← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.

стр. 5741

أحدهما: لهن ذلك لاختصاصهن بالقربى، وإن ضعفت لأن ضعفها يسقط جهتها مع من هو أقوى منها ولا يسقط مع من عدم قرابتها فعلى هذا لا يجوز العدول عنها إلى الأجانب. والثاني: لا يستحقن الحضانة بحالٍ لأنه لم يوجد فيهن سبب الاستحقاق ولكن يجوز أن يقدم بذلك على الأجانب من طريق الأولى [ق ٢٣١ أ] دون الاستحقاق كما تقدم المرضعة والجارة، هذا لأن حضانتهن أصلح للصبي من حضانة الأجانب فعلى هذا إن أدى اجتهاد الحاكم إلى العدول منها إلى غيرها من الأجانب جاز. وهذا اختيار أبى إسحاق، لأن الحاكم أحق نيابة عن المسلمين كما في الميراث فإذا قلنا بالأول ففي أحقهم بها إذا اجتمع الذكور والإناث وجهان: أحدهما: الذكور أحق بها لقربهم ممن أدلى بهم فيكون أب الأم أحق بالحضانة من أب، والخال أحق بها من ابنته. والثاني: الإناث مع بعدهن أحق بها ممن أدلى به من الذكور مع قربهم لاختصاصهن بالأنوثة التي هي آلة التربية ومقصود الحضانة فتكون أم أب الأم أحق من أبيها وبنت الخال أحق بها من الخال، وإن انفرد الذكور وتنازعوا فإن كان لأحدهما ولادة دون الآخر كأب الأم والخالة كانت الحضانة لأب الأم لبعضيته ولا قصاص عليه به وعتقه عليه، وإن لم يكن فيها ولادة كالخال والعم من الأم فيه وجهان: أحدهما: أنهما سواء بينهما ولا اعتبار بمن أدليا به لتساويهما في سقوط الحضانة مع وجود مستحقها. والثاني: وهو الأشبه يستحقها من قوي سبب إدلائه فيكون الخال لإدلائه بالأم أحق بها من العم للأم لإدلائه بالأب الذي تقدم عليه الأم، ولو كان ابن أخ لأم وعم لأم كان العم للأم أولى لإدلائه بأم الأب التي هى أحق بالحضانة من الأخ للأم. مسألة: قَالَ: " وَلاَ حَقَّ لأَحَدٍ مَعَ الأَبِ غَيْرَ الأُمَّ وَأُمَّهَاتِهَا". الفصل: قد مضى الكلام إذا اجتمع نساء القرابات ولا رجل معهن وهذه المسألة إذا اجتمع الرجال والنساء والحكم فيها بأن الأم وأمهاتها أولى من جميع الأقارب لما ذكرنا أن لهن ولادة وهن من أهل الحضانة بأنفسهن [ق ٢٣١ ب] فإن عدمن الأقارب اللاتي تدلين بالأب كالأمهات للأب والأخوات للأب والعمات لا حق لهن مع الأب بل يقدم الأب عليهن لأنهن يدلين به فكان المدلى به أحق من المدلى.

стр. 5742

وأما النساء اللاتي ............. بالأم كالأخت من الأم والخالة فالمذهب المنصوص أنه يقدم الأب عنهن لأن في الأب من الولادة والاختصاص من النسب ما لا يكون في غيره. وقال الإصطخري، وابن سريج، وأبو إسحاق، وبه قال أبو حنيفة: يقدمن على الأب والأم عليه أيضاً، وهذا اختيار أبي حامد لأنها ذات حضانة تدلى بالأم فسقط الأب كالجدة أم. قال هذا القائل ومعنى قوله: ولا حق لأحد مع الأب غير الأم وأمهاتها أي لا حق لأحد مع الأب ممن يدلى به دون من يدلى بالأم بدليل أنه قال بعده فأما أخواته وغيرهن فإنما حقوقهن بالأب فلا يكون لهن حق معه وهن يدلين به فدل على أن من لا يدلى به فلها حق معه، وهذا لا يصح لأنه لو قدم الأخت مع الأم والخالة على الأب لظاهر هذا الكلام لوجب أن يقدم كلاهما على أمهات الأب لأنهن يدلين به فلما لم يدل هذا على تقديمهما على أمهاته فلذلك لا يدل على تقديمهما عليه، ولأن الشافعي صرح بأنه لا حق لأحد مع الأب غير الأم وأمهاتها، وذلك يقتضي أن يكون الأب أولى من الأخت والخالة فلا يجوز تركه بدليل الخطاب الذي بعده، وهذا اختيار صاحب الإفصاح والقاضي الطبري، وفي رواية الربيع فأما أخواتها وغيرهن فلا يكون لهن حق معه، وهذا نص صريح على أن الأب يقدم على الخالة، وعلى هذا إذا اجتمع أب وأم أب وأخت لأم فعلى القول القديم الأخت من الأم والخالة مقدمة على الأب، ومن يدلى به فالأخت للأم أولى [ق ٢٣٢ أ] وههنا لا تفريغ عليه وأما على قوله الجديد أن أمهات الأب مقدمة على الأخوات يتفرع هذا، فإن قلنا بظاهر مذهب الشافعي أن الأب يقدم عليهما فالحصانة له، وإن قلنا الأصحاب وأنه لا يسقطهما ففي هذه المسألة وجهان: أحدهما: أن الحضانة للأب ههنا وهو اختيار لاصطخري لأن الخالة والأخت من يسقطان بأم الأب، ثم يسقط أم الأب بالأب، قال: ولا يمتنع أن يسقط أم الأب الخالة والأخت للأم، ثم لا يثبت لها الحق بل يثبت للأب كالأخوين مع الأبوين يحجبان الأم من الثلث إلى السدس ثم لا يحصل ذلك السدس لها بل يحصل للأب. والثاني: وهو قول عامة أصحابنا أن الحضانة للأخت من الأم والخالة لأن أم الأب تسقط بالأب والأب يسقط بالخالة والأخت للأم، وإن اجتمع أب وأخت لأم فيه وجهان أيضاً لأن مذهب الشافعي في الجديد أن الأخت للأب مقدمة على الأخت للأم. وقال في "الحاوي": إذا قلنا بالمذهب الصحيح ينتقل بعد الأب إلى أمه، ومن علا مقدمين على أبيه، فإن عدم أمهات الأب انتقلت إلى أب الأب، وهو الجد، ثم إلى أب الجد، ثم إلى أمهاته، ثم إذا عدم الآباء والأمهات فيه ثلاثة أوجه:

стр. 5743

أحدهما: أن جميع النساء من الأقارب أحق بالحضانة من جميع العصبات فتقدم الأخوات والخالات والعمات ومن أدلى بهن من البنات على جميع من الأخوة وبينهم والأعمام وبينهم لما فيهم من الأنوثة التي هي بالحضانة أخص مع الاشتراك في القرابة، وإن تفاضلوا فيها. والثاني: جميع العصبات أحق من جميع النساء من الأخوات والعمات والخالات، ومن يدلى بهن عن بناتهن لاختصاص العصبات بالنسب واستحقاقهم للقيام بتأديب المولود والميراث. والثالث: وهو الأصح لا يترجح أحد الفريقين [ق ٢٣٢ ب] على العموم ويعتبر تفاضل الدرج ويترتبون ترتيب العصبات في استحقاق فالأقرب من الرجال والنساء في الدرج قدم النساء فيها على الرجال لاختصاصهن بالأنوثة فعلى هذا ينتقل بعد الآباء والأمهات إلى الأخوة والأخوات فتقدم الأخوات لأنوثتهن، ثم ينتقل بعدهن إلى الأخوة، فإذا عدموا انتقلت إلى بنات الأخوات، ثم إلى بني الأخوة، فإن اجتمع ابن أخت، وابنة أخ كانت بنت الأخ أحق من بنت الأخت، وإن كان مدلياً بمن هو أحق اعتباراً بالأنثوية المستحق، ثم بعد الأخوة والأخوات انتقلت إلى الدرجة التي تليهم، وهو من ساوى الأبوين في درجته فالمساوئ للأم في درجتها الخالات والمساؤي للأب في درجته الأعمام والعمات، فتكون الخالات أحق بها من الأعمام والعمات لإدلائهن بالأم التي حي أحق بالحضانة من الأب، ثم ينتقل بعدهن إلي العمات يتقدمون فيها علي الأعمام، ثم ينتقل بعدهن إلي الأعمام، فإذا عدم الأعمام انتقلت إلي بنات الخالات، ثم إلي بنات العمات، ثم إلي بنات العم، ثم إلي بني العم، فإذا عدمت هذه الدرجة انتقلت إلي الدرجة التي تليها وهي الدرجة التي تساوي درجة الجد، والجدة فتساوي درجة الجدة حالات الأم وتساوي درجة الجد أعمام الأب وعماته فتنتقل الحضانة إلى خالات الأم، ثم إلى خالات الأب، ثم إلى عمات الأب، ثم إلى أعمام الأب، ثم إلى أولادهم فتكون بعدهم لبنات خالات الأم، ثم لبنات خالات الأب، ثم لبنات عمات الأم، ثم لبنات عمات الأب، ثم لبنات أعمام الأب، وعلى هذا أبداً. وحكي بعض أصحابنا عن القفال أنه قال: لا يختلف أصحابنا أن أم الأب، وأم الجد، وإن بعدن أولى من الأب لأن لهم الحق الولادة، وإن كان أولاهن به ولا حق للأخت من الأب مع الأب، لأن [ق ٢٢٣ أ] إدلائهما به وليس لهما قوة الولادة، وكذلك لا حق للأخت من الأم والأخت للأم اللتين حجبتا بالأب. قال: وحكي عن الإصطخري أنه قال: تقدم الأخت من الأبوين والأخت من الأم والخالة على الأب، فأما الأخت للأب يحتمل وجهتين: أحدهما: تقدم كأم الأم.

стр. 5744

والثاني: تؤخر، لأن إدلائهما به وليس لها حق الولادة، قال: وتأويل قوله فأما أخواته أراد أخوات الأب لا أخوات الصبي، وهذا تخليط، ولم يساعده أحد من أصحابنا بالعراق في هذا والصحيح ما ذكرنا. فرع: إذا انفرد الذكور فأحقهم الأب، ثم أباه، ثم بعد الأجداد الإخوة فيقدم الأخ للأب والأم، ثم الأخ للأب، ثم الأخ للأم، وعلى قياس قول ابن سريج يقدم الأخ من الأم على الأخ من الأب، ثم بعد الإخوة فيه وجهان: أحدهما: ينتقل إلى بني الإخوة ويتقدمون على الأعمام لقوة تعصيبهم فيقدم ابن الأخ للأب والأم، ثم ابن الأخ للأب ولا حق فيها لابن الأخ للأم لأنه غير وارث، ثم ينتقل بعدهما إلى أولادهما، وإن سفلوا ثم إلى الأعمام على هذا الترتيب. والثاني: ينتقل بعد الإخوة إلى الأعمام دون بني الإخوة لقوتهم في الدرجة على بني الإخوة، ثم بعدهم إلى بني الإخوة دون بني الأعمام لاختصاص بني الإخوة بالمحرمة دون بني الأعمام، ثم بعد بني الإخوة والأعمام وجهان: أحدهما: ينتقل إلى بني الأعمام يتقدمون بها، وإن سلفوا على أعمام الأب إذا قلنا يتقدم بها بنو الإخوة وإن سلفوا على العم، ثم تنتقل بعدهم إلى عم الأب. والثاني: ينتقل إلى عم الأب يتقدم بها على بني العم إذا قلنا العم يتقدم بها على بني الإخوة، فإذا عدم الأب انتقلت بعده إلى بني الأعمام يتقدمون بها، وإن سلفوا على بني عم الأب، وإن قربوا لاختصاصهم بالقرب تساويهم في عدم المحرمية، ثم على هذا الترتيب [ق ٢٣٣ ب] في بني أب بعد أب، ثم إذا عدم جميع العصبات لم يكن للمولى المعتق حق فيها لأنه أسقط بالعتق حق نفسه عن المعتق، فسقطت حضانته. فرع آخر: لو كان للمولى المعتق نسب هو أبعد من نسب من حضر فهل يترجح بولاية مع بعده على من هو أقرب منه كعم وعم أب معتق؟ فيه وجهان: أحدهما: يتقدم به، وإن بعد لجمعه بين شيئين يجري على كل واحد منهما حكم التعصيب فتكون الحضانة لعم الأب لولاية دون العم. والثاني: لا يتقدم لأنه سبب لا يستحق به الحضانة فلم تترجح به الحضانة إلا مع التكافؤ فيكون العم أحق بالحضانة لقربه من عم الأب مع ولاية. وذكر صاحب "الحاوي" في الحضانة ترتيباً حسناً فقال: إذا اجتمع في الحضانة قرابات المولود فتكون على ثلاثة أقسام:

