← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

الأمة فخطأ؛ لأن المحرم في الأختين هو الجمع بينهما في العقد وهذا الجمع غير موجود في القدرة على المهر كما لم يمنع القدرة على مهور أربع من العقد على خامسة ويمنع وجود الأربع تحته أن يعقد على خامسة وليس كذلك الأمة لأنها حرمت للقدرة على حرة ولأنه يحرم الجمع بينهما وبين الحرة ألا ترى أنه لو نكح حرة بعد أمة جاز وقد جمع بين حرة وأمة وإذا كان تحرمها للقدرة على حرة كان بوجود مهر الحرة قادر على حرة فافترقا. فصل: وأما مالك فاستدل على أنه يجوز أن ينكح الأمة وإن كانت تحته حرة بأنه ربما لم تنفعه الحرة لشدة شهوته وقوة شبقه فخاف العنت مع وجودها لاسيما وقد يمضى للحرة زمان حيض يمنع فيه من إصابتها فدعته الضرورة مع وجوده بحرة تحته إذا عدم طول حرة أخرى أن ينكح أمة وليأمن بها العنت كما يأمن إذا لم يكن تحته حرة وهذا خطأ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] فلما كان طول الحرة يمنعه من نكاح الأمة كان وجود الحرة أولى أن يمنعه من نكاح الأمة لأن القدرة على الشيء أقوى حكمًا من القدرة على بدله. وروى عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تنكح الأمة على الحرة وتنكح الحرة على الأمة" حكاه أبو سعيد المكي عن الرازي، ولأن من منعه عوض المبدل من الانتقال إلى البدل كان وجود المبدل أولى أن يمنعه، من الانتقال إلى البدل كالمكفر. وأما استدلاله ففاسد بمن لم تقنعه أربع زوجات بقوة شبقه وإنه ربما اجتمع حيضهن معًا. ولا يدل ذلك على جواز نكاح الخامسة على أن الحرة الواحدة قد تقنع ذا الشبق الشديد بأن يستمتع في أيام حيضتها بما دون الفرج منها. فصل: فإذا ثبت وتقرر أن نكاح الحر للأمة معتبر بثلاث شرائط فكذلك نكاحه للمدبرة والمكاتبة وأم الولد ومن رق بعضها وإن قل لا يجوز إلا بوجود هذه الشرائط لأن أحكام الرق على جميعهن جارية فجرت أحكام الرق على أولادهن وإذا بت اعتبار الشروط الثلاثة في نكاح كل من يجرى عليه حكم الرق من أمة ومدبرة ومكاتبة وأم ولد وجب أن يوضع حكم كل شرط منها. أما الشرط الأول: هو أن لا يكون تحته حرة فوجود الحرة تحته لا يخلو من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون استمتاعه بها لأنها كبيرة وهي حلال له؛ لأنه لم يطرأ عليها سبب

стр. 4342

من أسباب التحريم فلا يجوز مع وجودها أن ينكح أمة. والثاني: أنه يمكنه استمتاع بها لكبرها، لكن قد طرأ عليها ما صار ممنوعًا من إصابتها كالإحرام والطلاق الرجعى، الظهار، والعدة من إصابة غيره لها لشبهة، فلا يجوز له مع كونها تحته على هذه الصفة أن ينكح أمة؛ لأن التحريم مقرون بسبب يزول بزوال سببه فصار كتحريمها في أيام الحيض. والثالث: أن لا يمكنه الاستمتاع بها وإن كانت حلالًا له وذلك لأحد أمرين: إما لصغر وإما لرق. وإما لضر من مرض ففي جواز نكاحه للأمة قولان مع وجود هذه الحرة فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأن تحته حرة. والثاني: يجوز لأنه يخاف من العنت وعلى هذين الوجهين لو كان يملك أمة وليس تحته حرة ففي جواز نكاحه للأمة وجهان: أحدهما: ينكحها تعليلًا بأن ليس تحته حرة. والثاني: لا ينكحها تعليلًا لأنه لا يخاف العنت. وأما الشرط الثاني: وهو أن يكون عادمًا لصداق حرة ففيه ثلاثة أوجه: أحدهما: أن يعتبر أقل صداق يكون لأقل حرة يؤخذ في مسلمة أو كتابية فعلى هذا يتعذر أن يستبيح الحر نكاح الأمة لأن أقل الصداق عندنا قد يجوز أن يكون واثقًا من فضة أو رغيفًا من خبز وقل ما يعوز هذا أحد فإذا وجده ووجد منكوحة به حرم عليه نكاح الأمة وإن لم يجد أو وجده ولم يجد منكوحة به حل له من نكاح الأمة. والثاني: أننا نعتبر أقل صداق المثل لأي حرة كانت من مسلمة أو كتابية ولا يعتبر أقل ما يجوز أن يكون صداقًا فعلى هذا لو وجد حرة بأقل من مهر مثلها مما يجوز أن يكون صداقًا وهو واجد لذلك القدر حل له نكاح الأمة ولو وجد صداق المثل لحرة أو كتابية لم يحل له نكاح الأمة. والثالث: أننا نعتبر أقل صداق المثل لحرة مسلمة فعلى هذا إن وجد صداق المثل لكتابية ولم يجد صداق المثل لمسلمة حل له نكاح الأمة لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] فشرط إيمان الحرائر وعلى هذا الوجه لو كان تحته حرة كتابية حل له نكاح الأمة وعلى هذا الوجه لو وجد حرة يتزوجها بأقل من صداق المثل وهو واجده حل له نكاح الأمة ولو وجد ثمن أمة وهو أقل من صداق حرة ففي جواز تزويجه للأمة وجهان: أحدهما: يجوز لقوله تعال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٥]. والثاني: لا يجوز لأنه مستغن عن استرقاق ولده. وأما الشرط الثالث: وهو أن يخاف العنت وهو الزنا فسواء خافه وهو ممن يقدم

стр. 4343

عليه لقلة عفافه أو كان ممن لا يقدم عليه لتحرجه وعفافه في أن خوف العنت فيهما شرط في إباحة نكاح الأمة لهما. فأما إذا خاف العنت من أمة بعينها أن يزنى بها إن لم يتزوجها لقوة ميله إليه وحبه لها فليس له أن يتزوجها إذا كان واجدًا للطول لأننا نراعى عموم العنت لا خصوصه، والله أعلم. فصل: فإذا ثبت أن نكاح الحر للأمة معتبر بما أوضحناه من الشروط الثلاثة فليس إذا استكملت فيه أن ينكح أكثر من أمة واحدة. وقال أبو حنيفة ومالك: يجوز أن ينكح منهن أربعًا كالحرائر استدلالًا بقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] فأطلق ملك اليمين إطلاق جمع فحمل على عمومه في استكمال أربع كالحرائر ولأن كل جنس حل نكاح الواحدة منه حل نكاح الأربع من كالحرائر طردًا والثنيات عكسًا ولأن كل من جاز أن يتزوج بأكثر من حرة واحدة جاز له أن يتزوج بأكثر من أمة واحدة كالعبد. ودليلنا قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] وهذا إذا تزوج أمة واحدة منذ أمن العنت فلم يجز أن يتزوج بأمة قياسًا على ما تحته من الحرائر أخرى ولك تحر هذا قياسًا فنقول: إنه حر أمن العنت فلم يجز أن يتزوج بأمة قياسًا على من تحته حرة وإن شئت قلت حر قادر على وطء بنكاح قياسًا على هذا الأصل، ولأنه محظور إلا عند الضرورة فلم يستبح منه إلا ما دعت إليه الضرورة كأكل الميتة. فأما الاستدلال بالآية فلا يقتضى إلا أمة واحدة لأنه قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] فلما كان المراد بالحرائر المحصنات واحدة وجب أن يكون المارد بما في مقابلتهم من الإماء واحدة وعلى أن الأمة يدل من الحرة، ولا يجوز أن يكون البدل أوسع حكمًا من المبدل. وأما قياسهم على الحرائر فالمعنى فيهن: جواز العقد عليهن بغير ضرورة، ولأنه لا يسترق ولده فيدخل عليه باسترقاق ضرر فخالف نكاح الإماء على هذين الوجهين. وأما الجواب عن قياسهم على العبد فهو أنه يجوز أن ينكح الأمة لغير ضرورة وليس عليه استرقاق ولده ضرر فخالف من هذين الوجهين فعلى هذا لو تزوج أمتين ثبت نكاح الأولى وبطل نكاح الثانية، فإن تزوجها في عقد واحد بطل نكاحهما؛ لأن إحداهما إن حلت فهي غير معنية، فصار كمن تزوج أختين بطل نكاح الثانية إن زوجها في عقدين وبطل نكاحهما إن تزوجهما في عقد واحد. فصل: وإذا قد مضى الكلام في نكاح الأحرار للإماء انتقل الكلام إلى نكاح العبيد لهن

стр. 4344

فيجوز للعبد أن ينكح الإماء مطلقًا من غير شرط، فينكحا وغن أمن العنت أو كان تحته حرة. وقال أبو حنيفة: هو كالحر لا يجوز أن ينكح الأمة إذا كان تحته حرة استدلالًا بأن من تحته حرة فهو ممنوع من نكاح الأمة كالحر. ودليلنا قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ فخص الأحرار بتوجيه الخطاب إليهم ثم قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ﴾ فخصهم به أيضًا فاقتضى أن يكونوا مخصوصين بهذا المنع ويكون العبد على إطلاقه من غير منع، ولأن من جاز له أن ينكح امرأة من غير جنسه جاز له أن ينكح عليها امرأة من جنسه، كالحر إذا نكح أمة يجوز له أن ينكح عليه حرة. فأما قياسه على الحر فمنع منه النص، ثم المعنى في الحر أنه يلحقه في نكاح الأمة عار لا يلحق العبد. فإذا تقرر هذا كان للعبد أن ينكح أمة على حرة وأن يجمع في العقد الواحد بين أمة وحرة وأن يجمع بين أمتين كما يجمع بين حرتين والله أعلم. مسألة: قَال الشّافِعِيُّ ﵀: "فَإِن عَقَدَ نِكَاَح حُرّةٍ وَأَمَةٍ مَعًا، قيلَ: يَثبُتُ نِكَاحُ الحُرُّةِ وَيَنْفَسِخُ نِكَاحُ الأمَةِ. وَقِيلَ: يَنْفَسِخَانِ معًا. وَقَالَ في القَدِيم نِكَاحُ الحُرّة جَائِزٌ وَكَذَلِكَ لَوْ تَزَوّجَ مَعَهَا أُخْتَهُ مِنَ الرّضَاعِ كَأَنّهَا لَمْ تَكُنْ. قَالَ الُمزَنَيُّ ﵀: هَذَا أَقْيَسُ وَأَصَحّ في أَصْل قَوْلِهِ؛ لأَنّ النّكَاَحَ يَقُومُ بِنَفْسِهِ وَلاَ يَفْسِد بِغَيْرِهِ فَهي في مَعْنَى مَنْ تَزَوّجَهَا قِسْطًا مَعَهَا مِنْ خَمْرٍ بِدِينَارٍ فَالنكَاح ُوَحدْهُ ثَابِت وَالقِسطُ الخَمْرِ والَمهْرِ فَاسِدَانِ" قال في الحاوي: وصورة هذه المسألة فيمن يحل به نكاح الأمة يزوج بحرة وأمة فهذا على ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يتزوج الأمة ثم يتزوج بعدها حرة فنكاحهما صحيح؛ لأنه نكح الأمة على الشرط المبيح، ونكح الحرة بعد الأمة صحيح. وقال أحمد بن حنبل: يصح نكاح الحرة ويبطل به ما تقدم من نكاح الأمة، كما لو تقدم نكاح الحرة، وهذا لما روى عن النبي ﷺ أنه قال"لا تنكح الأمة على الحرة وتنكح الحرة على الأمة" وهذا نص ولأنه عقد نكاح فلم يبطل ما تقدمه من النكاح كما لو نكح حرة على حرة. والثاني: أن يتزوج بالحرة ثم يتزوج بعدها بالأمة فنكاح الحرة صحيح ونكاح الأمة بعدها باطل لأن الأمة لا يجوز أن يتزوجها وتحته حرة وعند مالك يجوز نكاح الأمة بعد

стр. 4345

الحرة ثانيًا إذا كان عادمًا للطول خائفًا للعنت وقد مضى الكلام معه. والثالث: أن يتزوجهما معًا في عقد واحد فنكاح الأمة باطل؛ لأنه قد صار بعقده عليها مع الحرة قادر على نكاح حرة، وهل يبطل نكاح الحرة أم لا؟ مبنى على تفريق الصفقة في البيع إذا جمع العقد الواحد حلالًا وحرامًا، كبيع خل وخمر في عقد واحد، أو بيع حر وعبد في عقد واحد فيبطل البيع في الحرام وفي بطلانه في الحلال قولان: أحدهما: وهو قول في القديم، واحد قوليه في الجديد أنه لا يبطل في الحلال تعليلًا بأن لكل واحد منهما في الجمع بينهما حكم في انفرادها فعلى هذا يكون نكاح الحرة جائزًا وإن كان نكاح الأمة باطلًا. والثاني: وهو أحد قوليه في الجديد أن البيع يبطل في الحلال لبطلانه في الحرام، فاختلف أصحابنا في تعليل هذا القول على وجهين: أحدهما: أن العلة فيه أن اللفظة الواحدة جمعت حلالًا وحرامًا، فإذا بطل بعضها انتقضت فعلى هذا يبطل نكاح الحرة، كما بطل نكاح الأمة؛ لأن لفظ العقد عليهما واحد. والثاني: أن العلة فيهما الجهالة بثمن الحلال؛ لان ما قبل الحرام من الثمن مجهول، فصار ثمن الحلال به مجهولًا، فعلى هذا يبطل به من العقد ما كان موقوف لصحة على الأعواض، كالبيع والإجارة الذي لا يصح إلا بذكر ما كان معلومًا من ثمن أو أجرة، فأما العقود التي لا تقف صحتها على العوض كالنكاح والهبة والرهن فيصح الحلال منها، وإن بطل الحرام المقترن بها فيكون نكاح الحرة صحيحًا وإن بطل نكاح الأمة، وفيما يستحقه من المهر قولان: أحدهما: مهر المثل وإبطال المسمى. والثاني: قسط مهر مثلها من المهر المسمى بناء على اختلاف قولين فيمن نكح أربعًا في عقد على صداق واحد فأما الزنى فإنه اختار أصح القولين وهو تصحيح نكاح الحرة مع فساد نكاح الأمة إلا أنه استدل لصحته بمثال صحيح وحجاج فاسد. أما المثال الصحيح فهو قوله: "وكذلك لو تزوج معها أختها من الرضاعة"؛ لأنه إذا جمع في العقد الواحد بين أختها وأجنبية كان لجمعه بين حرة وأمة في عقد واحد فيبطل نكاح أخته وفي نكاح الأجنبية قولان. وأما الحجاج الفاسد فهو قوله: "فهي في معنى من تزوجها وقسطًا معها من خمر بدينار فالنكاح وحده ثابت والقسط من الخمر فاسد" واختلف أصحابنا في وجه فساد هذا الاعتلال والاحتجاج على وجهين: أحدهما: وهو قول البغداديين أن وجه فساده أنه إذا زوجه رزقًا من خمر بدينار فهما عقدان بيع ونكاح كأن يقول: بعتك هذا الخمر وزوجتك هذه المرأة بدينار فلم يجز أن يحتج بالعقدين في صحة أحدهما وفساد الآخر على العقد الواحد في أن فساد بعضه لا

