكفه ماء وفي إصبعه خاتم فضة فلا بأس. مسألة: قال: "وَلاَ بَاسَ بِالْوُضُوءِ مِنْ مَاءِ مُشْرِكِ". الفصل وهذا كما قال. أراد به أنه لا يكرم للحدث أن يتوضأ من ماء مالكه مشرك. وكذلك لا يكره التوضاء بما فضل عن وضوء المشرك ما لم يعلم النجاسة فيه. وجملته أن أواني المشركين وثيابهم هي على ثلاثة أضرب يتحقق طهارتها، مثل إن اشتراه ولم يستعمله فلا يحرم استعماله وضرب يتحقق نجاسته فهذا يحرم استعماله. وضرب يحتمل أمرين ولا يعلم حاله. فالأصل الطهارة سواء كانوا يتدينون النجاسة كالمجوس يدينون الغسل

стр. 49

ببول البقر، والبراهمة من الهند يتدينون استعمال الأبوال كلها. أو لا يتدينون ذلك كاليهود والنصارى فيجوز استعمالها، نص عليه في الإملاء، وحرملة، لما روى الشافعي ﵀ أن عمر بن الخطاب ﵁ توضأ من ماء قي جرة نصرانية. وروى أن رسول الله ﷺ توضأ من مزادة مشركة وقال أحمد وإسحاق: لا يجوز استعمال ثيابهم وأوانيهم إلا بعد الغسل؛ لقوله تعالى: ﴿إنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، وهذا غلط لما ذكرنا، [٤٠ ب/ ١] والمراد بالآية نجاسة قلوبهم ومعتقداتهم لا نجاسة أبدانهم. فإذا تقرر هذا. قال في "القديم": "لا أكره استعمال آنية الماء وأكره سائر الأوان" لأن الماء يرد على آنية الماء مرة بعد مرة ويطهرها، والثياب المستعملة كلها مكروهه، والسرويلات أشد كراهة؛ لأنها أقرب إلى محل النجاسة من الثوب. وذكر بعض أصحابنا أن الشافعي قال: "وأحب أن لا تستعمل أوانيهم إلا بعد الغسل، إلا أن أواني الماء هي أخف حالاً" وهذا يدل على أن في آنية الماء نوع كراهة، والصحيح ما ذكرنا. وقال أبو إسحاق: إن كانوا لا يدينون استعمال النجاسة فإن الأصل النجاسة فلا يجوز استعمال ثيابهم وأوانيهم إلا بعد الغسل، إلا آنية الماء فإنها على الطهارة لورود الماء عليها. ومن أصحابنا من قال: إن كانوا يدينون لا يلزم اجتنابهم، ولكن لا يعتقدون العبادة في استعمالها كالدهرية والزنادقة يجوز استعمال ثيابهم لأن الأصل الطهارة، ويكره لخوف النجاسة. وإن كانوا يعتقدون العبادة في استعمالها يجوز استعمال مياههم ويكره. وأما ثيابهم: فإن لم يلبسوا كثيراً يجوز استعمالها. وإن كثر لباسهم لها فيه وجهان. قال أبو إسحاق: لا يجوز؛ لأن الظاهر نجاستها [٤١ أ/ ١]. وقال ابن أبي هريرة: يجوز مع الكراهة؛ لأن الأصل الطهارة. وقال القفال: فيه قولان مخرجان قياساً على ما قال الشافعي في تراب المقرة المنبوشة إذا صلى عليه ولم يشاهد فيه نجاسة فيه قولان: أحدها: يجوز بناء على أصل الطهارة. والثاني: لا يجوز بناء على الغالب. وكذلك القولان في وحل الطريق إذا أصاب الثوب والغالب نجاسته. وروى أو ثعلبة الخشني، أنه سأل رسول الله ﷺ فقيل: إنا نأتي دار قوم من المشركين يشربون الخمر ويأكلون الخنازير، فنطبخ قي قدورهم ونأكل في أوانيهم. فقال: " واستغنوا عنها ما استطعتم، فإن لم تجدوا غيرها فأرخصوها بالماء فإن الماء طهور" وهذا يدل على تغليب الطاهر على الأصل. فرع قال بعض أصحابنا: الماء الذي يتقاطر من المزاريب، هل يباح استعماله إذا لم

стр. 50

يعلم يقين الطهارة؟ وجهان. لأن الغالب على السطوح النجاسة والأصل طهارة الماء فيقابل الأصلان. فرع أخر لا باس أن توقد عظام الميتة تحت القدور ويطبخ بها، ويؤكل ما فيها. ولو سجر التنور بالسرقين هل ينجس التنور بالدخان؟ فيه وجهان: أحدهما: ينجس. والثاني: لا ينجس، كبخار المعدة لا ينجس الفم. فإذا قلنا: إنه ينجس، فينبغي أن يكسح بمكسحة جافة، ثم يلزق به الخبز لو استصبح بزيت نجس، ففي دخانه وجهان. فإذا قلنا: إنه نجس هل يعفي عنه؟ وجهان: أحدهما [٤١ ب/ ١]: يعض للمشقة. والثاني: لا يعفي؛ لأن نجاستها نادرة والتحرر ممكن، والأصح الأول، وعندي أنه طاهر والله أعلم. باب السواك مسألة: قال:"وَأُحِبُّ السِّوَاكَ للصَّلوَاتِ". الفصل وهذا كما قال. لما فرع ش ذكر المياه والأواني، بدأ بذكر أحكام الوضوء، وقدمها على أحكام الغسل؛ لأنه أكثر فروعاً، ثم بدأ في أمر الوضوء بباب السواك لأنه يندب إليه في الوضوء وفي غيره. وجملته: أن السواك سنة مستحبة. وقال: أراد أهل الظاهر هو واجب عند كل صلاة، لكن تركه لا يقدح في الصلاة وقال إسحاق: السواك واجب، فإن تركه عامداً يبطل الصلاة. وهذا غلط لما احتج به الشافعي، أن النبي ﷺ قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"، قال: ولو كان واجباً لأمرهم به شق أو لم يشق. وفي بعض النسخ: "أو لم يشقق" والأصل في استحبابه أخبار كثيرة منها هذا، وأيضاً فقد روت عائشة ﵂ قالت: و"كان السواك من رسول الله ﷺ مثل القلم من لدن الكاتب" وروى أبو أيوب الأنصاري أن النبي ﷺ قال: "أربع من سنن المرسلين؛ الحناء، والسواك، والتعطر والنكاح" وروي أن النبي ﷺ قال: "طهروا أفواهكم لقراءة القرآن" يعني بالسواك.

стр. 51

وروي أن النبي ﷺ قال: "السواك مطهرة للفم، مرضاة [٤٢ أ/ ١] للرب، مثراة للمال، مطردة للشيطان". وروي أنه ﷺ قال: "صلاة بسواك أفضل من سبعين صلاة بغير سواك" وقال أيضاً ﷺ : "أوصاني جبريل ﵇ بالسواك حض خفت أن يدرني". وروى أنه قال: "استاكوا ولا تأتوني قلحا" والقلم صفرة الأسنان وروي أنه ﷺ "كان إذا قام من الليل شوص فاه بالسواك" قال أبو عبيد: الشوص هو الغسل والمص مثله. وروى عكرمة عن ابن عباس ﵁ أنه قال" في السواك عشر خصال: مطهرة للفم، مرضاة للرب، مسخطة للشيطان، مفرحة للملائكة، مذهب الجفر، ويجلو البصر، ويشد اللثة، ويطيب الفم، ويقطع البلغم، ويزيد في الحسنات". وهو من السنة ويستحب في خمسة أحوال عند القيام من النوم، وعند الوضوء للصلاة، وعند القيام للصلاة، وعند قراءة القرآن، وعند تغير الفم. والفم يتغير في أربعة أحوال عند كثرة الكلام، وعند طول السكوت، وعند شدة الجوع، وعند أكل الأشياء المريحة كالبصل والثوم. وقول الشافعي: "والأزم" قيل: أراد طول السكوت. وقيل: فرط الجوع، وهذا أصح، لأن عمر ﵁ قال للحارث بن كلدة وكان طبيب العرب ما الداء؟ قال: الأكل. قال: فما الدواء؟ قال: الأزم - يعني به الجوع من الحمية، وفيما نقل المزني خلل عن ثلاثة أوجه: أحدها: نقل [٤٢ ب/ ١] واجب السواك للصلاة عند كل حال تغير فيها الفم، وهو خلاف المذهب، فكان من حقه أن يزيد واو فيقول: وعند كل حال. والثاني: نقل "وكل ما يغير الفم" وفي نسخة: "كل ما يغير الفم"، ولفظ الشافعي: "وأكل ما يغير الفم"، فصحف الأكل بالكل، وهذا توهم أنه إذا تغير فمه عند الصوم بالخلود يستاك، وهذا ليس بمذهب، وفيما قاله الشافعي احتراز عن هذا. والثالث: أنه نقل الخبر وعطف عليه: "ولو كان واجباً"، والشافعي قال: "وليس

