Полный текст (7 151 стр.). Показаны 6301–6340 · переход к 6306.
стр. 6301
باب غرم السارق
مسألة: قال: أغرم السارق ما سرق.
الفصل
اعلم أنه إذا سرق عينًا يجب فيها القطع فإن كانت باقيةً ردها [٨٥/أ] بلا خلاف، وإن كانت تالفةً رد قيمتها وبه قال الحسن والنخعي وحماد وعثمان البتي والزهري والأوزاعي والليث وابن شبرمة وأحمد وإسحاق وداود وأبو ثور، وقال أبو حنيفة والثوري: لا يجمع بين القطع والغرم فإن طالب صاحبها بالغرم وغرم له سقط القطع ولو أتلفه بعد القطع لا غرم عليه أيضًا وروى الحسن بن زياد اللؤلؤي عنه: أنه لو أتلفها بعد القطع يغرم: وقال أبو يوسف ومحمد: لا يغرمها أصلًا، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لو قطع السارق فأتلف أجير المسروق لم يضمن للسارق لأنه غير مالكٍ ولا للمالك لئلا يجتمع في حقه بين القطع والغرم، وقال أيضا: لو سرق حديدا فضربه كوزًا فقطع لا يلزمه رد الكوز لأنه صار كالعين الأخرى، وقال أيضا: لو كان ثوبًا فصبغه أسود فقطع يده لم يرده لأنه صار بالسواد كالمستهلك ولا يحل له التصرف فيهما قال: ولو صبغه أحمر أو أصفر فقطع لا يرد العين أيضًا. وقال أبو يوسف ومحمد: هنا يلزمه رد العين واحتج بأنه لو رد لكان شريكًا فيها بصبغه ولا يجوز القطع فيما هو شريكٌ فيه وهذا لا يصح لأن صبغه كان قبل القطع، فلو صار شريكًا بالصبغ لسقط القطع، وإن كان يصير شريكًا بالرد فالشركة الطارئة بعد القطع لا تؤثر كما لو باعه نصفه بعدما قطع صح وصار شريكًا فيه [٨٥/ب] واحتج في سقوط الغرم بعد القطع بما روى عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن النبي ﷺ قال:" إذا قطع السارق فلا غرم عليه" ودليلنا أن العين إذا كانت قائمة بعد القطع وجب ردها ومن وجب عليه رد العين وجب عليه رد القيمة إذا أتلفها كما قبل القطع رواه سعد بن إبراهيم عن المسور عن عبد الرحمن. قال ابن المنذر: سعد بن إبراهيم مجهول، والمسور عن عبد الرحمن مرسلٌ ويحمل على الغرم الثاني الذي كان من أول الإسلام ثم نسخ. وقال مالك: يقطع بكل حالٍ، وأما الغرم يلزمه إن كان غنيًا وإن كان فقيرًا لا يلزمه ودليلنا القياس على المغصوب لا فرق فيه بين الغني والفقير، وكذلك حكم قاطع الطريق وقد قال الشافعي: لا يسقط حد الله تعالى إذا غرم ما أتلف العباد.
فرع
إذا سرق فضةً فضربها دراهم أو ذهبًا فضربه دنانير يقطع ويرد إلى صاحبه وبه قال أبو حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يرد بناءً على أصلهما أنه يسقط حق صاحبها عنها. وقد دللنا على فساد هذا الأصل.
стр. 6302
باب مالا قطع فيه
مسألة: قال: ولا قطع على من سرق من غير حرزٍ ولا في خلسةٍ ولا على عبد سرق من متاع سيده.
وقد ذكرنا حكم السرقة من غير حرزٍ وحكم المختلس، وأما العبد فلا يقطع بسرقة مال سيده. وبه قال [٨٦/أ] جماعة الفقهاء، وقال داود: يقطع بها. وهذا غلط لما روى السائب بن يزيد أن عبد الله بن عمرو الحضرمي جاء بغلام له إلى عمر ﵁ فقال له: اقطع يد هذا فإنه سرق فقال له عمر: ماذا سرق؟ فقال: سرق مرآة لامرأتي ثمنها ستون درهمًا. فقال عمر: أرسله فليس عليه قطع خادمكم سرق متاعكم، وروي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه سئل عن عبدٍ سرق قباء لعبد له فقال: مالك سرق بعضه بعضًا لا قطع عليه وهو قول ابن عباس وكأن له فيه شبهة النفقة وكذا لو سرق المكاتب من سيده لا يقطع لأنه من حكم ملكه، ولو سرق السيد من مال مكاتبه لا يقطع أيضًا؛ لأن له فيه شبهة الملك والمال متردد بينه وبين المكاتب وأما التلميذ والأجير إن سرق ما هو محرز عنه قطع ولا يقطع فيما يتبسط فيه في داره وخزانته ويكون ذلك خيانة.
مسألة: قال: ولا على زوجٍ سرق من متاع امرأته ولا على امرأةٍ سرقت من مال زوجها.
اعلم إنه إذا سرق أحد الزوجين مال صاحبه نقل المزني أنه لا يقطع واحد منهما، وقال في كتاب "اختلاف أبي حنيفة والأوزاعي": إذا سرقت المرأة من مال زوجها الذي لم يأتمنها عليه وأحرزه منها [٨٦/ب] قطعت. وقال القاضي أبو حامد: فرق الشافعي في رواية الحارث بن شريح البقال بين المرأة والزوج فأسقط عن المرأة القطع وإن كان في حرزٍ منها للشبهة التي لها في ماله ولم يسقطه عن الزوج وجملته أنه ينظر فإن كان مال واحد مختلطًا بمال الآخر، أو كان متميزًا إلا أنه غير محرز عنه فسرقه لا يقطع قولًا واحدًا وإن كان محرزًا عنه فسرقه ففيه طرقٌ: أحدها: وهو قول الأكثرين المسألة على قولين.
أحدهما: لا يقطع يد واحدٍ منهما وبه قال أبو حنيفة لأن لكل واحد منهما في مال صاحبه شبهة، أما المرأة فلما تستحقه عليه من النفقة، وأما الزوج ورد له فيه شرع
стр. 6303
متأول حتى ذهب جماعةٌ من الفقهاء إلى أن المرأة لا تتصرف في مالها إلا بإذنه وأن الزوج هو القيم عليها به ولأن كل واحدٍ منهما ينبسط في مال صاحبه فأشبه الولد مع الوالد.
والثاني: يقطع وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور واختاره المزني وهو الصحيح لأنه عقد على منفعةٍ فلا يتضمن سقوط القطع كالإجارة وأما ما ذكره القائل الأول فيبطل بالصديقين المتلاطفين فإن بينهما تبسطًا وتقطع يد كل واحدٍ منهما بمال صاحبه. والثانية: أنه تقطع يد كل واحدٍ منهما بمال صاحبه وأراد بما ذكر [٨٧/أ] في موضعٍ آخر إذا لم يكن محرزًا عن صاحبه وهذه الطريقة ضعيفة. والثالثة: قال القاضي أبو حامد: فيه ثلاث أقوالٍ على ظاهر النصوص.
فرع
قال الشافعي ﵁: ولا على عبد واحدٍ من هؤلاء سرق متاع صاحبه وأراد به أن المرأة إذا لم تقطع بمال زوجها فكذلك عبدها لا قطع بماله، وإذا لم يقطع زوجها بمالها فكذلك عنده لا يقطع لأن يد عبده يده وهذا تفريعٌ على أحد القولين والدليل على هذا خبر الحضرمي الذي ذكرنا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: يحمل أن يقال بخلافه لأن العم يدلي إلى الجد بالبنوة ويقطع وهذا خلاف النص.
مسألة: قال: ولا يقطع من سرق من مال ولده.
الفصل
لا تقطع يد الأب بسرقة مال ولده ولا ولد ولده سواء في ذلك ولد البنت وإن سفل، ولا يقطع الابن بسرقة مال أبيه ولا جده وإن علا ولا بسرقة مال أمه وجدته وإن علت، وكذلك الجد من قبل الأم وإن علا، وقال داود وأبو ثور: تقطع يد الأب والابن في السرقة، وقال قومٌ: تقطع يد الابن دون الأب كالقصاص. وهذا غلط لقوله ﷺ : "أنت ومالك لأبيك" حين قال له رجلٌ: يا رسول الله إن أبي يريد أن يأخذ من مالي كذا وكذا، وقال حباب بن فضالة لأنس بن مالك: [٨٧/ب] ما يحل لي من مال أبي؟ قال: ما طابت به نفسه، قال: فما يحل لأبي من مالي؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أنت ومالك لأبيك" وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن أعرابيًا قال: يا رسول الله إن أبي يريد أن يحتاج مالي قال: "أنت ومالك لأبيك إن أطيب ما أكلتم من كسبكم فكلوا هنئاً". وروت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "أولادكم
стр. 6304
هبة الله يهب لمن يشاء إناثًا ويهب لمن يشاء الذكور وهم وأموالهم لكم" ولأن على كل واحدٍ منهما نفقة الآخر الأحياء فلا يجب إتلافه لأجل المال. فإن قيل: لم فرقتم بين الأب والابن في القصاص وحد القذف وحد الزنا إذا وطئ جاريته وسويتم بينهما في هذا الحكم؟ قلنا: إن الأب يستحق على الابن جنس الوطء بالإعفاف وهو السبب في اتخاذ الابن فلا يجوز أن يكون سببًا لإعدامه والنفقة تراد لإحياء النفس وهما فيها سواء فصار استحقاقها شبهة لسقوط القطع عنهما، وإذا سرق من سائر الأقارب كالأخوة والأعمام وغيرهم يلزم القطع كما في الأجانب، وقال أبو حنيفة: لا قطع على من سرق من ذي رحم محرم وهذا لا يصح لأنها قرابة لا يتعلق بها رد الشهادة، ولا منع دفع الزكاة فأشبهت قرابة بني الأعمام. [٨٨/أ]
مسألة: قال: ولا قطع في طنبور.
الفصل
قال الشافعي ﵁ هنا: ولا قطع في طنبور ولا مزمار، وقال في مواضع أخر: إلا أن يبلغ قيمته ربع دينار فيقطع وهذا لأن لجميع الناس حق نقص تلك الصنعة المحرمة، فإذا لم تبلغ قيمته نصابًا إلا بالصنعة المحرمة لا يقطع، وإن كان بعد فساد الصنعة المحرمة تبلغ قيمة الواحد نصابًا ليعاد إلى الحالة الأولى ويتخذ منها الملاهي بل لأمرٍ آخر يلزمه القطع. قال أصحابنا: كذلك إذا كان عليه من الذهب والفضة ما يبلغ القطع يقطع، وقال أبو حنيفة: لا يقطع لأن عنده إذا اتصل ما فيه القطع بما ليس فيه لا يقطع، وقال في الصليب من ذهبٍ وزنه نصاب وأكثر لا قطع فيه لأنه اتخذ لأمر محرم ودليلنا أنه سرق نصابًا من ذهب من حرزٍ مثله فيلزمه القطع. وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا قطع فيهما بحالٍ لأنهما من آلات اللهو المحرم وليس لهما في الحقيقة حرز لأن كل إنسان مأمور بإفسادها ودخول حرزه ليفسدها ولأنه لا يجوز إمساكها فصار كالمال المغصوب إذا سرق من حرز الغاصب وهذا غلط لأن في المغصوب ما رضي مالكه بحرزه بخلاف هذا، وقيل: فيه ثلاثة أوجهٍ، والثالث قال ابن أبي هريرة: إن أخرجه مفصلًا يقطع لزوال المعصية وإلا فلا [٨٨/ب].
فرع
قال: ولا يقطع في خمر ولا خنزير لأنه لا قيمة لهما، ولا فرق بين أن السرقة من مسلم أو ذميٍّ، وقال عطاء: إذا سرقها من ذمي يقطع لأنهم يعدونه مالًا وهذا غلط لأنه لو سرقه من المسلم يقطع، فكذلك إذا سرقها من الذمي كالدم وهكذا الخلاف معه في الصليب إذا كانت قيمته نصابًا لتأليفه.
стр. 6305
فرع آخر
لو كانت الصرة في كمه فبط الكم وأخذها يقطع خلافًا لأبي حنيفة، وإن كان مشدودًا في كمه فسرقه سارقٌ يقطع سواء كان شده خارج الكم أو داخل الكم، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: إن جعله من داخل إلى برا وشده قطع وإن جعله من برًا إلى داخل وشده لم يقطع وهذا بعيد وبالعكس أولى.
فرع آخر
لو سرق مالًا مشتركًا بينه وبين غيره لا يقطع قلت الشركة أو كثرت وإن بلغ نصيب المسروق نصابًا أو نصبًا كثيرةً لأن ثبوت الشركة أقوى بالشبهة، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان: أحدهما: هذا، والثاني: يقطع لأنه لا شبهة له في مال شريكه.
فرع آخر
قال هذا القائل: إذا قلنا: تقطع يده في المال المشترك نظر فإن كان المال متساوي الأجزاء بحيث يجبر الشريك على قسمته بالقرعة كالدراهم والحنطة فيه وجهان: أحدهما: أنه إذا كان [٨٩/أ] الدينار بينهما نصفين فسرق نصف دينار قطع لأنا نتحقق أن ربع الدينار ملك شريكه خاصةً، والثاني: لا يقطع بهذا ولكن يجمع حقه فيما سرق فإن كان المشترك دينارين لم يقطع إلا بأن سرق دينارًا وربعًا، ولا يقطع إذا سرق دينارًا، لأن الدينار حقه والدنانير بينهما متماثلة الأجزاء ولهذا إذا امتنع أحد الشريكين عن القسمة فللأخر أن يأخذ نصيب نفسه، فأما إذا كان المال المشترك غير متساوي الأجزاء كالثياب ونحوها فإنه يقطع وجهًا واحدًا إذا سرق ما يساوي نصف دينار، والفرق أن هناك المال متساوي الأجزاء فإذا أخذ دينارًا فله في جملة المال دينار فجعله كأنه أخذ نصيب نفسه وهناك المال متقارب الأجزاء فلا يجوز له بحال أن يأخذ منه شيئًا إلا بإذن الشريك، فإذا سرق ما يساوي دينارًا جعل سارقًا لربع دينار فقطع.
فرع آخر
لو شهد أحدهما بسرقة وقال: قيمته كان نصابًا، وقال الآخر: أقل من نصاب لا يلزم القطع ويؤخذ في المال بالأكثر ويحلف مع الشاهد بالأكثر ويأخذ، وإن رضي بأقل القيمتين يأخذها من غير يمين.
فرع آخر
لو شهد شاهدان بأنه نصاب والآخر بأنه دون النصاب لا يقطع ويؤخذ في الغرم بالأقل [٨٩/ب] وقال أبو حنيفة: يؤخذ بالأكثر في الغرم ووافقنا في القطع.
فرع آخر
لو قعد الرجل في بيته أو حانوته وفتح الباب وأذن في الدخول عليه للتجارة فدخل داخل وسرق شيئًا متغفلًا لا يقطع، لأنه دخل بالإذن فأخذه خيانةً لا سرقة ًكرجلين سرقا بيتًا فسرق أحدهما من صاحبه لم يقطع، وذكر بعض أصحابنا بخراسان أنه يقطع
стр. 6306
وإن لم يأذن للناس في الدخول عليه وجلس فيه حافظًا مراقبًا فدخل داخلٌ على غفلةٍ منه وسرق قطع.