стр. 4346

يوجب فساد باقيه لأن العقد الواحد حكم واحد وللعقدين حكمان. والثاني: وهو قول البصريين أنه وجه فساده أنه في النكاح والخمر بدينار قد جمع في العقد الواحد بين نكاح وبيع يختلف حكمهما والشافعي قد اختلف قوله في العقد الواحد إذا جمع شيئين مختلفي الحكم، كبيع وإجارة، أو رهن وهبة فله قولان: أحدهما: أنهما باطلان: يجمع العقد الواحد بين مختلفي الحكم. والثاني: أنهما جائزان لجواز كل واحد منهما على الانفراد، فلم يجز أن يحتج بما يصح العقد فيهما على صحة ما يبطل العقد في أحدهما، والله أعلم. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ تَزَوّجَهَا ثُمّ أَيْسَرَ لَمْ يُفْسِدَهُ مَا بَعْدَهُ". قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا تزوج الحر أمة على الشرائط المبيحة ثم ارتفعت الشرائط بعد العقد بأن أمن العنت بعد خوفه أو وجده الطول بعد عدمه أو نكح حرة إن لم يكن فنكاح الأمة على صحة ثبوته. وقال المزني: إن أمن العنت لم يبطل نكاح الأمة، وإن وجد الطول أو نكح حرة بطل نكاح الأمة استدلالًا بقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] فجعل عدم الطول شرطًا في إباحة الأمة ابتداء فوجب أن يكون شرطًا في أباحتها بانتهاء. قال: ولأن زوال علة الحكم موجب لزواله والعلة في نكاح الأمة عدم الطول فوجب أن يكون وجوده موجبًا لبطلان نكاحها وهذا خطأ لقول الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] فندب إلى النكاح لأنه قد يفضى إلى الغنى بعد الفقر فلم يجز أن يكون الغنى الموعود به في النكاح موجبًا لبطلان النكاح ولا عدم الطول شرطًا في نكاح الأمة كما أن خوف العنت شرطًا في نكاحها فلما لم يبطل نكاحها إذا زال العنت لم يبطل إذا وجد الطول. ولأن الطول بالمال غير مراد للبقاء والاستدامة لأنه يراد للاتفاق لا للبقاء وما يراد للبقاء إذا كان شرطًا في ابتداء العقد لم يكن شرطًا في استدامته كالإحرام والعدة بالعقد لم يبطل ولما كانت الردة والرضاع يردان للاستدامة لأن الردة دين يعتق المرتد للدوام وكان ذلك شرطًا في الابتداء والاستدامة كذلك المال لما لم يرد للاستدامة وجب أن يكون شرطًا في الابتداء دون الاستدامة كالإحرام والعدة. فأما استدلال المزني بالآية فيقتضى كون ما تضمنها من الشرط في ابتداء العقد دون استدامته وما ذكره من الاستدلال بأن زوال العلة موجب لزوال حكمها فاسد بخوف العنت.

стр. 4347

مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَحَاجّنِي مَنْ لا يُفْسِخُ نِكَاحَ إِمَاء غَيْرِ المُسلِمَاتِ فَقَاَلَ: لَمّا أَحَلّ اللهُ بَيْنَهُمَا وَلَا نَفَقَةَ لَهَا لأَنّها مَانِعَة لَهُ نَفْسَهَا بِالرّدّةِ وَإِن ارْتَدّت مِنْ نَصْرَانيّة إلَى يَهُودِيّةٍ أَوْ مِنْ يَهُودِيّةٍ إِلَى نَصْرَانِيّةٍ لَمْ تَحْرُمْ تَعَالَى نِكَاُح الحُرّةِ الُمْسِلَمِة دَلّ عَلَى نِكَاح الأمَةِ. قُلْتُ: قَدْ حَرّمَ اللهُ تَعَالَى الَميّتَةَ، وَاسْتَثْنَى إِحْلالَهَا لِلْمُضَطرّ فَهَلْ تَحِل لِغَيْرِ مُضْطَرّ، واَسْتَثْنَى مِنْ تَحْريم المُشْرِكَاتِ إِحْلالَ حَرَائِرِ أَهْلِ الِكتَاب فَهَلْ يَجُوزَ حَرَائرُ غَيْر أَهْل الكِتَاب فَلَا يَحلّ إمَاؤُهُمْ غَيْرُ حَرَائِرِهِمْ وَاشْتَرَطَ في إِمَاءِ المُسْلِمِين فَلَا يَجُوزَ لَهُ إلّا بالشّرْطِ وَقُلْتُ لَهُ: لِم لَا أَحْلَلتَ الأُمّ كَالرّبيبَة وَحَرّمْتَهَا بِالدُّخُول كَالرّبِيبَةِ؟ قَالَ لأنًّ الأُمّ مُبْهَمَة وَالشّرطُ في الرّبِيبَةِ، قُلْتُ: فَهَكَذَا قُلْنَا في التّحْرِيِم في الُمشْركِاَتِ وَالشّرْطِ في التّحْلِيلِ في الحَرَائِرِ وَإِمَاءِ الُمؤِمنَاتِ". قال في الحاوي: وإذ قد مضى الكلام في الشروط المعتبرة في نكاح الأمة من جهة الزوج بقى الكلام في الشروط المعتبرة من جهتها وهو إسلامها فلا يجوز للمسلم نكاح امة كافرة بمال. وقال أبو حنيفة: يجوز له نكاح الأمة الكافرة كما يجوز له نكاح الحرة الكافرة استدلالًا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] فكانت على عمومها ولان كل من جاز له وطئها بملك اليمين جاز له وطئها بملك نكاح كالمسلمة ولأنه في الأمة الكافرة نقصان: نقص الرق ونقص الكفر وليس لكل واحد من النقصين تأثير في المنع من النكاح إذا انفرد وجب أن لا يكون لهما تأثير فيه إذا اجتمعا. ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] فجعل نكاح الأمة مشروطًا بالإيمان فلم يستبح مع عدمه قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ إلى قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] والمحصنات ها هنا الحرائر فاقتضى أن لا يحل نكاح إماء أهل الكتاب ولأن ذلك إجماع لأنه مروى عن عمر وابن مسعود وليس لهما مخالف ولأنها امرأة اجتمع فيها نقصان لكل واحد منهما تأثير في المنع من النكاح فوجب أن يكون اجتماعهما موجب لتحريمهما على المسلم كالحرة المجوسية أحد نقصيها الكفر والآخر عدم الكتاب. والأمة الكتابية أحد نقصيها الرق والآخر الكفر ولان نكاح المسلم للأمة الكافرة يفضى إلى أمرين يمنع الشرع من كل واحد منهما. أحد الأمرين: أن يصير ولدها المسلم مرقوقًا لكافر والشرع يمنع استرقاق كافر لمسلم. والثاني: أن يسبى المسلم لأن ولدها المسلم ملك لكافر وأموال الكافر يجب أن

стр. 4348

تسبى والشرع يمنع من سبى المسلم وإذا كان الشرع مانعًا بما يفضى إليه نكاح الأمة الكافر وجب أن يكون مانعًا من نكاح الأمة الكافرة. فأما الاستدلال بقوله تعالى: ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فالمراد به الاستمتاع بهن بملك اليمين لا بعقد النكاح فجاز أن يستولى فيه استباحة المسلمة والكتابية لأنه قد استقر عليها ملك مسلم فلم يفضي إلى سبى ولدها وكذلك الحكم في نكاح الأمة المسلمة فلم يجز الجمع بين نكاحها ونكاح الأمة الكافرة وأما قوله: أن كل واحد من النقصين لا يمنع فكذلك اجتماعهما. قلنا: لكل واحدة منهما تأثير في المنع فصار اجتماعهما مؤثر في التحريم. فصل: فإذا استقر ما ذكرنا من الشروط المعتبرة في نكاح الحر للأمة فنكحها وأولدها لم يخل حال الزوج من أن يكون عربيًا أو أعجميًا فإن كان عجميًا كان ولده منها مرقوقًا لسيدها وإن كان عربيًا ففيه قولان: أحدهما: يكون مرقوقًا لسيدها. والثاني: يكون حرًا وعلى الأب قيمته لقول النبي ﷺ "ولا يجرى على عربي صغار بعد هذا اليوم" والاسترقاق من أعظم الصغار فوجب أن ينتفي عن العرب ولأن ذلك مفض إلى استرقاق من ناسب النبي ﷺ في أقرب آبائه مع وصية الله تعالى بذوي القربى فلو نكح الحر مكاتبة كان في ولدها إن لم يكن عربيًا قولان: أحدهما: مملوك لسيدها. والثاني: تبع لها وإن كان عربيًا ففيه ثلاثة أقاويل: أحدهما: حر يعتق على أبيه بقيمته. والثاني: تبع لأمه يعتق بعتقها ويرق برقها. والثالث: أنه ملك لسيدها، والله أعلم. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَالعَبْدُ كَالُحرّ في أَنّ لَا يَحِلّ لَهُ نِكَاحُ أَمَةٍ كِتَابِيّةٍ". قال في الحاوي: وهذا كما قال: لا يجوز للعبد المسلم أن يتزوج بالأمة الكتابية كما لا يجوز أن يتزوج بها الحر المسلم وجوزه أبو حنيفة كما جوزه للحر وفرق بعض العراقيين بين الحر والعبد فجوز للعبد أن ينكح الأمة الكتابية ولم يجوزه للحر لأن العبد قد ساواها في نقص الرق واختصت معه بنقص الكفر فلم يمنعه أحد النقصين كما لم يمنع المسلم الحر أن ينكح الكتابية الحرة لاختصاصها معه بأحد النقصين وخالف نكاح الحر.

стр. 4349

المسلم للأمة الكتابية لاختصاصها معه بنقصين وهذا خطأ لأنه اجتماع النقصين فيها يمنع من جواز نكاحها كالوثنية الحرة لا ينكحها حر ولا عبد لاجتماع النقصين فاستوي في تحريمها بهما من ساواهما في أحدها أو خالفها فيهما فإذا أراد كتابي أن ينكح هذه الأمة الكتابية ودعي حاكمها إلى نكاحها ففي جوازه وجهان: أحدهما: يجوز أن يزوجه بها لأنها صارت باجتماع النقصين محرمة عندنا. والثاني: يجوز لاستوائهما في النقص كما يجوز أن يزوج وثنيًا بوثنية. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَأَيُّ صِنْفٍ حَلَّ نِكَاحَ حَرَائِرِهُمْ حَرَّمَ وَطْءَ إِمَائِهُمْ بِالمِلْكِ وَمَا حَرَّمَ نِكَاحَ حَرَائِرِهُمْ حَرَّمَ وَطْءَ إِمَائِهُمْ بِالمِلْكِ". قال في الحاوي: وهذا صحيح لأن الأمة قد تصير فراشًا بالوطء, كما تصير الحرة فراشًا بالعقد فأي صنف حل نكاح حرائرهم فهم المسلمون وأهل الكتاب من اليهود والنصارى حل وطء إمائهم بملك اليمين وهن الإماء المسلمات واليهوديات والنصرانيات وقد استمتع رسول الله ﷺ بأمتين بملك يمينه: إحداهما: مسلمة وهي مارية وأولدها ابنه إبراهيم, والأخرى يهودية وهي ريحانة, ثم بشر بإسلامها فسر به وأعتق أمتين وتزوجهما وجعل عتقهما صداقهما: إحداهما: جويرية والأخرى: صفية. فأما من لا يحل نكاح حرائرهم من المجوس وعبدة الأوثان فلا يحل وطء إمائهم بملك اليمين. وقال أبو ثور: كل وطء جمع الإماء بملك اليمين على أي كفر كانت من مجوسية أو وثنية أو دهرية استدلالًا بأن النبي ﷺ قال في ذات سبي هوازن وهن وثنيات: "ألا لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض" فأباح وطئهن بالملك بعد استبرائهن ولأن الوطء بملك اليمين أوسع حكمًا منه بعقد النكاح لأنه لا يستمتع من الإماء بمن شاء من غير عدد محصور ولا يحل بعقد النكاح أكثر من أربع فجاز لاتساع حكم الإماء أن يستمتع منهن بمن لا يجوز أن ينكحها من الوثنيات وهذا خطأ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] فكان على عمومه في الحرائر والإماء, ولأن المحرمات بعقد النكاح محرمات بملك اليمين كذوات الأنساب ولأن ما حرم به وطء ذوات الأنساب حرم به وطء الوثنيات كالنكاح. فأما سبي هوازن فعنه جوابان: أحدهما: يجوز أن يكون قبل تحريم المشركات في سورة البقرة.

стр. 4350

والثاني: يجوز أن يكن قد أسلمن لأنه في النساء رقة لا يثبتن معها بعد السبي على دين وأما الاستدلال باتساع حكمهن في العدد فليس للعدد تأثير في أوصاف التحريم كا لم يكن له تأثير في ذوات الأنساب, والله أعلم. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "وَلَا أَكْرَهُ نِكَاحَ نِسَاءِ أَهْلِ الحَرْبِ إِلَّا لِئَلَّا يُفْتَنَ عَنْ دِيِنِه أَوْ يُسْتَرَقَّ وَلَدُهُ". قال في الحاوي: وهو كما قال: لا يجوز للمسلم أن يتزوج الكتابية الحربية في دار الإسلام ودار الحرب, وأبطل العراقيون نكاحها في دار الحرب بناء على أصولها في أن عقود دار الحرب باطلة وهي عندنا صحيحة, ولأن صحة العقد ونساؤه معتبر بالعاقد والمعقود عليه دون الولد. ولأن الله تعالى قال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ولم يغرم, ولأن الحرية في إباحتهن الكتاب دون الدار, ولأنه لما جاز وطئهن بالسبي فأولى أن يجوز وطئهن بالنكاح, ولأن من حل نكاحها في دار الإسلام حل نكاحها في دار الحرب كالمسلمة, فإن صلح نكاح الحربية فهو عندنا مكروه لثلاثة أمور: أحدها: لئلا يفتن عن دينه بها أو بقومها فإن الرجل يصبو إلى زوجته بشدة ميله. والثاني: لئلا يكثر سوادهم بنزوله بينهم وقد قال النبي ﷺ : "من كثر سواد قوم فهو منهم". والثالث: لئلا يسترق ولده وتسبي زوجته لأن دار الحرب ثغر وتنغم فإن سبي ولده لم يسترق لأنه حر مسلم وإن سبيت زوجته ففيه قولان: أحدهما: يجوز استرقاقها لأن ما بينهما من عقد النكاح هو حق له عليها بالدين ولو كان له عليها دين لم يمنع من استرقاقها كذلك النكاح. والثاني: أنه قد ملك بعضها بالنكاح فلم يجز أن يستهلك عليه بالاسترقاق كما لو ملك منافعها بالإجارة ورقبتها بالشراء. باب التعريض بالخطبة مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى يَدُّلُّ عَلَى أَنَّ التَّعْرِيضَ فِي العِدَّةِ جَائِزٌ بِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ التَّعْرِيضِ وَقَدْ ذَكَرَ القَسَم بَعْضَهُ وَالتَّعْرِيضُ كَثِيرٌ, وَهُوَ خِلَافُ

