← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.

стр. 5146

أحدها: أن يموت بعد مشيئة التأخير، فاليمين قد انحلت ولا يقع الحنث فيها بتأخير القضاء. والحال الثانية: أن يموت قبل مشيئة التأخير، فاليمين منعقدة ولا حنث عليه في الحال، لأن زمان البر منتظر، وهو بإمكان القضاء معتبر فإن قضاه في يوم الجمعة بر، وإن لم يقضه حنث لإمكان البر، فأما المزني لما رأى الشافعي ﵀ قال في هذه المسألة: إنه لا يحنث بموت صاحب المشيئة كما لو كانت المشيئة مردودة آلي صاحب الحق ظن أنه جمع بينهما في سقوط الحنث بموتها في الأحوال كلها، فقال: كيف جمع بينهما في سقوط الحنث بموتها والبر في موت صاحب الحق متعذر وفي موت صاحب المشيئة ممكن فيقال له: إنما جمع الشافعي ﵀ بينهما في أن الحنث لا يقع في حال موتهما، لأن وقت القضاء لم يأت فصارا فيه سواء في الحال، وإن افترقا بتأخير القضاء، فيحنث بتأخيره إذا كانت المشيئة إلى غير صاحب الحق، ولا يجب تأخيره إذا كانت المشيئة إلى صاحب الحق بما علل المزني من تعذر القضاء بموت صاحب الحق أو إمكانه بموت غيره. والحال الثالثة: من أحوال صاحب المشيئة قبل موته أن يقع الشك في مشيئته، فلا يعلم هل شاء التأخير أو لم يشأ فالذي عليه جمهور أصحابنا وهو الصحيح أنه يجري عليه حكم من لم يشأ التأخير، لأن الأصل عدم المشيئة حتى يعلم حدوثها، فيكون الحكم على ما مضى. وحكي أبو علي بن أبي هريرة أنه يجري عليه حكم التأني فلا يحنث الحالف بتأخير القضاء اعتبارًا بالظاهر من نص الشافعي واحتجاجًا بأن الحنث لا يقع بالشك وهذا زلل لأن اليمين منعقدة فلا تحل بالشك. فصل ثم إن المزني وصل احتجاجه على ما وهم في تأويله وإن أصاب في جوابه بأن الشافعي قال: إن حلف لا يدخل الدار إلا بإذن فلان، فمات الذي جعل الإذن إليه، إنه إن دخلها حنث، وهذا وذاك سواء، وهذا صحيح. والجواب في المسألتين على ما ذكره، وليس بينه وبين الشافعي فيهما اختلاف وإنما وهم فيما أطلقه الشافعي من جواب المسألة المتقدمة، فإذا حلف لا يدخل الدار إلا بإذن زيد فدخلها بعد موت زيد فإن كان زيد قد أذن قبل موته لم يحنث، ويكون إذنه شرطًا في البر وتكون المشيئة في المسألة المتقدمة شرطًا في حل اليمين لأن اليمين في دخول الدار معقودة على الإذن، وفي المشيئة معقودة على القضاء، وإن مات زيد قبل إذنه حنث في الدخول، لأن شرط البر لم يوجد، وإن مات على وشك من وجود إذنه وعدمه حنث وجهًا واحدًا على قول جميع أصحابنا، والفرق بين الإذن في هذه المسألة وبين المشيئة في المسألة المتقدمة حيث خرج فيها بعض أصحابنا من الاحتمال على ما خرج فمن وجهين:

стр. 5147

أحدهما: أن الإذن ظاهر والمشيئة باطنة. والثاني: أن الإذن في هذه شرط في البر، والمشيئة في ذلك شرط في الحل. والله أعلم. مسألة قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: "وَلَوْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ عِنْدَ رَاسِ الهِلَالِ أَوْ إلى رَاسِ الهِلَالِ فَرَأَى فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي يَهِلُّ فِيهَا الهِلَالُ حَنَثَ. قَالَ المُزَنِيُّ ﵀: وَقَدْ قَالَ فِي الَّذِي حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ إلى رَمَضَانَ فَهَلْ إِنَّهُ حَانِثٌ لَأَنَّهُ حَدَّ قَالَ المُزَيِيُّ ﵀: هَذَا أَصَحُّ كَقَوْلِهِ إلى اللَّيْلِ فَإِذَا جَاءَ اللَّيْلُ حَنَثَ". قال في الحاوي: وهذا صحيح كقوله إلى الليل فإذا جاء الليل حنث، نقل المزني عن الشافعي في هذا الموضع ثلاث مسائل، اتفق الجواب في مسألتين واختلف في الثالثة، إحدى المسائل التي اتفق المذهب في الجواب عليها إذا حلف ليقضيه حقه عند رأس الهلال، أو عند رأس الشهر فوقت بره معين بين زماني حنث وهو أن يقضيه مع رأس الشهر ورؤية الهلال، فإن قضاه قبل الهلال حنث، وإن قضاه بعد الهلال وبعد إمكان القضاء معه حنث بمضي زمان الإمكان بعد الهلال. وقال مالك: لا يحنث بقضائه قبل القضاء يوم وليلة، وجعل زمان القضاء بعد الهلال معتبرًا بيوم وليلة، واعتبره الشافعي ﵀ بالإمكان وهو أصح، لأن مقادير الزمان إن لم تؤخذ عن نص أو قياس بطلت لما يتوجه عليها من المعاوضة وإذا ثبت أن ذلك معتبر بالإمكان فعليه أن يأخذ في القضاء مع رأس الشهر فيستوي حكم قوله: عند رأس الشهر مع رأس الشهر، وإن كان الحق مما لا يكون زمان قضائه كوزنه من ذهب أو فضة، ضاق زمان بره لإمكان وزنه في أول زمان بعد رأس الشهر، فإن أخره عنه بأقل زمان حنث، فإن شرع في حمله إليه مع رأس الشهر، وكان بعيد الدار منه حتى مضت الليلة أو أكثرها لم يحنث، لأنه معتبر في الإمكان، وإن كان الحق مما يطول زمان قضائه كمائة كر من بر اتسع زمان بره، إذا شرع في القضاء مع رأس الشهر وامتد بحسب الواقع من كيل هذا القدر حتى ربما أيامًا، فإن أخر عند رأس الشهر في جميع ما يقضيه وتحصيله للقضاء حنث، ولو أخذ في نقله إليه لم يحنث، لأن نقله مشروع في القضاء، وليس جمعه مشروعًا فيه، وقول الشافعي ﵀ في هذه المسألة فرأى في الليلة التي يهل فيها الهلال حنث، يعني إذا لم يقضه فيها، فإن قضاه بر، وليس رؤية الهلال شرطًا وإنما دخول الشهر بأوله جزء من ليلته هو الزمان المعتبر، لأن الهلال ربما غم بسحاب منع من رؤيته إلا أن يعلم في ليلة شك، فلا يكون من الشهر.

стр. 5148

فصل: وأما المسألة الثانية المتفق عليها، فهي أن يحلف ليقضينه حقه إلى رمضان، فجعل رمضان غاية واحدًا، لأنه علقه بحرف وضع للغاية والحرف هو "آلي" فيكون زمان بره، من وقت يمينه إلى أول جزء من ليلة رمضان كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فكان زمان الصيام إلى أول جزء من أجزاء الليل فإن لم يقضه حقه حتى دخل أول جزء من ليلة رمضان حنث ويجيء على مذهب مالك أنه لا يحنث إلا بانقضاء يوم وليلة منه، فإن شرع في قضاء الحق قبل رمضان وكمله في رمضان لطول زمانه بر، لأن الشروع في القضاء كالقضاء، فإن أخر القضاء في ليلة شك في دخول رمضان، ثم بان أنها من رمضان، ففي حنثه قولان كالناسي والمكره، فإن قال: أردت بقولي إلى رمضان أي: في رمضان، دين في الباطن لاحتمال ما أراد لأنها حروف تقام بعضها مقام بعض كقول الله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أي: عليها فأما في ظاهر الحكم فيحنث إذا تعلق بيمينه حق آدمي من طلاق أو عتاق اعتبارًا بحقيقة اللفظ دون مجازه، فإن حلف لأقضينك حقك عند رمضان لم يبر بقضائه قبل رمضان، لأن كلمة عند موضوعة للمقاربة، فإذا أهل رمضان احتمل ما يعتبر في بره وجهين: أحدهما: يعتبر بإمكان القضاء عند دخوله، فإن أخره حنث كما لو قال عند رأس الشهر. والثاني: يكون جميع الشهر وقتًا للبر، لأنه لم يعين على جزء منه، فصار حكم آخره كحكم أوله. فصل وأما المسألة الثالثة: المختلف فيها، فهو أن يحلف ليقضينه حقه عند رأس الهلال، أو إلى رأس الهلال، فالذي نقله المزني فيها عن الشافعي أنه جمع بين قوله: إلى رأس الهلال، وبين قوله: عند رأس الهلال في أنه يحنث برؤية الهلال، ليكون زمان البر فيها بين وقتي حنث بتقدم أحدهما على رأس الهلال ويتأخر الآخر عنه، وجمع المزني بين قوله إلى رأس الهلال، وإلى رمضان في أن زمان البر من وقت يمينه، وإلى رأس الهلال، كما كان في وقت يمينه إلى رمضان، واختلف أصحابنا في ذلك على ثلاثة أوجه: أحدها: وهو الصحيح أن الأمر على ما قاله المزني من اختلاف الحكم بين قوله: عند رأس الهلال، في أن وقت البر يكون مع رؤية الهلال بين زماني حنث، وقوله: عند رأس الهلال، أن البر من وقت يمينه وإلى رؤية الهلال، فيكون رؤية الهلال وقتًا لحنثه، ورؤيته في قوله: عند رأس الهلال وقتًا لبره لأن لفظه "إلى" موضوعة في اللغة للحد والغاية، ولفظة: عند موضوعة للمقاربة، فاختلف حكمهما لاختلاف موضوعهما، كما اختلف حكم قوله: إلى رأس الهلال، والشافعي عادة أن يجمع بين مسألتي يعطف بالجواب عليهما، فيريد به إحداهما اكتفاء بما عرف من مذهبه في الأخرى ولم يخف

стр. 5149

عليه أن "إلى" و"عند" مختلفا المعنى في اللغة، ويجب أن يكونا مختلفين في الحكم في الشرع. والثاني: وهو محكي عن أبي إسحاق المروزي أن جمع الشافعي بين عند رأس الهلال، وإلى رأس الهلال صحيح، وإن كليهما في البر والحنث واحد، وأن رأس الهلال وقت البر فيهما، وأن ما قبله وما بعده وقت الحنث فيهما، لأن لفظة "إلى" قد تستعمل للحد تارة وللماقربة تارة كما قال تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] أي: مع الله، ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إلى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، أي: مع المرافق، فلما احتمل أن تكون للحد تارة، وللمقاربة أخرى، صار الحنث في جعلها للحد مشكوكًا فيه، وفي جعلها للمقاربة متيقنًا، فحنث باليقين دون الشك، وفرق أبو إسحاق ومن تابعه، بين قوله إلى رأس الشهر، فيكون للمقاربة، وبين قوله: إلى رمضان فيكون للحد بأن رأس الشهر معين للقضاء، فغلب حكم الوقت على حكم اللفظ فحمل على المقاربة، ورمضان غير معين للقضاء، لأنه ليس جميعه وقتًا له، فغلب حكم اللفظ على حكم الوقت فحمل على الحد. والثالث: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أن الشافعي جمع بين "عند" و"إلى" في الحنث، وفرق بينهما في البر، فإذا قال عند رأس الشهر لم يبر إلا بدفعه مع رأس الشهر وإذا قال: إلى رأس الشهر بر بدفعه في وقته، وإلى عند رأس الشهر، لأنه عند لم توضع إلا للمقاربة، وإلى قد وصفت للمقاربة تارة، وللحد آخر: فاجتمع فيهما حكم المقاربة وحكم الحد فوجب أن يتعلق بهما الحكمان معًا فصار الأجل ذلك مجتمعين في الحنث إن لم يقضه حتى جاء رأس الشهر حنث، ومفترقين في البر إن قضاه في قوله: إلى رأس الشهر قبل الشهر بر، وإن قضاه في قوله: عند رأس الشهر قبل الشهر لم يبر والله أعلم. مسألة قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ قَالَ إلى حِينٍ فَلَيْسَ بِمَعْلُومِ لأَنَّهُ يَقَعُ عَلَى مُدَّة الدُّنْيَا وَيَوْمٍ والفُتْيَا أَنْ يُقَالَ لَهُ الوَرَعَ لَكَ أَنْ تَقْضِيَهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ يَوْمٍ لأَنَّ الحِينَ يَقَعُ عَلَيْهِ مِنْ حِينِ حَلَتْتَ وَلَا نُحْنِثُكَ أَبَدًا لأَنَّا لَا نَعْلَمُ لِلْحِينِ غَايَةً". قال في الحاوي: أما الحين من الزمان فجمعهم لا حد له في الشرع عندنا، وحده أبو حنيفة بستة أشهر، وحده مالك بسنة، فإذا حلف ليقضينه حقه إلى حين لم يحنث على مذهب الشافعي إلا بفوات القضاء بموته أو موت صاحب الحق. وقال أبو حنيفة: إن قضاه في ستة أشهر بر، وإن قضاه بعدها حنث، وقال مالك: إن قضاه إلى ستة بر، وإن قضاه بعدها حنث، واستدلالنا على ذلك بقول الله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٥] فقدره أبو حنيفة بستة أشهر، لأنها في

стр. 5150

النخل مدة حملها من أول طلعها إلى آخر جذاؤها، وقدره مالك بسنة، لأنها تحمل من كل سنة، فتكون من الإطلاع إلى الإطلاع ستة. ودليلنا هو أن الحين اسم مبهم، ينطلق على قليل الزمان، كقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] وأراد به أقل من يوم، وينطلق على مدة الدنيا لقوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨] يعني يوم القيامة، وينطلق على ما بين الزمانين كقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ﴾ [الإنسان: ١] يعني: تسعة أشهر هي مدة حمله، وقيل: هي أربعون سنة إشارة إلى آدم أنه صور من حمإ مسنون وطين لازب، ثم نفخ فيه الروح بعد أربعين سنة، وإذا اختلف المراد به في هذه المواضع دل على أنه مشترك لا يختص بزمان دون غيره، وينطلق على قليل الزمان وكثيره، وإذا كان كذلك وقضاه قبل موته، ولو بطرفة عين بر في يمينه، لأنه قضاه في زمان ينطلق عليه اسم الحين، قال الشافعي ﵁: وأفتيه ورعًا أن يقضيه في يومه، وأن يحنث نفسه إن قضاه بعد انقضائه ليحمل على أقل ما ورد به الشرع، وإن لم يلزم ذلك في الحكم. فصل قال: ويتفرع على هذا إذا حلف لا أكلم فلانًا إلا بعد حين فكلمه بعد ساعة من يمينه بر لوجود الكلام بعد زمان ينطلق اسم الحين عليه. وعند أبي حنيفة لا يبر حتى يكلمه بعد ستة أشهر. وعند مالك لا يبر حتى يكلمه بعد سنة على حسب اختلافهم في مدة الحين، والفرق بين هذه المسألة والتي تقدمت أن هذه نفي وتلك إثبات، فإذا وجد الفعل النفي والإثبات في زمان ينطلق اسم الحين عليه بر، وقليل الزمان حين، فبر في النفي وكثيره حين فبر في الإثبات والله أعلم. مسألة قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَكَذَلَكَ زَمَانٌ وَدَهْرٌ وَأَحْقَابٌ وَكُلُّ كَلِمَةٍ مُفْرَدَةٍ لَيْسَ لَهَا ظَاهِرٌ يَدُلُّ عَلَيْهَا". قال في الحاوي: وهذا صحيح: إذا حلف ليقضينه حقه بعد زمان أو بعد دهر أو بعد أحقاب بر إذا قضاه بعد قليل الزمان وكثير كالحين، لأنها أسماء مبهمة ينطلق على ما قل وكثر. وقال أبو حنيفة: أقل الزمان ستة أشهر وأقل الحقب ثمانون سنة، وقال مالك: أقله أربعون سنة وليس لهذا التحديد وجه لعدم النص فيه والقياس، وهو في الجملة عبارة عن

