Полный текст (7 151 стр.). Показаны 6021–6060 · переход к 6026.
стр. 6021
وجب في عين الأعور كمال الدية لوجب على من قلع عيني رجل واحدة بعد الأخرى أن تلزمه دية ونصف, لأنه قد جعله يقلع الأولى أعور فلزمه بها نصف الدية ويقلع الأخرى بعد العور جميع الدية ولم يقل به أحد, فدل على فساد ما اعتبروه, فأما الجواب عن احتجاجهم بالإجماع فمن وجهين:
أحدهما: أنه قد خالف فيه عائشة وزيد بن ثابت وعبد الله بن مغفل فلم يكن إجماعًا.
والثاني: أنه قد روي عن علي ﵇ أنه رجع عما قالوا وخالفهم وأما قولهم إنه يدرك بالباقية ما كان يدركه بهما فعنه جوابان:
أحدهما: دفع هذه الدعوى, لأن الأعور لا يرى البعيد كرؤية ذي العينين وقد يكون بينهما ضعف المسافة فلم يسلم ما ادعوه.
والثاني: أنه لو أوجب هذا كمال الدية في العين الباقية لوجب مثله فيمن بقي سمعه من إحدى أذنية أن يلزم في ذهابه من الأذن الأخرى كمال الدية كمال قاله يزيد بن أبي زياد, لأنه يسمع بهما ما كان يسمع بهما ولم يقل بذلك في سمع الأذنين, فكذلك في ضوء العينين.
وأما قولهم: إن ضوء العين ينتقل من الذاهبة إلى الباقية ففاسد, لأنه لو كان كذلك لكان من قلع واحدة من عينين أن لا يلزمه ديتها لأن ضوءها قد انتقل إلى الأخرى فصار كالمجاني على عين لا ضوء لها, فلم يلزمه أكثر من حكومتها, وهذا مدفوع بالإجماع فدل على أن الضوء غير منتقل, وإنما يغمض الرامي إحدى عينيه, وكذلك الناظر في ثقب حتى لا ينتشر ضوء العينين ويقتصر على إحداهما ليستقيم تراجع السهم والثقب ولا يختلف السمت باختلاف النظرين, وأما فرقهم بين العوراء والقطعاء لفرق ما بينهما في الكفارة فقد كان الأوزاعي يسوي بينهما في كمال الدية ويقول: إن من قطعت يده في الجهاد كان الباقية إذا قطعت جميع الدية ونحن نسوي بينهما في أن كل واحدة منهما نصف الدية وأنت تخالف بينهما لافتراقهما في الكفارة وليس ذلك بصحيح, لأن من قطعت خنصر أصابعه يجزئ في الكفارة, ولا يدل على أن من قطع الكف بعد ذهاب خنصرها يلزمه جميع ديتها لإجزائها في الكفارة, كذلك عين الأعور.
فصل:
وإذا قلع الأعور عين بصير ذي عينين كان للبصير أن يقتص من الأعور, فإن عفا عنه كان له على الأعور نصف الدية.
وقال مالك: له أن يقتص من الأعور, فإن عفا عنه وجبه له على الأعور بعينه الواحدة جميع الدية, لأنه قد عفا الله عن جميع بصره, وهذا خطأ, لأن العفو عن القصاص يوجب دية العضو المجني عليه, لا دية المقتص منه, ألا ترى أن رجلًا لو قطع يد امرأة كان لها عليه أن تقتص من يده, فإن عفت عن القصاص كان لها دية يدها لا دية
стр. 6022
يد الرجل, كذلك وجوبه القصاص على الأعور, وهكذا لو قطع عبد يد حر فعفا الحر عن القصاص كان له دية يد الحر لا دية العبد, لأن في العينين دية واحدة, وما قاله مالك يفضي إلى إيجاب ديتين, لأنه إذا قلع إحدى عينيه أعور أوجب عليه الدية ثم يصير بعد قلعها أعور, فيوجب فيها إذا قلعت دية ثانية, وما أفضى إلى هذا كان مطرحًا.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "فإن كسر صلبه فلم يطق المشي ففيه الدية".
قال في الحاوي: وهذا صحيح, لأنه قد أذهب جماله بكسر صلبه وأبطل تصرفه بذهاب مشيه فكملت فيه الدية, فإن كسر صلبه ولم يذهب مشيه وصار يمشي كالراكع وجب فيه حكومة لذهاب الجمال مع بقاء المنفعة, ولو صار بعد كسر صلبه منتصب الظهر لكن ذهب مشيه فعليه الدية تامة, لذهاب المنتفعين مع بقاء الجمال كما لو ضرب يده فشلت, فلو صار ضعيف المشي لا يقدر على السعي ولا على السرعة ففيه حكومة؛ لأنه قد أذهب من مشيه ما لا ينحصر, ولو انحصر لوجب فيه من الدية بقسطها, ولو صار لا يقدر على المشي إلا معتمدًا على عصا كانت عليه حكومة هي أكثر من حكومته لو مشي بغير عصا, وكلما أوجبناه في ذلك من الدية أو الحكومة فإنما نوجبه بعد استقرار الجناية بالتوقف عن الحكم بها حتى ينظر ما ينتهي إليه من أمرها, فلو حكم له بالدية لذهاب مشيه ثم صار يمشي من بعد استرجع منه ما أخذه من الدية إلا قدر حكومة الألم والشين, فإن اقترن بكسر الصلب وذهاب المشي شلل القدمين لزمته ديتان, إحداهما في ذهاب المشي, والأخرى في شلل الرجلين.
فإن قيل: فهلا وجبت دية الرجلين بذهاب المشي وإن لم يصر فيهما شلل, لأنه قد أبطل نفعهما, قيل: لأن منفعة الرجلين باقية في انقباضهما وبسطهما لا تذهب إلا بالشلل, وإنما ذهب المشي لنقص في غيرهما, فلذلك لم تجب ديتها إلا بشللهما.
فصل:
ولو كسر صلبه فعجز عن الجماع فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون عجزه عنه لضعف حركته مع بقاء منيه وانتشار ذكره ففيه حكومة, لأنه قد يقدر على الإنزال باستدخال ذكره.
والضرب الثاني: أن يكون عجزه عن الجماع لذهاب منيه وعدم انتشار ذكره ففيه الدية كاملة, لأنه قد أذهب منفعة الصلب بذهاب المني, فإن أنكر الجاني ما ادعاه نظر فإن اقترنت بدعواه علامة تدل عليه جعل القول قوله مع يمينه في ذهابه؛ لأنه لا يعلم إلا من جهته, وإن لم يقترن به علامة سئل عنه أهل العلم به, فإن قالوا: لا يذهب منه
стр. 6023
الجماع حلف الجاني ولم يلزم الدية, وإن قالوا: يجوز أن يذهب منه الجماع حلف المجني عليه واستحق الدية, ولو كسر صلبه فأذهب مشيه وجماعه معًا ففيه وجهان:
أحدهما: لا يلزمه إلا دية واحدة, لأنهما منفعة عضو واحد, حكاه أبو حامد الإسفراييني,
والوجه الثاني: تلزمه ديتان وهو الظاهر من مذهب الشافعي, لأنهما منفعتان في محلين فلزمت فيهما ديتان, وإن كانت الجناية على محل واحد, كما لو قطع أذنه فذهب سمعه, أو جدع أنفه فذهب شمه.
فصل:
ولو جني عليه فالتوت عنقه وانعطف وجهه فصار كالملتفت وجهه وجبت فيه حكومة بحسب الشين والألم لا تبلغ بها الدية, لبقاء بعض المنافع ولو كان وجهه بعد الجناية على استقامته لكنه لا يقدر على الالتفات به كانت فيه حكومة الوجه دية ما ذهب من الكلام, فإن أذهب جميع كلامه بالتواء عنقه كملت دية الكلام وزيد في حكومة الالتواء, فإن كان لا يقدر على مضغ الطعام إلا بشدة ضم إلى ذلك حكومة في نقصان المضغ, فإن كان لا ينساغ الطعام ولا يصل إلى جوفه بوجور ولا غيره قيل: هذا لا يعيش ولا ينتظر به؛ فإن مات وجبت ديته.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ودية المرأة وجراحها على النصف من دية الرجل فيما قل أو كثر".
قال في الحاوي: دية المرأة في نفسها على النصف من دية الرجل وهو قول الجمهور, وقال الأصم وابن علية ديتها كدية الرجل لأمرين:
أجدهما: أن تساويهما في القصاص يوجب تساويهما في الدية.
والثاني: أن استواء الغرة في الجنين الذكر والأنثى يوجب تساوي الدية في الرجل والمرأة, لأن الغرة أحد الديتين.
والدليل على صحة ما ذهب إليه الجمهور رواية معاذ بن جبل, وعمرو بن حزم أن النبي ﷺ قال: "ودية المرأة على النصف من دية الرجل", وهذا نص ولأنه قول
стр. 6024
عمر, وعلي, وابن عباس, وزيد بن ثابت ﵃ وليس بعرف لهم مخالف فصار إجماعًا, ولأن الدية مال والقصاص حد, والمرأة تساوي الرجل في الحدود فساوته في القصاص, ولا تساويه في الميراث وتكون على النصف منه لم تساوه في الدية, وكانت النصف منها وفيه انفصال, فأما الجنين فلأن اشتباه حاله في الحياة والموت والذكورية والأنوثية أوجبت حسم الاختلاف بإيجاب الغرة مع اختلاف أحواله فلم يجز أن يقاس عليه ما زال عنه الاشتباه والحسم فيه التنازع.
فصل:
فإذا أثبت أن ديتها في النفس على النصف من دية الرجل فقد اختلف الفقهاء في دية أطرافها وجراحها على النصف من دية الرجل فيما قل أو كثر, وبه قال علي بن أبي طالب ﵇ وهو قول أبي حنيفة من أهل الكوفة, وعبيد الله بن الحسن العنبري في أهل البصرة والليث بن سعد في أهل مصر.
وقال ابن مسعود وشريح: المرأة تعاقل الرجل إلى نصف عشر ديته, أي تساويه في الدية إلى نصف عشرها وهو دية السن والموضحة ثم تكون على النصف من الرجل فيما زاد عليه, وقال زيد بن ثابت, وسليمان بن يسار: تعاقل الرجل إلى دية المنقلة وذلك عشر الدية ونصف عشرها ثم تكون على النصف فيما زاد, وقال مالك: تعاقله إلى ثلث الدية أرش المأمومة والجائفة, ثم تكون على النصف عنه فيما زاد, وبه قال من الصحابة عمر بن الخطاب ﵁ ومن التابعين سعيد بن المسيب والزهري, ومن الفقهاء أحمد وإسحاق وقد ذكره الشافعي في القديم فمن أصحابه من جعله مذهبًا له في القديم ومن أصحابنا من جعله حكاية عن مذهب غيره.
قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن سألت سعيد بن المسيب كم في إصبع المرأة؟ قال: عشر, قلت: ففي إصبعين؟ قال: عشرون, قلت: ففي ثلاث؟ قال: ثلاثون, قلت: ففي أربع؟ قال: عشرون فقلت له: لما عظمت مصيبتها قل عقلها, قال: هكذا السنة يا بن أخي, واستدل من ذهب إلى هذا برواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث ديتها" ولعل سعيد بن المسيب أشار بقوله هكذا السنة إلى هذه الرواية, ولأن المرأة لما ساوت الرجل في الميراث إلى المقدر بالثلث وهو ميراث ولد الأم الذي يستوي فيه الذكر والإناث وكانت على النصف من الرجل فيما زاد على الثلث وجب أن تساويه في الدية إلى الثلث وتكون على النصف فيما زاد, ودليلنا هو أن نقص الأنوثة لما منع من مساواة الرجل في دية النفس كان أولى أن يمنع من مساواته فيما دونها من ديات الأطراف والجراح, لأن دية النفس أغلظ اعتبارًا
стр. 6025
بالمسلم مع الكافر, ولأنه لما كان القصاص فيما دون النفس معتبرًا بالقصاص في النفس وجب أن تكون الدية فيما دون النفس معتبرة بدية النفس وهي فيه على النصف فكذلك فيما دونها.
وأما الجواب عن حديث عمرو بن شعيب فلم يسنده, لأن جده محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص لا صحبة له, وإنما يكون مسندًا إذا رواه عن جده عبد الله بن عمرو, ولأنه هو الصحابي وقد قال الشافعي: "لم أجد له نفاذًا" يعني طريقًا لصحبته, وأما الميراث فقد تكون فيه على النصف من الرجل فيما نقص من الثلث عند مقاسمة الإخوة, وإنما ساوت ولد الأم؛ لأن الإدلاء فيه بالرحم الذي يوجب تساوي الذكور والإناث فيه كفرض الأبوين, فإن تكن العلة فيه تقديره فلم يجز أن يحصل اختلاف والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وفي ثدييها ديتها".
قال في الحاوي: وهذا صحيح؛ لأن في الثديين جمالًا ومنفعة فصارا في الدية كاليدين وسواء كانا كبيرين أو صغيرين, من كبيرة أو صغيرة, نزل فيهما لبن أو لم ينزل, فإن قطعهما وأجاف ما تحتهما كان عليه الدية فيهما وأرش جائفتين تحتهما, ولو ضربهما فاستحشفتا ويبسا حتى صارا لا يألمان فهذا شلل, وفيها الدية كاملة؛ لأنه قد أبطل منافعهما وإن بقي الجمال فيهما, كما لو أشل يده, ولو ضربهما فذهبا مع بقاء الألم فيهما ففيهما حكومة, ولو ضربها فذهب لبنها فقد يجوز أن يكون ذهابه من الضرب ويجوز أن يكون من غيره فيسأل أهل العلم به, فإن قالوا: إن من الضرب كان فيه حكومة, وإن قالوا: من غيره فلا شيء عليه فيه, ولو قطع إحدى الثديين كان فيه نصف الدية كإحدى اليدين, وكذلك لو ضربه فشل.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وفي حلمتيها ديتها لأن فيهما منفعة الرضاع".
قال في الحاوي: وهذا صحيح؛ لأن جمال الثدي ومنفعته بالحلمة كما أن منفعة اليد بالأصابع, فإذا قطع الحلمتين كان فيهما الدية كاملة كما تكمل الدية بقطع الأصابع, فإن عاد أو غيره فقطع ما بقي من الثديين بعد قطع الحلمتين كان في بقيتهما حكومة كما يجب في قطع الكف بعد قطع أصابعها حكومة, وكذلك إذا استحشفت الحلمتان بجنايته كملت ديتها لذهاب منافعهما, فإن قطع إحدى الحلمتين أو أحشفهما كان فيها نصف الدية, ولو قطع بعض أجزائها كان فيه من الدية بقسطه, وهل يعتبر قسط المقطوع من نفس الحلمة أو من جميع الثدي على قولين من اختلاف قوليه في قطع بعض حشفة الذكر
стр. 6026
هل يعتبر قسطه من الحشفة أو من جميع الذكر؟ على قولين نذكرهما من بعد, لأن محل الحلمة من الثدي محل الحشفة من الذكر.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وليس ذلك في الرجل ففيهما من الرجل حكومة".