стр. 5745

أحدها: أن يكونوا نساءً لا رجل فيهم. والثاني: أن يكونوا رجالاً كلهم. والثالث: أن يكونوا رجالاً ونساءً، فأما الأول فيخرج منهن من لا حضانة لها وهي نوعان: أحدهما: من سقطت حضانتها لنقص. والثاني: من سقطت حضانتها لضعف قرابتها وهي كل مدلية بذكر لا يرث. ثم من عدا هذين الصنفين متقدمين فيها بقوة السبب وذلك بشيئين دنوا القرابة كالأم مع أمها وقوة القرابة وقوتها تكون بخمسة أسباب مباشرة؛ الولادة، ووجود البعضية، والتعصب، والميراث، والمحرمية، والإدلاء بمستحق الحضانة ويقسم الإدلاء ثلاثة أقسام: الإدلاء بالولادة كالإدلاء أم الأم بولادة الأم، وأم الأب بولادة الأب وهو أقوي أقسام الإدلاء. والإدلاء بالانتساب كإدلاء الأخوات بالأبوين وإدلاء بناتهن بهن، وهذا يتلو الأول في القوة. والثالث: الإدلاء بالقربى كإدلاء الخالة بالأم والعمة بالأب، وقد ذكرنا شرح الكل فلا نعيده. فرع آخر: لو اجتمع مع الرجال والنساء في الحضانة خنثي مشكل نظر [ق ٢٣٤ أ] في مستحقها، فإن كان رجلاً لم تساوه الخنث فيها لجواز أن يكون امرأة، وهل يتقدم بذلك علي المرأة عند عدم الرجال؟ وجهان، وإن كان مستحقها امرأة لم تساوها الخنثى وهل يتقدم بذلك في الرجل؟ وجهان: أحدهما: يتقدم عليه إذا تقدمت عليه المرأة لجواز أن يكون امرأة. والثاني: لا يتقدم عليه لعدم الحكم بأنه امرأة. فرع آخر: لو أجبر الخنثى علي اختياره لنفسه أنه رجل أو امرأة عمل علي قوله في سقوط الحضانة، وهل علي قوله في استحقاقها وجهان: أحدهما: يعمل عليه لأنه أعرف بنفسه. والثاني: لا يعمل عليه للتهمة. فرع آخر: لو وقع التنازع في كفالة المولود وله زوجة كبيرة نظر، فإن أمكن استمتاعه بها أو استمتاعها فهي أحق بكفالته، وإن كانت أجنبية من جميع ثواباته لما جعل الله (تعالى) بين

стр. 5746

الزوجين من المودة والرحمة فكان أسكن لها وأعطف عليه، وإن لم يكن استمتاعه بها ولا استمتاعها به لا حق لها في كفالته وأقربائه من الرجال والنساء أحق به منها. فرع آخر: لو كانت الزوجة من أقاربه هل يترجح بعقد النكاح علي غيرها من الأقارب وجهان: أحدهما: يتراجع لجمعها بين سببين. والثاني: لا يتجرع وتقف علي درجتها من القرابة التي هي أخص بالكفالة. فرع آخر: لو كان المولود جارية ولها زوج كبير، فإن أمكنه الاستمتاع بها كان أحق بكفالتها، وإن لم يمكنه فالأقارب أحق بكفالتها منه، فإنه شاركهم في القرابة فهل يتجرع بعقد النكاح عليهم؟ وجهان. مسألة: قال: " وَالجَدُّ أَبُو الأَبِ يقُومُ مَقَامَ الأَبَ إِذَا لمَ يَكُنْ أَباً أَوْ كَانَ غَائِباً أَوْ غَيْرَ رَشِيدٍ". قال أصحابنا: ليس هذا الكلام علي ظاهره، فإن أم الأب أحق من الجد وكذلك أمهاتها يقدمن علي الجد أب الأب [ق ٢٣٤ ب] لاختصاصهن بالحضانة، وتأويل هذا الكلام أن الجد أحق إذا لم يكن أب من أمهاته كما يكون الأب أحق من أمهاته، وإن اجتمع معه خالة أو أخت لأم، وقلنا: إن الأب يقدم عليها فههنا وجهان: أحدهما: الجد أولي أيضاً، لأنه يقوم مقام الأب. والثاني: وهوا لأقرب الأخت أولي، لأنها مساوية للجد في الدرجة وتختص الأخت بالحضانة بخلاف الجد، وهكذا إذا كان الأب غائباً أو غير رشيد بأن يكون فاسقاً أو مجنوناً، فالجد مقامه إذا لم يكن أمهات الأب. فإن قيل: أبطلتم حق الحضانة بالغيبة ولم تبطلوا حق الولاية في النكاح بالغيبة فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن المطلوب بالحضانة خط الصبي، والخط له بأن ينتقل إلي الجد دون الحاكم وليس كذلك ولاية النكاح فإنها حق المولي فلا تبطل بغيبته، فقام الحاكم مقامه في استيفاء حق المرأة منه، ولأن الغيبة لا تمنع حق النكاح؛ لأنه لو زوجها من موضعه يصح بخلاف الكفالة، وعلي هذا قال القفال: لو ترك الأقرب الحضانة فالحق

стр. 5747

الأبعد بخلاف ولاية النكاح، فإنها تنتقل إلي السلطان؛ لأن تزويج السلطان يحصل لها ما يحصل من تزويج القريب ولا يحصل بحضانة السلطان ما يحصل بحضانة الأقارب فيراعي فيه حظ الصبي. مسألة: قال: "وكَذلِكَ العصْبَةُ يَقُومُونَ مَقَامَ الأَبِ إِذَا لمَ يَكُنْ أَقْرَبَ مِنْهُمْ مَع الأُمَّ وَغَيْرُهَا". الفصل: اختلف أصحابنا في تأويل هذا الكلام، فمنهم من قال: معناه أن العصبة يقومون مقام الأب في حفظ نسبه وتأديبه وإسلامه إلي الصنعة دون الحضانة، فإن الإخوة والأعمام لا مدخل لهم في الحضانة، وإنما الحضانة من الرجال للأب، والجد فقط، وبه قال أبو إسحاق، ومن أصحابنا من قال: أراد به في الحضانة [ق ٢٣٥ أ] وهو الظاهر من مذهب الشافعي وهو الصحيح؛ لأن الشافعي روي خبر عمارة الجرمي أن علي بن أبي طالب خيره بين أمه وعمه علي أن العم له مدخل في الحضانة. فإذا قلنا بهذا م يكن حد من الأبوين والجد والجدات، فإن كان الولد ذكراً بدفع إلي الأقرب فالأقرب من العصبات وأولادهم، سواء كان الأقرب ذكراً أو أنثي، وإن كان الولد أنثي نظر في العصبة، فإن كان محرماً لها لم تسلم إليه وإنما تسلم إلي من يدلي به من الإناث، مثل أن يكون ابن عم وله بنت فتسلم إلي بنت ابن العم، فإذا اجتمع ذكر وأنثي مثل ابن العم، وابنة العم، فإن الولد يسلم إلي ابنة العم دون ابن العم؛ لأنهما إذا استويا في الدرجة قدمت الأنثى علي الذكر لكمال حضانتها علي ما ذكرنا فيما تقدم، وعلي ما ذكرنا إذا لم يكن أب ولا جد فهل يخير الولد بين الأم وسائر العصبيات؟ وجهان، وأما يدلي بالأب فلا يخير بينهن وبين الأب، وإن أدلين بالأم كالخالات ففي تخييره بين الأب وبينهن وجهان، وفي تخييره بين سائر العصبات، وبين سائر النساء سوي الأمهات ثلاثة أوجه: أحدها: لا تخير والعصبات أحق. والثاني: لا تخير ونساء القرابات أحق. والثالث: تخير بين عصابته ونساء قراباته إذا تساوي درجتهم فإن استوي اثنان من عصبته كأخوين أو اثنتان من قراباته كالأختين فيه وجهان:

стр. 5748

أحدهما: يخير بينهما. والثاني: يقرع بينهما ولا يخير. وقيل: إن كانت العصبة ابن العم لا تخير الجارية بينه وبين الأم إذ لا يحل له الخلوة بها، قال القفال: إلا أن تكون صغيرة لا تشتهي مثلها فحينئٍذ هو كالغلام يخير بين أمه وبينه أيضاً وهذا غريب. مسألة: قال: " وإِذَا أَرادَ الأَب ُأَنْ يَنتْقَل عَنِ الَبلَد الَّذي نَكَحَ بِهِ المَرأَةَ كاَنَ بَلَدهُ أَوْ بَلَدَها فَسَوَاءٌ". الفصل: قد ذكرنا فيما مضي أن الأب إذا أراد أن يتقبل إلي بلد آخر، فإن الأب أحق بالولد [ق ٢٣٥ ب] من الأم. قال الشافعي: " موضعاً كان أو كبيراً" وأراد به سواء كان طفلاً أو قد بلغ الحد الذي يخير بين الأبوين، فإن الأب يكون أحق به، إلا أن يريد أن ينتقل إلي بلدٍ غير مأمون من النهب والغارة فتكون الأم أحق به، وهذا لما ذكرنا أن الأنساب لا تبقي ولا تجئ بالأمهات، وإنما يجئ بالإباء، وربما يتطاول الزمان بعد نقله فيندس نسب الولد ويخفي، والنسب إذا اندرس أضر بالولد والوالد جميعاً، ولا فرق بين أن تكون البلدة التي نكحها بها بلدة مقامها أو غير ذلك خلافاً لأبي حنيفة، حيث فصل بين أن ينكحها في بلدها وبين أن ينكحها في غير بلدها، ولا فرق بين أن يكون الولد ذكراً كان أو أنثي؛ لأنها في الحاجة إلي النسب سواء، وقد ذكرن أنه لو أراد الخروج للتجارة أو النزهة فالأم أحق وليس له أن يحمل الولد معه؛ لأنه لا يندرس به النسب، وإن اختلفا فقال الأب: أريد النقلة، وقالت الأم: تريد التجارة فالقول قول الأب؛ لأن المرجع في ذلك إلي عزيمته وقصده، وهو أعلم بذلك، ويلزمه اليمين لتعلقه بسقوط حقها من الحضانة. وقال القفال: القول قوله بلا يمين؛ لأنه أمر في المستقبل، والصحيح ما ذكرنا. وكل موضع قلنا: الأب أحق ويبطل حق الأم/ من الحضانة، فلو قالت الأم: أنا أنتقل إلي ذلك البلد أو عاد الأب إلي بلدها كانت علي الحضانة. ثم قال الشافعي: "وكَذلِكَ العَصْبةُ". ومعناه إذا لم يكن للوالدات كان له عصبة من جانب الأب وأراد العصبة النقلة

стр. 5749

واستيطان بلدة أخري، فالعصبة أولي بالولد من الأم؛ لأن الأنساب مع العصبات أبقي وأحب، وهذا يدل علي أن الشافعي رحمة الله جعل للعصبات حظاً في الحضانة بخلاف ما حكيناه عن أبي إسحاق. [ف ٢٣٦ أ] مسألة: قال: "وَلاَ حَقَّ لِمَنْ لمَ تَكْمُلْ فِيِه الحُريَّةُ فِي وَلَدِ الحُرَّ". من لم يكمل حريته بأن يكون بعضه حراً وبعضه مملوكاً حكمه حكم العبد القن؛ فإنه إن كان مملوكاً فالأب الحر لا حق له فيه أيضاً، وقد ذكرنا أنه إذا كان الولد حراً والأم مملوكة دون الأب فحضانته لأبيه الحر، وإذا كان الولد مملوكاً فحضانته لسيده، والأولي لسيده أن يسلمه إلي أمه، وهل يجوز أن يسلمه إلي غيرها وجهان: أحدهما: له ذلك لأنه ملكه يفعل به ما يشاء. والثاني: ليس له لأنه تفرقة بين الأم وولدها. وقال في "الحاوي": إذا كان الولد مملوكاً وأبواه حرين لا كفالة لهما بعد السبع لرق الولد، وفي استحقاق الأم لحضانته في السبع رضيعاً أو فطيماً وجهان: أحدهما: تستحقها لفضل حنوها وعجز السيد عنها. والثاني: لا تستحقها لأن المملوك لا تثبت عليه ولاية لغير سيده. وإن كان الولد وأمه مملوكين، فلو كانت الأم مملوكة لغير سيده لا حق لها في حضانته، وإن كانت لسيده لم يجز أن يفرق بينهما في حال صغره، وهل تصير بالمنع من التفرقة بينهما مستحقة لحضانته؟ وجهان: أحدهما: يستحق، لأن المنع من التفرقة بينهما، قد جعلها أحق به من غيرها. والثاني: لا تستحقها لأن ثبوت الرق عليها مانع من ولايتها. باب نفقة المماليك مسألة: قال": أَخْبَرَنَا سُفْيَان ُبْنُ عيُيْنَة عَنْ مُحَمَّد بْنِ عَجْلانَ وَذَكَرَ الخبَرَ". الفصل: الكلام ههنا في نفقة العبيد والإماء فتجب نفقة المملوك علي سيده وكذلك كسوته بالمعروف، والأصل ما ذكرنا من الخبر، وهو ما روي أبو هريرة ﵁ أن النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 5750