стр. 4351

التَّصْرِيح وَهُوَ تَعْرِيضُ الرَّجلِ لِلمَرْأَةِ بِمَا يَدُلُّهَا بِهِ عَلَى إِرَادَةِ خِطْبَتِهَا بِغَيْرِ تَصْرِيحٍ وَتُجِيبُهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ وَالقُرْآن كَالدَّلِيل إِذَا أَبَاحَ التَّعْرِيضَ وَالتَّعْريضُ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ جَائِزٌ سِرًّا وَعَلَانِيَةً عَلَى أَنَّ السِّرَّ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ هُوَ الجِمَاعُ قَالَ امْرُؤُ القَيْسِ: أَلَا زَعَمَتْ بِسْبَاسَةُ القَوْمِ أَنَّنِي كَبِرتْ وَأَنْ لَا يُحْسِنَ السِّرَّ أَمْثَالِي كذَبَتِ لَقَدْ أُصْبِي عَنْ المَرْءِ عِرْسَهُ وَأَمْنَعُ عِرْسِي أَنْ يُزَنَّ بِهَا الخَالِي قال في الحاوي: اعلم أن النساء ثلاث: خلية وذات زوج ومعتدة فإن الخلية التي لا زوج لها وهي في عدة فيجوز خطبتها بالتعريض والتصريح وأما ذات الزوج فلا يحل خطبتها بتعريض ولا تصريح وأما المعتدة فعلى ثلاثة أقسام: أحدها: أن تكون رجعية. والثاني: أن تكون بائنًا لا تحل للزوج. والثالث: أن تكون بائنًا تحل للزوج. فأما الرجعية فلا يجوز لغير الزوج أن يخطبها تصريحًا ولا تعرضًا لأن أحكام الزوجية عليها جارية من وجوب النفقة ووقوع الطلاق والظهار منها, وإنما يتوارثان إن مات أحدهما, ويعتد عدة الوفاة إن مات الزوج ومتى أراد الزوج رجعتها في العدة كانت زوجته. فصل وأما البائن لا تحل للزوج فالمطلقة ثلاثًا أو المتوفي عنها زوجها وإن لم يتوجه إلى الزوج بعد موته تحليل ولا تحريم, فإذا كان في عدة من وفاة زوج فحرام أن يصرح أحد بخطبتها لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَه﴾ [البقرة: ٢٣٥] يريد بالعزم على عقدة النكاح التصريح بالخطبة وبقوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَه﴾ يريد انقضاء العدة ولأن في المرأة من غلبة الشهوة والرغبة في الأزواج ما ربما يبعثها على الإخبار بانقضاء العدة قبل أوانها. وقولها في انقضاء العدة مقبول فتصير منكوحة في العدة فحظر الله تعالى التصريح بخطبتها حسمًا لهذا التوهم, فأما التعريض بخطبتها في العدة بما يخالف التصريح من القول المحتمل فجائز, قال الله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٥] يعني بما عرضتم من جميل القول أو كنتم في أنفسكم من عقد النكاح. وروى عن أم سلمة أن النبي ﷺ جاءها بعد موت أبي سلمة وهي تبكي وقد وضعت خدها على التراب حزنًا على أبي سلمة فقال النبي ﷺ : "قولي إنا لله وإنا إليه راجعون, اللهم اغفر لي وله واعقبني منه وعوضني خيرًا منه" قالت أم سلمة: فقلت في نفسي من خير من أبي سلمة أول المهاجرين هجرة, وابن عم رسول الله ﷺ , وابن عمي, فلما

стр. 4352

تزوجني رسول الله ﷺ علمت أنه خير منه. فدَّلت الآية, والخبر على جواز التعريض بخطبة المعتدة من الوفاة, وأما المعتدة من الطلاق فثلاث فلا يجوز للزوج المطلق أن يخطبها بصريح ولا تعريض؛ لأنها لا تحل له بعد العدة فحرمت عليه الخطبة. وأما غير المطلق فلا يجوز له أن يصرح بخطبتها, ويجوز أن يعرض لها لما روي أن فاطمة بنت قيس طلقها زوجها أبو عمرو بن حفص ثلاثًا فقال لها النبي ﷺ وهي في العدة: "إذا أحللت فآذنيني" وروت أنه قال لها: "إذا حلت فلا تسبقيني بنفسك" فكان ذلك تعريضًا لها. وفي معنى المطلقة ثلاثًا: الملاعنة, والمحرمة بمصاهرة أو رضاع, فإذا حل التعريض بخطبتها ففي كراهيته قولان: أحدهما: قال في كتاب "الأم": إنه مكروه؛ لأن الآية واردة في المتوفي عنها زوجها. والثاني: أنه غير مكروه قاله في القديم "والإملاء". قال الشافعي: لو قال قائل: أمرها في ذلك أخف من المتوفي عنها زوجها جاز ذلك لان هناك مطلق به يمنع من تزويجها قبل العدة. فصل: وأما البائن التي تحل للزوج فهي المختلفة إذا كانت في عدتها يجوز للزوج أن يصرح بخطبتها لأنه يحل أن يتزوجها في عدتها فأما غير الزوج فلا يجوز أن يصرح بخطبتها وفي جواز تعريضه لها بالخطبة قولان: أحدهما: لا يجوز لإباحتها للمطلقة كالرجعية قال في كتاب البويطي. والثاني: لا يجوز لأن الزوج لا يملك رجعتها كالمطلقة ثلاثًا قال في أكثر كتبه وفي معنى المختلعة الموطوءة بشبهة يجوز للوطء أن يصرح بخطبتها في العدة لأنها منه ويحل له نكاحها في العدة ولا يجوز لغيره أن يصرح بخطبتها وفي جواز تعريضه قولان: فصل: فإذا ثبت فرق ما بين التصريح والتعريض فالتصريح ما زال عنه الاحتمال وتحقق منه المقصود مثل قوله: أنا راغب في نكاحك وأريد أن أتزوجك أو يقول إذا قضيت عدتك فزوجيني بنفسك. وأما التعريض: فهو الإشارة بالكلام المحتمل إلى ما ليس فيه ذكر مثل قوله: رب

стр. 4353

رجل يرغب فيك أو أنني أرغب أو ما عليك إثم أو لعل الله أن يسوق إليك خيرًا أو لعل الله أن يحدث لك أمرًا فإذا أحللت فآذنيني إلى ما جرى مجرى ذلك وسواء أضاف ذلك إلى نفسه أو أطلق إذا لم يصرح باسم النكاح وكان محتمل أن يريده بكلامه أو يريد غيره وإذا حل للرجل أن يخطبها بالتصريح حل لها ان تجيبه على الخطبة بالتصريح وإذا حرم عليه أن يخطبها إلا بالتعريض دون التصريح حرم عليها أن تجيبه إلا بالتعريض دون التصريح ليكون جوابها مثل خطبته. فصل: وإذا حل التعريض لها بالخطبة جاز سرًا أو جهرًا وقال داود وطائفة من أهل الظاهر: لا يجوز أن يعرض لها بالخطبة سرًا حتى يجهر استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: ٢٣٥] وهذا خطأ لأن التعريض لما حل اقتضى أن يستوي فيه السر والجهر. فأما قوله: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ ففيه لأهل التأويل أربعة أقاويل: أحدها: أنه الزنا قاله الحسن, والضحاك, وقتادة والسدي. والثاني: ألا تنكحوهن في عددهن سراً, قاله عبد الرحمن بن يزيد. والثالث: ألا تأخذوا ميثاقهن ووعودهن في عددهن أن لا ينكحن غيركم قال ابن عباس وسعيد بن جبير والشعبي. والرابع: أنه الجماع قال الشافعي وسمى سرًا لأنه يسر ولا يظهر واستشهد الشافعي بقول أمرئ القيس: أَلَا زَعَمَتْ بَسْبَاسَةُ القَوْمِ أَنَّنِي كَبِرتْ وَأَنْ لَا يُحْسِنَ السِّرَّ أَمْثَالِي كَذَبَتِ لَقَدْ أُصْبِي عَنْ المَرْءِ عِرْسَهُ وَأَمنَعُ عِرْسِي أَنْ يُزَنَّ بِهَا الخَالِي وقال آخر: وَيحْرٌمٌ سِرُّ جَارَتهُمُ عَلَيْهِمْ وَيَاكُلُ جَارُهُمْ أُنُفَ القِصَاعِ مواعدته لها بالسر الذي هو الجماع أن يقول لها: أنا كثير الجماع قوي الإتعاظ فحرم الله تعالى ذلك لفحشه وأنه ربما أثار الشهوة فلم يؤمن معه مواقعة الحرام وقد روى ابن لهيعة عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ : "إنه نهى عن الشياع" يعني المفاخرة بالجماع.

стр. 4354

فصل: فلو أن رجلًا صرح بخطبة معتدة وتزوجها بعد انقضاء العدة كان النكاح جائزًا وإن لم يصرح بالخطبة. وقال مالك: يفرق بينهما بطلق ثم يستأنف العقد عليها وهذا خطأ؛ لأن ما قدمناه قبل العقد من قول محظور كالقذف أو فعل محظور كإظهار سوأته أو تجرده عن ثيابه لا يمنع من صحة العقد وإن أثم به كذلك التصريح بالخطبة والله اعلم بالصواب. باب النهي أن يخطب الرجل على خطبة أخيه قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "أَخْبَرَنَا مَالِك بْنِ أَنَسٍ عَنْ نَافِع عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا يَخْطُبُ أَحَدَكُمُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ" وَقَالَ ﵊ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: "إِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي" قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ أَخْبَرْتُهُ أَنَّ مُعَاوِيَة وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي فَقَالَ: "أَمَّا مُعَاوِيَةَ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ انكِحِي أُسَامَةَ" فَدَلَّتْ خِطْبَتُهُ عَلَى خِطْبَتِهِمَا أَنَّهَا خِلَافُ الَّذِي نَهَى عَنْهُ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ إِذَا كانَتْ قَدْ أَذِنَتْ فِيهِ فَكَانَ هَذَا فَسَادًا عَلَيْهِ وَفِي الفَسَادِ مَا يُشْبِهُ الِإضْرَارَ وَاللهُ أَعْلَمُ. وَفَاطِمَةُ لَمْ تَكُنْ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا أَذِنَتْ فِي أحدهما". قال في الحاوي: وهذا صحيح. وقد روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه" وروى أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ : "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك" وهذان الحديثان صحيحان وليس النهي فيهما محمولًا على الظاهر من تغيير حال المخطوبة فإذا خطب الرجل نكاح امرأة لم يخل حالها من أربعة أقسام: القسم الأول: إما أن يأذن له في نكاحها فتحرم بعد إذنها على غيره من الرجال أن يخطبها لنهيه ﷺ عنه حفظًا للألفة ومنعًا من الفساد وحسمًا للتقاطع وسواء كان الأول كفؤًا أو غير كفء. وقال ابن الماجشون: إن كان الأول غير كفء لم تحرم على غيره من الأكفاء خطبتها بناء على صله في أن نكاح غير الكفؤ باطل وأن تراضى به الأهلون وقد تقدم الدليل على صحة نكاحه فإن رجع الأول عن خطبته أو رجع المرأة عن إجابته ارتفع حكم الإذن وعادت إلى الحال الأولى في إباحة خطبتها لحديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك".

стр. 4355

والقسم الثاني: أن ترد خاطبها وتمنع من نكاحه فيجوز لغيره من الرجال أن يخطبها لأن المقصود بالنهي عن الخطبة رفع الضرر والمنع من التقاطع فلو حمل النهي على ظاهره فيمن لم تأذن له حل الضرر عليها. والقسم الثالث: أن تمسك عن خطبتها فلا يكون منها إذن ولا رضا ولا يكون منها رد ولا كراهية فيجوز خطبتها وإن تقدم الأول بها لحديث فاطمة بنت قيس المخزومية أن زوجها أبا عمرو بن حفص بت طلاقها. فقال النبي ﷺ : إذا حللت فأذنيني فلما حلت جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله قد خطبني معاوية وأبو جهم فقال النبي ﷺ : "أما معاوية فصعلوك لا مال له وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه". وروى عطاء عن عبد الرحمن بن عاصم عن فاطمة بنت قيس أن النبي ﷺ قال لها: "أما أبو الجهم فأخاف عليك فسفاسته, وأما معاوية فرجل أخلق من المال" أما الفسفاسة: فهي العصا وأما الأخلق من المال فهو الخلو منه, انكحي أسامه بن زيد قالت: فكرهته ثم أطعت رسول الله ﷺ فنكحته فرزقت منه خيرًا واغتبطت به فكان الدليل من الحديث من وجهين: أحدهما: أن أحد الرجلين قد خطبها بعد صاحبه فلم يذكر النبي ﷺ تحريمه. والثاني: أن النبي ﷺ قد خطبها لأسامة بعد خطبتها فدل على أن الإمساك عن الإجابة لا يقتضي الخطبة. والقسم الرابع: أن يظهر منها الرضا بالخاطب ولا تأذن في العقد وذلك بأن تقرر صداقها أو بشرط ما تريد من الشروط لنفسها ففي تحريم خطبتها قولان: أحدهما: وبه قال في القديم وهو مذهب مالك أنها تحرم خطبتها بالرضا استدلالًا بعموم النهي. والثاني: وبه قال في الجديد انه لا تحرم خطبتها بالرضا حتى يصرح بالإذن لأن الأصل إباحة الخطبة ما لم تتحقق شروط الحظر فعلى هذا وإن اقترن برضاها أذن الولي فيه نظر فإن كانت ثيبًا لا تزوج إلا بصريح الإذن لم تحرم خطبتها وإن كانت بكرًا فيكون الرضا والسكوت منها إذنًا حرمت خطبتها برضاها وإذن وليها وهاهنا قسم خامس وهو أن يأذن وليها من غير أن يكون منها إذن أو رضي فإن كان هذا الولي ممن يزوج بغير إذن كالأب والجد مع البكر حرمت خطبتها بإذن الولي وإن كان ممن لا يزوج إلا بإذن لم تحرم خطبتها بإذن الولي حتى تكون هي الآذنة فيه. فصل: فإن ثبت تحريم خطبتها على ما وصفنا من أحكام هذه الأقسام فأقدم رجل على

стр. 4356

خطبتها مع تحريمه عليها وتزوجه فكان آثمًا بالخطبة والنكاح جائز وقال داود: النكاح باطل. وقال مالك: يصح بطلقة استلالًا بأن النهي يقتضي فساد النهي عنه ولقول النبي ﷺ : "من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد" وبقوله ﷺ : "من عمل ما ليس عليه أمرنا فهو رد". والدليل على صحة النكاح هو أن ما تقدم من العقد غير معتبر فيه فلم يؤثر في فساده لأن النهي إذا كان لمعنى في غير المعقود عليه لم يمنع من الصحة كالنهي عن أن يسوم الرجل على سوم أخيه أو أن يبيع حاضر لبادٍ فأما الاستدلال بالخبرين فيقتضي روما توجه النهي إليه وهو الخطبة دون العقد. فصل: فأما حديث فاطمة بنت قيس ففيه دلائل على أحكام منها ما ذكرناه من أن السكوت لا يقتضي تحريم الحظر. ومنها جواز ذكر ما في الإنسان عند السؤال عنه لأن النبي ﷺ قال في معاوية: "إنه صعلوك لا مال له" والتصعلك التحمل والاضطراب في الفقر. قال الشاعر: غَنَيْنَا زَمَانًا بِالتَّصَعْلُكِ وَالغِنَى وَكُلًّا سَقَانَاهُ بِكَاسَيْهِمَا الدَّهْرُ فَمَا زَادَ بَغْيًا على ذِي قَرَابَةٍ غِنَا وَلَا أَزْرَى بِأَحْسَابنَا الفَقْرُ وقال في أبي جهم: "لا يضع عصاه عن عاتقه" وفيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه أراد به كثرة ضربه لأهله. والثاني: أنه أراد به كثرة أسفاره يقال لمن سافر: قد أخذ عصاه ولمن أقام قد التقى عصاه, قال الشاعر: فَأَلْقَتْ عَصَاهَا وَاسْتَقَرَّ بِهَا النَّوَى كَمَا قَرَّ عَيْنًا بِالِإيَابِ المسَافِرُ والثالث: أنه أراد به كثرة تزويجه لتنقله من زوجة إلى أخي كتنقل المسافر بالعصي من مدينة إلى أخرى ومن دلائل الخبر أيضًا جواز الابتداء بالمشورة من غير استشارة فإن النبي ﷺ أشار بأسامة من غير أن تسأله عنه. ومنها أن طلاق الثلاث مباح لأن النبي ﷺ ما أنكره في فاطمة حين أخبرته ومنها جواز خروج المعتدة في زمان عدتها لحاجة لأنها خرجت إليه فأخبرته بطلاقها فقال لها: "إذا حللت فآذنيني" ومنها جواز كلام المرأة وإن اعتدت وإن كلامها ليس بعورة.