فرع آخر
لو كان صاحب البيت نائمًا في هذه المسألة فدخل داخل على غفلةٍ منه وسرق بعض ما هو موضوع حوله فيه وجهان: أحدهما: يقطع لأن المكان ملكه وهو فيه، وقد جرت العادة بأن ينام صاحب الدار ساعة وساعتين والباب مفتوح، والثاني: لا يقطع أن الموضع وإن كان ملكه والباب مفتوح والنائم كالغائب، ولو وضع ساعةً في بيت مفتوح وغاب فسرق لم يقطع كذلك هنا.
فرع آخر
لو قعد في السوق أو في المسجد وهناك كثرة الناس المارة فالصحيح أنه كما لو أذن في دخول بيته فلا قطع لأن المكان مشترك بينه وبين غيره، وفيه وجه آخر يقطع ولو كان مثل هذا في الصحراء فجلس ينظر إلى الشيء وهو موضوع يديه فتغفله السارق وأخذه قطع لأن الناس يقلون هناك، والغالب أنه لا يدنو منه أحد إلا وهو يشعر به [٩٠/أ] ولو نام والشيء موضوع بين يديه لا يكون محرزًا لا في المسجد ولا في السوق كما في الصحراء، وهكذا لو خلع نعليه أو خفيه في موضع.
فرع آخر
لو نصب الصباغ أو القصار شيئًا على باب حانوته وألقى عليه الثياب فلذلك حرز يقطع فيه ذكره أصحابنا.
فرع آخر
لو سرق من الغنيمة واحد من الغانمين بعد إخراج الخمس منها فحكمه حكم السارق من المال المشترك على ما ذكرنا، وروي عن عليّ ﵁ أنه أتى برجل سرق مغفر حديد من الخمس فقال: ليس عليك قطع هو خائن وله نصيب، وروي في معناه خبر مرسل عن النبي ﷺ .
فرع آخر
لو سرق صبي وبالغ أو والد وأجنبي من مال الولد، قطع البالغ والأجنبي خلافًا لأبي حنيفة رحمه الله تعالى.
стр. 6307
كتاب قطاع الطريق
قال الشافعي ﵁: روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال في قطاع الطريق: إذا قتلوا وأخذوا المال قُتلوا.
الفصل
الأصل في حد قطاع الطريق الكتاب والسنة والإجماع، أمال الكتاب فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ الآية [المائدة: ٣٣ [، هذه الآية وردت في قطاع الطريق من المسلمين وبه قال أكثر العلماء، وروي عن ابن عباس ﵄ [٩٠/ب] أنه قال: وردت في المسلمين وأراد به إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلافٍ، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالًا نفوا من الأرض فإن هرب وأعجزهم فذلك نفيه وبه قال قتادة وسعيد بن جبير والنخعي، وروي عن ابن عمر ﵄ أنه قال: نزلت هذه الآية في المرتدين والعرنيين حين ارتدوا عن الإسلام وقتلوا الرعاة وتمام قصتهم ما روى أنس بن مالك ﵁ أن رهطًا من عكل وعرينه أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله إنَّا أناس من أهل ضوع ولم نكن من أهل ريف فاستوخما المدينة، فأمر لهم رسول الله ﷺ بذود وزاد وأمرهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من أبوالها وألبانها وروي: فأمر لهم بلقاح فانطلقوا حتى إذا كانوا ناحية الحرة قتلوا راعي رسول الله ﷺ واستاقوا الذود وكفروا بعد إسلامهم فبعث النبي ﷺ في طلبهم فأمر بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم وتركهم في ناحية الحرة حتى ماتوا، وروي أنهم لما صبحوا قتلوا راعي رسول الله ﷺ واستاقوا النعم فأرسل في آثارهم فما ارتفع النهار حتى جيء بهم [٩١/أ] ففعل بهم ما ذكرنا والقوا في الحرة يستقون فلا يسقون حتى ماتوا فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه عطشًا، وروي فاجتووا المدينة معناه عافوا المقام بالمدينة وأصابهم بها الجى في بطونهم، واللقاح: ذوات الدر من الإبل واحدتها لقحة وقوله: سمر أعينهم، يريد أنهم كحلهم بمسامير محماة والمشهور من الرواية سمل باللام أي: فقأ أعينهم، والقافة: جميع القائف وهو الذي يتبع الأثر ويطلب الضال والهارب وقوله: يكدم الأرض أي يتناولها بفيه ويعضها بأسنانه وأصل الكدم العض، وقال الحسن البصري: هذه الآية وردت في الكفار دون المسلمين لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ
стр. 6308
يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾] المائدة: ٣٣] وهذه صفة الكفار، وقال قومٌ: وردت في المعاهدين دون المسلمين وبهذا قال أنس أيضًا، وقال قومٌ: وردت في المعاهدين نقضوا العهد وفعلوا ذلك، وروي هذا ابن عباس في رواية شاذة، ودليلنا أن الله تعالى قال من بعد هذه الآية: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] ولو كان المراد به الكفار لكانت التوبة تسقط عنهم القتل سواء كان قبل القدرة أو بعدها، وأما قوله ﴿يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يحاربون المسلمين الذين هم حزب الله وحزب رسوله فأضيف ذلك إلى الله تعالى وإلى رسوله ﷺ إذ كان هذا الفعل بالخلاف لأمرهما راجعًا [٩١/ب] إلى مخالفتها وهذا كقوله ﷺ : "من آذى وليًا فقد بارزني بالمحاربة" وقيل: المحاربة قد تكون من المسلمين بارتكاب المعاصي قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩] قال ابن سرين: ما فعل رسول الله ﷺ بالعرنيين قبل أن تنزل الحدود، وقال أبو الزناد: لما فعل رسول الله ﷺ بهم ذلك أنزل الله تعالى الحدود ووعظه ونهاه عن المثلة، وقال قتادة: بلغنا أنه كان ﷺ بعد ذلك يحث في خطبته على الصدقة وينهي عن المثلة، وأما السنَّة فما ذكرناه.
وأما الإجماع فلا خلاف بين المسلمين في أصل حدهم.
فإذا تقرر هذا قال الشافعي ﵁ بقول ابن عباس: أقول والمحاربون هم قطاع الطريق الذين يعترضون القوم بالسلاح في الصحاري والطرق فيغتصبون المال مجاهرةً، وأحكامهم على الترتيب فإن أخافوا السبيل ولم يأخذوا المال ولم يقتلوا يأخذهم الإمام ويعزرهم بأن يحبسوا في أرضٍ غير التي أفسدوا فيها ومن الناس من قال: يحسبون في الأرض التي أفسدوا فيها، قال ابن سريج: وهذا ضعيف، لأن الحبس في بلد الغربة أحوط وأبلغ في الردع والزجر كما ينفي الزاني عن بلده [٩٢/أ] ردعًا وتغليظًا وإن قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا قتلًا متحتمًا لا يدخله العفو ويكون ذلك في معنى القصاص ومعنى الحد من جهة الإمام. وقال عمر ﵁: الولي إذا عفا عن القصاص في المحاربة لا يصح عفوه، وإن أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف حتمًا، وإن جمعوا بين الأمرين فقتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا فإن لم يقدر الإمام عليهم طلبهم أبدًا حتى إذا وقعوا في يد الإمام استوفى منهم الحد وهذا معنى قوله تعالى: ﴿أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] وهو قول ابن عباسٍ وحماد والليث وقتادة وأبي مجلز وأحمد وإسحاق ومحمد وهذه العقوبات عندنا على الترتيب لا على التخيير، وقال عمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير: نفيهم إلى إخراجهم من مدينة إلى أخرى، وقال أنس والحسن: نفيهم إبعادهم من بلاد الإسلام إلى بلاد الشرك. وقال أبو حنيفة: إذا جمعوا بين القتل وأخذ المال فالإمام مخير فيهم
стр. 6309
بين ثلاثة أشياء أن يقتلهم فقط، أو يقطع أيديهم وأرجلهم ويقتلهم، أو يقتلهم ويصلبهم قال: والنفي من الأرض أن يحسبوا وعندنا لا يتخير الإمام الحدود بحالٍ قياسًا على سائر الحدود ولا يجوز أن يجمع بين القتل والقطع وخرّج ابن سلمة من أصحابنا قولًا آخر أنه إذا قتل وأخذ المال يقطع [٩٢/ب] للمال ويقتل للقتل ويصلب للجمع بينهما وليس بشيء.
وقال مالك: الآية مرتبة على صفات قطاع الطريق فإن شهروا حد السلاح وأخافوا السبيل ولم يفعل غير ذلك فإن كان من أهل الرأي والتدبير قتل، وإن كان من أهل البطش والقتل قطعت يده ورجله من خلافٍ، وإن كان مهينًا لا رأي له ولا بطش نفي المسيب وعطاء ومجاهد والحسن والنخعي والضحاك وداود: الآية على التخيير فإذا شهروا السلاح وقطعوا الطريق فالإمام مخير فيهم بين القتل والصلب والقطع سواء قتلوا أو لم يقتلوا، واحتجوا بأن كلمة لو تقتضي التخيير كقوله تعالى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩ [.
ودليلنا قوله ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاثٍ" الخبر ولم يوجد ممن أظهر السلاح وأخاف السبيل واحد منها، وأما الآية قلنا: روينا عن ابن عباس ﵁ أنه قال: هي على الترتيب، فإما أن يكون ما قاله توقيفًا أو لغةً وأيهما كان وجب المصير إليه والذي يدل عليه أنه بدأ بالأغلظ فالأغلظ وهو عرف القرآن فيما أريد به الترتيب وما يراد به التخيير يبدأ بالأخف كما قال في كفارة اليمين ﴿فًكَفارَتُهُإِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [٩٣/أ] ثم قال: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وبدأ في كفارة الظهار والقتل بالعتق، ولأنا إذا حملنا الآية على الترتيب بكل لفظة فائدة جديدة وفيه تنزيل العقوبات على منازل الجنايات والإجرام وكان أولى ولا تعليق الأحكام على الأفعال أو من تعليقها على الأوصاف لأن العقوبات تتعلق بالأفعال لا بالأوصاف ولهذا اختلف حكم الزاني والسارق والقاذف وهذا لئلا يؤدي الحد أن يعاقب من قبل جرمه بأغلظ العقوبات، ومن كثر جرمه بأخف العقوبات.
فرع
إذا قتل في قطع الطريق قد ذكرنا بأنه يقتل حتمًا ولا يجوز للولي أن يصالح عنه على مال، وقال بعض العلماء: للولي العفو والمصالحة على مالٍ. وهذا غلط لما ذكرنا ولأن الله تعالى قال: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ [المائدة: ٣٣] فأوجب القتل وحتمه ولأن كل معصيةٍ وجبت بها عقوبة في غير المحاربة وجبت بها زيادة عقوبة عند المحاربة كأخذ المال ولا زيادة هنا إلا باقتحام.
стр. 6310
فرع آخر
هل يعتبر فيه التكافؤ أم لا؟ قولان أحدهما: لا يعتبر فيقتل العبد والذمي والابن لأنه محض حق الله تعالى لا يدخله العفو فأشبه حد الزنا، والثاني: وهو الأصح يعتبر فيه التكافؤ لأنه قَوَد ولكنه انحتم في المحاربة تغليظًا في المحاربة تغليظًا كالقطع المعلق بأخذ المال يعتبر فيه النصاب في المحاربة كما يعتبر [٩٣/ب] في غير المحاربة، وإن كان في المحاربة أغلظ يضم إليه قطع الرجل.
فرع آخر
إذا قتل دفع إلى أهله ليغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن، وقال أبو حنيفة: لا يغسل ولا يصلى عليه كما قال في الباغي.
فرع آخر
قد ذكرنا أنه يعتبر النصاب في القطع قولًا واحدًا ويكفي ربع دينار لوجوب قطع اليد والرجل، وقال ابن خيران: هل يعتبر في النصاب؟ قولان أيضًا كما قلنا في التكافؤ وكلام ابن أبي هريرة يدل على أنه لا يعتبر فيه النصاب كالاستخفاء لا يعتبر، وإن اعتبر في السرقة وهذا لا يصح والفرق بينه وبين التكافؤ أن القطع يستحق بجهة واحدة وهو لله تعالى في المحاربة وغيرها فلم يختلف القدر أي يستحق به القطع في الموضعين، وفي القتل تختلف الجهة لأن المستحق به أيضًا، وقال صاحب (الحاوي): عندي أن النصاب يعتبر إذا انفرد بأخذه فلا يقطع إلا في ربع دينار ولا يعتبر إذا اقترن بالقتل ويصلب، يعتبر إذا انفرد بأخذه فلا يقطع إلا في ربع دينار ولا يعتبر إذا اقترن بالقتل ويصلب، وإن أخذ أقل من ربع دينار لأنه إذا انفرد بأخذ المال صار مقصودًا فاعتبر فيه شرط القطع في أخذ النصاب لأنه لا يستحق فيه القطع ولأن القطع في المحاربة [٩٤/أ] يغلظ بقطع الرجل فلم يغلظ بإسقاط النصاب.
فرع آخر
لا فرق بين أن يأخذ ربع دينارٍ أو جماعة كما لو سرق ربع دينار من مالكين من حرزٍ واحدٍ.
فرع آخر
قال الماسرجسي: ويعتبر فيه الحرز فإن أخذ جملًا في الطريق ضالًا عن صاحبه ليس معه حافظٌ أو يرعى في موضعٍ بقرب القافلة إلا أنه ليس معه في الموضع حافظ، ولا هو محفوظ بأهل القافلة لانقطاعه منهم فإنهم لا يقطعون، وقال في (الحاوي) إن كان المال مع مالكه أو بحيث يراه المالك ويقدر على دفع من ليس بمكابر ٍكان في حكم المحرز، وإن لم يكن في يد المالك جرى في المحاربة حكم الصلب إذا انضم
стр. 6311
إلى القتل. وفي خبر كان حكم لا قطع عليه إذا انفرد عن القتل وجهان: أحدهما: يقطع ولا يعتبر فيه الحرز لأن الإحراز لا يؤثر مع القاهر الغالب، والثاني: لا يقطع ويعتبره فيه الحرز مبذولٌ ولأن قطع المحاربة غلظ من وجهٍ لا يغلظ بغيره.
فرع آخر
يبدأ بقطع يده ثم رجله ثم يحسمان لأن قطعهما حد واحد، وقال في الكتاب، تقطع يده وتحسم ثم تقطع رجله وتحسم في مكانٍ واحدٍ، ومن أصحابنا من قال: إن خيف على نفسه من القطع الأول حسمت قبل القطع الثاني، وإن كفى ذلك قطع الثاني ثم حسمًا معًا. [٩٤/ب]
فرع آخر
قال في "الإملاء": لو أخذ المال في المحاربة، ولو أخذ الطرفين من اليد اليمنى أو الرجل اليسرى قطعنا الموجود ولم يقطع غيره لأن هذين العضوين في حكم هذا القطع كعضو واحد، ولو كان بعض الأصابع في السرقة موجود قطع ولم يعدل إلى غيره كذلك هنا، وقال في (الحاوي): فيه وجهان: أحدهما: ما ذكرنا ذكره أبو حامد، والثاني: وهو الأصح عندي يكون الموجود تبعًا للمفقود ويصيران معًا كالمفقودين فيعدل إلى يده اليسرى ورجله اليمنى لأن قطع كل طرفٍ منهما مقصود في نفسه وليس أحدهما في أصل الخلقة من الآخر بخلاف الأصابع التي هي من خلقة الكف فافترقا.
