Полный текст (7 151 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
توضأ مرة مرة!! فإذا تقرر هذا، ذكر الشافعي: أنه لو ترك حرفاً من أم القرآن، وهو في الركعة رجع إليها وأتمها.
وفي بعض النسخ رجع إليه، وهما صحيحان، فالتأنيث يرجع إلى الفاتحة وكناية التذكير راجعة إلى الحرف، والمعنى في المسألة، أن كل حرف من الفاتحة ركن عن حياله، والترتيب فيه شرط، فإذا نسي حرفاً لم يحتسب ما بعده، فإن تذكر في تلك الركعة رجع إلى ذلك الحرف فبنى عليه، وان لم يذكر حتى قرأ في ركعة أخرى التحقت قراءته فيها بالركعة التي قبلها فتمت القراءة فيها، وسقطت في التي بعدها.
باب
طول القراءة وقصرها
مسألة: قال: "وأحب أن يقرأ في الصبح مع أم القرآن بطوال المفصل".
وهذا كما قال: اعلم أن القصد من هذا الباب، أن المستحب للإمام في الصلاة التخفيف مع التمام، كما قال أنس ﵁: كان النبي ﷺ "من أخف الناس صلاة في تمام". وبين الشافعي ذلك، وهو أن يقرأ في صلاة الصبح بعد الفاتحة في كل ركعة بسورة من طوال المفصل كسورة الحجرات، والذاريات، والواقعة ونحوها. ويقرأ في الظهر سنها بذلك يعني في [١٦٣ ب / ٢] الركعتين الأوليين، وفي الأخويين ذكرنا قولين في سنة السورة، فإذا قلنا: تسئ قرأ فيهما على النصف من الأوليين.
والأصل فيه خبر أبي سعيد الخدري ﵁: "حزرنا قيام رسول الله ﷺ في الركعتين الأوليين من الظهر قدر ثلاثين آية قدر: ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ (السجدة: ١ - ٢]، وحزرنا قيامه في الأخريين على النصف من ذلكء وحزرنا قيامه في الأوليين من العصر بنحو مما يقرا في العشاء". وأراد في الأوليين من العشاء، ثم امن ما يستحب في العشاء، وهو قدر سورة الجمعة، وإذا جاءك المنافقون، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل مثل: ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾ (العاديات: ١]. وهذا تفسير التخفيف في تمام. فإن زاد على هذا كان مثقلاً على القوم، وان نقص عنه كان مقصراً إلا أن يكون له عذر ظاهر، أو لأحدٍ ممن خلفه، فلا بأس حينئذ أن ينقص عنه، ولا يكون مقصراً، فإن قصر أو زاد يجوز في الجملة.
وإنما شبه الشافعي الصبح بالظهر والعصر والعشاء، لأنهما صلاتا سر، ولم يثبت ما إذا قرأ رسول الله ﷺ فيهما، وفي كل هذا ورد الخبر.
قال ابن عباس ﵁: "صليت خلف رسول الله ﷺ صلاة الصبح يوم الجمعة، فقرأ فيها بسورة السجدة: ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾، ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ﴾ وقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والسورة التي ذكر فيها المنافقون".
стр. 632
وروي أيضاً أنه ﷺ قرأ في صلاة الجمعة: ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾، و ﴿هَلْ أَتَى﴾. وروي أنه "قرأ ليلة الجمعة في المغرب: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وفي صلاة العشاء تلك الليلة: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ ".
وقال بعض أصحابنا: يقرأ في ليلة الجمعة في صلاة العشاء سورة الجمعة وسَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾.
وقال جابر بن سمرة ﵁: "صليت مع رسول الله ﷺ صلاة الصبح، فقرأ فيها، ﴿يس﴾، و ﴿حم﴾. وقال عمران بن الحصين ﵁ [١٦٤ أ / ٢]: "قرأ رسول الله ﷺ في الظهر: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ يسمعنا الآية أحياناً".
وقال بريدة الأسلمي ﵁: "قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَالشَّمْسِ﴾، و ﴿وَاللَّيْلِ﴾ ". وروي أنه قرأ في العصر: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾، و ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ ". وروي عن عمرو بن حريث ﵁، قال: "كأني أسمح صوت رسول الله ﷺ في صلاة الغداة: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥]
وروى أبو داود بإسناده عن رجل من جهينة أنه سمع رسول الله ﷺ "يقرأ في الصبح: ﴿إِذَا زُلْزِلَتْ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١]. وروي أنه "قرأ في العشاء الآخرة سورة الجمعة والمنافقين".
وقال أبو هريرة ﵁: "كان رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بقصار المفصل". وروى ابن مسعود ﵁: "قرأ في المغرب: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
وروي عن ابن عباس ﵁: أنه "قرأ في المغرب: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ﴾، فقالت أم الفضل: إنه لآخر ما سمعته من رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب".
والظاهر أن هذا التطويل كان نادراً، وهذه الأخبار كلها تدل على جميع ما ذكرنا. وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: "يقرأ في الأولى من الصبح من ثلاثين آية إلى ستين آية"، وفي الركعة الثانية من عشرين إلى ثلاثين، وفي الظهر: شبهها بالصبح من ثلاثين آية إلى ستين آية" حكاه الكرخي، وقال في العصر: "يقرأ في الركعتين الأوليين سوى الفاتحة عشرين آية، وكذلك في العشاء الآخرة". وقال أحمد: "يقرأ خمس عشرة آية".
فرع
قال بعض أصحابنا: يستحب تطويل القراءة في صلاة الصبح، لأن أبا بكر الصديق ﵁ قرأ في صلاة الصبح سورة البقرة في الركعتين. وعن عمر رضي الله
стр. 633
عنه أنه قرأ سورة يوسف في ركعة، وسورة الحج [١٦٤ ب / ٢] في ركعةٍ. والمستحب أن لا ينقص عن السور الطوال في سبع المفصل لما روي أنه "قرأ بسورة ﴿ق﴾ في صلاة الصبح".
وروي أنه "قرأ يوم الجمعة: ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة".
فزع آخر
قراءة السورة الكاملة في الصلاة أولى من قراءة بعض الآيات، لأنه لم يقل عن النبي ﷺ إلا قراءة السور، ولو قرأ ذلك جاز لما روي أن الصديق ﵁ قرأ البقرة في الركعتين من الصبح، "وقرأ في الثانية من المغرب: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران: ٨] الآية".
فَرْعٌ آخرُ
لو قرأ سورتين لم يكره، لأن عمر ﵁ "قرأ سورة: ﴿وَالنَّجْمِ﴾، وسجد ثم قام، فقرأ سورة أخرى". وكان ابن عمر إذا صلى منفرداً يقرأ أحياناً السورتين والثلاث في الركعة الواحدة في صلاة الفريضة.
فَرْعٌ آخرُ
قال بعض أصحابنا: تطويل القراءة أولى من تطويل الركوع والسجود لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، ولأن الذكر المشروح في القيام قراءة القرآن وفي غيره التسبيح، والقراءة أفضل من التسبيح.
فَرْعٌ آخرُ
قال بعض أصحابنا: لو كان يصلي النافلة أكثر من ركعتين بتشهد واحد يقرأ في كل ركعة الفاتحة والسورة، وإن كان يصلي بتشهدين، فهل يقرأ السورة في الركعتين الأخريين؟ وجهان، بناء على القولين في الركعتين الأخريين من الفرائض.
فَرْعٌ آخرُ
قال في "الأم": ((ولا باس بتلقين الإمام في الصلاة"، ونقل المزني أن الشافعي
قال: "وإن حضر الإمام لقن"، والأصل في هذا ما روى ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ "صلى صلاة، فقرأ فيها، فلبس عليه، فلما انصرف قال لأبي: "أصليت معنا؟ " قال: "نعم، قال: فما منعك؟ "، وأراد به ما منعك أن تفتح علي إذ رأيتني قد لبس علي؟.
стр. 634
وروي عن عثمان بن عفان وابن عمر ﵄ أنهما كانا لا يريان به بأساً. وبه قال عطا، [١٦٥ أ / ٢] والحسن وابن سيرين ومالك وأحمد واسحق.
وقال ابن مسعود: "يكره ذلك". وبه قال الشعبي والثوري. وقال أبو حنيفة: "إذا استفتحه الإمام فتحته عليه، فإن الكلام في الصلاة. واحتجوا بما روى الحارث عن علي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "يا علي لا تفتح على الإمام في الصلاة". قلنا: رواه يونس بن أبي إسحق عن أبي إسحق عن الحارث، قال أبو داود: سمع أبو إسحق من الحارث أربعة أحاديث ليس هذا منها.
وقد روي عن علي ﵁ أنه قال: "إذا استطعمكم الإمام فأطعموه". يعني: أنه إذا تعايا في القراءة، فلقنوه. ورواه بعض أصحابنا بخراسان مرفوعاً، ولا يصح.
باب
الصلاة بالنجاسة
مسألة: قال: "وإذا صلى الجنب بقوم أعاد، ولم يعيدوا".
وهذا كما قال: إذا صلى الرجل بقوم من غير طهارة، فعليه الإعادة جنباً كان أو محدثاً، عالماً كان أو جاهلاً. وأما المأموم ينظر فيه، فإن كان عالماً بحدثه لم تصح صلاته، وإن كان جاهلاً صحت صلاته سواء كان الإمام جنباً أو محدثاً عالما كان بحدث نفسه أو جاهلاً وسواء علم المأموم به بعد خروج وقت الصلاة، أو قبل خروجه، فإن جهل كل المأمومين صحت صلاتهم، وإن كانوا عالمين بحاله لم تنعقد صلاتهم، وان كان بعضهم عالماً، وبعضهم جاهلاً صحت صلاة الجاهل به. وبه قال عمر وعثمان وعلي وابن عباس وابن عمر والحسن والنخعي وسعيا بن جبير والأوزاعي والثوري وأحمد وأبو ثور ﵃.
وقال أبو حنيفة: "تبطل صلاة المأمومين بكل حال". وبه قال الشعبي وابن سيرين وحماد. وقال مالك: ا (إن كان الإمام غير عالم بحدث نفه صحت صلاة المأمومين، وان كان عالماً لم تصح صلاتهم". [١٦٥ ب / ٢]
وقال عطاء: "إن كان حدثه جنابة لا تصح صلاتهم، وإن كان حدثه غيرها يلزمهم إعادة الصلاة في الوقت، وان كان الوقت خارجاً، فلا إعادة".
واحتج مالك بأنه إذا علم بحدث نفسه فسق، ولا تصح الصلاة خلف الفاسق، وهذا غلط، لأن الفسق لا يقدح في الإسلام، فلا يمنع جواز الصلاة خلفه، والدليل على ما ذكرنا ما روى أبو بكرة ﵁، قال: "دخل رسول الله ﷺ في صلاة الفجر، فأومأ إليه، أي: مكانكم، ثم ذهب، ثم جاء، ورأسه يقطر، فصلى بهم". وهذا يدل على أنهم أحرموا خلفه، لأنه أومأ إليهم، ولم يكلمهم، لأن كلام المصلي يكره.
стр. 635
واحتج الشافعي بعمر بن الخطاب ﵁، والقياس، وأراد به ما روي أن عمر ﵁ "صلى يوماً صلاة الصبح بالناس، فلما انفتل من صلاته رأى على ثوبه أثر الاحتلام، فقال: هكذا يفعل بنا اللحم إذا أكلناه ما أراني إلا وقد احتلمت، وصليت بكم، وما شعرت، فقام واغتسل، وأعاد صلاته"، ولم يأمر أحداً بالإعادة.