стр. 5151

زمان غير محدود وقال أهل اللغة ولو حلف ليقضينه حقه قريبًا أو بعيدًا فإنه غير محدود فجاز أن يقضيه في قليل الزمان وكثيره، وكذلك قريب الزمان وبعيده. وقال أبو حنيفة في القريب: إنه أقل من شهر، وفي البعيد: إنه أكثر من شهر وليس بصحيح، لأنه قد يكون قريبًا بالإضافة إلى ما هو أبعد ويكون بعيدًا بالإضافة إلى ما هو أقرب، فصار كقوله: له علي مال كثير أو قليل والله أعلم. مسألة: قال الشافعي: "ولو حلف لا يشترى فأمر غيره أو لا يُطّلِّقُ فجعل طلاقها إليها فطلقت أو لا يضرب عبده فأمر غيره فضربه لا يحنث إلا أن يكون نوى ذلك". قال في الحاوي: اعلم أنه لا يخلو حال من حلف لا يفعل شيئًا فأمر غيره حتى فعله من ثلاثة أحوال: أحدها: أن ينوي لا يفعله بنفسه، فلا يحنث إذا أمر غيره بفعله، لا يختلف المذهب فيه اعتبارًا بنيته، سواء جل قدر الحالف أو قلّ. والثانية: أن ينوي أنه لا كان منه ما يقتضي ذلك الفعل ولا كان باعثًا عليه فيحنث إذا أمر غيره بفعله كما يحنث إذا فعله بنفسه، لأنه قد كان باعثًا عليه سواء جلّ قدر الحالف أو قلّ. والثالثة: أن تكون يمينه مطلقة لم تقترن بها نية، فينقسم ذلك الفعل المحلوف عليه ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون العرف في فعله جاريًأ بالأمر دون المباشرة من جميع الناس، كقوله: والله لا احتجمت، ولا اقتصدت ولا حلقت رأسي، ولا بنيت داري، فإذا أمر غيره بالحجامة وفصده وحلق رأسه، وبناء داره حنث سواء جلّ قدر الحالف أو قلّ، لأنه لم يجر في العرف من قليل أو جليل أن يباشر فعلها في نفسه، إلا بأمره، فصار العرف فيه شرطًا يصرف حقيقة الفعل إلى مجازه فيصير اعتبار المجاز إذا اقترن بالعرف أولى من اعتبار الحقيقة إذا فارق العرف لأن العرف ناقل. والثاني: أن يكون العرف في فعله جاريًا بمباشرته دون أمره من جميع الناس كقوله: والله لا كتبت، ولا قرأت، ولا حججت، ولا اعتمرت فإذا أمر غيره بالكتابة والقراءة والحج والعمرة لم يحنث، سواء جلّ قدر الحالف أو قلّ، لأن العرف جار بين الناس بمباشرة ذلك من كل قليل وجليل، فصار العرف مقترنًا بالحقيقة دون المجاز فخرج مجازه عن حكمه. والثالث: أن يكون العرف مختلفًا في مباشرة فعله فيباشره من دنا، ولا يباشره من

стр. 5152

علا، فهذا على ضربين: أحدهما: أن يقترن بعرف الاستعمال في الاختلاف بينهما عرف الشرع وهو إقامة الحدود التي لا يقيمها في الشرع والعرف إلا أولو الأمر من ذي ولاية وسلطان، فيحنث الآمر بها إن كان من أولي الأمر وإن لم يباشرها، كما قيل جلد النبي ﷺ زانيًا، ورجم ماعزًا وقطع سارقًا، ولا يحنث بها غير أولي الأمر حتى يباشرها بفعله، لأنه غير نافذ الأسر فيهما. والثاني: أن ينفرد الاختلاف بينهما بعرف الاستعمال دون عرف الشرع، فيباشره من دنا، ولا يباشره من علا تنزعًا وتصونًا كعقود البيوع والأشربة وتأدية العبيد والخدم، فينقسم حال الحالف والمحلوف عليه ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون عرف الحالف جاريًا بمباشرته كرجل من عوام السوقة حلف لا باع ولا اشترى، ولا تزوج ولا طلق، ولا ضرب عبدًا، ولا أدب خادمًا، فإذا أمر غيره بأن باع له واشترى وزوجه وطلق عنه وضرب عبده وأدب خادمه لم يحنث في هذا كله، وقال مالك: يحنث في هذا كله، وقال أبو حنيفة: إن كان هذا العقد مما إذا باشره الوكيل إضافة إلى نفسه كالشري، يقول: اشتريت هذه الدار لموكلي لم يحنث الموكل، وإن كان مما لا يضيفه إلى نفسه كالنكاح يقول: قبلت هذا النكاح لموكلي، ولا يقول: نكحت لموكلي، كما يقول: اشتريت لموكلي حنث الموكل، وكلا المذهبين مدخول، والصحيح أن جميعها سواء في أنه لا يحنث الآمر بهما والموكل فيها إذا كان العرف بمباشرته لها جاريًا، لأن الأيمان تحمل على حقائق الأسماء والأفعال، ما لم ينقلها عرف الحقيقة في هذه الأفعال بمباشرتها، والعرف مقترن بها، فلم يجز أن يعدل في الأمر بها عن الحقيقة والعرف إلى مجاز تجرد عن العرف فعلى هذا لو حلف على امرأته أنه لا يطلقها فرد إليها الطلاق، فطلقت نفسها لم يحنث، لأنه لا يكون مطلقًا، وإنما يكون مخيرًا في الطلاق، ولو قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق، فدخلتها طلقت وحنث، لأنه مطلق لها على صفة وقعت منها فلذلك افترقا. والثاني: أن يكون عرف الحالف جاريًا بالاستنابة دون مباشرته، وإن باشره استنكرته النفوس منه، كالسلطان أو من قاربه في رتبته إذا خلف، لا باع ولا اشترى، ولا ضرب عبدًا، ولا أدب خادمًا، فإذا وكل في البيع والشراء وأمر بضرب عبده وبأدب خادمه ففي حنثه قولان: أحدهما: تفرد البيع بنقله وتفرد بعض أصحاب الشافعي، أنه يحنث اعتبارًا بالعرف، لأن العرف قد صار مقترنًا بالمجاز دون الحقيقة، والعرف ناقل، كما لو حلف: لا أكلت رؤوسًا، لم يحنث برؤوس الطير والجراد، وإن وجد حقيقة الاسم فيها، لأن

стр. 5153

العرف لما اختص برؤوس الغنم نقل عما عداها حقيقة الاسم. والثاني: وهو الأظهر، وما عليه الأكثرون من أصحابنا أنه لا يحنث، لأن الحقيقة فيها المباشرة لها دون الأمر بها والحقيقة لا تنقل إلا بعرف عام، كما قيل في الرؤوس، وهذا عرف خاص، فلم يجز أن ينتقل به الحقيقة، كما لو حلف سلطان: لا أكلت خبزًأ ولا لبست ثوبًا، فأكل خبز الذرة ولبس عباءة حنث وإن لم تجر عادته بأكل الذرة ولبس العباءة، لأنه عرف خاص وليس بعام، فلذلك ساوى فيه عرف العموم فكذلك في هذه العقود. والثالث: أن يكون عرف الحالف جاريًا بالاستنابة فيه، لكن إن باشره لم تستنكر النفوس منه، ولا تستقبحه، كالنكاح والطلاق والعتق، لا يستقبح من السلطان أن يباشر بنفسه، فإذا حلف سلطان لا تنكح ولا طلق، ولا أعتق، فوكل في النكاح والطلاق والعتاق فقد اختلف أصحابنا هل يعتبر حكم عرفة أو يعتبر ما تستنكره النفوس من فعله، على وجهين: أحدهما: يعتبر حكم عرفة، لأنه أخص به، فعلى هذا في حنثه قولان. والثاني: يعتبر ما لا تستنكره النفوس من فعله، لأنه أعم فعلى هذا لا يحنث قولاً واحدًا والله أعلم. مسألة: قال الشافعي: "ومن حلف لا يفعل فعلين أو لا يكون أمران، لم يحنث حتى يكونا جميعًا وحتى يأكل كل الذي حلف أن لا يأكله". قال في الحاوي: عقد اليمين على فعلين ضربان: أحدهما: أن يعقد على إثباتهما. والثاني: أن يعقد على نفيهما. فإن كانت معقودة على إثباتهما كقوله: والله لآكلن هذين الرغيفين، ولألبسن هذين الثوبين، ولأركبن هاتين الدابتين، فلا خلاف بين القضاء أنه لا يبر إلا بفعلهما فيأكل الرغيفين، يلبس الثوبين ويركب الدابتين، فإن أكل إحدى الرغيفين ولبس أحد الثوبين وركب إحدى الدابتين لم يبر، وهذا متفق عليه، وإن كانت اليمين معقودة على نفي فقال: والله لا أكلت هذين الرغيفين، ولا لبست هذين الثوبين، ولا ركبت هاتين الدابتين، فمذهب الشافعي وأبي حنيفة أنه لا يحنث إلا بهما، كما لا يبر إلا بهما، فإن أكل أحد الرغيفين، ولبس أحد الثوبين، وركب إحدى الدابتين لم يحنث. وقال مالك: يحنث بفعل أحدهما، وإن لم يبر إلا بهما وفرق بينهما من وجهين:

стр. 5154

أحدهما: أن الإثبات إباحة، والنفي حظر، والحظر أغلب من الإباحة. والثاني: أن الأيمان موضوعة على التغليظ، والتغليظ في النفي أن يحنث بأحدهما، وفي الإثبات أن لا يبر إلا بهما، وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أن فعل بعض الشيء لا يقوم مقام فعل جميعه في النفي والإثبات معًا وفاقًا وشرعًا، لأنه لو حلف لا يدخل هذه الدار، فأدخل رأسه أو إحدى رجليه لم يحنث. ولو حلف ليدخلنها، فأدخل رأسه أو إحدى رجليه لم يبر وهذا وفاق قد ورد به الشرع، قد اعتكف رسول الله ﷺ في مساجده فأدخل رأسه منه إلى حجرة عائشة رضوان الله عليها لتغسله، ولم يؤثر في اعتكافه. وقال لبعض أصحابه، وهو في المسجد الحرام: لقد أنزلت على آية لم تنزل على أحد قبلي إلا على أخي سليمان، قال: يا رسول الله، أي آية هي؟ قال: لا أخرج من المسجد حتى أعلمك فتوجه للخروج، وقدم إحدى رجليه فأخرجها ثم قال للرجل: بم تستفتح صلاتك قال: بسم الله الرحمن الرحيم، قال: "هي هي". فدل على أن إخراج إحدى رجليه لا يكون خروجًا، وإذا كان بعض الفعل لا يقوم مقام جميع الفعل، فأحد الفعلين أولى أن لا يقوم مقام الفعلين. والثاني: أنه لما استوي الفعلان في شرط البر وجب أن يستويا في شرط الحنث، لتردد اليمين بين بر وحنث؟ وفرقاه بينهما منتقض بفعل بعض الشيء حيث لم يقم مقام جميعه في الإثبات والنفي معًا مع وجود الحظر والإباحة فيهما. مسألة: قال الشافعي: "ولو قال: والله لا أشرب ماء هذه الإداوة أو ما هذا النهر لم يحنث حتى يشرب ماء الإداوة كله ولا سبيل له إلى شرب ماء النهر كله ولو قال من ماء هذه الإداوة أو من ماء هذا النهر حنث إن شرب شيئًًا من ذلك". قال في الحاوي: أما إذا حلف لا شربت من ماء هذه الإداوة، ولا شربت من ماء هذا النهر، فاليمين معقودة على بعض ماء الإداوة وبعض ماء النهر، لدخول حرف التبعيض عليها، وهو قوله: فأي قدر شرب من ماء الإداوة وماء النهر حنث من قليل وكثير، وكذا في الإثبات لو حلف ليشربن من ماء الإداوة أو من ماء النهر، فأي قدر شرب منهما من قليل أو كثير بر في يمينه ارتوى به أو لم يرتو. فأما إذا حذف من يمينه حرف التبعيض فأطلقها، فقال: والله لأشربن ماء هذه الإداوة لم يحنث بشرب بعضه، وإن حنثه مالك، لأن الحقيقة في إطلاق اليمين توجب

стр. 5155

الاستيعاب فإن قيل: أفليس لو قال: والله لا أكلت طعامًا اشتراه زيد، أكل بعضه حنث، فلا حنث بشرب بعض الماء، كما حنث بأكل بعض الطعام. قيل: لا يختلف المذهب أنه لا يحنث بشرب بعض الماء وفي حنثه بأكل بعض الطعام وجهان: أحدهما: أنه كما لا يحنث بأكل بعضه فعلى هذا قد استويا. والثاني: وهو اختيار أبي على بن أبي هريرة، أنه يحنث بأكل بعض الطعام، وإن لم يحنث إلا بشرب جميع الماء، والفرق بينهما أن الماء في الإداوة مقدار ينطلق على جميعه، ولا ينطلق على بعضه، فلذلك لم يحنث بشرب بعضه وشراء زيد للطعام صفة تنطلق على بعضه، كما تنطلق على جميعه، فلذلك حنث بأكل بعضه، فإذا ثبت أن الحنث في الإداوة يقع بشرب مائها كله، ولا يحنث بشرب بعضه، فذهب من ماء الإداوة قطرة انحلت اليمين لأنه لا حنث فيها إن شرب باقي مائها، فلو شك أذهب منها قطرة أو لم يذهب، فشرب جميع مائها، ففي حنثه وجهان: أحدهما: يحنث: لأن ذهاب القطرة مشكوك فيه. والثاني: لا يحنث، لأن الحنث مشكوك فيه. فصل: فأما إذا حلف، لا شربت ماء هذا النهر، فقد قال الشافعي ﵁: لا سبيل إلى شرب ماء النهر كله، ولم يتعرض لبره ولا لحنثه فيما شرب منه، فاختلف أصحابنا في شربه منه على وجهين: أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج يحنث بما شرب منه، لأنه لما استحال شرب جميعه، صارت اليمين معقودة على ما لا يستحيل لأن لا يصير بيمينه بعد العقد لغوًا. ألا تراه لو قال: والله لا شربت الماء حنث بشرب ما قل منه، وإن كان دخول الأول واللام يقتضي استيعاب جميعه، لأنه لما كان شرب جميعه من المستحيل، حمل على شرب ما لا يستحيل، كذلك ماء النهر لما استحال شرب جميعه، حمل على ما لا يستحيل من شرب بعضه، وتأول قول الشافعي ﵁، ولا سبيل إلى شرب ماء النهر كله على حمل يمينه على ما يجد السبيل إليه، وهو أن يشرب من ماء النهر، فعلى هذا: أى شرب شرب من مائه حنث به مما يروى أو لا يروى. والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي، ويشبه أن يكون هو الظاهر من مذهب الشافعي أنه لا يحنث بشرب بشيء من مائه لأن يمينه توجهت إلى شرب جميعه، لأنه عقدها على ماء النهر، ولم يطلق فصار النهر مقدارًا كالإداوة وليس إذا استحال شرب الجميع وجب أن يحمل على شرب ما لا يستحيل.