فرع آخر
تعتبر قيمته في موضع الأخذ إن جرت العادة فيه بالبيع والشراء، وإن لم تجر العادة بذلك يعتبر قيمته في أقرب المواضع إليه الذي يوجد فيه البيع والشراء ولا يعتبر قيمته عند استسلام الناس لأخذ أموالهم بالقهر لأنه لا قيمة له في تلك الحالة وهو نقصٌ تجدد بمعصيتهم فلم ... به غرمهم ويعتبر قيمته في الأغلب من أحوال السلامة.
فرع آخر
تقام عليهم الحدود في الموضع الذي حاربوا فيه إذا شاهدوهم فيه من يرتدع بهم من غواة الناس فإن كانت محاربتهم في مفازةٍ نقلوا إلى أقرب البلاد بهم من الأمصار التي يكثر فيها الفساد [٩٥/أ] ولا يؤخر قتلهم إلا قدر استبراء أحوالهم.
فرع آخر
لو قطع الوالي يده اليمنى ورجله اليمنى فقد تعدى ويلزمه القود في رجله اليمنى إن عمد وديتها إن أخطأ، ولا يسقط به قطع رجله اليسرى، ولو قطع في يده اليسرى ورجله اليمنى فقد أساء ولا يضمن، ووقع موقع الأجزاء، والفرق أن قطعهما من خلاف نص
стр. 6312
يوجب مخالفته الضمان وتقديم اليمنى على اليسرى في المحاربة اجتهاد فسقط بمخالفته الضمان ذكره في (الحاوي).
فرع آخر
لا يشهر بعد قطعه لأنه زيادة نكالٍ بعد الحد إلا أن يرى الإمام أن قطعه لم يشهر في أهل الفساد فلا بأس أن يشهره قدر ما يشتهر فيهم حاله ويخليه لينصرف لنفسه أين شاء ويدفن المقطع، إلا أن يرى الإمام اشتهار الأطراف ليرتدع بها الناس فلا بأس به، فإن التمس المقطع أطرافه كان أحق بها ليتولى دفنها فإن أراد استبقاءها لتدفن معه إذا مات منع.
فرع آخر
قد ذكرنا إن لم يقتل ولم يأخذ المال يعزر وهل يعين جنس تعزيزه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يتعين ويعزره بما يراه من ضرب أو حبس أو نفي وعلى هذا لو رأى الإمام ترك تعزيره جاز، والثاني: تعزيره يعيّن بالحبس لأنه أكف له عن أذية الناس اقتداءً بعمر ﵁ وعلى هذا لو رأى الإمام ترك تعزيره لم يجز إلا أن يظهر توبته.
فرع آخر
إذا قلنا: يتعين الحبس قال في (الحاوي): هل يحبس في بلده [٩٥/ب] أو في غيره؟ وجهان: أحدهما: يحبس في بلده لأن الحبس مانع وبه قال أبو حنيفة، والثاني: يحبس في غير بلده قال ابن سريج: يشبه أن يكون هذا مذهب مالك رحمه الله تعالى ليكون أذل وأوحش.
فرع آخر
هل يتقدر هذا الحبس؟ وجهان: أحدهما: لا يتقدر بل يعتبر فيه ظهور التوبة، والثاني: يتقدر لأنه أقيم في المحاربة مقام الحد.
فرع آخر
إذا قلنا: يتقدر فيه وجهان: أحدهما: قاله الزبيري: يتقدر بستة أشهرٍ ينقص منها ولا يزاد عليها لئلا يزيد على تغريب الزنا في حق العبد، والثاني: وهو ظاهر قول ابن سريج: بسنةٍ ينقص منها ولا يزاد عليها لئلا يزيد على تغريب الحر في حد الزنا وينقص منها ولو بيوم لئلا يبلغ ما ليس بحدِّ حدّاً.
فرع آخر
إذا قتل وأخذ المال ذكرنا أنه يقتل ويصلب القتل على ما ذكرنا، وأما الصلب قال
стр. 6313
الشافعي: يصلب بعد القتل ثلاثًا وإنما قتله ثم صلبه كراهية تعذيبه، وحكي أبو حامد عن بعض أصحابنا: أنه يصلب حيًا ويمنع عنه الطعام والشراب حتى يموت وهذا لا يصح لأنه تعذيبٌ وسوء قتل ونهي رسول الله ﷺ عن تعذيب الحيوان والصلب بعد القتل ليرتدع به غيره، ومن أصحابنا من قال: يصلب قليلًا على حسب اجتهاد الإمام ثم يهبطه، وقال بعض أصحابنا بخراسان: يصلب حيًا ثم يرمى حتى يكون التنكيل أشد. [٩٦/أ]
فرع آخر
نص الشافعي ﵁ أن يصلب على خشبة، وقال ابن أبي هريرة: يطرح على الأرض يسيل صديده وهذا لا يصح لأنه لا يترك حتى يتغير بل يدفع إلى أهله حتى يغسلوه على ما ذكرنا، وقال بعض أصحابنا: قول الشافعي يصلب ثلاثًا أراد به في البلاد الباردة التي يمكن أن يترك فيها ثلاثة أيامٍ، فأما البلاد الحارة فلا يترك أكثر مما لو زاد عليه تغير وفسد به قال صاحب "التلخيص" والماسرجسي، وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل ينزل من الصلب بعد الثلاث؟ قولان: أحدهما: لا ينزل لأن الصلب سمي به لأن صليب المصلوب تتقاطر عليه، والثاني: ينزل للضرر بالناس فإذا قلنا بهذا فإن خيف التغير قبل الثلاث هل ينزل؟ وجهان: أحدهما: لا ينزل لأن التنكيل لا يجعل بدون الثلاث، والثاني: ينزل للضرر، وقال بعضهم: إذا قلنا لا ينزل بعد ثلاثةٍ يغسل ويصلى عليه ثم يصلب في موضعٍ لا يتأذى به الناس، وعن أبي يوسف روايتان: إحداهما: مثل قولنا، والثانية: يصلب حيًا ثلاثًا ثم يبعج بطنه بالرمي أو يرمى بالسهام ويروى هذا عن أبي حنيفة حكاه الكرخي، وبه قال مالك رحمهما الله.
فرع آخر
لو مات حتف أنفه روى الحارث بن شريح البقال عن الشافعي أنه لا يصلب بعد موته والفرق أن قتله حد يستوفى [٩٦/ب] فيكمل بصلبه وموته مسقطٌ لحده فسقط تابعه وهذا اختيار أبي حامد، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان: أحدهما: هذا، والثاني: يصلب بعد موته ليرتده به غيره ولأنهما حقان فإن تعذر أحدهما لم يسقط الآخر وهذا اختيار القاضي الطبري ولكنه خلاف النص.
فرع آخر
لو قتل أو جرح خطأً أو شبه عمدٍ في قطع الطريق لا قصاص فيه، ولو أخاف رجلًا في قطع الطريق أو جرحه جرحًا لا قصاص فيه ولا قود.
مسألة: قال: وأَرَاهُمْ فِي المِصْرِ إِنْ لَمْ يَكُونُوا أَعْظَمَ ذَنْبًا فَحُدُودُهُمْ وَاحِدَةٌ.
حكم قطاع الطريق في الحضر والسفر سواءٌ وهذا إذا خرجت جماعة بالسلاح على
стр. 6314
واحدٍ أو جماعةٍ لا يقدر أن يمنع منهم لضعفهم فقتلهم، أو خرجت جماعةٌ على جماعةٍ يجوز أن يقاومهم مجاهرةً بالسلاح حتى غلبوهم وأخذ أموالهم وقتلوا نفوسهم، فأما إذا خرج عدد قليل مثل الواحد والاثنين والثلاثة على أخذ قافلة الحاج فاستلبوا منها شيئًا فليسوا بقطاع الطريق وإنما ذلك بمنزلة الاختلاس وبه قال الأوزاعي والليث وأبو ثور وأبو يوسف، وقال أبو حنيفة: لا يتعلق بهم حكم قطاع الطريق حتى يبعدوا عن المصر فإن غلبوا على قريةٍ أو بليدةٍ صغيرةٍ أو كانوا بين قريتين كما بين الكوفة والحيرة فلا يتعلق بهم حكم قطاع الطريق لأنهم يلحقهم الغوث [٩٧/أ] وبه قال الثوري وإسحاق وعن مالك روايتان: إحداهما: مثل قولنا، والثانية: لا يتعلق بهم حكم قطاع الطريق حتى يبتعدوا عن المصر ثلاثة أميالٍ وتوقف أحمد في ذلك وهذا لا يصح لأن شوكتهم إذا كانت قوية وبين القريتين خمسة فراسخ أو دون ذلك يكاد يلحقهم الغوث وقد يقصد أهل المصر من العيارين لا من يقدر أهلها على دفعهم على أنفسهم ممن يلحقهم الغوث حتى لو جاء عدد يسير واستنزلوا في البلد واستخفوا في الليل في المواضع المنقطعة وقطعوا الطريق يكون عندنا بمنزلة الاختلاس.
فإن قيل: ما الفرق بينهم وبين المختلس لا يجب القطع عليه ويجب عليهم؟ قلنا: المختلس لا يرجع إلى منعةٍ وعددٍ وقوةٍ وهذا المكابر المجاهر يرجع إلى قوةٍ ومنعةٍ لا يقدر أن يدفعه عن نفسه.
فرع
قال القفال: والمكابر بالليل قاطعٌ فيلزمه القطع وهو أن يهجم قومٌ على بيت رجل بالمشاعل والمصابيح ويخوّفوه بالقتل إذا صاح واستغاث وأخذوا المال، وقال غيره: ليسوا قطاع الطريق لأنهم يرجعون إلى الخفية ولا يجاهرون بل يبادرون مخافة أن يشعر بهم وهذا أصح وهو ظاهر نص الشافعي ﵁.
مسألة: قال في (الحاوي): [٩٧/ب] إذا كان المصر كبيرًا وهؤلاء لا يقاومون جميع أهلها يجري عليهم في أطرافها حكم المحاربة، فأما في وسط المصر في الموضع الذي يكثر الناس فيه من السوق إذا كبسوا سوقًا منها فنهبوها، أو دارًا فأخذوا ما فيها ففيه وجهان، قال الأكثرون: يجري عليهم حكم المحاربة لأنهم تغلبوا بالسلاح جهارًا وحد الحراب أن لا يقدر على دفعهم المحارب وقد وجد، وقال أبو حامد: لا يجري عليهم حكم الحراب لوجود الغوث فيه غالبًا فسقط حكم مبادره.
فرع
إذا اعترضوا بالعصي أو الرمي بالحجارة فهم محاربون وبه قال أبو ثور، وقال أبو حنيفة: ليسوا بمحاربين لأنه لا سلاح معهم وهذا لا يصح لأن العصي والحجارة من
стр. 6315
جملة السلام الذي يأتي على النفس والطرف فأشبه الحديد.
مسألة: قال: من حضر منهم فكثر أو هيب أو كان ردءًا عزر.
المحاربون إذا اختلفت أحكامهم بأن يقتل بعضهم ولم يأخذ المال وقتل بعضهم وأخذ المال وأخذ بعضهم المال ولم يقتل يلزم كل واحد من العقوبة بقدر ما فعله من الجرم، ويعتبر كل واحدٍ بحال نفسه دون غيره كما نقول في الزنا وشرب الخمر، وأما من حضر منهم فكثر أو هيّب أو كان ردءًا لهم بكونه طليعةً أو سائسًا لم يلزمه القتل ولا القطع وإن وجب القتل [٩٨/أ] والقطع على رفاقهم ويعزرون ويحبسون وذلك عقوبة كافية لمقدار ذنبهم، وقال أبو حنيفة: القتل والقطع إذا وجب على واحدٍ منهم وجب على جميعهم القتل والقطع ويشترط أن يخص كل واحدٍ منهم نصابٌ نام فإن نقص فلا قطع عليهم كما قال في جماعةٍ سرقوا وبعضهم ردءٌ فجعل كثرتهم سببًا لسقوط الحد عن المباشر الذي لو انفرد قطع فقال: إذا كانوا عشرةً فأخذ واحدٌ تسعة دنانير ونص دينار لا قطع على أحدٍ، وقال مال: يجب الحد على الردء ولا يشترط ما قال أبو حنيفة ودليلنا أنه حد يجب بارتكاب معصيةٍ فلا يجب على المعين كسائر الحدود.
فرع
قال الشافعي ﵁: وإذا كانت في المحاربين امرأة فحكمها حكم الرجل لأني وجدت أحكام الله تعالى على الرجال والنساء واحدةٌ في الحدود، وقال أبو حنيفة ﵀: لا حد عليها ويلزمها القصاص بالقتل وضمان المال وهذا لا يصح لما ذكرناه ولأن من لزمه الحد في السرقة لزمه الحد في قطع الطريق كالرجل، وعلى هذا الخلاف النساء المنفردات إذا قطعت الطريق يلزمهن حكم قطاع الطريق خلافًا لأبي حنيفة حتى قال: لو كان في ألف نفرٍ امرأةٌ أو صبي مراهق لا حد على أحدهم لأنها ردء لهم، فإذا لم تكن من أهل المحاربة لم يحد أصحابها وهذا تطرف إلى إسقاط هذا الحد أصلًا إذ لا يعجزون [٩٨/ب] أن يستصحبوا صبيًا أو امرأةً في قطع الطريق أو السرقة حتى يسقط الحد عن كلهم وهذا ظاهر الفساد.
مسألة: قال: ومن قتل وجرح اقتص لصاحب الجرح أولًا ثم قتل.
إذا جني في المحاربة فإن كانت الجناية قتلًا فقد ذكرنا أنه يتحتم قتله، وإن كانت الجناية دون القتل مثل القطع فإن كان مما لا قصاص فيه كالقطع من نصف الذراع والمأمومة فلا قصاص في المحاربة أيضًا، وإن كان مما لا قصاص فيه كالقطع من نصف الذراع والمأمومة فلا قصاص في المحاربة أيضًا، وإن كان مما فيه قصاص كقطع اليد والرجل والموضحة وجب القصاص وهل يتحتم أم لا؟ نص الشافعي هنا أنه لا يتحتم، وقال في موضع آخر: يتحتم ففيه قولان: أحدهما: يتحتم لأن كل قصاص كان على التخيير في غير المحاربة كقصاص النفس، والثاني: لا يتحتم ويسقط بالعفو إلى مالٍ وغير مالٍ
стр. 6316
وهو الأصح. وقال القاضي الطبري: لا يعرف للشافعي إلا هذا لأن الله تعالى نص على انحتام القتل ولم يذكر ما دونه من الجراح فبقي على أصل التخيير ولا يجوز القياس على النفس لأن النفس خصت بأحكام لا يشاركها الجراح ولهذا وجبت الكفارة في القتل دون الجراح والتحتم حق الله تعالى كالكفارة، وكان أبو منصور ابن مهران يفرق بين النفس والطرف بأن المقصود من قطع الطريق شيئان: أحدهما: أخذ المال فجعل فيه عقوبة متحتمة وهي القتل المتحتم الذي لا يسقط بعفو الولي وأما الجراح فليس بمقصود في نفسه فإن أحدًا [٩٩/أ] لا يقصد قطع الطريق ليجرح فلم يجعل فيه عقوبة متحتمة وبقي على أصل التخيير.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا قطع اليد والرجل يتحتم القصاص قولًا واحدًا لأنه قطع يعاقب به قاطع الطريق.