стр. 52

بواجب" ولو كان واجباً بذكر المذهب ثم اشتغل بالاستهلال، وحذف المزني المذهب، والأحسن ما ذكره الشافعي. فإذا تقرر هذا، فهو مستحب في كل الأوقات إلا للصائم، ثم بعد الزوال خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: لا يكره له ذلك يعد الزوال أيضاً وهو في ثلاثة أحوال أشد استحباباً للصلوات والاستيقاظ من النوم. قالت عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ إذا رقد ليلاً أو نهاراً ثم استيقظ استاك". والحالة الثالثة عند تغير الفم. فإذا تقرر هذا، قال الشافعي: "وأحب أن لا يستاك بخشبة يابسة لجرح الفم ولا بخشبة رطبة لا تنفي، ولكن يستاك بخشبة يابسة قد لينت بالماء حتى تزيل الصفرة ولا تجرح". قال: "وبأي شيء استاك مما يقلع الصفرة [٤٣ أ/ ١] ويزيل الوسخ جائز". ولا فرق بين العود والخرقة والخشب، فإن اقتصر على إصبعه لم يجزه، لأنه لا ينفي؛ وعندي أنه إذا كان إصبعه خشناً كما يكون للعمال يقوم مقام السواك. وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال" "الأصابع تجزئ عن السواك" ويمرر السواك على أطراف أسنانه وكراسي أضراسه ليجلو جميعاً من الصفرة، ويمره على سقف حلقه إمراراً خفيفاً ليزيل الخلوف عنه، ويستاك على عرض الفم، لما روي أن النبي ﷺ : كان يستاك عرضاً. وروي أنه قال ﷺ : "استاكوا عرضاً، وادهنوا غباً، واكتحلوا وتراً"، وإنما قال: "وادهنوا غباً" لما فيه من دون الثوب، ولهذا نهى رسول الله ﷺ عن كثرة الأرقاء، وقال أبو عبيد: هو كثرة التدهين. وروي أنه ﷺ قال: "ادهنوا يذهب البؤس عنكم والبسوا تظهر نعمة الله عليكم، وأحسنوا إلى مواليكم فإنه أكبت لعدوكم". فرع يستحب من يبدأ في السواك بجانبه الأيمن، لما روى أن النبي ﷺ كان يحب التيامن في كل شيء حتى في سواكه وظهور وانتقاله. فرع آخر يستحب أن يستاك بالأراك لما روى أبو خيرة "أن النبي صلى اله عليه وسلم كان يستاك بالأراك" فإن تعذر استاك بعراجين النخل، فإن لم يكن استاك بما يجده. فرع لا يعد السواك من [٤٣ ب/ ١] سنن الوضوء، بل هو سنة بنفسه. وقيل: فيه وجه آخر أنه من سنن الوضوء وليس بشيء.

стр. 53

فرع جلاء أسنانه بالحديد أو يردها بالبرد مكروه؛ لأنه يذيب الأسنان، ويقضي إلى تكسيرها، ولأنها تخشن فتتراكب الصفرة والخلوف قيها، ولذلك "لعن رسول الله ﷺ الواشرة والمتوشرة". وهي التي تبرد أسنانها بالمبرد. فرع آخر قال أصحابنا: يستحب أن يقلم الأظفار، ويغسل البراجم، ويقص الشارب، وينتف الإبط، ويحلق العانة؛ لما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، والاستنشاق بالماء، وقلم الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتفاص الماء" يعني الاستنجاء: قال الراوي: ونسيت العاشرة، إلا أن تكون المضمضة والاستنشاق، ولم يذكر إعفاء اللحية، وزاد: والختان. وقال: والانتضاح بدل الانتفاص. وقوله: من الفطرة: أي من السنة. يعني من سنن الأنبياء الذين أمرنا أن نقتدي بهم في قوله تعالي: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] وأول من أمر بها إبراهيم ﷺ وذلك قوله تعالى: ﴿وإذِ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]، وكان من زي الكثيرين قص اللحى وتوفير الشارب، فندب ﷺ إلى مخالفتهم في الزي والهيئة [٤٣ أ/ ١] وغسل البراجم بتنظيف المواضع التي تتسخ ويجتمع فيها الوسخ. وأصل البراجم العقد التي تكون في ظهور الأصابع. وانتقاص الماء للاستنجاء به، وكذلك الانتضاح وأصله من النضج وهو الماء القليل. فرع آخر قال بعض أصحابنا: يستحب أن يقول: عند ابتداء السواك: اللهم بيض به أسناني وشد به لثتي، وأثبت بها لهاتي، وباراك لي فيه يا أرحم الراحمين. باب نية للوضوء مسألة: قال: "وَلاَ يُجْزِئُ طَهَارَةُ مِنْ غُسْلِ، وَلاَ وُضُوءِ وَلاَ تَيَمُّمِ إِلاَّ بِنَّيِة". وهذا كما قال. اعلم أن أول فرائض الوضوء النية، فبدأ المزني بباب النية، ثم عقبه باب الأفعال، ومعنى النية عزيمة القلب، وهو أن يقصد بقلبه أن يكون فعله الذي يباشره لله تعالى فرضاً أو تطوعاً. فإذا تقرر هذا، فكل طهارة من حدث تفتقر إلى النية سواء في ذلك الكبرى، كالغسل، والصغرى كالوضوء. وسواء كان بالمائع أو الجامد كالتيمم. وبه قال ربيعة، ومالك والليث، وأحمد وإسحاق. وروي ذلك عن على ﵁ وقال

стр. 54

الحسن بن صالح بن حي والأوزاعي في رواية، وزفر: أنه لا يفتقر شيء منها إلى النية. وقال أبو حنيفة، والثوري: يجوز الوضوء والغسل بغير نية، ولا يجوز التيمم إلا بنية، وهي رواية [٤٤ ب/ ١] عن الأوزاعي واحتج الشافعي على أبي حنيفة بقولة: وهما طهارتان - يعني الوضوء والتيمم -وأراد عن حدث، فكيف يفترقان في وجوب النية في إحداها دون الأخرى. والدليل على الخاص قول الحسن بن صالح قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى وقوله ﷺ : "الوضوء شطر الإيمان". وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: الطهور نصف الإيمان والصوم نصف الصبر". وروى أبو أمامة أن النبي ﷺ قال: "إذا توضأ الرجل كما أمر ذهب الإثم من سمعه وبصره ويديه ورجليه". وروي أن عثمان ﵁ كان قاعداً يتطهر فمسح ماء من فيه ثم ضحك، فقال: ألا تسألوني مم ضحكت؟ فقالوا: مما ضحكت يا أمير المؤمنين؟ فقال: بينما نبي الله ﷺ قاعد في مقعدي هذا يتطهر، فقال: "ما من عبد يتطهر إلا كانت خطاياه أسرع انحداراً من طهوره". فهذه الأخبار كلها تدل على أن الوضوء عبادة، والعبادة تفتقر إلى النية. وقيل في تأويل قوله ﷺ : "الوضوء شطر الإيمان" أي شطر الصلاة، لقوله تعالى: ﴿ومَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، أي صلاتكم، والصلاة لا تستغني عن النية، فكذلك الوضوء. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] [٤٥ أ/ ١] الآية، ولم يذكر النية، بينا هذه الآن هي حجتنا؛ لأنها تقتضى: ﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ﴾ للصلاة، كقولك: إذا سافرت فتزود، معناه للسفر. حكي عن ابن سريج أنه قال: إزالة النجاسة تفتقر إلى النية، ... بخلاف قول الشافعي: وهما طهارتان. وقيل: إنه اختيار الإمام سهل الصعلوكي، وعندي أنه لا تصح هذه الحكاية عنهما، وعلى ما ذكرنا لو توضأ الكافر أو اغتسل ناوياً، ثم أسلم لا يجوز له أن يؤدي به قرضاً خلافاً لأبي حنيفة؛ لأنه ليس من أهل النية عندنا. وقال في "الحاوي": فيه وجه آخر يجوز له أن يؤدي به فرضاً؛ لأنه أصح قصداً من الصبي، وذكر المزني في "المنثور" أن طهارة الصبي ناقصة إذا بلغ إعادة الوضوء والغسل.

стр. 55

فرع المرتد إذا اغتسل في ردته، ظاهر المذهب أنه لا يجوز. وقال في "الحاوي": هل يجوز؟ فيه وجهان. فرع آخر لو كانت الذمية حائضاً فانقطع دمها فاغتسلت ثم أسلمت، المذهب أنها لا تصلي بهذا الغسل أيضاً؛ وقال أبو بكر الفارسي من أصحابنا: لها أن تصلي؛ لأنه صح غسلها في حق الوطء حتى يحل للزوج وطئها، فصح غسلها في حق الصلاة أيضاً، وهذا غلط؛ لأنها مأمورة بالغسل بحق الزوج، وصح غسلها في حق الوطء لا بحق الله تعالي، وإنما صح لأجل الوطء للضرورة. فرع آخر لو أن الذمية اغتسلت ولم تنو أنه للحيض. قال بعض أصحابنا: لا يحل وطئها كالمسلمة إذا لم تنو، فصح غسلها بنيتها لموضع الحاجة [٤٥ ب/ ١] وهذا كما يصح من الذمي العتق عن الكفارة بنية، ولو لم يبق لا يجوز عن الكفارة. قال هذا القائل: ولا يصح ما قال أصحابنا يصح غسلها في حق الآدمي دون حق الله تعالى؛ لأن الآدمي لا حق له في الغسل، بل حقه في الوطء، والوطن من شرط إباحته حصول الغسل بحق الله تعالى. وقال بعض أصحابنا: يجوز وطئها إذا اغتسلت بغير نية للضرورة، كما يقول في المجنونة المسلمة. وهذا أقيس عندي. فرع آخر لو أسلمت بعد الغسل هل يجوز وطئها؟ الظاهر أنه لا يحل، لأن الضرورة زالت. وقيل: فيه وجهان. وقيل: هل يجوز لها أن تصلي؟ وجهان بناء على هذين الوجهين. فرع آخر لو ارتدت بعد الدخول ثم اغتسلت من الحيض لا يصح غسلها أصلاً؛ لأنه لا يباح وطئها أصلاً، ويحتمل وجهين على ما ذكرنا عن صاحب "الحاوي". فرع آخر المجنونة المسلمة إذا اغتسلت من الحيض دل وطئها به للضرورة، ولا يصح غسلها في حق الصلاة. وقيل: هل لها أن تصلي بذلك الغسل؟ وجهان ما قلتا في الذمية إذا أسلمت. فرع آخر لو غسل الزوج امرأته المجنونة لا يفتقر الزوج إلى النية، لأن غسلها ني حق نفسه ولو لم يرد إصابتها لها وجب غسلها. ويفارق الميت في أحد الوجهين يفتقر إلى نية