وأما القياس: ما ذكره المزني، وهو أن كلأ مصل على نفسه، فلما كانت صحة صلاة الإمام لا تغني عن المأموم إذا كان المأموم جنباً أو محدثاً، فكذلك فساد صلاته من هذا الوجه لا يوجب صلاة المأموم، إذا لم يعلم، ثم أيد ذلك بأنه لو سبقه الحدث في صلاته ينصرف ويتوضأ ثم يبني على صلاته، ويجوز للمأمومين المضي في صلاتهم إذا استخلف عليهم رجلاً بالإجماع، فدل أن فساد صلاة الإمام لا يوجب فساد صلاة المأموم، إذا لم يعلم، كما أن امتناع المضي في الصلاة للإمام بسبب سبق الحدث لا يوجب امتناع المضي للمأموم في الصلاة.
وذكر صاحب "التلخيص" أن قول مالك أحد القولين للشافعي: ولا يصح ذلك عنه.
فرع
لو أدرك [١٦٦ أ / ٢] الإمام في الركوع وصلى، ثم علم بجنابته، قد ذكرنا أنه لا يحتسب له بهذه الركعة. ومن أصحابنا من قال: يعتد له بها، لأنه إذا لم يعلم بحاله صار كالإمام الطاهر، وهو ضعيف.
فَرْعٌ آخرُ
لو صلى الجمعة خلف إمام جنب، فإن كان الإمام تمام الأربعين لا تصح صلاتهم، وإن كان زائداً على الأربعين فلا تصح صلاة الإمام. وهل تصح صلاة المأمومين؟ نص في "الأم": أنها صحيحة، وحكي عنه في "القديم": أنها لا تصح، لأن الإمام شرط في صحة هذه الصلاة.
فَرْعٌ آخرُ
لو أحرم بهم، وهو جنب أو محدث، وأحرموا خلفه جاهلين بحدثه، ثم علموا فعليهم مفارقته، فإن نووا مفارقته، وفارقوه أتموا لأنفسهم، وان لم ينووا مفارقته، أو نووا ذلك ولم يفارقوه فعلاً بطلت صلاتهم وان علم بعضهم دون بعض، فصلاة من لم يعلم صحيحة وصلاة من علم على ما ذكرنا، وكذلك لو أحرم بهم، وهو طاهر، ثم أحدث فعليه أن يخرج من الصلاة، وعليهم أن يفارقوه على ما ذكرنا.
وقال أبو حنيفة: "إذا أحدث الإمام عمداً بطلت صلاة المأمومين"، وهذا غلط لما ذكرنا.
стр. 636
فَرْعٌ آخرُ
لو أحوم بهم، ثم ذكر أنه جنب، قال في "القديم": فإن كان الموضع قريباً، ولم يكن ركع بهم، فإنه يشير إليهم: كما أنتم، ومضى، واغتسل ورجع وصلى بهم كما فعل رسول الله ﷺ ، وإن كان موضعه بعيداً وكان موضعه قريباً، ولكنه كان قد ركع يشير إليهم أن صلوا منفردين ويمضي ويغتسل، لأنه إذا كان قد صلى ركعة يحتاج إلى مفارقته في آخر صلاته مفارقة الآن ولا ينتظره. وهذا على قوله "القديم": لا يجوز الاستخلاف في الصلاة. وأما على قوله "الجديد": فإنه يستخلف من يصلي بهم، وقد قيل: إنما قال في "القديم " هذا ليخرجوا من الخلاف، فيصلون لأنفسهم.
فَرْعٌ آخرُ
لو صلى خلف كافر عزر الكافر وأما المأموم، [١٦٦ ب / ٢] فإن كان عالما بأنه كافر فقد أسا، وصلاته باطلة، وان كان جاهلاً، فهل تجزئه صلاته أم لا؟ فالكافر ضربان: كافر يظهر كفره، وكافر يستره، فإن كان ممن يظهره، فالصلاة باطلة.
قال الشافعي ﵁: "لأنه اءتم بمن لا يصح أن يكون إماماً له بحال". وقال أصحابنا: لأنه مفرط بالائتمام به، فإن علامته تظهر بالغيار والزنار، وهذا يبطل بالمرتد، لأنه لا أمارة على كفره، ولا تصح الصلاة خلفه، ويمكن بأن يعلل بأن هذا يندر، ولا يكثر، فلا يؤدي وجوب المتحرز منه إلى المشقة على المأمومين.
وقال المزني: "تصح ملاته، لأنه أدى ما كلف"، وهو غلط لما ذكرنا، وإن كان ممن يستسر بكفره كالزنديق والمنافق. قال صاحب "الإفصاح": قال الشافعي: في موضع ما يدل على التسوية بين جميع الكفار. وقال في موضع ما يدل على الفرق، فيحتمل وجهين، والمذهب أن صلاته باطلة لعلة الشافعي ﵁. وقال أبو إسحق: "لا تبطل لأن علامته لا تظهر، فلا ينسب إلى التفريط".
فَرْعٌ آخرُ
لو أسلم رجل فصلى بقوم، فلما فرغ، قال لهم: ما كنت أسلمت، وإنما تظاهرت بالإسلام، فصلاتهم ماضية، ولا يقبل قوله في إبطال صلاتهم، ويكون مرتداً فيستتاب، فإن تاب، وإلا قتل.
فَرْعٌ آخرُ
لو صلى خلف مرتد بعد العلم بردته، فالصلاة باطلة، ولا يجوز أن يصلي خلفه حتى يعرف رجوعه إلى الإسلام، فإن كان يسلم تارة ويرتد أخرى، فصلى خلفه، ثم أشكل عليه، فلم يعلم هل صلى خلفه في حال إسلامه أم في حال كفره؟ تصح صلاته.
стр. 637
والمستحب أن يعيد، لأن الصلاة مضت على السلامة، نص عليه.
فَرْعٌ آخرُ
لو صلى خلفه رجل في دار الإسلام، ثم شك، هل كان مسلماً أو كافراً؟ لا يلزمه إعادة الصلاة، لأن الظاهر من الدار الإسلام.
فَرْعٌ آخرُ
لا تجوز الصلاة خلف المجنون، لأنه إن صلى مع علمه، فهو متلاعب، [١٦٧ أ / ٢] وإن لم يعلم جنونه، فإن الجنون مما يمكن الوقوف عليه، فيكون منسوباً إلى التفريط، وان كان يجن ويفيق فصلى خلفه، ولم يعلم أنه ملى في حال جنونه أو عقله، فلا إعادة عليه قياماً على ما قال في المرتد، وان أحرم خلفه، وهو مفيق فجن في أثناء الصلاة، فعليه أن يفارقه، فإن لم يفعل بطلت صلاته.
فَرْعٌ آخرُ
السكران كالمجنون مواء لا تصح الصلاة خلفه، وإذا سكر ينبغي أن يعلم إفاقته حتى تجوز الصلاة خلفه، فإذ كان يكر ويفيق فصلى خلفه لم يعد كما قلنا في المرتد، ولو أحرم خلفه فسكر في أثنائها، فعليه مفارقته، فإن لم يفعل بطلت صلاته.
ولو شرب مسكراً، قال الشافعي: "تجوز الصلاة خلفه"، وأراد إذا غسل فمه، وما أهاب من يديه وثوبه منه، وجملته إن كل ما لا يصح أن يكون إماماً بحال لم تصح الصلاة خلفه كالكافر والزنديق والمرتد والمرأة والمجنون وكل من يصح أن يكون إماماً بحال، كالمحدث والجنب محت صلاته خلفه، وعند المزني تصح الصلاة خلف الكل إذا لم معلم لأنه أدى ما كلف.
مسألة: قال: "ولو صلى رجل وفي ثوبه نجاسة من دم أو قيح فكان قليلاً مثل دم البراغيث".
الفصل
وهذا كما قال: إنما قال في ثوبه، لأن أثر موضح الاستنجاء من بدنه معفو عنه، وقوله: (فكان قليلاً مثل دم البراغيث)، أو كان نفس دم البراغيث (وما يتعافاه الناس)، أي: يتساهله الناس. وجملته: أن الصلاة تفتقر إلى طهارتين: طهارة من حدث، وطهارة من نجس. والطهارة من الحدث مضى بيانها. وأما الطهارة من النجس نقلها المزني إلى هنا، فلا تجوز الصلاة حتى يكون طاهر البدن والثوب والبقعة التي يصلي عليها لقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤].
قال الفقهاء وابن سيرين: أراد [١٦٧ ب / ٢] وثيابك فطهر من النجاسة بالماء، لأن
стр. 638
حقيقة الثياب والطهارة. هذا وقوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥]، أراد بالرجز النجاسة.
وقال ابن عباس وسعيا بن جبير ﵃: أراد: لا تلبس ثيابك على الفار والمعاصي. فقول العرب لمن غدو دنى ثيابه، ولمن وفى بالعهد طاهر الثوب. وقيل: ثيابك فقصر حتى لا تنجر خيلاء وكبراً. وقال الحكم: "معناه: وعملك فأصلح". وقال الحسن: "وخلفك فحسن". وقيل: وقلبك فطهر. والصحيح الأول، فإن صلى وعليه نجاسة يلزمه إعادة الصلاة في الجملة.
وقال مالك ﵀: "لا يعيدها خارج الوقت، ويعيدها في الوقت"، وأراد استحباباً. وهذا يدل على أن إزالة النجاسة لا تجب عند الصلاة. وبه قال ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير وابن أبي ليلى.
وقال ابن عباس: "ليس على الثوب جنابة"، أي: لا يجب الاجتناب عن الثوب النجس. وروي عن ابن مسعود ﵁ أنه نحر جزوراً، فأصاب ثوبه من فرثه ودمه، فصلى ولم يغسلها.
وروي أن رجلاً "سأل سعيد بن جبير عن رجلٍ صلى في ثوبه نجاسة، فقال: اقرأ علي الآية التي فيها غسل الثوب من النجس". وبه قال ابن مجلز. وروى بعض أصحاب مالك عنه أن إزالة النجاسة واجبة إلا يسير الدم. والدليل على ما قلنا ما روى ابن عباس، وأبو هريرة، وأنى ﵁ أن النبي ﷺ ، قال: "تنزهوا من البول، فإن عامه عذاب القبر منه".
وروى ابن عباس انه ﷺ مر بقبرين، فقال: "إنهما يعذبان"، وقد مضى هذا الخبر. وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ أنه قال: "تعاد الصلاة من قدر الدرهم من الدم"، فإذا تقرر هذا، فالكلام الآن في بيان النجاسة التي يعفى عنها، والتي لا يعفى عنها. وجملته أن النجاسة التي تجب إزالتها خمس: الغائط، والبول، والخمر، والدم والصديد. [١٦٨ أ / ١]
وقال داود: "الخمرة ظاهرة". ورواه الليث عن ربيعة مثله. واحتجوا بأنه كان عصيرا طاهراً، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠]، والرجس في اللغة: النجس، ولأنها مائع حرم على الإطلاق، فكان نجساً كالدم.