قال: " للمملوك طعامه وكسوته [ق ٢٣٦ ب] بالمعروف ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق". قال الشافعي: ومعني قوله لا يكلف من العمل إلا ما يطيق الدوام عليه. وروي عن أبي المعرور سويد أنه قال: لقيت أبا ذر بالربذة وعليه ثوب حلة وعلي غلامه مثله فقال له رجل: يا أبا ذر لو أخذت هذا الثوب من غلامك فلبسته وكسوت غلامك ثوباً آخر، فقال: قال رسول الله ﷺ " هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما سيلبس ولا يكلفه ما يغلبه، فإن كلفه فليعنه". وروي أنه قال له رجل: أ: سوت غلامك مما تلبس فقال أبو ذر: إني سأبيت غلاماً لي فرفعت يدي لأضربه فلم يفجأني إلا رجل أخذ بيدي فالتفت فإذا رسول الله ﷺ فقال: هذا وقال: "لا تكلفه من العمل ما لا يطيق". فإذا تقرر هذا لا يخلو إما أن يكون مكتسباً أو غير مكتسب، فإن لم يكن مكتسباً بأن كان زمناً أو أعمي أو طفلاً لا كسب له لزمه أن ينفق عليه من سائر أمواله أو يبيعه، أو يعتقه، فإنه إذا أعتقه حلّ له أن يأخذ الصدقات فيستغني بها، وإن كان مكتسباً، فإن كان في كسبه وفاءً بنفقته، فقد فعل الواجب، وإن لم يكن وفاء وجب علي السيد إتمامه من سائر ماله، وإن كان أكثر من نفقته لزم العبد أن يدفع ما زاد عليها إلي السيد. وأما مقدار النفقة فهو ما يكفي مثله في ذلك البلد غالباً من القوت والأدم، ولا يعتبر حاله في نفسه فإنه ربما يكون كبيراً كون اعتاد كثرة الأم: ل وإنما تعتبر عادة مثله. ومن أصحابنا من قال: إذا كان لا يكفيه قدر الغال واعترف السيد به يلزمه قدر كفايته، كما إذا كان يكفيه أقل من ذلك لا يلزمه الزيادة؛ لأنه لا طريق للعبد إلي تحصيل شيء إلا من جهة كسبه وكسبه لسيده. قال في "الحاوي" [ق ٢٣٧ أ] إن كانت الزيادة تؤثر في قوته وبدنه يلزمه الزيادة، وإلا فلا يلزم ويعتبر جنس القوت بغالب عرف البلد سواء كان قوت سيده أو دونه أو فوقه، ويلزمه مثله أيضاً، فإن كان ببغداد فالخبز الخشكار، وإن كان بالمدينة فالثمر، وإن كان بخراسان فالبر، وإن كان بطبرستان فالأرز، وإن كانوا في موضوع يقتاتون الشعير فمنه. ثم تكلم الشافعي علي الخبر في تفسيره المعروف فقال: فعلي مالك المملوك الذكر

стр. 5751

(والأثنى) البالغين إذ شغلهما في عمل له أن ينفق عليهما ويكسوهما بالمعروف وذلك نفقة رقيق بلدهما الشبع لأوساط الناس تقوم به أبدانهم من أي طعام كان، وفي هذا اللفظ إشكال، وذلك أنه قيد نفقتها بالعمل فقال: " إذا شغلهما في عمل له أن ينفق عليهما" ومعلوم أن النفقة تجب بالملك ولا يتوقف وجوبها علي الاستخدام. وكذلك الكسوة، فيحتمل أن يكون مقصود الشافعي بهذا التقييد التعليل لا الشرط، فكأنه قال: لما كان السيد بسلطان الملك مسلطاً علي الاستخدام وتكليف العمل كان عليه النفقة والكسوة في مقابلة الملك الذي به ولاية الاستخدام، سواء استخدام أو لم يستخدم ويحتمل معني آخر وهو أنه أراد به الزيادة في النفقة بسبب العمل، وكذلك الكسوة. وبيان هذا أن الرجل إذا كان له مملوك فربما يكلفه عملاً يحتاج ذلك المملوك بسبب ذلك العمل الذي العمل يتكلفه إلي زيادة طعام، وإذا كلفه عملاً في الأسواق ومشاهد الناس، فالعادة أن تكون الكسوة بخلاف كسوته التي يلبسها في داره، فعله أراد بهذا التقييد هذا المعني، وإلي هذا المعني يرجع التقييد بالبلوغ لأن الصغير في العرف والعادة قد يستغني عن بعض ما لا يستغني عنه البالع من كسوة وطعام. مسألة: قال: "وَكُسْوَتُهُمْ كَذَلِكَ". الفصل: [ق ٢٣٧ ب] إلي أن قال: " وَالجَوارِي إِذَا كَانَتْ لهَنَّ فَرَاهَةٌ وَجمَاَلٌ فَالَمعْروفُ أَنَّهُنًّ يُكْسَيْنَ أَحْسَنَ مِنْ كُسْوَةِ اللَّائِي دُونَهُنَّ". يلزم السيد أن يكسوهم ما يكتسي العبيد في ذلك البلد، والأولي أن يستوي بين عبيده ولا بفضل كثير الثمن علي قليله فيها، ولا تعتبر كسوة السيد فقد يكون بخيلاً يلبس ثياباً أدون مما تلبسه العبيد، وقد يكون سخياً يلبس أحسن الثياب فلا يعتبر ذلك. وأما الجواري، فإن كن للخدمة يسوي بينهن كالعبيد، وإن كان بعضهن للتسري اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: يسوي بينهن أيضاً كالعبيد، ومنهم من قال: وهو الصحيح المنصوص أنها إذا كانت جمال وفراهة يكسوها أحسن ما يكسو الخادمة، لأن العرف جري بذلك، ولأن للرجل أغراضاً في أن تكون جاريته لفراشه أحسن زياً وثياباً من الخادمة لاستمتاعه. وأعلم أنه يختلف نفقة المملوك والمملوكة وكسوتهما باختلاف في حال السادات في عاداتهم وعسرهم ويسرهم وهو قوله ﷺ : "للملوك طعامه وشرابه بالمعروف".

стр. 5752

فإن قيل: أليس قال عبد الله بن عباس ﵁ في المماليك: "أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون" قلنا: بلى قد قاله ابن عباس. وقد روي هذا اللفظ مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ في حديث أبي ذر وتفسير هذا الكلام ما فسر الشافعي فقال: هذا الكلام بعمل يجوز أن يكون على الجواب فقيل السائل عن مماليكه، وإنما يأكل تمرًا أو شعيرًا أو يلبس صوفًا فقال: "أطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون" السائلون عرب ولباس عامتهم وطعامهم خشن أي خشن، ومعاشهم ومعاش رقيقهم متقارب، فأما من خالف معاش السلف والعرب فيأكل رقيق الطعام ويلبس جيد الثياب فلو ساوى رقيقه كان أحسن، وإن لم يفعل فله [ق ٢٣٨ أ] ما قال رسول الله ﷺ نفقته وكسوته بالمعروف، فأما من لبس الوشي أو الخز والمروي وأكل النقي وألوان لحوم الدجاج فهذا بالمعروف للمماليك، وهذا الذي ذكره وجه الجمع بين خبر أبي ذر، وخبر أبي هريرة ﵄. ثم ذكر خبرًا آخر فقال وقال رسول الله ﷺ : "إذا كفي أحدكم خادمه طعامه حره ودخانه فليدعه فليجلسه معه، فإن أبى فليروغ له لقمة، فيناوله إياها أو يعطيه إياها أو كلمة هذا معناها". وروى أبو هريرة مثله، وفيه فليناوله أكلة أو أكلتين، وروي: "فإن كان الطعام قليلًا فليضع في يده أكلة أو أكلتين". ثم تكلم الشافعي على هذا الخبر وعلى احتمالاته فقال: لما قال فليروغ له لقمة كان هذا عندنا والله أعلم على وجهين: أولاهما: بمعناه أن إجلاسه معه أفضل، فإن لم يفعل فليس بواجب إذا قال ﷺ : "وإلا فليروغ له لقمة" ولو كان إجلاسه واجبًا لم يجعل له أن يروغ له لقمة دون أن يجلسه معه، أو يكون بالخيار بين أن يناوله أو يجلسه، وقد يكون أمر اختيار غير الحتم. وظاهر هذا الكلام في التنويع مشكل وحقيقة معناه أن الشافعي ﵀ ذكر ثلاثة أنواع من الاحتمال: أحدها: أن الترويغ واجب، ولو أجلسه معه كان أفضل. والثاني: أن أحدهما واجب لا بعينه وهو قوله: أو يكون الخيار بين أيدينا وله أن يجلسه. والثالث: أن الأمر في الإجلاس أو في الترويغ أمر اختيار غير الختم، هكذا ذكره القفال وجماعة، وقال أصحابنا بالعراق: لا خلاف أنه لا يجب واحد منهما وفي المسألة قولان: أحدهما: وهو المذهب الإجلاس مع نفسه أفضل؛ لأن النبي ﷺ بدأ به، ولأنه إذا أجلسه معه أكمل كفايته وكان ذلك تواضعًا من سيده.

стр. 5753

والثاني: هو مخير [ق ٢٣٨ ب] بين الإجلاس وبين أن يروغ له اللقمة واللقمتين لأن النبي ﷺ خير بينهما، وقال الزهري: الترويغ أن يرويها له بالدسم والدهن، ويحتمل أن يريد بالترويغ الاختزال فقط. وقال بعض أصحابنا: هذا الحكم فيمن باشر ذلك؛ لأنه نفس من باشره يتوق إليه أكثر مما تتوق نفس من لم يباشرها. وقال بعضهم: هذا فيمن يتولى ذلك وفيمن لم يتول ذلك سواء، إلا أن هذا في الذي قولي ذلك أشد استحبابًا، وهذا أجود عندي، والأكلة مضمومة الألف اللقمة والأكلة بفتح الألف المدة الواحدة من الأكل. وروي في الخبر: "فإن كان الطعام مشفوعًا فليضع في يده أكلة أو أكلتين" والمشفوه القليل، سمي بذلك لكثره الشفاه التي تجتمع على أكله. ثم قال الشافعي ﵀: وهذا يدل على ما وصفنا من بيان طعام المملوك وطعام سيده بترويغ لقمة المملوك عرفنا أنه ليس من المعروف أن يكون طعام العبد مثل طعام السيد في جميع الحالات، ولكن يختلف باختلاف العادات، وكان الإمام القفال يقرأ من بيان طعام المملوك بكسر الباء ويذهب إلى مصدر المباينة، وهذا حسن لولا الواو في العطف حيث قال من بيان طعام المملوك وطعام سيده، ولو كانت من المباينة لكانت الواو محذوفة لأنك تقول هذا الشيء يباين هذا الشيء أو تقول مباينة الشيء الشيء. ثم قال الشافعي ﵀: والمملوك الذي يلي طعام الرجل مخالف عندي المملوك الذي لا يلي طعامه، وينبغي أن يناوله منهما تقر إليه ولو لقمة، فإن المعروف أن لا يأكل طعامًا قد ولي العمل فيه، ثم يناوله منه شيئًا يرد به شهوة، وأقل ما يرد به شهوته لقمة وغيره من المماليك لم يله ولم يره والسنة خصت هذا من المماليك دون غيره. ثم أورد الشافعي من القرآن العظيم مثالًا [ق ٢٣٩ أ] بتخصيص هذا المملوك دون غيره. فقال: وفي القرآن ما يدل على ما يوافق بعض معاني هذا، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا﴾ [النساء: ٨] ولم يقل يرزق مثلهم ممن لم يحضر، وقيل: ذلك في المواريث وغيرها من الغنائم وهذا أحب إليّ، ويعطون ما طابت به نفس المعطي بلا توقيت، ولا يحرمون، فحصل من هذا المثال أن المساكين أو القربى أو اليتامى إذا حضروا مجلس القسمة، والورثة يقتسمون المواريث، أو كان الغانمون يقتسمون الغنائم، فالمستحب أن يعطي من حضر وذلك المقدار غير مقدر. ثم رجع الشافعي إلى تفسير قوله ﷺ : "لا يكلف من العمل ما لا يطيق والذي رويناه في خبر أبي ذر ﵁ فقال: ومعنى ذلك والله أعلم ما يطيق الدوام عليه لا