стр. 56

الغاسل؛ لأنه يستحق تعبد الله تعالى. ومن أصحابنا من قال: يغسلها زوجها وينوي استباحة [٤٦ أ/ ١] الاستمتاع. ثم إذا عقلت هل تصلي به؟ وجهان، وفيه نظر. فرع آخر المسلمة إذا اغتسلت من الحيض بنية إباحة الاستمتاع، هل يباح وطئها؟ قال بعض أصحابنا: فيه وجهان بخلاف الذمية؛ لأنها تقدر على الغسل للأمرين فلا تحتاج حاجة إلى التبعيض. وعندي انه يحل وطئها ويحل لها أن تصلي به أيضاً تنوي استباحته ما لا يستباح إلا بالغسل، فصارت كالجنب تغتسل بنية الله في المسجد يجوز لها أن تصلي به. ولعل القائل الأول أراد به إذا نوت استباحة الاستمتاع فقط وتفت استباحة غيره. فإذا تقرر هذا فالكلام في النية في ثلاث فصول: في محلها، وموضعها، وصفتها. فأما محلها فهو القلب، لقوله تعالى ﴿ومَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] والإخلاص بالقلب، فإن نوى بقلبه وتلفظ بلسانه فهو الكمال. وإن نوفي بقلبه ولم يتلفظ بلسانه جاز. وإن تلفظ بلسانه ولم ينو بقلبه لم يجز؛ لأنه لم يأت بها في محلها، فصار كما لو نوى بقلبه قراءة الفاتحة ونفكرها ولم يتلفظ بها لا يجوز. وإن نوى بقلبه وتلفظ بلسانه غير ما نواه فإنه يجوز ويلغي ما تلفظ به. وقال أبو عبد الله الزبيري من أصحابنا: النية هي اعتقاد بالقلب وذكر باللسان ليظهر بلسانه ما اعتقده بقلبه، فيكون على كمال من نبتا وثقة من اعتقاده، فلا يجوز حتى ينوي ويتلفظ. وأما موضعها: فلها موضعان: استحباب، ووجوب: [٤٦ ب/ ١] فأما الاستحباب: فهو أن ينوي مع ابتداء طهارته عند غسل اليدين ويستديم ذكرها إلى آخرها حتى تشمل نيته الفرائض والسنن. وقال أبو حامد يستدعها إلى أن يغسل شيئاً من محل الفرض، والأول أصح. وقال القفال: النية أن ينوي مرتين؛ مرة عند غسل البدن، ومرة عند غسل الوجه وهذا أحسن. وأما الوجوب: فهو أن ينوي مع غسل جزء من محل الفرض وهو الوجه. فرع لو نوى في الابتداء واستدام إلى غسل الوجه، فقد أتى بالسنة، ولو عرّبت نيته قبل البدأة بغسل الوجه. فإن عزيت قبل المضمضة والاستنشاق لا يجوز؛ لأن غسل اليدين ليس من أفعال الوضوء الراتبة، وإنما أمر بهما لخوف النجاسة على ما ورد في الخبر. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان، والأظهر أنه يجوز؛ لأن الصحيح أنه يحتسب ابتداء الوضوء من غسل اليدين، وهذا غير صحيح عندي. وقال هذا القائل: لو نوى مع الاستنجاء أو السواك ثم غربت نيته قبل غسل اليدين، فيه وجهان بناء على أنه من جملة الوضوء أم لا؟ وهذا ليس بشيء.

стр. 57

فرع آخر لو كان ناوياً عند المضمضة ثم عزيت نيته، فإن غسل شيئاً من ظاهر الوجه عند المضمضة أجزأه؛ لأن نيته قارنت الواجب. ومن أصحابنا من قال: لا يجوز؛ لأنه لم يقصد غسل الوجه. ويلزمه غسل ذلك القدر مرة أخرى، وهذا ليس بشيء وإن لم يكن غسل ... الوجه ففيه وجهان [٤٧ أ/ ١] أحدها: لا يجوز وهو الصحيح؛ لأنه لم يقارن النية بعد الواجب. والثاني: يجوز لأنها قارنت ما هو من وظائف الوضوء وروايته، وهذا اختيار القفال. فرع آخر لو نوى عند غسل الوجه، هل يكون فاعلاً سنة المضمضة والاستنشاق؟ من أصحابنا من قال: لا يكون فاعلاً للسنة ولا يجوز فصلها؛ لأنها غربت عن النية. ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان: أحدهما هذا. والثاني يكون فاعلاً للنية؛ لأنها من جملة طهارته وقد أتى بالنية لها في محلها. وأما في غسل الجناية إذا نوى في أول جزء منه فغسله يجوز؛ لأن كل ما سرى منه يكون فرضاً. وأما صفتها: فإن نوى رفع الحدث أو الطهارة من الحدث جاز. ولو نوى استباحة فعل من الأفعال، فالأفعال هي على ثلاثة أضرب: عنها ما تجب له الطهارة. ومنها ما لا تجب له الطهارة ولا تستحب. ومنها ما يستحب له الطهارة ولا يجب. فما يجب له الطهارة كصلاة الفرض، والنافلة، وصلاة الجنازة، وسجود التلاوة والشكر وحمل المصحف. فإذا نوى بها فعل شيء من هذه الأشياء ارتفع حدثه وجاز له إذ جمع الصلوات بها؛ لأنه يتضمن ذلك رفع الحدث. وأما ما لا يجب له الطهارة ولا يستحب كالأكل والشرب، واللباس والطيب، ولقاء السلطان وزيارة الوالدين. فإذا نوى واحد منها لم يرتفع حدثه. وأما ما يستحب له الطهارة ولا تجب كقراءة القرآن، والقعود [٤٧ ب/ ١] في المسجد. وسماع الفقه والحديث، والأذان، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة وزيارة قبر رسول الله ﷺ . فإذا نوى واحده منها هل يرتفع حدثه؟ فيه وجهان: أحدهما - وهو قول الأكثرين-:لا يرتفع حدثه، لأنه أمر يباح من غير طهارة. والثاني: يرتفع حدثه؛ لأن الأفضل أن يكون على الطهارة. فإذا قصد فقد نوى رفع الحدث، وهذا اختيار بعض مشايخ خراسان. والأول أصح عندي. وقول الشافعي: " أَوْ لِقِرَاءَةِ مُصْحَفِ" أراد مماساً للمصحف، وقيل: أراد حمل المصحف، فعبر عنه بالقراءة؛ لأن أكثر ما يحمل المصحف لقراءته.

стр. 58

وأما الغسل للجنابة فينقسم أيضاً هذه الأقسام الثلاثة، إلا أنه مما يستحب له الوضوء يجب له غسل الجنابة، مثل قراءة القرآن، والليث في المسجد، فإذا نواه بالغسل ضح وجهاً واحداً، وإن نوى غسل الجنابة أو رفع الحدث عن جميع بدنه أجزأه (٠) ولو نوى في غسله الاحتباس في المسجد، أو نوى به الحدث في الوضوء هل يرتفع حدثه؟ وجهان؛ لأن الغسل والوضوء لهذا هو مستحب غير واجب. فرع لو كان جنباً فاغتسل ينوي بنية الجمعة. قال أكثر أصحابنا: لا يجزيه عن الوضوء؛ لأن قصد التنظف به لا ينافي حصول الطهارة به لصلاة الجمعة؛ لأن من لا يريده [٤٨ أ/ ١] للصلاة فلا يستحب له. وقد قال ﷺ في يوم الجمعة: "من توضأ فيها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل". فدل أن الغسل ينوب مناب الوضوء. فرع لو نوى بوضوئه، طهارة مطلقة. قال في "البويطي" يجوز، وهو اختيار القاضي الإمام أبى الحسن صاحب "الحاوي"، لأن الطهارة ترفع الحدث. وقال سائر أصحابنا: لا يجوز، ومعناه نوى طهارة من الحدث، وقصده أن يبين أنه يجزيه وإن لم ينو به فعل الصلاة. فرع أخر لو توضأ المحدث ينوي تجديد الطهارة، هل يرتفع حدثه؟ فيه وجهان: أحدها: يرتفع لأن نيته تضمنته. والثاني: لا يرتفع، لأنه قصد به التطوع ولا يتضمن رفع الحدث، وهو المذهب. فرع آخر لو نسي الجناية فاغتسل بنية رفع الحدث الأصغر أجزأه في أعضاء وضوئه، وهو الوجه، واليدين، والرجلان؛ لأن غسل هذه الأعضاء واجب فيهما. وفيه وجه آخر لا يجزئه أصلاً؛ لأنه لم ينو الجناية. فرع أخر لو نسي الجناية فنرى رفع الحدث مطلقاً، فالجواب ما ذكرنا وفيه وجه آخر يجوز غسله تاماً؛ لأن الجناية حدث. وقال في "الحاوي": لو أصابته الجناية وحدها فنوى رفع الحدث ولم يقل الأكبر يجوز؛ لأن نيته تنصرف إلى حدثه الذي هو فيه. ولو كان به حدثان أصغر وأكبر فاغتسل ونوى ذلك، فلو قلنا: يسقط الأصغر بالأكبر فيجزيه عن حدثه [٤٨ ب/ ١] الأكبر. وإن قلنا: لا يسقط لا يجزيه عن واحد منهما لامتيازها وإن إطلاق النية يقتضي التشريك بينهما. ولو قيل: يجزيه عن الحدث الأصغر لأنه أخفهما كان مذهباً.