стр. 4357

ومنها جواز نكاح غير كفء لأنها في صميم قريش من بني مخزوم وأمرها أن تتزوج أسامه وهو مولى إلى غير ذلك من سقوط نفقة المبتوتة ووجوب نفقة الرجعية على ما سنذكره والله ولي التوفيق. باب نكاح المشرك ومن أسلم وعنده أكثر من أربع قَالَ الشَّافِعيُّ: "أَخْبَرَنا الثِّقَةُ أَحْسَبُهُ إِسْمَاعِيل بْنِ إِبْراهِيمَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِم بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَسْلَمُ غَيْلانُ بْن سَلَمَةَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ" وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُل يُقَالُ لَهُ الدَّيْلَمِي أَوْ ابْنُ الدَّيْلَمِي: أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ أُخْتَانِ: "اخْتَرْ أَيَّتُهُمَا شِئْتَ وَفَارِق الأُخْرَى" وَقَالَ لِنُوْفَلِ بْن مُعَاوِيَةَ وَعِنْدَهُ خَمْسٌ: "فَارِقْ وَاحِدَةً وَأَمْسِكْ أَرْبَعًا" قَالَ: فَعَمِدتُ إِلَى أَقْدَمِهِنَّ فَفَارَقْتُهَا, قَالَ الشَّافِعِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَبِهَذَا أَقُولُ وَلَا أُبَالِي أَكُنَّ فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَة أَوْ فِي عُقَدٍ مُتَفَرِّقَةٍ إِذَا كَانَ مَنْ يُمْسِكُ مِنْهُنّ يَجُوزُ أَنْ يَبْتَدِئ نِكَاحَهَا فِيِ الإِسْلَام مَا لَمْ تَنْقَضِ العِدَّةُ قَبْلَ اجْتِمَاعِ إِسْلَامِهِمَا لَأنَّ أَبَا سُفْيَانَ وَحَكِيمَ بْنَ حِزَام أَسْلَمَا قَبْلُ ثُمَّ أَسْلَمَتِ امْرَأَتَاهُمَا فَاسْتَقَرَّتْ كُلُ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عِنْدَ زَوَجِهَا بِالِّنكَاحِ الأَوَّلِ وَأَسْلَمَتِ امْرَأَةُ صَفْوَانَ وَامْرَأَةُ عِكْرِمَةَ ثُّم أَسْلَمَا فَاسْتَقَرَّتَا بِالنِكَاحِ الأَوَّلِ وَذَلِكَ قَبْلَ انْقِضَاءِ العِدَّةِ". قال في الحاوي: وهذا كما قال: الأصل تحريم التناكح بين المسلمين والمشركين قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١] وقال تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] وقال النبي ﷺ : "أنا برئ من كل مسلم مع مشرك" وإذا كان كذلك المسلمة لا تحل لكافر بحال سواء كان الكافر كتابيًا أو وثَنِيًا فأما المسلم فيحل له من الكفار الكتابيات من اليهود والنصارى على ما ذكرنا ويحرم عليه ما عداهن من المشركات. فأما إذا تناكح المشركون في الشرك فلا اعتراض عليهم فيها فإن أسلموا عليها فمنصوص الشافعي في أكثر كتبه جواز مناكحهم وإقرارهم عليها بعد إسلامهم لأن النبي ﷺ أقر من أسلم على نكاح زوجته. وروى داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس: قال: رد رسول الله ﷺ بنته زينب على أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول ولم يحدث شيء. وقال الشافعي في كتبه: إن مناكحهم باطلة. وقال في موضع آخر: إنها معفو عنها, فغلظ بعض أصحابنا فخرج اختلاف هذه النصوص الثلاثة على ثلاثة أقاويل الذي عليه جمهورهم أنه ليس ذلك لاختلاف أقاويله فيها ولكنه لاختلاف أحوال مناكحهم وهي على ثلاثة أقسام: صحيحة, وباطلة, ومعفو عنها.

стр. 4358

فأما الصحيح منها فهو أن يتزوج الكافر الكافرة بولي وشاهدين بلفظ النكاح وليس بينهما نسب يوجب التحريم فهذا النكاح صحيح فإذا أسلموا عليه أقروا وهو الذي أراده الشافعي بالصحة. فأما الباطل منها فهو أن يتزوج في الشرك بمن تحرم عليه بنسب أو رضاع أو مصاهرة فهذا النكاح باطل فإذا أسلموا عليه لم يقروا وكذلك لو نكحها بخيار مؤبد وهذا الذي أراده الشافعي بأنه باطل. وأما المعفو عنه: فهو أن يتزوج من لا تحرم عليه بنسب ولا رضاع ولا مصاهرة بما يرونه نكاحًا من غير ولي ولا شهود ولا بلفظ نكاح ولا تزويج فهذا معفو عنه. فإذا أسلموا قروا عليه لأن رسول الله ﷺ لم يكشف عن مناكح من أسلم من المشركين وهو الذي أراده الشافعي بأنه معفو عنه والله أعلم. فصل: فإذا تقرر جواز مناكحهم فلهم إذا حدث بينهم إسلام حالتان: أحدهما: أن يسلم الزوجان معًا. والثانية: أن يسلم أحدهما فإن أسلم الزوجان معًا فإن يكن للزوج أكثر من أربع زوجات بأن كان له أربع فما دون وأسلمن كلهن معه في حالة واحدة ثبت نكاحهن كلهن سواء كان إسلامه وإسلامهن قبل الدخول أو بعده وإن كان له خمس زوجات فما زاد وقد أسلم جميعهن بإسلامه كان له أن يختار من جملتهن أربعًا سواء نكحهن جميعهن في الشرك في عقد واحد أو في عقود وسواء أمسك الأوائل والأواخر وينفسخ نكاح البواقي بغير طلاق وبمثل قولنا قال مالك ومحمد بن الحسن وأبو ثور إلا أن مالكًا قال: لا ينفسخ نكاح البواقي بعد الأربع إلا بطلاق وهكذا لو نكح في الشرك أختين ثم أسلمتا معًا أمسك أيتهما شاء وانفسخ نكاح الأخرى بغير طلاق عندنا وبطلاق عند مالك. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا اعتبار بخياره وإنما الاعتبار بعقده فإنه تزوج في الشرك عشرًا في عقد واحد ثم أسلمن معه بطل نكاح جميعهن فإن تزوجهن في عقود ثبت نكاح الأربع الأوائل وبطل نكاح من بعدهن من الأواخر اعتبارًا بنكاح المسلم وهكذا لو أنكح أختين أسلمتا معه نظر فإن كان من نكحهما في عقد واحد بطل نكاحهما وإن كان في عقدين ثبت نكاح الأولى منهما وبطل نكاح الثانية. وقال الأوزاعي: إن نكحهن في عقود ثبت نكاح الأربع الأوائل وإن نكحهن في عقد واحد لم يبطل نكاحهن واختار منهن أربعًا واستدل أبي حنيفة بما روي أن النبي ﷺ بعث معاذًا إلى اليمين فقال له: "أدعهم إلى الشهادة أن لا إلاه إلا الله فإن أجابوك أعلمهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين" ثم ثبت أن المسلم لو نكح خمسًا في عقد بطل نكاحهن ولو نكحهن في عقود ثبت نكاح الأربع الأوائل وبطل نكاح من بعدهن من الأواخر كذلك نكاح المشرك إذا أسلم.

стр. 4359

قال: ولأنه تحريم جميع فوجب أن لا يثبت فيه خيار قياسًا على إسلام المرأة مع زوجين قال: ولأنه تحريم يستوي فيه الابتداء والاستدامة منه فوجب أن يستوي فيه المسلم والكافر قياسًا على تحريم ذوات المحارم. قال: ولأنه عقد اشتمل على أكثر من أربع فوجب أن يكون باطلًا قياسًا على عقد المسلم. ودليلنا ما رواه الشافعي في صدر الباب أن غيلان بن سلمة أسلم وأسلم معه عشر نسوة فقال النبي ﷺ : "أمسك أربع منهن" ولم يسأله عن عقودهن فدل على أنه قد رد ذلك إلى اختياره فيهن، بل قد روي أن غيلان بن سلمة قال: فكنت من أريدها أقول لها: اقبلي. ومن لا أريدها أقول لها: أدبري وهي تقول: بالرحم بالرحم. وهذا نص صريح في تمسكه بمن اختار لا بمن تقدم. وروي عن نوفل بن معاوية أنه قال: أسلمت وعندي خمس نسوة فذكرت ذلك النبي ﷺ فقال: "أمسك أربعاً وفارق واحدة" قال: فعمدت إلى أقدمهن صحبة ففارقتها فدل على جواز إمساك الأواخر دون الأوائل. وروى الضحاك ابن فيروز الديلمي عن أبيه قال: أسلمت وتحتي أختان فقال النبي ﷺ : "أمسك أيتهما شئت وفارق الأخرى". وهذا نص في التخيير. وروي أن رجلًا من بني أسد أسلم وتحته ثمانية نسوة فقال النبي ﷺ : "اختر منهن أربعًا" قال: فاخترت منهن أربعًا. وكل هذه الأخبار نصوص في التخيير. ومن طريق القياس: أن كل امرأة حل له ابتداء العقد عليها في الإسلام حل له المقام عليها في الإسلام بالعقد الناجز في الشرك قياسًا على النكاح بعد الشهود. وقولنا بعقد ناجز: احترازًا من نكاحها في الشرك بخيار مؤبد ولأنه عدد يجوز له ابتداء العقد عليهن فجاز له إمساكهن كالأوائل. ومن الاستدلال أنه لو تزوج في الشرك أختين واحدة بعد الأخرى ثم ماتت الأولى وأسلمت معه الثانية جاز له استبدالها فكذلك إذا كانت الأولى باقية ولأنه لما جاز أن يستديم المقام في الإسلام على عقد نكاح في الشرك لا يجوز أن يبتدئ مثله في الإسلام وهو أن يكون قد نكحها بغير شهود جاز مثله في جمع العدد وفي الأواخر. فأما الجواب عن استدلالهم بالخبر فمن يقول بموجبه إننا نحرم عليه الزيادة على أربع كالذي لم يزل مسلمًا.

стр. 4360

فأما قياسهم على المرأة إذا أسلمت مع زوجين تعليلًا بأن تحريم جمع فالتعليل غير مسلم لأنه لم يحرم على المرأة الزوج الثاني بعد الأول لأجل الجمع ولكن لأن الأول قد ملك بضعها فصارت عاقدة مع الثاني على ما قد ملكه الأول عليها فجرى مجرى من باع ملكًا ثم باعه من آخر بطل البيع الثاني لأجل الجمع ولكن يعقده على ما قد خرج عن ملكه كذلك نكاح الزواج الثاني وخالف نكاح الخامسة لأنها غير مملوكة البضع كالرابعة. وأما قياسهم على ذوات المحارم فالمعنى فيهن: أنه لما حرام ابتداء العقد عليهن حرم استدامة نكاحهن وليس الأواخر. وأما قياسهم على المسلم فالمعنى فيه أن عقود المسلم أضيق حكمًا وأغلظ شرطًا من عقود المشرك ألا تراه لو نكح في عدة أو بغير شهود بطل ولو أسلم المشرك عليه أقر كذلك الأواخر. فصل فأما الحال الثانية: وهو أن يسلم أحد الزوجين فينظر فإن أسلم الزوج وزوجته كتابية فالنكاح بحاله لأنه يجوز أن يبتدئ نكاحها في الإسلام فجاز أن يستديم نكاحها في الشرك وإن كانت زوجته أو أسلمت وكان زوجها كتابيًا أو وثنيًا فكل ذلك سواء لأن الجمع بينهما بعد إسلام أحدهما محرم وإذا كان كذلك نظر في إسلام أحدهما فإن كان قبل الدخول بطل النكاح وإن كان بعده كان موقوفًا على انقضاء العدة فإن أسلمتا المتأخر في الشرك منهما قبل انقضائها كانا على النكاح وإن لم يسلم حتى انقضت بطل النكاح وسواء تقدم بالإسلام الزوج أو الزوجة وسواء كان الإسلام في دار الحرب أو دار الإسلام. وقال مالك: إن تقدمت الزوجة بالإسلام كان الحكم على ما ذكرناه إن كان قبل الدخول بطل النكاح وإن كان بعده على انقضاء العدة وإن تقدم الزوج بالإسلام كان النكاح باطلًا إلا أن تسلم الزوجة بعده بزمان يسير كيوم أو يومين. وقال أبو حنيفة: إن أسلم أحدهما فلهما ثلاثة أحوال: حال يكونان في دار الحرب وحال يكونان في دار الإسلام وحال يكون أحدهما في دار الحرب والآخر في دار الإسلام. فإن كانا في دار الحرب فأسلم أحدهما فالنكاح موقوف على انقضاء العدة سواء كانت قبل الدخول أو بعده. وإن كانا في دار الإسلام فأسلم أحدهما كان النكاح موقوفًا على الأبد قبل الدخول وبعده إلا أن يعرض الإسلام على المتأخر في الشرك فيمتنع فيوقع الحاكم الفرقة بطلقة وإن كان أحدهما في دار الحرب والآخر في دار الإسلام فإسلام من حصل في ذلك الإسلام يوجب لفسخ النكاح في الحال قبل الدخول وبعده من غير وقف وسواء كان المسلم هو الزوج أو الزوجة. وقال داود وأبو ثور: إسلام أحدهما دوم الآخر موجب لفسخ النكاح في الحال من

стр. 4361

غير وقف على أي حال كان إسلامه وفي أي مكان كان. فأما مالك فاستدل لمذهبه بقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] فوجب أن يحرم على المسلم التمسك بعصمة كافر ولأن إسلام أحد الزوجين إذا كان مؤثرًا في الفرقة كان معتبرًا بإسلام الزوج دون الزوجة لأن الفرقة إلى الرجل دون النساء. والدليل عليه ما روي أن أبا سفيان وحكيم بن حزام أسلما على يد رسول الله ﷺ بمرّ الظهران وزوجناهما في الشرك بمكة فأنقذ رسول الله ﷺ أبا هريرة إلى هند زوجة أبي سفيان فقرأ عليهما القرآن وعرض عليها الإسلام فأبت ثم أسلمت وزوجة حكيم أسلمت على يد رسول الله ﷺ فأقرهما على النكاح مع تقدم إسلام الزوجين ولأن حظر المسلمة على الكافر أغلظ من حظر الكافرة على المسلم لأن المسلمة لا تحل للكتابي والمسلم تحل له الكتابية فلما لم يتعجل فسخ نكاح المسلمة مع الكافر فأولى أن لا يتعجل فسخ نكاح الكافر مع المسلمة. فأما الآية فلا دليل فيها لأنه ممنوع أن يتمسك بعصمتها في الكفر وإنما تمسك بعصمتها بعد الإسلام. وأما استدلاله بأن الفرقة إلى الزوج دون الزوجة فذاك في فرقة الاختيار التي يوقعها المالك والطلاق فأما فرقة الفسوخ فيستوي فيها الزوجان. فصل: فأما أبو حنيفة فاستدل على وقوع الفرقة باختلاف الدارين من غير توقف بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] فاقتضى أن تحرم عليه بالإسلام سواء أسلم بعدها أو لم يسلم وبرواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن زينب بنت رسول الله ﷺ هاجرت إليه وتخلف زوجها أبو العاص بن ربيع كافرًا بمكة، ثم أسلم فردها عليه بنكاح جديد، فدل على وقوع الفرقة. قال: ولأن اختلاف الدار بهما حكمًا وفعلًا يوجب الفرقة بينهما قياسًا على سبي أحدهما واسترقاقه. قال: ولأن دار الحرب غلبة وقهر، لأن من غلب فيها على شيء ملكه ألا ترى لو غلب العبد سيده على نفسه صار العبد حرًا وصار السيد عبدًا ولو غلبت المرأة زوجها على نفسه بطل نكاحها وصار الزوج لها عبدًا فاقتضى أن تصير الزوجة بإسلامها إذا هاجرت من دار الحرب متغلبة على نفسها فوجب أن يبطل نكاحها. والدليل على أن اختلاف الدارين لا يوجب وقوع الفرقة بإسلام أحد الزوجين ما روي أن أبا سفيان بن حرب وحكيم بن حزام أسلما بمرّ الظهران وهي بحلول رسول الله ﷺ فيها واستيلائه عليها دار إسلام وزوجناهما على الشرك بمكة وهي إذ ذاك دار