стр. 5754

ما لا يطيق يومًا أو يومين أو ثلاثة ونحو ذلك ثم يعجز، وجملة ذلك ما لا يضر ببدنه الضرر البين، وهذا لأنه إن كان يمشي يومًا أو يومين في كل خمسين ميلًا ففي اليوم الثالث يعجز فلا يقدر على ذلك فيكلفه ما يطيق الدوام عليه، فإن كان سفرًا ركب عقبه ومشى عقبه، فإن كان لا ينام راكبًا تركه حتى ينام في المنزل، وإن كان الليل طويلًا أمره بالعمل في طرفي الليل، وإن كان قصيرًا أمكن من القيلولة في النهار. ثم قال: "فإن عمي أو زمن أنفق عليه" وقد ذكرنا ذلك، وهذا لأن سبب النفقة الملك والحاجة، وقد وجدا. فرع: إذا دفع إلى عبده طعامًا، ثم أراد السيد أن يبدله بغيره في وقت أكله لم يجز، وإن كان قبله جاز لتعيين حقه فيه عند الأكل، فرع آخر: لو قال الحاكم لعبد رجل غائب استدان [ق ٢٣٩ ب] وأنفق على نفسك فذلك دين على السيد ونحو ذلك. مسألة: "وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرْضِعَ الأَمَةَ غَيْرَ وَلَدِهَا". الفصل: إن كان لأمته ولد من زوج أو زنى فإنه مملوك له، فإن أراد السيد أن يسترضعها ولدًا آخر نظر، فإن كان لا يفضل عن ري ولدها لبن لم يكن ذلك؛ لأنه ليس له أن يعطي مملوكه بعض الكفاية، فإذا استرضعها ولدًا آخر حصل لولدها من اللبن بما لا يكفيه، وإن كان لها لبن يفضل عن ريه، لاستغناء ولدها ببعض الطعام عن شرب لبن كثيرًا ولقلة شربه وغزارة لبنها فله ذلك بأجرة وغير أجرة لأنه لا ضرر على ولدها فيه. قال أصحابنا: وحكم الأمة في الرضاع مخالف حكم الزوجة لأن أحد الزوجين إذا أراد الفطام قبل الحولين فللآخران لا يرضي، وإذا بلغ الولد الحولين فلكل واحد الفطام. وأما في الأمة فالحكم للسيد، فإن قال لها: أرضعي الولد بعد الحولين يلزمها إذا لم يكن عليها ضرر، وإن قال: أفطمي قبل الحولين فعليها ذلك إذا لم يكن على الولد ضرر.

стр. 5755

مسألة: قَالَ: "وَيَمْنَعُهُ الإِمَامُ أَنْ يَجْعَلَ عَلَى أَمَتِهِ خَرَاجًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي عَمَلٍ وَاجِبٍ". معنى الخراج أن يقول لعبده أو أمته: اكتسب لنفسك وأعطني كل يوم شيئًا معلومًا وأنفق الباقي على نفسك فهذا ينظر فيه، فإن طلب العبد أو الأمة ذلك لم يجب على السيد أن يجيبه إلى ذلك، وإن طلب السيد لم يجب على العبد أن يجيبه إلى ذلك؛ لأن منفعته لسيده فلا يلزمه أن يشتري ماله منه بماله، فإن تراضينا على الخراج نظر، فإن كان كسبه يفي بنفقته وخراجه جميعًا جاز، وإن كان يزيد عليهما كانت الزيادة للعبد؛ لأن السيد رضي بمقدر الخراج وجعل الباقي له، فكانت الزيادة برًا من جهة السيد للعبد، وله أن يدفع إليه أكثر من حاجته لنفقته وإن كان كسبه يعجز عنهما [ق ٢٤٠ أ]. قال الشافعي للإمام أن يمنعه من ذلك؛ لأنه إذا كان كسبه يعجز عنه يسرق العبد وتزني الأمة. وروي عن عثمان ﵁ أنه قال في خطبته: لا تكلفوا الأمة غير ذات الصنعة بالكسب فإنكم متى كلفتموها الكسب كسبت بفرجها، ولا تكلفوا الصغير الكسب فإنه إن لم يجد سرق، وعفوا إذا عفكم الله وعليكم من المطاعم بما طاب منها. وقوله: إلا أن يكون في عمل وأصيب: يعني دائم من الخياطة ونحوها فيقدر حينئذٍ على أداء ذلك الخراج وأما الولد في ذلك كالأمة. باب نفقة الدواب وصفته مسألة: قَالَ: "وَلَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ دَابَّة فِي المِصْرِ أَوْ شَاةً أَوْ بَعِيرًا أَعْلَفَهُ بِمَا يُقِيمَهُ". الفصل: إذا كان له حيوان غير الآدمي من البهائم والطيور ونحوها فعليه نفقتها؛ لأنه حيوان مملوك كالعبد، ولا فرق بين أن تكون مأكولة اللحم أو غير مأكولة، فإذا ثبت هذا لا يخلو إما أن يكون في البلد أو في الصحراء، فإن كانت في البلدة فإن العرف فيه أنها تعلف ولا ترعى، فإن كانت مما يؤكل لحمها فهو مخير بين ثلاثة أشياء: بين أن يعلفها أو يذبحها أو يبيعها، وإن كانت مما لا يؤكل لحمها فهو مخير بين أن يبيعها وبين أن يعلفها، وإذا امتنع

стр. 5756

من ذلك كله فإن كان له مال ظاهر أنفق الحاكم عليها من ماله، وإن لم يكن له مال ظاهر باع من البهيمة جزءًا وأنفق على الباقي، وهذا لأن للحيوان حرمة مثل ما للعبد. قال أصحابنا: لو كان بدابته جرح ولا يجد خيطًا يخيط به في ملكه له أن يغضب خيطًا بالقيمة، ولو لم يجد علفه إلا مع رجل لا يبيعه وقد فضل عن حاجته والدابة مشرفة على الهلال له أن يغصب علفها بالقيمة كما في الآدمي سواء، وبه قال أحمد. وقال أبو حنيفة: لا يجبر على ذلك ولا يباع [ق ٢٤٨ ب] من ماله شيء لنفقتها ولكنه يأمره بذلك كما يأمره بالمعروف، وهذا غلط لأنها نفقة واجبة عليه فكان للسلطان إجباره كنفقة العبيد، وإن كانت في الصحراء، فإن العرف فيها الرعي دون العلف فلا يكلف صاحبها العلف ولكنه يخير بين أن يخليها للرعي وبين ما ذكرنا، فإن جذبت الأرض فلم يكن فيها متعلق أو أنبتت ولكنه لا يكفيها فحكمها حكمها إذا كانت في البلد على ما بيناه. وقد قال الشافعي ببعض البهائم لا تستوفي كفايتها بالرعي مثل البغل والحمار فيلزمه أن يعلفها كفايتها. قال أصحابنا: إنما قال ذلك على عادة مصر لأن المرعى بها ضعيف لقلة الأمطار. وقيل: غن مصر لا يقع فيها مطر، وإذا رأى أهلها سحابة استغاثوا ودعوا الله تعالى في إزالتها عنهم، وخافوا الهدم، فإنه ليس لهم المزاريب التي يكون في بلادنا، وإذا كان كذلك نقل النبات في صحاريها فلا يكفي الدواب رعيه ولا تستقل، فأما في الموضع الذي يكثر فيه الرعي والكلأ، فإن الدواب يكتفي بالرعي فيه. وأما إذا كان للبهيمة ولد فأراد صاحبها أن يحلب لبنها، فالحكم فيه كما ذكرنا في الأمة إلا أنه يحلب ههنا الفصل عن ري الولد وتعني بالري ما يقيمه حق لا يموت وهناك يسترضع ولدًا آخر. وأما الأملاك التي لا روح فيها كالعقار والأشجار، فلا يجب عليه عمارتها لأن ذلك تنمية للمال ولا يتعلق لحق ذي زوج، والأصل في جميع ما ذكرنا ما روي عن ضرار ابن الأزور. قال: أهديت لرسول الله ﷺ لقحة فأمرني أن أحلبها فحلبتها فجهدت حلبها، فقال: "دع داعي اللبن". وروي أن النبي ﷺ قال: "اطلعت على النار فرأيت فيها امرأة تعذب في هرة ربطتها لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من حشاش الأرض" [ق ٢٤١ أ] وقال رسول الله ﷺ : "إن مومسة من بني إسرائيل مرّت بكلب على رأس بئر يلهث عطشًا فشدت برطها

стр. 5757

في خفها فسقته فشكرها الله تعالى فغفر لها" فقيل: يا رسول الله إن لنا في سقي الكلاب أجرًا، فقال: "في كل كبد حرى أجر". وروى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرًا فنزل فيه فشرب، ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغني فنزل البئر فملأ خفه ماء، ثم أمسكه بفيه حتى ارتقى فسقى الكلب فشكر الله فغفر له" فقالوا: يا رسول الله وإن لنا في البهائم لأجرًا فقال في كل ذات كبد رطبة أجر". وروي أن النبي ﷺ دخل حائطًا لرجل من الأنصار، فإذا فيه جمل فلما رأى النبي ﷺ حق إليه وذرفت عيناه فأتاه النبي ﷺ فمسح ذفرته فسكن فقال: "من رب هذا الجمل"؟ فجاء فتى من الأنصار فقال: هو لي يا رسول الله، قال: فقال: "ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها فإنها تشكو إليَّ أنك تجيعه وتدنيه". فرع آخر: لو ولي على ابنه المجنون له أن ينفق على نفسه من مال المجنون ولا يحتاج إلى إذن الحاكم، وقيل: هذا يلزمه أن يستأذن الحاكم كالأم والجدة أو يأخذ بنفسه وجهان: فرع آخر: قال ابن الحداد: لو تزوج حرّ بأمة فولدت منه فنفقة الولد على سيده، فإن أعتق الولد، واختلف الوالد والسيد في وقت عتق الولد فالقول قول الوالد مع يمينه. قال أصحابنا: لا معنى لهذا الفرع لأن نفقة الولد تسقط بمضي الزمان فلا يصح اختلافهما فيه [ق ٢٤١ ب]. فرع آخر: لو تزوج مملوك بحرة موسرة فأولدها كانت نفقة الولد على أمه، فإن أعتق الأب، قال ابن الحداد: عادت النفقة إليه قال أصحابنا: هذا غلط وإنما تعود النفقة إذا اكتسب ما يفضل عن نفقته ونفقة امرأته، فأما بنفس العتق فلا تنتقل إليه. فرع آخر: قال ابن أبي أحمد في التلخيص: لو كان لرجل امرأة فلم يقدر على الكسب إلا قدر

стр. 5758

ما ينفق على نفسه وله أب موسر أخذ الابن بنفقة امرأته وأخذ الأب بنفقته قلته تخريجًا، وهذا لأنه لو لم يفعل هكذا لخيرت امرأة هذا الابن. وقال القفال: يحتمل غير ذلك وهو أنه لما اكتسب ما يكفيه خرج بذلك من حدّ الفقر فلا يلزم إياه نفقته وليس لامرأته أن تطالبه بذلك لأنه محتاج إليه فلا يجبر على بذله لها، فإن قالت: أختار نفسي فلها ذلك. والله أعلم بالصواب وإليه المرجع وإليه المآب. تم ربع النكاح بحمد الله وحسن توفيقه، يتلوه ربع الخراج إن شاء الله تعالى وحده. الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وأصحابه أجمعين وسلم تسليمًا كبيرًا إلى يوم الدين وحسبنا الله ونعم الوكيل. تم الجزء الحادي عشر ويليه إن شاء الله الجزء الثاني عشر وأوله: كتاب القتل

стр. 5759

فهرس المحتويات

стр. 5760

بحر المذهب في فروع المذهب الشافعي تأليف القاضي العلامة فخر الإسلام شيخ الشافعية الإمام أبي المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الروياني المتوفى سنة ٥٠٢ هـ تحقيق طارق فتحي السيد الجزء الثاني عشر المحتوى: كتاب القتل - كتاب الديات - كتاب قتال أهل البغي

стр. 5761

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب القتل باب تحريم القتل ومن يجب عليه القصاص ومن لا يجب مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] الآية وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣] وقال ﵇: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس". قال في الحاوي: الأصل في ابتداء القتل وتحريمه ما أنزل الله جل أسمه على رسوله ﷺ من قصة ابني آدم ﵇ هابيل، وقابيل حتى بلغ الأمة وأنذرها، فقال: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ [المائدة: ٢٧] يعني بالصدق، ويريد بابني آدم قابيل القاتل، وهابيل المقتول. ﴿إذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ﴾ [المائدة: ٢٧] وسبب قربانهما أن آدم أقر أن يزوج كل واحد من ولده بتوأمه أخيه، فلما هم هابيل أن يتزوج بتوأمه قابيل منعه منها، وقال: أنا أحق بها منك. وفي سبب هذا القول منه قولان: أحدهما: لأن قبيل وتوأمته كانا من ولادة الجنة، وهابيل وتوأمته كانا من ولادة الأرض. والثاني: لأن توأمه قابيل كانت أحسن من توأمه هابيل فاختصما إلى آدم فأمرهما أن يقربا قرباناً، وكان هابيل راعياً، فقرب هابيل سمينة من خيار ماله، وكان قابيل