فإن كان غير ذلك مثل قطع الأذن والأنف هل يتحتم القصاص؟ فيه وجهان لأنه لم يشرع حدًا في قطع الطريق وهذا غلط ظاهر، وإن كانت الجناية مما يوجب المال كالجائفة لا يتحتم أخذ المال ويجوز العفو بلا إشكالٍ، وكذلك في النفس إذا وجب المال، فإذا تقرر هذا فإذا قطع المحارب اليد اليمنى والرجل اليسرى وأخذ المال فوجب به قطع يده اليمنى ورجله اليسرى فإن قلنا: قطعه في القصاص لا يتحتم، قدّم القصاص ويتخير وليه بين القصاص وبين العفو فإن عفا قطع للمال، وإن لم يعفُ عنه قطع قصاصًا وسقط القطع سواءٌ تقدم استحقاقه أو تأخر لأن قطع المال ورد على طرفٍ يجوز أن يقطع فيه إذ لم يتحتم أخذه من غيره فلم يجز أن يعدل فيه إلى غيره، وإن قلنا: قطعه في القصاص يتحتم روعي الأسبق فإن تقدم قطع المال على قطع القصاص قطع قصاصًا وسقط قطع المال بتقديم حق الآدمي على حق الله تعالى فيه لاستغناء الله ، وإن تقدم قطع القصاص على قطع المال قطع قصاصًا ولم يسقط قطع المال بل يعدل إلى قطع يده اليسرى ورجله اليمنى كمن أخذ المال وليس له اليد اليمنى [٩٩/ب] والرجل اليسرى لأن استحقاق القصاص فيها ختم فصار كعدمها، ولو تقدم استحقاق قطعهما للمال لم يعدل فيه إلى غيرهما لأنه ما وجب ابتداءً إلا فيهما، ولو قطع المحارب اليمنى ثم أخذ المال قطعت يمناه قصاصًا وهل يجب في قطع المال أن يقتصر على رجله اليسرى؟ وجهان ذكرناهما وعلى ما ذكرنا لو قطع يد رجلٍ في المحاربة ثم قتل تقدم القطع قصاصًا ثم يقتل لأن في تقديمه جمعًا بين الحقين ولو قطع يده في غير المحاربة ثم قتله في المحاربة فالحكم كذلك ولو قطع يده اليسرى ورجله اليمنى وأخذ المال تقطع أطرافه الأربعة اثنان قصاصًا، واثنان حدًا ولا يوالي بل يقطع اثنان قصاصًا ويترك حتى يبرأ ثم يقطع اثنان حدًا، وقال أبو حنيفة: يقطع اثنان قصاصًا أولًا ثم لا يقطع الباقي حدًا، لأن عنده مفقود اليسار فلا تقطع يمينه ثم قال: ومن
стр. 6317
عفا عن الجراح كان له ومن عفا عن النفس لم يحقن بذلك دمه وقد بينا هذا.
مسألة: قال: ومن تاب منهم قبل أن يقدر عليه سقط عنه الحد.
الفصل
الحقوق التي تجب على المحاربة على ثلاث أضربٍ حق يختص بالمحاربة وحق لا يختص بها وحق يختلف فيه، فأما ما يختص بها فانحتام القتل والصلب وقطع الرجل فلا يخلو من أن يتوب قبل القدرة عليه أو بعدها فإن تاب بعد القدرة عليه لا يسقط عنه شيء منها لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ [١٠٠/أ] أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] فجعل من شرط سقوطها بالتوبة أن تكون قبل القدرة عليهم وإن تاب قبل القدرة عليه سقطت هذه الأحكام وبقي القتل مستحقًا غير متحتم ويكون إلى مشيئة الولي فإن شاء قتل، وإن شاء عفا عنه على مالٍ، وإن شاء عفا عنه على غير مالٍ.
وأما الذي لا يختص بها فعلى ضربين: أحدهما: لله تعالى كحد الشرب واللواط والزنا، والثاني: للآدمي كالقصاص وحد القذف وغرامة المال فهو للآدمي لا يسقط بالتوبة بحالٍ لأن التوبة إنما تؤثر في حق الله تعالى دون حق العباد، هكذا ذكر جماعة أصحابنا، وقال صاحب "الإفصاح": إذا قلنا: الحد الذي يختص بالمحاربة مما هو حق لله تعالى كحد الزنا والشرب يسقط بالتوبة ففي حد القذف والقصاص وجهان مخرجان: أحدهما: يسقطان لأنهما يسقطان بالشبهة كحد الله تعالى، والثاني: لا يسقطان وهذا تخريج فاسد لما ذكرنا من العلة وغلط صاحب "الإفصاح" فيه وفي حكايته عن ابن أبي هريرة فإنه ذكر في كتابه ما ذكرنا ويلزم الاستغفار عن مثل هذا.
ومن أصحابنا من قال: يسقط حد القذف دون القصاص لأنه لا يرجع إلى بدلٍ بخلاف القصاص وهذا أفسد من الأول لأنه حق الآدمي كالقصاص سواء، وروي عن عليّ ﵁ أنه قال: يسقط عنه جميع الحقوق لله تعالى وللآدميين من الربا والأموال بالتوبة ولا يقول بهذا [١٠٠/ب] أحد من الفقهاء، وقال مالك: يسقط الكل إلا الدماء لتغليظها على ما سواها.
وأما ما هو لله تعالى فهل يسقط بمجرد التوبة؟ قال الشافعي ﵁ في موضع: ويحتمل أن يسقط كل حق لله تعالى بالتوبة وبه أقول ففي المسألة قولان ظاهران أحدهما: يسقط بالتوبة وهو الأصح لقوله تعالى في حد الزنا: ﴿فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ [النساء: ١٦] وقال في حق السارق: ﴿فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٣٩] وقال ﷺ : "التوبة تجب لما قبلها" وروى وائل بن حجر ﵁ أن امرأةً وقع عليها رجل في سواد الصبح وهي تعمد إلى المسجد فاستغاث برجلٍمرَّ عليها وفرَّ صاحبها ثم مرَّ عليها قوم ذو عددٍ فاستغاثت بهم
стр. 6318
فأدركوا الذي استغاثت به وسبقهم الآخر فذهب فجاءوا به يقودونه عليها فقال: أنا الذي أغثتك وقد ذهب الآخر فأتوا به رسول الله ﷺ فأخبرته أنه وقع عليها وأخبره القوم أنهم أدركوه يشتد فقال: إنما كنت أغثتها على صاحبها فأدركوني فأخذوني قال: كذب هو الذي وقع عليَّ فقال رسول الله ﷺ : "اذهبوا به فارجموه" فقام رجل من الناس فقال: لا ترجموه وارجموني أنا الذي فعلت هذا الفعل فاعترف فاجتمع ثلاثةٌ عند رسول الله ﷺ الذي وقع عليها والذي أجابها [١٠١/أ] والمرأة فقال: "أما أنتَ فقد غفر لك" وقال للذي أجابها قولًا حسنًا فقال عمر ﵁: أرجمُ الذي اعترف بالزنا فقال رسول الله ﷺ :" لا، لأنه قد تاب توبةً لو تابها أهل المدينة، أو أهل يثرب لقبل منهم" فأرسلهم، وقيل: إنه يحتمل أنه أمر بتعزيره دون الرجم الحقيقي ويحتمل أنهم شهدوا عليها بالزنا خطأ فلذلك لم يرجمه ولأنه حد الله تعالى فيسقط بالتوبة كحد قاطع الطريق، والقول الثاني: لا يسقط بالتوبة وبه قال أبو حنيفة لأنه لا يختص بالمحاربة فأشبه حد القذف ولأنه تاب في قبضة الإمام فأشبه حد قاطع الطريق بعد القدرة.
وأما في غير المحارب لا تسقط حدود الله تعالى بمجرد التوبة، ولكن لو تاب وأصلح عمله ومضت مدةٌ على ذلك هل تسقط التوبة بعد إصلاح العمل؟ فيه قولان ففي المحارب لا يشترط إصلاح العمل وفي غيره يشترط ذلك، والفرق أن المحارب معاندٌ فإذا تاب حملت توبته على أنها من قبله واعتقاده لا للتقية وغير المحارب في قبضة الإمام فالظاهر من حاله إظهار التوبة للتقية فلا يسقط عنه بمجرد التوبة حتى يصلح عمله.
وأما المختلف فيه: فقطع اليد بأخذ المال فيه وجهان: أحدهما: أنه لا يختص بالمحاربة وإنما هو القطع في السرقة غلظ بضم قطع الرجل إليه بدليل أنه يعتبر أن يخص كل واحدٍ ربع دينارٍ وبه قال أبو إسحاق، والثاني: أنه يختص بالمحاربة [١٠١/ب] كقطع الرجل لا فرق بينهما وبه قال صاحب "الإفصاح" لأنه أخذ مالًا على سبيل المجاهرة وهذا لا يوجب القطع إلا في المحاربة فكان ذلك مما يختص بالمحاربة. والأول: الصحيح المشهور، والثاني: أقيس وهو اختيار ابن أبي هريرة وصاحب "الإفصاح" فإذا قلنا: يختص بالمحاربة سقط بالتوبة قبل الظفر قولًا واحدًا، وإذا قلنا: يختص بالمحاربة فهل يسقط بالتوبة بعد الظفر به؟ قولان أيضًا لأن ما يسقط الحد لا فرق فيه بين أن يكون قبل الظفر به وبين أن يكون بعد الظفر كالرجوع عن الإقرار وهذا خلاف نص القرآن العظيم، واعلم أن العلماء اختلفوا في المراد بالتوبة التي ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] قال ابن عباس ﵄ والحسن ومجاهد وقتادة: إنها الإسلام وهذا قول من زعم أن حدود
стр. 6319
الحراب وردت في المشركين ومعنى الآية الذين تابوا من شركهم وسعيهم في الأرض فسادًا في الإسلام، ولا يسقط الحد عن المسلم بالتوبة بكل حالٍ، وقال الجمهور منهم: وردت في المسلمين وهي التوبة من معاصي الحدود، واختلفوا في أمان الإمام لهم هل يكون شرطًا في قبول توبتهم؟ فروي عن عليّ رضي عنه أنه شرط، ومن لم يؤمنه الإمام لم تسقط التوبة منه حدًا. وقال الجمهور: لا يعتبر ذلك وإنما يعتبر أن يكون قبل القدرة عليهم وفي صفة القدرة عليهم [١٠٢/أ] ثلاثة أقوال: أحدها: أن تكون بعد لحوقهم بدار الحرب، وإن كانوا مسلمين ثم يعودوا منها تائبين قبل القدرة عليهم فإن لم يلحقوا بدار الحرب لم تؤثر التوبة في إسقاطها وبه قال عروة بن الزبير، والثاني: يكون لهم في دار الإسلام فئة يلتجؤون إليها ويمتنعون بها، فإن لم يكن لهم لم تؤثر التوبة فيها وبه قال ابن عمر وربيعة والحكم، والثالث: وهو قول الجمهور: أن تمتد إليهم يد الإمام بهرب أو استخفاء أو امتناع فيخرجوا عن القدرة عليهم فتؤثر توبتهم فيها حينئذ، واختلف من قال بهذا في رفعه إلى الإمام هل يكون شرطًا في القدرة عليه؟ على قولين أحدهما: أنه لا يكون شرطًا لأنه في الحالين قادر علية، والثاني: أن يكون شرطًا في القدرة عليه لأن النبي ﷺ قال في سارق رداء صفوان: "هلا قبل أن تأتيني به لا عفا الله عني إن عفوت عنه".
مسألة: قال: ولو شهد شاهدان من أهل الوقعة أن هؤلاء عرضوا لنا.
الفصل
إذا شهد شاهدان أن هؤلاء قطعوا علينا الطريق وعلى القافلة وأخذوا متاعنا ومتاعهم لم تجز شهادتهما لأنهما خصمان كما لو شهدا بأن هذا قذفنا وقذف هذا لا تقبل شهادتهما لأنهما خصمان عدوان، فإن قيل: أليس لو شهدا فقالا: نشهد أن هذا قذف أمنا وهذه المرأة تقبل شهادتهما للأجنبية دون أمهما فيجب [١٠٢/ب] أن تقبل شهادتهما لأهل الوقعة دونهما، قلنا: في هذه المسألة قولان: أحدهما: لا تقبل شهادتهما للأم ولا للأجنبية، والثاني: أن تقبل للأجنبية دون الأم، والفرق أن هناك ردت الشهادة للأم للتهمة وهي تخص الأم دون الأجنبية فبعّضنا الشهادة فقبلناها للأجنبية دون الأم وهنا ردت الشهادة للخصومة والعداوة وهذا المعنى لا يخص شهادتهما لأنفسهما دون غيرهما فإن شهادة العدو لا تقبل على العدو بحال.
فإذا تقرر هذا نقول: قال الشافعي: ويسعهما أن يشهدا بأن هؤلاء عرضوا لهم ففعلوا بهم كذا وكذا ونحن ننظر قال أصحابنا: وهكذا قالوا عرضوا لنا ونالوا هؤلاء بالجرح وأخذ المال قبلت شهادتهم لأنهم ليس في قولهم: عرضوا لنا ما يوجب الخصومة والعداوة، وقال الشافعي: وليس للإمام أن يقول: هل نالكم وأخذ منكم؟ ألا
стр. 6320
ترى أن رجلًا لو شهد على رجل أنه قذف هذا وغصبه كذا وكذا أليس للإمام أن يقول: هل قذفك؟ هل أخذ منك شيئًا؟ وقال الماسرجسي: وعلى هذا لو شهد رجلان على رجل بكتاب وصية لهما فيه حق أو إشراف فقالا: نشهد بجميع ما في هذا لا تقبل شهادتهما، ولو قالا: نشهد بجميع ما فيه سوى مالنا من حق الإشراف والمال المذكور فيه قبلت شهادتهما وهذا لأن الاستفسار الذي ذكرنا من التعنت وقصد إبطال الشهادة. [١٠٣/أ]
مسألة: قال: ولو اجتمعت على رجل حدود وقذف بدئ بحد القذف ثمانين.
الفصل
ذكر الشافعي ﵁ هنا حد القذف وحد الزنا والقطع في السرقة والقطع في المحاربة والقود في غير المحاربة، بدأ بحد القذف ثم بحد الزنا ثم تقطع اليد اليمنى للسرقة والمحاربة جميعًا، ثم يقطع الرجل للمحاربة ثم بالقتل قوداً وأمر بالتربص بعد إقامة حد الله تعالى حتى يبرأ جلده، ثم أمر بحد الزنا وقال: يترك حتى يبرأ ثم والى بين قطع اليمنى ورجله اليسرى لأنها حد واحد للمحاربة ولم ينتظر البرء من القطعين وأمر بقتله لأن انتظار البرء لئلا يتلف بالموالاة بين حدين مختلفين وهنا يريد قتله فما معنى الانتظار؟ وقال بعض أصحابنا: هل يوالي بين القطعين؟ فيه وجهان لأن اليد تقطع للسرقة المتقدمة هنا والموالاة إذا كانا مخصوصين بالمحاربة، وهذا ليس بشيء. ولم يذكر الشافعي في جملتها حد الشرب، قال ابن أبي هريرة: يبدأ بحد الشرب، ثم بحد القذف ثم على الترتيب الذي ذكره الشافعي، قال الشافعي: إنما بدأ بحد القذف قبل حد الزنا لخفته وأنه أسلم من حد الزنا فيجب على هذا أن يبدأ بحد الشرب لأن حد الشرب أخف من حد القذف، ومن أصحابنا من قال: إنما بدأ بحد القذف لأنه حق الآدمي فيقدم وهذا اختيار [١٠٣/ب] أبي إسحاق وهو الأصح فعلى هذا يقدم حد القذف ثم حد الشرب ثم حد الزنا، وقيل: أخطأ ابن أبي هريرة النص لأن الشافعي قال في كتاب "جراح العمد": ولو اجتمعت على رجل حدود حد بكر في الزنا وحد قذف وحد سرقة وحد قطع طريق بدئ الحق الآدميين، ثم بحق الله تعالى فبطل قول من علل البدء به بحد القذف بالخفة والسلامة.