قال في الحاوي: أما ثدي الرجل فهو أقل منفعة وجمالًا من ثدي المرأة وإن لم يخل من منفعة وجمال وفي قطعهما منه قولان:
أحدهما: وهو المنصوص عليه في هذا الموضع فيهما حكومة؛ لأن كمال منفعتهما بالرضاع وذلك مختص بالمرأة دون الرجل, فوجب فيهما من الرجل حكومة ومن المرأة دية.
والقول الثاني: قال في كتاب الديات: فيهما الدية كاملة, لكمال نفعهما في الجنس, وإن كان أقل من نفعهما في غير الجنس, ولو قطعهما وأجاف موضعهما فعليه في إحدى القولين حكومة في الثديين ودية جائفتين.
وفي القول الثالث: دية كاملة في الثديين ودية جائفتين, ولو قطع حلمتي ثدييه كان على قولين:
أحدهما: فيهما حكومة دون حكومة الثديين.
والثاني: فيها دية كاملة كدية اليدين, وفي قطع إحداهما نصف الواجب من قطعهما من حكومة أو دية.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وفي إسكتيها وهما شفراها إذا أوعبتا ديتها والرتقاء التي لا تؤتي وغيرها سواء".
قال في الحاوي: أما الإسكتان وهما الشفران فهما ما غطى الفرج وانضم إليه من جانبيه كالشفتين في غطاء الفم, والجفون في غطاء العينين, وفيهما الدية كاملة إذا قطعا من الجانبين, لما فيهما من كمال المنفعة كالشفتين, فإن كان القاطع لهما امرأة وجب عليها القصاص إن أمكن, وقال المزني: لا قصاص من المكنة, لأنه قطع لحم من لحم وليس كذلك, لأن أحدهما في الخلقة يجري عليهما حكم المفصل في القصاص, وسواء قطعا مع بكر أو ثيب, صغيرة أو كبيرة يطاق جماعها, أو لا يطاق, من رتق أو قرن, لأن الرتق والقرن عيب في الفرج مع سلامة الإسكتين فجريا في كمال الدية مجرى شفتي الأخرس وأذني الأصم وأنف الأخشم, ولو ضرب إسكتيها فشلا كملت ديتها ولا قصاص فيهما كاليد إذا شلت, وهو بخلاف الأذن إذا استحشفت في أحد القولين, لأن شللهما قد
стр. 6027
أذهب من منافعهما ما لم يذهب استحشاف الأذن, ولو قطع إحدى الإسكتين كان فيه نصف الدية كما لو قطع إحدى الشفتين, فأما الركب فهو بمنزلة العانة من الرجل, ومن قطعه من المرأة حكومة لا يبلغ بهما الدية, فإن قطعه مع الشفرين فعليه دية في الشفرين وحكومة في الركب والمخفوضة وغيرها سواء, والخفض قطع جلدة نابتة في أعلى الفرج مثل عرف الديك, وهي التي ورد الشرع بأخذها من النساء كالختان في الرجال, ولا شيء فيها إن قطعت بجناية من دية ولا حكومة لورود الشرع بأخذها تعبدًا, وإن كان يأخذها متعديًا إلا أن تسري فيضمن أرش سرايتها لتعديه.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ولو أفضى ثيبًا كان عليه ديتها ومهر مثلها بوطئه إياها".
قال في الحاوي: أما إفضاء المرأة فقد اختلف أصحابنا فيه فذهب أبو علي بن أبي هريرة وجمهور المصريين إلى أنه هتك الحاجز الذي بين سبيل الفرجين القبل والدبر, وذهب أبو حامد الإسفراييني وجمهور البغداديين إلى أنه هتك الحاجز الذي في الفرج بين مدخل الذكر ومخرج البول, وهذا قول أبي حنيفة, والأول أظهر, لأن خرق الحاجز الذي في القبل بن مدخل الذكر ومخرج البول, هو استهلاك لبعض منافعه وليس في أعضاء الجسد ما تكمل الدية في بعض منافعه, وإذا خرق ما بين السبيلين كان استهلاكًا لجميع المنافع فكان بكمال الدية أحق, فإن قيل بهذا أنه خرق ما بين السبيلين كان على خرق الحاجز الذي في القبل حكومة, وإن قيل: إنه خرق حاجز القبل كان خرق ما بين السبيلين أولى بوجوب الدية, فإذا ثبت هذا فالإفضاء مضمون بالدية الكاملة وإن كان البول معه مستمسكًا, فإن استرسل البول ولم يستمسك وجب مع دية الإفضاء حكومة في استرسال البول, وقال أبو حنيفة إن استرسل البول بالإفضاء ففيه الدية التامة وحدها من غير حكومة, وإن استمسك البول ففي الإفضاء ثلث الدية, واستدل على أنه لا حكومة عليه مع استرسال البول بأن ما ضمن إتلافه بالدية دخل غرم منافعه في ديته, كما لو قطع لسانه فأذهب كلامه, أو فقأ عينه فأذهب بصره, واستدل على أن فيه مع استمساك البول ثلث الدية بأنه ليس هتك هذا الحاجز بأعظم من حاجز الجائفة فلما وجبت في الجائفة ثلث الدية كان أولى أن لا يجب في الإفضاء أكثر من ثلث الدية, وتقدر بثلث الدية, لأنهما معًا هتك حاجز في جوف, والدليل على أن في استرسال البول حكومة زائدة على دية الإفضاء لما جاز أن يستمسك البول مع وجود الإفضاء, وجاز أن يسترسل علم أنه في غير محل الإفضاء, فصار من منافع غيره, فوجب أن يكون أرشه زائدًا على أرش الإفضاء, كما لو قطع أذنه فأذهب سمعه أو جذع أنفه فأذهب شمه لزمه غرمها, وخالف
стр. 6028
ذهاب الكلام بقطع اللسان وذهاب البصر بفقء العين لاختصاصهما بمحل الجناية, إذ ليس يصح أن يتكلم مع قطع اللسان ولا يبصر مع فقء عينه, فلذلك لم يضمنها بزيادة على أرش الجناية, والدليل على أن في الإفضاء دية كاملة أن الأعضاء الباطنة في الجسد أخوف على النفس من الأعضاء الظاهرة, فكانت بكمال الدية أحق, وهذا الحاجز من تمام الخلقة ومخصوص بمنفعة لا توجد في غيره, لامتياز الحيض ومخرج الولد عن مخرج البول؛ لأن الحيض والولد يخرجان من مدخل الذكر, فإذا انخرق الحاجز بالإفضاء زال بالجناية عليه ما لا يقوم غير مقامه فأشبه الأعضاء المفردة من اللسان والأنف ولأن الإفضاء بقطع التناسل؛ لأن النطفة لا تستقر في محلق العلوق لامتزاجها بالبول فجرى مجرى قطع الذكر والأنثيين وفي ذلك كمال الدية, فكذلك الإفضاء, فأما الاستشهاد بالجائفة فغير صحيح, لأن دية الجائفة الثلث لاندمالها, ولو لم تندمل لأفضت غلى النفس فكمل فيها الدية, والإفضاء غير مندمل فكملت فيه الدية ولو اندمل لما كملت فيه الدية ولوجب فيه حكومة فافترقا.
فصل:
فإذا ثبت ما ذكرنا من حكم الإفضاء فلا يخلو من أن يكون بوطء أو بغير وطء, فإن كان بغير وطء وهو نادر لما يخل من أن يندمل أو لا يندمل, فإن اندمل ففيه حكومة, وإن لم يندمل ففيه الدية, فإن اقترن به استرسال البول ففيه مع الدية حكومة, فإن اقترن بالإفضاء ذهاب العذرة مع البكر وجب فيه مع دية الإفضاء حكومة العذرة على غير الزوج ولم يجب فيه على الزوج حكومة؛ لأنه مستحق لإزالتها باستمتاعه فاستوى الزوج وغيره في دية الإفضاء وحكومة استرسال البول, ولم يكن لهذا الإفضاء تأثير في وجوب المهر على الأجنبي, ولا في كماله على الزوج, لخلوه من وطء وإن كان هذا الإفضاء بوطء وهو الأغلب لم يخل حالة من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يكون من زوج في نكاح.
والثاني: أن يكون من وطء شبهة.
والثالث: أن يكون من زنا.
فأما القسم الأول: وهو أن يكون من زوج في عقد نكاح فعليه دية الإفضاء وكمال المهر, وقال أبو حنيفة: إفضاؤها غير مضمون على الزوج, وليس عليه أكثر المهر, استدلالًا بأن ما استبيح من الوطء لم يضمن به ما حدث من استهلاك كزوال العذرة, ولأن الفعل المباح لا تضمن سرايته كالقطع في السرقة, ودليلنا: هو أنها جناية قد يتجرد الوطء عنها فلم يدخل أرشها في حكمه كالوطء بشبهة لا يسقط بالمهر فيه دية الإفضاء, ولأنها حقان مختلفان وجبا بسببين مختلفين؛ لأنه مهر مستحق بالتقاء الختانين ودية مستحقة بالإفضاء فجزا اجتماعهما كالجزاء والقيمة في قتل العبد المملوك, ولأن الجنايات إذا ضمنها غير الزوج ضمنها الزوج كقطع الأعضاء, ولا يدخل عليه العذرة؛
стр. 6029
لأنها من الزوج مستحقة, وبهذا فرقنا بينهما, وأما استدلاله بحدوث سرايته عن فعل مباح فليس ما أدى إلى الإفضاء مباحًا, وجرى مجرى ضرب الزوج يستباح منه ما لم يؤد إلى التلف ولا يستباح ما أدى إليه, وهو يضمن من الضرب ما أدى إلى التلف فوجب أن يضمن بالوطء ما أدى إلى الإفضاء.
فصل:
وأما القسم الثاني: وهو أن يكون الإفضاء من وطء شبهة فيلزم الواطئ بالشبهة مهر المثل بالوطء, ودية الإفضاء, ولا يسقط أحدهما بالآخر, وقال أبو حنيفة: يلزمه دية الإفضاء ويسقط بها المهر استدلالًا بأن ضمان العضو بإتلاف يدخل فيه ضمان المنفعة كما يضمن يده إذا قطعها بما يضمنها به لو أشلها, ودليلنا قول النبي ﷺ : "فلها المهر بما استحل من فرجها" فكان على عمومه, ولأنها جناية قد تنفك عن وطء فوجب أن لا يدخل المهر في أرشها, كما لو قطع أحد أعضائها, ولأنهما حقان مختلفان وجبا بسببين مختلفين فلم يتداخلا كالقيمة والجزاء, وهذا يمنع من جمعهم بين قطع اليد وشللها, فإذا ثبت الجمع بين مهر المثل ودية الإفضاء لم يخل حال المفضاة من أن تكون بكرًا أو ثيبًا, فإن كانت ثيبًا التزم مفضيها ثلاثة أحكام, مهر مثلها ودية إفضائها, وحكومة استرسال بولها, وإن كانت بكرًا التزم الأحكام الثلاثة, وهل يلتزم معها أرش بكارتها أو تكون داخلًا في دية إفضائها؟ على وجهين:
أحدهما: يلزمه أرش البكارة, لأنه يلزمه وإن لم يفضها فكان لزومه مع إفضائها أولى.
والوجه الثاني: لا يلزمه مع دية الإفضاء أرش البكارة, ويكون داخلًا في الدية, لأنها جناية واحدة فوجب أن يدخل حكم ابتدائها في انتهائها كدخول أرش الموضحة في دية المأمومة, وقول الشافعي: "لو أفضى ثيبًا كان عليه ديتها", ليس بشرط؛ لأن إفضاء البكر والثيب في الدية سواء.
فصل:
وأما القسم الثالث: وهو أن يكون الإفضاء من وطء زنا فلا يخلو حال الموطوءة من أن تكون مطاوعة أو مكرهة, فإن كانت مطاعة فليس لها مهر ولا أرش البكارة؛ لأنها مبيحة له بالمطاوعة غير مبيحة للإفضاء وإن أباحت ذهاب العذرة وعليها الحد, وإن كانت مكرهة وجب لها مهر دية الإفضاء, وفي وجوب أرش البكارة وجهان على ما مضى من وطء الشبهة يجب في أحدهما ولا يجب في الآخر وعليه حد الزنا
стр. 6030
دونها, وقال أبو حنيفة: يسقط عنه المهر مع وجوب الحد عليه ولا يسقط مهرها عند الشافعي بسقوط الحد عنها وقد مضى الكلام فيها.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا من حكم الإفضاء ووجوب الدية الكاملة فيه مع ما يقترن به من الأروش الزائدة في استرسال البول وذهاب العذرة فقد ينقسم الإفضاء ثلاثة أقسام:
أحدهما: ما يجري عليه حكم العمد المحض, وهو أن تكون الموطوءة صغيرة والواطئ كبير الذكر يعلم أن وطء مثله يفضيها, فهو عامد في الإفضاء, فيلزمه دية مغلظة حالة في مالها, وإن أفضى الإفضاء إلى تلفها كان عليه القود, ودخلت دية الإفضاء في دية النفس, وكذلك أرش البكارة ولا يدخل فيه مهر المثل.
والقسم الثاني: ما يجري عليه حكم الخطأ المحض, وهو أن يكون وطء مثله مفضيًا للصغيرة وغير مفض للكبيرة, فيطأ الصغيرة وهو يظنها الكبيرة فيفضيها فيكون إفضاؤها خطأ محضًا, فتكون الدية فيه مخففة على عاقلته دونه ولا قود في النفس إن انتهى الإفضاء غلى التلف وتجب فيه الكفارة مع الدية؛ لأن الإفضاء صار قتلًا, والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وفي العين القائمة واليد والرجل الشلاء حكومة".
قال في الحاوي: أما العين القائمة فهي التي قد ذهب بصرها, وهي صورة الصحيح فذهب نفعها وبقى جمالها, ففيها إذا قلعت حكومة لأجل الألم وما أذهب من جمالها, وحكي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه أوجب فيها ثلث الدية وحكي عن زيد بن ثابت أنه أوجب فيهما مائة دينار وهذا فيها على وجه الحكومة إن تقدرت باجتهاد أبي بكر ثلث الدية, وباجتهاد زيد مائة دينار, وقد يجوز أن تتقدر باجتهاد من بعدهما من الحكام بهذا المقدار وبأقل منه وبأكثر, بحسب اختلافه في الشين والقبح اليد الشلاء التي لا تألم, والرجل الشلاء إذا قطعها لا دية فيها لذهاب منفعتها؛ لأن منفعة اليد البطش, ومنفعة الرجل المشي وقد ذهب بطش اليد ومشي الرجل بشللهما وبقي الجمال فيهما, فسقطت الدية لذهاب المنفعة, ووجب الحكومة لأجل الجمال.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ولسان الأخرس".