стр. 5156

ألا تراه لو حلف لأصعدن السماء، وهو مستحيل لم يحمل على صعود السقف، وقد يسمى سماء، لأنه غير مستحيل، ووجب حمل يمينه في صعود السماء على الحقيقة دون المجاز كذلك في شرب ماء النهر فأما إذا قال: لا شربت الماء، والألف واللام لفظ تعريف وضع لاستيعاب الجنس تارة وللمعهود أخرى وهو حقيقة فيهما، فإذا استحال استيعاب الجنس حمل على المعهود، وكان حقيقة فيه، وفارق ماء النهر لأن الاسم حقيقة في جميعه ومجاز في بعضه، وتأول قول الشافعي: "ولا سبيل إلى شرب ماء النهر كله" بسقوط حنثه. ثم يتفرع على هذين الوجهين في النفي أن يعقد يمينه على الإثبات فيقول: والله لأشربن ماء هذا النهر، فعلى مقتضى قول أبي العباس: متى شرب بعض مائه بر، لأنه لما حنث بشرب بعضه في النفي وجب أن يبر بشرب بعضه في الإثبات، وعلى مقتضى قول المروزي لا يبر في الإثبات بشرب بعضه كما لا يحنث في النفس بشرب بعضه، وإذا لم يبر صار محكومًا بحنثه، لأنه لا سبيل إلى بره، فصار كقوله: والله لأصعدن السماء، يكون حانثًا، لأنه لا سبيل له إلى البر وفي زمان حنثه وجهان: أحدهما: عقيب يمينه، لأن استحالة البر يمنع من تأخير الحنث. والثاني: يحنث من آخر حياته، لأنه عقد يمينه على التراخي، فكان تحقيق الحنث على التراخي. فصل: وإذا حلف لأشرب من ماء دجلة، فشرب من ماء الفرات، أو لأشرب من ماء الفرات فشرب من ماء دجلة، لم يحنث لأن التعيين يخص اليمين، ولو قال: والله لأشرب ماء فراتًا حنث بشربه من دجلة ومن الفرات، لأن الماء الفرات هو العذب، فحنث بشرب كل ماء عذب. قال الله تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتاً﴾ [المرسلات: ٢٧] أي: عذبًا، ولا فرق إذا حلف لأشرب من ماء دجلة بين أن يشربه من إناء اغترف به وبين أن يشربه كرعًا بفيه كالبهيمة. فأما إذا حلف، لا شربت من دجلة، فإن شرب منها كرعًا بفمه حنث بإجماع، وإن اغترف منها بإناء وشرب من الإناء حنث عند الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يحنث حتى يكرع منها بفمه، ولا يبر إن اغترف بيده احتجاجًا بأمرين: أحدهما: أنه لو حلف: لأشرب من هذا الإناء، فاغترف من مائه، وشربه لم يحنث كذلك إذا حلف لا شربت من دجلة، فاغترف ما شربه من ماء لم يحنث بوقوع اليمين على مستقر الماء في الموضعين. والثاني: أن الشرب منها حقيقة، ومن مائها مجاز، وحمل الأيمان على الحقيقة

стр. 5157

أولى من حملها على المجاز. ودليلنا أمور: أحدها: أن الماء المشروب مضمر في اللفظ، لأنه المقصود بالشرب، كما يقال: شرب أهل بغداد من دجلة وأهل الكوفة من الفرات، أي من ماء دجلة وماء الفرات فصار إضماره كإظهاره، فلما كان لو حلف: لأشرب من ماء دجلة حانثًا فشربه منها على جميع الأحوال وجب إذا حلف، لأشرب من دجلة أن يحنث بشربه منها على كل حال، لأن المضمر مقصود كالمظهر. والثاني: إن إجماعنا منعقد على أنه لو حلف لا شرب من البئر، ولا أكلت من النخلة أنه يحنث بشرب ما استقاه من البئر، ويأكل ما لقطه من النخلة، وإن لم يكرع ماء البئر بفمه، ولا تناول ثمرة النخلة بفمة، كذلك الدجلة. وتحريره قياسًا، أن ما كان حنثًا في ماء البر كان حنثًا في ماء الدجلة قياسًا على أصلين: أحدهما: إذا كرع منهما. والثاني: إذا تلفظ باسم الماء فيهما. فإن قيل: ماء البئر لا يمكن أن يشرب إلا باستقائه وثمر النخلة لا يمكن أن يؤكل إلا بلقاطه. قيل: يمكن أن يشرب ماء البئر بنزوله إليها، ويؤكل من النخلة بصعوده إليها وإن كان تلحقه المشقة كما يمكن أن يكرع من الدجلة بالمشقة. والثالث: أن حقيقة الدجلة اسم لقرارها، والحقيقة في هذا الاسم معدول عنها من وجهين: أحدهما: أن القرار غير مشروب. والثاني: أن ما باشر القرار لا يصل إلى كرعه لعمقه، وإذا سقط حقيقة الاسم من هذين الوجهين وجب العدول إلى مجازه، وهو الماء، لأن اسم الدجلة حقيقة في قرارها، ومجاز في مائها، والمجاز المستعمل أولى من الحقيقة المتروكة. فأما الجواب عن استدلاله إذا حلف لا يشرب من هذا الإناء فهو أن الإناء آلة للشرب، فصارت اليمين معقودة عليه، وليست الدجلة آلة للشرب، فصارت اليمين معقودة على مائها، ألا تراه إذا قال: والله لا شربت من هذه الناقة حنث إذا شرب من لبنها، وإن لم يمتصه من أخلاف ضروعها. ولو قال: والله لا شربت من هذا الإناء، فشرب من لبن الإناء بعد إخراجه منه لم يحنث. وأما الجواب عن استدلالهم بأن الشرب منها حقيقة، ومن مائها مجاز، فهو ما قدمناه من أن المجاز المستعمل أولى من الحقيقة المتروكة والله أعلم بالصواب.

стр. 5158

باب من حلف على غريمه لا يفارقه حتى يستوفي حقه مسألة: قال الشافعي ﵀: "من حلف على غريمه لا يفارقه حتى يستوفي حقه ففر منه لم يحنث لأنه لم يفارقه ولو قال: لا أفترق أنا وأنت حنث". قال في الحاوي: وأصل هذا الباب أن كل يمين علقت على فعل فاعل كانت مقصورة على فعله، ولم يتعلق بفعل غيره، فيكون البر والحنث معتبرًا بفعل من قصد باليمين، فإذا لازم صاحب الدين غريمه، وحلف أن لا يفترقا حتى يستوفي حقه لم يخل يمينه من أحد ثلاثة أقسام: أحدها: أن يعقدها على فعله. والثاني: على فعل غريمه. والثالث: على فعلهما. فأما الأول: وهو أن يعقدها على فعله، فهو أن يقول: والله لا فارقتك حتى أستوفي حقي منك، فالبر والحنث متعلق بفعل الحالف دون المحلوف عليه، فإن فارقه الحالف مختارًا ذاكرًا حنث، وإن فارقه مكرهًا أو ناسيًا ففي حنثه قولان، على ما مضى في حنث المكره والناسي، فأما إن فارقه الغريم المحلوف عليه وفر منه لم يحنث الحالف، سواء قدر على إمساكه أو لم يقدر، لأن اليمين معقودة على فعله فكان حنثه بأن يكون الفراق منسوب إلى فعل غريمه، فلم يتعلق به حنث، ووهم ابن أبي هريرة فخرج حنثه بفراق الغريم على قولين من حنث المكره والناس وهو خطأ لما ذكرنا. وأما الثاني: فهو أن يعقد يمينه على فعل غريمه، وهو أن يقول: والله لا فارقتني حتى أستوفي حقي منك، فإن فارقه الغريم مختارًا ذاكرًا حنث، وإن فارقه مكرهًا أو ناسيًا، فقد اختلف أصحابنا في الإكراه إذا كان في فعل المحلوف عليه، هل يجري مجرى الإكراه في فعل الحالف على وجهين: أحدهما: وهو قول البغداديين أن الإكراه فيهما على سواء، فعلى هذا في حنث الحالف قولان: والثاني: وهو قول البصريين، أن الإكراه معتبر في فعل الحالف وغير معتبر في فعل المحلوف عليه، فعلى هذا يحنث الحالف قولاً واحدًا، فأما إن كان الحالف هو المفارق للغريم، فلا حنث عليه لأن يمينه معقودة على فعل غريمه، لا على فعل نفسه، وهذا الفراق منسوب إليه، وليس بمنسوب إلى الغريم، فلم يتعلق به حنث. وأما الثالث: وهو أن يعقد يمينه على فعله، وفعل غريمه، وهو أن يقول: والله لا

стр. 5159

افترقنا أنا وأنت، أو والله لا فارق واحد منا صاحبه، حتى أستوفي حقي منك، فالحنث ها هنا واقع بفراق كل واحد منهما صاحبه، لانعقاد اليمين على فعلهما، فإن فارقه الحالف حنث إن كان ذاكرًا مختارًا، وفي حنثه إن كان مكرهًا أو ناسيًا قولان، وإن فارقه الغريم المحلوف عليه ذاكرًا مختارًا حنث الحالف، وإن فارقه مكرهًا أو ناسيًا، ففي حنث الحالف ما قدمناه من خلال البغداديين والبصريين في معاني هذه الأقسام في اليمين إذا كانت في الكلام أن يقول: والله لا كلمتك، فإن كلمة الحالف، حنث لعقد اليمين على كلام الحالف، وإن كلمه المحلوف عليه لم يحنث ولو قال: والله لا كلمتن فكلمه المحلوف عليه حنث، ولو كلمه الحالف لم لحنث لعقد اليمين على كلام المحلوف عليه، ولو قال: والله لا تكلمنا أو لا كلم واحد منا صاحبه، فأيهما كلم الآخر حنث لأن اليمين معقودة على كلام كل واحد منهما والله أعلم. مسألة: قال الشافعي: "ولو أفلس قبل أن يفارقه". قال في الحاوي: وهذا راجع إلى من حلف لا يفارقه غريمه حتى يستوفي حقه منه فأفلس الغريم ففارقه لأجل الفلس الموجب لإطلاقه لا لخديعة، فلا يخلو حال فراقه من أن يكون بحكم أو بغير حكم، فإن فارقه بنفسه لما أوجبه الشرع من إنظار المعسر حنث، لأن أحكام الشرع إذا خالفت عقد اليمين لم يمنع من الحنث كمن غصب مالاً، وصف لا رده على صاحبه حنث برده عليه، وإن كان رده بالشرع واجبًا، لأنه رده عليه مختارًا، وهكذا لو دخل دار غيره وحلف لا خرج منها حنث بخروجه، وإن أوجبه الشرع، فأما إن حكم الحاكم عليه بمفارقته لما حكم به من فلسه، فهو في هذا الفراق مكره غير مختار، لأنه منسوب إلى إجبار الحاكم، فيكون في حنثه قولان من حنث المكره. مسألة: قال الشافعي: "أو استوفي حقه فيما يرى فوجد في دنانيره زجاجًا أو نحاسًا حنث في قول من لا يطرح الغلبة والخطأ عن الناس لأن هذا لم يعمده". قال في الحاوي: إذا استوفي حقه في الظاهر ثم وجد فيه بعد فراقه نحاسًا أو رصاصًا أو زجاجًا لم يعلم به صار فيه كالمغلوب والناسي، فيكون في حنثه قولان: أحدهما: يحنث اعتبارًا بوجود الفعل وإطراحًا للقصد. والثاني: لا يحنث اعتبارًا بالقصد وإطراحًا للفعل. وأما إذا أوجده معيبًا، وهو من جنس الحق، فهو على ضربين:

стр. 5160

أحدهما: أن يكون عيبها يخرجها من انطلاق اسم الحق عليها، لأن حقه دنانير مغربية فأعطاه دنانير مشرقية، فتكون خلاف الصفة في اليمين جاريًا مجرى خلاف الجنس، فإن علم به قبل فراقه حنث، وإن لم يعلم به إلا بعد فراقه كان حنثه على ما مضى من القولين. والثاني: أن يكون عيبها لا يخرجها من انطلاق اسم الحق عليها؛ بأن تكون دنانير مغربية لكنها معيبة نظر، فإن كان عيبها مما يسمح به في الأغلب لقلة أرشه بر في يمينه، وإن كان ضد ذلك لكثرة أرشه حنث. فإن قيل: نقصان القدر موجب للحنث فيما قل وكثر فهلا كان نقصان الأرض بمثابته في وقوع الحنث بما قلّ أو كثر قيل: لأن نقصان القدر مستحق يمنع من التماثل في الربا ونقصان الأرض مظنون لا يمنع من التماثل في الربا ويمنع من البر في اليمين. فإن قيل: فهذا ينكسر بكثير الأرش لا يمنع من التماثل في الربا ويمنع من البر في اليمين، قيل: لأن الظن في كثيره أقوى، وفي قليله أضعف فافترقا في بر اليمين وإن استويا في تماثل الربا. مسألة: قال الشافعي: "ولو أخذ بحقه عرضًا فإن كان قيمة حقه لم يحنث وإن كان أقل حنث إلا أن ينوى حتى لا يبقى عليك من حقي شيء فلا يحنث قال المزني ﵀: ليس للقيمة معنى لأن يمينه إن كانت على عين الحق لم يبر إلا بعينه وإن كانت على البراءة فقد براء والعرض غير الحق سوى أو لم يسو". قال في الحاوي: وصورتها أن يحلف صاحب الحق على غريمه أن لا يفارقه حتى يستوفي حقه منه فيأخذ منه عوض حقه متاعًا أو عروضًا أو يأخذ بدل الدراهم دنانير أو بدل الدنانير دراهم، فقد اختلف الفقاء في بره على ثلاثة مذاهب: أحدها: وهو مذهب الشافعي ﵁: أنه لا يبر في يمينه، ويحنث سواء كان ما أخذه بقيمة حقه أو أقل منه. والثاني: وهو مذهب أبي حنيفة أنه يبر في يمينه ولا يحنث، سواء كان بقيمة حقه أو أقل منه. والثالث: وهو مذهب مالك أنه يبر إن كان بقيمة حقه، ويحنث إن كان أقل من قيمة حقه، ووهم المزني، فنقل هذا المذهب عن الشافعي ثم رد عليه فقال: ليس للقيمة معنى، لأن يمينه إن كانت على غير الحق لم يبر إلا بعينه، وإن كانت على البراءة فقد برئ، والعوض غير الحق، سوى أو لم يساو فيقال للمزني: نقلك خطأ وجوابك صحيح، وإنما