وحكي عن الحسن أنه ذهب إلى طهارتها، واحتج بأن الله تعالى أعدها لخلقه في الجنة، ولا يعد النجس لهم. وهذا خطأ لأنه لا يبعد أن تكون في الدنيا نجسة، ثم
стр. 639
يقلب الله تعالى عينها، وحكمها أو نقول: النجاسة ضربان: دم وغير دم. فأما غير الدم، إن كان قدرا يدركه الطرف، فلا يعفى عنه قليلا كان أو كثيراً إلا أثر الاستنجاء وحكم ما لا يدكره الطرف، قد ذكرنا. وأما الدم، فجميع الدماء نجش بلا خلاف إلا دم السمك على ما ذكرنا فيما قيل، وإذا ثبت أن كلها نجس، فإن كان دم ما ليست له نفس سائلة كالبراغيث والقمل والذباب والزنابير والبق، فاليسير معفو عنه قولاً واحداً.
وأما الكثير منه الخارج عن العرف والعادة، فإن طبق الثوب ذلك، فغيه وجهان. المذهب أنه معفو عنه لأن الكثير منه نادر، فكان ملحقا بمعتاده كرخص السفر ثبتت للمسافر، وإن كان مرفهاً في سفره لا مشقة عليهء ولأن من يبيت في ثيابه لا يسلم من كثيره، وفي الاجتناب عنه فيق وحرج.
والثاني: وهو اختيار الإصطخري لا يعفى عنه لأنه لا مشقة عليه في الاحتراز عنه. وقال أبو حنيفة وأحمد: "هو طاهر لأنه دم غير مسفوح، فأشبه الكبد"، وهذا غلط لظاهر قوله تعالى: ﴿وَالدَّمَ﴾ [البقرة: ١٧٣] ولم يفصل. وأما قوله: ليس بمسفوح خطأ، بل هو مسفوح سائل، ولكنه لا ينسفح لقلته، وان كان دم ما له نفس سائلة كالآدمي وغيره من الحيوان فقد نص فيه على قولين.
قال في "الإملاء": "حكمه حكم البول والغائط، فلا يعفى عن قليله وكثيره". وقال في "القديم" و"الأم": "يعفى عن قليله دون كثيره"، فإذا قلنا: يعفى عن قليله. [١٦٨ ب / ٢] اختلف قوله في حق القليل، فقال في "الأم": "القليل هو اليسير كدم البراغيث، لأن يتعافونه ويتجاوزونه، ولا يعفى عن قار الدرهم والدينار". وهذا أصح، لأنه يشق الاحتراز من يسيره كما في دم البراغيث.
وقال في "القديم": "إن كان دون الكف لم يجب غسله، وإن كان قدر الكف أو أكثر وجب غسله، ولا تجوز الصلاة فيهء وفيه قدر لمعة". وقيل: إن اجتمع في موضع قدر راحته، لا يعفى، وان كان متفرقا في بدنه أو ثوبه كدم البراعيث يعفى.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: قال الشافعي في موضع: "القليل دينار"، وقال في موضع: "قدر لمعة". وقال في موضع "قدر كف". والعبارات ترجع إلى معنى واحدٍ، وإنما اختلفت عباراته لاختلاف دم البراغيث باختلاف الزمان، فتكثر في الصيف وتقل في الشتاء. وفي هذا نظر، والصحيح ما تقدم.
وقال أصحابنا: هذا في دم يصيبه من نفسه من الحك والبثرة والجرب والفصد والحجامة، فأما الدم الذي يصيبه من غيره من الآدمي أو البهيمة، فلا يعفى عنه أصلاً. وهذا صحيح على ما ذكرنا، وقيل: في الكل قولان. وهذا الفصل لا يعرف عن الشافعي بل نص في كتبه على ما بيناه، ولم يفصل، وقيل: إذا قلنا بهذا التفصيل لا يعفى عن دم الحجامة والفصد أصلاً، لأنه يمكن الاحتراز منه، وهو ضعيف عندي.
стр. 640
وقال القفال: هذا مستحب على أن العلة في عفو دم البراغيث، ماذا؟ فإن قلنا: القلة، فلا فرق، وإن قلنا: الابتلاء به وتعذر الاحتراز منه، فيفصل هكذا. وأما الصديد والقيح نص في عامة كتبه: أنه كالدم، وقيل: قال في موضع من "الأم": "هو أخف حالاً، ولكنه متى بلع لمعة وجب غسله".
وقال أبو حامد ﵀: "المذهب الأولى، وما قال في "الأم": لا يحكى، وهذا لأنه مستحيل، كالدم". وقد روى ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ "أرخص في [١٦٩ أ / ٢] دم الحنون"، أي: الدمل، وأما ماء القروح، فهو كالعرق يظهر عليه، وينزل عنه، فإن كان له رائحة فهو كالدم، وإن لم يكن له رائحة نص في "الإملاء" ما يدل على أنه طاهر كالعرق. وقال في موضع من "الإملاء": "إنه يجري مجرى الصديد والقيح"، فحصل فيه قولان. والمذهب الأول.
وقال مالك وأحمد: "يعفى عن الدم ما لم يتفاحش". وروي عن أحمد أنه قال: "البثر متفاحش". وروي عنه أنه قال: "النقطة والنقطتان معفو. وهذا غلط، لأن ما دون الشبر متفاحش في العادة، فيجب أن لا يعفى عنه.
وقال مالك: "المتفاحش نصف الثوب". وقال الأوزاعي والنخعي: "يعفى عن أقل من درهم"، وأما ونيم الذباب فنجش، ولكنه يعفى عنه في الثوب، كما قلنا في دم البراغيث، لأن الابتلاء به موجود كدم البراغيث. وعند أبي حنيفة ﵀ هو طاهر. وقيل: حد النجاسة كل عين حرم تناوله على الإطلاق مع إمكان التناول لا لحرمته، وإنما حددنا بتحريم التناول، لأن الله تعالى قال: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فجعل النجاسة علة تحريم الكل، ولا يلزم السم، لأنه لا يحرم قليله الذي لا ضرر فيه ولا يلزم الحجر ولحم الآدمي للاحتراز، فإذا تقرر هذا، فلو صلى مع نجاسة عير معفو عنها نظر، فإن صلى مع العلم بها جاهلاً لحكمها لم تنعقد صلاته، وإن صلى فلما فرغ من الصلاة علم بها فيه ثلاث مسائل:
إحداهما: إن فرغ منها ثم شك، هل كانت موجودة حال الصلاة أم لا؟ مثل إن كانت رطبة يحتمل أن تكون إصابته بعد الصلاة، ويحتمل أن تكون أصابته في الصلاة، لا يلزمه الإعادة، لأن الصلاة المحكوم بصحتها ظاهراً لا تبطل بالاحتمال.
والثانية: شاهد النجاسة على ثوبه أو بدنه، ولم يغسلها، ولم يذكرها حتى فرغ [١٦٩ ب / ٢] من الصلاة، فالمذهب أن عليه الإعادة، لأنه مفرط في إزالتها. ومن أصحابنا من قال: لا إعادة عليه في قوله "القديم"، خرجه القافي أبو حامد ﵀، كالذي نسي الماء في رحله فتيمم وصلى لا يلزمه الإعادة في قول ضعيف.
والثالثة: لما فرغ من الصلاة علم بها ولم يعلم بها قبل ذلك، ولكنه تحقق أنها كانت في الصلاة مثل أن شاهدها يابسة، ففيه قولان. قال في "الجديد": "لم تنعقد
стр. 641
صلاته، لأنها طهارة تستباح بها الصلاة، فلا تسقط بالنسيان كالطهارة من الحدث".
وقال في "القديم": "انعقدت صلاته ولا إعادة عليه". وبه قال ابن عمر والأوزاعي ومالك وأحمد في رواية. واحتجوا بما روي أن النبي ﷺ نزع نعليه في الصلاة. وقال: "أخبرني جبريل ﵇ أن فيهما قذراً". ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأن القذر كان بصاقاً أو مخاطاً، فكان يصيب المجد ويتلوث به عند السجود والقعود. وقيل: روي أنه كان فيها دم حلمه وذلك مما يعفى. وإذا قلنا بقوله "القديم" فعلم في أثنائها، فإن أمكن طرح الثوب عن نفسه بأن كان عليه ثوبان أو بقربه آخر، فيستبدل بثوب آخر فعل ذلك، وبنى.
ولو أصابت النجاسة الشيء الصقيل كالسيف والمرأة والزجاج لا يطهو إلا بالماء. وقال أبو حنيفة ﵀: يطهر تمسحاً، وهذا غلط ولأنه محل نجس فلا يكفي فيه المسح كالثوب النجس.
مسألة: قال: "وإن كان معه ثوبان: أحدهما طاهر والآخر نجس".
الفصل
قد ذكرنا أن التحري في الثياب عند الاشتباه جائز، فإذا أدى اجتهاده إلى طهارة أحد الثوبين صلى فيه ولا إعادة عليه، وإن غسل النجس وصلى فيه صحت صلاته أيضاً، وإذا بانت له بالتحري طهارة أحدهما صلى فيه ما شاء، [١٧٠ أ / ٢] ولا يلزمه إعادة الاجتهاد في صلاة أخرى بخلاف القبلة، لأن أمارات القبلة تنتقل وتحدث وأمارات الطهارة في الثوب لا تتجدد كل ساعة ولو أعاد اجتهاده في الثوبين فغلب على ظنه طهارة الثاني، لم يعد ما ملى ولا يجوز له أن يستأنف الصلاة فيه، لأن اجتهاده الثاني أثبت له حكم النجاسة، ثم مذهب الشافعي ﵀ أنه يصلي عرياناً ويعيد لأن معه ثوباً طاهراً بيقين.
وقال ابن سويج: "يصلي في الثاني، ولا يعيد. وقال المزني: يصلي في أحدهما، ويعيد في الآخر بنا، على أمله، أنه لا يتحرى أصلاً".
فرع
لو لم يغلب على ظنه طهارة أحدهما يصلي عريانا وتلزمه الإعادة إذا وجد ثوباً طاهراً على المذهب.
وقال المزني وساعده بعد أصحابنا في هذا الموضع: يصلي في أحدهما ويعيد الآخر، ولو فعل هذا لأجزأه على مذهب الشافعي ﵀، وان كان لا يوجب عليه، هكذا ذكر في "الحاوي". ويحتمل أن يقال: لا يجوز أن يفعل هذا، لأنه يؤدي إلى
стр. 642
أن يصلي بنجاسة متيقنة، وذلك لا يجوز ورأيته عن كبار أصحابنا، وهو الصحيح كما لو اشتبهت في القبلة جهتان، فصلى إلى أحدهما من غير تحر، ثم صلاها ثانية إلى جهة أخوى، لم يجز واحدة منهما، ولو أمكنه أن يغسل أحدهما ويصلي فيه، فقياس المذهب أنه يلزمه ذلك، كما لو كان معه ثوب نجس يقدر على غسله، فإن قيل: ألم يحكم بنجاسته كيف يلزمه غسله؟. قلنا: ولكن لا تجوز الصلاة فيه ويمكنه أن يصلي فيه لغسله، فيلزمه ذلك، ويفارق الإناءين إذا لم يؤد اجتهاده إلى طهارة أحدهما، لأنه لا يمكنه أن يتوصل إلى تطهير أحدهما.
فَرْعٌ آخرُ
لو أخبره ثقة أن النجاسة في أحد كمي الثوب، هل يجوز له قبول خبره؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز إذا قلنا: لا يجوز له التحري.