قال في الحاوي: يعني أن فيه حكومة إذا قطع؛ لأن ذهاب الكلام قد سلبه المنفعة
стр. 6031
فصار كالعين القائمة, فاقتضى لهذا التعليل أن تجب في قطعه حكومة كما يجب في العين القائمة, وهذا القول على الإطلاق ليس بصحيح عندي؛ لأن مقصود اللسان أفعال:
أحدهما: الكلام, والثاني: الذوق, ويقترن بهما ثالث يكون اللسان عونًا فيه وهو إدارة الطعام به في الفم للمضغ, فإن كان ذوق الأخرس بعد قطع لسانه باقيًا ففيه حكومة كما أطلقه الشافعي, ولأنه ما سلبه القطع أحد النفعين المقصودين, وإنما سلبه أقل منافعه وهو إدارة الطعام به في فمه, وإن ذهب ذوق الأخرس بقطع لسانه ففيه الدية كاملة, لما قدمناه من وجوب الدية في ذهاب الذوق, ولأنه أحد الحواس كالشم بل هو أنفع, فيكون الإطلاق محمولًا على هذا التفصيل والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وذكر الأشل فيكون منبسطًا لا ينقبض أو منقبضًا لا ينبسط".
قال في الحاوي: أما الذكر السليم من شلل ففيه الدية تامة, لرواية عمرو بن حزم أن النبي ﷺ قال في كتابه إلى اليمن: "وفي الذكر الدية".
وروي عن النبي ﷺ أنه قضى في الأداف الدية, قال قطرب: الأداف الذكر ولأنه من آلة التناسل وذلك من أعظم المنافع ولأنه أحد منافذ الجسد فأشبه الأنف, ولا فرق بين ذكر الصبي والرجل والشيخ الهرم والعينين الذي لا يأتي الناس؛ لأنه العنة عيب في غير الذكر؛ لأن الشهوة في القلب والمني في الصلب, فإن كانت العنة من قلة الشهوة فمحلها في القلب, وإن كانت من قلة الماء فمحله في الصلب, والذكر ليس بمحل لواحد منهما فكان سليمًا من العنين كسلامته من غير العنين, وكانت الدية في قطعه منهما على سواء, فإن قطع حشفة الذكر حتى استوعبها مع بقاء القضيب ففيها الدية, لأن نفع الذكر بحشفة كما تكمل دية الكف بقطع الأصابع, فإن قطع بعض الحشفة كان عليه من الدية بقسطها, وهل يتقسط على الحشفة وحدها أم على جميع الذكر؟ على قولين:
أحدهما: تتقسط على الحشفة, لأن الدية تكمل بقطعها, فتقسط عليها أبعاضها, فيلزمه في نصف الحشفة نصف الدية, وإن كان أقل من نصف الذكر.
والقول الثاني: أنه تتقسط دية المقطوع من الحشفة على جميع الذكر؛ لأنه الأصل المقصود بكمال الدية فكانت أبعاضه مقسطة عليه, فعلى هذا إن كان المقطوع من نصف الحشفة هو سدس الذكر لزمه سدس الدية, وكذلك حكم الحلمة من الثدي إذا قطع بعضها كان على هذين القولين.
стр. 6032
فصل:
فأما الأنثيان وهم الخصيتان ففيهما الدية لأنهما من تمام الخلقة وهما محل التناسل, لانعقاد مني الصلب في يسراهما إذا نزل غليها فصار لقاحًا فيهما, ولأن الحياة محلهما, ولذلك كان عصر الأنثيين مفضيًا إلى التلف, ولا فرق في الأنثيين بين قطعهما من كبير أو صغير, عنين أو غير عنين, سواء كان باقي الذكر أو مجبوبًا, لأن جب الذكر نقص في غيره وأوجب مالك في أثنيي المجبوب الذكر حكومة؛ لأن جب الذكر قد آثر في نقص الأنثيين بعد النسل, وهذا فاسد بما قدمناه من أنه نقص في غيره فلم يؤثر فيه مع سلامته, وفي إحدى الأنثيين نصف الدية, ولا فضل ليسرى على يمنى.
وحكي عن سعيد بن المسيب أنه أوجب في البيضة اليسرى ثلثي الدية, وفي اليمنى ثلثها؛ لأن محل المني في اليسرى, ومحل الشهر في اليمنى, وهذا قول فاسد؛ لأن كل عضوين كملت فيهما الدية تنصفت في كل واحد منهما على سواء, وإن اختلفت منافعهما كاليدين, وعلى أن ما ذكره من لقاح اليسرى مظنون بذكره الطب وقد حكي عن عمرو بن شعيب أنه قال: عجبت من يفضل البيضة اليسرى على اليمنى؛ لأن النسل منها, كان لنا غنم فخصيناها الجانب الأيسر فكن يلقحن, فإن قطع الذكر مع الأنثيين لزمه ديتان إحداهما في الذكر والأخرى في الأنثين سواء قطعهما معًا أو قطع إحداهما بعد الأخرى, سواء قدم قطع الذكر أو قطع الأنثيين.
وقال مالك: إن قطعهما معًا ففيه الدية وحكومة, وإن قطع الذكر ثم الأنثيين وجب دية في الأنثيين وحكومة في الذكر, وقال أبو حنيفة: إن قطعهما معًا أو قطع الذكر ثم الأنثيين فعليه ديتان كما قلنا, وإن قطع الأنثيين أولًا ثم الذكر فعليه دية في الأنثيين وحكومة في الذكر كما قال مالك, وهذا خطأ؛ لأن كل ما كملت فيه الدية إذا انفرد لم تنقص ديته إذا اقترن بغيره كاليدين مع الرجلين, أو قطع الأذنين مع ذهاب السمع.
وعلى قول أبي حنيفة: إن كل عضوين كملت ديتاهما إذا اجتمعا كملت ديتاهما إذا افترقا كما لو قدم قطع الذكر, وهكذا لو وجأ ذكره حتى استحشف ووجأ أنثييه حتى استشحفتا وجب في كل واحد منهما دية كاملة لأنه قد أذهب منافعهما بالاستشحاف والشلل.
فصل:
فأما إذا قطع أشل ينقبض فلا ينبسط, أو ينبسط فلا ينقبض فهي مسألة الكتاب, وفيه حكومة كقطع اليد الشلاء؛ لأن الشلل الذكر قد أبطل منافعه, فإن قيل: فمنافعه باقية؛ لأنه مخرج البول وخروجه من الأشل كخروجه من غير الأشل فوجب أن لا تكمل فيه
стр. 6033
الدية, قيل: مخرج البول منه هو أقل منافعه؛ لأن البول يخرج مع قطعه وقد فات بقطعه أكثرها فلم يلزم فيه إلا حكومة, وهذا لو قطع خصيتين مستحشفتين كان فيهما حكومة لذهاب منافعهما بالاستحشاف.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وفي الأذنين المستحشفتين بهما من الاستحشاف ما باليد من الشلل وذلك أن تحركا فلا تتحركا أو تغمزا بما يؤلم فلا تألما".
قال في الحاوي: أعلم أن شلل الأعضاء على ضربين:
أحدهما: ما يسلبها جميع المنفعة ولا يبقى فيها إلا الجمال وحده على نقص فيه كشلل اليدين والرجلين, لأنه قد أذهب منافعهما وبقي بعض جمالها؛ لأنه ليس جمال السليمة كجمال الشلاء ففيهما إذا شلت بجنايته الدية, لذهاب المنفعة, ولو قطعهما بعد الشلل كان فيهما حكومة لذهاب الجمال.
والضرب الثاني: ما يبقى بعد الشلل الجمال والمنفعة على نقص فيهما كاستحشاف الأذنين والأنف؛ لأن الأذنين بعد استحشافهما تجمع الصوت, والأنف بعد استحشافه يجذب الروائح المشمومة ففيهما إذا جني عليهما فاستحشفتا قولان:
أحدهما: الدية كاملة كغيرها من الأعضاء إذا شلت.
والثاني: حكومة لبقاء الجمال والمنفعة ولو قطعهما بعد الاستحشاف كان على قولين أيضًا.
أحدهما: فيهما الدية إذا قيل في استحشافهما حكومة.
والقول الثاني: فيهما حكومة إذا قيل في استحشافهما الدية.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وكل جرح ليس فيه أرش معلوم حكومة".
قال في الحاوي: هذا صحيح, وهو ما دون الموضحة في شجاج الرأس وما دون الجائفة في جراح الجسد ففيها حكومة تتقدر بالاجتهاد وبحسب الألم والشين لا يبلغ بما في شجاج الرأس دية الموضحة, ولا مما في جراح البدن دية الجائفة؛ لأن الموضحة أغلظ مما تقدمها والجائفة أجوف مما دونها فلم يجز أن يبلغ بالأقل دية الأكثر.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وفي شعر الرأس والحاجبين واللحية وأهداب العينين في كل ذلك حكومة".
стр. 6034
قال في الحاوي: وهذا قاله ردًا على أبي حنيفة؛ لأنه أوجب في كل واحد من هذه الشعور الأربعة الدية تامة, وأوجب الشافعي في جميعها حكومة تتقدر بحسب الشين, ولم يوجب فيها الدية, لأمرين:
أحدهما: أن الدية تجب فيما يكون له مع الجمال منفعة, وهذا مسلوب المنفعة فلم تجب فيه الدية.
والثاني: أن الدية تجب فيما يؤلم قطعه ويخاف سرايته, وقد عدم في الشعر الألم والسراية فلم يجب فيه دية, وإذا كان كذلك لم يخل حال الشعر المأخوذ من الجسد من ثلاثة أقسام:
أحدهما: ما لا يحدث أخذه شيئًا في جميع الناس وذلك مثل شعر الإبط والعانة, فلا شيء فيه, سواء عاد أو لم يعد, إلا أن يحدث في الجلد أثرًا فيلزم في أثر الجلد حكومة دون الشعر المأخوذ منه, وقد خرج بعض أصحابنا فيه وجهًا ثانيًا أن فيه إذا لم يعد حكومة وإن كان ذهابه أجمل لأن الشافعي قد أوجب في لحية المرأة إذا نتفت فلم تعد حكومة, وإن كان ذهابها أجمل بالمرأة من بقائها وهما في المعنى سواء.
والقسم الثاني: ما يحدث أخذه شيئًا في جميع الناس كشعر اللحية والحاجبين وأهداب العينين ففيه إذا لم يعد حكومة, وإن عادل مثل نباته قبل أخذه ففيه وجهان:
أحدهما: لا شيء فيه.
والثاني: فيه حكومة هي دون حكومة ما لم يعد, وقد لوح الشافعي إلى الوجهين معًا, فلو خرج على قولين كان محتملًا, فلو نبت بعضه لزمته حكومة ما لم ينبت, وفي حكومة ما نبت وجهان على ما مضى.
والقسم الثالث: ما يحدث أخذه شيئًا في بعض الناس, ولا يحدث شيئًا في بعضهم وهو شعر الرأس والشارب, يحدث شينًا فيمن لم تجر عادته بحلق رأسه وحف شاربه, ولا يحدث شيئًا فيمن جرت عادته بذلك, فإن أخذه من لا يشينه أخذه فلا شيء عليه إن عاد, وإن لم يعد فهل فيه حكومة هي أقل من حكومة الشعر أم لا؟ على وجهين: وإن أخذه ممن يشينه أخذه ففيه إن لم يعد حكومة وهي أكثر من حكومته فيمن لا يشينه أخذه, وإن عاد ففيه ما قدمناه من الوجهين.
فأما القصاص في نتف الشعر فلا يجب لاختلاف الناس في كثافته وخفته, وطوله, وقصره, وشينه, وجماله, وذهابه ونباته.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ومعنى الحكومة أن يقوم المجني عليه كم يسوي أن
стр. 6035
لو كان عبدًا غير مجني عليه ثم يقوم مجنيًا عليه فينظر كم بين القيمتين فإن كان العشر ففيه عشر الدية أو الخمس فعليه خمس الدية".
قال في الحاوي: وجملة الأروش في الجنايات ضربان:
أحدهما: ما ورد الشرع بتقديره فينطلق عليه اسم الدية واسم الأرش إلا دية النفس فلا ينطلق عليها اسم الأرش, لأن الأرش لتلافي خلل ولم يبق مع تلف النفس ما يتلافي فلم تسم ديتها أرشًا, فكل شيء تقدرت ديته بالشرع زال الاجتهاد فيه, وساوى حكم مع قلة الشين وكثرته, فما تقدرت أروشه بالدية الكاملة كالأنف واللسان والذكر ففيه من العبد جميع قيمته, وما تقدر أرشه بنصف الدية كإحدى العينين وإحدى اليدين والرجلين ففيه من العبد نصف قيمته, وما تقدر أرشه بعشر الدية كالإصبع ففيه من العبد عشر قيمته, وكذلك فيما زاد ونقص, فيصير الحر أصلًا للعبد من المقدر.
والضرب الثاني: ما لم يرد الشرع بتقدير أرشه فالواجب فيه حكومة يختلف باختلاف الشين لا تتقدر إلا باجتهاد الحكام, ولذلك سميت حكومة لاستقرارها بالحكم, فإن اجتهد فيها من ليس بحاكم ملزم لم يستقر تقديره, لأنه لا ينفذ حكمه, ثم إذا تقدرت باجتهاد الحاكم في واحد لم يصر ذلك حكمًا مقدرًا في كل أحد, لأمرين:
أحدهما: لقصور مرتبة الاجتهاد عن النص فصار الاجتهاد خصوصًا والنص عمومًا.
والثاني: لاعتبار الشين في الاجتهاد وحذفه من النص, وإذا كان كذلك فمعرفة الحكومة أن يقوم المجني عليه لو كان عبدًا لا جناية به, فإذا قيل: مائة دينار قوم وبه هذه الجناية, وإذا قيل: تسعون دينارًا علم أنه نقص الجناية عشرة من مائة هي عشرها معتبر من دية نفس الحر فيكون أرشها عشر الدية, ولو نقص بعد الجناية عشرون من مائة هي خمسمائة كان أرشها خمس الدية, وكذلك فيما زاد ونقص, ولو كان المجني عليه عبدًا كان الناقص من قيمته هو أرش حكومته, فيصير العبد أصلًا للحر في الحكومة, والحر أصلًا للعبد في التقدير, وكان بعض أصحابنا يجعل نقص الجناية معتبرًا من دية العضو المجني عليه لا من دية النفس فإن كان على يد وهو العشر وأوجب عشر دية اليد, وإن عشر دية الموضحة, وإن كان على الجسد فيما دون الجائفة أوجب عشر دية الجائفة ولم يعتبره من دية النفس حذرًا من أن يبلغ أرش الحكومة دية ذلك العضو أو زيادة عليه, وهذا الاعتبار فاسد من وجهين:
أحدهما: أنه لما كان التقويم للنفس دون العضو وجب أن يكون النقص معتبرًا من دية النفس دون العضو.