стр. 59

فرع آخر لو نوى المحدث رفع الحدث الأكبر يجوز؛ لأنه يجوز أن يرتفع الأدنى بالأعلى، وإن كان لا يرفع الأعلى بالأدنى. وكذلك نوى رفع الجنابة وقيل: فيه هنا وجه آخر لا يجوز؛ لأنه نوى غير ما عليه وهو ضعيف. فرع أخر لو نوى رفع حدث الغائط فكان حدثه بولاً يجوز. ومن أصحابنا من قال: إن غلط فيه يجوز، وإن تعمد ذلك ففيه وجهان: أحدها: يصح كما لو كان غالطاً. والثاني: لا يصح، لأنه نوى ما لبس عليه وهو غير معذور. فرع آخر لو أحدث أحداثاً ونوى رفع واحد منها ولم ينو رفع الباقي، فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يرتفع جميعها وهو الأظهر؛ لأن الأحداث تتداخل، فإذا ارتفع واحداً ارتفع الكل. والثاني: لا يرتفع؛ لأنه لا ينو رفع جميع الأحداث. والثالث: على وجه آخر، وهو أنه إن نوى آخر الأحداث ارتفع جميعها؛ لأنها تداخلت فيها بعدها. وإن كان أولها لم يرتفع ما بعده وهذا غريب. [٤٩ أ/ ١] فرع آخر لو نفي الباقي وقال: لا أرفع الأحداث الباقية يجئ فيه الأوجه الثلاثة، وعندي أنه لا يجوز وضوءه لأنه ناقص في النية، فصار كما لو قال: أرفع الحدث ولا أرفع. فرع آخر لو نوى أن يستبح به صلاة الظهر دون غيرها، فيه ثلاثة أوجه: أحدها: وهو المذهب يصلي ما شاء من الصلوات؛ لأن الصلاة إلى عينها لا يستبحها إلا بعد رفع الحدث، فإذا ارتفع حدثه جاز أن يصلي ما شاء، ولأن هذا إبطال للطهارة بعد صحتها من غير حدث، وهذا لا يجوز. والثاني: لا يصح وضوءه ونتيه باطلة؛ لأنه إذا لم يرتفع حدثه لغيرها لم يرتفع لها. والثالث: يرتفع حدثه للظهر وحدها؛ لأن الطهارة قد تصح لصلاة واحدة، وهي طهارة المستحاضة. ذكره ابن سريج، وهو أضعف الوجوه. فرع آخر قال في "الأم" لو وضأه غيره وهو ناو يجوز؛ لأن الفعل لا يعتبر فيه، ولهذا لو جرى عليه المطر وهو ناوٍ فإنه يجوز. وقال داود: لا يجوز، وهو غلط لما ذكرناه.

стр. 60

فرع آخر إذا فرق النية على أعضائه، مثل إن نوى رفع الحدث عند يديه ونحو ذلك، فيه وجهان: أحدها: لا يجوز لأنها جنابة واحدة فأشبهت الصلاة. والثاني: يجوز لأن تغيير النية في أثنائها لا يبطل حكم ما فعل منها، ويكون فيه تبعيض النية. فرع آخر لو نوى قطع الطهارة بعد الفراغ منها لم ينقطع؛ لأن الحدث قد ارتفع فلا تعود إلا بوجوب سبب [٤٩ أ/ ١] وإن نوى قطعها في أثنائها ففيه وجهان: أحدهما: تبطل طهارته كما لو نوى قطع الصلاة في أثنائها. والثاني: لا تبطل ما مضى، وهو الأصح. كما لو نسي النية ونوى التبرد تنقطع النية ولا تبطل ما مضى، وتفارق الصلاة؛ لأنه متى انقطعت نيتها بطلت، فعلى هذا إذا عاد ونوى فإن لم يتطاول الفصل بنى على طهارته وأتمها، وإن تطاول الفصل كان على القولين في الموالاة هل تجب أم لا؟ فرع آخر لو توضأ رجل من حدث فأغفل مسح رأسه، ثم توضأ ثانياً وعنده أنه على طهر ونوى به نجز ذلك الوضوء، فلما فرغ منه ذكر أنه نسي من الوضوء الأول مسح الرأس، قال: من اتخذ أولًا يجزيه الوضوء الثاني، وعليه أن يعيد مسح رأسه وغسل رجليه وهو الصحيح، واختاره القاضي الطبري؛ لأن تجديد الوضوء يستحب مع زوال الحدث فهو لا يتضمن رفع الحدث، فإذا نواه لا يرتفع به الحدث، كما لو كان جنبًا فنسى الجنابة واغتسل للجمعة لم يجزه عن الجنابة. ومن أصحابنا من قال: يجزيه مسح الرأس من الوضوء الثاني، ونية تجديد الوضوء تقوم مقام نية رفع الحدث؛ لأن معنى التجديد أنه مثل الأول، فإذا لم يرفع الحدث لا يكون تجديدًا، وهذا اختيار جماعة من أصحابنا. قال هذا القائل: ولا يشبه هذا إذا نسي سجدة من الصلاة ثم سجد للقرآن لم يجزه عن سجدة [٥٠ أ/ ١] في الصلاة في أصح الوجهين؛ لأنه واقع في موضعه هو التلاوة وبقاء سجود الصلاة لم يمنع من صحته بخلاف هذا. فرع آخر لو أن جنبًا اغتسل فأغفل لمعة من جسده، ثم اغتسل بعده للجمعة، ثم تذكر أنه كان نسي لمعة في غسل الجنابة يلزمه إعادتها؛ لأن الغسل للجمعة لا يجوز عن غسل الجنابة. فرع آخر لو ترك لمعة من وجهه في المرة الأولى من وضوء المفروض ولم يعلم، ثم غسلها بنية المرة الثانية أو الثالثة. قال القفال: فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأن النفل لا يغني عن. الفرض. والثاني: يجوز؛ لأن نيته اشتملت في الابتداء على أن ما يغسله أول

стр. 61

مرة فهو فرض، وما يغسله مرة ثانية فهو سنة، وغسله للموضع المتروك هو أول غسل يجزي عن الفرض بخلاف نية التجديد، فإنه لم يوجد نية الفرض أصلًا وهذا أصح. فرع آخر لو شك هل احتلم أم أحدث؟ وكان من قبل على يقين الطهارة، فالأصل الطهارة، إلا أنه يؤمر بالتطهير، احتياطًا، فلو تطهر ثم بان أنه كان محدثًا هل يجزيه أم يجب الإعادة؟ وجهان. ذكره القفال. فرع آخر قال ابن الحداد: لو توضأ وترك لمعة بوجهة، ثم نسى أن يكون قد تطهر يتوضأ، وعنده أنه محدث، فصارت تلك اللمعة مغسولة في المرة الثانية صحت صلاته بلا خلاف. وكذلك لو كان هذا في غسل الجنابة؛ لأنه نوى في الوضوء الثاني رفع الحدث، وهذا [٥١ أ/ ١] عندي إذا كان ذاكراً للنية وقت غسل تلك اللمعة. فرع آخر قال ابن الحداد: لو غسل الجنب جميع بدنه بنية رفع الجنابة إلا قدميه، ثم غسل قدميه بنية رفع الحدث يصلح؛ لأن غسل القدمين في الحدث لا يجوز؛ لأن في غسل الحدث مسح، والمسح لا يجوز مع الجنابة. فرع آخر لو نوى في ابتداء الوضوء رفع الحدث والتبرد والتنظف أجزأه، نص عليه في "البويطي". ومن أصحابنا من قال: لا يجزيه؛ لأنه شرك بين الفرض وغيره، وهذا غلط؛ لأن كل معنى يقتضيه الفعل فنيته فيه لا تضره. كما لو جمع بين الفرض وتحية المسجد لا يضره؛ لأنه يحصل بالفرض تحية المسجد وإن لم ينوها، وبمثله لو نوى في ركعتي الصبح ركعة سنة الصبح لم يجز؛ لأنه لو لم ينو ذلك لم يحصل له، ولذلك لو أدرك الإمام في الركوع فكبر ينوي به الافتتاح وتكبير الركوع لا يجوز. فرع آخر قاله الإمام جدي: لو أجنبت امرأة من بنات تسع، فنوت في غسلها رفع حدث الحيض هل يجوز؟ وجهان، والأصح جوازه. فرع آخر ذكره والدي الإمام ﵀ لو توضأ ونوى أن يؤدي به صلاة لا يدركها بهذا الوضوء أصلًا، مثل إن توضأ في رجب لصلاة العيد هل يجوز أن يؤدي به سائر الصلوات؟ قياس المذهب أنه يجوز؛ [٥١ أ/ ا] لأنه نوى أداء ما لا يستباح إلا بالوضوء.