والثاني: يجوز، وهو إذا قلنا: يجوز له التحري فيهما ذكره في "الحاوي".
مسألة: قال: "وإن خفي عليه موضع النجاسة من الثوب غسله كلها" [١٧٠ ب / ٢].
الفصل
وهذا كما قال: قد تقدم جواب هذه المسألة فلو شق هذا الثوب نصفين حتى صار بمنزلة الثوبين لا يتحرى أيضاً، لأنه يجوز أن يكون كل واحد منهما نجساً، ويكون موضع النجاسة حصل بعضه مع أحد النصفين وبعضه مع النصف الأخر، وفي الكمين هل يتحرى؟ ذكرنا وجهين، فلو فصل أحد الكمين عن الآخر يجوز التحري وجها واحداً، لأنهما بعد الفصل بمنزلة الثوبين.
فرع
لو نجس أحد البيتين من دار واحدة يجوز التحري بلا إشكال كالثوبين، موضع من بيته، ولا يدري عينه، هل يجوز التحري؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز كما لا يتحرى في الثوب الواحد ويلزمه غسله كله.
والثاني: يصلي في أي موضع منه شاء إذا غلبت على ظنه طهارته، ولا يلزمه غسله، كما لو تيقن أن موضعا من الصحراء نجس يصلي في أي موضع شاء، والصحيح الأول، لأن الصحراء تخالف البيت، لأنه يمكنه غل البيت، ولا يمكنه غسل الصحراء فافترقا.
مسألة: قال: "وإن أصاب ثوب المرأة من دم حيضها".
стр. 643
الفصل
وهذا كما قال: إذا أصاب الثوب دم الحيض، فالمستحب أن تحته بخشبة أو بظفرها وتقرصه. والقرص إمعان الدلك. ثم تغسله بالماء، وهو المراد بقول الشافعي ﵀: "قرصته بالماء حتى تنقيه ثم تصلي فيه"، والاقتصار على الغسل بالماء يجوز. وقال بعض أهل الظاهر: الحت والقرص واجب، ثم إذا غسل وبقي له أثر لاصق لا يخرجه الماء عفي عنه على ما مضى بيانه.
مسألة: قال: "ويجوز أن يصلي في ثوب الحائض".
الفصل
وهذا كما قال: إنما جاز ذلك، لأن الأصل الطهارة، وقد ذكرنا أن بدن الحائض طاهر. وروت ميمونة ﵂ أن النبي ﷺ "صلى وعليه مرط وعلى بعض أزواجه منه، وهي حائض، وهو يصلي وهو عليه"، والمرط ثوب يلبسه الرجال والنساء، ويكون إزاراً ويكون رداء ويتخذ من قز وغيره. وقالت عائشة ﵂: [١٧١ أ / ٢] "كنت أحيض على عهد رسول الله ﷺ ثلاث حيض جميعاً ولا أغسل لي ثوباً". وأما الثوب الذي جامع فيه الرجل أهله، فتجوز الصلاة فيه ما لم يصبه مذي أو ودي أو بول بما روي أن رجلاً سأل أم حبيبة ﵂، "هل كان وسول الله ﷺ يصلي في الثوب الذي جامع أهله فيه، فقالت: نعم، ما لم تعلم فيه أذى"، وإن أصابته رطوبة فرجها، فقد ذكرنا الخلاف في نجاستها.
وأما ثياب المشركين، فقد ذكرنا، وأما الصلاة في ثوب الصبي والصبية يجوز له أيضاً، لأن النبي ﷺ "حمل أمامة بنت أبي العاص في صلاته"، ولا شك أن معها ثوبها.
وقال في "الأم": "يجوز حملها في الصلاة من غير ضرورة لهذا النهي". وقال أصحابنا: لو توقى عن هذه الثياب كان أحبه".
فرع
لو كان على الثوب نجاسة يابسة فنفضها عنه زال حكمها، لأنه لم يبق منها شيء، ولو كان في الصلاة فنفضها عن نفسه حال وقوعها صحت صلاته، كما لو كشفت الريح عورته في الصلاة فسترها في الحال، ولأنه مغلوب عليه كسلس البول، ولو وقعت في الصلاة، فأزالها بيده بطلت صلاته لمماسة النجاسة.
مسألة: قال: "وأصل الأبوال، وما خرج من مخرج حي مما يؤكل أو لا يؤكل، فكل ذلك نجس
стр. 644
الفصل
جملته: أن أبوال الآدميين كلها نجسة سواء في ذلك بول الكبير والصفير، والأنثى والذكر، ويجب غسل جميعها إلا بول الغلام ما لم يطعم الطعام، فإن الرش عليه يجزى، وهو أن ينضح بالماء حتى يغمره من غير أن ينزل الماء عنه، وأطلق أصحابنا هذا اللفظ، ومن أصحابنا من قيد. وقال: ما لم يطعم الطعام غير اللبن، وهو صحيح.
وفيما نقله المزني ﵀ خلل، لأنه قال: "فكل ذلك نجس إلا ما دلت عليه السنة من الرش قلى بول الصبي"، فأوهم الاستثناء من النجاسة طهارة بول الصبي، ولا يختلف المذهب في نجاسته، وإنما قال الشافعي ﵁: "فكل ذلك نجس يغسل إلا ما دلت عليه السنة [١٧١ ب/ ٢] وبه قال أحمد واسحق وأبو عبيد ﵏.
وروي هذا عن علي وعطاء ﵃. وقال أبو يعقوب الأبيوردي من أصحابنا: الرش أن ينضح ما يزيد على قدر البول، فيطهر بذلك، وأراد بالسنة ما روي أن صبياً حمل إلى رسول الله ﷺ "ليحنكه فوضعه في حجره، فبال فيه فدعا بماء فرش عليه، وتركه"، والمستحب الغسل، نص عليه. ثم قال الشافعي: "ولا يتبين لي فرق بينه وبين بول الصبية"، يعني من حيث المعنى، ولكن السنة فرقت بينهما.
قال رسول الله ﷺ : "يرش من بول الغلام، ويغسل من بول الجارية". وروي عن أمامة بنت الحارث أنها قالت: كان الحسين بن علي ﵄ في حجر رسول الله ﷺ ، فبال عليه، فقلت: البس ثوباً آخر، وأعطني إزارك حتى أغسله، فقال: "إنما يغسل من بول الأنثى، وينضح من بول الذكر".
قال أبو سليمان الخطابي: "معنى النضح في هذا الموضع الغسل، إلا أنه غسل لا مرس ولا ودلك في الجارية: غسل يستقضي فيه فيمرس باليد ويعصر بعده"، وهذا قريب مما ذكرنا، والاعتماد في الفرق بين الصبي والصبية على السنة، لأن بول الجارية أصفو وله رائحة، وبول الصبي أبيض كالماء، فلهذا افترقا.
وقال أبو يعقوب الأبيوردي: إنما فرق بينهما بعض أصحاب الحديث، وعندنا: لا فوق بينهما في جواز الرش. وقال أبو حامد: التسوية بينهما ذكره بعض أصحابنا،
стр. 645
وليس بشيء. وقال القفال: فيه قولان، والأقيس أن لا فرق. والصحيح الفرق للسنة، والأثر عن علي ﵁.
وقال أبو حنيفة والنخعي والثوري ومالك ﵏: "يجب غسل الأبوال كلها"، وقال داود: "وبول الصبي ما لم يأكل الطعام، فالرش استحباب"، وحكي عن الأوزاعي والنخعي: يرش على الأبوال كلها قياساً على بول الصبي. وأما ما عدا الآدميين من جميع الحيوانات فبولها كلها وأرواثها نجسة سوا، كانت مما يؤكل لحمه أو لا يؤكل.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: [١٧٢ أ/ ٢] "بول ما لا نفى له سائلة وروثه طاهر، لأن الناس يتعافون ونيم الذباب، وأن العسل ظاهر من النحل".
قال: وبناء الوجهين على أنه هل ينجس بالموت؟ وفيه قولان. وهذا غير صحيح، لأن الناس يتعافون ونيم الذباب لقلته وعموم البلوى به لا لطهارته، والعسل ليس بروث النحل، وإنما تعسله بفمها. وقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ﴾ [النحل: ٦٩] يعني من جوف الفم لا من دبرها.
وقال القاضي أبو علي البندنيجي: سألت الشيخ أبا حامد عن ذرق السمك والجراد، فإن الناس يأكلون الجراد والسمك الصغار على صفته، فقال: كل هذا طاهر، فقلت: فما الذي يصنع بعلة الشافعي لأنه بول فقال: ينبغي أن يقال: هو نجس، فقلت: فما يقول في جب ماءٍ ألقي فيه السمك ومكث دهراً يعلم أنه بال وذرق فيه؟ فقال: ينبغي أن يكون الحكم في أبواله وذرقه أنه نجس معفو عنه، لأن الاحتراز منه لا يمكن كدود الخل وذباب الباقلي إذا مات فيه نجس ولكن يعفى عنه قولاً واحداً.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: "الكل نجس إلا ما لا يمكن الاحتراز عنه كزرق الحمام والعصافير ونحوها"، فإنه طاهر وما عداها نجس إلا أنه يختلف الحكم فيه فبول ما لا يؤكل لحمه وروثه لا يعفى عنه إلا قدر الدرهم وبول ما يؤكل لحمه يعفى عنه ما لم يتفاحش إلا عند أبي حنيفة، المتفاحش ربع الثوب، وقيل: ذرع في ذراع.
وعند أبي يوسف: شبر في شبر، وفي روث ما يؤكل لحمه، لا يعتبر أبو حنيفة التفاحش، وأبو يوسف يسوي بين بوله وروثه. وقال الزهري ومالك والثوري وعطاء وأحمد وزفر ﵏: "بول ما يؤكل لحمه وروثه طاهر". وقال الليث ومحمد: "بول ما يؤكل لحمه طاهر دون روثه".
وقال النخعي: "بول ما عدا الآدميين وروثه كلها طاهر مما يؤكل ومما لا يؤكل". واحتجوا بما روي أن قوماً من عرينة قدموا على رسول الله ﷺ المدينة فاجتووها، أي: كرهوها فاصفرت ألوانهم، فقال لهم رسول الله ﷺ : "لو خرجتم في إبلنا فأصبتم من أبوالها وألبانها"، ففعلوا فصحوا فمالوا على الرعاء فقتلوهم، [١٧٢ ب / ٢] واستاقوا الإبل، وارتدوا عن الإسلام، فبعث النبي ﷺ في أثارهم فأتى بهم، فقطع أيديهم
стр. 646
وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا عطشاً".
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "في أبوال الإبل وألبانها شفاء للذرب". والذرب: فساد المعدة. قالوا: وقد روي أن النبي ﷺ ، قال: "إن الله تعالى لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليهم"، وأخبر "في أبوالها شفاء"، فدل أنها طاهرة حلال.
وقال البراء بن عازب ﵁: قال رسول الله ﷺ : "ما أكل لحمه فلا بأس ببوله". وروي عن انس ﵁، قال: كنت بين يدي ناقة رسول الله ﷺ العضباء فكانت تقصع بجرانها ولحاثها يسيل على رأسي، وهو يقول: "لبيك بجحة وعمرة"، فدل أن الحرة طاهرة. وعندكم هي نجسة. وهذا غلط للأخبار الواردة في البول، وقد ذكرنا، ولم تفصل، ولأنه حيوان محرم الدم، فكان محرم البول كالحيوان الذي لا يؤكل لحمه، أو نقول خارج نجس مما لا يؤكل لحمه، فكان نجساً مما يؤكل كما ذكرنا.