فرع
لو اجتمع معها التعزيز قال في (الحاوي): يقدم التعزيز على كلها لأنه أخف من حقوق الآدميين.
فرع آخر
لو كان في جملتها جرح لآدمي يجب فيه القصاص بدئ على حد الزنا والشرب فيبدأ
стр. 6321
بحد القذف ثم بالقصاص فيما دون النفس ثم بحد الشرب ثم بحد الزنا ثم بالقطع وقطع الطريق ثم بالقتل على الصحيح من مذهب آخر.
فرع آخر
لو كان في جملتها قتل في غير المحاربة وقتل في المحاربة اعتبر بالسابق منهما بلا خلاف بين أصحابنا، فإن كان القتل في غير المحاربة أسبق قتل ولم يصلب وأخذنا للمقتول في المحاربة الدية لأنه قصاص تعذر استيفاؤه، وإن كان القتل في المحاربة أسبق قتلناه، وإن كان معه أخذ المال صلبناه وأخذنا للمقتول في غير المحاربة الدية، وإنما اعتبرنا السابق هنا لأنه لا يمكن استيفاء الحقين ويفوت أحدهما بفوات الآخر فقدمنا السابق.
فرع آخر
لو كان فيه قتل بالقود [١٠٤/أ] وقتل بالردة قتل قودًا إلا أن يريد الدية فتدفع إليه الدية ويقتل بالردة، ولو اجتمع رجم بالزنا وقتل بالردة رجم للزنا ودخل فيه قتل الردة لأن الرجم أزيد نكالًا.
فرع آخر
لو كان في جملة ما ذكرنا قتل في المحاربة فقط ولم يجب عليه القتل بوجه آخر سقط قطع اليد والرجل في المحاربة لأنه قد أقيم الصلب مقامه فيحد للقذف ثم للزنا ثم يقطع للسرقة ثم يقتل، وهل يوالي بين الحدين أو يترك حتى يبرأ من كل واحد ثم يقام الآخر؟ فيه وجهان قال أبو إسحاق: يوالي لأنه إنما جعل له ذلك في المسألة قبلها لأن القتل غير متحتم فربما يعفى عنه، وهنا القتل متحتم ولا معنى لترك الموالاة، والثاني: لا يوالي بينهما لأنه لا يؤمن من الموالاة التلف فيسقط بعض الحد فأشبه إذا كان القتل غير متحتم.
فرع آخر
لو سرق في غير المحاربة ثم قتل في المحاربة وأخذ المال فيه وجهان أحدهما: يدخل القطع في القتل فيقتل ويصلب لأنه قطع يتعلق بأخذ المال فيدخل في القتل في المحاربة كالقطع بأخذ المال في المحاربة وهو الصحيح، والثاني: لا يدخل فيه وإنما يدخل القطع بأخذ المال في المحاربة في القتل في المحاربة، وهذان الوجهان مبنيان على أن قطع اليد في المحاربة هل هو قطع اليسرى وقد ذكرنا فيه وجهين، وقال أبو حنيفة: يبدأ بحد القذف [١٠٤/ب] ثم إن شاء بدأ بحد الزنا، وإن شاء بدأ بالقطع ثم بحد الشرب فإن كان معها قتل سقطت الحدود كلها وقتل إلا حد القذف فإنه لا يدخل في القتل، وقال ابن مسعود والنخعي: يدخل حد القذف في القتل أيضًا مع جميع الحدود واحتج أبو حنيفة بأن حد الزنا والسرقة ثبتا بنص القرآن فهما أكد من حد الشرب ويخير بينهما للاستواء بهما في ذلك وفي القتل يحصل كل الردع فلا فائدة في
стр. 6322
إقامة الحدود قبله وهذا لا يصح لما ذكرنا ولأن ما وجب من غير وجوب القتل وجب مع وجوب القتل كما لو قطع يد إنسان وقتل آخر، وأما قولهم: أيهما آكد لا يصح لأنه ثابت بالسنة والإجماع ويلزم حد القذف فإنه ساوى ذلك وتقدم، وأما الزجر في ذلك يحصل لغيره فلا يعطل بعضهما مع إمكان الاستيفاء، ثم قال الشافعي ﵁: فإن مات في الحد الأول سقطت الحدود كلها والتي لله تعالى وأما حق الآدمي فإن كان جرحًا أو قتلًا رجع إلى الدية أو الأرش فلا يملك بالقذف حد سرقة مال بحال وهذا نص على أنه لا يجوز العفو عن حد القذف على مال خلافًا لأبي إسحاق في وجه.
فرع آخر
لو قصد رجل رجلًا فقتل دفعًا فهو هدر بكل حال، وقال أبو حنيفة: إن كان الدفع بالسيف والقصد بالسيف فهو هدر، وإن كان القصد بالمثقل ودفعه بالسيف فإن كان [١٠٥/أ] ليلًا فلا ضمان، وإن كان نهارًا ضمن بناء على أصله أن القتل بالمثقل شبه عمد فإذا قصده به لا يجوز الدفع بالعمد.
стр. 6323
كتاب الأشربة
مسألة: قال: كل شراب أسكر كثيره فقليله حرام.
اعلم أن الأصل في تحريم الخمر الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩] وأيضًا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ﴾ [الأعراف: ٣٣] والإثم الخمر، قال الشاعر:
شربت الإثم حتى ضل عقلي كذاك الإثم يذهب بالعقول
وأيضًا قوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية إلى قوله تعالى: ﴿مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١ - ٩٢] وروي عن أبي ميسرة أنه قال: قال عمر ﵁: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا فنزل ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قوله ﴿مُّنتَهُونَ﴾ فحين سمعها عمر قال: انتهينا انتهينا. فهذه أربع آيات في تحريم الخمر، وأما السنة فما روى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الخمر أم الخبائث" وروى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: لعن الله الخمر وشاربها" الخبر وأيضًا روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "كل مسكر خمر [١٠٦/ب] وكل مسكر حرام ومن مات وهو يشرب الخمر يدمنها لم يشربها في الآخرة" ومدمن الخمر هو الذي يتخذها ويتعاهدها، وقال النضر بن شميل: من شرب الخمر إذا وجدها فهو مدمن للخمر، وإن لم يتخذها وقوله: "لم يشربها في الآخرة" قيل: معناه لم يدخل الجنة لأن الخمر شراب أهل الجنة إلا أنه لا غول فيها ولا نزف، وأيضًا روى أنس بن مالك ﵁ قال: كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر في بيت أبي طلحة وما شرابهم إلا الفضيخ البسر والتمر فإذا مناديًا ينادي، فقال: اخرج فانظر، فخرجت فإذا مناد ينادي ألا إن الخمر قد حرمت فقال: اخرج فاهرقها فهرقتها فجرت في سكك المدينة، وأيضًا روى وعلة
стр. 6324
المصري سأل ابن عباس عما يعصر من العنب فقال ابن عباس: أهدى رجل لرسول الله ﷺ راوية خمر فقال النبي ﷺ له: "علمت أن الله حرمها" فقال: لا فسار إنسانًا إلى جنبه فقال: بم ساررته؟ فقال: أمرته ببيعها فقال رسول الله ﷺ : "إن الذي حرم شربها حرم بيعها" ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها، وأيضًا روى أنس ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ واليتامى في حجره وكان عنده خمر حين حرمت الخمر فقال يا رسول الله: أصنعها خلًا قال: لا وصبها حتى سالت في الوادي، [١٠٦/أ] وأيضًا روى ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة إلا أن يتوب" وأيضًا روى جابر ﵁ أن رجلًا قدم من جيشان وجيشان من اليمن فسأل رسول الله ﷺ عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة فقال له: المزر فقال النبي ﷺ ومسكر هو؟ قال: نعم فقال: "كل مسكر حرام إن الله تعالى عهد لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال"، قالوا: يا رسول الله ما طينة الخبال قال: "عرق أهل النار وعصارة أهل النار"، وأيضًا روى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من ترك الصلاة سكرًا مرة واحدة فكأنما كانت له الدنيا وما عليها فسلبها ومن ترك الصلاة سكرًا أربع مرات كان حقًا على الله أن يسقيه من طينة الخبال" قيل: وما طينة الخبال قال: عصارة أهل جهنم.
وأيضًا روي عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن أبا بكر وعمر ﵄ وناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ جلسوا بعد وفاة رسول الله ﷺ فذكروا أعظم الكبائر فلم يكن عندهم علم ينتهون إليه فأرسلوني إلى عبد الله بن عمرو بن العاص أسأله عن ذلك فأخبرني أن أعظم الكبائر شرب الخمر فأتيتهم فأخبرتهم [١٠٦/ب] فأنكروا ذلك ووثبوا جميعًا حتى أتوه فأخبرهم أن رسول الله ﷺ قال: "إن ملكًا من بني إسرائيل أخذ رجلًا فخيره بين أن يشرب الخمر أو يقتل صبيًا أو يزني أو يأكل من لحم خنزير أو يقتلوه إن أبى فاختار شرب الخمر فإنه لما شرب الخمر لم يمنع من كل شيء أرادوه منه"، وأن رسول الله ﷺ قال لنا مجيبًا: "ما من رجل يشربها فتقبل له صلاة أربعين ليلة ولا يموت وفي مثانته منها شيء إلا حرمت عليه الجنة فإن مات في الأربعين ليلة مات ميتة جاهلية".
стр. 6325
وأما الإجماع فلا خلاف بين المسلمين في تحريمها وكان بعض الصحابة يعتقد إباحتها في أول الإسلام منهم قدامة بن مظعون وعمرو بن معدي كرب وكانوا يتأولون قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣] الآية فأنكرت الصحابة عليهم وبينوا أن هذه الآية مخصوصة في الخمر فرجعوا عن القول وأجمعوا على تحريمها فمن استحلها اليوم كفر.
واعلم أن عندنا العصير يصير خمرًا بشرطين: الشدة، والسكر، وقال أبو حنيفة: يشترط شرط آخر وهو أن يقذف بزبده، وقيل: سمي خمرًا لأنه يخمر عصيره في الإناء أي: يغطى حتى يصير خمرًا ولو لم يغط لم يصر خمرًا والتخمير: التغطية، وقيل: [١٠٧/ أ] سمي خمرًا لأنه يخامر العقل بالسكر أي: يغطيه، واعلم أن المسلمين كانوا يشربونها في أول الإسلام، واختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: كانوا يشربونها استصحابًا لحالهم في الجاهلية لأنه لم يتقدم منع منها ولا تحرم وهذا أشبه، وقال بعضهم: استباحوا شربها بشرع ورد فيه وهو قوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧] فالسكر: ما أسكر من الخمر والنبيذ والرزق الحسن ما اتخذ من التمر والزبيب والرطب وهذا قول ابن عباس ﵁ ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير ثم نسخ هذا بتحريم الخمر، وقيل: السكر: الخل بلغة الحبشة، وقيل: بلغة أزد عمان، وقيل: السكر: الطعام والرزق الحسن والإيمان. ثم نزل تحريم الخمر، وقيل في سبب تحريمها: أن قبيلتين من الأنصار ثملوا من الشرب فعبث بعضهم ببعض حتى وقعت الضغائن في قلوبهم فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآية، وقيل: إن سعد بن أبي وقاص صنع طعامًا ودعا ناسًا من الصحابة وشوى لهم رأس بعير وفيهم رجل من الأنصار فعضب من شيء تكلم به سعد بن أبي وقاص فكسر أنفه بلحي جمل فأنزل الله تعالى تحريمها.
وقيل: إن رجلًا سكر من الخمر فجعل ينوح على قتلى بدر فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فغضب وأقبل الرجل [١٠٧/ب] فرفع رسول الله ﷺ شيئًا كان بيده ليضربه فقال: "أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسول الله لا أطعمها أبدًا" فنزل تحريمها. وقيل: إن عبد الرحمن بن عوف صنع طعامًا وشرابًا ودعا نفرًا من الصحابة فأكلوا وشربوا حتى ثملوا فقدموا رجلًا منهم يصلي بهم المغرب فقرأ: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون وأنت عابدون ما أعبد وأنا عابد ما عبدتم لكن دينكم ولي ديني، فنزل قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] الآية، وقيل: سبب تحريمها ما روى أبو ميسرة أن عمر ﵁ قال: اللهم بين لنا في الخمر على ما ذكرنا فهذه خمسة أقوال في سبب تحريهما، وقال الحسن البصري: تحريم الخمر بالآية التي في سورة البقرة وقرأ حمزة: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ وما كثر إثمه لم تجز استباحته وكان ما بعدها
стр. 6326
مؤكدًا، وقال بعض أصحابنا المتأخرين: تحريمها بقوله تعالى في سورة الأعراف والإثم لما فيها من صريح التحريم، وقال قتادة وهو قول الأكثرين تحريمها بالآية التي في المائدة ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩١] الآية.
وروي أنه لما نزل تحريم الخمر قالوا: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين شربوها وماتوا؟ فأنزل الله تعالى ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] أراد من المباحات غير المحرمات. وقيل: من الخمر قبل التحريم [١٠٨/أ] إذا ما اتقوا في باقي أمر الله تعالى بالقول، وقيل في أداء الفرائض: وآمنوا يعني بالله ورسوله وعملوا الصالحات أي البر والمعروف ثم اتقوا وآمنوا فيه وجهان: أحدهما: المخاطب بها غير الذي خوطب بالتقوى الأولى وإن الأولى لمن شربها قبل التحريم، والثانية لمن شربها بعد التحريم، والثانية لمن شربها بعد التحريم فكرر ذكرها لاختلاف المخاطب، والثاني: المخاطب بهما واحد وكرر ذلك لاختلاف المراد بها وفيه وجهان: والثاني: المخاطب بهما واحد وكرر ذلك لاختلاف المراد بها وفيه وجهان: أحدهما: المراد بالأولى فعل الطاعات، وبالثانية اجتناب المعاصي، والثاني: المراد بالأولى جملة الفرائض، والثانية عمل النوافل ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ أي في هذه التقوى، وفي الثالثة ثلاثة أوجه: أحدهما: بالإقامة على التقوى، والثاني: توفي الشبهات. والثالث: إنابة المحسن والعفو عن المسيء، وحكي عن الحسن وطائفة المتكلمين: أنها تحرم إذا كانت صرفًا ولا تحرم إذا مزجت بغيرها وهذا غلط لأنه يؤدي إلى إبطال مقصود التحريمولجاز شربها إذا ألقي فيها عود ونحو ذلك، فإذا تقرر هذا فمن شرب الخمر يلزمه الحد بلا خلاف قليلًا كان أو كثيرًا، ويفسق شاربها لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا شربوا الخمر فاجلدوهم ثم إن شربوا فاجلدوهم ثم إن شربوا فاجلدوهم ثم إن شربوا فاقتلوهم" وقد صار القتل منسوخًا وروي قبيصة [١٠٨/ب] ابن ذؤيب أن النبي ﷺ أتي برجل شرب الخمر فجلده ثم أتي به ثانيًا فجلده، ثم أتى به ثالثًا فجلده، ثم أتي به رابعًا فجلده أربع مرات وقد قال الشافعي: لا أعلم في هذا خلافًا من أهل الفتيا، وإن أتي به خامسًا أو سادسًا فيجد أبدًا، ولا يقتل، ولو تكررت منه الشرب قبل إقامة الحد لم يحد إلا مرة لأن حدود الله تعالى تتداخل.