стр. 62

فرع آخر لو نوى رفع حدث يوجد بعد وضوء لا يجوز؛ لأن الوضوء يرفع الحدث السابق دون المتأخر. وقال جدي الإمام ﵀: يجوز، وهو ظاهر النص؛ لأنه قال: "لو توضأ مع ريح ثم علم أن حدثه بول يجوز وضوءه" وهذا لا يصح عندي؛ لأن في هذا النص نوى رفع الحدث في الحال بخلاف ذاك. فرع آخر لا يجوز في التيمم أن ينوي رفع الحدث؛ لأنه لا يرفع الحدث بل ينوي استباحة الصلاة. وقال ابن سريج: يجوز أن ينوي به رفع الحدث؛ لأنه يرفع الحدث في حق هذه الصلاة. فرع آخر المستحاضة لا تنوي رفع الحدث في طهارتها، بل تنوي استباحة الصلاة. قال القفال: ويستحب أن تجمع فتنوي استباحة رفع الحدث. وقال الإمام أبو عبد الله الخضري من أصحابنا: يجب أن تجمع بين نية رفع الحدث وبين استباحة الصلاة، فتكون رافعة للحدث السابق ومستبيحة للحدث اللاحق. فر ع آخر قال الإصطخري: "لو أجنب الكافر ثم أسلم سقط حكم الجنابة بإسلامه، لأن الإسلام يجب ما قبله". والمرتد لو أجنب ثم أسلم لا يسقط كالصلاة لا تسقط عنه بالردة، ولم يوافقه سائر أصحابنا على هذا. مسألة: قال: "وَإِنْ نُوَى يَتَوَضَّأَ ثُمْ عَزَبَتْ نِيَتُه" الفصل وهذا كما قال: قوله: يتوضأ: أي توضأ بعض الوضوء؛ لأن الغروب بعد الكمال لا يضر، وأراد به أن [٥١ ب/ ١] استصحاب النية إلى آخر الطهارة لا يجب لأن فيه مشتقة، ولكن تجب استدامة حكمها، فلا يجوز له أن يغير نيته إلى شيء آخر، فإن غير نيته إلى التبرد أو التنظف عند غسل الرجلين مثلًا، فإن كان ذاكرًا للنية الأولى يحتسب غسل الرجلين، ويلزمه أن يعيد ذلك بنية رفع الحدث، فإن لم يطل الفصل من علته، وإن طال فيه قولان بناء على تفريق الوضوء. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان: أحدها: هذا والثاني: لا يضره. كما لو كان ذاكرًا للنية الأولى؛ لأن النية العازبة كالمذكورة، وهذا لا يصح؛ لأن العقل من الفاعل لا يقع إلا لغرض، فإذا عزبت نيته لا يمكن إضافته إلا إلى الغرض

стр. 63

الأول فجوزنا. وإذا نوى به التبرد واستقل بعرضه فلا يضاف إلى الأول. فرع لو كان يتوضأ على طرف نهر فنوى وغسل بعض الأعضاء، ثم زلق رجله ووصل الماء إلى جميع الأعضاء هل يتم وضوءه؟ وجهان كما لو غسل الباقي بنية التبرد دون رفع أصل النية لأن الماء وصل إلى أعضاء الطهارة بعد إيصال النية بأولها ولا يقصد النية. باب سنة الوضوء قال: أخُبَرنَا سُفْيَانُ عن الزهري وذَكَرَ الْخَبر. ثُم قَالَ: "فإذا قَامَ الرَّجُلُ إلى الصَّلاَةِ مِنْ نَوٍْم أَوْ كَانَ غَيْرَ مُتَوَضَّيءٍ فَأٌحبّ أَنْ يُسَمَّيَ [٥٢ أ/ ١] الله". وهذا كما قال. القصد بيان أفعال الوضوء والسنة والطريقة في الحقيقة، فكأنه عبر عن كيفية الوضوء سنته، والخبر ورد على عادة العرب أنهم كانوا يستنجون بالأحجار لعزة الماء، ثم ينام أحدهم في إزار فيعرق فتصيب يده موضع الاستنجاء ربما، فقال النبي ﷺ : إذا استيقظ أحدكم من نومه فال يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا، فإن لا يدري أين باتت يده". وجملته أن الوضوء يشتمل على ثلاثة أفعال: واجبات، ومسنونات، وهيئات فالواجبات: ما كان شرطًا لا يتم الضوء إلا به. والمسنونات: هو ما كان راتبًا في الوضوء وليس بشرط. والهيات: ما هو دون ذلك. فأول الأفعال التسمية في ابتدائه، وهو أن يقول: بسم الله. وهي مستحبة غير واجبة، فإن سها عنها سماها متى ذكرها قبل أن يكمل الوضوء، نص عليه في "الأم". وإن ذكرها بعد إتمام الوضوء فقد فات محلها فلا نأتي بها. وحكي عن الشيخ أبي حامد أنه قال: التسمية هي هيئة لا سنة؛ لأن السنة ما كان نأتي بها. وحكي عن الشيخ أبي حامد أنه قال: التسمية هي هيئة لا سنة؛ لأن السنة ما كان في أفعالها الراتبة، والهيئة ما تهيأ بها لعقل العبادة. وهكذا يقول في غسل اليد من قبل الوجه، وهذه ممانعة في العبادة مع تسليم المعنى. وقال إسحاق وأحمد في رواية: التسمية واجبة، فإن تركها عمدًا بطل وضوءه. واحتج بقوله [٥٢ أ/ ١] ﷺ : "لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه". وهذا غلط لقوله تعالى:"إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ" [المائدة:٦] الآية، ولم يذكر التسمية.

стр. 64

وروى ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من توضأ وذكر اسم الله عليه كان طهوراً لجميع بدنه، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طهورًا لأعضاء وضوءه". ومعنى هذا الطهارة من الذنوب؛ لأن رفع الحدث لا يتبعض، فدل أن التسمية موضوع الفضيلة، ولأنها عبادة لا يشترط الذكر في أثنائها فلا يشترط في أولها كالصوم. وأما خبرهم فنحمله على نفي الفضيلة والكمال، أو أراد بالذكر النية؛ لأن محل الذكر القلب، وحكي عن داود أنه قال: هي واجبة ولا يجوز وضوءه وإن تركها ناسيًا، وهو غلط أيضًا لما ذكرنا. مسألة: قال:" ثُمَّ يُفْرغٌ مِن إِنَائِهِ على يَدَيْهِ وَيَغْسِلهُمَا ثَلاَثًا". وهذا كما قال إذا سمى الله تعالى يستحب له أن يغسل يديه ثلاثًا؛ لأن عثمان وعليًا وعبد الله بن زيد ﵃ وصفوا وضوء رسول الله ﷺ ، فكلهم غسل كفيه ثلاثًا، وهذا ليس بواجب، سواء قام من النوم أو لم يقم. وقيل: يستحب أن يقول إذا قام من النوم: "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور". لأن النبي ﷺ كان يقول ذلك. وقال [٥٣ أ/ ١] الحسن البصري: هو واجب لأجل النجاسة، فإن غمس يده في الإناء قبل غسلها أراق الماء؛ لأن النبي صلى الله عليه أمر به لأجل النجاسة، فصار حكمًا بحصول النجاسة. وقال داود: هو واجب تعبدًا، فإن لم يفعل وأخل يده في الإناء صار الماء مهجورًا ولا ينجس؛ لأن الماء عنده لا ينجس ما لم يتغير. وحكي أصحاب داود عنه أنه قال: إن من قام الليل لا يجوز له غسل اليد في الإناء حتى يغسلها، ولا أقول إن غسل اليد واجب؛ لأنه لو صب الماء في يده وتوضأ به ولم يغسل يده جاز، فإن غمس يده في الماء لا يغسل الماء. وقال أحمد في رواية: إن قام من نوم الليل وجب عليه أن يغسل يديه ثلاثًا، فإن غمسها في الإناء قبل ذلك أراق الماء، وإن قام من نوم النهار أو لم يقم من النوم لا يجب، واحتج بقوله ﷺ "فإنه لا يدري أين باتت يده"، والبيوتة بالليل دون النهار، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:٦] الآية، ولم يذكر غسل الكفين ثلاثًا. وقال زيد بن أسلم: معناه: إذا قمتم إلى الصلاة من نوم، ولأن غسل اليد إن كان لخوف النجاسة فبالشك لا تجب؛ لأن الأصل الطهارة وإن كان للتعبد فقد وجب غسلهما في الوضوء إلى المرفقين، فلا يجب تكراره كغسل سائر الأعضاء، والخبر هو محمول على الاستحباب بدليل أنه قال: "فإن لا يدري أين [ب ٥٣/ ١] باتت يده"، وهذا أمر موهوم فكان الاحتياط.

стр. 65

إذا تقرر هذا، فإن لم يكن قام من النوم وتيقن طهارة اليدين فله أن يغسلهما في الإناء، وإن قام من النوم أو كان شاكًا في طهارته فالمستحب أن يفرغ من الإناء على يديه، ولا يدخلهما في الإناء خوفًا من النجاسة، وإن لم يكن مستنجيًا بالأحجار، فلا يخلو البدن من نثره، فربما يحكها ويسيل منها شيء ينجس يده، فإن غمسها في الإناء لا ينجس الماء؛ لأن الأصل الطهارة. وإن تيقن نجاسة اليد فغمسها في الإناء، فإن كان أقل من قلتين تنجس، وإن كان قلتين لا ينجس ما لم يتغير. وقال في "الحاوي": هكذا ذكره الشيخ أبو حامد، والصحيح من المذهب وبه قال جماعة أصحابنا: أن القائم من النوم وغيره سواء في هذا، فلا يغمسان إلا بعد غسلهما، لأنهما لما استويا في سنة الغسل، وإن ورد النص في القائم من النوم استويا في تقديم الغسل على الغمس، وهذا لأن حكم السنة يثبت مع زوال السبب كما يثبت سنة الرمل في الطواف مع زوال السبب وهو مراءاة المشركين، وهذا غريب ثم إن كان يتوضأ من إناء فإن كان نقلته على يده تركه على يساره وقلبه عن يمينه، وإن كان يعرف منه وغرف الماء بيمينه لأنه أمكن. واعلم بأن أبا هريرة ﵁ لما روى هذا الخبر قال له أعرابي من أشجع من أصحاب عبد الله بن مسعود ﵃ إذا جئنا مهراسكم كيف نصنع؟ فقال: أعوذ [٥٤ أ/ ١] بالله من شرَّك. والمهراس حجر كانوا يتوضؤون منه بالمدينة لا يمكن أن يقع على اليد إلا بإدخال اليد، وكانت الصحابة يتوضؤون منه. قال أصحابنا في مثل هذا الموضع: يرفع الماء بفيه ويغسل يديه، أو يأخذ الماء بطرف ثوبه النظيف ويغسل يديه بما ينال منه أو يستعين بغيره. مسألة: قال: "ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ اليُمْنَى في الإِنَاءِ فَيَغْرِفُ غَرْفَةً لِفِيهِ وَأَنْفِهِ". وهذا كما قال: استجب الشافعي إدخال يده اليمنى؛ لأن النبي ﷺ كان يحب التيمن في كل شيء، ثم قال: فَيَغْرٍفُ غَرْفَةً" وهي بفتح الغين مصدر غرف يغرف، وبضم الغين اسم للماء الذي يكون في كفه. والكلام الآن في فصلين أحدهما: في حكمهما. فأما حكمهما يفيد أن المضمضة والاستنشاق في الوضوء وغسل الجنابة. وبقه قال مالك، وربيعة، والزهري، والأوزاعي. وقال عطاء، وابن أبي ليلى، وإسحاق، وأحمد في رواية: هما واجبتان. وقال أبو ثور، وداود، وأحمد في رواية: الاستنشاق فيهما دون المضمضة. وقال أبو حنيفة، والثوري: هما واجبتان في الجنابة دون الوضوء. واحتجوا بما روت عائشة أن النبي ﷺ قال: "المضمضمة والاستنشاق للجنب ثلاثًا فريضة". واحتج أبو ثور بأن النبي ﷺ قال للقيط بن صبرة: "بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا". وهذا غلط