والثاني: أنه قد تقارب جناية الحكومة جناية المقدر كالسمحاق مع الموضحة, فلو اعتبر النقص من دية الموضحة لبعد ما بين الأرشين مع قرب ما بين الجنايتين, فإن قيل:
стр. 6036
فإذا اعتبرتموه من دية النفس ربما ساواه وزاد عليه, قيل: يختبر زمن هذه المساواة والزيادة حد فيها والنقصان فيها على ما سنذكره فلا توجب زيادة ولا مساواة.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا من اختيار الحكومة فلا يخلو حال الجناية ذات الحكومة من أحد أمرين: إما أن يكون لها تأثير في نقصان القيمة أو لا يكون فإن كان لها تأثير في النقصان وهو العشر الموجب لعشر الدية نظرت, فإن كان أقل من دية العضو المجني عليه كالجناية على إحدى العينين يقدر أرش الحكومة بعشر الدية, فيجب بها عشر الدية, وإن كان مساويًا لدية العضو المجني عليه كالجناية على الإصبع لم توجب فيه حكومتها عشر الدية, لأن لا يساوي أرش حكومتها دية قطعها, ونقصت من عشر الدية التي هي دية الإصبع ما يقتضيه الاجتهاد بحسب كثيرة الشين وقلته, ولو كانت على الرأس وهي دون الموضحة وكان نقصها عشر القيمة لم توجب بها عشر الدية؛ لأنه أكثر من دية الموضحة ونقصت من دية الموضحة بحسب الشين, ولا يجوز أن يجعل النقصان ناقصًا حقه أو أقله ما يجوز أن يكون ثمنًا لبيع أو صداقًا لزوجة, وإن لم يكن للجناية تأثير في نقصان القيمة وذلك من وجوه إما بأن لا يكون للجراح بعد اندمالها تأثير, أو يكون كقطع إصبع زائدة أو قلع سن شاغبة أو نتف لحية امرأة فقد أذهبت الجناية شيئًا وأحدثت جمالًا ففيها وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج: أنه لا أرش لها وتكون هدرًا لأنها لم تحدث نقصًا, وقد أشار الشافعي إلى هذا في اللطمة توجب الحكومة إن أثرت في تغيير البشرة وتكون هدرًا إن لم تؤثر.
والوجه الثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي: أنها تضمن ولا تكون هدرًا لاستهلاك بعض الخلقة التي توجب ضمان جملتها ضمان أجزائها وقد أشار الشافعي إلى هذا في لحية المرأة إذا نتفت أنها توجب حكومة دون حكومة لحية الرجل, وإن لم يحدث نتفها في المرأة شيئًا فعلى هذا إن كان عدم التأثير في جرح قد اندمل لم يبق له بعد الاندمال أثر اعتبرت نقصان أثره قبل الاندمال وبعد انقطاع دمه, فإن لم يكن له تأثير اعتبرت نقصانه عند سيلان دمه فنجد له في نقصان القيمة أثرًا, وكذلك في اعتبار قطع الإصبع الزائدة يعتبر وقت سيلان الدم وإن كان قلع سن شاغبة فهي وإن شانت فقد كانت مقوية لما وراءها من سن الأصل فصارت بعد قلعها أضعف فيعتبر نقصان تأثير قوة تلك السن وضعفها, وإن كانت في نتف لحية امرأة فهو يحدث في المرأة زيادة وفي الرجل نقصانًا, فسقطت الزيادة الحادثة في المرأة من النقصان الحادث في الرجل, وينظر الباقي بعده فيعتبره من ديتها, فإن لم يبق بعد إسقاط الزيادة شيء من النقصان أوجب حينئذ ما قل مما يجوز أن يكون ثمنًا أو صداقًا, والله أعلم.
стр. 6037
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وما كسر من سن أو قطع من شيء له أرش معلوم فعلى حساب ما ذهب منه".
قال في الحاوي: وقد مضت هذه المسألة وذكرنا أن ما تقدرت فيه الدية من الأعضاء والأسنان كان في أبعاضها إذا عرف مقداره منها قسطه من ديتها؛ لأن ما قابل جملة تقسط على أجزائها كالأثمان, فيكون في نصف السن نصف دية السن, وفي نصف الأذن نصف دية الأذن, وكذلك فيما زاد ونقص, فإن جهل قدر الذاهب من الباقي تقدر تقسيط الدية عليه فوجبت فيه حكومة.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "في الترقوة جمل وفي الضلع جمل, وقال في موضع آخر: يشبه ما حكي عن عمر فيما وصفت حكومة لا توقيت, قال المزني ﵀: هذا أشبع بقوله كما يؤول قول زيد في العين القائمة مائة دينار أن ذلك على معنى الحكومة لا توقيت, وقد قطع الشافعي ﵀ بهذا المعنى فقال: في كل عظم كسر سوى السن حكومة, فإذا جبر مستقيمًا ففيه حكومة بقدر الألم والشين, وإن جبر معيبًا بعجز أو عرج أو غير ذلك زيد في حكومته بقدر شينه وضره وألمه لا يبلغ به دية العظم لو قطع".
قال في الحاوي: نقل المزني عن الشافعي أنه قال: في الترقوة جمل إذا كسرت وفي الضلع جمل إذا كسر, وهذا قاله في القديم, ونقل عنه في الجديد أن فيهما حكومة, فاختلف أصحابنا فكان المزني وطائفة من المتقدمين يخرجون ذلك على قولين:
أحدهما: أن الجمل منهما تقدير يقطع الاجتهاد فيه ويمنع من الزيادة عليه والنقصان منه؛ لأن عمر ﵁ حكم فيهما بالجمل, ومذهب الشافعي أن قول الصحابي إذا انتشر ولم يظهر له مخالف وجب العمل به وإن لم ينتشر فعلى قولين, وهذا قول قد انتشر فكان العمل به واجبًا.
والقول الثاني: إن فيه حكومة, لأن مقادير الديات تؤخذ عن نص أو قياس, وليس فيه نص عن الرسول ﷺ ولا أصل يقاس عليه وجوب الجمل فيه, وقال أبو إسحاق المروزي وأبو علي بن أبي هريرة وأكثر المتأخرين إنه ليس ذلك على قولين ومذهبه فيه وجوب الحكومة وإنما ذكر فيهما الجمل تبركًا بقول عمر, وأثبته على قدر الحكومة أنها لا تبلغ دية السن, وأن ما نفذ من الاجتهاد فيه بهذا القدر كان ما تعقبه عن الاجتهاد مقارنًا له, فإن زاد عليه فيصير وإن نقص عنه فيصير, ولا يصير حدًا لا يتجاوز فأما العين
стр. 6038
القائمة فلا تتقدر رقبتها فصارت يد بمائة دينار قولًا واحدًا, لأن أبا بكر ﵁ قد خالفه فأوجب فيها ثلث الدية فتعارض قولاهما ولزمت الحكومة, وخالف الترقوة والضلع الذي لم يظهر فيه مخالف لعمرو, ولو قدره عمر بالجمل تقديرًا عامًا في جميع الناس ما جاز خلافه, لأنه صار إجماعًا, ولكنه قضى به في رجل بعينه انتهت حكومته إليه, وجاز أن يؤديه اجتهاده في غيره إلى أقل منه أو أكثر بحسب الشين, فلذلك لم يصر حدًا, وخالف حكم الصحابة في جزاء الصيد الذي يكون اجتهادهم فيه متبوعًا, لأنه على العموم دون الخصوص.
فصل:
فإذا ثبت في الترقوة والضلع حكومة فإن انجبر مستقيمًا قلت حكومته, وإن انجبر معوجًا كانت حكومته أكثر, وإن كان مع اعوجاجه قد صار ذا عقدة كانت حكومته أكثر, لأن زيادة الشين في الحكومات معتبرة, وكذلك إذا كسر سائر عظام الجسد سوى الأسنان ففيه حكومة بقدر ضرره وشينة لا يبلغ دية ذلك العضو إلا أن يشل فلو ضرب عظمة حتى تشظى لم يجب فيه دية منقلة ولا هاشمة كما لا تجب في موضحة الجسد دية الموضحة في الرأس, وكانت الحكومة فيه بقدر ألمه وضرره وشينه, فلو أنفذ عظمه وأخرج مخه كانت الحكومة أكثر لأن الضرر أعظم والخوف أكثر, ولو سلخ جلده فشرره أعظم وخوفه أكثر, وفيه حكومة لا تبلغ دية النفس, ويعتبر اندماله, فإن عاد جلده كانت حكومته أقل منها إذا لم يعده ولو لطمه فإن أثر في جلده أثرًا بقى شينة ففيه حكومة, وإن لم يبقى له أثر فلا شيء فيه ويعزز اللاطم أدبًا, فصار تقدير هذا الشرح أنه متى بقى للجناية أثر شين في الجرح, أو في كسر العظم وفي جرح الجسد وفي اللطم وجبت فيه حكومة وإن لم يبق منه ذلك أثر شين في كسر العظم وفي جرح الجسد وفي اللطم وجب في كسر العظم حكومة ولم تجب في اللطمة حكومة, وفي وجوب الحكومة في الجرح وجهان؛ لأن العظم وإن انجبر مستقيمًا فهو بعد الجبر أضعف منه قبله فلذلك وجبت فيه الحكومة واللطمة لم تؤثر في الجيد شيئًا ولا ضعفًا فلذلك لم يجب فيها حكومة, فأما الجرح فمتردد بين هذين فلذلك كان على وجهين:
أحدهما: فيه حكومة, لأنه قد أسال دمًا وأحدث نقصًا كالعظم إذا انجبر مستقيمًا.
والثاني: لا حكومة فيه, لأنه ما أحدث شيئًا ولا ضعفًا كاللطمة إذا لم تحدث أثرًا, والله أعلم.
مسألة
قال الشافعي ﵁: "ولو جرحه فشان وجهه أو رأسه شينًا يبقى فإن كان
стр. 6039
الشين أكثر من الجرح أخذ بالشين وإن كان الجرح أكثر من الشين أخذ بالجرح ولم يزد للشين".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن شجاج الرأس والوجه تتقدر دياتها في الموضحة وما فوقها من الهاشمة والمنقلة والمأمومة وإن لم تتقدر دياتها في الجسد تغليظًا لحكم الرأس على حكم الجسد فاقتضى ذلك فيما لا تتقدر دياته من شجاج الرأس والوجه فيما دون الموضحة من الحارصة والدامية والدامغة والباضعة والمتلاحمة والسمحاق أن تكون حكوماتها في الرأس أغلظ من حكوماتها في الجسد, وإذا كان كذلك وجب في الرأس أن يعتبر فيها أغلظ الأمرين.
قال الشافعي في تفصيله الذي قدمه من الشين أو الجراح فاختلف أصحابنا في تأويله على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة وجمهور البصريين: أنه أراد أكثر الحكومتين من ح الشين بعد اندماله في الانتهاء, أو قال الجرح عند سيلان دمه في الابتداء, فأيهما كان أكثر فهو القدر المستحق تغليظ لشجاج الرأس على شجاج البدن غير المقدر كما تغلظ في المقدر.
والوجه الثاني: وهوو قول أبي حامد الإسفراييني وطائفة من البغداديين أن مراد الشافعي بأكثر الحكومتين أن يعتبر قدرها في العمق قدر الموضحة, فإن كان نصفها اعتبر قدر شينها بعد الاندمال, فإن نقصت عن نصف الموضحة أوجبت نصف الموضحة وهو الجرح, لأنه أغلظ من قدر الشين وإن كان قدر شينها زائدًا على نصف الموضحة وبلغ ثلاثة أرباعها أوجبت حكومة الشين وهو ثلاثة أرباع الموضحة, لأنه أغلظ.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "فإن كان الشين أكثر من موحضة نقصت من الموضحة شيئًا ما كان الشين لأنها لو كانت موضحة معها شين لم أزد على موضحة فإذا كان الشين معها وهو أقل من موضحة لم يجز أن يبلغ به موضحة وفي الجراح على قدر دياتهم والمرأة منهم وجراحها على النصف من دية الرجل فيما قل أو كثر".
قال في الحاوي: وهذا صحيح؛ لأن ما نقص عن المقدر لم يجز أن يجب فيه ما يجب في المقدر؛ لأنه يقضي إلى تفاضل الجنايات وتساوي الديات, وهذا ممتنع فإن قيل: فليس يمتنع هذا لأنكم توجبون في قطع الأصابع ما توجبونه في جميع الكف وهو أقل؟ قيل: لأن منفعة الكف ذاهبة بقطع الأصابع فلذلك وجب فيها ما يجب في جميع الكف, وخالف ذلك في مسألتنا فعلى هذا لا يجوز أن يجب فيما دون الموضحة إن كثر
стр. 6040
شينها دية الموضحة ووجب أن ينقص منها ما يؤدي إليه الاجتهاد, وكذلك لا يبلغ بالحكومة على الكف دية الكف, ولا بالحكومة على الإصبع دية الإصبع, ولا بالحكومة على الأنملة دية الأنملة, وهو معنى قول الشافعي في الجراح: على قدر ديتها, وتأوله بعض أصحابنا أنه يعتبر نقص الحكومة من دية العضو لا من دية النفس, وهو قول من قدمنا مذهبه في اعتبار الحكومة, وقد أبطلناه بما ذكرناه, ثم قال الشافعي: "والمرأة منهم وجراحها على النصف من دية الرجل فيما قل أو كثر", يعني أن دية شجاج المرأة وجراحها وأطرافها على النصف من دية الرجل, لأن ديتها نصف دية الرجل, فيجب في موضحتها بعيران ونصف, وفي هاشمتها خمس, فأما حكومتها فهي معتبرة من ديتها, وديتها على النصف فأغنى ذلك عن تنصيف الحكومة.
مسألة:
قال الشافعي ﵀: "وفي الجراح في غير الوجه والرأس بقدر الشين الباقي بعد التئامه لا يبلغ بها الدية إن كان حرًا ولا ثمنه إن كان عبدًا, ولأنه ليس في الجسد قدر معلوم سوى الجائفة".