стр. 5161

حكاه الشافعي عن مالك، وقد أفصح بمذهبه في كتاب الأم أنه يحنث، واحتج أبو حنيفة على بره بأخذ البدل بأنه إذا أخذ عن مائة دينار ألف درهم صار عليه بأخذ الألف مائة دينار، فصار مستوفيًا لحقه. ودليلنا هو أن سقوط الحق إنما هو بالمأخوذ وهو دراهم والحق دنانير، فصار آخذًا لبدل الحق، وليس بآخذ للحق، ولأننا أجمعنا وأبو حنيفة أنه لو كان حق الحالف ثوبًا فصالح عنه بدراهم أخذها منه أنه يحنث، فكذلك إذا أخذ عن الدراهم ثوبًا أو أخذ عن الدنانير دراهم حنث، لأنه قد أخذ في الحالين بدل حقه، ولم يأخذ بعينه وفيه جواب. فصل: فأما إذا حلف لا يفارقه حتى يستوفي ما عليه ولم يقل: أستوفي حقي فأخذ بحقه بدلاً بر في يمينه، لأنه قد صار بأخذ البدل مستوفيًا ما عليه، ولو أبرأه من الحق حنث، لأن الإبراء ليس باستيفاء، ولو أخذ به رهنًا حنث أيضًا، لأن الرهن وثيقة، ولو أحاله بالحق حنث، لأنه ما استوفي ما عليه، وإنما نقله إلى ذمة غيره، ولو أحاله صاحب الحق على الغريم بر لأنه قد استوفي بالحوالة حقه، ولو جني عليه جناية أرشها بقدر حقه فإن كانت خطأ لم يبر، لأن أرشها على عاقلته، وإن كانت عمدًا فأرشها في ذمته، وحقه في ذمة غريمه، فإن كانا من جنسين لم يجز أن يتقاضاه، لأنه بيع دين بدين، فيحنث لبقاء حقه على غريمه، وإن كانا جنس واحد فهل يكون قصاصًا فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يكون قصاصًا، وإن لم يتراضيا، فعلى هذا فقد بر في يمينه. والثاني: لا يكون قصاصًا وإن تراضيا، فعلى هذا قد حنث في يمينه. والثالث: يكون قصاصًا مع التراخي، ولا يكون قصاصًا مع عدم التراخي، فعلى هذا إن تراضيا قبل الافتراق بر، وإن لم يتراضيا حنث. مسألة: قال الشافعي ﵀: "حد الفراق أن يتفرقا عن مقامهما الذي كانا فيه أو مجلسهما". قال في الحاوي: وهذا صحيح، وهو معتبر بالعرف أن يصير كل واحد منهما في مكان لا ينسب إلى مكان صاحبه، وجملته أن كل ما جعلناه افتراقًا في البيع في سقوط الخيار في المجلس جعلناه افتراقًا في اليمين في وقوع الحنث وقد أوضحناه فأغنى عن إعادته، فلو أكره الحالف على الافتراق كان في حنثه قولان، ولو مات الحالف قبل فراقه لم يحنث، ولو مات المحلوف عليه لم يكن مفارقًا له بالموت بخلاف الافتراق بالبيع حتى يفارقه ببدنه، فإذا فارقه ببدنه، ففي حنثه حينئذٍ قولان كالمكره.

стр. 5162

مسألة: قال الشافعي: "ولو حلف ليقضينه حقه غدًا فقضاه اليوم حنث لأن قصاءه غدًا غير قضائه اليوم فإن كانت نيته أن لا يخرج غد حتى أقضيك حقك فقد بر". قال في الحاوي: وقد مضت هذه المسألة إذا حلف ليقضينه حقه غدًا فقضاه اليوم أنه يحنث، لأن قضاءه اليوم ليس بقضاء في غد وقال أبو حنيفة ومالك: لا يحنث، ولكن لو نوى بيمينه أن لا يخرج غدًا حتى أقضيك بر، لأنه جعل خروج الغد حدًا، ولم يجعله وقتًا ولو حلف، لأدخلن الدار في غد فدخلها اليوم لم يحنث، لأنه يقدر على دخولها في غد فإن لم يدخلها في غد حنث، ولو حلف ليبيعن عبده في غد فباعه اليوم لا يحنث، لأنه يقدر على ابتياعه بعد بيعه ثم يبيعه في غد، فإن فعل ذلك وإلا حنث حينئذٍ، ولو أعتقه قبل غد حنث، لأنه لا يقدر على بيعه بعد عتقه، ولو دبره لم يحنث، لأنه يقدر على بيعه، ولو كاتبه لم يتعجل حنثه لجواز أن يعجز العبد نفسه قبل غد فيقدر على بيعه في غد. ولو حلف ليطلقن زوجته في غد، فطلقها اليوم، فإن استوفي به جميع طلاقها حنث، وإن لم يستوفيه لم يحنث، لأنه يقدر على طلاقها في غد. ولو حلف ليتزوجن هذه المرأة في غد فتزوجها اليوم، ولم يتعجل حنثه، لأنه يقدر على طلاقها واستئناف نكاحها في غد، فإن فعل وإلا حنث. ولو حلف ليعتقن عبده في غد فأغتقه اليوم حنث، لأنه لا يقدر على استئناف عتقه بعد نفوذه اليوم بخلاف النكاح، وإذا حنث في هذه المسائل على ما بينا، ففي زمان حنثه ثلاثة أوجه: أحدها: حكاه ابن أبى هريرة احتمالاً، أنه يحنث لوقته، لأنه لا سبيل له آلي البر. والثاني: أنه يحنث في أول دخول غده. لأنه أول أوقات بره. والثالث: أنه لا يحنث إلا بخروج غده، لأنه أخر أوقات بره، فصار وقتًا لحنثه، والله أعلم. مسألة: قال الشافعي: "هكذا لو وهبه له رب الحق حنث إلا أن يكون نوى أن لا يبقى على غدًا من حق شيء فيبر". قال في الحاوي: ولسقوط الحق عنه بغير أداء حالتان: إحداهما: هبة تتوجه إلى الأعيان. والثاني: إبراء يتوجه إلى الذمة، فأما الهبة فهي تمليك محض لا يتم إلا بالقبول بعد البدل والقبض بعد العقد، فإذا حلف ليقضيه حقه في غد أو ليدفعن إليه حقه في غد فوهبه

стр. 5163

صاحب الحق له حنث الحالف، لأن الحق سقط بغير دفع، وقد اختار التملك فصار مختارًا للحنث، فحنث ولو كان الحق في الذمة فأبرأه منه، فإن قيل: إن الإبراء تمليك يقف على القبول حنث كالهبة وإن قيل: إنه إسقاط لا يفتقر إلى القبول ففي حنثه قولان، كالمغلوب على الحنث، ولكن لو قال: والله لا فارقتك ولي عليك حق، فوهبه له أو أبرأه منه بر في يمينه، لأنه لم يبق له بعد الهبة، والإبراء حق. ولو كان له عنده وديعة ففارقه قبل استرجاعها نظر مخرج يمينه، فإن قال: لا أفارقك ولي عليك حق بر مع بقاء الوديعة، لأنه ليست عليه، وإن قال: لا أفارقك ولي عندك حق حنث ببقاء الوديعة، لأنها حق له عنده. ولو كان له عنده عارية حنث في الحالين سواء قال: عليه أو عنده، لأن عليه ضمانها وعنده عينها. فصل: ولو حلف لا بعت لزيد متاعًا فوكل زيد في بيع فباعه الحالف لم يحنث، وعلى مذهب مالك يحنث، وليس بصحيح، لأنه أضاف المتاع إلى زيد بلام التمليك، فصارت يمينه مقصورة على ملك زيد، وهذا المتاع ملك لغير زيد، ولو قال: والله لا بعت متاعًا في زيد فوكل زيد في بيع متاعه فباعه الحالف نظر في توكيل زيد فإن وكل أن يبيعه كيف أرى بنفسه أو بغيره حنث الحالف، لأنه قد باع متاعًا في يد زيد، وإن وكل أن يبيعه بنفسه فدفعه إلى الحالف حتى باعه كان البيع باطلاً، ولم يحنث به الحالف ويكون الحنث واقعًا بما يصح من البيع دون ما فسد، وكذلك سائر العقود إذا حلف لا يعقدها، فعقدها عقدًا فاسد لم يحنث، وقال أبو حنيفة: يحنث بالصحيح منها والفاسد استدلالاً بأن العقد فعل، والصحة والفساد حكم، وعقد يمينه على الفعل دون الحكم. ودليلنا: هو أن العقد ما تم، والفساد يمنع من تمامه، وإذا لم يتم شرط الحنث، لم يقع كالنكاح الفاسد، فإنه وافق على أنه لا يحنث به، وخالف في البيع الفاسد، فأوقع الحنث به، فإن اعتبر الحنق بفعل العقد بطل النكاح، وإن اعتبر بصحة العقد بطل البيع، فلم يسلم له دليل، ولم يصح له تعليل. فصل: فإذا حلف لا يصوم، فدخل في الصيام حنث بالدخول فيه، وإن لم يستكمل جميع اليوم. ولو حلف لا يصلي حنث بإحرامه بالصلاة، وإن لم يستكملها. وقال ابن سريج: لا يحنث حتى يقرأ بعد الإحرام، ويركع، فيأتي بأكثر الركعة. وقال أبو حنيفة: لا يحنث حتى يستكمل ركعة بسجدتها يستوعب بها جنس، أفعال الصلاة. ودليلنا: هو أن يكون مصليًا بالدخول في الصلاة، كما يكون صائمًا بالدخول في

стр. 5164

الصيام، فوجب أن يستوفيا في الحنث بالدخول، لأن اليمين إذا تعلقت باسم استقر حكمها بالدخول في أول الاسم كمن حلف لا يدخل الدار، فدخل أول دهليزها حنث واستدلاله يفسد بالجلوس قدرًا لتشهد، فإنه من جنس أفعالها، ولم تشتمل عليه الركعة الأولى، والله أعلم بالصواب. باب من حلف على امرأته لا تخرج إلا بإذنه مسألة: قال الشافعي: "من قال لامرأته أنتِ طالق إن خرجت إلا بإذني أو حتى آذن لك فهذا على مرة واحدة وإذا خرجت بإذنه فقد بر ولا يحنث ثانية إلا أن يقول كلما خرجت إلا بإذني فهذا على كل مرة". قال في الحاوي: اعلم أن ألفاظ يمينه إذا حلف على زوجته أن لا تخرج إلا بإذنه ينقسم ثلاثة أقسام: أحدها: ما اتفق الفقهاء على أنها تنعقد على مرة واحدة، ولا توجب التكرار، وذلك لفظتان "إلى" و"حتى". فإذا قال لها: أنت طالق إن خرجت إلى أن آذن لك، أو حتى آذن لك، فتنعقد يمينه على خروجها مرة واحدة بإذنه، فإن خرجت مرة واحدة بإذنه بر، وانحلت يمينه ولا يحنث، وإن خرجت بعد ذلك بغير إذنه، واختلفوا في العلة مع اتفاقهم في الحكم، فعلل أصحاب أبي حنيفة بأنهما لفظتان غاية ارتفع حكمها بانقضائها. وعلل أصحاب الشافعي ﵀ بأنهما لما لم يتكررا في الحنث لم يتكرر في البر. وتأثير هذا الاختلاف في التعليل يتبين في القسم الثالث، فهذا حكم القسم الأول. والثاني: ما اتفقوا على أنها تنعقد على التكرار في البر والحنث، وهي لفظة واحدة، وذلك قوله: كلما دخلت الدار بغير إذني، فأنت طالق فلفظة "كلما" موضوعة للتكرار، فبره يكون بإذنه لها في كل مرة، وحنثه يكون بأن لا يأذن لها في كل مرة، وإن خرجت مرة بغير إذنه حنث، وطلقت واحدة، ولم تسقط يمينه، وإن خرجت ثالثة بغير إذنه حنث، وطلقت ثالثة، وسقطت يمينه بعدها لاستيفاء ما ملكه من طلاقها. ولو أذن لها بالخروج ثلاثة مرات من ثلاثة خرجات بر، ولم تخل يمينه، لبقاء الطلاق. فإن خرجت رابعة بغير إذنه، طلقت، فيقدر الحنث بالثلاث، ولم يتقدر بها البر، لاعتبار الحنث بما ملكه من عدد الطلاق، فلو خرجت مرة بإذنه وثانية بغير إذنه، وثالثة بإذنه، ورابعة بغير إذنه بر في خرجتين الأولى والثالثة.

стр. 5165

وحنث في خرجتين في الثانية والرابعة ثم على هذه العبرة. والثالث: ما اختلف فيه: هل تنعقد يمينه على مرة واحدة أو على التكرار، وذلك فيما عدا القسمين الماضيين من الألفاظ، وهي خمسة ألفاظ: أحدها: إن خرجت من الدار إلا بإذني، فأنت طالق. والثانية: إن خرجت من الدار إلا أن آذن لك، فأنت طالق. والثالثة: إن خرجت من الدار بغير إذني، فأنت طالق. والرابعة: أي وقت خرجت من الدار بغير إذني، فأنت طالق. والخامسة: متى خرجت من الدار بغير إذني، فأنت طالق. فاختلفوا في انعقاد اليمين بهذه الألفاظ هل توجب التكرار في البر والحنث على ثلاثة مذاهب: أحدها: وهو مذهب الشافعي ﵁ أنها تنعقد على مرة واحدة في البر والحنث، ولا توجب التكرار في بر ولا حنث. فإن خرجت مرة واحدة بإذن بر وانحلت اليمين، ولا يحنث إن خرجت بعد ذلك بغير إذن. وإن خرجت مرة واحدة بغير إذن حنث، وسقطت اليمين، ولا يعود الحنث إن خرجت بعده بغير إذن. والثاني: وهو مقتضى مذهب مالك أنها تنعقد على التكرار في البر والحنث، وإن خرجت مرة بإذن بر، ولم تخل اليمين، وإن خرجت مرة بغير إذن حنث، ولم تسقط اليمين. والثالث: وهو مذهب أبي حنيفة أنها تنعقد على المرة الواحدة في الحنث، وعلى التكرار في البر، فإذا خرجت مرة بغير إذن حنث، وسقطت اليمين، ولم يحنث إن خرجت مرة من بعد بغير إذن. وإن خرجت مرة بإذن بر، ولم تخل اليمين، وحنث إن خرجت بعده بغير إذن، ولأصحابه في هذا طريقان: منهم من يرى أن قوله: "إلا بإذني" استثناء يوجب خروج المستثنى، ولا يتعلق به بر ولا حنث، وبره بأن يكون لا تخرج، وحنثه يكون بأن تخرج بغير إذن، ليكون بارًا من وجه واحد، وحانثًأ من وجه واحد به، ولا يكون بارًا من وجهين: وحانثًا من وجه، كمن قال لزوجته: إن كلمت زيدًا، فأنت طالق كان بكلامها لزيد حانثًا ويترك كلامه بارًا، وبكلامها لغيره غير بار، ولا حانث، وهذه أشبه بطريقة المحققين منهم، وهي فاسدة من وجهين: أحدهما: أن يمينه تضمنت منعًا، وتمكينًا، فالمنع خروجها بغير إذن، والتمكين خروجها بإذن.