وأما الخبر الأول صار منسوخاً، لأنه روي أنه مثل فيهم ونسخت المثلة حتى نهى "رسول الله ﷺ عن المثلة، ولو بالكلب العقور" أو ذاك للضرورة والتداوي إذا لم يكن في غيره مثل ذلك الشفاء، وهكذا الجواب عن الخبر الثاني، وحال الضرورة، أنه لا يقول: أنه حرام، بل هو مباح، فيكون الشفاء في الحلال.
وأما الخبر الثالث: نحمله على حال الضرورة أيضاً، فإن قيل: وبول ما لا يؤكل لحمه عند الضرورة أيضاً، فلا تأثير له، قلنا: لعل السؤال وقع عن بول ما يؤكل فخصه بالذكر. وقيل: رواه سوار بن مصعب، وهو ضعيف، وقد روى: "ما يؤكل لحمه، فلا بأس بسؤره"، فلعل ما رويتم مصحف. وأما الخبر ليس فيه أنه لم يغسل ذلك، ويحتمل أنه أصابه اللعاب، ثم قصع بجرته. واحتج أبو حنيفة ﵀ [١٧٣ أ / ٢] بأن الناس أجمعوا على ترك الحمام والعصافير في الماجد الصحابة والعلماء في بيت الله الحرام ذلك، ولم ينكر منكر، وهذا مما روي: في بول ما يؤكل لحمه وروثه إلى قول مالك وأحمد في سيرتهم خلفاً عن سلف في مدينة الحجاز، يمكن أن يجاب أنهم تركوا ذلك للحوق المشقة في إزالته، ألا ترى أنه مستقذر بلا خلاف، "وقد نهى رسول الله ﷺ -
стр. 647
عن النخامة في المسجد" وهي أنظف منه بكل حال.
مسألة: قال: "ويفرك المني فإن صلى ولم يفركه، فلا بأس".
وهذا كما قال: المني عندنا طاهر لا تجب إزالته، وبه قال أحمد في أصح الروايتين. وروي ذلك عن ابن عباس وسعد بن أبي وقاص وعائشة وسعيد بن المسيب وعطاء ﵃.
وقال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة: "هو نجس" إلا أن مالكاً والأوزاعي يقولان: "هو نجس بكل حال". وقيل: هذا قول الشافعي ﵁ في "القديم". حكاه أبي أحمد، وأبو حنيفة يقول: "يفرك يابساً"، وهو قول أحمد في الرواية الثانية.
وقال الحسن بن صالح بن حيي: "لا يعيد الصلاة من يعيدها من المن في البدن، وإن قل". واحتجوا بما روي عن علي ﵁ أن النبي ﷺ ، قال: "إنما يغسل الثوب من خمسة: البول والمني والدم والقيء". وهذا غلط لما روى الشافعي ﵁: أن عائشة ﵂، قالت: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ فركا، فيصلي فيه" وروي: وهو في الصلاة. وروى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ سئل عن المني يصيب الثوب، فقال: "أمطه عنك بإذخرة فإنما هو كبصاق أو مخاطٍ".
وأما خبر عمار، قلنا: رواية ثابت بن حماد، وهو ضعيف أو نحمله على الاستحباب فيه، [١٧٣ ب / ٢] ولا فرق عندما بين مني الرجل ومني المرأة.
وقال بعض مشايخ خراسان: مني المرأة طاهر بأصل الخلقة، ولكن هل ينجس بملاقاة الرطوبة التي في باطن الفرج؟ قولان: أصحهما، أنه لا ينجس، لأنه إن جعل ذلك الموضع في الحكم كالطاهر فبلله كالعرق، وإن جعل في حكم الباطن فنجاسة الباطن لا حكم لها، ومن هنا قال ابن أبي أحمد في "المنهاج": "ومني المرأة نجس"، وهذا غير صحيح، والمنصوص المشهور ما ذكرنا.
فرع
في مني البهائم ثلاثة أوجه:
أحدها: كله طاهر إلا مني الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما، وهذا ظاهر المذهب، لأنه خارج من حيوان طاهر يخلق منه مثل أمله، فكان طاهراً.
والثاني: كل ذلك نجس، وإنما اختص الآدمي بطهارته للإكرام، فإنه يخلق منه
стр. 648
الأنبياء والأولياء، ولهذا لا ينجى الآدمي بالموت دون غيره.
والثالث: وهو الأقيس يعتبر باللبن، فكل حيوان يحل شرب لبنه فمنيه طاهر، حيوان لا يحل شرب لبنه فمنيه نجس.
فَرْعٌ آخرُ
المني إذا استحال وصار علقة أو البيضة صارت دماً، فيه وجهان:
أحدهما: أنهما طاهران، وهو الأصح وحكاه الربيع عن الشافعي، لأن المعنى الموجب لطهارة المني موجود فيه. وقال أبو إسحق: "هو نجسء لأنه دم".
فَرْعٌ آخرُ
بيض الدجاجة، هل يشرط غسله؟ فيه وجهان بناء على رطوبة فرج المرأة.
فَرْعٌ آخرُ
المشيمة التي يكون فيها الولد نجسة إذا نفصلت لقوله ﷺ : "ما أبين من حي فهو ميت"، قلت: ويحتمل وجها آخر عندي.
فَرْعٌ آخرُ
الأنفحة لبن جامد يحل أكلها، وهي طاهرةء ذكره في "الحاوي". وقال بعض أصحابنا: "أنها نجسة، لأنها كرش"، والأول أظهر عندي.
مسألة: قال: "ويصلي على جلد ما يؤكل لحمه إذا ذكي".
وقد ذكرنا حكم الجلود فيما مضى، وجملته أنه تجوز الصلاة على كل محل طاهر عندنا.
وقال بعض الشيعة: "لا تجوز الصلاة [١٧٤ أ / ٢] على ثوب الصوف ونحوه مما لا ينبت على الأرض". وقد روي عن ميمونة بنت الحارث ﵂، قالت: "كان رسول الله ﷺ "يصلي على الخمرة"، والخمرة: سجادة تعمل من سعف النخل وترمل بالخيوط، وسميت خمرة، لأنها تخمر وجه الأرض، أي تستر.
وروي أنه "صلى على نمرة". قال الشافعي: "النمرة، تعمل من الصوف". وروى المغيرة بن شعبة ﵁: "كان رسول الله ﷺ "يصلي على الحصير والفروة المدبوغة"، وروي: "كان يستحب أن يصلى على الحصير، أو فروة مدبوغة".
مسألة: قال: "ولا يصل ما انسكر من عظمه إلا بعظم ما يؤكل لحمة".
стр. 649
الفصل
وهذا كما دل: إذا انكسر عظمه، فاحتاج أن يرقعه بعظم نظر، فإن رقعه بعظم طاهر، وهو عظم ذكي يؤكل لحمه جاز، ولذلك إذا انقلعت سنه، فجعل مكانها سن حيوان يؤكل لحمه ذكياً جاز، وإن أراد أن يرقعه بعظم نجس، وهو عظم كلب أو خنزير أو عظم ميتة لم يخل من أحد أمرين، إما أن يكون مضطراً إليه، أو غير مضطر، فإن كان مضطرا إليه، بأن لم يجد غيره جاز له، أن يرفعه به، لأنه موضع ضرورة، فهو كأكل الميتة، وإن لم يكن مضطراً إليه لم يجز أن يرقعه به، فإن خالف ورقع به، هل يلزمه قلعه؟ لا يخلو من ثلاثة أحوال:
إما أن لا ينبت اللحم أو نبت، ولا يخاف التلف من قلعه، أو يخاف التلف من قلعه، فإن لم ينبت عليه اللحم يلزمه قلعه وإزالته بمنزلة النجاسة على ظاهر البدن، وإن نبت عليه اللحم، ولكنه لا يخاف التلف من قلعه فعليه أن يقلعه، وان كان يدخل عليه وجع شديد ومشقة عظيمة، فإن فعل، وإلا أجبره السلطان على قلعه لأن صلاته لا تصح إلا بقلعه، فهو كما لو ترك الطهارة يجبره السلطان عليها كذلك ههنا، فإن توانى ولم يقلعه وصلى يلزمه إعادة كل صلاة صلاها، وهو حامل له.
وقال أبو حنيفة ﵀: "إذا التحم لا يلزم قلعه [١٧٤ ب / ٢] أصلاً"، وإنما يتصور الخلاف معه في عظم الخنزير، فإن عنده كل عظم طاهر إلا عظم الخنزير، وهذا غلط، لأنه أوصل نجاسة غير معفو عنها إلى غير معدنها ولا يخاف التلف من إزالتها، فيلزمه إزالتها، فإن قيل: أليس لو شرب خمراً، أو أكل لحم الخنزير، أو الميتة لا يلزمه أن يتقيأ؟ قلنا: فيه وجهان:
أحدهما: يلزمه إزالته بالاستقاء كما يلزم قلع العظم في مسببنا.
والثاني: لا يلزمه ذلك، وهو اختيار صاحب "الإفصاح". والفرق أن هناك أوصل النجاسة إلى معدن النجاسة وموضعها، وههنا يوصلها إلى غير معدنها، فبان الفرق بينهما.
ومن أصحابنا من قال: قال الشافعي ﵁ في كتاب صلاة الخوف: "لو أسر رجل فحمل على شرب محرم ففعل للضرورة، فعليه أن يتقيأ إن قدر عليه". قال هذا القائل: وهذا هو المذهب لأن تغذي البدن به محرم.
وقد روي عن عمر ﵁ أنه شرب لبناً، فقيل له: "إنه كان من إبل الصدقة، فتقيأ". والصحيح عندي ما سبق، فإن قيل: أليس لو غصب خيطاً فخاط به جرح نفسه لا يجبر على نزعه، وان كان لا يخاف التلف، قلنا: لأن له بدلاً يرجع إليه، وهو القيمة، فلا يجبر على نزعه، ويلزمه دفع قيمته بخلاف هذا، ولو مات قبل قلعه، فهل يقلع عنه بعد وفاته أم لا؟.
стр. 650
قال في "الأم": "لا يقلع بعد موته، لأنه صار ميتاً كله، والله حسيبه"، وأراد لا يقلع بعد موته، والله تعالى يحاسبه عليه، إن شاء آخذه وان شاء عفا عنه.
وقال أبو إسحق: "يجب أن يقلع عنه لئلا يلقى الله تعالى بنجاسة، عصي بإدخالها في بدنه". وحكي عنه أنه قال: "إن قلع عنه كان أحوط وأولى، وإن ترك جاز". وهذا غلط، لأن المعصية، لا تزول بنزع ذلك ولا يتجدد المعصية في إنقائه [١٧٥ أ / ٢] وإزالته إنما تراد للصلاة، فإذا زال التكليف لم تجب إزالتها، ولهذا لا يلزم إزالته حتى يدخل عليه وقت الصلاة، ويتوجه عليه الأمر بإقامتها، فإن قيل: أليس يزال عين النجاسة ويغسل، وإن سقط عند التكليف؟.