стр. 4362

الحرب ثم أسلمتا بعد الفتح فأقرهما رسول الله ﷺ على النكاح. فإن قيل: مرّ الظهران من سواد مكة وتابعة لها في الحكم فلم يكن إسلامها إلا في دار واحدة، ففيه جوابان: أحدهما: أن مرّ الظهران دار الخزاعة محازة عن حكم مكة لأن خزاعة كانت في حلف رسول الله ﷺ وكانت بنو بكر في حلف قريش ولنصرة النبي ﷺ لخزاعة صار إلى قريش بمكة. والثاني: أن مرّ الظهران لو كان من سواء مكة لجاز أن ينفرد عن حكمها باستيلاء الإسلام عليها كما لو فتح المسلمون سواد بلد من دار الحرب صار ذلك السواد دار إسلام. وإن كان البلد دار الحرب ويدل على ذلك ما روي أن النبي ﷺ لما دخل مكة عام الفتح هرب صفوان بن أمية إلى الطائف وهرب عكرمة بن أبي جهل إلى ساحل البحر مشركين فأسلمت زوجاتهما بمكة وكانت زوجة صفوان برزة بنت مسعود بن عمرو الثقفي وزوجة عكرمة أم عكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة وأخذتا من رسول الله ﷺ أمانًا لهما فدخل صفوان من الطائف بالأمان وأقام على شركة حتى شهد مع رسول الله ﷺ حنينًا وأعار سلاحًا ثم أسلم وعاد عكرمة من ساحل البحر وقد عزم على ركوبه هربًا فأسلم فأقرهما رسول الله ﷺ مع زوجتيهما مع اختلاف الدارين بهما؛ لأن مكة كانت قد صارت بالفتح دار إسلام وكانت الطائف والساحل دار الحرب. فإن قيل: هما من سواء مكة وفي حكمها. فالجواب عنه بما مضى، ومن القياس: أنه إسلام بعد الإصابة فوجب إذا اجتمعا عليه في العدة أن لا تقع به الفرقة قياسًا على اجتماع إسلامها في دار الحرب ولأن ما كانت البينونة بعد منتظرة لم يؤثر فيه اختلاف الدارين كالطلاق الرجعي وما كانت البينونة معجلة لم يؤثر فيه اتفاق الدارين كالطلاق الثلاث فوجب أن يكون الفرقة بالإسلام ملحقة بأحدهما. فأما الجواب عن استدلالهم بالآية فنحن نقول بموجبها لأنها لا ترد المسلمة إلى كافر ولا تحلها له ولا تمسك بعصمة كافرة. وإنما يردها إلى مسلم ويمسك بعصمة مسلمة وأما الجواب عن حديث زينب فمن وجهين: أحدهما: ما رواه عن ابن عباس أن النبي ﷺ ردها عليه بالنكاح الأول. والثاني: أنه يجوز أن استأنف لها نكاحًا لأنه أسلم بعد انقضاء العدة حين أسره أبو بصير الثقفي بسيف البحر من نحو الجار. وأما قياسهم على السبي والاسترقاق فليس المعنى فيه افتراق الدارين إنما حدوث الاسترقاق ألا ترى أنه لو استرق أحدهما وهما في دار الحرب بطل النكاح ولو استرقا معًا بطل النكاح فصار السبي مخالفًا للإسلام على أن الفرقة بالاسترقاق غير منتظرة بحال والفرقة بالإسلام منتظرة في حال فافترقا. وأما الاستدلال بأنها متغلبة على بعضها فلا يصح لأن الأعيان تملك بالتغلب دون الأبضاع. ألا ترى أن مسلمًا لو غلب على بضع مشركة لم تصر زوجة ولم يصر زوجًا ولو تغلب

стр. 4363

على رقبتها صارت ملكًا. فصل: واستدل أبو حنيفة على أن إسلام أحدهما قبل الدخول لا يوجب تعجيل الفرقة بأنه إسلام طرأ على نكاح فوجب أن لا يبطله قياسًا على إسلامهما معًا ولأن الإسلام سبب يستباح به النكاح لأن الكافر لا يستبيح المسلمة إلا يسلم وما كان سببًا في إباحة المحظور لم يكن سببًا في حظر المباح. ودليلنا عليه هو اختلاف الدارين إذا منع تأييد المقام على النكاح تعجلت به الفرقة إذا كان قبل الدخول كالردة ولأن كل سبب إذا وجد بعد الدخول لم تقع به الفرقة إلا بانقضاء العدة وجب إذا وجد قبل الدخول أن تعجل به الفرقة كالطلاق الرجعي. فأما قياسه على إسلامهما معًا فلأنه يجوز بإسلامهما تأبيد المقام على النكاح فكان على صحته وإسلام أحدهما يمنع تأبيد المقام فتعجل به فسخ العقد على أن القياس منتقض بالردة قبل الدخول فإنه يقول: لو ارتدا معًا قبل الدخول كانا على النكاح ثم لم أسلم أحدهما بطل النكاح. وأما استدلاله بأن ما كان سببًا في الإباحة لم يكن سببًا في الحظر ففاسد بالطلاق وهو سبب لتحريم المطلقة وإباحة أختها وسبب لإباحتها لغير مطلقها وإن كان سبب لتحريمها على مطلقها ثم لما لم يمنع أن يكون الإسلام الذي هو سبب الإباحة سببًا للتحريم بعد انقضاء العدة وكذلك قبلها. واستدل أبو حنيفة على إن إسلام أحدهما في دار الإسلام فوجب بقاء النكاح على الأبد ما لم يعرض الإسلام عن المتأخر منهما في الشرك فإذا عرض عليه فامتنع أوقع الحاكم الفرقة بطلقة تعلقًا بأن الفرقة لا تكون إلا بالحادث وليس يخلو الحادث من ثلاثة أمور: إما أن يكون لإسلام من أسلم أو للكفر منه تأخر أو لحكم حاكم فلم يجز أن يكون للإسلام لأنه مأمور به فلم يكن سببًا ملكه ولم يجز أن يكون للكفر لأنه قد كان والنكاح بحالة فلم يبق إلا أن يكون بحكم فاقتضى أن تتعلق الفرقة به تقدم الحكم أو تأخر قال: ولأن إسلام أحد الزوجين لا يوقع الفرقة بينهما كما لو أسلم زوج الكتابية. ودليلنا: هو أن اختلاف الدين إذا منع ابتداء النكاح أوجب وقوع الفرقة من غير حكم قياسًا على إسلام أحدهما في دار الحرب ولأن دار الإسلام أغلظ في أحكام النكاح من دار الشرك ثم كانت دار الشرك لا تراعي في وقوع الفرقة بإسلام أحدهما حكم الحاكم فدار الإسلام بذلك أولى. فأما الاستدلال الأول فالجواب عنه أن الفرقة إنما وقعت باختلاف الدين المانع من ابتداء النكاح وليس من الأقسام المذكورة فلم يصح الاستدلال بها. وأما قياسه على إسلام أحد الزوجين فالمعنى فيه: أنه لما لم يمنع ذلك من ابتداء النكاح لأنه يجوز أن

стр. 4364

يتزوج المسلم كتابية لم تقع الفرقة بإسلام الزوج الكتابي وليس كذلك في ملتنا لأنه لا يجوز أ، يتزوج المسلم وثنية ولا الوثني مسلمة فجاز أن تقع الفرقة بإسلام أحد الوثنيين. فصل: فإذا ثبت وتقرر أن النكاح بإسلام أحد الزوجين قبل الدخول باطل وأنه بعد الدخول موقوف على انقضاء العدة وأنه لا فرق بين إسلام الزوج أو الزوجة ما قاله مالك وأنه لا فرق بين اختلاف الدارين أو اتفاقهما بخلاف ما قاله أبو حنيفة فإن الزوجة المدخول بها قبل اجتماع إسلامهما جارية في عدة الفرقة فإن لم يسلم المتأخر منهما في الشرك حتى انقضت العدة بأن الفرقة وقعت بتقدم الإسلام وصلت بعد انقضاء هذه العدة للأزواج. وقال أبو حنيفة: ليست تلك العدة عدة فرقة وإنما هي عدة يعتبر بها صحة النكاح باجتماع الإسلاميين فيهما فإذا لم يجتمع إسلامهما وقعت الفرقة بانقضائها وهذا خطأ لأنه لا يخلو من أن يوجب عليها بعد الفرقة إلا عدة واحدة وإن لم يوجب عليها عدة أخرى بطل قوله من وجهين: أحدهما: أنه أوجب العدة قبل الفرقة وأسقطها بعد الفرقة. والثاني: أن العدة تجب إما لاستبراء أو فرقة وقد أوجبها لغير استبراء ولا فرقة وإذا صح ما ذكرنا من وقوع الفرقة تقدم الإسلام فطلقها في حال العدة أولى أو إلى منها أو ظاهر كان ذلك موقوفًا على ما يكون من اجتماع الإسلاميين فإن اجتمعا عليه في العدة صح الإيلاء والظهار لصحة النكاح ووقوعه فيه وإن لم يجتمعا على إسلام في العدة حتى انقضت لم يصح الطلاق ولا الإيلاء ولا الظهار لتقدم الفرقة عليها بالإسلام المتقدم والله أعلم بالصواب. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَإِنْ أَسْلَمَ وَقَدْ نَكَحَ أُمًّا وَابْنَتَهَا مَعًا فَدَخَلَ بِهِمَا لَمْ تَحِلَّ لَهُ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا أَبدًا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهِمَا قُلْنَا. أَمْسِكْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ وَفَارِقِ الأُخْرَى. وَقَالَ فِي مَوْضِع آخَرَ: يُمْسِكُ الابْنَةَ وَيُفَارِقُ الأُمَّ. قَالَ المُزَنِيُّ: هَذَا أَوْلَى بِقوْلِهِ عِنْدِي وَكَذَا قَالَ فِي مَوْضِع آخَرَ: يُمْسِكُ الابْنَةَ وَيُفَارِقُ الأُمَّ. قَالَ المُزَنِيُّ: هَذَا أَوْلَى بِقَوْلِهِ عِنْدِي وَكَذَا قَالَ فِي كِتَابِ التَّعْرِيضِ بِالخُطْبَةِ. وَقَالَ أَوَّلًا: كَانَتْ الأُمُّ أَوْ آخِرًا". قال في الحاوي: وصورة هذه المسألة في مشرك تزوج في الشرك أمَّا وبنتها ثم أسلم وأسلمتا معه فلا يخلو حاله معها من أربعة أقسام: أحدهما: أن يكون قد دخل بهما. والثاني: أن لا يكون قد دخل بهما.

стр. 4365

والثالث: أن يكون قد دخل بالأم دون البنت. والرابع: أن يكون قد دخل بالبنت دون الأم. فأما القسم الأول: هو أن يكون قد دخل بهما فقد حرمتا عليه جميعًا لأن دخوله بالأم يحرم البنت لو كان بشبهة فكيف بنكاح؟ ودخوله بالبنت يحرم الأم لو كان بشبهة فكيف بنكاح؟ فإن قيل: فإذا كان نكاح الشرك معفو عنه فهلا كان الوطء في الشرك معفو عنه. قيل: لأن الوطء يحدث من تحريم المصاهرة وما يجري مجرى تحريم النسب لثبوت التحريم فيهما على الأبد وليس يعفي عن تحريم النسب فكذلك لا يعفي عن تحريم المصاهرة وخالف العقد الذي تخلف أحواله وينقطع زمانه. فصل: وأما القسم الثاني: وهو أن لا يكون قد دخل بواحدة منهما فلا يجوز له أن يتمسك بهما ولو أن يتمسك بإحداهما سواء كان قد عقد عليها في عقد واحد أو في عقدين وسواء تقدمت الأم بالعقد أو تأخرت كمن نكح خمسًا في الشرك بخلاف ما قال أبو حنيفة في تقديم الأوائل على الأواخر وإذا كان كذلك ففي التي يتمسك بها قولان: أحدهما: أنه يتمسك بنكاح البنت ويقيم عليها ويحرم الأم نص في كتاب "أحكام القرآن" وفيما نقله المزني عنه لأنه العفو عن مناكح الشرك يمنع من التزام أحكامها وتصير بالإسلام بمثابة المبتدئ لما شاء منهما وإذا كان مخبرًا بين الأوائل والأواخر فكذلك يكون مخيرًا بين الأم والبنت فعلى هذا إن اختار البنت حرمت عليه الأم حينئذٍ تحريم تأبيد وإن اختار الأم حرمت البنت باختيار الأم تحريم جمع فإذا دخل بالأم حرمت البنت تحريم تأبيد. فصل: وأما القسم الثالث: وهو أن يكون قد دخل بالأم دون البنت فالبنت قد حرمت عليه بالدخول بالأم وفي تحريم الأم عليه قولان: أحدهما: أنها محرمة ونكاحها باطل وهو اختيار المزني من قوليه إذا لم يدخل بهما أنه يثبت نكاح البنت ويبطل نكاح الأم هاهنا نكاح البنت بالدخول بالأم ويبطل نكاح الأم بالعقد على البنت. والثاني: أ، الأم لا تحرم ويكون نكاحها ثابتًا وهذا على قول الآخر أنه لو لم يدخل بها لكان مخيرًا في التمسك بمن شاء فيبطل خياره هاهنا لتحريم البنت بالدخول بالبنت ويصير ملتزمًا لنكاح الأم. فصل: فأما القسم الرابع: وهو أن يكون قد دخل بالبنت دون الأم فنكاح البنت ثابت

стр. 4366

ونكاح الأم باطل، وبماذا أبطل يكون على القولين: أحدهما: بالعقد على البنت على القول الذي اختاره المزني. والثاني: بالدخول بالبنت على القول الآخر. فصل: فإذا شك بالدخول فهذا على ضربين: أحدهما: أن يشك هل دخل بواحدة منهما أو لم يدخل فالورع أن يحرمها احتياطًا فأما في الحكم فالشك مطروح لأن حكم اليقين في عدم الدخول أغلب وإذا كان كذلك صار في حكم من لم يدخل بواحدة منهما فيكون على ما مضى من القولين: أحدهما: وهو اختيار المزني أن يقيم على نكاح البنت. والثاني: يكون مخيرًا في إمساك أيتهما شاء. والضرب الثاني: أن يتيقن الدخول بواحدة منهما ويشك في التي دخل بها منهما فلا يعلم أهي الأم أم البنت فيكون نكاحهما باطلًا لأن تحريم أحدهما متيقن وإذا تيقن تحريم واحدة من اثنين حرمت عليه اثنتان كما لو تيقن أن إحدى امرأتين أخت حرمتا عليه. فصل: فأما إذا كانت المسلمة بحالها في أن نكح في الشرك أمًا وبنتًا واختلف إسلامهم فحكم النكاح معتبر بما ذكرنا من الأقسام الأربعة في الدخول. الأول: أن يكون قد دخل بهما فلا يوقف نكاح واحدة منهما بالإسلام لتحريم كل واحدة منهما بدخوله بالأخرى ويكون نكاحهما باطلًا. والقسم الثاني: أن لا يكون قد دخل بواحدة منهما فلا يخلو حال من تقدم بالإسلام من أربعة أحوال: إحداهما: أن يتقدم الزوج وحده بالإسلام فيبطل نكاحهما في الشرك. والثانية: أ، يتقدم إسلام الأم والبنت على الزوج فيبطل نكاحهما في الإسلام. والثالثة: أن يتقدم إسلام الزوج والبنت ويتأخر إسلام الأم فيثبت نكاح البنت ويبطل نكاح الأم. والرابعة: أن يتقدم إسلام الزوج والأم ويتأخر إسلام البنت فيبطل نكاح البنت لتأخرها وفي بطلان نكاح الأم قولان فهذا حكم القسم الثاني. والقسم الثالث: أن يكون قد دخل بالأم دون البنت فنكاح البنت باطل بكل حال وهل يوقف نكاح الأم على اجتماع إسلامهما على القولين. والقسم الرابع: أن يكون قد دخل دون الأم فنكاح الأم باطل لدخوله بالبنت ونكاح البنت موقوف على اجتماع إسلامهما.