قال في الحاوي: وهذا صحيح, لأن ما اقتضاه التعليل المتقدم من تغليظ شجاج الرأس, والوجه على جراح الجسد يوجب اعتبار حكوماتها بحال الشين بعد الاندمال, ولا يعتبر فيها أغلظ الأمرين, وإذا كان كذلك لم يخل حال الجراح في الجسد من أن تكون على عضو أو في البدن, فإن كانت على عضو اعتبر في حكومتها حال الشين بعد الاندمال, فقوم سليمًا وشائنًا ووجب بقسط ما بينهما من دية الحر وقيمة العيد إلا أن تزيد على دية العضو فينقص منها قدر ما يؤدي الاجتهاد إليه, وإن كانت على البدن كالظهر والبطن والصدر ففيه وجهان:
أحدهما: وهو الظاهر من منصوص الشافعي: أنه يعتبر حكومة الشين ما لم تبلغ دية النفس, فإن بلغها نقص منها ولا اعتبار بدية الجائفة.
والوجه الثاني: أنه يعتبر حكومة الشين ما لم تبلغ دية الجائفة, فإذا بلغها نقص فيها ما يؤدي الاجتهاد إليه, لأنها المقدر في جراح الجسد فأشبهت الموضحة في شجاج الرأس, وقد يمكن أن يفضل بين الموضحة مع ما تقدمها وبين الجائفة مع غيرها أن ما تقدم الموضحة بعض الموضحة فلم يبلغ ديتها, وغير الجائفة قد لا يكون بعضها لما فيه من كسر عظم وإتلاف لحم, فجاز أن تزيد حكومتها على ديتها وهو الأصح, فإن لم يكن للشين بعد اندماله أثر ولا للحكومة فيه قدر ففيه وجهان ذكرناهما من قبل:
أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج, تكون هدرًا.
стр. 6041
والثاني: وهو قول أبي اسحاق المروزي: يعتبر ما قبل الاندمال ولا يقدر مع حال الألم وإراقة الدم, فيعتبر ما قبل الاندمال حالًا قبل حال حتى يبلغ إلى وقت الجرح وسيلان الدم للضرورة, كما يلزم في حمل الأمة إذا أعتق بوطء شبهة أن يعتبر قيمته بعد ظهوره لما تقدرت قيمته عند علوقه والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ودية النصراني واليهودي ثلث الدية واحتج في ذلك بعمر وعثمان ﵄".
قال في الحاوي: اختلف الفقهاء في دية اليهودي والنصراني من أهل الذمة والمعاهدين على أربعة مذاهب:
أحدهما: وهو مذهب أبي حنيفة: أنها كدية المسلم سواء وبه قال من الصحابة: ابن مسعود, ومن التابعين: الزهري, ومن الفقهاء: الثوري وأبو يوسف ومحمد.
والثاني: وهو مذهب مالك أنها نصف دية المسلم, وبه قال عمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير.
والثالث: وهو مذهب أحمد بن حنبل: إن قتل عمدًا فمثل دية المسلم كقول أبي حنيفة, وإن قتل خطأ فنصف دية المسلم كقول مالك.
والرابع: وهو مذهب الشافعي: أن ديته دية المسلم في العمد والخطأ, وبه قال من الصحابة عمر وعثمان ﵄ ومن التابعين: سعيد بن المسيب, وعطاء, من الفقهاء: أبو ثور وإسحاق بن راهويه, واستدل أبو حنيفة على أن ديته مثل دية المسلم بقوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] , ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] فلما أطلق ذكر الدية فيها دل على تساويهما, وبرواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "دية اليهودي والنصراني مثل نصف دية المسلم" وهذا نص وروي مقسم عن ابن عباس أن عمرو بن أمية الضمري قتل كافرين لهما أمان ولم يعلم بأمانهما فوداهما رسول الله ﷺ من عنده بدين حرين مسلمين, ولأنه حر محقوق الدم على التأييد فوجب أن تكون ديته كاملة كالمسلم, ولأن الحر مضمون يضمن بالدية والعبد يضمن بالقيمة, فلما كملت قيمة العبد مسلمًا كان
стр. 6042
أو كافرًا وجب أن تكمل دية الحر مسلمًا كان أو كافرًا, ولأن القتل موجب للدية والكفارة, فلما تماثلت الكفارة في قتل المسلم والكافر وجب أن يتماثل الدية في قتل المسلم والكافر, فلما تماثلت الكفارة في قتل المسلم والكافر وجب أن يتماثل الدية في قتل المسلم والكافر, ولأن الكفر فسق, والفسق لا تأثير له في الدية فكذلك الكفر, ولأن الدية قد أوجبت حقن دمه وحفظ ماله فلما تساوى بها المسلم في ضمان ماله ساواه, في ضمان نفسه, وأما مالك فدليله ما رواه محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "دية المعاهد نصف دية المسلم" ذكره أبو داود وقال أحمد بن حنبل: ليس في الأخبار أصح من هذا, وروى سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قضى أن عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلم وهم اليهود والنصارى وذكره رجاء بن المرجي الحافظ ولأن النقص نوعان أنوثية وكفر, فلما أوجب نقص الأنوثية إسقاط نصف الدية كذلك نقص الكفر.
ودليلنا قول النبي ﷺ : "المسلمون تتكافأ دماؤهم" فدل على أن دماء الكافر لا تكافئهم.
وروى ابن المنذر من كتابه أن النبي ﷺ قال في كتاب عمرو بن حزم: "وفي النفس المؤمنة مائة من الإبل" فجعل الإيمان شرطًا في كمال الدية, فوجب أن لا تكمل بعدمه, وروى موسى بن عقبة عن إسحاق بن يحيى عن عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ : "قضى أن دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم" , وهذا نص ذكره أبو إسحاق المروزي في شرحه, فإن قيل: حديث من روى كمال الدية أزيد والأخذ بالزيادة لأن الأحكام مستنبطة من الألفاظ, فإن قيل: يحمل على أنه قضى في السنة الأولى ثلث الدية لتأجيل دية الخطأ في ثلاث سنين, فالجواب عنه أن قضاءه بأن دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم تدل على أن جميع ديته هذا القدر فلم يجز أن يحمل على قدرها وهو بعضها, على أن ثلث الدية عندهم أقل من أربعة آلاف, فإن قيل: يحمل على أنه قوم إبل الدية بأربعة آلاف درهم قيل: لا يصح من وجهين:
أحدهما: أن القيمة تختلف فلم يجز أن تقدر في عموم الأحوال.
والثاني: إنه قضى بالدراهم ولم يقض بها قيمة على أنا روينا عن عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قضى في دية اليهودي والنصراني بثلث دية المسلم, فبطل هذا التأويل, ومن القياس: أنه مكلف لا يكمل سهمه من القيمة فوجب أن لا تكمل ديته كالمرأة, ولا ينتقص بالصبي والمجنون, لعدم التكليف, ولأنها لم نقصت دية المرأة المسلمة عن دية
стр. 6043
الرجل بنقصها بالأنوثية, وجب أن تنقص دية الرجل الكافر عن دية المرأة المسلمة لنقصه بالكفر لأن الدية موضوعة على التفاضل, ولأنه لما أثر أغلظ الكفر وهو الردة في إسقاط جميع الدية وجب أن يؤثر أخفه في تخفيف الدية, لأن بعض الجملة مؤثر في بعض أحكامها, ولأن اختلاف الأمة في قدر الدية توجب الأخذ بأقلها كاختلاف المقومين يوجب الأخذ بقول أقلهم تقويمًا؛ لأنه اليقين, فأما الجواب عن استدلالهم بمطلق الدية في الآية فلا يمنع إطلاقها من اختلاف مقاديرها, كما لم يمنع من اختلاف دية الرجل والمرأة ودية الجنين؛ لأن الدية اسم لما يؤدي من قليل وكثير.
وأما حديث عمرو بن شعيب فقد اختلفت الرواية عنه فتعارضت ويمكن حملها على أنها مثل دية المسلم في التغليظ والتخفيف والحلول والتأجيل حتى لا يكون نقصان قدرها موجبًا لإسقاط حلولها وتغليظها وأما الجواب عن حديث عمرو بن أمية فمن وجهين:
أحدهما: أنه لما تبرع رسول الله ﷺ بتحمل الدية عنه جاز أن يتبرع بالزيادة تألفًا لقومهما.
والثاني: يجوز أن يكونا أسلما بعد الخروج وقبل موتهما فكمل بالإسلام ديتهما, وأما الجواب عن قياسه على السلم بعلة أنه محقون الدم على التأييد, ففاسد بالمرأة والعبد, لا يقتضي حقن دماهما على التأييد كمال ديتهما, كذلك الذمي, على أن المعنى في المسلم كمال سهمه في الغنيمة, وأما الجواب عند استدلاله بالعبد في استواء الكفر والإسلام في كمال قيمته فهو أنها لما تساوى فيهما الذكر والأنثى تساوى فيهما المسلم والكافر, ولما اختلف في الدية الذكر والأنثى اختلف فيها المسلم والكافر, وكذلك الجواب عن استدلاله بالكفارة أنه لما لم يمتنع التساوي فيها من اختلاف الذكر والأنثى في الدية كذلك تساوى المسلم والكافر فيها لا يمنع من اختلافهما في الدية, وأما الجواب عن استدلالهم بالفسق فهو أن الفسق لا يسلبه أحكام الإسلام فساوى في الدية, والكفر يسلب أحكام الإسلام فخالف في الدية, وأما الجواب عن ضمان ماله كالمسلم فهو أنه لما لم يختلف ضمانه في العمد والخطأ في حق الرجل والمرأة لم يختلف في حق المسلم والكافر, ولما اختلف ضمان الدية في حق الرجل والمرأة اختلف في حق المسلم والكافر والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ودية المجوسي ثمانمائة درهم واحتج في ذلك بعمر بن الخاطب ﵁".
قال في الحاوي: واحتج في ذلك بعمر بن الخطاب ﵁ اختلف في دية المجوسي فجعلها أبو حنيفة كدية المسلم, وجعلها عمر بن عبد العزيز نصف دية
стр. 6044
المسلم كاليهودي والنصراني عنده, وهي عند الشافعي ثمان مائة درهم, ثلثا عشر دية المسلم, وتكون من الإبل ستة أبعرة وثلثين ومن الدنانير ستة وستون دينارًا وثلثان, لرواية سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب ﵁ جعل دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم والمجوسي ثمان مائة درهم.
وروى الزهري عن عمر وعثمان وابن مسعود ﵃ أن دية المجوسي ثمان مائة درهم, فكان هذا القول منهم والقضاء به عليهم مع انتشاره في الصحابة إجماعًا لا يسوغ خلافه, ومع أن حكم المجوسي في إقرارهم وأخذ جزيتهم منقول عن عمر ومعمول به إجماعًا فكذلك حكمه فيهم بالدية, ولأنه لما نقصت رتبة المجوسي عن أهل الكتاب في تحريم نسائهم, وأكل ذبائحهم نقصت ديتهم عن دياتهم, لأن الديات موضوعة على التفاضل, وإذا نقصت عنهم لم يكن إلا ما قلنا لقضاء الأئمة به.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا لم يخل حال من خالف دين الإسلام من أن يكون له أمان أو لا يكون, فإن كان له أمان لم يخل حاله من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون من أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى فديتهم ثلث دية المسلم, سواء كانوا أصحاب ذمة أو عهد.
والقسم الثاني: أن لا يكونوا أهل كتاب ولكن سن بهم سنة أهل الكتاب في إقرارهم بالجزية وهم المجوسية, فديتهم ثلثا عشر دية المسلم.
والقسم الثالث: أن لا يكونوا أهل كتاب ولا سن بهم سنة أهل كتاب وهم عبدة الأوثان الذين لا يقرون بالجزية ويقرون بالأمان والعهد, فديتهم كدية المجوسي ثلثا عشر دية المسلم, لأنها أقل الديات فردوا إليها, وإن كانوا أنقص رتبة من المجوسي في أنهم يقرون بالجزية.
فأما الصابئون والسامرة فإن أجروا مجرى اليهود والنصارى في إقرارهم بالجزية وأكل ذبائحهم ونكاح نسائهم لموافقتهم في أصل معتقدهم كانت ديتهم ثلث دية المسلم, وإن لم يقروا بالجزية لمخالفتهم لليهود والنصارى في أصل معتقدهم كانت ديتهم ثلث دية المسلم, وإن لم يقروا بالجزية لمخالفتهم لليهود والنصارى في أصل معتقدهم فديتهم إذا كان لهم أمان كدية المجوسي ثلثا عشر دية المسلم.
فصل:
وأما من لم يكن له أمان ولا عهد فضربان:
أحدهما: من بلغته دعوة الإسلام, فنفوسهم مباحة ودماؤهم هدر لا تضمن بقود
стр. 6045
ولا عقل, سواء كانوا أهل كتاب أو لم يكونوا كذلك دماء المرتدين عن الإسلام.
والضرب الثاني: أن يكونوا ممن لم تبلغه الدعوة, قال الشافعي: "ولا أحسب أحدًا لم تبلغه دعوة الإسلام إلا أن يكون قوم وراء الذين يقاتلونا من الترك والخزر فدماؤهم محقونة حتى يدعوا إلى الإسلام فيمتنعوا فإن قتلوا قبل دعائهم إلى الإسلام ضمنت نفوسهم بالدية دون القود.
وقال أبو حنيفة: لا تضمن نفوسهم بقود ولا دية, لأن دماء الكفار على الإباحة إلا من ثبت له عهد أو ذمة, وهذا خطأ, لأن الدماء محقونة إلا من ظهر منه المعاندة ولأنه لما حرم قتلهم قبل دعائهم ثبت حقن دمائهم ووجب ضمان نفوسهم كأهل العهد وهذه مسألة تأتي في كتاب السير مستوفاة, فإذا تقرر ضمان دياتهم ففيها وجهان, لأن الشافعي أطلقها فاختلف أصحابنا فيها من بعده على وجهين:
أحدهما: أنه كدية المسلم, لأنه مولود على الفطرة لم تظهر منه معاندة.
والثاني: أنها كدية المجوس ثلثا عشر دية المسلم, لأنها يقين مع الأصل براءة الذمة.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وجراحهم على قدر دياتهم".
قال في الحاوي: وهذا صحيح, لأن ما دون النفس معتبر بدية النفس فيكون في دية اليهودي بعير وثلثان, وفي هاشمته ثلاثة أبعرة وثلث وفي منقلته خمسة أبعرة وفي مأمومته أحد عشر بعيرًا وتسع, وفي إصبعه ثلاثة أبعرة وثلث, وفي أنملته بعير وتسع, وفي موضحة المجوس ثلث بعير, وفي هاشمته ثلثا بعير, وفي منقلته بعير, وفي إصبعه ثلث بعير, وفي أنملته تسعًا بعير, وعلى قياس هذا فيما زاد ونقص.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "والمرأة منهم وجراحها على النصف من دية الرجل فيما قل أو كثر واحتج في ديات أهل الكفر بأن الله تعالى فرق ثم رسوله ﷺ بين المؤمنين والكافرين فجعل الكفار متى قدر عليهم المؤمنون صنفًا منهم يعبدون وتؤخذ أموالهم لا يقبل منهم غير ذلك وصنفًا يصنع ذلك بهم إلا أن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فلا يجوز أن يجعل من كان خولا للمسلمين في حال أو خولا بكل حال إلا أن يعطوا الجزية كالعبد المخارج في بعض حالاته كفيئًا لمسلم في دم ولا دية يبلغ بدية كافر دية مؤمن إلا ما لا خلاف فيه".