قلنا: أما غسله، فتعبد، تعبد الأحياء، وليس بحكم يتوجه عليه في نفسه لو كان حياً، وأما إزالة النجاسة فلأن حكم الغسل لا يحصل ما دامت النجاسة، إذ النجاسة تمنع وصول الماء إلى ما تحتها، ولأنه ليس في ذلك مثله، ولا هتك حرمة، وفي كسر عظمه مثله. وقد خرج عن التكليف فلا يؤمر، فإذا تقرر هذا، قال بعض أصحابنا: هذا اللفظ يدل على أن بدن الآدمي ينجس بالموت، وهذا المذهب، لأنه قد صار ميتاً كله، أي: نجساً كله، فلا معنى لإزالة النجس عن النجس، وهذا غلط، بل المذهب أن الآدمي لا ينجس بالموت، وتأويل هذا اللفظ صار جماداً لا تكليف عليه، فلا معنى لقلعه. والمسألة مشهورة بالقولين.
وإن كان يخاف التلف من قلعه مثل أن كان في صلبه أو ضلعه أو رأسه أو خاف تلف عضو من أعضائه كالأصبع واليد ونحوهما، هل يجبر على قلعه؟. المذهب أنه لا يجبر، لأن حكم النجاسة يسقط عند خوف التلف، ألا ترى أن له أن يأكل الميتة عند خوف التلف، ولأنه لما جاز أن يجبره به إذا لم يجد غيره لموضع الضرورة، كذلك لا يقلع عند الضرورة.
ومن أصحابنا من قال: يجبر على قلعه، لأنه أطلق القول في "الأم"، فقال: "أجبره السلطان على قلعه"، ولم يفصل، ولأنه أن يستوفى منه حق الله تعالى، وإن أدى إلى التلف كالقطع في السرقة، ويستحق القتل على ترك الصلاة، وهذا لا يصح، لأنه يعفى عن النجاسة للضرورة كما في سلس البول والمستحاضة، ولا يعفى محن الصلاة جملة فيقتل تاركها، ولأن المجبر على الصلاة بالقتل يمكنه إسقاط [١٧٥ ب / ٢] القتل عن نفسه.
ومن أصحابنا من أطلق القولين في المسألة، وهو غير صحيح.
فرع
لو سقطت سنه، قال الشافعي ﵁: "صارت ميتة لا يجوز له أن يعيدها بعد أن بانت، ولا يعيد سناً غير سن ذكي يؤكل لحمه، فإن أعاد بعظم ميتة أو ذكي لا
стр. 651
يؤكل لحمه أو عظم أدمي نهو كالميتة عليه قلعه وإعادة كل صلاة صلاها، وهو عليه". نص صريحاً على أن جزء الآدمي إذا انفصل عه يكون نجساً.
وقال أبو بكر الصيرفي ﵀ من أصحابنا: عضو الآدمي إذا قطع في حياته، نهو طاهر، لأن جملته ميتاً طاهرة، وهذا خلاف النص، ولكنه أقيس، وبه أنتي، وهو اختيار كير من الأئمة، والفرق عد الشافعي بين العضو وبين الجملة أن العضو المبان لا حرمة له، ألا ترى أنه لا يجب غسله وتكفينه ودنه بخلاف الجملة مجرى العضو مجرى سائر الميتات سوى الآدمي.
وقال في "الأم": "فإن اعتلت سه فربطها قبل أن تدر، فلا بأس لأنها لا تصير ميتة حتى تندر".
فَرْعٌ آخرُ
قال في "الأم": "لو أدخل تحت جلده دماً فثبت، فعليه إخراجه ويعيد كل صلاة صلاها مع ذلك الدم"، فإن خاف التلف، فالحكم ما ذكرنا. وسمعت بعض أصحابنا قال: "لو عض الكلب رجلاً يلزمه أن يغسل موضع العض سبعاً، فلو لم يغسل حتى التحم يلزمه شقه وغسله". وهذا عندي خطأ، لأنه لا يمكنه تمييز موضح القطع وغسله، فلا يلزمه الشق.
مسألة: قال: " ولا تصل المرأة شعرها بشعر إنسانٍ، ولا بشعر ما لا يؤكل".
الفصل
وهذا كما قال: كل شعرٍ نجسٍ لا يجوز للمرأة أن تصل به شعرها، لأن فيه استصحاب النجاسة، ولا تجوز الصلاة مع شعر نجس، فإن فعلت وجب عليها قلعه، فإن لم تفعل أجبرت عليهء وكل شعر طاهر، هل يجوز للمرأة وصل شعرها به، فإن لم يكن لها زوج ولا سيد لا يجوز لها ذلك [١٧٦ أ / ٢]، وتأثم بذلك، لأنه تدليس على طالبها، لأن الرجال يرغبون في كثرة الشعر.
وقد قال ﷺ : "من غشنا فليس منا". وان كان لها زوج فوصلت به لتتزين له، جاز ذلك لها، وذكر بعض أصحابنا: أنه يكره لها ذلك على معنى أنها لا تأثم، ولا تعصي، إذا لم يكن قصدها التغرير، وهو القياس عندي.
وقال أحمد: "يكره لها ذلك، وإن كان لها زوج" لعموم الخبر، وحكى أبو داود عنه أنه قال: "لا بأس بالقرامل" وحكي هذا عن سعيد بن جبير، والقرامل: ما يوصل
стр. 652
بالذوائب حتى تطول. وهذا غلط، لأنه شعر طاهر، وليس في شده غش، ولا تدليس، فلا وجه للمنع منه.
والأصل في كراهة الوصل ما روي أن امرأة قالت: يا رسول الله إن ابنتي أصابتها علة فتمزق شعرها، أفلا أصل فيه؟ فقال النبي ﷺ : "لعنت الواصلة والمستوصلة". وروي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: "ألا ألعن من لعن الله في كتابه، لعن الله الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة، والواشرة والمستوشرة"، فرجعت امرأة معنية بأمر دينها فقرأت القرآن، فرجعت إلى ابن مسعود، وقالت: قرأت ما بين الدفتين، فلم أجد ما قلت، فقال: لو قرأتيه لوجدتيه، الم تسمعي الله تعالى يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]؟ وقد لعن رسول الله ﷺ الواصلة والمستوصلة"، الخبر.
وروي أنه قال: "لعن الله الواشرة والمستوشرة، والنامصة والمتنمصة، والعاضهة والمستعضهة، والمغلجة للحسن والمغيرة خلق الله"، فقال: وأراد بالواصلة: واصلة الشعر. والمستوصلة: طالبة الوصل، والواشمة: التي تجعل في وجهها خالاً للحسن، وقيل: التي تنقش يديها وتسمه بالخضرة، وربما تسقيه العظلم، وأما الوشم بالحناء والخضاب حلال، وأراد بالمستوشمة طالبة الوشم، وأراد بالواشرة: التي تبرد الأسنان بحديدة لتحديدها وزينتها، وأراد بالنامصة: [١٧٦ ب / ٢] التي تأخذ الشعر من حول الحاجبين وأعالي الجبهة. وقيل: التي تدقق حاجبيها وترققه للجمال، وهو قريب مما تقدم، والمفلجة للحسن: التي تبرد أسنانها لتفليجها. والعاضهة: التي تقع في الناس.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن وصلت بشعر الآدمي لا يجوز بحال، لأنه وان كان شعر امرأة لا يحل للزوج النظر إليه، لأنه عضو من أجنبية. وقيل: يجب دفنه ومواراته حتى قلامة ظفر يجب دفنها. وان كان شعر رجل لم يجر لها أن تستصحبه، وإن وصلت بشعر طاهر لا من آدمي، فالتفصيل فيه كالتفصيل في التطريف والنقوش بالحنا وتحمير الوجه بالحمرة، ونمش الحاجبين بالواد، فإن كانت تبرز لغير زوجها لا يجوز، وان كانت لا تبرز لغيره، ولم يعلم به الزوج لا يجوز لقوله ﷺ : "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زورٍ"، وإن علم الزوج به ورضي، فيه وجهان:
أحدهما: يجوز، لأن فيه استمالة قلبه.
والثاني: لا يجوز لعموم النهي، وقال بعض أصحابنا: مفهوم كلام الشافعي الجواز، لأنه خص شعر الآدمي وشعر ما لا يؤكل لحمه عن الوصل، فدل أن بغيره يجوز.
стр. 653
وقال الإمام أبو يعقوب الأبيوردي: إنما خص شعر الآدمي لنجاسته في أحد القولين، وهذا أشبه عندي، ولكنه رجع عن هذا القول على ما رواه إبراهيم البلدي عنه، فهو قول مرجوح لا اعتبار به.
فرع
لو وصلت شعرها بوتر أو بشيء يخالف لونه لون شعرها. قال أصحابنا: يجوز، لأنه لا خديعة فيه، وهذا عندي إذا كان طاهراً لا يحصل به الغرور، وأما إذا كانت متقنعة ينظر إلى رأسها ويغتر. بكبر ذلك بالموصول، فهو منهي أيضاً.
فَرْعٌ آخرُ
قال أصحابنا: خضاب الشعر مباح بالحناء الكتم ومحظور بالسواد إلا أن يكون في جهاد العدو؛ لما روى الحسن البصري أن النبي ﷺ "نهى عن الخضاب بالسواد، وقال: "إن الله تعالى: يبغض الشيخ الغربيب ألا لا تغيروا هذا الشيب، فإنه نور المسلم، فمن كان [١٧٧ أ / ٢] لا محالة فاعلاً، فبالحناء والكتم"، ذكره في "الحاوي".
مسألة: قال: "وإن قال رجل في مسجد أو أرض طهر بأن يصب قليه ذنوب من ماء".
وهذا كما قال: إذا بيل على الأرض فطهارتها أن يكاثر بالماء حتى يغلب البول، ويغيره، فيزيل اللون والريح والطعم. وفي كيفية الإزالة. قال الشافعي ﵁: يصب عليه ذنوب من ماء، يعني به الدلو الكبير، والسجل مثله، وهو الأصح، وقيل: إنه دون الذنوب. وقيل: إنه اسم لما يشد به الرشاء، فإن لم يكن رشاء لا يسمى ذنوباً. والعرب دونه بلا إشكال.
واختلف أصحابنا في هذا، فقال الأنماطي والاصطخري: إنه شرط وتحديد حتى لو بال اثنان لم يطهره إلا دلوان كعدد السبع في ولوغ الكلب لورود الشرع به.
وقال سائر أصحابنا: وهو صحيح إنما ذكره الشافعي على سبيل التقريب أو لموافقة لفظ الخبر والاعتبار بالمكاثرة، لأن البول يختلف، فيقل ويكثر. والذنوب لا تختلف، فلا يجوز أن تكون الذنوب حداً فيه، وإنما الواجب أن يغمره بالماء حتى يغلب عليه، فلا يبقى له رائحة، ولا لون، وان كان له لون.
وقد قال الشافعي ﵁: والذي يثبه أن لا يزال البول بأقل من سبعة أضعافه. وهذا يشبه أن يكون قاله بعدما جرب قدر الماء الذي يأتي على البول ويغمره، وليس فيه حد محدود قولاً مقدار مقدر إلا ما ذكرنا.