стр. 5762

حراثاً، فقرب حزمه زرع، فنزلت نار من السماء فرفعت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، وكان ذلك علامة القبول فازداد حسد قابيل لهابيل، فقال: "لأقتلنك": ﴿قَالَ إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ (٢٧) لَئِن بَسَطتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ العَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٧ - ٢٨] فلم يمنع عن نفسه، لأنه لم يؤذن له في المنع منها وهو مأذون فيه الآن، وفي وجوبه للفقهاء قولان: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٣٠] فيه تأويلان: أحدهما: شجعت قاله مجاهد. والثاني: زينت قاله قتادة. ﴿فَقَتَلَهُ﴾ [المائدة: ٣٠] قيل: بحجر شرخ به رأسه ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٣٠] لأنه خسر أخاه وديته ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٣١] لأنه ترك أخاه على وجه الأرض ولم يدفنه، لأنه لم ير قبله مقتولاً ولا ميتاً، وفي بحث الغراب قولان: أحدهما: بحث الأرض على ما يدفنه فيها لقوته قتنبه بذلك على دفن أخيه. والثاني: أنه بحث على غراب ميت حتى دفنه: ﴿قَالَ يَا ويْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾ [المائدة: ٣١] فدفنه حينئذ وواراه فأصبح من النادمين فيه وجهان: أحدهما: من النادمين، على قتل أخيه. والثاني: من النادمين على أن ترك مواراة سوأة أخيه، ثم قال تعالى بعدما أنهاه من حال ابني آدم: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ومَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] أن خلصها من قتل وهلكة وسماه إحياء لما فيه من بقاء الحياة، وإن كان الله تعالى هو المحيي، وفي تسميته بقتل الناس جميعاً وإحياء الناس جميعاً تأويلان: أحدهما: فكأنما قتل جميع الناس عند المقتول، وكأنما أحيا الناس عند المستفيد وهذا قول ابن مسعود. والثاني: أن على جميع الناس دم القاتل، كما لو قتلهم جميعاً وعليهم شكر المحيي كما لو أحياهم جميعاً، وهذا أصل في تحريم القتل. وقد روى معمر عن الحسن عن النبي ﷺ أنه قال: "إن ابني آدم ضرباً مثلاً لهذه الأمة فخذوا من خيرهما ودعوا شرهما". وقال: ﴿مَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] الآية وهذا أغلظ وعيد يجب

стр. 5763

في أغلظ تحريم حتى قال ابن عباس: لأجل ما تضمنته هذه الآية من الوعيد أن توبة القاتل غير مقبولة، وتعلقاً بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ما نازلت ربي في شيء كما نازلته في توبة قاتل العمد فأبى علي" وذهب من سواه إلى قبول توبته لقول الله تعالى: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨] إلى قوله: ﴿إلاَّ مَن تَابَ﴾ فاستثناه من الوعيد، فدل على قبول توبته. فإن قيل: هذه الآية نزلت قبل الآية الأولى بستة أشهر فلم يجز أن تنسخ ما بعدها. قيل: ليس فيها نسخ، وإنما فيها إثبات شرط، والشرط معمول عليه تقدم أو تأخر، فأما الخبر المحمول على المبالغة في الزجر لئلا يسارع الناس على القتل تعويلاً على التوبة منه، وفي قول النبي ﷺ : "باب التوبة مفتوح" ما يقتضي حمله على هذا مع قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: ٢٥] وقول النبي ﷺ أن الله تعالى لم ينزع التوبة عن أمتي إلا عند الحشرجة" يعني وقت المعاينة. وأما تحريم القتل بالسنة فروى أبو أمامة بن سهل عن عثمان، وروى مسروق عن ابن مسعود، وروى عكرمة عن ابن عباس، وروى عبيد بن عبيد بن عمير عن عائشة، كلهم يتفقون مع اختلاف الألفاظ على معنى واحد أن النبي ﷺ قال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بأحدث ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زناً بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس". وروى أبو سعيد الخدري وأبو هريرة أن النبي ﷺ مر بقتيل فقال: من لهذا؟ فلم يذكر له أحد فغضب ثم قال: "والذي نفسي بيده لو تمالأ عليه أهل السماء والأرض لأكبهم الله في النار". وروى ابن مسعود قال: سألت رسول الله ﷺ أي الكبائر أعظم؟ قال: "أن تجعل لله نداً وهو خلقك" قلت: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك مخافة أن يأكل معك". قلت: ثم أي؟ قال: "أن تزني بحليلة جارك". وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "من أعان على قتل امرئ مسلم ولو بشطر كلمة لقي

стр. 5764

الله مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله". وروي عن النبي ﷺ أنه قال في حجة الوداع: "ألا أن دماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، اللهم اشهد". فصل: فإذا ثبت تحريم القتل بالكتاب والسنة مع انعقاد الإجماع وشواهد العقول فالقصاص فيه واجب لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى الحُرُّ بِالْحُرِّ والْعَبْدُ بِالْعَبْدِ والأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وأَدَاءٌ إلَيْهِ بِإحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨] يعني أن العفو يوجب استحقاق الدية، يطالب بها الولي بمعروف، ويؤديها القاتل إليه بإحسان، ذلك تخفيف من ربكم ورحمة، يعني: التخيير بين القصاص والدية، وتخفيف من الله تعالى على هذه الأمة، لأن قوم موسى ﵇ أوجب عليهم القصاص دون الدية، وقوم عيسى ﵇ أوجب عليهم الدية دون القصاص، وخيرت هذه الأمة بين الأمرين، فكان تخفيفاً من الله تعالى ورحمة وقال: ﴿ولَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] لأن القصاص وإن لم يكن في استيفائه حياة فوجوبه سبب للحياة، لأن القاتل إذا علم بوجوب القصاص عليه كف عن القتل، ولم يقتص منه فصار حياة لهما، وهذا من أوجه كلام وأوضح معنى. وقيل: إنه في التوراة: يا بني إسرائيل لا تقتلوا تقتلوا، بين المعنيين فرق إذا سبر، وتعاطت العرب مثل ذلك، فقالوا: القتل أنفي للقتل، وكان لفظ القرآن أفصح، ومعناه أوضح وكلامه أوجز، وقال: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] فيه تأويلان: أحدهما: أنه القصاص، وهو قول قتادة. والثاني: أنه الخيار بين القصاص والدية، أو العفو عنهما، وهو قول ابن عباس. فلا يسرف في القتل فيه تأويلان: أخدهما: أن يقتل غير قاتله، وهو قول طلق بن حبيب. والثاني: يمثل به إذا اقتص وهو قول ابن عباس. وتأوله سعيد بن جبير وداود تأويلاً ثالثاً: أن يقتل الجماعة بالواحد. إنه كان منصوراً فيه تأويلان. أحدهما: أن الولي كان منصوراً بتمكينه من القصاص وهو قول قتادة. والثاني: أن المقتول كان منصوراً بقتل قاتله، وهو قول مجاهد، وقال: ﴿وكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا

стр. 5765

أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ والْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿فَهُوَ كَفَّارَةٌ﴾ [المائدة: ٤٥] له فيه تأويلان: أحدهما: فهو كفارة له للمجروح وهو قول الشعبي. والثاني: فهو كفارة للجارح، لأنه يقوم مقام أخذ الحق منه، وهو قول ابن عباس. فإن قيل: فهذا إخبار عن شريعة من قبلنا، وهي غير لازمة لنا. قيل: في لزومها لنا وجهان: أحدهما: يلزمنا ما لم يرد نسخ. والثاني: لا يلزمنا إلا أن يقوم دليل، وقد قام الدليل بوجوب ذلك علينا من وجهين. أحدهما: أنه قد قرأ أبو عمرو: ﴿والْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] بالرفع وهذا خارج عن الخبر إلى الأمر. والثاني: ما روي عن حميد عن أنس قال: كسرت الربيع بنت مسعود وهي عمة أنس ثنية جارية من الأنصار، فطلب القوم القصاص فأتوا النبي ﷺ فأمر بالقصاص فقال أنس بن النضر، عم أنس بن مالك: لا والله لا تكسر ثنيتها يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : "كتاب الله القصاص" فرض وقبلوا الأرش فقال رسول الله ﷺ : "إن من عباد الله لو أقسم على الله لأبر قسمة" ذكره البخاري في الصحيح. فموضع الدليل من أنه أخبر بأن كتاب الله موجب للقصاص في السن ولم يذكره إلا في هذه الآية فدل على لزمها لنا، ويدل على وجوب القصاص من السنة ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل، وأنا والله عاقله، فمن قتل قتيلاً فأهله بين خيرتين أن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل". وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "من قتل قتيل فهو به بسواء" يعني سواء فإذا ثبت وجوب القصاص، وهم معتبر بالتكافئ على مسا سنذكره تعلق بالقتل حقان. أحدهما: لله. والثاني: للمقتول. فأما حق الله فشيئان الكفارة والمأثم. فأما الكفارة فلا تسقط بالتوبة، وأما المأثم فيسقط بالتوبة على ما قدمناه، والتوبة معتبر بثلاثة شروط: أحدها: الندم على قتله، وترك العزم على مثله، وتسليم إلى ولي المقتول، ليقتص منه أو يعفو عنه.

стр. 5766

وأما حق المقتول، فأحد أمرين يرجع فيها إلى خيار وليه في القصاص أو الدية، ولا يجوز أن يجمع بين الأمرين. وروي أن مقيس بن صبابة أتى رسول الله ﷺ يطالبه بدم أخيه وقد قتله بعض الأنصار، فحكم له بالدية، فأخذها ثم عدا على قاتل أخيه وعاد إلى مكة مرتداً. وأنشأ يقول: شفي النفس أن قد بات بالقاع مسنداً ... تضرج ثوبيه دماء الأخادع ثأرت به قهراً وحملت عقله ... سراة بني النجار أرباب فارع حللت به وترى وأدركت ثؤرتي ... وكنت عن الإسلام أول راجع فقتله رسول الله ﷺ بمكة عام الفتح صبراً. وهو أحد الستة الذين أمر بقتلهم، وإن تعلقوا بأستار الكعبة. مسألة قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وإذا تكافأ الدمان من الأحرار المسلمين أو العبيد المسلمين، أو الأحرار المعاهدين، أو العبيد منهم، قتل من كل صنف مكافئ في دمه منهم الذكر قتل بالذكر وبالأنثى، والأنثى إذا قتلت بالأنثى وبالذكر". قال في الحاوي: والمكافأة معتبر في وجوب القصاص على تفصيل أقسامها، وهي منقسمة ثلاثة أقسام: مكافأة في الأجناس، ومكافأة الأنساب، ومكافأة في الأحكام. فأما مكافأة الأجناس: فهو الذكور بالذكور والإناث بالإناث، فهو غير معتبر عند الفقهاء بأسرهم، وهو قول جمهور الصحابة والتابعين فيجوز أن يقتل الذكر بالذكر وبالأنثى، وتقتل الأنثى بالأنثى وبالذكر. وحكي الحسن البصري عن علي بن أبي طالب ﵇ أنه قال: لا يقتل الذكر بالأنثى إلا أن يؤخذ منها نصف الدية ثم يقتل بها. وبه قال عطاء استدلالاً بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى الحُرُّ بِالْحُرِّ والْعَبْدُ بِالْعَبْدِ والأُنثَى بِالأُنثَى﴾ [البقرة: ١٧٨] فلما لم يتكافأ الأحرار والعبيد لم يتكافأ الذكور والإناث، ولأن تفاضل الديات تمنع من التماثل في القصاص كما يمنع تفاضل القيم في المتلفات من التساوي في الغرم. ودليلنا قول الله تعالى: ﴿وكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] فعم من غير تخصيص. وروى أبو بكر محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلك كتب كتاباً إلى أهل اليمن فيه الفرائض والسنن، وأنفذه مع عمرو بن حزم، وكان فيه: "يقتل الذكر