стр. 66

لقوله ﷺ : "عشر من الفطرة"، وعد منها المضمضة والاستنشاق. وقال [ب ٥٤/ ١] ﷺ لأم سلمة ﵂: "يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من الماء، ثم تفيضي عليك الماء، فإذا أنت قد طهرت" وبإفاضة الماء على رأسها لا تحصل المضمضة والاستنشاق. وروى ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: "المضمضة والاستنشاق سنة، والأذنان من الرأس". وروى أبو هريرة، أن النبي ﷺ قال: "أمرت بالوضوء فوضأني جبريل ﷺ فرض الوضوء، وسننت أنا فيه الاستنجاء والمضمضة والاستنشاق، وغسل الأذنين، وتخليل اللحية، ومسح القفا" وهو إسباغ الوضوء. وأما خبره الأول قال الدارقطني ﵀: وهم فيه من وصله وهو مرسل يرويه سليمان بن موسى، عن النبي ﷺ ، ثم هو محمول على تأكيد استجابة. وأما الخبر الثاني: فرواه بركة الحلبي وهو كذاب ومتروك. والظاهر لأنها لا تجب ثلاثًا أن الفرض محمول على التقدير. وأما الخبر الآخر: فمحمول على الاستحباب. وأما كيفيتها: فالكلام فيهما على فصلين: أحدهما في الجائز والثاني: في الأفضل. فأما الجائز: فهو أن يوصل الماء إلى الفم والأنف ثلاثًا بغرفة أو غرفتين، أو أكثر. فأما الأفضل: ظاهر ما نقل هاهنا وهو المنصوص في "الأم" أنه، يجمع بينهما بغرفة واحدة. وقال في "البويطي": "ومن تمضمض واستنشق من غرفة واحدة أجزأه، وتفرقهما أحب إلى" فالمسألة على قولين: أحدهما: الجمع بينهما أفضل، ووجهه ما روي [٥٥ أ/ ١] عبد خير، عن علي ﵁ أنه وصف وضوء رسول الله ﷺ وتمضمض مع الاستنشاق بماء واحد، ولأنه أقل لإضاعة الماء وأبعد عن الإسراف، وقد قال ﷺ : "إن في الوضوء سرفًا ولو كنت على شاطئ". والثاني: تفريقهما أفضل وهو الأصح، ووجه ما روى عن عثمان ﵁ أنه وصف وضوء رسول الله ﷺ هكذا هو، وروى طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده أنه قال: دخلت على النبي ﷺ وهو يتوضأ والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره،

стр. 67

فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق. ولأن الفصل بينهما أشبه بأعمال الوضوء في سائر الأعضاء، وأقرب إلى النظافة وأمكن، ويحمل رواية علي ﵁ على الجواز. فإذا قلنا بالأول، قال القفال وساعده بعض أصحابنا: الجمع أن يغرف غرفة واحدة فيتمضمض منها ثلاثًا، ثم يستنشق ثلاثًا بالبقية، قال: وهو ظاهر كلام الشافعي. وقال أبو حامد، وهو اختيار أبي يعقوب الأبيوردي: الجمع أن يغرف ثلاثا غرفات يجمع بكل واحدة بين المضمضة والاستنشاق ويقدم المضمضة، وهذا أصح، [٥٥ ب/ ١] لأنه أمكن. وقيل: الجمع أن يأتي بهما في حالة واحدة ولا يقدم المضمضة على الاستنشاق، وهذا ضعيف. وإذا قلنا بالقول الثاني، قال أبو حامد: التفريق أن يغرف غرفة يتمضمض منها ثلاثًا، ثم يغرف غرفة أخرى يستنشق منها ثلاثًا. وقال القاضي أبو حامد: يغرف ثلاث غرفات للمضمضة وثلاث غرفات للاستنشاق، والأول هو ظاهر كلام الشافعي. وقيل. الاستنشاق على هذا القول وليس بشيء. فرع المستحب في المضمضة أن يأخذ الماء بفيه ويديره في فيه ثم يمجه، وفي الاستنشاق أن يأخذ بأنفه ويمده بنفسه إلى خياشيمه ثم ينثره، لما روى عمرو بن عبسة، أن النبي ﷺ قال: "ما منكم من أحد يغرف وضوءه ثم يستنشق وينثر إلا جرت خطايا فيه وأنفه وخياشيمه مع الماء". قال الشافعي: "وَيُبْلِغُ خَيَاشِيمَهُ الْمَاءَ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ صَائِمًا". وأراد بالخياشيم أصول الأنف وهي العظام التي في الأنف، ويبلغ الماء إليه أو إلى ما دونه ويسمي إلا في حالة الصوم، فإنه يرفق فيها ولا يبالغ لئلا يسبق الماء إلى دماغه فيوجب الفطر؛ لما روي أن النبي ﷺ قال للقيط بن صبرة: "أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا". فرع قال الشافعي في "الأم": استحب إدخال الماء في العينين ولا أبلغ به تأكيد [٥٦ أ/ ١] المضمضة والاستنشاق. قال أصحابنا: هو من هيئات الوضوء؛ لأنه روي عن ابن عمر ﵄ أنه كان يفعله، وهو دون المضمضة والاستنشاق. لأنه

стр. 68

روي ذلك عن رسول الله ﷺ ، ولم يرو عنه إدخال الماء في العينين؛ لأن الفم والأنف يتغيران فيزيل الماء تغيرهما، والعين لا تتغير، وظاهر النص أنه يستحب ولكنه دون استحباب المضمضة، ومن أصحابنا من قال: لا يستحب ولا يغسله، لأنه لم ينقل ذلك عن رسول الله ﷺ قولًا ولا فعلًا وهو يؤدي إلى الضرر، وهذا هو اختيار أكثر أصحابنا. وقال صاحب "الحاوي": "لا يجب ولا يبين". وهل يستحب؟ قال أبو حامد: يستحب للنص في "الأم". وقال غيره: لا يستحب وهذا أصح؛ لأنه ما لا يبين لا يستحب، وفعل ابن عمر لا يدل عليه إذ لم يفعله ﵁. مسألة: قال: "ثُمَّ يَغْرِفُ المَاءَ بِيَدَيْهِ فَيَغْسِلُ وَجْهَهُ ثَلاَثًا". الفصل وهذا كما قال. الماء بيديه لأنه ربما يتعذر غسل الوجه كله بغرفة ويغترفها بيد واحدة، وليس شرط؛ لأنه إن أمكن ذلك جاز. وغسل الوجه هو أول أركان الطهارة من الأفعال، لقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وحد الوجه ما بين منابت شعر الرأس إلى الذقن وهو مجمع اللحيين طولًا، ومن وتد الأذن إلى وتد الأذن عرضًا. والاعتبار في منبت شعر الرأس بغالب خلقة الإنسان، ولابد على الأقرع - وهو الذي نزل شعر رأسه إلى [٥٦ ب/ ١] جبهته - ولا أصلع - وهو الذي انحسر شعره عن مقدم رأسه - ولا يجوز للأقرع الاقتصار على ما دون منابت شعر الرأس إلى أصول الأذنين ومنتهى اللحيين والذقن، وفميا نقل المزني خلل من ثلاثة أوجه: أحدهما: أنه قال: من منابت شعر رأسه، والشافعي قال: من دون منابت. والثاني: قال: إلى ما أقبل من وجهه وذقنه، وأراد بالإقبال ما لم يتعطف من ظاهر لحيته وذقنه لحد الوجه بالوجه، والشيء لا يحد بنفسه. والثالث: أنه قال: ومنتهى اللحية، وهذا يفيد أنه يغسل إلى منتهاها، ومنتهاها الحلق ولا يجب ذلك. فإذا تقرر هذا فالجبهة موضع السجود، والجبينان هما العظمتان الناتئان في جانبي الجبهة وهما من الوجه. والصدغان هو الشعر المحازي لرأس الأذن، وما نزل منه إلى ابتداء العذار وهما من الرأس. وقال في "الحاوي": فيه ثلاثة أوجه: أحدها وهو قياس قول ابن سريج: هما من الوجه بحصول المواجهة بهما. والثاني وهو قياس أبي إسحاق: هما من الرأس لاتصال شعرهما بشعر الرأس.