стр. 5166

فلما حنث بالجمع وجب أن يبر بالتمكين، لأن كل واحد منهما قد تضمنته اليمين، وخالف ما استشهد به من يمينه على كلامها لزيد، لأن كلامها لغيره لم يدخل في يمينه من منع ولا تمكين، فلم يتعلق به بر ولا حنث. والثاني: أن البر والحنث يتعلقان في الأيمان بشيء واحد، فإن كانت على إثبات كقوله: والله لأدخلن الدار، كان بره بدخولها، وحنثه بأن لا يدخلها. وإن كانت على نفي كقوله: والله لا دخلت الدار كان بره بأن لا يدخلها وحنثه بأن يدخلها. فلما كان حنثه في قوله: إن خرجت إلا بإذني، فأنت طالق، يكون بخروجها بغير إذنه وجب أن يكون بره بخروجها بإذنه، فتثبت بهذين المعنيين فساد هذه الطريقة. والثانية: لهم أن يسلموا وقوع البر بالخروج بإذن، كما أن وقوع الحنث بالخروج بغير إذن، ويستدلوا على وجوب تكرار البر، وإن لم يتكرر الحنث بأمرين: أحدهما: إنما انعقد الإجماع عليه في قوله لزوجته: إن خرجت من الدار إلا راكبة فأنت طالق، أن البر يتكرر، ويلزمها أن تخرج في كل مرة راكبة، وإن خرجت مرة غير راكبة حنث وسقطت اليمين، وإن خرجت مرة راكبة بر ولم تخل اليمين، ولزمها الخروج بعد هذا البر راكبة أبدًا، كذلك ما اختلفنا فيه من قوله: إن خرجت إلا بإذن، فأنت طالق، فخرجت مرة بإذنه، لم تخل اليمين، ولزمها أن تخرج كل مرة بإذنه. ولو خرجت مرة بغير إذنه حنث، وسقطت اليمين، فيكون الإجماع في اشتراط الركوب دليلاً على الخلاف في اشتراط الإذن، إذ ليس بين الشرطين فرق في الحكم. والثاني: أنه لما كان البر يترك الخروج مؤبدًا، والحنث بالخروج من غير إذن مقيدًا وجب أن يكون البر بالخروج بالإذن متكررًا، وإن لم يكن الحنث بالخروج بغير إذن متكررًا. والدليل على فساد هذه الطريقة من وجهين: أحدهما: لما كان عقد اليمين بلفظ الغاية يوجب استواء البر والحنث في سقوط التكرار، وكان عقدها بقوله: "كلما" يوجب استواء البر والحنث في وجوب التكرار، وجب أن يكون عقدها بما اختلفا فيه من قوله: إن خرجت إلا بإذني، ملحقًا بأحدهما في استواء البر والحنث في وجوب التكرار وسقوطه، فلما سقط التكرار في الحنث وجب أن يسقط التكرار في البر. وتحريره قياسًا: أن كل يمين اشتملت على منع وتمكين وجب أن يكون البر فيها مقابلاً للحنث في وجوب التكرار وسقوطه كالمعقود بلفظ الغاية في سقوط التكرار، وكالمعقودة ب "كلما" في وجوب التكرار. والثاني: أن البر والحنث في الأيمان معتبران بالعقد، فإن أوجب تكرار المنع والتمكين أوجب تكرار البر والحنث، وإن لم يوجب تكرارهما لم يتكرر البر والحنث. ولفظ التكرار معدوم في قوله: إن خرجت إلا بإذني، فانعقد على مرة، وموجود في قوله:

стр. 5167

كلما خرجت بغير إذني، فانعقد على كل مرة. ألا تراه لو قال لها: إن خرجت بإذني، فأنت طالق، انعقدت على مرة، ولو قال: كلما خرجت بإذني فأنت طالق، انعقدت على مرة، ولو قال: كلما خرجت بإذني انعقدت على التكرار وما انعقدت عليه اليمين سواء في البر والحنث في التكرار والانفراد، لأن عقدها إن قابلت مقتضاها كان حكمها مقصورًا عليه. وتحريره قياسًا: أن ما انعقدت عليه اليمين وجب أن يستوي فيه البر والحنث، قياسًا على تعليق الطلاق بالإذن، تسوية بين الإثبات والنفي فأما الجواب عن استدلالهم بقوله: إن خرجت إلا راكبة، فهو أن هذا تعليق طلاق بصفة، وهي خروجها ماشية، فوقع بوجود الصفة، وليست يمينًا توجب منعًا، وتمكينًا، فافترقا. وأما الجواب عن اجتماعهم بامتداد البر في المقام إلى الموت، وتوقيت الحنث بالخروج، فهو أن المقام في منزلها ترك مطلق، فحمل على التأبيد في البر، والخروج فعل مقيد بوقته، فتقدر به البر والحنث، فوجب أن يكون البر فيه مساويًا للحنث. فصل: ويتفرع على ما قدمناه أن يقول لها: إن خرجت إلى غير الحمام بغير إذني، فأنت طالق، فخروجها إلى الحمام مستثنى من يمينه، لأنه لا يفتقر إلى إذن، ولم يتعلق به بر ولا حنث، فاليمين منعقدة على خروجها إلى غير الحمام، فإن خرجت إليه بغير إذنه حنث وسقطت اليمين فإن خرجت إليه بإذنه بر، وانحلت اليمين. فإذا كان كذلك لم يحل خروجها بغير إذن، إذا جمعت فيه بين الحمام وغير الحمام من ثلاث أضرب: أحدها: أن تخرج إلى الحمام، ثم تعدل إلى غير الحمام، فلا حنث عليه اعتبارًا بقصد الخروج أنه كان إلى الحمام. والثاني: أن تخرج إلى غير الحمام، ثم يعدل إلى الحمام، فيحنث اعتبارًا بقصد الخروج أنه كان إلى غير الحمام. والثالث: أن تخرج جامعه في قصدها بين الحمام وغير الحمام، فيحنث، لأن خروجها إلى غير الحمام موجود، فلم يمنع اقترانه بالخروج إلى الحمام من وقوع الحنث به. ووهم أبو حامد الإسفراييني، فقال: لا يحنث به تغليبًا لما لا يوجب الحنث على ما يوجبه، والله فيه واضح، لما عللناه. ألا تراه لو قال لها: إن كلمت زيدًا، فأنت طالق، فكلمت زيدًا وعمرًا معًا طلقت، ولم يمنع كلامها لعمرو من وقوع الطلاق بكلامها لزيد؟!

стр. 5168

فصل: فأما الإذن، فقد يكون تارة بالقول، وتارة بالكناية، وتارة بالرسالة، وتارة بالإشارة وجميعه يكون إذنًا اعتبارًا بالعرف فيه. وسواء ابتدأ الزوج بالإذن أو سألته، فأذن. فإن استأذنته وأمسك، فلم يكن منه إذن ولا منع، لم يكن السكوت إذنًا إلا أن تقترن به إشارة، فتصير الإشارة إذنًا. فإن أذن لها، ثم رجع في إذنه، لم يسقط حكم الإذن برجوعه، لأن شرط البر وجود الإذن، وليس بقاؤه عليه شرطًا فيه، وسواء كان رجوعه قبل الخروج أو بعده. فإن شرط إذنًا باقيًا، فرجع فيه حنث إن كان رجوعه قبل الخروج، ولم يحنث إن كان رجوعه بعد الخروج. ولو شرط في يمينه أن يكون خروجها بإذن غيره، اعتبر إذن ذلك الغير دون الحالف، ولو شرط إذنهما معًا حنث بخروجها عن إذن أحدهما، فإن أذن للغير أن يأذن لها، فعلى ثلاثة أضرب: أحدها: أن يقول: ائذن لها عن نفسك، فلا يجزئ في البر أن يأذن لها الغير، حتى يأذن معه الحالف، فإن أذن الغير، ولم يأذن الحالف حنث. والثاني: أن يقول: ائذن لها عني، فقد صار في الإذن نائبًا عن الحالف، فيحتاج الغير أن يأذن لها إذنين. أحدهما: عن نفسه. والثاني: عن الحالف. فإذا جمع بين الإذنين بر الحالف، وإن اقتصر على أحدهما حنث. والثالث: أن يطلق إذنه للغير، فيسأل عنه الحالف. فإذا أراد به أحد الأمرين عمل عليه، وكان حكمه على ما قدمناه من الضربين، فإن فات سؤال الحالف عنه الغيبة طالت نظر، حال ذلك الغير مع الحالف. فإن كان ممن جرت عادته أن يأمره وينهاه، صار هذا الإذن له أمرًا، فيكون إذنًا عن الحالف، فيصير كالضرب الثاني. وإن لم تجر عادته بأمره ونهيه صار مثل هذا الإذن طلبًا، فيكون إذنًا عن الغير، فيصير كالضرب الأول اعتبارًا بالعرف والله أعلم. مسألة: قال الشافعي: "ولو أذن لها وأشهد على ذلك فخرجت لم يحنث لأنه قد أذن لها وإن لم تعلم كما لو كان عليه حق لرجل فغاب أو مات فجعله صاحب الحق في حل

стр. 5169

برئ غير أني أحب له في الورع لو أحنث نفسه لأنها خرجت عاصية له عند نفسها وإن كان قد أذن لها". قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا حلف بطلاقها أن لا تخرج إلا بإذنه، وأذن لها ولم تعلم بالإذن حتى خرجت لم يحنث، ولا يكون علمها بالإذن شرطًا في البر، وهذا مذهب الشافعي وبه قال أبو يوسف وقال مالك وأبو حنيفة ومحمد يحنث، ويكون علمها بالإذن شرطًا في البر، استدلالاً بأربعة معانٍ: أحدها: أن الإذن تضمن الإعلام لقوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧]، أي أعلمهم بفرضه، وقول النبي ﷺ لفاطمة بنت قيس: "إذا حللت، فآذنيني"، أي: أعلميني. وقول الشاعر: آذنتنا ببينها أسماء رب ثاو يمل منه الثواء أي: أعلمتنا، فإذا ثبت بالشرع واللغة أن الإذن يتضمن الإعلام صار شرطًا، فيه فإن عدم لم يكمل الإذن، فلم يقع به البر. والثاني: أن الإذن أمر يخالف ما بعد حكم ما قبله، فجرى مجرى النسخ، ثم ثبت أن العلم بالنسخ شرط في لزومه كذلك العلم، بالإذن شرط في صحته. والثالث: أنه ألزمها بخروجه عن إذنه أن تكون مطيعة في الخروج، فإذا لم تعلم بالإذن صارت عاصية بالخروج، فلم يكن هو الخروج المأذون فيه، فوجب أن يحنث به، ويصير عدم علمها بالإذن جاريًا مجرى عدم الإذن، لوجود المعصية فيهما، كمن باع ما لا يعلم أنه مالك له، ثم علم أنه قد كان مالكًا له، كان بيعه باطلاً، وجرى عدم علمه بالملك مجرى عدم الملك. والرابع: أن الإذن يفتقر إلى آذن، ومأذون له، كالكلام الذي يفتقر إلى قائل ومستمع، فلما كان المنفرد بالكلام يسلبه حكم الكلام، وجب أن يكون تفرده بالإذن يسلبه حكم الإذن. ودليلنا أربعة معان: أحدهما: إن الإذن يختص بالآذان، والعلم به مختص بالمأذون لها، وشرط يمينه إنما كان معقوداً على ما يختص به من الإذن دون ما يختص بها من العلم. ألا ترى أن اسم الإذن ينطلق على إذنه دون علمها، فوجب أن يكون موجباً لوجود الشرط، فلا يقع به الحثت، كما لو قال: إن قمت، فأنت طالق، طلقت بقيامه، إن لم تعلم. والثاني: أنه لو كان العلم شرطًا في الإذن لكان وجوده من الحالف شرطًا فيه، كما كان وجود الإذن منه شرطًا فيه، فلما ثبت أنها لو علمت به من غيره صح، لو أذن لها

стр. 5170

غيره لم يصح، دل على خروجه من حقوق الإذن، وصح بمجرد القول. والثالث: أنه قد حظر الخروج عليها باليمين، وأباحها الخروج بالإذن، فصار عقدها جامعًا بين حظر وإباحة، والاستباحة، إذا صادفت إباحة لم يعلم بها المستبيح جرى عليها حكم الإباحة دون الحظر، كمن استباح مال رجل قد أباح له، وهو لا يعلم بإباحته، جرى على المال المبتدئ حكم الإباحة اعتبارًا بالمبيح، ولم يجز عليه الحظر اعتبارًا بالمستبيح. كذلك حكم هذه الخروج. وتحريره: أنها استباحة بعد إباحة، فلم يكن فقد العلم بها مؤثرًا في حكمها كالمال. والرابع: أنها لا تعلم بإذنه، لبعدها تارة، ولنومها أخرى، وقد وافقوا أنه لو أذن لها، وهي نائمة، فخرجت غير عالمة بإذنه لم يحنث، كذلك إذا أذن لها، وهي بعيدة، فلم تعد تعلم بإذنه حتى خرجت وجب أن لا يحنث. وتحريره: أنها يمين تعلق البر فيها بالإذن، فوجب أن لا يكون عدم العلم به موجبًا للحنث، كالنائمة والناسية. وأما الجواب عن استدلالهم الأول، بأن الإذن يتضمن الإعلام استشهادًا بما ذكروه، فمن وجهين: أحدهما: أن الإعلام، هو الإيذان دون الإذن، وفرق بين الإذن والإيذان. والثاني: أن الإذن لو اقتضى الإعلام، لاختص به الإذن دون غيره، وهو لا يختص به، فلم يكن من شرط إذنه. وأما الجواب عن استدلالهم الثاني في النسخ، فهو أن في اعتبار العلم به وجهين: أحدهما: أن النسخ يلزم مع عدم العلم به كالإذن، فلم يكن فيه دليل. والثاني: أنه لا يلزم إلا بعد العلم به، كأهل قباء حين استداروا في صلاتهم، وبنوا على ما قتدم قبل علمهم بنسخ بيت المقدس بالكعبة. فعلى هذا أن الفرق بينهما أن النسخ مختص بالتعبد الشرعي، فلم يلزم إلا بعد العلم به، لوجوب إبلاغه، والإذن رافع للمنع، فصار مرتفعًا قبل العلم به. وأما الجواب عن استدلالهم الثالث بأن اشتراط الإذن يقتضي خروجًا تكون فيه مطيعة، فهو انتقاضة بخروجها إن كانت ناسية لإذنه، أو كانت نائمة عند إذنه هي قاصدة لمعصيته ولا يحنث به. وأما الجواب عن استدلالهم الثالث بأن اشتراط الإذن يقتضي خروجًا تكون فيه مطيعة، فهو انتقاضه بخروجها إن كانت ناسية لإذنه، أو كانت نائمة عند إذنه هي قاصدة لمعصيته ولا يحنث به. وأما الجواب عن استدلالهم الرابع بالمتكلم، فهو فساد الجمع بينهما، لأن المعتبر في كلام الغير الاستماع دون الإعلام والسماع، وهم يعتبرون في الإذن الإعلام دون السماع والاستماع، ففسد الجمع بينهما مع اختلاف مقصودهما.