قال في الحاوي: وهذا صحيح, لأنه لما كانت دية المرأة المسلمة في نفسها
стр. 6046
وأطرافها وجراحها على النصف من الرجل المسلم كانت دية المرأة الكافرة في نفسها وأطرافها وجراحها على النصف من الرجل الكافر, فيجب في موضحة اليهودية خمسة أسداس بعير, وفي هاشمتها بعير وثلثان وفي موضحة المجوسية سدس بعير, وفي هاشمتها ثلث بعير, ثم على هذا القياس.
مسألة:
قال الشافعي ﵀: "ويقول سعيد بن المسيب أقول جراح العبد من ثمنه كجراح الحر من ديته في كل قليل وكثير وقيمته ما كانت وهذا يروى عن عمر وعلي ﵄".
قال في الحاوي: أما الجناية على نفس العبد فموجبه لقيمته, وهذا متفق عليه, وأما الجناية على ما دون نفسه من أطرافه وجراحه فقد اختلف على ثلاثة مذاهب:
أحدها: وهو مذهب الشافعي أنها تكون مقدرة من قيمته كما تكون مقدرة من الحر من ديته, فيجب في كل واحد من لسانه وأنفه وذكره قيمته وفي إحدى يديه نصف قيمته كما يجب في الحر نصف ديته كما يجب في الحر ديته, ويجب في إصبعه عشر قيمته, وفي أنملته ثلث عشرها, وعلى هذا القياس وهو قول عمر, وعلي, وسعيد بن المسيب, والحسن, وابن سيرين, وأبي حنيفة.
والمذهب الثاني: ما قاله داود بن علي وأهل الظاهر, ومحمد بن الحسن من أصحاب أبي حنيفة الواجب في جميعها ما نقص من قيمته من غير تقدير كالبهائم.
والمذهب الثالث: ما قاله مالك: أنه ما لا يبقى له أثر بعد الاندمال من شجاج الرأس ففي مقدر من قيمته - كما قلنا, وما يبقى أثره بعد الاندمال كالأطراف ففيه ما نقص من قيمته كأهل الظاهر, واستدل أهل الظاهر بأمرين أحدهما: أنه مملوك كالبهائم.
والثاني: أنه لا يضمن بالقيمة فأشبه ضمان الغصب, وفرق مالك بين شجاج رأسه وأطرافه بأنه قول أهل المدينة وهو عنده حجة, وبأنه لما تقدر شجاج الرأس في الحر ولم تتقدر جراح جسده تغلظ حكمه على حكمة, والدليل عليهم أن من ضمنت نفسه بالقود والكفارة ضمنت أطرافه بالمقدر كالحر, وعلى مالك أن من تقدرت شجاجته تقدرت أطرافه كالحر, ولأن ما تقدر في الحر تقدر في العبد كالشجاج, ثم يقال لمالك: العبد متردد بين أصلين:
أحدهما: الحر.
والثاني: البهيمة, فإن الحق بالحر تقدرت أطرافه وشجاجه, وإن ألحق بالبهيمة لم تتقدر شجاجه ولا أطرافه, وإلحاقه بالحر أولى من إلحاقه بالبهائم لم يتوجه إليه من
стр. 6047
التكليف, ويجب عليه من الحدود, ويلزم من قتله من القود والكفارة, فأما ضمانه باليد إذا يغصب, فإنما لم يضمن بالمقدر لأنه لا يضمن بالقود والكفارة فأجرى عليه حكم الأموال المحضة, وصار فيها ملحقًا بالبهائم, ويضمن في الجنايات بالقود والكفارة فألحق بالأحرار.
فصل:
فإذا ثبت تقدير الجنايات عليه من قيمته كالحر من ديته فلسيده أن يأخذ أرش الجنايات عليه كلها, سواء زادت على قدر قيمته أضعافًا أو نقصت, وهو باق على ملكه.
وقال أبو حنيفة: إن وجب فيها جميع قيمته كان بيده بالخيار بين تسليمه إلى الجاني وأخذ قيمته منه أو إمساكه بغير أرش, لأن لا يجمع بين البدل والمبدل, وإن وجب بها نصف قيمته كان سيده بالخيار بين إمساكه وأخذ نصف قيمته وبين تسليمه إلى الجاني وأخذ جميع قيمته وقد مضى الكلام معه في كتاب الغصب مما أغنى عن إعادته, فأما إذا تبعضت فيه الحرية والعتق فكان نصفه حرًا ونصفه عبدًا ففي أطرافه نصف ما في أطراف الحر ونصف ما في أطراف العبد, فيجب في يده ربع الدية وربع القيمة, وفي إصبعه نصف عشر الدية ونصف عشر القيمة وفي أنملته سدس عشر القيمة وسدس عشر الدية, ثم على هذا القياس فيما زاد من الحرية ونقص, فأما ضمان المكاتب فكالعبد وكذلك أم الولد.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وتحمل ثمنه العاقلة إذا قتل خطأ".
قال في الحاوي: أما العبد إذا قتل حرًا فالدية في ذمته ومرتهنة رقبته, يباع فيها ويؤدي الدية حالة في العمد والخطأ لا تتحملها العاقلة عنه ولا السيد إلا أن يتطوع باقتدائه منها, فإن عجز ثمنه عن الدية كان الباقي في ذمة العبد يؤديه بعد عتقه ولا يكون على سيده, فإن قيل: فهلا كان السيد ضامنًا لجناية عبده كما يضمن جناية بهيمته, قيل: لأن جناية البهيمة مضافة إلى مالكها, لأنها مضمونة إذا نسب إلى التفريط في حفظها وجناية العبد مضافة إليه دون سيده لأن له اختيارًا يتصرف به, فلذلك ضمن جناية بهيمته ولم يضمن جناية عبده فأما إذا قتل الحر عبدًا, فإن كان القتل عمدًا محضًا فقيمته في مال القاتل حاله, وإن كان خطأ محضًا أو عمد الخطأ ففي قيمته قولان:
أحدهما: أن قيمة نفسه وأروش أطرافه على عاقلة الجاني مؤجلة وهو اختيار المزني.
والقول الثاني: أن قيمة نفسه وأروش أطرافه في مال الجاني لا تحمله العاقلة في
стр. 6048
مال القاتل حالة وهو مذهب مالك.
وقال أبو حنيفة: تحمل العاقلة دية نفسه ولا تحمل أروش أطرافة فإذا قتل تحمله العاقلة, فدليله أن من وجبت الكفارة في قتله تحملت العاقلة بدل نفسه كالحر, ولأن العبد متردد الحكم بين الحر لكونه مكلفًا وبين البهيمة لأنه مقوم ومبيع فكان إلحاقه بالحر أولى, لما يتوجه إليه من الثواب والعقاب, ولما يجب في قتله من الكفارة والقود, فوجب إلحاقه بالحر أولى, لما يتوجه إليه من الثواب والعقاب, ولما يجب في قتله من الكفارة والقود فوجب إلحاقه به في تحمل العاقلة لبدل أطرافه ونفسه.
فإذا قيل: لا تحمله العاقلة فدليله رواية ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "لا تحمل العاقلة عمدًا ولا عبدًا ولا صلحًا ولا اعترافًا" ولأنه مضمون بالقيمة فوجب أن لا تحمل العاقلة ضمانة بالجناية كما لم تحمل ضمانة باليد كالأموال, ولأنه لما لم تتحمل عنه العاقلة إذا كان قاتلًا لم تتحمله العاقلة إذا كان مقتولًا.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وفي ذكره ثمنه ولو زاد القطع في ثمنه أضعافًا".
مسألة:
قال الشافعي ﵀: "فإن قيل فإذا كنت تزعم أن ثمنه كثمن البعير إذا قتل فلم لم يحكم في جرحه كجرح البعير وبعضه؟ قلت: قد يجامع الحر البعير بقتل فيكون ثمنه مثل دية الحر فهو في الحر دية وفي البعير قيمة والقيمة دية العبد وقسته بالحر دون البهيمة بدليل من كتاب الله تعالى في قتل النفس الدية وتحرير رقبته وحكمت وحكمنا في الرجل والمرأة والعبد بديات مختلفات وجعلنا في كل نفس منهم دية ورقبة وإنما جعل الله في النفس الرقبة حيث جعل الدية وبدل البعير والمتاع قيمة لا رقبة معها فجامع العبد الأحرار في أن فيه كفارة وفي أنه إذا قتل قتل وإذا جرح جرح في قولنا وفي أن عليه حد الحر في بعض الحدود ونصف حد الحر في بعض الحدود وأن عليه الفرائض من الصلاة والصوم والتعبد وكان آدميًا كالأحرار فكان بالآدميين أشبه فقسته عليهم دون البهائم والمتاع, قال المزني: وقال في كتاب الديات والجنايات لا تحمله العاقلة كما لا تغرم قيمة ما استهلك من مال, قال المزني: الأول بقوله أشبه لأنه شبهه بالحر في أن جراحه من ثمنه كجراح الحر من ديته لم يختلف ذلك عندي من قوله".
قال في الحاوي: وهذا صحيح, لأننا قد قررنا أن ما في الحر منه دية كان في العبد منه قيمة, وفي ذكر الحر ديته, فوجب أن يكون في ذكر العبد قيمته, فإن قيل: فقطعه من الحر نقص فلذلك ضمن بالدية, وقطعه من العبد زيادة لأن ثمنه يزيد بقطعه فلم يضمن
стр. 6049
بالقيمة قيل: المضمون بالجناية لا يراعى فيه النقص والزيادة, لأن الأعضاء الزائدة تضمن بالجناية وإن أحدثت زيادة.
مسألة:
قال الشافعي ﵀: "وكل جناية عمد لا قصاص فيها فالأرش في مال الجاني".
قال في الحاوي: أما جناية الخطأ المحض وعمد الخطأ فتحملها العاقلة, وأما جناية العمد المحض فمن مال الجاني, ولا تتحملها العاقلة سواء وجب فيها القصاص أو لم يجب كالجائفة والمأمومة, وقال مالك: ما لا يجب فيه القصاص من العمد تتحمله العاقلة كالخطأ, وهذا خطأ لقول النبي ﷺ : "لا تحمل العاقلة عمدًا ولا عبدًا", ولأن ما لم تتحمله العاقلة من العمد إذا وجب فيه القود لم تتحمله, وإن لم يجب فيه القود كجناية الوالد على الولد, ولأن جناية العمد مغلظة وتحل العاقلة تخفيف فتنا في اجتماعهما, ولأن تحمل العاقلة رفق ومعونة, والعامد معاقب لا يعان ولا يرفق به, والخاطئ معذور, فلذلك خص بالمعونة والرفق.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وقيل جناية الصبي والمعتوه عمدًا وخطأ يحملها العاقلة وقيل لا لأن النبي ﷺ قضى أن تحمل العاقلة الخطأ في ثلاث سنين فلو قضينا بها إلا ثلاث سنين خالفنا دية العمد لأنها حالة فلم يقض على العاقلة بدية عمد بحال, قال المزني: هذا هو المشهور من قوله".
قال في الحاوي: فلا قود عليهما فيه لعدم تكليفهما, وفيه قولان:
أحدهما: أنه يجري عليه حكم الخطأ, وإن كان في صورة العمد وهو قول أبي حنيفة, لقول النبي ﷺ : "رفع القلم على ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم, وعن المجنون حتى يفيق, وعن النائم حتى ينتبه" ولأن كل ما سقط فيه القود بكل حال كان في حكم الخطأ كالخطأ.
والقول الثاني: أنه يجري عليه حكم العمد وإن سقط فيه القود, لأن صفة العمد متميزة فكان حكمها متميزًا, ولأن الصبي قد وقع الفرق فيه بين عمده ونسيانه إذا تكلم في الصلاة وأكل في الصيام وتطيب في الحج, فوجب أن يقع الفرق بين عمده وخطئه في القتل, لأن كل من وقع الفرق بين عمده وخطئه في العبادات وقع الفرق بينهما في الجنايات كالبالغ العاقل.
стр. 6050
فصل:
فإذا صح توجيه القولين قلنا بالأول منهما أن عمده كالخطأ, فالدية مخففة تحب على عاقلته في ثلاث سنين, لأن العاقلة لا تتحمل إلا مؤجلًا, وإذا قيل بالثاني إن عنده وإن سقط فيه القود, فالدية مغلظة حاله تجب في ماله دون عاقلته, ويستوي في ذلك الصبي والمجنون وسواء كان الصبي مميزًا أو غير مميز.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ولو صاح برجل فسقط عن حائط لم أر عليه شيئًا ولو كان صبيًا أو معتوهًا فسقط من صيحته ضمن".
قال في الحاوي: وهو كما قال, إذا وقف إنسان على شفير بئر أو حافة نهر أو قلة جبل فصاح به صائح فخر ساقطًا ووقع ميتًا لم يخل حال الواقع من أمرين:
أحدهما: أن يكون رجلًا, قوي النفس, ثابت الجأش, ثابت الجنان فلا شيء على الصائح, لأن صيحته لا تسقط مثل هذا الواقع, فدل ذلك على وقوعه من غير صيحته.
والضرب الثاني: أن يكون صبيًا أو مجنونًا أو مريضًا أو مضعوفًا لا يثبت لمثل هذه الصيحة فالصائح ضامن لديته, لأن صيحته تسقط مثله من المضعوفين, ولا قود عليه لعدم المباشرة, لكنه إذا عمد الصيحة كانت الدية مغلظة, وإن لم يعمد كانت مخففة.
وقال أبو حنيفة: لا يضمن بها الصغير كما لا يضمن بها الكبير القوي, وهذا جمع فاسد, لأن الصيحة تؤثر في الصغير المضعوف, ولا تؤثر في الكبير القوي فافترقا من الضمان؛ لأن الجنايات تختلف باختلاف المجني عليه ألا ترى أن رجلًا لو لطم صبيًا فمات ضمنه, ولو لطم رجلًا فمات لم يضمنه, لأن الصبي يموت باللطمة والرجل لا يموت بها فلو اغتفل إنسانًا وزجره بصيحة هائلة فزال عقله فقد اختلف أصحابنا فيه فحمله أكثرهم على ما قدمناه من التفسير أنه يضمن بها عقل الصبي والمجنون, ولا يضمن بها عقل الرجل الثابت.