стр. 4367

فصل: وإذا نكح في الشرك أمًا وبنتها وبنت بنتها ثم أسلم وأسلمن معه فله معهن خمسة أقسام: أحدهما: أن يكون قد دخل بجميعهن فيكون نكاحهن باطلًا. والثاني: أن لا يكون قد دخل بواحدة منهن ففيه قولان: أحدهما: يقسم على السفلي وهي بنت البنت ويبطل نكاح العليا التي هي الجدة ونكاح الوسطى التي هي الأم. والقول الثاني: أنه بالخيار بالتمسك بأيتهن شاء. والثالث: أن يدخل بالعليا دون الوسطى والسفلى فيكون نكاح الوسطى والسفلى باطلًا وفي بطلان نكاح العليا قولان. والرابع: أن يدخل بالوسطى دون العليا والسفلى فيبطل نكاحهما وفي بطلان نكاح الوسطى لأجل السفلى قولان. والخامس: أن يدخل بالسفلى دون العليا والوسطى فيثبت نكاح السفلى ويبطل نكاح العليا والوسطى فإذا اعتبرت ذلك بما قدمناه من التعليل وجدت الجواب فيه صحيحًا، والله أعلم. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ أَرْبَعُ زَوْجَاتٍ إِمَاءٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْسِراً يَخَافُ العَنَتَ أَو فِيهِنَّ حُرَّةٌ انْفَسَخَ نِكَاحُ الإِماءِ وَإِنْ كَانَ لَا يَجِدُ مَا يَتَزَوَّجَ بِهِ حُرَّةً وَيَخَافُ العَنَتَ وَلَا حُرَّةَ فِيهِنَّ اخْتَارَ وَاحِدَةً وَانْفَسَخَ نِكَاحُ البَوَاقِي". قال في الحاوي: وصورة هذه المسألة في مشرك تزوج في الشرك بإماء مشركات ثم أسلم وأسلمن معه فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون معهن حرة. والثاني: أن لا يكون فإن لم يكن معهن حرة وكن إما لا حرة فيهن فلا يخلو حاله عند إسلامه وإسلامهن من أمرين: أحدهما: أن يكون ممن يجوز له نكاح الإماء لعقد الحرة وعدم الطول وخوف العنت فيجوز له أن يختار واحدة منهن ويفارق من سواها. لأنه في حال يجوز له أن يبتدئ فيها نكاح الأمة فجاز أن يستديم فيهما نكاح الأمة. والثانية: أن يكون عند إسلامه وإسلامهن ممن لا يجوز أن يبتدئ نكاح الأمة لوجود الطول أو أمن العنت فنكاح الإماء قد بطل اعتبارًا بحال إسلامه معهن وأنه ممن لا

стр. 4368

يجوز له أن يبتدئ نكاح أمة فلم يكن له أن يستديم بالاختيار نكاح أمة. وقال أبو ثور: يجوز له أن يستديم نكاح أمة منهن باختياره وإن كان ممن لا يجوز له أن يبتدئ نكاح أمة استدلالًا بأن الشرط في نكاح الأمة معتبر في ابتداء العقد عليها وليس بمعتبر في استدامة نكاحها ألا تراه لو تزوجها لخوف العنت ثم أمن العنت جاز أن يستديم نكاحها وإن لم يجز أن يبتدئه كذلك المشرك إذا أسلم مستديم لنكاحها وليس بمبتدئ فجاز أن يقيم على نكاحها مع عدم الشرك وإن لم يجز أن يبتدئه. قال: ولأنه لو وجب أن يعتبر شروط الابتداء في وقت استدامته عند الإسلام لوجب اعتبار الولي والشاهدين فلما لم يعتبر هذا لم يعتبر ما سواه. ودليلنا: هو أن نكاح الأمة لا يحل إل باعتبار شروطه فلما لم تعتبر وقت عقده في الشرك وجب أن تعتبر وقت اختياره في الإسلام لئلا يكون العقد عليها خاليًا من شروط الإباحة في الحالين وفي هذا انفصال عن استدلاله الأول لأننا قد اعتبرنا شروط الإباحة في الابتداء فلم تعتبرها في الاستدامة ويكون الفرق بين هذا وبين استدلاله الثاني بأن الولي والشاهدين وإن كان شرطًا في العقد فهو غير معتبر في الحالين لأن الولي والشاهدين من شروط العقد وعقد الشرك معفو عنه فعفي عن شروطه وليس كذلك شروط نكاح الأمة لأنها من شروط الإباحة وشروط الإباحة معتبرة وقت الاختيار ألا تراه أو نكح في الشرك معتدة ثم أسلما وهي في العدة كان النكاح باطلًا لأنها وقت الاختيار غير مباحة كذلك الأمة. ويتفرع على هذا التفريغ ثلاثة فروع: أحدهما: أن تسلم المشركة مع زوجها وهي في عدة من وطء وشبهة فقد اختلف أصحابنا في إباحتها على وجهين: أحدهما: وهو قول ابن سريج: أن نكاحها باطل اعتبارًا بما قررناه بأنه لا يستبيح العقد عليها وقت الإسلام كما لو نكحها في العدة ثم أسلما وهي في العدة. والوجه الثاني: وهو أظهر أن النكاح جائز لأن حدوث العدة في النكاح بعد صحة عقدها لم يؤثر في نكاح المسلم فأولى أن لا يؤثر في نكاح المشرك. والفرع الثاني: أن يسلم أحد الزوجين المشركين ويحرم بالحج ثم يسلم الثاني في العدة فالأول على إحرامه وفي النكاح وجهان: أحدهما: وهو قول أبي بشار الأنماطي: أن النكاح باطل اعتبارًا بما قررناه منه أنه لا يستبيح العقد عليها عند اجتماع الإسلاميين فصار كما لو ابتدأ نكاحهما في وقت الإحرام. والثاني: وهو أظهر وقد نص عليه الشافعي: أن النكاح جائز لأن حدوث الإحرام في النكاح بعد صحة عقده لا يؤثر في فسخه. والفرع الثالث: أن من تزوج أمة على الشرط المبيح ثم طلقها وقد ارتفع الشرط

стр. 4369

طلاقًا رجعيًا فله أن يراجعها وإن كان من لا يجوز له أي يبتدئ نكاحها وهذا متفق عليه بين جميع أصحابنا لأن الرجعية زوجة ولذلك ورثت ووارثت وإنما يزال بالرجعية تحريم الطلاق فلم يعتبر في هذه الحال شروط الإباحة في ابتداء ألا تراه لو رجع وهو محرم جاز وإن لم يجز أن يبتدئ نكاحها محرمًا, والله أعلم. فصل: أما الضرب الثاني: وهو أن يكون مع الإماء حرة فقد تزوجها المشرك مع الإماء في الشرك ثم أسلم فهذا على ثلاثة أقسام: أحدهما: أن تسلم الحرة دون الإماء فنكاح الحرة ثابت ونكاح الإماء باطل بإسلام الزوج مع الحرة وبآخرهن. والثاني: أن يسلم الإماء دون الحرة فنكاح الحرة قد بطل بتأخرها ونكاح الإماء معتبر باجتماع إسلامهن مع الزوج فإن كان موسرًا بطل نكاحهن لأنه لمل لم يجز في هذه الحال أن يبتدئ نكاح أمة لم يجز أن يختار نكاح أمة وإن كان معسرًا يخاف العنت كان له أن يختار نكاح واحدة منهن لأن يجوز أن يبتدئه فجاز أن يختاره لأنه ما لم تنقص عدة الحرة في الشرك اختار حينئذٍ من الإماء واحدة وانفسخ نكاح من سواها من وقت اختياره فاستأنفن عدد الفسخ فلو صار وقت اختيار موسرًا وقد كان وقت اجتماع إسلامه وإسلامهن معسرًا صح اختياره اعتبارًا بحاله عند اجتماع الإسلاميين لأنه الوقت الذي استحق فيه الاختيار. والثالث: أن تسلم الحرة والإماء جميعًا فهذا على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يجتمع إسلام الحرة والإماء في حالة واحدة فيثبت نكاح الحرة وينفسخ نكاح الإماء من وقت إسلامهن مع الحرة لأنه لا يجوز أن يختار نكاح أمة مع وجود حرة كما لا يجوز أن يبتدئه. والثاني: أن تسلم الحرة قبل الإماء فنكاح الحرة ثابت ونكاح الإماء باطل ثم ينظر في إسلامهن فإن كان بعد انقضاء عددهن وقع الفسخ بتقدم إسلام الزوج وتأخرهن. وإن أسلمن قبل انقضاء عددهن وقع الفسخ بتقدم إسلام الحرة فعلى هذا لو كانت الزوجة الحرة حين أسلمت ماتت ثم أسلم الإماء في عددهن. قال أبو أحمد الإسفرايبني: نكاحهن باطل لأن نكاحهن قد انسخ بإسلام الحرة فلم يعد إلى الصحة بموتها وهذا عندي غير صحيح بل يجب أن يكون موقوفًا يختار واحدة منهن لأن إسلام الحرة معه قبل إسلام الإماء يجري مجرى يساره في تحريم الإماء فلما لم يعتبر يساره إلا عند إسلام الإماء وجب أن لا يعتبر وجود الحرة إلا عند إسلام الإماء. والثالث: أن يسلم الإماء قبل الحرة فيعتبر حال الزوج عند إسلامهن واستأنفن عدد الفسخ وإن كان معسرًا يخاف العنت كان

стр. 4370

نكاح الإماء معتبرًا بإسلام الحرة وهو فيهن مخير بين أمرين: إما أن يتركهن على حالهن ترقبًا لإسلام الحرة فإن أسلمت بعد انقضاء عدتها اختر من الإماء واحدة وانفسخ نكاح البواقي في وقت اختياره وإن أسلمت الحرة في عدتها انسخ نكاح الإماء من وقت إسلامها فهذا أحد خياريه. والثاني: أن يمسك الزوج من الإماء واحدة يترقت إسلام الحرة ويفسخ نكاح سواها من الإماء ليتعجلن الفسخ إذ ليس له أن يقيم على أكثر من واحدة فإذا فعل ذلك انفسخ نكاح من عدا الواحدة من وقت فسخه وكان نكاح الواحدة معتبر بإسلام الحرة فإذا أسلمت في عدتها ثبت نكاحها وانفسخ نكاح الأمة وإن أسلمت بعد انقضاء عدتها بطل نكاحها وثبت نكاح الأمة ولا يكون ثبوته باختيار متقدم ولكن لأنه ليس معه غيرها فعلى هذا لو طلق الحرة في الشرك قبل إسلامها ثم أسلمت نظر فإن كان إسلامها بعد العدة لم يقع طلاقها وانفسخ نكاحها بإسلام الزوج وثبت نكاح الأمة وإن كان إسلامها في العدة وقع الطلاق عليها لأنها زوجة وانفسخ بإسلامها نكاح الأمة فيصير إسلامها وإن كانت مطلقة موجبًا لفسخ نكاح الأمة لأن الطلاق لا يقع إلا على زوجة والأمة لا يثبت اختيار نكاحها مع حرة هذا جواب أصحابنا على الإطلاق وعندي أنه يجب أن يكون معتبر بزمان الطلاق. فإن كان قد طلقها قبل إسلام الإماء جاز له أن يقيم على وحدة منهن لأن الحرة وإن أسلمت في عدتها فقد وقع الطلاق عليها قبل إسلام الإماء فصرن عند إسلامهن لا حرة معهن وإن كان طلاق الحرة بعد إسلام الإماء فعلى ما قاله أصحابنا من اعتبار إسلام الحرة قبل العدة وبعدها والله أعلم بالصواب. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ أَسْلَمَ بَعْضُهُنَّ بَعْدَهُ فَسَوَاءٌ وَيَنْتَظرُ إِسْلَامَ البَوَاقِي فَمَنْ اجْتَمَعَ إِسْلَامُهُ وَإِسْلَامُ الزَّوْجِ قَبْلَ مُضِيِّ العِدَّةِ كَانَ لَهُ الخِيَارُ فِيهنَّ". قال في الحاوي: وصورة هذه المسألة في حر تزوج في الشرك بأربع زوجات إماء لا حرة فيهن ثم أسلم وأسلمن وذلك بعد دخوله بهن فهذا على أربعة أسام: أحدها: أن يسلمن معه. والثاني: أن يسلمن قبله. والثالث: أن يسلمن بعده. والرابع: أن يسلم بعضهن قبله وبعضهن بعده وقد يجيء فيه قسمان آخران: أحدهما: أن يسلم بعضهن معه وبعضهن بعده ولكن يدخل جوابهما في جملة الأقسام الأربعة فلم نذكرها اكتفاء بما ذكرنا.