стр. 5767

بالأنثى" وهذا نص. وروى قتادة عن أنس بن مالك أن يهودياً مر بجارية عليها حلي لها، فأخذ حليها، وألقاها في بئر فأخرجت وبها رمق، فقيل: من قتلك؟ قالت: فلان اليهودي، فانطلق به إلى رسول الله ﷺ فاعترف فأمر به فقتل. ولأن الأحكام ضربان: ضرب تعلق بحرمة كالحدود فيستوي فيه الرجل والمرأة، وضرب تعلق بالمال كالميراث، فتكون المرأة فيه على النصف من الرجل والقود متعلق بالحرمة فاستوت فيه المرأة والرجل. والدية متعلقة بالمال فكانت المرأة فيه على النصف من الرجل. ولأن القصاص إن وجب فبذل المال معه لا يجب وإن لم يجب القصاص فبذل المال لا يجب. فأما قوله: ﴿والأُنثَى بِالأُنثَى﴾ فليس يمنع قتل الأنثى بالأنثى من قتل الذكر بالأنثى، لأن الحكم المعلق بعين لا يقتضي نفيه عما عداها. وأما اختلاف الديات فلا يمنع من التماثل في القصاص كتفاضل الديات بين أهل الكتاب والمجوس وهم متساوون في القصاص. فصل: وأما التكافؤ بالأنساب فغير معتبر بالإجماع فيقتل الشريف بالدنيء، والدنيء بالشريف، والعربي بالعجمي، والعجمي بالعربي. روي عن النبي ﷺ : "المسلمون تتكافأ دماؤهم" وقال ﷺ : "أئتوني بأعمالكم ولا تأتوتي بأنسابكم". وروي عن النبي ﷺ أنه قال في حجة الوداع: "من له علي مظلمة أو له قبلي حق فليقم ليأخذ حقه فقام له رجل يقال له عكاشة، فقال: لي عليك مظلمة ضربتين بالسوط على بطني يوم كذا، فكشف رسول الله ﷺ عن بطنه وقال: قم فاقتص، فبكى الرجل، وقال: عفا الله عنك يا رسول الله. وروي عنه ﷺ أنه قال: "إنما هلك من كان قبلكم بأن الشريف كان إذا أتى الحد لم يحد وحد الدنيء". وأما تكافؤ الأحكام فكالأحرار مع العبيد، والمسلمين مع المعاهدين فهو عندنا معتبر، وإن خولفنا فيه وسنذكره فيما يليه. وأصل التكافؤ في الحرية على ما سيأتي بيانه.

стр. 5768

مسألة: قال الشافعي: "ولا يقتل مؤمن بكافر لقول النبي ﷺ : لا يقتل مؤمن بكافر" وإنه لا خلاف أنه لا يقتل بالمستأمن وهو في التحريم مثل المعاهد. قال المزني ﵀: فإذا لم يقتل بأحد الكافرين المحرمين لم يقتل بالآخر. قال الشافعي ﵀: قال قائل: عنى النبي ﷺ : لا يقتل مؤمن بكافر حربي فهل من بيان في مثل هذا يثبت؟. قلت: نعم قول النبي ﷺ : "لا يرث المؤمن الكافر ولا الكافر المؤمن فهل تزعم أنه أراد أهل الحرب لأن دماءهم وأموالهم حلال؟ قال: لا ولكنها على جميع الكافرين لأن اسم الكفر يلزمهم. قلنا: وكذلك لا يقتل مؤمن بكافر، لأن اسم الكفر يلزمهم فما الفرق؟ قال قائل: روينا حديث ابن البيلماني، قلنا: منقطع، وخطأ إنما روي فيما بلغنا أن عمرو بن أمية قتل كافراً كان له عهد إلى مدة، وكان المقتول رسولاً فقتله النبي ﷺ به، فلو كان ثابتاً كنت قد خالفته، وكان منسوخاً لأنه قتل قبل الفتح بزمان، وخطبة رسول الله ﷺ "لا يقتل مؤمن بكافر" عام الفتح، وهو خطأ لأن عمرو بن أمية عاش بعد النبي ﷺ دهراً وأنت تأخذ العلم ممن بعد ليس لك به معرفة أصحابنا. قال في الحاوي: أما تكافؤ الأحكام بالحرية والإسلام فمعتبر عندنا فيقتص من الأدنى بالأعلى ولا يقتص من الأعلى بالأدنى، وهو أن يقتل الكافر بالمسلم، ولا يقتل المسلم بالكافر، وسواء كان الكافر ذمياً، أو معاهداً، أو حربياً، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق. قال أبو حنيفة: يقتل المسلم بالذمي، ولا يقتل بالمعاهد والحربي، وقال الشعبي: يقتل المسلم بالكتابي، ولا يقتل بالمجوسي. واستدلوا بعموم قول الله تعالى: ﴿وكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وبقوله: ﴿ولَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] ورواية ابن البيلماني أن النبي ﷺ قتل مسلماً بكافر وقال: "أنا أحق من وفي بذمته". وبما روي أن عمرو بن أمية الضمري قتل مشركاً، فقتله رسول الله ﷺ . وروي أن أبا موسى الأشعري كتب إلى عمر بن الخطاب ﵁ يسأله عن مسلم قتل نصرانياً فكتب إليه عمر أن يقتاد منه. ومن القياس: أن كل من قتل به الكافر جاز أن يقتل بالكافر كالكافر. لأن كل من قتل بأهل ملته جاز أن يقتل بغير أهل ملته كقتل اليهودي بالنصراني.

стр. 5769

ولأن المسلم قد ساوى الذمي حقن دمهما على التأبيد، فوجب أن يجري القصاص بينهما كالمسلمين. ولأن حرمة نفس الذمي أغلظ من حرمة ماله وقد ثبت أن يد المسلم تقطع بسرقة ماله، فكأن أولى أن يقتص من يده بيده، لأن كافراً لو قتل كافراً ثم أسلم القاتل لم يمنع إسلامه من الاستيفاء للقود، كذلك لا يمنع من وجوب القود، ولأنه لما جاز للكافر قتل المسلم دفعاً عن نفسه كان قبله قوداً بنفسه، لأنهما في الحالين قتل مسلم بكافر. ودليلنا قوله: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وأَصْحَابُ الجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] فكان نفي التساوي بينهما يمنع من تساوي نفوسهما، وتكافؤ دمائها، فإن قيل: ليس يجوز أن يقطع على هذا المسلم بالجنة لجواز كفره، ولا على الكافر بالنار لجواز إسلامه. قيل: الحكم وارد في عموم الجنسين دون أعيان الأشخاص، وقد قطع لأهل الإيمان بالجنة وأهل الكفر بالنار وقال تعالى: ﴿ولَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٤١] وهذا وإن كان بلفظ الخبر فالمراد به النهي، لأن الخبر لا يجوز أن يكون بخلاف مخبره، وقد نرى لكافر سبيلاً على المسلم بالتسلط واليد، ونفي السبيل عنه يمنع من وجوب القصاص عليه. فإن قيل: وهو محمول على أن لا سبيل له عليه في الحجة والبرهان، فعنه جوابان: أحدهما: أنه محمول على العموم اعتباراً بعموم اللفظ. والثاني: أننا نعلم أنه لا سبيل له عليه بالحجة الدالة بهذه الآية فلم يجز حملها على ما هو معلوم بغيرها. ويدل عليه من السنة وهو المعتمدة في المسألة ما رواه أبو هريرة وعمران بن الحصين أن النبي ﷺ قال: لا يقتل مؤمن بكافر". وروى معقل بن يسار أن النبي ﷺ قال: "لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده". وروى قتادة عن الحسن عن قيس قال: انطلقت أنا والاشتر إلى علي بن أبي طالب رضوان الله عليه فقلنا له: هل عهد إليك رسول الله ﷺ لم يعهده إلى الناس عامة؟ فقال: لا إلا ما في هذا الكتاب، وأخرج كتاباً من قراب سيفه فإذا فيه: "المسلمون تتكافأ دماءهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم. ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده".

стр. 5770

وروى حماد عن جابر عن الشعبي عن علي بن الحسين قال: أخرج أبي سيف رسول الله ﷺ فإذا فيه العقل على المؤمنين عامة ولا يترك مفرج في الإسلام، ولا يقتل مسلم بكافر. والمفرج الذي لا يكون له قبيلة ينضم إليها فأمر أن يضم إلى قبيلة يضاف إليها حتى لا يكون مفرداً. فدلت هذه النصوص كلها على أن لا يقتل مسلم بكافر. فإن قالوا المراد بقوله: "لا يقتل بكافر" أي بكافر حربي، لأنه قال: "ولا ذو عهد في عهده" وذو العهد يقتل بالمعاهد، ولا يقتل بالحربي، ليكون حكم العطف موافقاً لحكم المعطوف عليه فعنه جوابان: أحدهما: أن قوله: "لا يقتل مؤمن بكافر" يقتضي عموم الكفار من المعاهدين، وأهل الحرب فوجب حمله على عمومه ولم يجز تخصيصه بإضمار وتأويل، وقوله: "ولا ذو عهد في عهده" كلام مبتدأ أي: لا يقبل ذو العهد لأجل عهده، وأن العهد من قبله حقناً لدماء ذوي العهود. والثاني: أن قوله: "لا يقتل مؤمن بكافر" محمول على العموم في كل كافر من معاهدي وحربي. ولا ذو عهد في عهده محمول على الخصوص في أنه لا يقتل بالحربي، وإن قتل بالمعاهد لأنه ليس تخصيص أحد المذكورين موجباً لتخصيص الآخر. ويدل على ذلك ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لو كنت قاتلاً مسلماً بكافر لقتلت خداماً بالهذلي" ولو جاز قتله ببعض الكفار دون بعض غيره ولم يطلقه، ويدل عليه من طريق الاعتبار أن المسلم لما لم يقتل بالمستأمن لم يقتل بالذمي. وللجمع بينهما ثلاث علل: أحداهن: أنه منقوض بالكفر، فوجب إذا قتله مسلم أن لا يقاد به كالمستأمن. والثانية: أن من لم يمنع دينه من استرقاقه لم يقتل به من منع دينه من استرقاقه كالمستأمن. فإن قيل: هذا منتقض بالكافر إذا قتل كافراً ثم اسلم القاتل فإنه يقتل به، وإن كان مسلماً فعنه جوابان: أحدهما: إن في شرط العلة إذا قتله مسلم، وهذا قتله وهو كافر، فلم تنتقض به العلة. والثاني: أن التعليل للجنس فلا تنتقض إلا بمثله. فإن قيل: المستأمن ناقص الحرمة، لأن دمه محقون إلى مدة بخلاف الذمي فإنه تام

стр. 5771

الحرمة، محقون الدم على التأييد، فأشبه المسلم فعنه جوابان: أحدهما: أن اختلاف الحرمتين في المدة لا يمنع من تساويهما في الحكم مع بقاء المدة، ألا ترى أن تحريم الأجنبية مؤقتة، وتحريم ذات المحرم مؤبد، وقد استويا في وجوب الحد في الزنا كذلك ها هنا. والثاني: أن للنفس بدلين: القود والدية، فلما لم يمنع اختلافهما في الحرمة من تساويهما في الدية لم يمنع من تساويهما في القود، ولأن حد القذف يجب بهتك حرمة العرض، والقود يجب بهتك حرمة النفس، فلما سقط عن المسلم حد قذفه كان أولى أن يسقط عنه القود في نفسه، لأن أخذ النفس أغلظ من استيفاء الحد. فأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿وكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] فمن وجهين: أحدهما: أنه عائد إلى بني إسرائيل وكانوا أكفاء فلم يجز حكمهم على غير الأكفاء. والثاني: أنه عموم خص بدليل. فأما قوله تعالى: ﴿ولَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] فهو قصاص لهم فلم يجز أن يفعل قصاصاً عليهم. وأما حديث عبد الرحمن بن البيلماني أن النبي ﷺ قتل مسلماً بكافر فهو حديث ضعيف لا يثبته أصحاب الحديث، ثم مرسل، لأن ابن البيلماني ليس بصحابي، والمراسيل عندنا ليست بحجة، ولو سلم الاحتجاج به لما كان فيه دليل، لأنها قضية في عين لا تجري على العموم. وقد يجوز أن يكون القاتل اسلم بعد قتله فقتله به، وإذا احتمل هذا وهذا وجب التوقف عن الاحتجاج. وأما حديث عمرو بن أمية الضمري فقد أجاب الشافعي عند بثلاثة أجوبة: أحدها: أن طريقة بن أمية الضمري عاش بعد النبي ﷺ ، ومات في زمن معاوية، فاستحال ما أضيف إليه. ولهذا قال الشافعي: وأنت تأخذ العلم، من بعد ليس لك به معرفة أصحابنا يعني: أهل الحرمين، لأن رسول الله ﷺ كان بينهم فكانوا بأقواله وأصحابه أعرف. والثالث: أن في روايتهم أنه قتله رسول مستأمن، وعندهم أن المسلم لا يقتل بالمستأمن، فلم يكن لهم فيه دليل. وأما حديث عمر فقد روى أن معاذ بن جبل أنكر عليه. وروى له عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يقتل مؤمن بكافر" وأن زيد بن ثابت قال له: لا تقتل أخاك بعبدك فرجع عنه، وكتب إلى أبي موسى أن لا تقتله به، فصار ذلك إجماعاً.