стр. 5171

فصل: فإذا ثبت أن العلم ليس بشرط في صحة الإذن، فقد قال الشافعي ﵁: ولو أذن لها وأشهد على نفسه لم يحنث، وليس إشهاده على الإذن شرطًا فيه، وإنما هي حجة له إن ادعاه، ليرفع به الطلاق إذا أنكرته الزوجة، ليقع عليه الطلاق. وإنما الشرط في صحة الإذن أن يكون مسموعًا منه، فإن لم يذكره لمستمع لم يصح، لأنه يصير من حديث النفس الذي لا يصح به الإذن. ثم قال الشافعي ﵁: "وأحب له في الورع أن يحنث نفسه". وإنما اختار له ذلك، لأنه مخرج مختلف في استباحته، فاختار له أن تكون الاستباحة ومتفقًا عليها، وأمره بالتزام الحنث، ولم يرد بالتزام الحنث التزام الطلاق، لأنه التزام الطلاق لم تصر زوجته مستبيحة الأزواج باتفاق، وإنما أمره بما تكون الاستباحة في الجهتين باتفاق يقع. وإذا كان كذلك لم يخل أن يكون الطلاق رجعيًا أو ثلاثًا. فإن كان رجعيًا، فيختار له في الورع إن أراد المقام معها أن يرتجعها، لأن الطلاق إن وقع استباحها بالرجعة، وإن لم يقع لم تضره الرجعة. وإن لم يرد المقام معها قال لها: إن لم يكن الطلاق قد وقع عليك، فأنت طالق واحدة، حتى لا يلزمه أكثر من واحدة في الحالين. فإن لم يقل هكذا، وقال: أنت طالق، واحدة لزمته واحدة، وكانت الثانية على اختلاف. وإن لم يقل أحد هذين كان النكاح لازمًا، وهي ممنوعة من الإزواج، ويؤخذ بنفقتها والورع أن يمتنع من إصابتها. وإن كان الطلاق ثلاثًا، فليس من الورع الإقامة عليها، والورع أن يفارقها بأن يقول لها: أنت طالق ثلاثًا. وليس يحتاج أن يقول لها: أنت طالق ثلاثًا إن لم يكن الطلاق قد وقع عليك لأن طلاق الحنث إن وقع لم يقع طلاق المباشرة، وخالف طلاق الرجعة، لأنه إن لم يقع طلاق الحنث وقع طلاق المباشرة. فإن لم يقل هذا في الطلاق الثلاث، كان ملتزمًا لنكاحها، وهي ممنوعة من الإزواج، ويؤخذ بنفقتها، والورع له أن يمتنع من إصابتها، فإن لم يمتنع، وأصابها في الطلاقين فلا حرج عليه، ولا مأثم، لما حكم به من بره في يمينه.

стр. 5172

تتمة كتاب الأيمان باب من يعتق من مماليكه إذا حنث مسألة: قال: "ومن يعتق ما يملِكُ". الفصل يعني إذا قال: رقيقي أحرار، أو مماليكي أحرار، أو إن دخلت الدار فمماليكي أحرار، أو رقيقي أحرار ودخل الدار، فإن كان عبيد وإماء عتقوا؛ لأن هذا الاسم يتناولهم حقيقة، وإن كان مدبرًا أو مدبرة عتقًا أيضًا؛ لأنهما في حكم العبد القن، ولو باشرهما بالعتق عتقًا، وإن كانت له أم ولدٍ عتقت أيضًا؛ لأنه لو باشرها بالعتق عتقت، وكذلك إذا كان له أشقاصٌ من عبيدٍ وإماءٍ يحكم بعتقهم؛ لأنه يملك ذلك ملكًا حقيقةً، وإن كان له مكاتب أو مكاتبة فإن نوى عتقهما عتقًا بالنية، وإن أطلق ولم ينو فالمنصوص أنهما لا يعتقان؛ لأنه خارج عن ملك سيده في تصرفه فلا يتصرف في رقبته ولا منفعته، ويستحق كل واحدٍ منهما الحقوق على صاحبه فلا يدخل في اسم المماليك. واعلم أن الشافعي علل فقال: "لأن المكاتب خارج عن ملكه بمعنى داخل". وله تأويلان: أحدهما: أنه خارج عن ملكه مع براء عقد الكتابة، وداخل في ملكه بتعجيزه نفسه. والثاني: أنه أراد أنه خارج ببعض أحكام الحرية له، وداخل بثبوت بعض أحكام الرق له. وقال الربيع: سماعي من الشافعي أنهما يعتقان، فمن أصحابنا من لم يجعل هذا قولاً للشافعي، وقال: هذا من كيس الربيع وتخريجه وليس بقول الشافعي. ومنهم من قال وهو الصحيح: هذا قول آخر ففي المسألة قولان؛ لأنه قال: سماعي منه وهو ثقة فيما يرويه، ووجه قوله: "المكاتب عبد ما بقي عليه درهم". ويؤكده أنه مملوك لسيده، ولهذا لا ولاية ولا شهادة، وهذا لا يصح؛ لأن من أصحابنا من قال: يجوز أن يكون مملوكًا لا مالك له كستر الكعبة. ومنهم من قال: مملوك لنفسه ولا يعتق؛ لأنه لم يكمل ملكه، كما إذا [١/ أ] اشترى عبدًا فإنه يملكه ولا ينفذ عتقه فيه؛ لأنه لم يكمل ملكه. فإنه قيل: أليس لو أعتقه نفذ عتقه فدل أنه مملوك؟ قلنا: إذا واجهه بالعتق كان إبراٌ من مال الكتابة؛ لأن عتقه لا يحصل إلا به، ولهذا بقي له أولاده واكتسابه، وهنا أطلق اللفظ فينصرف إلى من ملكه حقيقة، ولا حاجة إلى استعماله في المكاتب ولا يتناوله المطلق في الحقيقة.

стр. 5173

مسألة: قال: "ولو حلف بعتق عبده ليضربنه غدًا فباعه اليوم فلما مضى غدٌ اشتراه". الفصل هذه مسألة مبنية على مسألة في الطلاق، وهي إذا قال لها: أنت طالق إن دخلت الدار، ثم أبانها فدخلت الدار لم تطلق، فإن تزوجها بعد ذلك ثم دخلت الدار لم تطلق أيضًا؛ لأن الصفة قد وجدت دفعة فانحلت اليمين. ولو لم تدخل الدار في حال البينونة ثم تزوجها فدخلت هل تعود الصفة؟ قد ذكرنا أنه إن أبانها بدون الثلاث ثم تزوجها، ففي القديم تعود اليمين قولاً واحدًا، وفي الجديد قولان. وإن أبانها الثلاث ففي الجديد لا تعود قولاً واحدًا، وفي القديم قولان. فإذا ثبت هذا فهاهنا إذا قال لعبده: إن لم أضربك غدًا فأنت حر، فإن جاء الغد وهو مالكه، فإن ضربه بر في يمينه، وإن لم يضربه حنث، إلا أنه لا يعتق؛ لأنه ليس في ملكه. فإن اشتراه بعد ذلك لا يؤثر شيئًا؛ لأن وقت اليمين قد فات. وفرَّع أصحابنا على هذا إذا قال: إن لم أضربك غدًا فأنت حر، ثم جاء الغد وتمكن من ضربه فلم يضربه ثم باعه قبل غروب الشمس لا يعتق أيضًا، لأن الصفة قد وجدت وهي حالة الغروب وليس العبد في ملكه فلم يعتق. ولو باع العبد قبل أن يضربه ثم ابتاعه قبل غروب الشمس من الغد وتمكن من ضربه هل تعود اليمين حتى إذا لم يضربه عتق أم لا يعود؟ فيه قولان. واختلف أصحابنا على أي أصل يبنى ذلك، فمنهم من قال: هو بمنزلة البينونة [١/ ب] بعد الثلاث، وقد تقدم هذا في "كتاب الخلع". وقال القفال: العود بملكٍ جديد في هذا الرق يشبه العود بنكاح جديدٍ قبل زوج آخر، وإن أعتقه وهو كافر فاسترق فملكه من الرق الجديد، فهو كالعود في النكاح بعد زوج آخر في الجديد لا يعود الحنث، وفي القديم قولان. فرع لو قال: والله لأضربنك غدًا، فإن ضربه في الغد برَّ، وإن لم يضربه حنث عند غروب الشمس، وإن باعه قبل الغروب وفاته الضرب حنث أيضًا وتلزمه الكفارة. والفرق بين هذه المسألة والتي قبلها أن اليمين هناك معلقة بالعتق وذلك تعلق بعين العبد ولا يمكن ذلك؛ لأن العبد غير مملوك له فحنث ولزمته الكفارة عند تمكنه من الضرب وتفويته إياه على نفسه. فرع آخر لو قال: إن لم أضربك غدًا فأنت حر، فباعه قبل مجيء الغد ثم اشتراه بعد انقضاء غده، قال ابن أبي هريرة: يعتق عليه وينتقض البيع ويرجع بثمنه لاستحقاق عتقه قبل بيعه وهذا غلط؛ لأن نفوذ البيع أوجب زوال ملكه.

стр. 5174

فرع آخر لو رهنه قبل غده وافتكه بعد غده ففي عتقه عليه ثلاثة أقوال بناء على إعتاق المرهون. مسألة: قال: "ولو قال لعبده أنت حر إن بعتك فباعه بيعًا ليس ببيع خيار فهو حر". الفصل إذا قال لعبده: إن بعتك فأنت حر فقد علق عتقه على بيعه، فإن باعه مطلقًا عتق عليه؛ لأن صفة العتق مصادفة عقيب البيع والخيار ثابت له في تلك الحالة وهو خيار المجلس. ولو باشره بالعتق عتق فكذلك إذا وجدت الصفة عتق خلافًا لمالك وأبي حنيفة؛ لأن عندهما لا يثبت خيار المجلس. ولو باعه بشرط خيار الثلاث عتق بالإجماع عندنا لثبوت الخيارين؛ خيار المجلس وخيار الشريك، وعندهما لثبوت خيار الثلاث. وقد ذكرنا أنه لو باعه على أن لا خيار له فيه، ظاهر كلام الشافعي هنا مقتضى صحة البيع وأن لا يعتق عليه؛ لأنه قال: "فباعه [٢/ أ] بيعًا ليس ببيع خيار" لم يعتق. وقيل: قوله: "ليس ببيع خيار"، لم يرد به هذا، بل أراد ليس ببيع شرط فيه خيار ثلاثة أيام، وقصد به الرد على مالك وأبي حنيفة حيث شرطا في نفوذ العتق هنا شرط خيار الثلاث وهذا هو الصحيح، وهو الذي نص عليه في البويطي، وذكره أبو إسحاق، واختاره القاضي أبو حامد. وقال القاضي أبو حامد: هذا يسقط تأويل من قال من أصحابنا: إن معناه ليس ببيع شرط فيه إبطال خيار المجلس عند عقد البيع وجعل جواز اشتراط إبطال خيار المجلس مع العقد قولاً للشافعي بهذا اللفظ، وقد ذكرنا في البيع فيه ثلاثة أوجهٍ، والصحيح بطلان البيع والشرط، وهو ظاهر قوله في "كتاب البيوع"؛ لأنه شرط ما ينافي مقتضى العقد ولا يتعلق به مصلحة العقد. وعلى هذا لا يعتق العبد أيضًا؛ لأن الصفة لم توجد، وإذا قلنا يصح العقد دون الشرط يعتق؛ لأن الصفة توجد. مسألة: قال: "ولو قال إن زوجتك أو بعتك فأنت حر، فزوجه أو باعه بيعًا فاسدًا لم يحنث". هذا على ما ذكر صحيح؛ لأن ظاهر اللفظ ينصرف إلى الصحيح دون الفاسد، ووافقنا المزني في عقد بصور مرة صحيحًا ومرة فاسدًا مثل هذا العقد. فأما إذا قال: إن بعت خمرًا أو خنزيرًا فأنت حر لا يحنث عند الشافعي بحالٍ، لأن البيع الصحيح لا يتصور فيها بحالٍ، وقال المزني: يحنث. وكذلك لو قال: لا أبيع الخمر فباعها لا يحنث عندنا خلافًا للمزني. واحتج بأنه لا يبيع الخمر إلا فاسدًا، فكأنه لم يرد إلا وجود لفظ لا يجافي القبول وقد وجد ذلك، وهذا غلط لما ذكرنا.

стр. 5175

وكذلك لو قال: لا أبيع بيعًا فاسدًا لم يحنث وقلنا: لا يمكنك أن تبيع بيعًا فاسدًا فتحنث به. وقال أبو حنيفة: إذا قال لا أبيع بيعًا فاسدًا وأقبض حنث عند الإقباض؛ لأن الملك به يقع. وفي التزويج سلم أنه لا يحنث بالفاسد إذا حلف بعقد من المستقبل، فإن حلف أنه لا يزوج وكان قد زوج تزويجًأ فاسدًا قال: يحنث [٣/ ب] وكذلك لو تزوج فاسدًا ثم قال: والله ما تزوجت حنث عنده، فيقيس الماضي على المستقبل. وقال مالك: يحنث بالبيع الفاسد والنكاح الفاسد بكل حال. فرع لو قال: والله ما صليت وكان قد صلى صلاةً فاسدةً لا يحنث. وقال محمد: يحنث وهذا غلط؛ لأن الفاسد لا يتناوله النهي في المستقبل كذلك في الماضي. فرع آخر لو قال: والله ما وهبت لفلان فوهب فلم يقبل، قد ذكرنا أنه لا يحنث في أصح الوجهين. وقال أبو حنيفة وبه قال ابن سريج: يحنث؛ لأن البذل أول العقد وهذا يبطل بالبيع؛ لأنه لا يعتق بالبذل حتى يعقبه القبول؛ لأن مجرد البذل لا يكون عقد فيهما. وكذلك لو علقه بالرهن والإجارة. وكذلك لو قال لا أُعيره فأعاره فلم يقبل لا يحنث خلافًا لأبي حنيفة، وعلل بأنه لا عوض في العارية، والمقصود ما يوجد من المعير فيحنث به، وهذا لا يصح لما ذكرنا. مسألة: قال: "وإذا حلف لا يأكل الرؤوس". الفصل اعلم أنه إذا حلف لا يأكل الرؤوس لا يحنث إلا بأكل رؤوس النعم خاصة الإبل والبقر والغنم، فأما غيرها فلا يحنث بأكله. وقال أبو حنيفة: يحنث بأكل رؤوس الغنم والبقر دون الإبل. وقال أبو يوسف: يحنث بأكل رؤوس الغنم فقط، وقال: يحنث بأكل رؤوس الطيور والحيتان. ودليلنا أن اسم الرؤوس وإن كان يقع على كل رأس حقيقة إلا أن الذي يتعارف الناس أكله هو هذه الثلاثة، فإنها هي التي تتميز عن الأبدان وتقصد للأكل فحنث بأكلها دون غيرها، وهو معنى قول الشافعي: "لأن الأيمان مخصوصة بالعرف". وقيل: إنما اختلفت أجوبة العلماء هنا لاختلاف العادات في بلدانهم، ففي الحجاز تفرد رؤوس الغنم كلها فتسوى وتباع صحيحة مشوية. وفي الكوفة جرت العادة بذلك في البقر والغنم خاصة. وبغداد جرت العادة بذلك برؤوس الغنم خاصة، وكذلك [٣/ أ] بخراسان. وأما إذا أكل رؤوس الصيد كالأرانب والغزلان والثعالب ونحو ذلك، قال: إلا أن يكون ببلد يكثر فيها الصيد كما تكثر فيها لحوم الأنعام في السوق وتميز رؤوسها فيحنث في رؤوسها. وإن كان ببلد يقل فيها الصيد ولا يكثر، قال أصحابنا: فيه وجهان:

стр. 5176

أحدهما: لا يحنث؛ لأن إطلاق الاسم لا يتناوله. والثاني: يحنث؛ لأن ما يثبت له العرف في بلد يثبت في سائر البلاد كخبز الأرز ولحم الفرس. قال أبو إسحاق: وعلى هذا إذا كان قوم في موضع من السواحل يأكلون السمك وتباع رؤوسها مفردة عندهم كما تباع رؤوس الغنم عندنا يحنث بأكل تلك الرؤوس أيضًا. ومن هذا أفتى بعض علماء طبرستان أنه يحنث فيها بأكل رأس الحوت وعندي هذا التخريج خطأ؛ لأنه لا يشوى في طبرستان رأس الحوت كما يشوى رأس البقر والغنم خاصة. وإذا قال بالفارسية: سربريان نخورم، فإنه لا يحتمل ذلك رأس الحوت. وقال في "الحاوي": إذا كان في بلدة يكثر فيها الصيد أو السمك، ويقطع رأسه عن جسده ويفرد بيعه في سوقه يحنث بأكله. ولكن هل يجوز عرف هذا البلد مقصورًا على أهله أم عامًا فيهم وفي الطارئين إليها؟ فيه وجهان: أحدهما: خاص في أهلها دون الطارئين إليها تغليبًا لعرف الحالف، فإن دخل أهل الريف إلى بلاد الفلوات والبحار لم يحنثوا إلا برؤوس النعم، وإن دخل أهل الفلوات إلى أمصار الريف لم يحنثوا إلا برؤوس الصيد، وإن دخل أهل البحار إلى أمصار الريف لم يحنثوا إلا برؤوس الصيد، وإن دخل أهل البحار إلى أمصار الريف لم يحنثوا إلا برؤوس الحيتان. الثاني: أنه عام في أهلها وفي الطارئين إليها تغليبًا لعرف المكان، فإن دخل أهل الريف إلى بلاد الفلوات حنثوا برؤوس الصيد، وإن دخلوا إلى بلاد البحار حنثوا برؤوس الحيتان، وإن دخل أهل الفلوات والبحار إلى الريف حنثوا برؤوس النعم. [٣/ ب] وفي بقاء حنثهم بعرف بلادهم وجهان: أحدهما: باقٍ عليهم لاستقراره عندهم، فعلى هذا يحنث أهل الريف في بلاد الفلوات بأكل رؤوس الصيد وبأكل رؤوس النعم مع رؤوس الصيد، ويحنث أهل البحار فيها بأكل رؤوس الحيتان ورؤوس النعم. والثاني: لا يزول عنهم عرف بلادهم بالانتقال عنها، فلا يحنث أهل الفلوات والبحار في بلاد الريف إلا برؤوس النعم، ولا يحنث أهل الريف في بلاد الفلوات إلا برؤوس الصيد، وفي بلاد البحر إلا برؤوس الحيتان. وهذا كله إذا عللنا أن الشافعي حنثه برؤوس النعم لاختصاصها بقطع رؤوسها عن أجسادها وإفرادها ببيعها في أسواقها. ومن أصحابنا من علل بعلة أخرى، وهي أن عرف كلامهم متوجه إليها وإفراد أكلها مختص بها، فإنه لا يعرف ممن قال أكل الرؤوس إلا رؤوس النعم وغيرها يعرف بقرنيه، ولا يفرد بالأكل إلا رؤوس النعم وغيرها تؤكل مع أجسادها. قال صاحب "الحاوى": في التعليلين امتزاج من وجه وتمييز من وجه، فعلى هذا هل

стр. 5177

يكون عرف البلد خاصًا فيه أو عامًا في جميع البلاد فيه؟ ظاهر المذهب أنه يصير عامًا في جميع البلاد كلها فيحنث جميعهم برؤوس النعم الثلاثة. وإن عرفنا أن لبعض البلاد عرفًا في رؤوس الصيد والحيتان حنث جميع الناس، وإن لم نعلمه لم يحنثوا. والشافعي إنما خص الحنث برؤوس النعم الثلاثة لأنه لم يعرف عرف بلد في غيرها، ولم علم لحنث بها جميع الناس كما حنثهم برؤوس النعم، ولهذا حنث القروي الذي لا يسكن بيت شعرٍ في حلفه لا يسكن بيتًا بسكونه؛ لأن عرف البادية جارٍ به. وقال ابن سريج: عرف كل بلدٍ مخصوص في أهله ومقصور عليهم دون غيرهم، فعلى هذا يحنث أهل الحجاز برؤوس النعم الثلاثة [٤/ أ] كما قال الشافعي اعتبارً بعرفهم، ويحنث أهل الكوفة برؤوس البقر والغنم دون الإبل كما قال أبو حنيفة اعتبارًا بعرفهم، ويحنث أهل بغداد برؤوس الغنم وحدها كما قال أبو يوسف ومحمد. وعلى هذا لا يحنث القروي بسكنى بيت الشعر. قال: فإن انتقل عن بلدةٍ لهم فيها عرف إلى بلدةٍ يخالفونهم فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يحنثون بعرف بلدهم الذي انتقلوا عنه. والثاني: يحنثون بعرف البلد الذي انتقلوا إليه. والثالث: يحنثون بعرف البلدين معًا. مسألة: قال: "وكذلك البيض". الفصل اعلم أنه إذا حلف لا يأكل بيضًا إنما يحنث بأكل البيض الذي يزايل بائضه حيًا ويؤكل منفردًا عنه، وهو بيض الدجاج والطيور والبط والنعام والعصافير ونحو ذلك، ولا يحنث بأكل بيض الحيتان والجراد لأنهما لا يزايل ببائضه إلا أن ينوي ذلك. فإن قيل: أكل بيض النعامة نادر فوجب أن لا يحنث بأكله؟ قيل: العرف في بيض النعامة والدجاجة واحد في إطلاق الاسم، وإنما يؤكل نادرًا لقلته وكثير ثمنه، ومنزلة ذلك منزلة رجل فقير حلف لا يلبس ثوبًا وهو ممن يلبس الصوف أو القطن، فلبس خزًا أو وشيًا أو غير ذلك من الثياب الفاخرة التي لا يلبسها مثله يحنث؛ لأن الاسم في الجميع واحدٌ، وإنما يختلف الاستعمال للتواضع أو كثرة الثمن ونحو ذلك. وقال في "الحاوي": في بيض النعامة يحنث به أهل البادية، وهل يحنث أهل الأمصار؟ فيه وجهان: أحدها: يحنثون إذا قلنا أهل القرى يحنثون بسكنى بيت الشعر. والثاني: لا يحنثون به إذا قلنا إن أهل القرى لا يحنثون بسكنى بيت الشعر ويحنث بأكل المعتاد أهل النادر والمعتاد بلا إشكال. وقال أبو إسحاق: يحتمل أن لا يحنث ببيض العصافير والحمام ونحو ذلك؛ لأنه علم عنهم [٤/ ب] ترك أكله، فخرج بالعرف من اليمين، والصحيح المنصوص ما تقدم. فرع لو ذبح دجاجة في جوفها بيض وصل إليه بذبحها فهل يحنث بأكلها؟

стр. 5178

وجهان أحدهما: لا يحنث؛ لأنه لم يزايل بائضه حيًا فصار كبيض السمك. والثاني: يحنث؛ لأنه من جنس ما وصل إليه مع حياة بائضه. وقيل: إذا أكل الذي في جوفها من غير قشر لا يحنث وجهًا واحدًا. وقيل: لا يحنث إلا بأكل بيض الدجاج فقط للعرف، وهذا غلط. مسألة: قال: "ولو حلف لا يأكل لحمًا". الفصل اعلم أنه إذا حلف لا يأكل لحمًا حنث بأكل لحم الإبل، والبقر، والغنم، والوحش، والطيور؛ لأن كلها لحم، ولا يحنث بأكل لحم السمك؛ لأنه ليس بالأغلب وإن كان الله تعالى أطلق عليه اسم اللحم. ويقال: أكلت السمك والحوت ولا يقال أكلت لحم السمك، وهذا إذا لم يكن له نية، فإن نوى ذلك حنث. وقال مالك وأبو يوسف: يحنث بذلك بكل حال؛ لأن الله تعالى سماه لحمًا، فقال: "لِتَاكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً" [النحل: ١٤] قلنا: لو حلف لا يقعد تحت سقف بيتٍ لا يحنث إذا قعد تحت السماء وقد سماها الله تعالى سقفًا، لأنه مجاز كذلك ههنا. فرع لو أكله ناسيًا حنث خلافًا لمالك، وهذا لأنه يقال: أكل اللحم على الإطلاق. فرع آخر لو أكل لحم الخنزير وسائر ما لا يحل له من اللحوم، قال ابن سريج: فيه وجهان: أحدهما: لا يحنث؛ لأن ما لا يحل أكله في الشرع لا تتناوله يمينه المطلقة، كما لو قال: لا أبيع لم يحنث بالبيع الفاسد. والثاني: يحنث، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن اسم اللحم يقع عليه حقيقة كما يقع على المأكول، ويخالف البيع لأن الاسم لا ينصرف إلى الفاسد عند الإطلاق، ولذا لو باع غيره لم يحنث. لو أكل لحم شاة غيره يحنث بلا خلاف، وهذا اختيار القفال، والأول أصح عندي للعرف والعادة. فرع آخر لو قال [٥/ أ] لها: والله لا وطئتك فوطئها في حال الحيض حنث في يمينه. وقال المزني في "المنثور": لو حلف ليطأن امرأته الساعة فحاضت المرأة من ساعتها، نص الشافعي أنه إن وطئها حائضًا لا يبر؛ - لأن الشافعي يقول: لو حلف لا يشتري اليوم فاشترى فاسدًا لا يحنث؛ لأن الفاسد لا معنى له، فحصل وجهان، ذكره القاضي الطبري. وقيل: المنصوص أنه يحنث وإن كان الوطء حرامًا في الشرع وخالفه المزني. مسألة: قال: "ولو حلف لا يشرب سويقًا فأكله، أو لا يأكل خبزًا فماثه ثم شربه".

стр. 5179

الفصل اعلم أنه إذا حلف لا يشرب سويقًا فإن شربه خلطه بالماء وتحساه حنث به، وإن استفه يابسًا لم يحنث؛ لأنه ليس بشربٍ. وإن حلف لا يأكل خبزًا فأكله بأن مضغه وابتلعه حنث، وإن جعله فيتًا وبله بالماء وتحساه لا يحنث؛ لأنه شرب وليس بأكل، والتعليل في ذلك أن الأفعال أجناس مختلفة كما أن الأعيان أجناس مختلفة، ثم علق يمينه على يمين من الأعيان لم تتعلق اليمين بغيرها، فكذلك إذا علقه على فعلٍ لا يتعلق بغيره. وقول الشافعي ﵁: "فماثه" في الماء، أي ميَّثَه، يقال: ماثه وميَّثه. فرع آخر لو حلف لا يشرب سويقًا فذاقه بلسانه لا يحنث؛ لأن الذوق ليس بأكل ولا شرب وإن دخل بطنه. فرع آخر لو حلف لا يذوق فأكل وشرب حنث؛ لأن الأكل والشرب يتضمنان الذوق. وقال بعض أصحابنا: يحتمل أنه إذا شرب لا يحنث؛ لأن الشرب غير الذوق. وقال القفال: فيهما وجهان، وعند أبي حنيفة لا يحنث. فرع آخر لو حلف لا يذوق شيئًا فأخذه بقيه فمضغه بفيه فمضغه ثم لفظه ولم يصل إلى جوفه هل يحنث؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يحنث، كما لا يفطر به الصائم، ولا يقال: ذاق الشيء حتى يصل إلى حلقه [٥/ ب]. والثاني: يحنث، وهو الأصح؛ لأن اسم الذوق يقع عليه وإن لم يصل إلى جوفه، فإنه عبارة عن معرفة طعم الشيء بلهواته وقد وجد ذلك، وهو قول عامة أصحابنا. فرع آخر لو قال لا أطعم شيئًا حنث بالأكل والشرب، وكذلك إذا قال بالفارسية؛ لأن الطعم اسم جامع لهما. فرع آخر لو حلف لا يتطعم هذا العام، فالتطعم معرفة طعمه بلسانه، فلا يعتبر فيه وصول شيء إلى جوفه، فمتى عرف طعمه حنث، ولو قال لا أطعم الطعام لم يحنث بتطعمه للفرق بين الطعم والتطعم، فإن الطعم أن يصير طعامًا له، والتطعم أن يعرف طعمه. فرع آخر لو أوجر الطعام بقمع في حلقه ولم يدر في لهوات فمه حتى وصل إلى جوفه، فإن كانت يمينه على الأكل والشرب والذوق والتطعم لا يحنث لعدم شرطها، وإن كانت على أن لا أطعم حنث؛ لأنه قد وصل إلى جوفه ما صار طعامًا له.

стр. 5180

فرع آخر قال بعض أصحابنا بخراسان: لو حلف لا يأكل السكر فمضغه حنث. ولو أمسكه في فيه فذاب ودخل جوفه لا يحنث؛ لأنه يشترط في الأكل المضغ حتى يحنث، وعندي أنه يحنث به؛ لأنه يقال: أكل السكر وإن ذاب في حلقه. فرع آخر لو قال: لا ابتلعت هذا التفاح أو شيئًا آخر فمضغه ثم ابتلعه لم يحنث. ولو قال: لا أكلته فابتلعه لم يحنث ما لم يزدرده. فرع آخر لو قال: لا وطئتك فأتاها في دبرها حنث؛ لأنه يسمى وطئًا، ذكره بعض أصحابنا، وذكر في "الحاوي" أنه لا يحنث؛ لأن جنسه لا يباح. فرع آخر لو قال: لا تناولت دواء فتناول السكر بغير علة لم يحنث، وإن تداوى به حنث، كما لو قال: لا تداويت فاحتجم لعلةٍ حنث، وإن كان لغير علة لم يحنث. [٦/ أ] مسألة: قال: "ولو حلف لا يأكل سمنًا فأكله بالخبز أو بالعصيدة". الفصل السمن على ضربين؛ جامد ومائع. فأما الجامد فأكله أن يمضغه، فإذا قال: لا آكل سمنًا فأكله هكذا حنث، وإن أكله بالخبز قال الشافعي ﵁ وعامة أصحابنا: يحنث؛ لأنه أكله مع الخبز، يقال: أكل الخبز وأكل السمن، فقد وجد المحلوف عليه وزيادة فيحنث به. وقال أبو يوسف: لا يحنث به؛ لأنه لم يأكله وحده، بل أكله مع غيره فصار كما لو قال: لا آكل من طعام اشتراه زيد فاشتراه زيد وعمرو فأكل منه لم يحنث، وبه قال الإصطخري من أصحابنا وهذا غلط؛ لأن هناك ما أكل ما اشتراه المحلوف عليه خاصة، وهاهنا أكل المحلوف عليه حقيقة فوزانه أنه إذا حلف لا يأكل طعامًا اشتراه زيد فاشترى زيد طعامًا واشترى عمرو طعامًا فخلطهما وأكلهما حنث، وإن أذابه أو كان مائعًا فشربه لم يحنث؛ لأنه ليس بأكل، وإن أكله بالخبز حنث خلافًا للإصطخري فإنه قال: لا يحنث إذا أكله مع غيره. وقال في "الحاوي": إذا أكله مع غيره من خبز أو سويق فيه ثلاثة أوجه؛ أحدها: ما ذكرنا أولاً وهو المذهب، سواء كان جامدًا أو ذائبًا. والثاني: ما قاله الأصطخري. والثالث: ما قاله أبو إسحاق: إن كان جامدًا لم يحنث بأكله مع غيره؛ لأنه يقدر على أكل الجامد منفردًا، ولا يقدر على أكل الذائب إلا مع غيره. وكذلك لو حلف لا يأكل عسلاً أو دبسًا؛ لأنهما يجمدان تارةً ويذوبان أخرى. وكذلك لو حلف لا يأكل.