стр. 69

والثالث: وهو قول الجمهور: ما استعلى من الصدغين عن الأذنين من الرأس، وما انحدر عن الأذنين من الوجه؛ لأن الوجه محدود بالأذنين، وهذا أصح عندي. وقال في "البويطي": لو كان أمرد غسل صدغيه، وإن كان ملتحيًا أمر الماء على الصدغ إلى الأذن. قال [٥٧ أ/ ١] أصحابنا: أراد بالصدغ ها هنا العذار، وهو الخط الممتد من الصدغ على العظم الذي يحاذي وتد الأذن بينه وبين وتد الأذن بياض، فيلزمه إفاضة الماء على العذارين وغسل ما تحتهما، وكذلك على الذقن، وعلى العنفقة وهو الشعر الذي على الشفة لاستواء المقفلة والمنشلة". فالمقفلة هي العنفقة، والمنشلة ما تحت الخاتم، والنوعيان ويستحب غسلهما مع الوجه لأنهما في سمت الناصية، والناصية من الرأس. وتسمى أيضًا الحالجة، يقال: رجل أحلج على هذا المعنى، وأما موضع التحذيف وهو الشعر النابت في أعالي الجبهة، وهو ما بين سبيط الرأس ومنحدر الوجه يؤخذ بالحفاف والتحذيف. وقد يعبر عنه بأنه الشعر الداخل إلى الجبينين من جانبي الوجه ما بين العذار والنزعة وفيه وجهان. قال أبو إسحاق: من الرأس؛ لأنه يتصل نباته بشعر الرأس، والله تعالى فرق بين الرأس والوجه بنبات الشعر. ومن قال بهذا قال: حد الوجه من منابت شعر الرأس ليخرج منه موضع التحذيف. وقال ابن سريج، وابن أبي هريرة: هو من الوجه لحصول المواجهة به في منحدر الوجه، وأن العادة فيه التحذيف، وقد جعله الناس بالعرف وجهًا وأنه شعر من بياض الوجه [٥٧ ب/ ١] كالحاجب. ومن قال: هذا حد الوجه، يقال: من قصاص الشعر إلى الذقن ليدخل فيه موضع الحذيف، وهذا اختيار صاحب: "الحاوي"، والمشهور عند عامة أصحابنا الوجه الأول، والاعتبار في التسمية بأهل اللغة، وأهل اللغة لم يجعلوه من الوجه. وقال أبو إسحاق في شرح نص الشافعي في "الإملاء" إنه من الرأس، وحكاه الإمام القاضي طاهر الطبري ﵀ وحكى عن مالك أنه قال: لا يجب غسل العذار ولا البياض الذي بين الأذن والوجه، وهذا غلط؛ لأنه ينطلق عليه اسم الوجه. وقال أبو يوسف: يجب على الأمرد غسله دون اللحى؛ لأن الشعر حصل حائلًا بينه وبين الوجه، وهذا غلط؛ لأن أحدًا من أهل اللغة لم يذكره مع الوجه في حده ولا تقع المواجهة به، ولأن النبي ﷺ مسح أذنيه ولم يغسلها مع الوجه، واحتج الزهري بقوله ﷺ : "سجد وجهي للذي خلقه، وشق سمعه وبصره" فأضاف السمع إليه كما أضاف

стр. 70

البصر. قلنا: عبر بالوجه عن الجملة لقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلاَّ وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، أو ذكره مجازًا على معنى أنه يجاوره، والعرب تسمي النتوء باسم ما جاوره مجازًا. فرع قال بعض أصحابنا بخراسان: [٥٨ أ/ ١] لو نبت الشعر على جبهته غسل من منجرف الرأس، ولو نبت على بعض جبهته دون بعض كالأغم ففيه وجهان: أحدهما: يغسل من المنبت وهو الأصح. والثاني: من منحرف الرأس، وهذا لا يصح عندي، والمذهب في حد ما يجب غسله ما ذكرنا في كل حال. فرع آخر روي عن ابن عمر ﵁ أنه كان لا يسن الماء على وجهه ولا يشنه. والسن بغير إعجام هو صب الماء. والشن بالإعجام هو تفريق الماء قال أصحابنا: يستحب أن لا يفعل ذلك. مسألة: قال: "فَإِنْ كَانَ أَمْرَدَ غَسْلَ بَشَرَةِ وَجْهِهِ كُلُّهَا". وهذا كما قال. ذكر الشافعي في "الأم" أربع مسائل نقل المزني الأولى والرابعة، وترك الثانية والثالثة. فالأولى: إذا لم يكن على وجهه شعر، بأن يكون أمرد أو أثط يلزمه غسل بشرة وجهه كلها، والغسل هو إمرار الماء على المحل المغسول زائدًا على إمرار البلل فإن ذلك مسح. والثانية: أن يكون له لحية حقيقة لا تستر ما تحتها من البشرة يغسلها وما تحتها. والثالثة: أن يكون بعضها كثيفًا وبعضها خفيفًا، والكثيف هو الذي لا يمكن رؤية البشرة تحتها. وقيل: الكثيف وغسل ما تحت الخفيف وتخليله، ويستحب تخليل الكثيف أيضًا. والرابعة: وهي التي نقلها المزني مع الأولى، وهي أن تكون اللحية كلها كثيفة يجب إفاضة الماء على ما قابل حد [٥٨ ب/ ١] الوجه قولًا واحدًا. ويستحب تخليل اللحية ولا يجب لما روى أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "جاءني جبريل ﵇ فقال: يا محمد خلل لحيتك بالماء عند الطهور" وروي: "خلل لحيتك إذا توضأت للصلاة". وقال المزني، وأبو حامد، وابن جريج: يجب إيصال الماء إلى ما تحت بشرته كما

стр. 71

في الجنابة وكما في شعر الحاجبين، وهذا غلط؛ لما روى ابن عباس ﵁ "أن النبي ﷺ توضأ فغرف غرفة غسل بها وجهه". وبغرفة واحدة لا يصل الماء إلى بشرة وجهه، فإنه كان كثير اللحية. قال على بن أبي طالب ﵁ في وصفه: "كان عظيم الهامة عظيم اللحية" ويفارق الجنابة لأنها لا تتعلق بجميع البدن، ولا يتكرر فلا يشق إيصال الماء إلى ما تحته بخلاف هذا، وأما شعر الحاجبين، فإنه لا يكثر غالبًا. وقال أبو حنيفة في الشعر المحاذي لمحل الغرض يجب مسحه. وفي رواية أخرى: يجب مسح ربعه، وبه قال أبو يوسف في رواية: وروي عن أبي يوسف: يسقط عن البشرة ولا يتعلق بالشعر، وهذه رواية شاذة عن أبي حنيفة أيضًا. احتج أبو حنيفة بأن الغرض إذا تعلق بالشعر كان مسحًا كما في الرأس، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] واللحية من الوجه، بدليل أن النبي ﷺ رأى رجلًا غطى لحيته في الصلاة، فقال: "اكشف وجهك فإن اللحية من الوجه". [٥٩ أ/ ١] ويفارق شعر الرأس، لأن فرض البشرة تحت المسح، فانتقل إلى الشعر على صفته، فينبغي أن ينتقل من البشرة في الوجه إلى الشعر على صفته. وقد روي أن النبي ﷺ "كان يخلل لحيته ويدلك عارضه بعد الدلك". وقال أنس: كان النبي ﷺ إذا توضأ أخذ كفًا من ماء فأدخله تحت حنكه يخلل به لحيته، وقال: "هكذا أمرني ربي". وقال إسحاق: لو تركه عامدًا أعاد الصلاة. وحكي ذلك عن أبي ثور. وقال أصحابنا: يستحب له أن يمسح مآقيه بسبابتيه؛ لأنه قد يجتمع فيمها كحل أو رمض فيزول بذلك ويصل الماء إليهما، لما روى أبو أمامة "أن النبي ﷺ توضأ ثلاثًا ومسح مرة واحدة، وكان يمسح المآفين". فرع لو أفاض الماء على شعر لحيته ثم حلقه أو نتفه لا يبطل وضوءه. وقال ابن جرير: يبطل، كما لو نزع الخفين بعد المسح، وهذا غلط؛ لأن الشعر من جملة الخلقة، فزواله لا يوجب غسل ما تحت الجلد، ويفارق الخف لأنه كان بدلًا ولم يكن أصلًا، فبطل حكم المسح عليه بظهور الأصل.

стр. 72

فرع آخر ذكر الشافعي الشعور التي يجب إيصال الماء إلى ما تحتها في الوجه، وهي خمسة: العنفقة، والحاجبان، والشاربان، والعذاران، وأهداب العينين؛ لأن الشعر فيهما خفيف لا مشقة في إيصال الماء إلى ما تحتها، وفي الشارب أمر الشرع بتخفيفه. قال القفال في العنفقة: إن كانت [٥٩ ب/ ١] منفصلة عن اللحية فهي كالحاجب والشارب، وإن كانت متصلة بها كثيفة ففيه وجهان؛ أصحهما أن حكمها حكم اللحية الكثيفة يغسل ظاهرها. والثاني: يلزمه غسل ما تحتها. قال: وبناء الوجهين على اختلاف المعنى في الحاجب والشارب. فإن قلنا: العلة هناك أن المغسول من الوجه محيط به، وإليه أشار في "الأم" لا يوجد هاهنا. وإن قلنا: العلة هناك أن الغالب أنه لا يكثر يوجد هاهنا، وما تقدم أصح. فرع قال في "حرملة": لو نبتت للمرأة لحية وجب عليها إيصال الماء إلى البشرة التي تحتها وإن كانت كثيفة؛ لأنها نادرة فأشبه شعر الذراعين إذا كان كثيفًا. مسألة: قال: "ثُمَّ يَغْسِلُ ذِرَاعَهُ اليُمْنَى إلى المِرْفَقِ". وهذا كما قال. أراد بالذراع اليد من رؤوس الأصابع إلى المرفق، وهو مفصل الساعد والعضد، وغسل اليدين فرض على هذا الوجه، ويدخل المرفقين في فرض الغسل، ويستحب أن يزيد حتى يغسل العضد. وقال زفر، وأبو بكر بن داود: لا يجب غسل المرفقين؛ لأن الحد لا يدخل في المحدود، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وهذا غلط؛ لأن اسم اليد إذا أطلق يقتضي اليد إلى الإبط؛ لأن الله تعالى لما أطلق اليد في التيمم مسحت الصحابة أيديهم إلى الإباط لكن الله تعالى استثنى ما عدا المرفقين: " إلَى المَرَافِقِ " [المائدة:٦] أي مع المرافق، كقوله تعالى: ﴿مَنْ أَنصَارِي إلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] أي مع الله [١٦٠ أ/ ١]، وقوله تعالى: ﴿ولا تَاكُلُوا أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٢]، أي: مع أموالكم. وقوله تعالى: ﴿ويَزِدْكُمْ قُوَّةً إلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢]، أي: مع قوتكم. وحكي أبو إسحاق المروزي عن المبرد أنه قال: إذا كان الحد من جنس المحدود دخل فيه، كما قال: يغسل هذا الثوب من هذا الطرف إلى هذا الطرف. وقد روى جابر ﵁ أن النبي صلى الله كان إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه. وهذا من فعله خرج مخرج البيان لمجمل الأمر. وإذا بدأ باليمنى وقدمها على اليسرى استحبابًا؛ لأن النبي ﷺ قال: "إذا توضأتم