стр. 4371

فأما القسم الأول: وهو أن يسلم معه الإماء الأربع فيعتبر حاله وقت الإسلام فإن كان موسرًا بوجود الطول انفسخ لنكاحهن بالإسلام واستأنف عدد الفسخ وإن كان معسرًا لا يجد الطول كان له أن يختار منهن واحدة لا يزيد عليها لأن الحر لما لم يجز له أن ينكح أكثر من أمة واحدة لم يكن له أن يختار أكثر من أمة واحدة وانفسخ نكاح الثلاث الباقيات من وقت اختياره للواحدة لا من وقت إسلامه. فصل: وأما القسم الثاني: وهو أن يسلمن قبله ثم يسلم بعدهن في عددهن فيراعي حال وقت إسلامه لا وقت إسلامهن لأن الاعتبار باجتماع الإسلاميين وذلك إسلامه بعدهن فإن كان واجدًا للطول انفسخ نكاحهن بإسلامه واستأنفن عدد الفسخ وإن كان عادمًا للطول كان له أن يختار منهن واحدة وينفسخ نكاح الثلاث البواقي باختياره فيستأنفن عدد الفسخ. فصل: وأما القسم الثالث: وهو أن يسلمن بعده فهذا على ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يكون الزوج عند إسلام جميعهن موسرًا واجدًا للطول. والثاني: أن يكون عند إسلام جميعهن معسرًا عادمًا للطول. والثالث: أن يكون عند إسلام بعضهن موسرًا وعند إسلام بعضهن معسرًا. فإن كان موسرًا عند إسلامك جميعهن بطل نكاحهن كلهن وانفسخ نكاح كل واحدة منهن من وقت إسلامها لأنه وقت اجتماع الإسلاميين. فتستأنف منه عدة الفسخ وإن كان معسرًا عند إسلام جميعهن فله أن يختار منهن واحدة سواء تقدم إسلامها عليهن أو تأخر إسلامها عنهن فإذا اختار منهن واحدة انفسخ نكاح الثلاث البواقي من وقت اختياره للواحدة فاستأنفن منه عدد الفسخ وإن كان عند إسلام بعضهن موسرًا وعند إسلام بعضهن معسرًا بكل نكاح التي أسلمت في يساره ولم يبطل نكاح التي أسلمت في إعساره لأن التي أسلمت في يساره لا يجوز أن يستأنف نكاحها فلم يكن له أن يختارها فبطل نكاحها بإسلامها والتي أسلمت في إعساره يجوز أن تستأنف نكاحها فجاز أن يختارها فعلى هذا لو أسلمت الأولى والثانية وهو موسر وأسلمت الثالثة والرابعة وهو معسر بطل نكاح الأولى والثانية ولم يبل نكاح الثالثة والرابعة وكان له أن يختار أحداهما فإذا اختارها بطل نكاح الأخرى باختياره ولو أسلمت الأولى والثانية وهو معسر وأسلمت الثالثة والرابعة وهو موسر بطل نكاح الثالثة والرابعة بإسلامها وكان نكاح الأولى والثانية موقوفًا على اختياره فإذا اختار أحداهما انفسخ حينئذٍ نكاح الأخرى فلو أسلمت الأولى وهو موسر ثم أسلمت الثانية وهو معسر ثم أسلمت الثالثة وهو موسر ثم أسلمت الرابعة وهو معسر بكل نكاح الأولى والثالثة بإسلامهما وكان نكاح الثانية والرابعة موقوفًا على أحداهما فإذا اختارها انفسخ نكاح الأخرى من وقته.

стр. 4372

فصل: أما القسم الرابع: وهو أن يسلم بعضهن قبله وبعضهن بعده. مثاله: أن يسلم قبله اثنتان وبعده اثنتان فهذا على أربعة أقسام: أحدها: أن يكون موسرًا عند إسلام الأوائل والأواخر فنكاح الجميع باطل لكن ينفسخ نكاح الأوائل بإسلام الزوج لا بإسلامهن قبله وينفسخ نكاح الأواخر بإسلامهن لا بإسلام الزوج قبلهن لأن كل واحد من الناكحين ينفسخ باجتماع الإسلاميين واجتماعهما في الأوائل فيكون إسلام الزوج واجتماعهما في الأواخر يكون بإسلام الأواخر. والثاني: أن يكون معسرًا عند إسلام الأوائل والأواخر فله أن يختار نكاح واحدة إن شاء من الأوائل وإن شاء من الأواخر لأن كل واحدة من الفريقين يجوز عند اجتماع الإسلاميين أن يستأنف نكاحها فجاز أن يختارها فإذا اختار واحدة من أحد الفريقين انفسخ باختياره نكاح الباقيات واستأنفن عدد الفسخ. والثالث: أن يكون عند إسلام الأوائل معسرًا وعند إسلام الأواخر موسرًا فيبطل نكاح الأواخر بإسلامهن وله أن يختار من الأوائل واحدة وينفسخ باختياره نكاح الأخرى. والرابع: أن يكون موسرًا وعند إسلام الأواخر فنكاح الأوائل باطل بإسلام الزوج وله أن يختار من الأواخر واحدة فإن أسلمتا معًا اختار آيتهما شاء وانفسخ باختياره نكاح الأخرى. وإن أسلمت أحداهما شاء وانفسخ باختياره نكاح الأخرى. وإن أسلمت أحداهما بعد الأخرى فهو مخير بين تعجيل اختيار الأولى وبين تأخيره إلى إسلام الثانية فإذا كان كذلك فلها أربعة أحوال: أحدها: أن يمسك عن الاختيار إلى أن تسلم الثانية فله إذا أسلمت أن يختار أيتهما شاء فإذا اختار إحداهما ثبت نكاحها وانفسخ به نكاح الأخرى. والثاني: أن يعجل اختيار الأولى فإذا اختارها ثبت نكاحها باختيار تلك فإن كانت هذه قد أسلمت فأولى أن يبطل به نكاحها وإن لم تسلم فإذا أسلمت ثبت على ما مضى من عدتها من وقت الاختيار في الشرك. والثالثة: أن يطلق الأولى قبل إسلام الثانية فيقع الطلاق عليها ويكون ذلك اختيارًا لنكاحها لأن الطلاق لا يقع إلا على زوجة فيصير الطلاق موجبًا لاختيار موقعًا للفرقة يبطل نكاح المتأخرة لأنه قد صار مختارًا لغيرها. والرابعة: أن يفسخ نكاح الأولى قبل إسلام الثانية فلا تأثير لفسخه في الحال لأنه يفسخ نكاح من لا يجوز له إمساكها وقد يجوز أن لا تسلم الثانية فيلزمه إمساك الأولى فلذلك لم يؤثر فسخه في نكاحها فإن لم تسلم الثانية ثبت نكاح الأولى وبأن نفسخ نكاحها كان مردودًا وإن أسلمت الثانية فإن اختارها وفسخ نكاح الأولى جاز وثبت نكاح الثانية وانفسخ نكاح الأولى وإن اختار الأولى وفسخ نكاح الثانية ففيه وجهان: أحدهما: يجوز لأن فسخ نكاحها في الأول لمل لم يؤثر في الحال فبطل أن يقع حكمه.

стр. 4373

والثاني: قد لزمه نسخها ولا يجوز له اختيارها لأنه لم يؤثر في الحال لعدم غيرها فلما وجد غيرها صار مؤثرًا, والله أعلم. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: "وَلَوْ أَسلَمَ الإِمَاءُ مَعَهُ وِعُتِقْنَ وَتَخَلَّفَتْ حُرَّةٌ وَقَفَ نِكَاحُ الِإمَاءِ فَإِنْ أَسْلَمَتِ الحُرَّةُ انْفَسَخَ نِكَاحُ الِإمَاءِ وَلَوْ اخْتَارَ مِنْهُنَّ وَاحِدَةٌ وَلَمْ تُسْلِمُ الحُرَّةُ ثَبَتَتْ". قال في الحاوي: وصورتها في حر تزوج في الشرك أربع زوجات إماء وحرة وخامسة ثم أسلم وأسلم معه الإماء وحاله حال من ينكح الإماء ويقف نكاح الإماء على إسلام الحرة فإن عتق الإماء قبل إسلام الحرة فحكم نكاحهن نكاح الحرائر وإن اعتقن بعد اجتماع إسلامهن مع الزوج فإن حكمهن نكاح الإماء وإن صرن حرائر اعتبارًا بحالهن عند اجتماع الإسلاميين ولا اعتبار بما حدث بعدها ممن عتقهن كما يعتبر حال يساره وإعساره عند اجتماع الإسلاميين دون ما حدث بعدها وإذا كان كذلك قيل: ليس لك أن تختار من الإماء وإن عتقن أحدًا ما كانت الحرة باقية في عدتها فإن اختار منهن واحدة لم يصح اختيارها في الحال وروعي إسلام الحرة فإن أسلمت قبل مضي عدتها وملك نكاح الإماء المعتقات كلهن المختارة منهن وغرها وإن لم تسلم الحرة حتى انقضت عدتها انفسخ نكاحها بإسلام الزوج وكان له أن يختار واحدة من المعتقات ولا يزيد عليها وهل يثبت نكاح المختارة منهن باختيار الأول. قال الشافعي: "فإن اختار منهن واحدة ولم تسلم الحرة ثبت" فاختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما: ثبت إن استأنف اختيارها فأما بالاختيار الأول فلا يثبت لأنه لمل لم يثبت الاختيار في الحال لم يصح أن يكون موقوفًا على ثاني حال فبطل فعلى هذا الوجه يكون مخيرًا بين اختيار تلك الأولى واختيار غيرها. والثاني: أنها تثبت بالاختيار الأول على الظاهر من قول الشافعي ويكون حكم الاختيار موقوفًا وإن لم يجز أن يكون أصله موقوفًا لأنه لما جاز أن يكون ملك الخيار موقوفًا على إسلام الحرة فإن أسلمت علم أنه لم يكن مالكًا له جاز أن يكون حكم الخيار موقوفًا على إسلام الحرة. فإن أسلمت علم أنه لم يثبت وإن لم تسلم على أنه يثبت فلو قال في الاختيار الأول إن تسلم الحرة فقد اخترتكن لم يصح هذا الاختيار وجهًا واحدًا لأن هذا خيار موقوف الأصل لا موقوف الأصل لا موقوف الأصل لا موقوف الحكم ونحن إنما نجوز في أحد الوجهين وقف حكمه لا وقف أصله فتصور فرق بينهما.

стр. 4374

مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ عُتِقْنَ قَّبْلَ أَنْ يَسْلِمْنَ كُنَّ كَمَن ابْتُدِئَ نِكَاحُهُ وَهُنَّ حَرَائَرُ". قال في الحاوي: وصورتها أن يتزوج الحر في الشرك بأربع إماء وحرة خامسة ثم يسلم الزوج ويعتق الإماء في الشرك ثم يسلمن في عددهن فيكون نكاحهن نكاح حرائر وله أن يقيم على الأربع كلهن لأن الاعتبار بحالهن عند إسلامه وإسلامهن وما اجتمعا إلا وهي حرائر فلذلك صار نكاحهن نكاح الحرائر وإذا كان كذلك كان بالخيار عند إسلام المعتقات بين ثلاثة أمور: أحداهما: أن يختار الأربع فيصح اختيارهن وينفسخ به نكاح الحرة الخامسة إن أسلمت في العدة وإن لم تسلم انفسخ نكاحها بإسلام الزوج. والثاني: أن يوقف نكاح الأربع انتظارًا لإسلام الحرة الخامسة فإن أسلمت في العدة اختار من الخمس أربعًا وفسخ نكاح الخامسة من أيتهن شاء وإن شاء وإن لم تسلم الحرة ثبت نكاح الأربع المعتقات. والثالث: أن يختار من الأربع ثلاثًا ويوقف الرابعة على إسلام الحرة فإن لم تسلم ثبت نكاح الرابعة وإن أسلمت كان مخيرًا في اختيار آيتهما شاء وفارق الأخرى. فصل: وهكذا لو أسلم الإماء قبل الزوج وأعتقن ثم أسلم الزوج كان نكاحهن نكاح حرائر ولأنه لما جمع إسلامه وإسلامهن إلا وهن حرائر وإذا كان كذلك واقبله أمتان لحرة متأخرة فهو بالخيار بين ما ذكرنا من الأمور الثلاثة ولكن لو أسلم وأعتقنا ثم أسلم الزوج وأعتق الأمتين المشركتين في الشرك ثم أسلمتا فنكاح هاتين المعتقتين في الشرك على قياس قول أبي حامد الإسفرايني يحل لرقهما عند معتق المسلمين فبطل نكاحهما بالرق لعتق المسلمين فعلى هذا المذهب يكون نجاح المسلمين بائنًا فإن أسلمت الحرة بعدها في العدة ثبت نكاحها وحدت ثلاثًا وإن لم يسلم بطل نكاحها وثبت نكاح المعتقتين. فأما على الوجه الذي أراه صحيحًا فنكاح المعتقتين في الشرك لا يبطل بعتق المسلمتين من قبل فإذا أسلمت المشركتان بعد عتقهما في عدتهما صدق أربعًا وفي الشرك حرة وخامسة فيكون حينئذٍ مخيرًا بين الأمور الثلاثة. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ كَانَ عَبْدٌ عِنْدَهُ إِمَاءٌ وَحَرَائِرُ مُسْلِمَاتٌ أَوْ كِتَابِيَّاتٌ ولَمْ يَخْتَرْنَ فِرَاقَهُ أَمْسَكَ اثْنَتَيْنِ".

стр. 4375

قال [في] الحاوي: وصورتها في عبد تزوج في الشرك ست زوجات منهن أمتان وثنيتان وبقى الكتابيتان على دينهما فله أن يختار من الست اثنتين لأن العبد لا يستبيح أكثر منهما وهو في الزيادة عليهما كالحر في الزيادة على الأربع, إلا أن الشافعي قال: لم يختزن فراقه أمسك اثنتين أما الأمتان فإن اعتقهما فلهما الخيار لأن الأمة إذا أعتقت تحت عبد فلها الخيار مسلمًا كان العبد أو كافرًا وأن يعتقا فلا خيار لهما لأنهما قد ساويا في نقصه بالرق. وأما الحرائر ففي ثبوت الخيار لهن بإسلامه وجهان: أحدهما: لأنه لا خيار لهن لعلمهن برقه ورضاهن مع كمالهن بنقصه فلم يحدث لهن بالإسلام خيار لأن الإسلام يؤكد النكاح ولا يضعفه وهذا اختيار أبي حامد المروزي. والثاني: لهن الخيار في فسخ نكاحه لأن الرق في الإسلام نقص وفي الكفر ليس بنقص لإطلاق تصرفه في الكفر وثبوت الحجر عليه في الإسلام ونقص أحكامه في طلاقه ونكاحه وحدوده وعدم ملكه وقهر السيد له على نفسه فيكون الرق في الإسلام نقصًا للحرائر من زوجاته الخيار في إسلامه وإن لم يثبت لهن في شركه وهذا اختيار أبي القاسم الداركي فعلى هذا إن قيل: لهن الخيار فاخترن المقام على نكاحه كان له أن يختار منهن هن الست, اثنين من أيهن شاء إما أن يختار الحرتين المسلمتين أو الحرتين الكتابيتين أو الأمتين المسلمتين أو واحدة من الأمتين وواحدة من الحرائر لأنه عبد يجوز أن يجمع بين أمتين وبين أمة وحرة. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ عُتِقْنَ قَبْلَ إِسْلَامِهِ فَاخْتَرْنَ فِرَاقَهُ كَانَ ذَلِكَ لَهُنَّ لأَنَّهُ لَهُنَّ بَعْدَ إِسْلامِهِ وَعِدَدُهُنَّ عَدَدُ الحَرَائِرِ فَيُحْصَيْنَ مِنْ حِينِ اخْتَرْنَ فِرَاقَهُ فَإنْ اجْتَمَعَ إِسْلَامُهُ وَإِسْلَامَّهُنَّ فِي العِدَّةِ فَعِدَدُهُنَّ عِدَدُ حَرَائِرِ مِنْ يَوْمِ اخْتَرْنَ فِراقَهُ وإِلَّا فعددُهُنَّ عدَدُ حَرائِرِ من يَوْمِ أَسْلَمَ مُتَقَدِّمُ الإِسْلَامِ مِنْهُمَا لأَنَّ الفَسْخَ مِنْ يَوْمَئِذٍ وِإِنْ لَمْ يِخْتِرْنَ فِرِاقَهُ وَلَا المُقَامَ مَعَهُ خُيَّرْنَ إِذَا اجْتَمَعَ إِسْلَامُهُ وَإِسْلَامُهُنَّ مَعًا". قال في الحاوي: وصورتها في عبد تزوج في الشرك بأربع زوجات إماء ودخل بهن ثم أسلمن وعتقن قبل إسلامه فلهن أن يخترق فسخ نكاحه بالعتق وإن كن جاريات في الفسخ يتقدم الإسلام أمرين: أحدهما: أنهن جاريات في فسخ فلم يمتنع أن يستحق معه حدوث فسخ لأن الفسخ لا ينافي الفسخ لاجتماعهما وإنما ينافي في المقام لتعادهما. والثاني: أنهن يستفدن بتعجيل الفسخ قصور أحد العدتين لأنهن لو انتظرن إسلام