стр. 5772

وأما قياسهم على المسلم فالمعنى فيه أنه حقن دمه بدينه وأن دينه يمنع من استرقاقه فخالف الكافر. وأما قياسهم على قتل اليهودي بالنصراني فلا يصح، لأن الكفر كله عندنا ملة واحدة، وإن تنوع، فلذلك جرى القود بينهما، وملة الإسلام مخالفة لهما ومفضلة عليهما. وقولهم: إن حرمة النفس أغلظ من حرمة المال، والمسلم يقطع في مال الكافر فكان أول أن يقتل بنفس الكافر. فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن القطع في السرقة حق الله تعالى لا يجوز العفو عنه فجاز أن يستحق في مال الكافر كما يستحق في كال المسلم والقود من حقوق الآدميين لجواز العفو عنه فلم يستحقه كافر على مسلم. والثاني: أنه لما جاز قطع المسلم بسرقة مال المستأمن، ولم يقتل به، جاز أن يقطع في مال الذمي، وإن لم يعتد به. وقياسهم على الكافر فالمعنى فيه تساويهما في الدين. وقولهم: إنه يقتل به لو اسلم بعد قتله، فكذلك إذا كان مسلماً قبل قتله لا وجه له لأن القود حد، والحدود تعتبر بحال الوجوب، ولا تعتبر بما بعده، لأن مجنوناً لو قتل ثم عقل لم يجب عليه القود، ولو كان عاقلاً وقت القتل، ثم جن وجب عليه القود، وقد ذهب الأوزاعي إلى أنه لا يقتل به الكافر، إذا أسلم تمسكاً بظاهر قوله: لا يقتل مؤمن بكافر" وإن خالفناه فيه بالمعنى الذي قدمناه. وقولهم: لما جاز أن يقتله دفعاً، جاز أن يقتله قوداً، فيفسر من وجهين: أحدهما: أن المستأمن يجوز له قتل المسلم دفعاً ولا يجوز أن يقتل به قوداً. والثاني: بالمال يجوز أن يقتل المسلم بدفعه عنه ولا يقتل ما بدفعه عليه. وفيما تتجافاه النفوس من قتل المسلم بالكافر ما يمنع من القول به، والعمل عليه. حكي يحيي بن زكريا الساجي عن موسى بن إسحاق الأنصاري عن علي بن عمرو الأنصاري أنه رفه إلى أبي يوسف القاضي مسلم قتل كافراً فحكم عليه بالقود، فأتاه رجل برقعة ألقاها إليه من شاعر بغدادي يكنى أبو المضرجي فيها مكتوب. يا قاتل المسلم بالكافر ... جرت وما العادل كالجائر يا من ببغداد وأطرافها ... من فقهاء الناس أو شاعر جار على الدين أبو يوسف ... إذ يقتل المسلم بالكافر فاسترجعوا وابكو على دينكم ... واصطبروا فالأجر للصابر فأخذ أبو يوسف الرقعة، ودخل على الرشيد، فأخبره بالحال، وقرأ عليه الرقعة،

стр. 5773

فقال له الرشيد: تدارك هذا الأمر بحيلة لئلا يكون منه فتنة. فخرج أبو يوسف وطالب أولياء المقتول بالبينة على صحة الذمة، وأداء الجزية فلم يأتوا بها فأسقط القود وحكم الدية، وهذا إذا كان مفضياً إلى استنكار النفوس وانتشار الفتن كان العدول عنه أحق وأصواب. فصل: فإذا ثبت أن المسلم لا يقتل بالكافر فحالهما تنقسم أربعة أقسام: أحدها: ما لا يقتل به، وتجب عليه دية كافر، وهو أن يبتدئ المسلم بقتل الكافر توجيه فلا يجب القود لإسلام القاتل، وتجب به دية كافر لكفر المقتول. والثاني: ما لا يجب فيه القود، وتحب فيه دية مسلم، وهو أن يجرح المسلم كافراً، ثم يسلم المجروح، ويموت مسلماً، فلا قود على المسلم، لأن المقتول وقت الجرح كان كافراً، وفيه دية مسلم، لأنه مات من الجرح مسلماً، لأن الاعتبار في القود بحال الابتداء، وفي الدية بحال الانتهاء. والثالث: ما يقتل به المسلم ولا يجب فيه الدية كافر، وذلك في حالتين: إحداهما: أن يقتل كافر كافراً ثم يسلم القاتل به، وإن كان مسلماً اعتباراً بحال القتل، ولا تجب عليه إلا دية كافر، لأن المقتول مات كافراً. والثانية: أن يطلب المسلم نفس الكافر فيجوز للكافر أن يقبل طالب نفسه، وإن كان مسلماً فلو قتله المسلم الطالب لم يجب عليه إلا دية كافر، ولو قتل المسلم لم يجب له دية لأن نفس المطلوب مضمونة، ونفس الطالب هدر. والرابع: ما اختلف القول فيه، وهو أن يقتل مسلم كافراً في الحرابة، ففي قتله به قولان للشافعي: أحدهما: وهو المشهور عنه أنه لا يقتل به لعموم النهي. والثاني: ذكره الشافعي في موضع وقال: هذا مما استخير الله فيه أن يقتل به، لأن في قتل الحرابة حقاً لله تعالى يجب أن يستوفي ولا يجوز العفو عنه فاستوي فيه قتل المسلم والكافر، وهو في غير الحرابة حق لآدمي يجوز العفو عنه فسقط في حق الكافر، ولو قتل مرتد كافراً لم يجب عليه القود، وإن اتفقا على الكفر لما ثبت له من حرمة الإسلام، وما أجرى عليه من أحكامه. مسألة: قال الشافعي: "قال: ولا يقتل حر بعبد".

стр. 5774

قال في الحاوي: لا يقتل الحر بعبده وبعبد غيره. وقال أبو حنيفة: يقتل الحر بعبد غيره، ولا يقتل بعبد نفسه استدلالاً بعموم قول الله تعالى: ﴿وكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْس﴾ [المائدة: ٤٥] ورواية علي بن أبي طالب ﵇: أنه قال: المسلمون بتكافؤ دماؤهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم فاعتبر المكافأة بالإسلام قد استوى الحر والعبد فيه فوجب أن يتكافأ دمهما، ويجري القود بينهما، ومن الاعتبار أن كل من قتل بالحر قتل به الحر كالحر، ولأن الرق مؤثر في ثبوت الحجر، وما ثبت به الحجر يمنع من استحقاق القود على من ارتفع عنه الحجر كالجنون والصغر، ولأنه لما جاز أن يقتل به الحر دفعاً جاز أن يقتل به قوداً. ودليلنا قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى الحُرُّ بِالْحُرِّ والْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨] فاقتضى هذا الظاهر أن لا يقتل حر بعبد. وروى سليمان بن مسلم عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "لا يقتل حر بعبد". ورواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وهذا نص لا يسوغ خلافه وروى إسرائيل عن جابر عن عامر عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: "من السنة ألا يقتل مسلم بكافر، ومن السنة ألا يقتل حر بعبد يعني: سنة رسول الله ﷺ ، وهذا يقوم مقام الرواية عنه، وليس له في الصحابة مخالف، فصار مع السنة إجماعاً، ومن الاعتبار أن حرمة النفس أغلظ من حرمة الأطراف، فلما لم يجب القود بينهما في الأطراف، فأولى أن لا يجري بينهما في النفس. وتحريره قياساً أن كل شخصين امتنع القود بينهما في الأطراف امتنع في النفس كالوالد مع ولده طرداً، وكالحربي عكساً، ولأن كل قود سقط بين المسلم والكافر المستأمن سقط بين الحر والعبد كالأطراف. فإن قيل: الأطراف تعتبر فيها المماثلة لأنه لا تؤخذ السليمة بالشلاء المريضة، ولا تؤخذ الأيدي بيد واحدة، والمماثلة غير معتبرة في النفوس لقتل الصحيح بالمريض، والجماعة بالواحد، فكذلك جرى القود بين الحر والعبد في النفس، وسقط في الأطراف. قيل: هما عندنا سواء، والمماثلة المعتبرة فيهما واحدة، لأننا نقطع الأيدي بيد واحدة، وإن خالفتمونا فيه ونقتل الصحيح بالمريض كما نقطع اليد الصحيحة بالعليلة، ولا نقطعها باليد الشلاء كما لا يقتل الحي بالميت، لأن الشلاء ميتة. فإن قيل: فقد فرقتم بين قطع الشلاء في وجوب الأرض فيهما، وبين استهلاك الميت في سقوط الأرش فيه.

стр. 5775

قيل: لأن الشلاء متصلة بحي، وفيها جمال، فجاز أن يجب الأرش بقطعها مع موتها، كما يجب في الشعر مع كونه عندكم ميتاً، ولأن الرق حادث عن الكفر فلما سقط به القود عن المسلم وجب أن يكون ما حدث فيه من الرق بمثابته في سقوط القود عن الحر ولأن النقص بالرق يمنع من استحقاق القود على الحر كالسيد مع عبده، ولأنه لما سقط عنه الحد بقذفه فأولى أن يسقط عنه القود بقتله لأن حرمة النفس أغلظ. فأما الجواب عن الآية فهو أنها تضمنت نفساً وأطرافاً فلما خرج العبيد من حكم الأطراف خرجوا من حكم النفوس. وأما الخبر فقال قال فيه: "ويسعى بذمتهم أدناهم" يريد به العبيد، ومن كان أدناهم لم يجز أن يؤخذ بالأعلى. وأما قياسهم على الحر، فالمعنى فيه جريان القود في الأطراف فجرى في النفوس، ولا يجري في الأطراف بين الحر والعبد، فلم يجز في النفوس، وكذلك الجواب عن تعليلهم بتأثير الحجر كالجنون والصغر، وقد مضى الجواب عن جمعهم بين قتل الدفع وقتل القود، وليس لما تناكرته العامة، ونفرت منه الخاصة مساغاً في اختلاف الفقهاء. وحكي أن بعض فقهاء خراسان سئل في مجلس أميرها عن قتل الحر بالعبد فمنع منه وطولب بالدليل عليه. فقال: أقدم قبل الدليل حكاية إن احتجت بعدها إلى دليل فعلت ثم قال: كنت أيام تفقهي ببغداد نائماً ذات ليلة على شاطئ دجلة فسمعت ملاحاً يترنم وهو يقول: خذوا بدمي هذا الغلام فإنه رماني ... بسهمي مقلتيه على عمد ولا تقتلوه إني أنا عبده ... ولم أر حراً قط يقتل بالعبد وما انتشر في العامة تناكره حتى نظموه شعراً، وجعلوه في الأمثال شاهداً كان من اختلاف الفقهاء خارجاً فقال الأمير: حسبك فقد أغنيت من دليل. فصل: واستدل النخعي وداود على قتل السيد بعبده بما رواه قتادة عن الحسن عن سمرة أن النبي ﷺ قال: "من قتل عبده قتلناه ومن جدع عبده جدعناه" وفي رواية أخرى: "ومن خصاً عبده خصيناه". والدليل عليهما رواية الأوزاعي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلاً قتل عبده فجلده النبي ﷺ ولم يقده به، وأمره أن يعتق رقبه، وهذا نص وما أمر به من جلده ونفيه تعزيز. فأما الخبر المستدل به ضعيف، لأن الحسن لم يرو عن سمرة إلا ثلاثة

стр. 5776

أحاديث ليس هذا منها. وقد روى قتادة عن الحسن أن النبي ﷺ قال: "لا يقتل حر بعبد". ولو صح لحمل على أحد وجهين إما على طريق التغليظ والزجر لئلا يتسرع الناس إلى قتل عبيدهم، وإما على من كان عبده فاعتقه فإنه يقاد به، وإن كان من قبل عتقه لا يقاد به والله أعلم. فصل: فإذا ثبت أن الحر لا يقتل بالعبد فكذلك لا يقتل بكل من جرى عليه حكم الرق من المدبر والمكاتب، وأم الولد، ومن رق بعضه، وإن قل، فلو قتل حر كافر عبداً مسلماً لم يقتل به لحريته، ولو قتله العبد المسلم لم يقتل به لإسلامه، فيسقط القود عن كل واحد منهما بصاحبه، وإذا قتل عبد نصفه حر عبداً نصفه حر قتل به لاستوائهما في الحرية والرق، ولو كان نصف القاتل حراً وثلث المقتول حراً ولم يقتل لفضل حرية القاتل، وإن كان ثلث القاتل حراً ونصف المقتول حراً قتل به لفضل حرية المقتول على القاتل، لأنه يجوز أن يقتل الناقص بالكامل، ولا يجوز أن يقتل الكامل بالناقص، كما يجوز أن يقتل العبد بالحر، ولا يجوز أن يقتل الحر بالعبد. ولو قتل حراً عبداً في الحرابة كان في وجوب قتله به قولان على ما مضى في قتل الذمي في الحرابة، ولو جرح عبد حر عبداً فاعتق المجروح ومات حراً فلا قود على القاتل، وعليه دية حر، ولو جرح عبد عبداً فاعتق الجارح ومات قتل به. مسألة: قال الشافعي: "وفيه قيمته وإن بلغت ديات قال المزني رحمه الله تعالى: وفي إجماعهم أن يده لا تقطع بيد العبد قضاء على أن الحر لا يقتل بالعبد، فإذا منع أن يقتص من يده وهي أقل لفضل الحرية على العبودية، كانت النفس أعظم، وهي أن تقتص بنفس العبد أبعد". قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا قتل العبد بجناية أو مات في يدها منه ففيه قيمة ما بلعت، وإن زادت على دية الحر ضعافاً، وهو قول جمهور أهل الحجاز، وبه قال من العراقيين سفيان الثوري وأبو يوسف وأحمد وإسحاق. وقال أبو حنيفة ومحمد: يضمن في اليد جميع قيمته ما بلغت، ويضمن في الجناية بقيمته إلا أن تبلغ دية حر أو تزيد عليها فتنقص عن دية الحر عشر دراهم حتى لا يساويه في ديته. وإن كانت أمة قد زادت قيمتها على نصف الدية نقصت عنها عشرة دراهم.