ثم اعلم أن الخمر المتفق على تحريمها هي: عصير العنب الذي اشتد وقذف زبده وهكذا إن أغلي واشتد حتى أسكر، وبه قال أبو يوسف ومحمد وقد ذكرنا عن أبي حنيفة أنه يشترط أن يزبد وأما ما عداها من الأشربة مطبوخًا كان أو نيئًا لا فرق بين شيء من ذلك هنا في الحكم وبه قال عمر وعلي وابن عباس وابن عمر وابن مسعود وأبو هريرة وسعد ابن أبي وقاص وعائشة ﵃ ومالك والأوزاعي وأحمد
стр. 6327
وإسحاق، وقال أبو حنيفة: الأنبذة على أربعة أضرب: أحدها: الخمر يحرم قليلها وهي ما ذكرنا عنه، والثاني: المطبوخ من عصير العنب إن ذهب أقل من ثلثه فهو حرام أيضًا، وإن ذهب ثلثه فهو حلال إلا ما يسكر منه، وقيل عنه: إذا طبخ يسيرًا يكون حرامًا ولكن لا حد فيه ما لم يسكر وإن طبخه عنبًا فيه روايتان: أحدهما: يجري مجرى عصيره والمشهور أنه حلال وإن لم يذهب ثلثاه، والثالث: نقيع التمر والزبيب [١٠٩/أ] إذا اشتد يكون حرامًا ولا حد لأنه مختلف فيه كالوطء المختلف فيه وإذا طبخا حتى اشتدا كانا حلالين إلا السكر منهما ولا يعتبر أن يذهب ثلثاهما، والرابع: نبيذ الحنطة والذرة والشعير والأرز والعسل ونحو ذلك فإنه حلال سواء كان نقيعًا أو مطبوخًا. وروى الحسن بن زياد عنه أنه قال: لا يحد من سكر من ذلك والسكر محرم وجميع الأنبذة عنده طاهرة وإن حرم سوى الخمر، وروي مثل قول أبي حنيفة في المطبوخ عن عمر وعلي وابن مسعود في رواية والخلاف معه في خمسة فصول: أحدها: أن الكل سمي خمرًا حقيقة وهو قول المزني واختيار أكثر أصحابنا لأن الاشتراك في الصفة تقتضي الاشتراك في الاسم، وقال بعض أصحابنا: سمي خمرًا مجازًا لا حقيقة لأنهما يختلفان في بعض الصفات وتحريم الكل بالآية، وقال بعضهم: لا يسمى خمرًا بل هو محرم بالسنة وعند أبي حنيفة لا يسمى خمرًا، والثاني: أن قليل المطبوخ حرام عندنا خلافًا له، والثالث: في وجوب الحد في قليل نقيع التمر والزبيب النيئ، والرابع: في سائر الأنبذة من الحبوب وعندها لا يفسق شارب النبيذ إذا كان متأولًا ولكنه يحد، وقال مالك: يفسق كما يحد وهذا لا يصح لأنه بعد التوبة يحد وإن زال الفسق، والخامس: أن تحريم الخمر يعلل بعلة الشدة [١٠٩/ب] وعند أبي حنيفة حرمت الخمرة لعينها لا لعلة، وقيل: والسادس: في طهارتها ونجاستها، واحتجوا بما روي عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "حرمت الخمر لعينها والسكر من كل شراب" وروى أبو بردة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "اشربوا ولا تسكروا"، وروي أنه ﷺ كان في الطواف فدعا بشراب فشرب ثم قطب وجهه وقال: "إذا اغتلمت هذه الأشربة فاكسروا بالماء"، ودليلنا ما روى النعمان بن بشير ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن من العنب خمرًا، وإن من التمر خمرًا وإن من العسل خمرًا، وإن من البر خمرًا، وإن من الشعير خمرًا".
وروى ابن عمر عن عمر ﵄ قال: نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي من
стр. 6328
خمسة من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمر: ما خامر العقل وفيه إثبات القياس وإلحاق الشيء بنظيره وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة" ومعناه معظم ما يتخذ من الخمر منهما، وإن كانت الخمر تتخذ من غيرهما، وروى جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ما أسكر كثيرة فقليله حرام" وروت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "كل مسكر حرام [١١٠/أ] وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام" والفرق: مكيلة تسع ستة عشر رطلًا، وروت: "فالمجة منه حرام"، وقيل: للعرب أربعة مكائيل: المد والقسط: وهو ضعف المد والصاع والفرق وهو: ثلاثة أضعاف الصاع، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلًا من الأنصار أتى رسول الله ﷺ فقال: إنا نصنع شرابًا نشربه عند غدائنا وعشائنا فقال: "كل مسكر حرام" فقالوا: يا رسول الله أرأيت إن عمد أحدنا إلى الشربة فمذقها بالماء؟ فقال: "حرام قليل لما أسكر كثير"، وروي أن أبا موسى الأشعري ﵁ قال حين عاد من اليمن: يا رسول الله شرابان بأرضنا البتع من العسل نبيذ حتى يسكر، والمزر من الشعير نبيذ حتى يسكر فقال: حرام كل مسكر أسكر عن الصلاة.
وروى أنس ﵁ قال: كل مسكر حرام وإن كان القراح، وروى أبو مالك الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها"، وروى الحميدي بإسناده عن ديلم الحميري أنه قال: قلت: يا رسول الله إنا في أرض باردة نعمل فيها عملًا شديدًا، وإنا نتخذ شرابًا من هذا القمح فنتقوى به على أعمالنا وعلى برد بلادنا فقال: هل يسكر؟ قلت: نعم قال: فاجتنبوه قال: فإن الناس غير تاركيه قال: فإن لم يتركوه فاقتلوهم رواه أحمد في كتاب الأشربة.
وروى عبد الله بن عمر [١١٠/ب] أن النبي ﷺ نهى عن الخمر والميسر والكوبة والغبيراء وقال: "كل مسكر حرام" والكوبة قيل: الطبل، وقيل: النرد وروت أم سلمة أن النبي ﷺ نهى عن كل مسكر ومفتر، والمفتر: كل شراب يورث الفتور والخدر في
стр. 6329
الأطراف وهي مقدمة السكر فنهى عن شربه لئلا يكون ذريعة إلى السكر، وقال أنس فيه: حرمت علينا الخمر حين حرمت وما نجد لخمور الأعناب إلا القليل وعامة خمورهم البسر والتمر وروي عن ابن عباس ﵁ أنه سئل عن الطلا وهو العنب يعصر ثم يطبخ ثم يجعل في الدنان قال: أيسكر؟ قالوا: إذا أكثر منه يسكر قال: فكر مسكر حرام، وقال أيضًا: إن النار لا تحل شيئًا ولا تحرمه، وأما الدليل على تحريم الخمر فعلل في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: ٩١] وهو صريح في التعليل وإن العصير قبل حدوث الشدة المطربة فيه حلال فإذا حدثت الشدة حرمت فإذا زالت الشدة؛ إن تحللت حل فدل على أن العلة هي الشدة المطربة.
وأما خبر ابن عباس قلنا: وقال أحمد بن حنبل: والسكر من كل شراب بفتح السين والكاف وأراد به المسكر فهو دليلنا في تحريم جنس المسكر ومعنى الخبر حرمت الخمر بالنص الظاهر والمسكر ملحق بها بالسنة اسمًا وحكمًا، وأما الخبر الثاني قال أصحاب الحديث: [١١١/ أ] وهم أبو الأحوص فيه والصحيح لا تشربوا مسكرًا، وأما الخبر الآخر قلنا: روينا عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: علمت أن رسول الله ﷺ كان يصوم فتحينت فطره بنبيذ صنعته في دباء ثم أتيته به فإذا هو هش فقال: اضرب بهذا الحائط فإن هذا شراب من لا يؤمن بالله واليوم الآخر وروي عن عبد الله بن الديلمي أنه قال: قلت: يا رسول الله إن لنا أعنابًا ما نصنع بها؟ فقال: زببوها قلنا: ما نصنع بالزبيب؟ قال: امذوه على غذائكم واشربوه على عشائكم وابنذوه في الشنان ولا تنبذوه في القلل فإنه إذا تأخر عن عصره صار خلًا، والشنان الأسقية من الأدم وغيرها وواحد شن، والقلل: الجرار الكبار واحدها قلة، وقالت عائشة ﵂: كان ينبذ لرسول الله ﷺ في سقاء فولي أعلاه وله عزلًا ينبذ غدوه فيشربه عشاء وينبذ عشاء فيشربه غدوة، والعزلاء: فم المزادة وقد يكون السقاء من أسفله، وقالت عائشة: كنت آخذ قبضة من تمر وقبضة من زبيب وألقيه في إناء فأمرسه ثم أسقيه النبي ﷺ ، والمرس والمرت: بمعنى واحد وهو الدلك بالأصابع في الماء وهذا كله يدل على أنه لم يكن حرام والحرام شرب المسكر، وإنما يشرب الحلو لأن مياههم كانت مالحة ويؤكد ما ذكرنا أن الخمر [١١١/ب] اختلفت أسماؤها ولم يختلف حكمها فكذلك النبيذ اختلفت أسماءه، ولم يختلف حكمه، فمن أسمائه الخمر العقار سميت بذلك لأنها تعاقر الإناء أي: تقيم فيه، والقهوة لأنها تقهي عن الطعام أي: تقطع شهوته، والسلاف: وهو الذي يخرج من العنب بغير اعتصار.
стр. 6330
ومن أسماء النبيذ السكر وهو الذي لم يطبخ، والباذق: وهو المطبوخ، والفضيخ: وهو البسر سمي به لافتضاح البسر فيه والبتع من العسل لأهل اليمن، والمزر من الذرة لأهل الحبشة والمزاء من أشربة أهل الشام والسكر: وهو نقيع التمر الذي لا تمسه النار، والسكركة من الأرز لأهل الحبشة والجعة من الشعير، وروي مرفوعًا أنه نهى عن الجعة والخلطتان ما جمع فيه من بسر وعنب أو بين تمر وزبيب والمصنف ما ذهبنصفه وبقي نصفه والمثلث ما ذهب ثلثه وبقي ثلثاه، والطلا ما بقي ثلثه وذهب ثلثاه ومنه الجمهوري وهو ما يجمد فإذا أريد شربه يحل بالماء والنار ويسميه أهل فارس البلنجيح فإذا كان كذلك جاز أن يختلف اسم الخمر والنبيذ وتتفق أحكامهما من أجل الشدة كما اتفقت أحكام الخمر وأحكام النبيذ مع اختلاف الاسم للاشتراك في الشدة وهذا دليل من سلم اختلاف الأسماء وهو قول طائفة من أصحابنا وتأثير ذلك في أن من أطلق النبيذ اسم الخمر حرمه بالنص ومن لم يطلق [١١٢/ أ] حرمه بالقياس، فإن قيل: ما معنى ما روى ابن عمر وابن عباس أن النبي ﷺ نهى عن الدباء والمزفت والحنتم والنقير وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال لوفد عبد القيس: أنهاكم عن النقيروالمقير والحنتم والدباء والمراد المجبوبة ولكن اشرب في سقائك وأوكه، قلنا: الدباء القرع، وقال أبو بكر الثقفي: إنا معشر ثقيف كنا بالطائف نأخذ الدباء يعني اليقطينة من القرع فنخرط فيها عناقيد العنب ثم ندفنها حتى تهدر ثم تموت، وأما المزفت فالوعاء الذي يطلى بالزفت، وأما الحنتم: فجرار خمر كانت تحمل إلينا فيها الخمر، وقال الأصمعي: هي الجرار الخضر خاصة، وقال آخرون: كل نوع من الجرار حنتم وإن اختلفت ألوانها وهذا أصح لما روى ابن أوفى أن النبي ﷺ نهى عن نبيذ الجر الأخضر والأبيض والأحمر، وأما النقير فإن أهل اليمامة كانوا ينقرون أصل النخلة ثم ينبذون الرطب البسر ويدعونه حتى يهدر ثم يموت والمزادة المجبوبة هي التي ليست بها عزلاء من أسفلها تتنفس منها والشراب قد يتغير فيها ولا يشعر به صاحبها، وفي نهيه عن الانتباذ في هذه الأواني تأويلان: أحدهما: أنه كان ذلك قبل تحريم الخمر فجعل النهي عن هذه الأواني مقدمة [١١٢/ب] يتوطئون بها على ما يرد بعدها من تحريم الخمر لأنهم قد كانوا ألفوها فوطأهم لتحريمها، والثاني: أنه كان بعد التحريم وإباحتهم غير المسكر وهذه الأواني يعجل إسكار شرابها فنهى عنها ليطول مكث ما لا يسكر في غيرها، وقال أبو سليمان الخطابي: إنما نهى عنها لأن لها ضراوة
стр. 6331
يشتد فيها النبيذ فلا يشعر بذلك صاحبها فيكون على غرور من شرابها والصحيح أنه صار منسوخًا بحديث بريدة الأسلمي أن النبي ﷺ قال: كنت نهيتكم عن الأوعية فاشربوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكرًا، وقال مالك وأحمد وإسحاق: الخطر باق ولا يحل الانتباذ في هذه الأوعية، وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس ﵃، فإن قيل: ما معنى ما روى جابر ﵁ أن النبي ﷺ نهى أن ينتبذ الزبيب والتمر معًا ونهى أن ينبذ البسر والرطب والتمر جميعًا؟ قلنا: قال بعض العلماء: يحرم الخليطان، وإن لم يكن مسكرًا لظاهر الحديث، وبه قال عطاء وطاوس ومالك وأحمد وإسحاق وعامة أهل الحديث، وقالوا: من شرب الخليطين قبل حدوث الشدة فيه فهو آثم من جهة واحدة، وإذا شرب بعد حدوث الشدة كان آثمًا من جهتين: أحدهما: شرب الخليطين [١١٣/ أ] والأخرى: شرب المسكر، وقال الليث بن سعد: إنما جاءت الكراهة أن ينبذا جميعًا لأن أحدهما يشد صاحبه وبه قال الثوري وأبو حنيفة وهو مذهب الشافعي ﵁، فإن قيل: ما معنى ما روى ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ "نهى عن الشرب في السقاء" وروى أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ "نهى عن اختناث الأسقية ونهى عن الشرب من ثلمة القدم وأن ينفخ في الشراب" وروى أنس أن النبي ﷺ نهى أن يشرب الرجل قائمًا، وروى ابن عباس أن رسول الله ﷺ "نهى أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه"، قلنا: إنما كره الشرب من السقاء من أجل ما يخاف من أذى عساه يكون فيه ولا يراه الشارب حتى يدخل جوفه فاستحب له أن يشربه في إناء ظاهر يبصره، وروي أن إنسانًا شرب من في سقاء فانساب جان فدخل جوفه، وأما اختناث الأسقية هو أن يثني رؤوسها ويعطفها ثم يشرب منها وسمي المخنث مخنثًا لتكسره وتثنيته، وقيل: إن النهي في ذلك لأن الشراب غذا دام فيه تخنث وتغيرت رائحته، فإن قيل: روى أبو داود بإسناده أن النبي ﷺ قال لرجل [١١٣/ب] أخنث فم الإداوة ثم اشرب من فيها فكيف الجمع بين الخبرين؟
قلنا: يحتمل أن النفي جاء في السقاء الكبير دون الأداوة ويحتمل أنه أباحه للضرورة والحاجة إليه في الوقت والنهي للعادة، وقيل: أمر به لسعة فم السقاء لئلا ينصب عليه الماء وأما النهي عن الشرب من ثلمه القدم فلأنه إذا شرب منها سال على وجهه ولحيته
стр. 6332
ولوثه لأن الثلمة لا يتماسك عليها شفة الشارب كما يتماسك على الموضع الصحيح من الكوز والقدح، وقيل: إنه مقعد الشيطان والمعنى فيه أن موضع الثلمة لا يناله التنظيف التام إذا غسل الإناء فيكون شربه على غير نظافة وذلك من فعل الشيطان وتسويله، وكذلك إذا سال الماء من الثلمة على وجهه وثوبه فإنه من إيذاء الشيطان وتسويله، وكذلك إذا سال الماء من الثلمة على وجهه وثوبه فإنه من إيذاء الشيطان إياه.