وقال ابن أبي هريرة: يضمن بها عقل الفريقين معًا بخلاف الوقوع, لأن في الوقوع فعلًا للواقع فجاز أن ينسب الوقوع إليه وليس في زوال العقل فعل من الزائل العقل لم ينسب زواله إلا الصائح المذعر, ولو قذف رجل امرأة بالزنا فماتت لم يضمنها, ولو ألقت جنينًا ميتًا ضمنه, لأن الجنين يلقى من ذعر القذف والمرأة لا تموت منه, قد أرسل عمر إلى امرأة قذفت عنده رسولًا فأرهبها فأجهضت ما في ذات بطنها فحمل عمر عاقلة نفسه دية جنينها.
стр. 6051
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ولو طلب رجلًا بسيف فألقى بنفسه عن ظهر بيت فمات لم يضمن وإن كان أعمى فوقع في حفرة ضمنت عاقلة الطالب ديته لأنه اضطره إلى ذلك".
قال في الحاوي: وصورتها في رجل شهر سيفًا وطلب به إنسانًا فهرب منه المطلوب حتى ألقى نفسه من سطح أو جبل أو في بحر أو نار حتى هلك فتنقسم حال الهارب المطلوب ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون بالغًا عاقلًا بصيرًا فلا ضمان على طالبه من قود ولا دية لأمرين:
أحدهما: أن الطلب سبب والإلقاء مباشرة, وإذا اجتمعا سقط حكم السبب بالمباشرة.
والثاني: أنه وإن ألجأه بالطلب إلى الهرب فلم يلجئه إلى الوقوع؛ لأنه لو أدركه جاز أن يجيء عليه, وجاز أن يكف عنه, فصار ملقى نفسه هو قاتلها دون طالبه؛ لأنه قد عجل إتلاف نفسه بدلًا مما يجوز أن لا يتلف به, فصار كالمجروح إذا ذبح نفسه.
والقسم الثاني: أن يكون المطلوب أعمى فيهرب من الطالب حتى يتردى من سطح أو جبل أو يقع من بئر أو بحر, فإن أعلم بالسطح والجبل والبئر والبحر فألقى نفسه بعد علمه كانت نفسه هدرًا كالبصير وإن لم يعلم بذلك حتى وقع فمات فعلى طالبه الدية دون القود, لأنه وإن لم يكن مباشرًا لإلقائه فقد ألجأه إليه, والملجئ إلى القتل ضامن كالقاتل, ألا ترى أن الشهود إذا شهدوا عند الحاكم على رجل بما يوجب القتل فقتله ثم بان أنهم شهدوا بزور ضمنوه دون الحاكم, لأنهم ألجئوه إلى قتله فتعلق الحكم بالملجئ دون المباشر.
والقسم الثالث: أن يكون المطلوب صبيًا أو مجنونًا, ففي ضمان ديتهما على الطالب وجهان مخرجان من اختلاف قول الشافعي في قصدهما للقتل هل يجري عليه حكم العمد أم لا؟
أحدهما: أنه يضمن ديتهما إذا قيل إنه لا يجري على قصدهما للقتل حكم للعمد.
والثاني: لا يضمن ديتهما إذا قيل: إنه يجري على قصدهما للقتل حكم العمد.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ولو عرض له في طلبه سبع فأكله لم يضمن لأن الجاني غيره".
قال في الحاوي: وهذا صحيح يحتاج إلى تفصيل: فإذا اعترض الهارب المطلوب
стр. 6052
سبع فافترسه فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يلجئه الطالب إلى موضع السبع فيضمنه بالدية كما لو ألقاه عليه.
والضرب الثاني: أن لا يلجئه إليه وإنما هرب في صحراء وافق سبعًا معترضًا فيها فافترسه فلا ضمان على الطالب, سواء كان المطلوب بصيرًا أو ضريرًا, صغيرًا أو كبيرًا, لأنه غير مباشر ولا ملجئ, فإن قيل: فلو ألقاه في بحر فالتهمه الحوت ضمنه فهلا قلتم إذا اعترضه السبع ضمنه؟ قيل: لأنه بإلقائه في البحر مباشر فجاز أن يضمن ما حد بإلقائه, لأنه صار ملجئًا وفي الهرب منه غير مباشر فلم يضمن ما حد بالهرب إذا لم يقترن به إلجاء, ولو انخسف من تحت الهارب سقف فخر منه ميتًا ففي ضمان الطالب له وجهان:
أحدهما: لا يضمنه كالسبع إذا اعترضه؟
والوجه الثاني: وهو قول أبي حامد الإسفراييني يضمنه لأنه ملجئ إلى ما لا يمكن الاحتراز منه.
فصل:
ولو رماه من شاهق فاستقبله آخر بسيفه من تحته فقده نصفين فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون الشاهق مما يجوز أن يسلم الواقع منه فضمانه على القاطع دون الملقى, لأن القاطع موج والملقى جارح.
والضرب الثاني: أن يكون الشاهق مما لا يجوز أن يسلم الواقع منه ففي ضمانه ثلاثة أوجه:
أحدهما: على الملقى ضمانة, لأنه قد صار بإلقائه كالموجئ فيضمنه بالقود لمباشرته.
والوجه الثاني: أن ضمانه بالقود أو الدية على القاطع دون الملقى, لأنه قد سبقه إلى مباشرة موجيه.
والوجه الثالث: أنهما يضمنانه جميعًا بالقود أو الدية, لأنهما قد صارا كالشريكين في توجيته, والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ويقال لسيد أم الولد إذا جنت أفدها بالأقل من قيمتها أو جنايتها ثم هكذا أو جنايتها ثم هكذا كلما جنت, قال المزني: هذا أولى بقوله من أحد قوليه وهو أن السيد إذا غرم قيمتها ثم جنت شرك المجني عليه الثاني المجني عليه الأول, قال
стр. 6053
المزني: فهذا عندي ليس بشيء لأن المجني عليه الأول قد ملك الأرش بالجناية فكيف تجني أمه غيره وتكون بعض الغرم عليه".
قال في الحاوي: إذا جنت أم الولد وجب على سيدها أن يفديها وهو قول الجمهور, إلا أن أبا ثور وداود شذا عن الجماعة, وأوجبا أرش جنايتها في ذمتها تؤديه بعد عتقها, لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨] ولأنها إن جرت مجرى الإماء لم يلزم السيد الفداء, وإن جرت مجرى الأحرار فأولى أن لا يلزمه, فلما حرم بيعها صارت كالأحرار في تعلق الجناية بذمتها, وهذا خطأ, لأن من جرى عليه حكم الرق تعلقت جنايته برقبته, وأم الولد قد حرم بيعها بسبب من جهته فصار كمنعه من بيع عبده وأمته يصير بالمنع ضامنًا لجنايته, وكذلك المنع من بيع أم الولد, ولأنه قد صار مستهلكًا لثمنها بالإيلاء كما يصير مستهلكًا لثمن عبده بالقتل: ولو قتل عبده بعد جنايته ضمنها, كذلك إذا جنت أمته بعد إيلادها ضمن جنايتها وفي هذا انفصال.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا من ضمان السيد لجنايتها فإن كانت عمدًا اقتص منها لتعلق القصاص ببدنها, وإن كانت خطأ أو عمدًا عفا عن القصاص فيه, فعلى السيد أن يفديها بأقل الأمرين من قيمتها أو أرش جنايته فإن كان أرش جنايتها أقل ضمن أرش الجناية, لأنه لا يستحق المجني عليه أكثر منها, وإن كان أرش جنايتها أكثر من قيمتها لم يضمن إلا قدر قيمتها, لأنه يمنع الإيلاد كالمستهلك لها فلا يلزمه أكثر من القيمة كما لو قتل عبده بعد جنايته لم يضمن إلا قدر قيمته, فإن قيل: أفليس لو منع من بيع عبده الجاني ضمن جميع الجناية في أحد القولين فهلا كان في أم الولد كذلك؟ قيل: لأنه في المنع من بيع العبد مفوت لرغبة راغب يجوز أن يشتريه بأكثر من قيمته لو مكن من بيعه فجاز أن يضمن جميع جنايته, وليس أم الولد بمثابته لعدم هذه الرغبة التي لا يجوز الإجابة إليها فافترقا.
فصل:
فإذا غرم في جنايتها أقل الأمرين ثم جنت بعده على آخر نظر فيما غرمه السيد للأول من أقل الأمرين, فإن كان هو أرش الجناية, لأن قيمتها ألف وأرش جنايتها خمسمائة لزم السيد أن يغرم للثاني أرش جنايته إذا كان بقدر الباقي من قيمتها, وهو أن يكون أرشها خمسمائة فما دون, وإن كان ما غرمه للأول من أقل الأمرين هو جميع قيمتها وهي ألف, فإذا جنت على الثاني ففيها قولان:
أحدهما: وهو اختيار المزني: يضمنها كضمان الأول بأقل الأمرين من قيمتها أو أرش جنايتها ويعلم للأول ما أخذه من أرش الجناية عليه لأمرين:
أحدهما: أنها قد عادت بعد الفداء إلى معناها الأول فوجب أن يضمنها كضمانه
стр. 6054
للأول, كما لو غرم قيمة عبده في جنايته للمنع من بيعه ثم جني ثانية فمنع من بيعه غرم قيمته ثانية.
والثاني: أن الأول قد ملك أرش جنايته والجاني على الثاني غيره فلم يلزمه أن يضمن جناية غيره, وليس بجان ولا من عاقلة الجاني فعلى هذا يضمنها السيد في كل جناية تجددت منها ولو كانت مائة جناية بأقل الأمرين من قيمتها أو أرش جنايتها.
والقول الثاني: وهو مذهب أبي حنيفة, أن السيد لا يلزمه ضمان الجناية الثانية ويرجع الثاني على الأول فيشاركه في القيمة, وإنما كان هكذا لأمرين:
أحدهما: أنه بالإيلاد مستهلك, والمستهلك لا يلزمه أكثر من قيمة واحدة.
والثاني: أنه لما لم يلزمه إذا تقدمت الجناية على الغرم أكثر من قيمتها كذلك لا يلزمه فيما حدث بعد غرمه أكثر من قيمتها وقد غرمها, وخالف المانع من بيع غيره, لأن أم الولد مستهلكة والممنوع من بيعه غير مستهلك ولا يمتنع أن يرجع الثاني على الأول, وإن لم يكنن جانبًا ولا عاقلة كما لو مات رجل في بئر تعدى حفرها ضمن في تركته فأتلف فيها بعد موته وإن لم يكن الورثة جناة ولا عاقلة, فلو كانت قيمة ما تلف فيها ألف وجميع التركة ألف فاستوعبها المجني عليه ثم تلف فيها ما قيمته ألف ثانية رجع الثاني على الأول فشاركه في الألف التي أخذها, وإن لم يكن جانبًا ولا عاقلة, كذلك في جناية أم الولد, فعلى هذا لو غرم قيمتها للأول وهي ألف ثم جنت ثانية بعد الأول لم يخل حال الجنايتين من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يتساويا في أرشها, فيكون أرش الأولى ألفًا وأرش الثانية ألفًا, فيرجع الثاني على الأول بنصف الألف ويتساويان فيها لتساوي جنايتهما.
والقسم الثاني: أن تكون أرش الجناية الثانية أقل من أرش الجناية الأولى, لأن أرش الأولى ألفان وأرش الثانية ألف, فيرجع الثاني على الأول بثلث الألف, لأن أرشه ثلث الأرشين.
والقسم الثالث: أن يكون أرش الجناية الثانية أكثر من الجناية, لأن أرش الأولى ألف وارش الثانية ألفان, فيرجع على الأول بثلثي الألف, لأن أرشه ثلثا الأرشين لتكون القيمة في الأحوال الثلاث مقسطة على قدر الأروش, وهكذا لو وجبت على ثالث بعد اشتراك الأولين في القيمة رجع الثالث على كل واحد من الاثنين بقسط جنايته مما أخذه كل واحد من الأولين, ثم كذلك على رابع وخامس, وبالله التوفيق.
стр. 6055
التقاء الفارسين والسفينتين
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وإذا اصطدم الراكبان على أي دابة كانتا فماتا معًا فعلى عاقلة كل واحد منهما نصف دية صاحبة لأنه مات من صدمته وصدمة صاحبه كما لو جرح نفسه وجرحه صاحبه فمات وإن ماتت الدابتان ففي مال كل واحد منهما نصف قيمة دابة صاحبه".
قال في الحاوي: إذا اصطدم الفارسان فماتا وماتت دابتاهما وجب على كل واحد منهما نصف دية صاحبه ونصف قيمة دابته, ويكون النصف الثاني هدرًا, وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: يجب على كل واحد جميع دية صاحبه وجميع قيمة دابته ولا يكون شيء منها هدرًا, وهو قول أبي يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق استدلالًا بأمرين:
أحدهما: أن موت كل واحد منهما منسوب إلى فعل صاحبه فوجب أن يضمن جميع ديته, كما لو جلس إنسان في طريق ضيقة فعثر به سائر فوقع عليه فماتا جميعًا كان على عاقلة السائر جميع دية الجالس, وعلى عاقلة الجالس جميع دية السائر, ولا يكون شيء من ديتهما هدرًا, كذلك اصطدم الفارسين.
الثاني: أن حدوث التلف إذا كان بفعله ويفعل صاحبه سقط اعتبار فعله في تعيينه وكان جميعه مضافًا إلى فعل صاحبه وهو المأخوذ بجميع ديته, كما لو تعدى رجل بحفر بئر فسقط فيها سائر فمات ضمن الحافر جميع دية السائر وإن كان الوقوع فيها بحفر الحافر ومشي السائر, كذلك في اصطدام الفارسين, ودليلنا ما روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال: "إذا اصطدم الفارسان فماتا فعلى عاقلة كل واحد منهما نصف دية صاحبه", ولم يظهر له مخالف, فإن كان هذا منتشرُا فهو إجماع, وإن لم ينتشر فهو حجة عند أبي حنيفة وعلى قول الشافعي في القديم, ولأن موت كل واحد منهما كان بفعل اشتركا فيه, لأنه مات بصدمته وصدمة صاحبه فوجب أن يضمن ما اختص بفعله ولا يضمن ما اختص بفعل صاحبه, وعلى هذا شواهد الأصول كلها ألا ترى لو أن رجلًا جرح رجلًا ثم جرح المجروح نفسه ومات كان نصف ديته هدرًا, لأنها في مقابلة جراحته لنفسه ونصفها على جارحه؛ لأن التلف كان يجرح اشتراكًا فيه, وهكذا لو جذبا حجر منجنيق فعاد الحجر عليهما فقتلهما كان على عاقلة كل واحد منهما نصف دية صاحبه ونصفها الباقي هدرًا لاشتراكهما في الفعل الذي كان به تلفهما, وهكذا لو اصطدم رجلان معهما إناءان له فانكسر الإناءان بصدمتهما ضمن كل واحد منهما نصف قيمة إناء صاحبه,
стр. 6056
وكان نصفه الباقي هدرًا, وإذا كانت الأصول تشهد بصحة ما ذكرناه دل على صحته, وبطلان ما عداه.