стр. 4376

الزوج لاستأنف العدة بعد إسلامه وإذا قدمن الفسخ تقدمت العدة قبل إسلامه. فإن قيل: فهلا أعني جريانهن في الفسخ بتقدم الإسلام عن أن يحدثن فسخًا بحدوث العتق. قيل: لا يعني لأن الفسخ بالإسلام متردد بين إفضائه إلى الفرقة إن تأخر إسلام الزوج وبين إفضائه إلى ثبوت النكاح إن تعجل والفسخ بالعتق مفض إلى الفرقة في الحالتين فإذا تقرر هذا فلهن ثلاثة أحوال: أحدهما: أن يخترن الفسخ فذلك معتبر بإسلام الزوج فإن لم يسلم حتى انقضت عددهن فقد وقعت الفرقة باختلاف الدين بأن أنهن غير زوجاته من يوم اسلمن فلم يقع فسخن بالعتق لأنهن قدمن قبله فأول عددهن من وقت إسلامهن وقد بدأت بالعدة هن إماء وأنهينها وهن حرائر فهل يعتددن عدد إماء أو عدد حرائر؟ على قولين: أحدهما: وهو قوله في القديم يعتددن عدد إماء اعتبار بالابتداء. والثاني: وهو قول في الجديد يعتددن عدد حرائر اعتبارًا بالانتهاء وإن أسلم الزوج في عددهن وبأن اختلاف الدين لم يؤثر في فسخ نكاحهن وإنهن اخترن الفسخ بالعتق وهن زوجات فينفسخ نكاحهن باختيار الفسخ ويعتددن من وقت الفسخ عدد حرائر قولًا واحدًا لأنه بدأن وهو حرائر. فصل: وأما الحالة الثانية: وهو أن يخترن المقام على نكاحه فهو معتبر أيضًا بإسلام الزوج فإن لم يسلم حتى انقضت عددهن وقعت الفرقة باختلاف الدين من وقت إسلامهن ولم يكن لاختيارهن المقام تأثير وفي عددهن قولان: أحدهما: عدد إماء اعتبارًا بالابتداء. والثاني: عدد حرائر اعتبارًا بالانتهاء. وإن أسلم الزوج في عددهن بأن أنهن زوجات وأن اختلاف الدين لم يؤثر في نكاحهن وقد اخترن المقام في وقت لم يؤثر فيه اختيار المقام فهل يؤثر حكمه بعد إسلام الزوج ويسقط به خيار الفسخ أم لا؟ فيه وجهان مبنيان على اختلاف الوجهين في الزوج إذا اختار واحدة من الإماء المسلمات معه وفي الشرك حرة منتظرة فلم تسلم حتى انقضت عدتها هل يثبت حكم اختياره أم لا؟ على ما ذكرنا من الوجهين كذلك هاهنا يثبت حكم اختيارهن المقام أم لا على وجهين: أحدهما: قد يثبت ويبطل به خيار الفسخ. والثاني: وهو الأصح أنه لا يثبت لعدم تأثيره في وقته فبطل ولهن خيار الفسخ بعد إسلام الزوج فإن اخترن الفسخ استأنف عدد حرائر من وقت الفسخ وإن لم يخترته من زوجات وهن أربع وليس للعبد إلا اثنتين فيصير له بالخيار في إمساك اثنتين وفسخ نكاح

стр. 4377

اثنتين يستأنفان من وقت الفسخ عدد حرائر فصل: أما الحالة الثالثة: وهو أن يمسكه عن اختيار فسخ أو مقام فهن إذا أسلم الزوج على حقهن من خيار الفسخ لا يبطل بإمساكهن لأمرين: أحدهما: أنهن كن يتوقعن الفسخ بغير اختيار فلم يناف وقوع الفسخ باختيار. والثاني: أن خيارهن قبل إسلام الزوج مظنون وبعد إسلامه متحقق فجاز أن يؤخر به من وقت الظن إلى وقت اليقين وإذا كان كذلك وجب بغير إسلام الزوج فإن لم يسلم حتى انقضت عددهن بأن باختلاف الدين وبطل خيار الفسخ بالعتق وفي عددهن من وقت إسلامهن قولان: أحدهما: عدد إماء اعتبارًا بالابتداء. والثاني: عدد حرائر اعتبارًا بالانتهاء وإن أسلم الزوج في عددهن منهن زوجات ولا تأثير لاختلاف الدين في نكاحهن ولسن بالخيار في فسخ النكاح بالعتق فإن اخترن الفسخ استأنفن في وقت الفسخ عدد حرائر وإن اخترن المقام كان للزوج أن يختار منهن اثنتين ويفسخ نكاح اثنتين يستأنفان من وقت الفسخ عدد حرائر. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمَ إِسْلامَهُنَّ قَبْلَ إِسْلَامِهِ فَاخْتَرْنَ فِرَاقَهُ أَوْ المُقَامَ مَعَهُ ثُمَّ أَسْلَمْنَ خُيِّرْنَ حِينَ يُسْلِمْنَ لأَنَّهُنَّ اخْتَرْنَ وَلَا خَيَارَ لَهُنَّ". قال الحاوي: وصورتها في عبد تزوج في الشرك بأربع زوجات إماء ودخل بهن ثم أسلم قبلهن وأعتقن في شركهن فهذا على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يخترن فسخ النكاح. والثاني: أن يخترن المقام على النكاح. والثالث: أن يمسكن فلا يخترن فسخًا ولا مقامًا. فأما الأول: وهو أن يجعلن في الشرك فسخ النكاح فقد نقل المزني عن الشافعي أنه قال: "فاخترن فراقه أو المقام معه ثم أسلمن خيرن حين يسلمن" فجمع بين اختيار الفرقة واختيار المقام في إبطال حكمهما قبل الإسلام فدل الظاهر على أن ليس لهن أن يخترن فسخ النكاح قبل إسلامهن فاختلف أصحابنا فيه على وجهين وهو قول أبي الطيب بن سلمة: أن الجواب على ظاهره وأنهن إذا أعتقن في الشرك لم يكن لهن اختيار الفسخ قبل أن يجتمع إسلامهن مع إسلام الزوج وفرق بينهما بأنه إذا تقدم إسلامهن لم

стр. 4378

(يقدرن) على تعجيل اجتماع الإسلاميين فكان لهن تعجيل الفسخ ليستفدن قصور إحدى العدتين وإذا تقدم إسلام الزوج قدرن بتعجيل إسلامهن على اجتماع الإسلاميين فلم يستفدن بتعجيل الفسخ قبل الإسلام ما لم يقدرن عليه بعد الإسلام فعلى هذا يكون اختيارهن الفسخ قبل إسلامهن بإطلاه ولهن إذا أسلمن في عددهن يخترن الفسخ أو المقام. والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي وجمهور أصحابنا أنهن يملكن في الشرك اختيار الفسخ كما ملكته في الإسلام لأنهن قد ملكن بالعتق اختيار الفسخ فكان تقديمه وهن جاريات في الفسخ أولى وتأخيره إلى خروجهن من الفسخ لأن الفسخ لا ينافي الفسخ ولمن قال بهذا الوجه فيما نقله المزني تأويلان: أحدهما: أنه غلط من المزني في روايته أو الكاتب في نقله لأن الشافعي قد ذكر هذه المسألة فيما نقله الربيع في كتاب "الأم" فقال: ولو أعتقن قبل إسلامهن فاخترن المقام معه ثم أسلمن خيرن حين يسلمن ولم يذكر إذا اخترن فراقه فيها وإنما غلط المزني أو الكاتب في النقل فقال: فاخترن فراقه أو المقام معه وهذا تأويل أبي إسحاق المروزي. والثاني: أن النقل الصحيح وأن الشافعي ذكر اختيار الفرقة واختيار المقام ثم عطف بالجواب على اختيار المقام دون الفرقة لأنه قد قدم حكم اختيارهن للفرقة وأفرد هاهنا حكم اختيارهن للمقام ومن عدة الشافعي أن يجمع بين مسألتين ويعطف بالجواب المرسل على أحدهما ويجعل جواب الأخرى محمولًا على ما عرف من مذهبه أو تقدم من جوابه وهذا تأويل أشار إليه أبو علي الطبري في كتاب "الإيضاح" فعلى هذا الوجه يكون اختيارهن الفسخ معتبرًا بإسلامهن فإن أسلمن في عددهن وقعت الفرقة بفسخهن ويستأنفن عدد حرائر من وقت فسخهن وإن لم يسلمن حتى انقضت عددهن وقعت الفرقة باختلاف الدين وبطل حكم الفسخ بالعتق لوقوع الفرقة قبله وفي عددهن قولان: أحدهما: عدد إماء اعتبارًا بالابتداء. الثاني: عدد حرائر اعتبارًا بالانتهاء. فصل: وأما القسم الثاني: وهو أن يخترن المقام معه قبل إسلامهن ففي هذا الاختيار وجهان ذكرناهما: أحدهما: أنه لغو لا حكم له لأنهن جاريات في فسخ ينافي اختيار المقام فبطل حكمه تغليبًا لحكم الفسخ وهذا هو المنصوص عليه هاهنا فعلى هذا إن أسلمن بعد عددهن وقعت الفرقة باختلاف الدين وإن أسلمن في عددهن كان لهن الخيار في المقام أو الفسخ. والوجه الثاني: أن اختيار المقام قد أبطل حقهن في الفسخ بعد الإسلام ويكون موقوف الحكم على إمضائه زمانه فعلى هذا إن لم يسلمن حتى انقضت عددهن (بان)

стр. 4379

باختلاف الدين وإن أسلمن في عددهن سقط حقهن في اختيار الفسخ لما تقدم من اختيار المقام. فصل: وأما القسم الثالث: وهو أن يمسكن في الشرك فلا يخترن بعد العتق مقامًا ولا فسخًا فمذهب الشافعي أن لهن إذا أسلمن أن يخترن الفسخ ولا يكون إمساكهن عنه إسقاطًا لحقهن منه لأن اختيارهن قبل الإسلام موقوف وبعد الإسلام نافذ فجاز تأخير منه قال لأن ما تقدم من الشرك هدر والإسلام يجبّ ما قبله وهذا خطأ لأنه لو أوجب أن يكون الخيار هدر لأوجب أن يكون النكاح والطلاق هدر ولما لزم في الإسلام حكم عقد تقدم في الشرك وفي فساد هذا دليل على فساد ما أفضى إليه وإذا ثبت أن لهن الخيار بعد الإسلام فالجواب فيه إن اختزن الفسخ أو المقام على ما مضى. مسألة؛ قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ اجْتَمَعَ إِسْلامُهُنَّ وَإِسْلَامُهُ وَهُنَّ إِمَاءٌ ثُمَّ أُعْتِقْنَ مِنْ سَاعَتِهِنَّ ثُمَّ اخْتَرْنَ فِرَاقَهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُنَّ إِذَا أَتَى عَلَيْهُنَّ أَقَلَ أَوْقَاتَ الدُّنْيَا وَإِسْلَامُهُنَّ وَإِسْلَامُهُ مُجْتَمِعٌ". قال في الحاوي: وصورتها في عبد تزوج في الشرك بأربع زوجات إماء وأسلم وأسلمن معه ثم أعتق الإماء فلهن الخيار بالعتق وبين المقام أو الفسخ وفي مدة خيارهن ثلاثة أقاويل: أحدها: وهو أصح أنه على الفور معتبر بالإمكان فمتى أمكنهن تعجيل الفسخ فأخرنه بعد المكنة زمانًا وإن قل بطل خيارهن لأنه خيار استحقته لنقص الزوج بالرق عما حدث من كمالهن بالحرية فجرى خيار الرد بالعيوب واستحقاقه على الفور. والثاني: أنه ممتد الزمان إلى ثلاثة أيام كالخيار في المصراة. والثالث: أنه باق لهن وإن تطاول بهن الزمان ما لم تمكن من أنفسهن أو يصرحن بالرضي اعتبارًا بأن ما لا يخالف حالهن في الفسخ فهن باقيات على حكمه. فأما المزني فإنه اعترض على الشافعي فيما ذكره من استحقاق الخيار على الفور بثلاثة فصول: أحدها: أن حكي عنه بخلاف فقال: قطع في كتابين بأن لها الخيار وهذا الاعتراض ليس بشيء لأن قول الشافعي في مدة الخيار مختلف وإنما ذكر في هذا الموضع أصح أقاويله عنده. والثاني: احتج فيه على أن الخيار على التراخي دون الفور بأن الشافعي قال: وإن أصابها فادعت أنها كانت على حقها وهذا على ضربين:

стр. 4380

أحدهما: أن يدعي الجهالة بالعتق. والثاني: أن يدعي الجهالة بالحكم. فأما إذا ادعت الجهالة بالعتق أو قالت مكنته من نفسي ولم أعلم بعتقي فإن علم صدقها قبل قولها وإن علم كذبها رد قولها. وإن جوز الأمران فالقول قولها من يمينها إن كذبت وهي على حقها من الخيار وأما إذا ادعت الجهالة بالحكم بأن قالت: مكنته من نفسي مع العلم بعتقي ولكن لم أعلم أن لي الخيار إذا أعتقت وأمكن ما قالت ففيه قولان: أحدهما: أنه لا خيار لها وأن لم تعلم لأنه قد كان يمكنها أن تتعلم كما لا خيار في رد العيب إذا أمسكت عنه جهلًا باستحقاق ردة. والثاني: لها الخيار ولأنه قد يخفي إلا عن خواص الناس وليس كالرد بالعيب الذي يعرفه الخاصة والعامة وفي هذا التفصيل جواب على احتجاج المزني به. والثالث: إن عارض الشافعي في عبارته وهي قوله: «لم يكن لها الخيار إذا أثنى عليهن أقل أوقات الدنيا» فأفسد هذه العبارة وأحالها من وجهين: أحدهما: قوله إن على السلطان أن لا يؤجلها أكثر من مقامها. فكم يمر بها من أوقات الدنيا من حين أعتقت إلى أن جاءت إلى السلطان وقد يبعد ذلك ويقرب. والثاني: أنها لا تقدر على اختيار الفسخ إلا بكلام يجمع حروفًا كل حرف منها في وقت الآخر وفي هذا إبطال الخيار وهذا اعتراض من الوجهين فاسد من وجهين: أحدهما: أن للكلام عرفًا وإذا تقدر استعمال حقيقته كان محمولًا عليه وصار مخرجه مخرج المبالغة، كما قال النبي ﷺ في أبي جهم: «لا يضع عصاه عن عاتقه» ومعلوم أنه ما أحد يمكنه إلا أن يضع عصاه عن عاتقه في أوقات نومه واستراحته لكنه قال ذلك على طريقة المبالغة لأنه الأغلب من أحواله. والثاني: أنه أراد أوقات الدنيا بقدر زمان المكنة وشروط الطلب ويكون مراده بأقلها بعد الوقت الذي يمكنها فيه الاختيار فيمسك فيه عن الاختيار. فأما مراد المزني بكلامه هذا فقد اختلف أصحابنا على وجهين: أحدهما: أنه أراد به إثبات الخيار على التراخي فعلى هذا يكون منه اختيار الآخر من قول الشافعي. والثاني: أنه أراد به أن اختيار الفسخ لا يكون إلا على حكم فعلى يكون ذلك منه مذهبًا اختياره لنفسه وليس بمذهب الشافعي وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أن الموقوف على حكم الحاكم يكون فيما ثبت باجتهاد وهذا ثابت النص. والثاني: أنه خيار نقص فجرى خيار الرد بالعيب.
следующие страницы →