وأما النهي عن الشرب قائمًا: فهو نهي تأديب وتنزيه لأنه أحسن وأرفق بالشارب، وروي أن النبي ﷺ شرب قائمًا وتأويله في حال الضرورة الداعية إليه وكان بمكة شرب من ماء زمزم قائمًا لازدحام الناس عليه، وأما النهي عن التنفس والنفخ من أجل ما يخاف أن يبرز من ريقة ورطوبة فمه فيقع في الماء وقد تكون النكهة في بعض من يشرب متغيرة [١١٤/أ] فتعلق الرائحة بالماء لرقته ولطافته فيكون الأحسن في الأدب أن يتنفس بعد إبانة الإناء عن فيه ولا حاجة إلى النفخ لأنه لأحد معنيين إن كان لحرارة الشراب فليصبر حتى يبرد، وإن كان من أجل قذى يبصره فيه فليمطه بإصبع أو بحلال أو نحو ذلك.
فرع
لو طبخ لحمًا بخمر وأكل مرقتها حد، وكذلك لو نثر فيها خبزًا لأن عين الخمر موجودة في المرقة والثريد، ولو أكل اللحم لم يحد لأن عين الخمر غير موجودة في اللحم وإنما فيه طعمه وإن عجن دقيقًا بخمر وخبزه فأكل الخبز لا يحد لأن عين الخمر أكلتها النار وبقي خبز نجس.
فرع آخر
لو استعط بالخمر أو احتقن لم يحد لأنه ليس بشرب ولا أكل.
فرع آخر
كل شراب مسكر لا يجوز بيعه وهو نجس، وقال أبو حنيفة: يجوز بيعها جميعًا إلا الخمر، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز بيع نقيع التمر والزبيب ويجوز بيع الباقي منها وبنوا ذلك على إباحتها عندهم، واحتج أبو حنيفة بالتمر ولو كان محرمًا مختلف في إباحته فجاز بيعه ودليلنا أنه شراب محرم أو شراب فيه شدة مطربة فلا يجوز بيعه كالخمر.
فرع آخر
إذا عجن الند بالخمر كان نجسًا لا يجوز بيعه ولو تبخر به هل ينجس؟ فيه وجهان ذكرهما القاضي الطبري.
مسألة: قال: ولا يحد إلا بأن يقول: شربت الخمر [١١٤/ب].
الفصل
واعلم أنه لا يجب الحد إلا أن يقر فيقول: شربت الخمر أو يقول شربت ما يسكر أو يشهد عليه شاهدان عدلان أو يشرب من إناء مع نفر فيسكر بعضهم فيعلم أن الشراب
стр. 6333
مسكر وأنه يجب عليه الحد وليس مراد الشافعي ﵁، ولكنه أراد أن الشارب إذا شرب وهو عالم بأنه مسكر ونحن لا نعلم فسكر بعض من شرب معه وجب عليه الحد، فإذا لم يعلم الشارب صفة الشراب إلا بعد الشرب فلا حد عليه، فإن قيل: أليس قال الشافعي ﵁ في رواية الربيع: لو شرب شرابًا ولم يعلم أنه مسكر فسكر فعليه الحد؟ قلنا: هذه المسألة أيضًا من مشكلات الربيع وتأويلها عند مشايخنا الذين يرجعون إلى معرفة نصوص الشافعي ﵁ أن يشرب الشراب ولا يعلم أنه مسكر في جنسه، فأما إذا جهل الجنس فلا حد عليه، واختلف أصحابنا في مسألة الكتاب فمنهم من ذهب إلى إطلاق هذا فقال: إذا أقر بشرب الخمر أو المسكر أقيم عليه الحد ولم يستكشف إلا أن يدعي ما يدرأ به الحد فيقبل، ومنهم من قال: لا يجب الحد حتى يقر بأنه شربها مع علمه بها وعلمه بتحريمها مختارًا غير مكره به وقال القاضي أبو حامد، وهكذا لو شهد شاهدان أنه شرب من إناء شرب منه غيره وسكر منه فعلى هذا الاختلاف، والأول أصح [١١٥/ أ] لأن الظاهر من فعله الاختيار والعلم كما لو شهد أنه باع يحمل على الطوع والصحة، فإن قيل: أليس لو قال الشهود: إنه زنا لم يقبل حتى يفسرا الزنا فلم لا يحتاجون إلى تفسير المسكر؟ قلنا: إنه زنا لم يقبل حتى يفسرا الزنا فلم لا يحتاجون إلى تفسير المسكر؟ قلنا: إن الزنا يعبر به عن الصريح بدواعيه ولهذا قال النبي ﷺ : "اليدان تزنيان، والعينان تزنيان" وهما لا يسمى غير المسكر مسكرًا.
فرع
إذا وجده سكران أو شم منه رائحة المسكر أو تقيأ مسكرًا لا يجب الحد، وقال ابن أبي هريرة: أحده بالسكر إلا أن يدعي ما يسقط الحد، وروي عن ابن مسعود ﵁ أنه جلد بالرائحة، وروي أن رجلين شهدا عند عثمان ﵁ على الوليد بن عقبة فقال أحدهما: إنه شرب خمرًا، وقال الآخر: إنه تقيأها فقال عثمان: ما تقيأها حتى شربها، وقال لعلي: أقم عليه الحد، وقال ابن مسعود لرجل شم منه رائحة الخمر: لا أبرح حتى أقيم عليك الحد، والدليل على صحة قولنا؟ إنه يحتمل أنه شرب مكرهًا أو أكل تفاحًا أو شرب التفاح فإنه يكون منه كرائحة الخمر، وإذا احتمل ذلك لا يحد وقد روي عن عمر أنه شم من ابنه عبد الله رائحة الشراب فسأله فقال: شربت الطلا فقال: إني سائل عنه فإن كان مسكرًا حددتك ولم يحده بالرائحة، وقال عطاء: إن الريح [١١٥/ب] تكون من الشراب الذي ليس به بأس، ثم احتج الشافعي ﵁ في التسوية بين الخمر والنبيذ بما روي عن علي ﵁ أنه قال: لا أوتى بأحد شرب خمرًا أو نبيذًا مسكرًا إلا جلدته الحد.
стр. 6334
(باب) عدد حد الخمر ومن يموت من ضرب
قال: أخبرنا الثقة عن معمر بن الزهري عن عبد الرحمن بن الأزهر ﵁ قال: أتى النبي ﷺ بشارب فقال: "اضربوه" فضربوه بالأيدي والنعال وأطراف الثياب وحثوا عليه من التراب ثم قال: نكتوه فنكتوه ثم أرسله.
اعلم أن حد الخمر أربعون جلدة فإن رأى الإمام أن يبلغ به ثمانين جلدة جاز وكان ما زاد على الأربعين تعزيزًا، وقال أبو حنيفة ومالك والثوري: حد الخمر ثمانون جلدة واختار ابن المنذر، واحتجوا بما روى أبو سعيد الخدري ﵁ قال: جلد على عهد رسول الله ﷺ في الخمر بنعلين أربعين فلما كان زمن عمر جلد بكل نعل سوطًا، وروى أنس ﵁ أن النبي ﷺ أتى برجل شرب الخمر فضربه بجريدتين نحوًا من أربعين ثم صنع أبو بكر مثل ذلك فلما كان عمر استشار الناس فيه فقال له عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانون ففعل.
ودليلنا [١١٦/أ] الخبر الذي ذكرنا وفيه أنه لما آل الأمر إلى أبي بكر ﵁ سأل من حضر ذلك الضرب فقومه أربعين فضرب أبو بكر ﵁ في الخمر أربعين حياته، ثم عمر ﵁ ضرب أربعين ثم تتابع الناس في الخمر فاستشار الصحابة ﵃ قال عبد الرحمن بن عوف: ما ذكرنا فقال علي ﵁: نراه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى وعلى المفتري ثمانون فجلد عمر ثمانين وهذا نص صريح على أن الزيادة على الأربعين باجتهاد الصحابة رضوان الله عليهم على وجه التعزيز لا على جهة الحد، وروي أن خالد بن الوليد ﵁ أرسل إلى عمر ﵁ وقال: وإن الناس قد انهمكوا في الخمر وتحاقروا العقوبة فيه فقال عمر: هم هؤلاء عندك وكان هناك عثمان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير فاستشارهم فقالوا ما ذكرناه، وكان عمر إذا أتي بالضعيف الذي كانت منه الزلة ضربه أربعين، وإذا أتى بالرجل القوي المنهمك في الشرب حد ثمانين رواه أبو وبرة الكلبي وجلد عثمان ﵁ ثمانين وأربعين، وروى حصين بن أبي ساسان قال: ركب نفر منهم فأتوا عثمان بن عفان فأخبروه بما صنع الوليد بن عقبة من شرب الخمر فقال عثمان لعلي: دونك [١١٦/ب] ابن عمك فاجلده فقال علي للحسن: ثم فاجلده فقال الحسن: فما أنت وهذا ولهذا غيرك فقال: بل عجزت ووهنت وضعفت، يا عبد الله بن جعفر قم فاجلده فجعل يجلده وعلي يعد حتى بلغ أربعين فقال: أمسك، جلد رسول الله ﷺ أربعين وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين وكل سنة، وروي أن الحسن قال لعلي: ولى حارها من تولى قارها قال الاصمعي: معناه ول شديدها من تولى هينها، وقيل: معناه ول العقوبة والضرب من توليه العمل والمنع، والقارة الباردة وكلاهما قريب، وقال علي: وجلد عمر صدرًا من خلافته أربعين ثم أتمها عمر ثمانين وهذا أحب إلى يعني أربعين، وروى قتادة عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ أتى برجل قد سكر فأمر قريبًا من عشرين رجلًا فجلده كل واحد منهما جلدتين بالجريد والنعال،
стр. 6335
وروى عمر بن سعيد عن عليّ رضي الله عنهأنه قال: ما من صاحب حد أقيم عليه فيموت فأجد في نفسي منه شيئا الحق إلا شارب الخمر فإنه شئ رأيناه بعد رسول الله صلي الله عليه وسلم فمن مات منه فديته إما قال: في بيت المال، وإما على عاقلة الإمام الشك من الشافعي، وروى أنه قال: إلا حد شارب الخمر فإن النبي صلي الله عليه وسلم لم يسنه زائدا [١١٧/أ] على أربعين أو لم يسنه بالسياط وأما الخبر الذي ذكروا نحمله على أنه ضرب بالنعلين عشرين مرة بدليل ما ذكرنا. فإن قيل: كيف يجوز أن يبلغ بالتعزيز أربعين سوطا وعندكم لا يبلغ به أدني الحدود؟ قيل: اجتمع هنا أسباب التعزيز من الهذيان وإزالة العقل وغير ذلك فلهذا بلغوا ثمانين.
فإن قيل: لم أمر رسول الله صلي الله عليه وسلم بالتبكيت؟ وقد روى أبو هريرة أن النبي صلي الله عليه وسلم أتي بشارب فأمر أصحابه أن يضربوه فمنهم من ضربه بنعله ومنهم بيده ومنهم بثوبه ثم قال: (ارجعوا) ثم قال (بكتوه) فبكتوه فقالوا: ألا تستحي من رسول الله صلي الله عليه وسلم تصنع هذا، وروى أنه قال: (وحثوا عليه التراب) فحثي في وجهه التراب وروى وحثي عليه رسول الله صلي الله عليه وسلم التراب، وروى: فلما أدبر وقع القوم يدعون عليه ويسبونه ويقول القائل: اللهم اخزه اللهم العنه فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم (لا تقولوا هذا ولكن قولوا: اللهم ارحمه، وروى أن رجلا كان يلقب بحمار جلده رسول الله صلي الله عليه وسلم في الشراب فلما كان في زمن عمر أتي به فجلده فقال رجل من القوم: اللهم العنه ما أكثر ما يؤتي به فقال: لا تلعنه أما علمت أنه يحب الله ورسوله. وقيل: التبكيت وحثو التراب زيادةً في التعزيز وليس بشرط [١١٧/ب] في الحدود وهو إلى الاجتهاد.
مسألة: قال: وإذا ضرب الإمام في خمر أو ما يسكر بتعلين أو طرف ثوب.
الفصل
اعلم أنه لا يقام الحد عليه إلا بعد الصحو لأنه للردع ولا يرتدع في حالة السكر، وإذا أقام الإمام حد الشرب بنعلين أو طرف ثوب أو رداء أو نحو ذلك ضرباً يحيط العلم أنه لم يجاوز أربعين فمات من ذلك فالحق قتله لأن هذا المقدار من الحد الذي ضربه رسول الله صلي الله عليه وسلم ولو اقتصر اليوم الإمام على مثل هذا الضرب كان حقا واحدا لأن رسول الله صلي الله عليه وسلم هكذا ضرب، وإن ضربه بالسياط فمات ذكره صاحب (الإفصاح) عن بعض أصحابنا أنه قال: يحتمل وجهين أحدهما: لا يضمن لأن السياط الأصل في الحدود، والثاني: يضمن كما لو ضرب المقعد بالسياط وعدل عن عثكال النخل كذلك ها هنا، وقال (الحاوى): قال ابن سريج وأبو إسحاق: ضرب رسول الله صلي الله عليه وسلم بالنعال والثياب لعذر في الشارب من مرض أو كان نضو الخلق فعلى هذا يكون حد الصحابة بالسياط في الخمر، وعثمان ﵁ جلد الوليد بالسياط، وقال
стр. 6336
الجمهور: حده بالثياب كان شرعا خفف به الخمر كما خففه في العدد فعلى هذا عدل الصحابة بالاجتهاد عنه إلى السياط كما بلغوا ثمانين.