стр. 5777

وقيل: خمسة دراهم، لأن لا تساوي دية الحر استدلالاً بأنه آدمي مضمون بالجنابة فلم يضمن بأكثر من دية حر كالحر، ولأنه يضمن بالجناية ضمان النفوس لوجوب الكفارة فيه فوجب أن يضمن كالأطراف، ولأن نقصه بالرق يمنع من كمال بدله كالناقص القيمة، وهو معنى قول أبي حنيفة: لا أوجب في المملوك مما أوجب في المالك. ودليلنا قول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] والمثل في الشرع مثلان مثل يفي الصورة، ومثل في القيمة فإذا لم يعتبر المثل في الصورة اعتبر في القيمة ما بلغت، ولأن حرمة الآدمي أغلظ من حرمة البهيمة، ثم كانت البهيمة مضمونة بجميع قيمتها فكان أولى أن يضمن العبد بجميع قيمته. وتحريره قياساً بأحد معنيين: أن تقول في أحدهما: إنه مملوك مضمون فوجب أن لا تتقدر قيمته كالبهيمة. والثاني: أن ما لم يتقدر أقل قيمته لم تتقدر أكثرها كالبهيمة، ولأن ضمان العبد بالجنابة أغلظ من ضمان باليد، ثم كان في اليد مضموناً بجميع قيمته فكان أول أن يضمن في الجناية بجميع قيمته. ويتحرر منه قياسان: أحدهما: أنه أحد نوعي الضمان فوجب أن يستوفي به قيمة المضمون كالضمان باليد. والثاني: أن ما ضمنت قيمته باليد ضمنت قيمته بالجناية كالناقص القيمة، ولأن العبد متردد الحال بين أصلين: أحدهما: الحر لأنه آدمي مكلف يجب في قتله القود والكفارة. والثاني: البهيمة لأنه مملوك يباع ويوهب ويورث وهو في القيمة ملحق بأحد أصلين. فلما بالبهيمة في ثلاثة أحوال: أحدها: إذا قلت قيمته. والثانية: إذا ضمن باليد. والثالثة: إذا ضمنه أحد الشريكين بالعتق. وجب أن يلحق بالهيمة في الحال الرابعة وهو إذا أرادت قيمته في ضمانه بالجناية، لأنه لا يجوز أن يلحق بالبهيمة في أقلها، ويلحق بالحر في أكثرها، ولأنهم لا يلحقونه بالحر في أكثرها حتى ينقصوا من قيمته عشرة، فلم يسلم لهم أحد الأصلين. فأما الجواب عن قياسهم على الحر، فهم لا يساوونه بالحر لما يعتبرونه من نقصان قيمته عن دية الحر فهذا جواب. وجواب ثان أنه لما يلحق بالحر في ضمانه باليد لم يلحق في ضمانه بالجناية، ولما امتنع أن يلحق به إذا نقصت قيمته امتنع أن يلحق به به إذا نقصت قيمته امتنع أن يلحق به إذا زادت. وقياسهم على ضمان أطرافه فأطرافه معتبرة بقيمته، وقيمته غير مقدرة، فلم تتقدر بها

стр. 5778

أطرافه، وقولهم: أنه ناقص بالرق فلم يساوي الحر في ديته، فاسد من وجهين: أحدهما: أنهم جعلوه كاملاً في القصاص وناقصاً في الدية وهذا تناقض. والثاني: أنه لما لم يمنه نقصه في ضمانه باليد من الزيادة على دية الحر لم يمنع من ذلك في ضمانه بالجناية. فصل: فإذا ثبت أن العبد مضمون بالقيمة، وإن زادت على الدية، لم يخل الضمان أن يكون نفسه أو لما دونها فإن ضمنت نفسه استوى ضمانها باليد إذا غصب وبالجناية إذا قتل، فتجب فيه جميع قيمته ما بلغت لكن يعتبر في الجناية قيمته وقت القتل، وتعتبر في اليد قيمته أكثر ما كانت من وقت الغصب إلى وقت التلف. فأما ما دون نفسه فعلى ضربين: أحدهما: أن يكون جرحاً لا يتقدر فيه من الحر دية، فتجب فيه ما نقص من قيمته في ضمانه باليد والجناية جميعاً. فلا يخلو ضمانها في العبد من ثلاثة أقسام: أحدها: أن تضمن بالجناية فتضمن بنصف قيمته كالحر في ضمانها بنصف ديته. والقسم الثاني: أن تضمن باليد فتضمن ما نقص من قيمته سواء زاد على نصف القيمة أو نقص كالبهيمة. والقسم الثالث: أن تضمن باليد والجناية فيضمنها بأكثر الأمرين من نصف قيمته، أو ما نقص منها لأنه لما جمع بين الأمرين وجب أن يلزمه أغلظهما لوجود موجبه. مسألة: قال الشافعي ﵀: "ولا يقتل والد بولد لأنه إجماع، ولا جد من قبل أم، ولا أب بولد وإن بعد، لأنه والد، قال المزني ﵀: هذا يؤكد ميراث الجد، لأن الأخ يقتل بأخيه، ولا يقتل الجد بابن ابنه، ويملك الأخ أخاه في قوله، ولا يملك جده، وفي هذا دليل على أن الجد كالأب في حجب الإخوة وليس كالأخ". قال في الحاوي: "لا يقتل والد ولا والدة ولا جد ولا جدة بولد ولا بولد ولد وإن سفل، سواء قتله ذبحاً قال مالك: إن ذبحة غيلة قتل به وإن حذفه بسيف فقتله لم يقتل به، استدلالاً بعموم الكتاب والسنة، ولأن تساويهما في الإسلام والحرية يوجب

стр. 5779

تساويهما في القود كالأجانب ولأنه لما قتل الولد بالوالد جاز قتل الوالد بالولد. ودليلنا ما روى قتادة عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقام الحدود في المساجد، ولا يقاد بالولد الوالد" وروى محمد بن عجلان عن عمرو بن شعيب عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رجلاً من بني مدلج أولد جارية فأصاب منها ابناً، وكان يستخدمها، فلما شب الغلام قال: إلى متى تستأمن أمي أي: تستخدمها خدمة الإماء فغضب فحذفه بسيف أصاب رجله فقطعها، ومات فانطلق في رهط إلى عمر ﵁ فقال: يا عدو نفسه أنت الذي قتلت ابنك، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يقاد الأب من أبنه" لقتلتلك هلم ديته، قال: فأتاه بعشرين ومائة بعير، قال: فخير منها مائة فدفعها إلى ورثته، وترك أباه، فإن قيل: إنما أسقط عنه القود للحذف، ودخول الشبهة فيه بما جعل له من تأديبه، وهذا المعنى مفقود في ذبحه غيلة. قيل: هذا فاسد من وجهين إنه ليس في عرف التأديب حذفه بالسيف فلم يجز حمله عليه. والثاني: أنه لو جاز لما استحقه من تأديبه أن لا يقال لحذفه يسقط به القود عن كل مستحق للتأديب من وال وحاكم، وهم يقادون به مع استحقاقهم للتأديب فكذلك الأب، ولأنه لا يحلو سقوط القود عن الأب في الحذف أن يكون لشبهة في الفعل، أو في الفاعل، فلم يجز أن يكون لشبهة في الفعل، لأنه لا يكون شبهة فيه مع غير الولد فثبت أنه لشبهة في الفاعل وهو الأبوة فوجب أن يسقط عنه القود مع اختلاف أحواله، ولأن الولد بعض أبيه، ولا قود على الإنسان فيما جناه على نفسه كذلك لا قود عليه في ولده لأنه بعض نفسه. واستدلاله بالظواهر مخصوص وقياسه على الأجانب ممنوع بما ذكرناه من البعضية واعتباره بقتل الولد بالوالد فاسد لتسويته في الولد بين الذبح، والحذف، وفرقة في الأب بين الذبح والحذف، وأنه يحد الولد بقذف الوالد، ولا يحد الوالد بقذف الولد، وهذا انفصال ودليل. فإن قيل: فكيف قال الشافعي فيما خالف فيه مالك: لأنه إجماع، وكيف ينعقد الإجماع مع خلاف مثله فعنه جوابان: أحدهما: أنه أراد به الصحابة لأن قول عمر رضي الله تعالى عنه ولم يخالف أحدهم. والثاني: أنه قتله حذفاً إجماع لا يعرف فيه خلاف فكان الذبح بمثابة فأما المزني

стр. 5780

فإنه لما رأى الشافعي يقول: إن الجد كالأب في أنه لا يقتل بولده ولده قال: يجب أن يكون الجد كالأب في حجب الإخوة عن الميراث. قيل: إنما قال: إن الجد كالأب لأجل الولادة ولا يقتضي أن يحجب به الإخوة، كما تجعل الأم وأباها كالأب في سقوط القود، ولا تجعلها كالأب في حجب الإخوة. فصل: فإذا ثبت أن لا قود على الأبوين ومن علا من الأجداد والجدات من ورث منهم أو لم يرث فسواء كان الوالد القاتل حراً أو عبداً مسلماً أو كافراً، ويعزر لإقدامه على معصية، وعليه الدية والكفارة في ماله، ولا ميراث له منه، لأن القاتل لا يرث. فصل: وإذا تنازع رجلان في أبوة ولد ثم قتلاه أو أحدهما فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون لقيطاً قد أدعاه كل واحد منهما ولداً فعند أبي حنيفة: أنه يلحق بهما. وعلى مذهب الشافعي: أنه يعرض على القافة، ويلحق بمن ألحقوه به منهما، فإن عدمت القافة، وأشكل عليهم وقف إلى زمان الانتساب لينتسب إلى أحدهما بطبعه، وللكلام معه موضع غير هذا، وإذا كان كذلك فللمدعي أبوتة ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكونا مقيمين على ادعائه، والتنازع فيه، فإن قتلاه فلا قود عليهما، لجريان حكم الأبوة عليهما، وإن لم يتعين في أحدهما، لأن كل واحد منهما يجوز أن يكون أباه وإن قتله أحدهما قبل البيان فلا قود عليه سواء لحق بالقتل أو بالآخر، لثبوت الشبهة فيه عند قتله. والثانية: أن يسلمه أحدهما إلى الآخر قبل القتل فيلحق بمن سلم إليه، ويصير ابناً له دون الآخر، فإن قتله من ألحق به فلا قود عليه، لأنه أب له، وإن قتله من نفي عنه أقيد به، لأنه أجنبي منه، وإن قتلاه معاً فلا قود على الأب، ويقاد من الآخر. والثالثة: أن يرجعا جميعاً عن ادعائه فلا يقبل رجوعهما، وإن قبل رجوع أحدهما، لأنه قد صاراً بدعواهما مستحقاً لأبوة أحدهما فإذا سلمه أحدهما صارا متفقين على إثبات أبوته فقبل منهما، وإذا رجع عنها صاراً متفقين على إسقاط أبوته فلم يقبل منهما. فإن قتلاه أو أحدهما لم يقتل به لبقاء حكم الأبوة بينهما. وإن تنازعا لاشتراكهما في الفراش، أو تناكراه مع اشتركهما في الفراش، فالحكم فيهما سواء، وكذلك لو سلمه أحدهما إلى الأخر لم يقبل منه بخلافهما في دعوى اللقيط، لأن حكم الأبوة في اللقيط يثبت بالدعوى، فجاز تسليمه لأحدهما. وفي ولد الموطوءة ثبت حكم الأبوة بالاشتراك في الفراش فلم يؤثر فيه التسليم
следующие страницы →