стр. 73

فابدءوا بميامنكم". وقوله: "ثلاثًا ثلاثًا" يرجع إلى اليدين لا إلى المرفقين خاصة. وفي المرفق لغتان؛ مرفق بكسر الميم وفتح الفاء، ومرفق بفتح الميم وكسر الفاء. مسألة: قال: فإن كَانَ أقْطَعَ الْيَدَيْنِ غسل مَا بَقِيَ مِنْهُمَا إِلَى الْمِرْفَقَيِنِ". وهذا كما قال. به ذكرنا الواجب إذا كان سليم اليدين، وأما الأقطع ففيه ثلاث مسائل: إحداها: أن يكون أقطع اليدين من الكوعين، وهو المراد بع غسل ما بقي، وقد يعبر عن الكفين باليدين. قال الله تعالى: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وأراد الكشف إلى الكوع، وكذلك لذا كان أقطع من نصف الذراع غسل ما بقي. والثانية: أن يكون أقطع اليدين من فوق المرفقين، فلا فرض عليه، ويستحب أن يغسل ما بقي من العضد إلى المنكب لأنه موضع التحجيل وإسباغ [٦٠ ب/ ١] الوضوء، وظاهر من ذكرها هنا أنه استحبه الأقطع خاصة، وأصحابنا قالوا: يستحب للصحيح أيضًا، لأنه من جملة إسباغ الوضوء وقد روي أن أبا هريرة ﵁ كان يغسل العضدين مع الذراعين والساقين مع القدمين، ويقول: أحب أن أطيل غرتي. وروي عن ابن عباس ﵁ أنه استحب غسله. وأنكر ابن داود على الشافعي هذا الاستحباب وهو غلط؛ لما ذكرنا. وقيل: تطويل الغرة هو أن يغسل بعض مقدمة الرأس مع الوجه، وتطويل التحجيل هو أن يغسل بعض العضد مع المرفق وبعض الساق مع القدم. والثالثة: أن يكون أقطع اليدين مع المرفقين. فقال المزني: إنه لا فرض عليه. فمن أصحابنا من قال: غلط المزني في النقل. وقد قال الشافعي في رواية الربيع: "وإن كان أقطع اليدين من فوق المرفقين فلا فرض عليه". وهذا هو المذهب. ومن أصحابنا من قال: معنى رواية المزني من المرفقين أي مع المرفقين فهي موافقة لرواية الربيع. وقال الإمام أبو محمد الجويني ﵀: قد وجدت هذه اللفظة للشافعي في "القديم" فلا يجوز تغليط المزني. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان بتاء على القولين في مائية المرفقين. أحدهما: أن المرفق هو طرف عظم الزند الذي على طرف عظم الذراع، فعلى هذا إذا قطع من هذا المفصل سقط الغرض، وهو رواية المزني. [٦١ أ/ ١] والثاني: المرفق اسم لمجموع طرفي العظمين، فعلى هذا قد بقي أحد الطرفين فيلزمه غسله، وهي بداية الربيع.

стр. 74

ومنهم من قال: المرفق هو مجموع طرفي العظمين قولًا واحدًا، والقولان في أن المرفق هل يجب غسله تبعًا للذراعين، أو قصد أحدهما يجب غسله تبعًا للذراع ليقع به استيعاب غسل الذراع، وهذا كغسل الوجه لا يمكن إلا بغسل شيء من الرأس، فعلى هذا إذا قطع من هذا المفصل سقط فرض الغسل ليسقط المتبوع. والثاني: يلزمه غسل المرفق قصدًا كالذراع، فعلى هذا لا يسقط غسل ذلك. فرع قال في "البويطي": لو توضأ ثم قطعت يده لم يجب غسل ما ظهر غسله، فإن أحث بعد ذلك وجب غسل ما ظهر من يده بالقطع؛ لأنه صار ظاهرًا وكذلك إذا توضأ ثم قلم أظفاره لم يجب عليه غسل الموضع الذي قلمه، ولو كان مثقوب الكف يرى الضوء من الجانب الآخر يلزمه إيصال الماء إليه. ولو كان إصبع زائدة يلزمه غسلها في الوضوء. فرع لو خلق له كفان في ذراع يلزمه غسلهما في الوضوء وتقطع في السرقة إحداهما؛ لأن الطهارة مبنية على الاحتياط والحد يسقط بالشبهات، ولو خرجت في وجهه أو ذراعه سلعة فإنه يلزمه غسلها. فرع آخر لو خلق [٦١ ب/ ١] له يدان ينظر، إن كانت في الطول سواء غسلهما، وإن كانت إحداهما ناقصة غسل الكاملة إلى المرفقين، ثم ينظر في الناقصة، فإن كانت على محل الفرض كالكوع والساعد فإنه يلزم غسل كلها، وإن كانت على غير محل الفرض، مثل أن خُلعت على العضد والمنكب نُظر، فإن قصرت عن مجاراة الفرض فلا فرض عليه، وإن حاذى شيء منها محل الفرض فعليه غسل ما حاذى محل الفرض منها؛ لأنها قد تحاذي محل الفرض. وهذا اختيار أبي حامد. وقال بعض أصحابنا: لا يجب غسلها؛ لأن أصلها في غير محل الفرض، واسم اليد يقع على ما لو كانت قصيرة ولم تبلغ محل الفرض ولا يجب غسلها وهذا هو أقرب عندي. فرع آخر لو سقطت جلدة من ذراعه وتدلت يلزمه غسلها، وإن سقطت من ذراعه والتحمت بذراعه يلزمه غسلها أيضًا وإن كان بعضها يلزمه إدخال الماء تحتها لأن سقطت من عضه والتحمت بذراعه يلزمه غسل ما التحم بذراعه دون ما على عضده، ولا يجب غسل ما تحتها وتكشيطها بلا إشكال. وإن نابت من الذراع لم يجب غسلها وإن سقطت من الذراع وانعطفت على العضد والتحمت، ولم تبن من الذراع، فإنه يلزم غسلها، وما كان على محل الفرض من الذراع ولا يجب غسل ما جاوزه؛ لأنه لما التحمت بالعضد

стр. 75

صار حكمها حكمه. وإن كانت يد نابت لا يجب غسلها. وإن قطع من الذراع جلدة بالقطع [٦٢ أ/ ١] إلى العضد فتركها متدلية لم يجب غسلها؛ لأنها من العضد فإن قطعت من العضد إلى الذراع وتركها متدلية من الذراع وجب غسلها جميعًا، والفرق بينه وبين اليد حيث قلنا: إذا حاذى محل الفرض غسله بخلاف هذا؛ لأن اسم اليد يطلق عليه بخلاف هذا. فرع آخر إذا لم يجد الأقطع من يوضئه إلَّا بإجرة مثله فإنه يلزمه أن يتأجر كما يلزمه شراء الماء فإن لم يجد من لم يجد ماًء ولا ترابًا. ذكره القاضي أبو حامد. فرع آخر إذا طالبت أظافره حتى خرجت عن حد يده، فهل يجب غسل ما خرج عن محل الفرض؟ من أصحابنا من قال: فيه قولان كاللحية المسترسلة ومن أصحابنا من قال: يجب غسلها قولًا واحدًا وهو الصحيح؛ لأنه نادر لا يشق غسلها. مسألة: قال: "ثْمَّ يَمْسَحُ رأُسَهُ ثَلاَثًا". الفصل وهذا كما قال: مسح الرأس هو الثالث من أعمال فرائض الوضوء واختلف العلماء في قدر الواجب منه، فعندنا الواجب هو ما يقع عليه اسم المسح ولا يتقدر بشيء. وبه قال عبد الله بن عمر ﵁ وهو قول الأوزاعي، والثوري، وداود. وعن أبي حنيفة ثلاث روايات: أحدها الربع. والثانية قدر الناصية. والثالثة قد ثلاث أصابع، وقيل [٦٢ ب/ ١]: كل هذا يرجع إلى الربع، وعليه يقولون. وحكي عن أبي يوسف نصف الرأس. وقال مالك: يجب مسح جميع الرأس، فإن ترك أكثر من ثلاث شعرات عامدًا لا يجوز، فإن وقال غيره من أصحابه: إن ترك شيئًا بغير قصد جاز. وقال المزني: يجب مسح كله من غير تفصيل، وبه قال أحمد في رواية، وعنه رواية أخرى يجب مسح أكثره. فإن ترك الثلث فما دونه أجزأه واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة:٦]، وهذا يقتضي مسح جميعه وهذا غلط؛ لأن الله تعالى قال: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾، والياء للتبعيض فيما يستقل الكلام بدونه، كما يقال: مسحت يدي برأس اليتيم أو بالمنديل، ويراد به البعض، وروي أن النبي ﷺ مسح بناصيته، وعلى عمامته، والناصية دون الربع، فإنها ما بين النزعتين. واحتجوا بأنه عضو يجب استيعابه كالوجه في التيمم قلنا:
следующие страницы →