стр. 5181

لبنًا فأكله بغيره أو طبخه مع غيره. فرع لو أكله بعصيدة، قال الشافعي ﵁: يحنث. قال بعض أصحابنا: أراد به أن يعصده في خبز ويأكله، فأما إذا طبخ عصيدة فأكلها لا يحنث؛ لأنه لا يقال له: أكل سمنًا [٦/ ب] وإنما له أكل عصيدة أو خبيصًا أو غير ذلك. ومن أصحابنا من قال: أراد به العصيدة المعروفة وهي الفالوذج وغير ذلك مما يجعل السمن فيه، ينظر فيه فإن كان مستهلكًا لم يحنث، وإن كان غير مستهلك حتى لو انجمد تبين السمن فيه ونرى ذلك يحنث؛ لأنه قد أكل سمنًا مع عصيدة فكأنه أكله مع الخبز وهذا هو الصحيح، وهو كما قلنا في المحرم إذا أكل خبيصًا فيه زعفران ظاهرٌ يلزمه الفدية. وأما إذا قال لا آكل خلًا فأكل مرقًا فيه خل فهي على الاختلاف الذي ذكرنا بين أصحابنا، وقد نص عليه في "الأم" فقال: "ولو قال لا آكل خلًا فأكل مرقًا فيه خل لا يحنث"؛ لأن الخل مستهلك فيه بحيث لا أثر له، فأما إذا كان لونه وطعمه قائمين فهو غير مستهلك فيجب أن يحنث. وقيل: قول الشافعي: "إلا أن يكون جامدًا" أراد به أنه إذا لم يأكله منفردًا أو أكله في العصيدة لا يحنث، وهذا التفسير غير صحيح، وإنما ذكر هذا الاستثناء آلي ذكر العرف والعادة، حيث قال: لأن السمن لا يكون ماكولًا إلا بغيره، إلا أن يكون جامدًا فيقدر على أن يأكله جامدًا منفردًا فيأكله في عادة نادرة جامدًا منفردًا، هذا معنى الاستثناء لا ما قال القائل. فرع آخر لو حلف لا يشرب لبنًا فخلطه بمائع، فإن كان اللبن أغلب لظهور طعمه ولونه حنث بشربه وإلا فلا يحنث. مسألة: قال: "فَإذَا حَلَفَ لَا يَأُكُلُ هَذِهِ التَّمْرَةَ فَوَقَعَتْ فِي تَمْرٍ". الفصل اعلم أنه إذا حلف لا يأكل هذه التمرة بعينها فوقعت في تمر كثير فأكل، يُنظر فإن تيقن أنه أكل التمرة المحلوف عليها حنث بيقين، وإن [٧/ أ] تيقن أن التي بقيت هي المحلوف عليها لا يحنث بيقين، فإن شك فلا يدري هي الباقية أم قد أكلها؟ قال الشافعي ﵁: "لا يحنث"؛ لأن الأصل عدم الحنث حتى يتحقق ذلك، ولكن الورع أن يحنث نفسه لجواز أن يكون قد حنث. وقال في "الأم": "والورع أن لا يأكل منه شيئًا إلا حنَّث نفسه". قال أصحابنا: وإذا حنَّث نفسه خرَّج كفارة يمين، كما لو تيقن الحنث، وكذلك لو هلك تمرة واحدة منها ولا يدري أنها المحلوف عليها أولًا. قال بعض مشايخنا بخراسان: وفي ضد هذا لو حلف أن لا يأكلها ثم وقعت في تمر، ثم استبقى واحدة أو ضاعت لم يبر؛ لأن الأصل عدم البر، واليقين لا يترك بالشك.

стр. 5182

فرع لو حلف لا يأكل هذه التمرة فأكلها إلا نواها وقمعها حنث؛ لأنه أكل مأكولها أو ألقى غير مأكولها. ولو أكلها إلا يسيرًا منها كنقرة طائر لم يحنث خلافًا لمالك. مسألة: قَالَ: "وَإِذَا حَلَفَ لَا يَاكُلُ هَذِهِ الحِنْطَةَ فَطَحَنَهَا". الفصل لا فرق بين أن يقول: لا آكل هذه الحنطة، أو يقول: لا آكل من هذه الحنطة، في أنه إذا طحنها دقيقًا أو قلاها فجعلها سويقًا أو خبزها أو عصدها فأكل من ذلك لا يحنث؛ لأنه لم يأكل ما يقع عليه اسم حنطة، إلا أن قوله: من هذه الحنطة يقتضي بعضها، وقوله هذه الحنطة يقتضي جميعها. وقال أبو يوسف ومحمد: يحنث بكل ذلك. وقال أبو حنيفة: يحنث بالدقيق ولا يحنث بالخبز. وحكي عن أبي حنيفة مثل قولنا. واحتجوا بأن الحنطة تؤكل هكذا، فأشبه إذا قال: لا أكلت هذا اللحم فشواه وأكله حنث، وهذا لا يصح لما ذكرنا، فصار كما لو زرعها وأكل من حشيشها أو قال: لا أكلت هذا البيض فصار فرخًا فأكله لم يحنث، ويفارق ما قاس عليه؛ لأن اسم اللحم وصورته لم يزولا بخلاف مسألتنا. فرع إذا حلف لا يأكل من [٧/ ب] هذا الدقيق فخبزه وأكله لم يحنث، ولو استلف منه حشًا لا يحنث؛ لأن العرف أنه لا يؤكل منه إلا مخبوزًا، وهذا لا يصح؛ لأن في الحنطة لا يعتبر بقاء الاسم دون العرف بالاتفاق كذلك هاهنا، ولأنه يؤكل غير مخبوز من وجوه. وقال بعض أصحابنا بخراسان: من وجه لنا. فرع آخر لو قال: لا أكلمه شابًا فكلمه شيخًا، أو قال: لا أكلت جديًا فأكله تيسًا، أو قال: لا آكل تمرًا فأكل رطبًا لا يحنث قولًا واحدًا؛ لأن اليمين ها هنا تعلقت بالصفة دون العين ولم توجد الصفة. ولو قال: والله لا أكلم هذا الصبي فصار شابًا، أو لا أكلم هذا الشاب فصار شيخًا، أو لا أكلت من لحم هذا الجدي فصار تيسًا، أو لا أكلت هذه البسرة فصارت رطبة، أو هذه الرطبة فصارت تمرة هل يحنث؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يحنث لزوال الاسم. والثاني: يحنث؛ لأن صورتها لم تزل بل تغيرت الصفة. وقال أبو حنيفة: في الحيوان يحنث، وفي الباقي لا يحنث؛ لأن قصده بأن لا يكلم الشاب لاستخفاف به وذلك لا يزول بكبره، وكذلك قصده باليمين أن لا يأكل لحم الجدي وذلك المعنى لم يزل وهذا صحيح؛ لأن المعتبر في اليمين الاسم دون القصد، ولهذا لو حلف لا يأكل هذا اللحم فأكله نيئًا يحنث وإن كان القصد به الانتفاع من أكله مطبوخًا.

стр. 5183

وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا قال لا آكل هذه الحنطة فجعلها دقيقًا فأكلها هل يحنث؟ فيه وجهان: أحدهما: يحنث بكل ما يتخذ منها، ومعناه لا آكل شيئًا يتخذ من هذه الحنطة. والثاني: لا يحنث، ومن للتبعيض، أي لا آكل قليلها وكثيرها. قال: وقيل: نص الشافعي ﵁ على أنه إذا قال: لا آكل هذه الحنطة فاتخذها دقيقًا فأكل منه لا يحنث، ونص أنه لو قال: لا آكل هذا السخل فصار كبشًا، أو لا أكلم هذه الصبي فصار شيخًا فكلمه، أو أكل التيس حنث [٨/ أ] فمن الأصحاب من قال: في الكل قولان، ومنهم من فرق بأن في مسألة الحنطة والتمر ذكر الاسم وقد تبدل الاسم، والصبي صفة فتبدل الصفة لا يوجب سقوط حكم الحنث، وأيضًا الحنطة تصير خبزًا، والتمر يصير عصيدة بفعل وعلاج، والسخلة تصير كبشًا بفعل الله تعالى عند مضي الزمان، وهذا إذا عَرَّف فأما إذا نَكَّر فقال: صبيًا فكلم شيخًا حنث على ما ذكرنا، وهذا كله تخليط والاعتماد على ما ذكرنا أولًا. فرع آخر لو حلف لا يشرب هذا العصير فشربه خمرًا، أو قال: لا أشرب هذا الخمر فصارت خلًا لا يحنث وجهًا واحدًا؛ لأنه اقترنَ بزوال الاسم زوالُ الحكم. فرع آخر لو حلف لا يلبس هذا العزل فنسجه ثوبًا حنث بلبسه وجهًا واحدًا؛ لن الغزل لما كان لا يلبس إلا منسوجًا صار مضمرًا في اليمين والمضمر في الإيمان كالمظهر، كما لو قال: لا آكل هذا الحيوان حنث بأكله مذبوحًا وإن لم يكن حيوانًا عند أكله؛ لأنها صفة مضمرة فجرى عليها حكم المظهر. فرع آخر لو حلف لا يشم البنفسخ أو الورد فشم دهن البنفسج أو الورد لا يحنث. وقال أبو حنيفة: يحنث بدهن البنفسج دون دهن الورد لعرف أهل الكوفة؛ لأنهم يسمون دهن البنفسج بنفسجًا ولا يسمون دهن الورد وردًا. وقال أحمد: يحنث بدهن البنفسج والورد أيضًا؛ لأن المقصود الرائحة. قلنا: هذه تسمية مجازًا والحقيقة أولى، ولأن البنفسج اسم لجسم ذي رائحة فلا يجوز أن يتعلق حكمه بالرائحة وحدها ولهذا لو شم بنفسجًا بعد انتقال رائحته إلى الدهن حنث عندنا خلافًا لأبي حنيفة. فرع آخر لو يبسا كان في الحنث بهما بعد يبسها وجهان، أحدهما: لا يحنث، كمن حلف لا يأكل رطبًا فأكل تمرًا. والثاني: يحنث لبقاء اسمه وصفته ويخالف التمرة لأنه زال عنه اسم الرطب وبقي اسم الورد والبنفسج على ما يبس منه. [٨/ ب]

стр. 5184

والتعليل في هذين الوجهين كأن حلف من لا يأكل الرطب فأكله تمرًا على وجهين. فرع آخر لو مرَّ بهما في السوق فشم رائحتها، فإن حمل النسيم الرائحة حتى شمها لم يحنث، وإن اجتذب الرائحة بخياشيمه حتى شمها حنث؛ لأن شمها بهبوب النسيم ليس من فعله، وشمها باجتذاب خياشيمه من فعله، ويخالف المحرم يشم الطيب من حانوت العطار؛ لأن المحرم عليه استعمال الطيب دون الرائحة. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ حَلَفَ لَا يَاكُلُ لَحْمًا فَأَكَلَ شَحْمًا". الفصل الأصل في هذا أن كل ما انفرد عن غيره باسمه، ففي حكم الحنث ينفرد، فإذا قال: لا آكل لحمًا فأكل اللحم الأحمر أو اللحم السمين الذي على الظهر أو الحشو حنث؛ لأنه لحم سمين، ولو أكل من شحم البطن لم يحنث. وحكي عن مالك أنه قال: يحنث وهذا خطأ؛ لأنه لا يسمى لحمًا عرفًا وعادة، فهو كما لو حلف لا يأكل الشحم لم يحنث بأكل اللحم بالإجماع. فرع لو حلف لا يأكل لحمًا فأكل القلب أو الكبد أو الطحال لا يحنث. وقال أبو حنيفة: يحنث بأكلها. ودليلنا أن له اسمًا آخر منفردًا، كما لو أكل الريَّة والكرش لا يحنث بالإجماع. وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا نص فيه، وينبغي أن يحنث بالقلب لأنه لحم. وقيل: فيه وجهان، وفي الكبد والطحال لا خلاف. فرع آخر لو أكل من قانصة الدجاج فهو على الخلاف الذي ذكرنا في الكبد والطحال. فرع آخر لو أكل لحم اللسان أو لحم الخدين من الرأس يحنث لأنه لحم. وكذلك لو أكل الأكارع؛ لأنها لحم وهي اسم عضو. وقال في "الحاوي" فيه وجهان؛ أحدهما: هذا. والثاني: لا يحنث؛ لأن اسمه مضاف، يقال: لحم اللسان، ولحم الرأس، ولا يقال له لحم على الإطلاق. فرع آخر لو أكل شحم العينين لا يحنث لأنه لا يسمى لحمًا. فرع آخر لو أكل الألية فيه وجهان: [٩/ أ] أحدهما: يحنث؛ لأنها لا تسمى شحمًا فكانت لحمًا.

стр. 5185

والثاني: وهو الأصح أنه لا يحنث؛ لأنها لا تسمى لحمًا كما لا تسمى شحمًا. وقال في "الحاوي": فيها ثلاثة أوجه: أحدهما: أنه من الشحم فيحنث بها في الشحم دون اللحم. والثاني: أنها من اللحم لاتصالها بالعظم، وهو قول البغداديين. والثالث: وهو قول البصريين أنها ليست من اللحم ولا من الشحم؛ لأنها تتميز عن اللحم والشحم. فرع آخر لو حلف لا يأكل شحمًا فأكل اللحم أو البياض الذي على اللحم لا يحنث. وقال أبو حامد: لا يحنث بالألية بلا خلافٍ. وقد ذكرنا وجهًا آخر يحنث لأنه يسمى شحمًا، قال الله تعالى: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ [الأنعام: ١٤٦] فاستثناه من الشحم، ودليلنا أنه لا يسمى شحمًا ولهذا لا يفرد عن اللحم ولا يسمى بائعه شحامًا، فلم يحنث به وإنما يحنث بالشحم الذي ينفرد عن اللحم وهو شحم الكُلية والكرش. وحكي عن القفال أنه قال مرة: يحنث بشحم الظهر، وقال مرة: لا يحنث فيحتمل وجهين، والصحيح عندي ما تقدم. فرع آخر لو أكل شحم العينين فيه وجهان؛ أحدهما: يحنث لأنه ينطلق عليه اسم الشحم. والثاني: لا يحنث؛ لأنه لا ينطلق إلا بقرينة، فيقال: شحم العينين ولا يقال له شحم على الإطلاق، وأما الدماغ فليس بشحم ولا لحم فلا يحنث باليمين بأحدهما بلا خلاف. فرع آخر لو حلف لا يأكل رطبًا فأكل بسرًا لم يحنث، وكذلك إذا قال: لا آكل بسرًا فأكل رطبًا لم يحنث، ولو قال: لا آكل رطبًا ولا بسرًا فأكل طلعًا وملحًا لا يحنث؛ لأن لكل واحدٍ اسمًا ينفرد به. فرع آخر لو قال: لا آكل رطبًا فأكل تمرًا، أو تمرًا فأكل رطبًا لم يحنث، وحكي أن أبا حنيفة قال: إذا حلف لا يأكل تمرًا فأكل رطبًا حنث؛ لأن الرطب تمر وزيادة، ولو قال: رطبًا فأكل تمرًا لم يحنث؛ لأن التمر ليس برطبٍ وهذا لا يصح؛ لأن الرطب [٩/ ب] لا يسمى تمرًا كما لا يسمى التمر رطبًا. فرع آخر لو قال: لا آكل رطبًا فأكل منصفًا، فإن أكل ما ترطب منه حنث، وإن أكل الذي لم يترطب منه ل يحنث، وإن أكل الجميع حنث؛ لأنه أكل ما يسمى رطبًا، هكذا ذكره جماعة من أصحابنا. وقال بعضهم: لا يحنث؛ لأنه لا يسمى رطبًا وإنما يسمى منصفًا
следующие страницы →