стр. 654
ورأيت بعض أصحابنا، قال: لا يختلف المذهب في هذا وذلك غلط. قال الشافعي: "وإن بال اثنان لم يطهره إلا دلوان"، وهذا على الخلاف الذي ذكرناه. وقصد الشافعي به ترتيب الاثنين على الواحد على موافقة الخبر لا التحديد على ما توهمه بعض أصحابنا، وهذا لأنه قد يزيد بول الواحد على بول الجماعة، فلا اعتبار بعدد الدلاء.
وقال أبو حنيفة: "إن كانت الأرض رخوة فصب عليها ما يطهر ظاهرها، ولا يطهر باطنها، وإن كانت صلبة، فصب عليها ماء وجرى طهر موضع البول [١٧٧ ب / ٢] والماء نجس. وذلك الموضع الذي يركد فيه الغسالة نجس ولا يطهر إلا بالحفر"، وبناه على أصله أن الماء المزال به النجاسة نجس، وأن العصر شرط في الثوب المغسول، وعندنا وإن اشترط العصر في أحد الوجهين فههنا الأرض تنشف، فيقوم مقام العصر.
واحتج الشافعي بخبر الأعرابي وتمامه ما روي أن أعرابياً دخل على رسول الله ﷺ في المسجد، فلما رأى لطفه وتثريبه ولم ير من أصحابه ذلك، قال: أللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً، فقال ﷺ : "لقد تحجرت واسعاً يا أعرابياً"، فما لبث أن قام إلى زاوية المسجد، وقعد يبول، فهم به أصحابه، فقال النبي ﷺ : "لا تزرموه"، فلما فرع وخرج، قال: قربوا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا، صبوا عليه ذنوباً من ماءٍ"، أو قال: "سجلاً من ماءٍ". وقوله: "لا تزرموه"، أي: لا تقطعوا عليه بوله. وقوله: "لقد تحجرت واسعاً"، أي: استوليت عليه بزعمك واقتطعته لنفسك. فإن قيل: روينا أنه أمر بأخذ التراب الذي أصابه البول فيلقي ويصب على مكانه. قلنا: قال أبو داود رواه عبد الله بن معقل عن النبي ﷺ ، وهو لم يلقه.
فرع
لو وقع البول على موضع من الأرض، فأتى المطر عليه كان بمنزلة الماء الذي يصب عليه، فإن كاثره حتى غلب عليه واستهلك طهر، لأن القصد غير معتبر في إزالة النجاسة، نص عليه.
فَرْعٌ آخرُ
لو مر بالمكان سيل نظر، فإن دام بمقدار ما يعلم أنه وصل إلى انتهاء البول طهر، وإن مر على الموضع مسحة واحدة لم يطهر كما لو صب عليه الماء فجرى عليه مسحاً لا يطهر المكان إلى انتهاء البول إليه.
стр. 655
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو قلع المكان، وهو رطب حتى لم [١٧٨ أ / ٢] يبق له أثر رطوبة فقد طهر بغير الماء، فإن جف البول، فقلع المكان لم يطهر، لأن أثره بعد الجفاف إنما يتبين على الطبقة العليا من الأرض إلا أن يستقصي حتى يحيط أنه انتهى إلى انتهاء البول، وأزالة كله.
مسألة: قال: "والخمر في الأرض كالبول".
الفصل
وهذا كما قال: الخمرة نجسة على ما ذكرنا، فإذا أصابت الأرض، فهي كالبول يصب عليها الماء، حتى يغمرها، فإن ذهبت ريحها، ولم يذهب لونها لا تطهر قولاً واحداً، وإن ذهبت لونها، ولم يذهب ريحها أجاب ههنا أنه لا يطهر، وفيه قول نص في "الأم "، وهو الصحيح: "إنه لا يطهر لان الرائحة قد تبقى لذكائها مع زوال العين كالماء تتغير رائحته بجيفة، ولا يحصل عينها في الماء".
وقال بعض أصحابنا: إن كانت في الثوب، لا يطهر قولاً واحداً، لأن حكم النجاسة في الأرض أخف لكونها معدناً للأنجاس بخلاف الثوب، ولأن رائحة الخمر لا تتعدى إلى الثوب إلا ببقاء الأجزاء فيه لبعده عنها فتشبه الرائحة فيه بقاء اللون في الأرض، وفي الإناء إذا بقيت رائحة الخمر بعد العسل، فهو أخف حكماً من الأرض، فيطهر قولاً واحداً، لأن بقاء الرائحة فيه لكثرة المجاورة، وقيل: فيه قولان أيضاً، كالأرض ذاكره في "الحاوي".
فرع
لو ذهبت أوصاف النجاسة عن الأرض بالجفاف، فلم يبق لون ولا ريح، ولا طعم، فإن كان في الظل لم يطهر قولاً واحداً، وإن طلعت الشمس وهبت الرياح عليها فجفت، هل يطهر؟ قولان:
أحدهما: لا بطهر، وبه قال مالك وأحمد واسحق وزفر ﵏، وهو الصحيح، لأنه محل نجس، فلا يطهر بالشمس كالثوب.
والثاني: يطهر، وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏: لأن الشمس تحيل الشيء عن طبيعته وتأثيرها أكثر من تأثير الماء، وهم يقولون في الظل مثله بخلاف قولنا.
ومن أصحابنا من رتب الظل [١٧٨ ب / ٢] على الشمس. فقال: إن قلنا بالشمس لا يطهر فعند الظل أولى، وإان قلنا يطهر فغي الظل وجهان.
стр. 656
وقال في "الحاوي": هذا القول الثاني في شمس حكاه ابن جرير عن "القديم"، ولا يعرف هذا عن الشافعي ﵀.
مسألة: قال: "فإن صلى فوق قبر أو إلى جنبه ما لم ينبش أجزأه".
وهذا كما قال: المقبرة على ثلاثة أضرب: مقبرة منبوشة تحققها، فالصلاة فيها لا تجوز للنجاسة، وذلك أن لحوم الموتى وصديدهم اختلطت بهذا التراب البارز، والآدمي. وإن قلنا: لا ينجس بالموت، فإن ما في جوفه نجش بلا إشكال، وتخليط ذلك بغيره.
والثاني: مقبرة جديدة غير منبوشة، قال الشافعي: "كرهته وأجزأه، ولا آمره بالإعادة"، وإنما كره ذلك، لأن المقبرة مدفن النجاسات، وسواء بين الصلاة فوقها وإلى جنبها أو إليها.
والثالث: مقبرة أشكل أمرها، ولا يعلم، هل هي منبوشة أم لا؟. قال في "الأم": لم يكن له أن يصلي فيها، لأن الأصل الآن أنها مقبرة حتى يعلم انه لم يدفن فيها قط وترابه لم ينبش.
وقال في "الإملاء": "إن صلى فيها لم أر عليه الإعادة"، فحصل قولان. وهذا الثاني قول مالك ﵀، ووجهه أن الأصل الطهارة فلا يزول إلا بيقين.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن شك فالأصل الطهارة، وإن كان الغالب كونها منبوشة فقولان بناء أنه يعتبر الأصل أو الغالب فهذا حسن.
وقال أحمد: "لا يجوز الصلاة فيها بحال وإن تحقق طهارته"، وكذلك إذا استقبلها في الصلاة، والنهي عن ذلك تعبد، لا لأجل النجاسة، ولو صلى مع النهي هل يجوز؟ روايتان.
وقال داود: "تجوز الصلاة في المقبرة المنبوشة أيضاً مع الكراهة"، والدليل على أحمد أنها بقعة طاهرة فجازت الصلاة عليها كسائر البقاع، وأما الخبر الوارد فيه محمول على المنبوشة. وروى أبو ذر ﵁، قال: سألت رسول الله ﷺ عن أول مسجد وضع [١٧٩ أ / ٢] في الأرض، فقال: "المسجد الحرام"، قلت: ثم أي؟ قال: "المسجد الأقصى". فقلت: كم كان بينهما؟ قال: "أربعون عاماً وحيث أدركت الصلاة فصل".
مسألة: قال: "وما خالط التراب من نجس لا تنشفه الأرض إنما يتفرق فيه، فلا يطهره إلا الماء".
стр. 657
وهذا كما قال: إذا أحلت النجاسة الأرض لا يخلو إما أن تكون مائعة أو جامدة، فإن كانت مائعةً قد ذكرنا حكمها، وإن كانت جامدة فعلى ضربين: عين قائمة، ومتفرقة، فإن كانت عيناً قائمةً كالفأرة الميتة والعصفور الميت، ونحو هذا من العذرة والسرجين، ينظر فيه، فإن كانت يابسة فالأرض لم تنجس فتزال عن المكان، ويصلى فيه كما لو حلت ثوبا فرماها عنه، وإن كانت رطبة بقيت نداوتها في الأرض بعدما أزالها يكون مكانها من الأرض كالبول على الأرض وقد مضى حكمه، وان كانت النجاسة عيناً متفرقة فيها كأجزاء الميتة والسرجين، فلا يطهر المكان بمكاثرة الماء، وإنما يطهو بقلع المكان حتى يحيط العلم أنه لم يبق من أعيان النجاسة شيء، وإن أراد أن يصلي في هذا الموضع قبل قلع التراب لم يجز حتى يطينه بطين طاهر، فيصير حائلاً بينه وبين النجاسة، أو يفرش عليها بساطاً طاهراً، فإذا فعل هذا كره له أن يصلي على هذا الحائل، لأنه على نجاسة كالمقبرة الجديدة ويجوز، لأنه محل طاهر، وعلى هذا هذه الطرقات التي تلكها البهائم وتروث فيها، ويختلط روثها بترابها كذلك.
مسألة: قال: "وإن ضرب لبن فيه بول لم يطهر إلا مما تطهر به الأرض".
وهذا كما قال: إذا ضرب اللبن من تراب نجس فهو نجس، لا يجوز أن يصلي عليه ولا حاملاً له، وإن طبخ بالنار، فإن النار: لا تطهر شيئاً.
وقال أبو حنيفة ﵀: "يطهر بالطبخ بالنار"، حتى قال في السرجين: "إذا صار رماداً بالنار طهر"، وحكي عنه أنه قال: "لو وقع خنزير في ملاحة فصار ملحاً طهر"، واحتج بأن الاستحالة أبلغ في إزالة النجاسة من الماء، ولهذا تطهر الحمر بالاستحالة [١٧٩ ب / ٢]، وهذا غلط، لأن هذا لم ينجس بالاستحالة، فلا يطهر بها بخلاف العصير، فهو ينجس بالاستحالة، إذا مار خمراً، فطهر بالاستحالة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا كانت نجاسته بمائع يصير طاهراً في قول مخرج مما قال الشافعي في "الإملاء" في الحجر المستنجي به إذا أصابته الشمس وذهب أثر النجاسة يحكم بطهارته، لأن النار أبلغ في هذا المعنى من الشمس. وكان الشيخ أبو زيد يقول: "وإن قلنا: لا يطهر بالشمس ينبغي أن يطهر بالنار، لأن النار أبلغ تأثيراً من الشمس"، وربما قالوا: فيه وجهان. وذكروا الوجهين في السرجين إذا صار بطبع التراب، وصار رماداً بالنار، وكذا في الخنزير أو الكلب إذا صار ملحاً.