فأما استدلالهم بالسائر إذا عثر بالجالس فماتا فإنما ضمن كل واحد منهما جميع دية صاحبه, لأنهما لم يشتركا في فعل التلف, لأن السائر تلف بعثرته بالجالس فضمن الجالس جميع ديته, والجالس تلف بوقوع السائر عليه, فضمن السائر جميع ديته وليس كذلك اصطدام الفارسين لاشتراكهما في فعل التلف.
وأما استدلالهم بالوقوع في البئر فالجواب عنه أن الحافر لها ملجئ للوقع فيها مسقط اعتبار فعل الملجأ وصار الجميع مضافًا إلى فعل الملجئ ففارق من هذا الوجه ما ذكرنا, كشاهدي الزور بالقتل يؤخذان به دون الحاكم لإلجائهما له إلى القتل.
فصل:
فإذا ثبت ما وصفنا فلا فرق بين الراكبين أن يستويا في القوة أو يختلفا فيكون أحدهما كبيرًا والآخر صغير, أو يكون أحدهما صحيحًا والآخر مريضًا, ولا فرق في المركوبين بين أن يتماثلا أو يختلفا فيكون أحدهما على فرس والآخر على حمار, أو يكون أحدهما على فيل والآخر على كبش ولا فرق بين أن يكونا راكبين أو راجلين أو أحدهما راكبًا والآخر ماشيًا راجلًا, ولا فرق بين أن يصطدما مستقبلين أو مستدبرين أو أحدهما مستقبلًا والآخر مستدبرًا, ولا فرق بين أن يكونا بصيرين أو أعميين, أو يكون أحدهما بصيرًا, والآخر أعمى, وإن اختلفا في صفة الضمان دون أصله, لأن الأعمى خاطئ وقد يكون البصير عامدًا, ولا فرق بين أن يقعا مستلقيين على ظهورهما أو مكبوبين على وجهه فدية المستلقي كلها على المكبوب, ودية المكبوب هدر, لأن المكبوب دافع والمستلقي مدفوع, وهذا اعتبار فاسد, لأن الاستلقاء قد يحتمل أن يكون لتقدم الوقوع والانكباب لتأخر الوقوع, ويحتمل أن يكون الاستلقاء في الوقوع لشدة صدمته كما يرفع الحجر من الحائط لشدة رميته فلم يسلم ما اعتل به.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا من صفة الاصطدام وحكمه, في ضمان النصف وسقوط النصف هدرًا فضمان الدابتين يستوي فيه العمد والخطأ, لأنه ضمن مال ويفترق في النفوس ضمان العمد والخطأ, وإذا كان كذلك صح في الاصطدام الخطأ المحض, وتكون الدية فيه على العاقلة مخففة, وصح فيه عمد الخطأ وتكون الدية فيه على العاقلة مغلطة, واختلف أصحابنا هل يصح فيه العمد المحض الموجب للقود؟ على وجهين:
стр. 6057
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي: يصح فيه العمد المحض الموجب للقود, لأن الاصطدام قاتل, وتكون الدية فيه حالة في مال الصادم دون عاقلته.
والوجه الثاني: وهو قول أبي حامد الإسفراييني أنه لا يصح فيه العمد المحض, لأنه قد يجوز أن يقتل ويجوز أن لا يقتل, وتكون الدية فيه مغلظة على عاقلة الصادم.
صفة الخطأ المحض أن يكونا أعميين أو بصيرين مستديرين: وصفة عمد الخطأ أن يكونا بصيرين مستقبلين.
وصفة العمد المحض أن يكونا مستقبلين يقصدان القتل, فإن كان أحدهما مستقبلًا والآخر مستديرًا كان المستدير خاطئًا والمستقبل عامدًا, فإن قصد القتل فهو عمد محض, وإن لم يقصده فهو عمد الخطأ, وحكمة ما قد مضى.
فصل:
وإذا كان كذلك لم يخل حال الراكبين من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكونا حرين.
والثاني: أن يكونا مملوكين.
والثالث: أن يكون أحدهما حرًا والآخر مملوكًا.
فإن كانا بالغين عاقلين فلهما خمسة أحوال:
أحدها: أن يموت الراكبين والدابتان, فيكون في مال كل واحد منهما نصف قيمة دابة صاحبه, ولا تحملها العاقلة لاختصاص العاقلة بحمل ديات الآدميين دون البهائم فيتقاص المصطدمان بما لزم كل واحد منهما لصاحبه من قيمة نصف دابته, ويتراجعان فضلًا إن كان فيه, ويجب على عاقلة كل واحد منهما نصف دية صاحبه مخففة إن كان خطأ محضً, ومغلظة إن كان عمدًا شبه الخطأ, ولا قصاص من العاقلتين فيما تحملاه من ديتهما إلا أن يكون عاقلتهما ورثتهما فيتقاصان ذلك؛ لأنه حق لهما وعليهما.
والحال الثانية: أن يموت الراكبان دون الدابتين, فيلزم عاقلة كل واحد منهما نصف دية صاحبه ولا يتقاضانها إلا أن تكون العاقلتان وارثي المصطدمتين.
والحال الثالثة: أن تموت الدابتان دون المصطدمين, فيلزم كل واحد منهما نصف قيمة دابة صاحبه في ماله ويتقاضانها.
والحال الرابعة: أن يموت أحدهما ودابته دون الآخر ودون دابته, فيضمن الحي نصف قيمة الدابة الميتة, وتضمن عاقلته نصف دية الميت.
والحال الخامسة: أن يموت أحدهما دون دابته وتموت دابة الآخر دونه فيكون نصف دية الميت على عاقلة الحي, ونصف قيمة دابة الحي في مال الميت, ولا يتقاضان قيمة الدابة من الدية, وإن كانت العاقلة وارثة, لأن الحي لا يورث, ويجيء فيها حال
стр. 6058
سادسة وسابعة قد بان حكمها بما ذكرناه, فإن كانا صغيرين, وقد ماتا ودابتاهما فلهما ثلاثة أحوال:
أحدهما: أن يركبا بأنفسهما.
والثاني: أن يركبهما وليهما.
والثالث: أن يركبهما أجنبي لا ولاية له عليهما.
فإن ركبا بأنفسهما فحكمهما في الضمان كحكم البالغ, يضمن عاقلة كل واحد منهما نصف دية الآخر, ويضمن في ماله نصف قيمة دابته, وإن أركبهما وليهما فالضمان في أموال الصغيرين وعلى عواقلهما دون الوليين, لأن للولي أن يقوم في تأديب الصغيرين بالارتياض للركوب ولا يكون به متعديًا فإنه أركبهما أجنبي لا ولاية له عليهما ضمن مركب كل واحد منهما نصف دية من أركبه ونصف دية الآخر ونصف قيمة دابته ونصف قيمة دابة الآخر, ولا يسقط شيء من دية أحدهما ولا من قيمة دابته, لأنه قد تعدى بإركابه فضمن جنايته وضمن الجناية عليه.
وإن كان أحدهما صغيرًا والآخر كبيرًا كان ما اختص بالصغير مضمونًا على ما ذكرناه إذا كانا صغيرين, وما اختص بالكبير مضمونًا على ما ذكرناه إذا كان كبيرين, وهكذا لو كان المصطدمان امرأتين حاملتين فألقت كل واحدة منهما جنينًا ميتًا لم ينهدر شي من دية الجنين, وكان على عاقلة كل واحدة منهما نصف دية جنينها, ونص دية جنين صاحبتها, لأن جنينها تلف بصدمتها وصدمة الأخرى, وجنينها مضمون عليها بالجناية لو انفردت باستهلاكه, فكذلك تضمنه إذا شاركت فيه غيرها, ولا قصاص ها هنا في الديتين بحال وإن كانا ورثة الجنين, لأن من وجبت له غير من وجبت عليه.
فصل:
وإن كان المصطدمان عبدين فماتا صار دمهما هدرًا, وسقطت قيمة كل واحد منهما, لأن كل واحد منهما سقطت نصف قيمته بصدمته ووجب نصفها في رقبة الآخر لصدمته, وسواء ماتا معًا, أو مات أحدهما بعد الآخر إذا لم يمكن بيع المتأخر منهما قبل موته, وإن كان أحد المصطدمين حرًا, والآخر عبدًا لم ينهدر من دم كل واحد منهما إلا النصف المختص بفعله, لأن العبد إذا مات وجب على الحر نصف قيمته, فانتقل العبد بعد موته إلى نصف قيمته فلم يبطل محل جنايته فوجب فيه نصف دية الحر, وأن تكون نصف قيمة العبد على قولين:
أحدهما: في مال الجاني:
والثاني: على عاقلته.
فإن قيل: إن نصف قيمة العبد في مال الجاني لا تتحمله عاقلته فقد وجب في مال
стр. 6059
الحر نصف قيمة العبد، ووجب نصف دية الحر في المستحق من نصف قيمة العبد فصار من وجب عليه نصف القيمة هو الذي وجبه له نصف الدية فيكون ذلك قصاصا، ولا يخلو ذلك من ثلاثة أحوال:
أحدهما: أن يتساوى نصف قيمة العبد ونصف دية الحر فيقع الوفاء بالقصاص.
والثاني: أن يكون نصف قيمة العبد أكثر من نصف دية الحر، فيرجع سيد العبد في تركة الحر بالفاضل من نصف قيمة عبده.
والثالث: أن يكون نصف دية الحر أكثر من نصف قيمة العبد، فيكون الفاضل من نصف الدية هدرا لبطلان محله.
وإن قيل: إن نصف قيمة العبد على عاقلة الحر فإن كان عاقلة الحر هم ورثته فقد وجب عليهم نصف قيمة العبد ووجب لهم نصف دية الحر، فيكون ذلك قصاصا، فإن فضل للسيد من نصف قيمة العبد فضل أخذه من العاقلة، وإن فضل من نصف الدية فضل كان هدرا، وإن لم يكن العاقلة ورثة الحر وكان ورثة غيرهم وجب على العاقلة لسيد العبد نصف قيمته، ووجب لورثة الحر في المستوفي من قيمة العبد نصف ديته، ولا يكون قصاصا، لأن من وجب له غير من وجب عليه، فإن استوي نصف قيمة العبد ونصف دية الحر ففي كيفية القبض والأداء وجهان محتملان:
أحدهما: يستوفي سيد العبد عن عاقلة الحر نصف القيمة ويؤديه إلى ورثة الحر في نصف الدية ليقبضها بحق ملكه ويدفعها بحق التزامه.
والوجه الثاني: أن ينتقل الحق إلى ورثة الحر، وليس لسيد العبد أن يقبضه، لأنه مستحق، وربما تلف بين قبضه وإقباضه فتلف على مستحقه، فصار ما استحقه السيد من نصف القيمة متنقلا إلى ورثة الحر بما استحقوه من نصف الدية وإن كان نصف قيمة العبد أكثر من نصف الدية أخذ سيده الفاضل من نصف قيمته بعد أن يستوفي ورثة الحر نصف ديته، وإن كان نصف الدية أكثر من نصف قيمة العبد كان الفاضل ونصف الدية هدرا، وبالله التوفيق.
فصل:
إذا جذب رجلان ثوبا بينهما فتخرق، فإن كان الثوب لهما فعلى كل واحد منهما لصاحبه ربع أرش خرقه، لأنه يملك نصف الثوب، وخرقه بفعله وفعل شريكه مسقطا ما قابل فعل شريكه فيتقاضان ذلك، لأن كل واحد منهما يجب عليه مثا ما يجب له، وإن كان الثوب لأحدهما كان نصف أرشه هدرا، لأنه مقابل لفعل مالكه، ونصف الأرش على الذي لا ملك له فيه، وإن كان الثوب لغيرهما كان على كل واحد منهما نصف أرشه لمالكه.
стр. 6060
فصل:
وإذا اصطدم رجلان بإناءين فيهما طعام فانكسر الإناءان واختلط الطعامان ضمن كل واحد منهما لصاحبه نصف قيمة إناثه، وكان نصفه الباقي هدرا، وأما الطعامان فضربان:
أحدهما: أن يكون تمييز أحدهما عن الآخر بعد اختلاط كالسويق والسكر الصحيح، فيميز كل واحد منهما طعامه من طعام صاحبه، فإن احتاج تمييزهما إلى أجرة صانع كانت بينهما، فإن كان لتمييزهما بعد اختلاطهما نقصان في قيمتهما رجع كل واحد منهما على صاحبه بنصف أرش بنقصان طعامه.
والضرب الثاني: أن لا يمكن تمييزهما بعد اختلاطهما كالسويق والعسل، فيقوم كل واحد من الطعامين على انفراده، ثم يقومان بعد الاختلاط فإن لم يكن فيهما نقصان فلا غرم وصارا شريكين فيه بتقدير الثمنين، كأن قيمة السويق خمسة دراهم وقيمة العسل عشرة دراهم فيكون صاحب الويق شركيا فيه بالثلث، وصاحب العسل شريكا فيه بالثلثين فإن باعاه اقتسما ثمنه على قدر شركتهما، وإن أراد قيمة بينهما جبرا لم يجز، لأن كل واحد منهما معاوض عن سويق بعسل، وذلك بيع لا يدخله الإجبار وإن أراد قسمة عن تراض ففي جوازه قولان:
أحدهما: يجوز إذا قيل: إن القسمة بيع بدخول التفاضل فيه، وإن نقض باختلاطهما ضمن كل واحد منهما لصاحبه نصف أرش الناقض من طعامه وتضاقا، ثم كانا في الشركة على ما ذكرناه، وبالله التوفيق.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: ((وكذلك لو رموا بالمنجنيق معا فرجع الحجر عليهم فقتل أحدهم فترفع حصته من جنايته ويغرم عاقلة الباقين باقي ديته)).
قال في الحاوي: وهذا كما قال، إذا جذب جماعة حجر منجنيق فأصابوا به رجلا فقتلوه فهو على ضربين:
أحدهما: أن يقتلوا به رجلا من غيرهم، فضمان نفسه على جميعهم وبهم في إصابته ثلاثة أحوال:
أحدهما: أن يقصدوا بحجز المنجنيق هدم جدار فيعترضه فيصيبه فهذا خطأ محض، تجب الدية على عواقلهم مخففة بينهم بالسوية، فإذا كانوا عشرة تحمل عاقلة كل واحد منهم عشر ديته.
والحال الثانية: أن يقصدوا قتله بعينه فينفقوا على اعتماده، فهؤلاء عمد على جميعهم القود.
следующие страницы →