[١١٨/أ] وقال القاضي أبو حامد: الشافعي ﵁ في جراح العمد في باب جناية السلطان: إذا ضربه بالسوط أربعين أو أقل فمات ضمن، وقال في (المختصر) و (الأم) مثل هذا، والقول الآخر لأصحابنا لا عن الشافعي فإذا قلنا بهذا فكم يضمن؟ وجهان: أحدهما: يضمن كل الدية لأنه عدل من جنس إلى غيره فكان الضمان كله عليه. والثاني: لا يضمن كله بل يضمن قدر ما زاد على ألم غير السياط هكذا ذكره أبو حامد، وقال ابن المرزبان: يلزم نصف الضمان في هذا الوجه، والثاني. ثم قال الشافعي ك فإن ضربه أكثر من أربعين فمات ضمن، قال أصحابنا: إنما ضمن لأن ما زاد على الأربعين تعزيز أضافته الصحابة إلى الحد ويجوز للإمام تركه كما يجوز ترك التعزيز، وقد روينا عن علي ﵁ ذلك فإذا تقرر هذا فكم يضمن؟ فيه قولا: أحداهما: نصف ديته لأنه مات من مضمون وغير مضمون فصار كما لو جرحه وآخر جراحة فديته بهما سواء. والثاني: يضمن بقسط الزائد في الجملة فإذا ضرب أحدا وأربعين فمات يلزمه جزءمن أحد وأربعين جزءا من الدية ويسقط الباقي لأن آثار الجرح غير متقاوتة في الغالب فيجب بالحصه كما لو استأجر [١١٨/ب] دابة تحمل عشرة مكاكيك فحمل أحد عشر فمات يلزم الضمان بالحصة لا نصف القيمة.
ثم هذا الضمان يجب على الإمام دون الجلاد لأنه أمر بالضرب وهل يكون ذلك على عاقلته أو في بيت المال؟ فيه قولان والأصح أنه يجب على عاقلته وقد قطع به هنا أنه على عاقله الإمام دون بيت المال، وإن الجلاد فعل ذلك بأن أمره الإمام بأن يحد في الخمر أربعين أو يحد في القذف ثمانين فزاد على ذلك واحدا فعلى الجلاد الضمان وكم يضمن؟ قولان على ما ذكرنا اللهم إلا أن يكون الجلاد يضرب والإمام يعد فزاد بعد الإمام خطأ فيضمن هو دون الجلاد إذا تقرر هذا وقد قال المزني: وقوله فديته على عاقلة الإمام غلط بليجب بعض ديته لأنه من حق وزيادة فكيف تكون الدية بكمالها على عاقلته والموت حصل من مباح وغير مباح؟ الأول أنه لو ضرب في القذف أحدا وثمانين جزءا من الدية، ألا تري أنه قال: لو جرح رجلا فخيط المجروح في لحم حي فعلى الجارح نصف الدية لأنه مات من جرحه والجرح [١١٩/أ] الذي أحدثه في نفسه؟ فكذلك هنا بهما مات فلا تكون الدية كلها على الإمام قلنا: الشافعي ﵁ قائل في هذه المسألة بالتقسيط به كما قلت به أيها المزني ولكن قصد به بيان محل الدية وهي أنها على العاقلة فلم يهذب عبارته في المقدار فتجوز فيها، فقال: فديته على
стр. 6337
عاقلة الإمام ومعناه الواجب من ديته على عاقلة الإمام وقد بين المقدار في غير هذا فوجب أن يحمل مطلق كلامه على ما فسره في موضعه، وقال بعض أصحابنا بخراسان: قال الشافعي في هذه الصورة: فإن ضربه أكثر من أربعين بالنعال أو غير ذلك فمات فديته على عاقلة الإمام وأراد بقوله أو غير ذلك بالسياط ويجب فيه كل الضمان في أحد القولين فقوله: فديته يعني كل الدية يرجع إلى هذا قوله: أكثر من أربعين بالنعال وهذا ضعيف.
فرع آخر
لو أمر الإمام أن يضرب شارب الخمر ثمانين ضربة فضربه أحدا وثمانين فمات فإن قلنا: يعتبر بعدد الضربات كان أربعين جزءا من أحد وثمانين جزءا من الدية مقدرا، ووجب أربعون جزءا من أحد وأربعين جزءا من الدية على الضارب، وإذا قلنا: يقسم على المضمون وغير المضمون اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: من فعل غير [١١٩/ب] مضمون وفعل منسوب إلى الأمام مضمون وفعل الضارب مضمون فتكون الدية منسوبة أثلاثا فسقط ثلثها ووجب على الإمام ثلثها وعلى الضارب ثلثها، ومنهم من قال: يجب أن يقسم على مضمون وغير مضمون فيسقط نصف الدية ويجب نصفها بين الإمام والضارب نصفين فحصل في هذه المسألة ثلاثة أوجه وهذا الوجه الأخير اختيار صاحب "الإفصاح".
مسألة: قال: ولو ضربت امرأة حدا فأجهضت لم يضمنها وضمن ما في بطنها.
قد ذكرنا أنه لا يجوز إقامة الحد على الحامل، فلو أقام وماتت لم يضمنها لأن الحق قتلها. ويضمن ما في بطنها فإن كان عالما بأنها حبلي فهذا تعد منه فتكون دية الجنين على عاقلته، وإن لم يعلم أنها حبلي فهو خطأ من جهته فيكون في دية الجنين قولان: هل هي على عاقلته أو في بيت المال؟ وذكر ابن أبي هريرة وجها آخر في ضمان الإمام أنه إن ضمن فيها تعود منفته على كافة المسلمين كتعزيز المتعرض للزنا والأذى فديته على عاقلته، وإن كان غير ذلك ففي بيت المال، وقال أبو إسحاق وابن أبي هريرة وصاحب "الإفصاح": إنما لا يضمنها إذا ماتت من الضرب دون الإجهاض، أما إذا ماتت من الإجهاض ضمن كما يضمن [١٢٠/أ] الجنين وكما لو ضربها في شدة حر أو برد مفرط فماتت وقد قال القاضي الطبري: هذا لا يصح لأنها إذا ضربت وأجهضت وماتت فالموت يكون حادثا عن الإجهاض والضرب جميعا، فلو كان التأويل ما ذكروه لوجب أن يضمن نصف الدية لأنه يكون حادثا عن مضمون وغير مضمون، وقال بعض أصحابنا: وهو الصحيح المشروح إن كان موتها للحد لا يضمن، وإن كان من الإجهاض فقط يضمن الدية، وإن كان من الإجهاض والحد معا يضمن نصف
стр. 6338
الدية، ومن أصحابنا من قال: إذا ماتت هنا لا يضمنها وقال: إذا أمر السلطان بالختان لا يضمن إلا أن يكون في حر شديد أو برد مفرط ففيه ثلاثة طرق: أحدهما: أراد في الحد إذا كان الغالب السلامة وأراد في الختان إذا كان الغالب الهلاك وقد صرح به في الختان.
والثانية: فيهما قولان أحدهما: لا ضمان لأن كليهما واجب. والثاني: يضمن لأنه تعدي فيهما.
والثالثة: هما على ظاهرهما لأن الختان جرح فالغالب عنه التلف والحد ضرب في ظاهر البدن والغالب السلامة، وأيضا وجوب الحد مجمع عليه والختان مختلف فيه وأيضا الحد [١٢٠/ب] يختص بنظر الإمام واستيفائه، والختان يجب على الإنسان ولا يختص بالإمام فإذا تولاه ضمنه، وأما إذا أقامه في شدة الحر قال في باب جناية السلطان: كرهت ذلك فلو مات من الضرب فلا عقل ولا قود ولا كفارة، وذكر في مواضع أنه لا ينبغي أن يقام الحد في هذه الحالة ولم يتعرض للحكم الذي يكون إذا فعل ذلك ومات، وقال في رجل أغلف أو امرأة لم تخفض: إذا أمر السلطان بهما فعزرا فماتا لم يضمن السلطان إلا أن يعززهما في حر شديد أو برد شديد يكون الأغلب أنه لا يسلم من عزر في مثله فيضمن عاقلته ديتهما ففيه ثلاثة طرق على ما ذكرنا.
مسألة: قال: ولو حدة بشهادة عبدين.
الفصل
إذا ضرب الإمام حدا بشهادة عبدين ظاهرين الحرية ثم بان أنهما عبدان أو كافران أو فاسقان يلزمه الضمان لأن البحث عن أحوال الشهود إليه، فإذا لم يفعل كان من خطئه فيكون على القولين. فإذا قيل: هلا قلتم: يجب الضمان على الشاهدين كما لو شهدا بالقتل فقتل ثم قالا: أخطأنا يلزمهما الضمان؟ قيل: الفرق أن التفريط من جهة الإمام هنا حين لم يفحص [١٢١/أ] عن أحوال الشهود وسرائرهم وهناك التفريط كان من الشاهدين فكان الضمان عليهما، ولو شهدا بالقذف فحد المشهود عليه ثم بان رقهما أو فسقهما وقد مات المحدود كان الضمان على الإمام ولا يرجع به على الشهود.
فإذا قيل: فإن حد القذف حق الآدمي عندكم وقد استوفاه فكان ينبغي أن يكون الضمان عليه كما لو شهدوا له بمال وقبضه ثم بان فسقهما يلزمه الضمان دون الإمام. قيل: الفرق أن المشهود له قبض المال فإذا لم يطلب البينة بان أن مال المشهود عليه وحصل في يده فكان عليه ضمانه وهنا لم يحصل في يده شيء وكان الفعل بخطأ الإمام وتسليطه فافترقا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان معلن الفسق فالحكم ما ذكرنا، وإن كانا فاسقين وفسقهما مجتهد فيه فلا ضمان بالشك والاجتهاد. ثم حيث
стр. 6339
يغرم فلا رجوع على الشاهدين الفاسقين لأنهما شهدا وعندهما أنه يقبل قولهما ربما أدى الأمر في قبول شهادة الفاسق إلى اجتهاد الحاكم، وأما العبدان والكافران والمرأتان فوجهان: أحدهما: يثبت الرجوع لأن رد شهادتهما يقين. والثاني: لا يثبت الرجوع لأنهما ما كذبا أنفسهما بالرجوع عن الشهادة وكان من حقه أن يفحص عن حالهما ولا يقبل شهادتهما وهذا أصح. وقال في جراح العمد: [١٢١/ب] فإن أقر عنده صبي أو معتوه بإقراره بالسرقة ضمن يده وإنما قال ذلك لأن هذا الخطأ منه لأن إقراره لا يصح.
مسألة: قال: ولو قال الإمام للجلاد: أنما أضرب هذا ظلما وعلم أنه ظالم له، فضربه وتلفف الضمان على الجلاد دون الإمام؛ ضمن الإمام والجلاد معا.
في هذا ثلاث مسائل:
إحداهما: أن يأمره بجلد رجل ظلمًا وعلم أنه ظالم له، فضربه وتلف فالضمان على الجلاد دون الإمام؛ لأنه ما أكرهه عليه بل فعله باختياره ولا يجب عليه طاعته في المعصية.
والثانية: أن لا يعلم ظلمه فجلده فمات فالضمان على الإمام لأنه تلزمه طاعة الإمام ما لم يعلم أنه ظلم فصار كأنه ألزمه.
والثالثة: أن يلزمه على ضربه فضربه يلزم الضمان عليهما نصفين لأن الإمام ضارب بالإكراه والضارب آثم فيما فعله فإنه لا يجوز له ضربه وإن أكرهه عليه، وهذا تأويل قوله: ضمن الإمام والجلاد معا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: يجب كل الضمان على المكره ولا شيء على المكره في أحد القولين وهذا النص يدل على أن هذا الخطأ من القائل، وقال صاحب (الإفصاح): هذا تأويل باطل لأن الشافعي ذكر هذه المسألة في باب جناية السلطان من باب جراح العمد ولم يذكر مسألة الإكراه فصح التأويل، وقال صاحب (المنهاج): فإن قال قائل: هذا الجلاد إما أن يكون [١٢٢/أ] مختارا فيضمن وحده، أو يكون مكرها فيجب على السلطان دون الجلاد كالمكره والمكره قلنا: الجلاد في صوره المكره لأن أمر الإمام بمجرده إكراه فإن أخبره بأنه ظالم والمكره والمكره شريكان في ضمان النفوس قودًا ومالًا وإنما ينفرد المكره بالضمان في الأموال المستهلكة كما ينفرد فيها بالمأثم وفائدة إخباره إياه بالظلم أنه لو لم يخبره ما كان على الجلاد شيء وكان خطأ الحاكم لا يلتزم فيه الجلاد ضمانا ولا عاقلته لأنه حينئذ كالآلة وهو لا يعلم أن الفعل الذي يباشره ظلم منه وقد ذكرنا قبل هذا شرح ما قيل فيه وهذا الذي قاله غريب.
مسألة: قال: ولو قال الجلاد: ضربته وأنا أرى الإمام مخطئا وعلمت أن ذلك رأي بعض الفقهاء.
стр. 6340
الفصل
إذا أمر الإمام بضرب رجل فضربه ثم قال: ضربته وعلمت أن الإمام مخطئ في ذلك وعلمت أن ذلك رأي بعض الفقهاء فترك الإمام مذهبه أو خالف نص السنة بتأويل واجتهاد مثل أن أمره بقتل حر بعبد فرجع إلى قول أبي حنيفة والجلاد يعتقد أنه لا يجوز والجلاد يعتقد ذلك أيضا يلزم الجلاد الضمان، لأنه لا يجوز له قتله ويلزم القود في هذه المسألة وتمام الدية: وقال صاحب (الإفصاح): [١٢٢/ب] ويحتمل في الضمان وجهان: أحداهما: يلزمه كل الدية. والثاني: يلزمه نصف الدية لأنه من الإمام أمرا، ومن المأمور مباشرة فالضمان عليهما وهكذا ذكره ابن أبي هريرة وأشار إليه القاضي أبو حامد.
وقال في (الحاوى): إن لم يكن فيه نص لحد القذف بالتعريض يلزمه الدية، وإن كان فيه كقتل الحر بالعبد والمسلم بالكافر ففيه وجهان قال ابن أبي هريرة: يلزمه القود للنص، والثاني لا قود لشبهة الاختلاف، ومن أصحابنا من قال: المسألة بعكس هذا وهو أن الجلاد يعتقد أن قتله جائز والإمام يعتقد أنه لا يجوز فيجب القود على الجلاد اعتبارا بنية الإمام والاجتهاد ليس إليه، إن كان هو من أهل الاجتهاد وإنما هو إلى الإمام لأن الإمام لم يوله القضاء ولم يستخلفه حتى يجتهد وهو مباشر عالم بالحال فيلزمه الضمان ن ولا يلزم الإمام المسبب المخطئ شيء.
فرع
لو اعتقد الإمام والجلاد وجوبه فلا ضمان فيما ذكرنا، وإن كان يعتقد الإمام وجوبه دون الجلاد فإن أكرهه فلا ضمان، وإن لم يكرهه فلا ضمان على الإمام وهل يجب على الجلاد؟ فيه وجهان أحدهما لا ضمان لأنه منفذ لحكم نفذ بالاجتهاد، والثاني يضمن لإقدامه مختارا على إتلاف ما يعتقد وجوب ضمانه، وقيل: هل يجوز له الإقدام عليه؟ [١٢٣/أ] فيه وجهان: أحدهما: يجوز اعتبارا باجتهاد الإمام. والثاني: لا يجوز لأنه يخالف نص قوله صلي الله عليه وسلم (لا يقتل حر بعبد) وقيل: إن مسألة الكتاب هذا _وأراد الشافعي _ عليه ضمان جميع الدية يعني على الجلاد إن لم يكرهه، وإن كان الإمام يعتقد حظره والجلاد يعتقد وجوبه فإن رده الإمام إلى اجتهاد الجلاد فلا ضمان على أحد وإن أمره الإمام به ولم يرده إلى اجتهاده فلا ضمان على الجلاد لأنه استوفي بإذن مطاع ما يراه مشرعا في الاجتهاد، وأما الإمام إن لم يكرهه فلا ضمان عليه وإن أكرهه ضمن لأنه ألجأه إلى ما لا يسوغ في اجتهاده.
مسألة: قال: ولول قال: أضربه ثمانين فزاد سوطا.
следующие страницы →