وهذا الذي اختاره أبو زيد أسهل على الناس فيضطرون إلى هذه الفتوى في كثير من البلاد وأفتى به بعض مشايخنا الذين رأيتهم، ولكنه خلاف منصوص الشافعي، وظاهر المذهب، وعلى المذهب الظاهر إذا سجر تنوراً بالرقين فعلق به دخانه، ثم لصق به الرغيف ينجس أسفله، ولو وقع في وسط التنور على الرماد نجس أيضاً. والوجه أن يكبح التنور بشيء يابس، ثم يلصق به الرغيف، فإذا تقرر هذا، قال الشافعي رضي الله
стр. 658
عنه: "يكره أن يبني باللبن النجس مسجداً ويفرش به"؛ لأن المسجد ينزه عن النجاسة، والصلاة تكره على النجاسة أو إلى النجاسة، وإن لم يلاقها المصلي، فإن بنى مسجداً وصلى في بقعة طاهرة، والجدار نجس صحت صلاته كما لو كان أمامه قبراً منبوشاً أو جيفة وإن فرش المسجد به لم تجز الصلاة عليه، فإن فرش عليه بساطاً وصلى كره، لأنه صلى على نجاسة تحت بساطه، وتجوز.
وأما ما يطهر به هذا اللبن ينظر فيه، فإن كانت النجاسة جامدة كلحوم الموتى والعذرة والسرجين. قال في "الأم": "لا سبيل إلى طهارة هذا الحال طبخ أو لم يطبخ، ولو غسل بما، الدنيا [١٨٠ أ / ٢] كالميتة".
ومن أصحابنا من قال: إذا طبخ فقد أكلت النار أجزاء النجاسة التي على وجه اللبنة، فإذا غسل بالماء ظاهرها طهر ظاهرها، ويجوز إن يصلى عليها. وهذا صحيح، وإن كان خلاف ظاهر النص وذاك محمول على ما لو لم تحرق النار أجزا، النجاسة في ظاهرها، وبقيت عينها.
وقال كبار أصحابنا: المذهب ما ذكر في "الأم"، لأن عينها تبقى ولكنها تبدل وعند التأمل الأمر بخلافه. وقال ابن القطان من أصحابنا: طهر بالطبخ بالنار، لأن النار تأكل السرجين، ويبقى الطين، وهذا لا يصح لأن ما نجس بمجاورته يبقى.
وروي أنه سئل الشافعي عن هذا النص، فقال: "إذا فاق الشيء اتسع"، ولم يرد الطهارة، بل أواد إباحة استعماله في غير الصلاة إذا لم يمكن التحرز منه، وإن كانت النجاسة مائعة كالخمر والبول، فإن لم يطبخ فكالأرض يبال عليها فطهارته بأن يكاثر بالماء، حتى يصير اللبن طيناً، ثم يكاثر الطين بالماء حتى تستهلك النجاسة فيه، فيطهر كله، ثم إن شاء ضربه لبناً وإن شاء تركه، ولو طبخه فغسل يطهر ظاهره دون باطنه، لأن الماء يجري على ظاهره فيزول عنه حكم النجاسة، لأنه ما بقي له غير بحال، فإن أراد غسل باطنه دقه حتى يصير تراباً، ثم كاثر بالماء، فيطهر الكل.
قال بعض أصحابنا بخراسان: إذا صب عليه الماء وكاثره حتى خلص الماء إلى الوجه الآخر وتقاطر بالرشح طهر كما تطهر الأرض، وهذا صحيح لو تصور جريان الماء إلى الجانب الأخر حتى يحصل الغسل.
وحكي عن أبي حامد ﵀ أنه علل، فقال: "لا يطهر، لأن النجاسة صارت جامدة، وصار اللبن حجراً لا ينشف الماء"، وفيه نظر.
مسألة: قال: "والبساط كالأرض".
الفصل
وهذا كما قال: لا تصح الصلاة حتى يكون طاهراً [١٨٠ ب / ٢] في ثيابه وبدنه، وأن
стр. 659
تكون البقعة التي يصلي عليها طاهرة بحيث لا يلاقي شيء من بدنه ولا ثيابه شيئاً من النجاسة سواء كان موضع القدمين أو الجبهة أو غير ذلك.
وقال أبو حنيفة: "إذا كان موضع القدمين طاهراً صحت صلاته ولا يضره نجاسة غيره"، وقال أبو يوسف ومحمد: "يجب أن يكون موضع الجبهة طاهراً أيضاً". وقيل: هو رواية أبي حنيفة، واحتج بأن وضع الركبتين والراحتين لا يجب فوضعهما على النجاسة كلا وضع. وهذا غلط، لأن هذا موضع المصلى عليه كموضع القدمين والجبهة سواء. وأما ما ذكره لا يصح لأنه وإن لم يجب وضعه، ولكن وضعه على النجاسة ممنوع كما لو كان له ثوب طويل بعضه نجس لا تجوز صلاته.
فرع
لو صلى على موضع طاهر من البساط وباقيه نجس تجوز صلاته سواء تحرك موضع النجاسة منه بقيامه أو قعوده، أو لم يتحرك.
وقال أبو حنيفة: "إن كان يتحرك ذلك بتحركه لا تجوز صلاته مثل أن يكون على سرير يتحرك بتحركه، أو صلى على الحصير وتحت الحمير نجاسة. والحصير تضطرب فوقها بحركة وإن وقعت ثيابه على المكان الطاهر"، قال في "الأم": "وليس هذا كما لو لبس بعض ثوب طاهر، والبعض نجس ساقط عنه لا تجوز الصلاة"؛ لأنه منسوب إليه يقال له: لابس الثوب ويزول عن مكانه فيزول الثوب معه بخلاف هذا.
فَرْعٌ آخرُ
لو كان يصلي عليه وتحت صدره أو بطنه نجاسة على البساط ولا تصيبها ثيابه ولا بدنه، تصح صلاته، نص عليه، لأنه غير حامل لها ولا يماسها.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان: أحدهما: هذا.
والثاني: لا تصخ صلاته، لأنه من جملة مصلاه فطهارته شرط، وهذا ضعيف عندي. هكذا الخلاف فيمن وضع يده في السجود على ثوب مهلهل النسج وتحته نجاسة [١٨١ أ / ٢] فوقع الالتقاء من خلل النسج بين كفه وبين النجاسة، وإن كان الثوب صفيقاً، فلا إشكال في الجواز إذا لم يكن مبتلاً يخرج بلله إلى وجه البساط.
فَرْعٌ آخرُ
لو كانت على رأسه عمامة وطرفها في موضع نجس لا تجوز صلاته وكذلك لو كان الطرف الساقط في نفسه نجساً، وقال أبو حنيفة: "إن كان لا يتحرك بحركته تجوز صلاته"، فنقول: هل يؤدي إلى أن تدرك النجاسة إذا قربت منه تجوز الصلاة، وإذا بعدت لا تجوز لأنها إذا قربت وأرخى إرسال العمامة لا يتحرك وإذا بعده ولم يرخ إرسالها يتحرك بتحركه، وهذا محال.
стр. 660
فَرْعٌ آخرُ
لو شد كلباً بحبل وصلى وطرف الحبل معه نظر، فإن جعل طرف الحبل تحت قدمه لم تضر صلاته سواء كان الكلب صغيراً أو كبيراً حياً أو ميتاً، وإن شد طرف الحبل في وسطه أو أمسكه بيده نظر، فإن كان الكلب ميتاً أو صغيراً يتحرك معه إذا مشى لا تصح الصلاة، وإن كان كبيراً يمشي بنفسه، فالمذهب أنه لا تصح صلاته، لأنه حامل الحبل يلاقي النجاسة.
ومن أصحابنا من قال: "لا تبطل صلاته، لألا لهذا الكلب اختياراً، فهو واقف باختياره". ومن أصحابنا من قال: "إن كان مشدوداً على موضع طاهر مثل إن لف على عنقه خرقة وشد الحبل بتلك الخرقة تجوز صلاته، وإلا فلا تجوز"، وكلا الوجهين ضعيف، لأن هذا الكلب في العادة تابع له يمشي بمشيه، فهو بمنزلة الميت.
فَرْعٌ آخرُ
لو كان الحبل مشدوداً في سفينة فيها نجاسة نظر، فإن جعل الحبل تحت قدميه فلا بأس، وان أمسكه بيده أو شده في وسطه نظر، فإن كانت مغيرة تحرك معه كيف مشى لا تصح صلاته سواء كان طرف الحبل مشدوداً في موضع منها لا تصيبه النجاسة، أو كان مشدوداً في النجاسة، وان كانت السفينة كبيرة لا تتحرك معه إذا مشى نظر، فإن كان طرف الحبل ملاقياً للنجاسة لا تجور صلاته.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: "فيه وجه أخر أنه تجوز صلاته، لأنه ليس من لباسه"، [١٨١ ب / ٢] وهذا غلط ظاهر، وإن كان مشدوداً في موضع طاهر منها، فالمذهب أنه تجوز صلاته، لأن السفينة ليست تابعة له، فإنها لا تزول بزواله، فلا يكون حاملاً للنجاسة.
ومن أصحابنا من غلط وقال: "لا تجوز لأنها منسوبة إليه ومتصلة به"، وأطلق صاحب "الإفصاح"، فقال: فيه وجهان. وما ذكره أولى.
فَرْعٌ آخرُ
لو صلى وفي كمه حيوان طاهر تجوز صلاته، لأن النبي ﷺ "حمل أمامة في صلاته"، فإن قيل: أليس لا يخلو بطنه عن النجاسة، فيكون حاملاً للنجاسة؟ قلنا: تلك النجاسة في معدنها فلا يمنع جوازها.
فَرْعٌ آخرُ
لو كان مذبوحاً، فغسل موضع الدم منه وحمله في الصلاة لا يجوز، لأنه لا حكم لباطن الحيوان في النجاسة والطهارة ما دام حياً، فإذا زالت الحياة يعتبر حكمها، وتصير بمنزلة القارورة إذا جعلت فيها نجاسة وسد رأسها برصاص أو شمع، وملى معها لا تجوز صلاته. وحكي عن ابن أبي هريرة أنه حضر في مجلس ما لزم عليه هذه المسألة، فارتكب، وقال. تجوز صلاته، وهدا غلط، لأن هذه النجاسة في غير معدنها.
стр. 661
ورأيت بعض أصحابنا أطلق وقال: في المسألة وجهان. وقال في اللبن: إذا طهر ظاهره دون باطنه فحمله في صلاته، هل تجوز صلاته؟ والصواب ما ذكرنا، ومثل هذا الارتكاب لا يحتمل التخريج عليه.
مسألة: قال: ولا بأس أن يمر الجنب في المسجد".
الفضل
وهذا كما قال: الأحداث على ثلاثة أضرب: حدث يمنع الصلاة دون القراءة والجماع، وهو الحدث الأصغر، فلا يمنع الاجتياز في المسجد ولا اللبث فيه.
وحدث يمنع الصلاة والقراءة دون الجماع، وهو الجنابة، فهذا الجنب إذا أراد الاجتياز في المسجد نظر، فإن كان لغرض كطلبه إنساناً في المسجد والعبور فيه لقرب الطريق، فهذا مباح، وان كان لغير غرض، فينبغي أن لا يفع، فإن فعل لم يكن فيه كبير كراهة.
ومن أصحابنا من سوى [١٨٢ أ / ٢] بين وجود الغرض وعدمه، وأما اللبث فيه فممنوع بكل حال، وان أجنبه، وهو فيه خرج منه من غير لبث فيه، وبه قال سعيه بن المسيب والحسن وعطاء رحمهم الله تعالى، وقال مالك وأبو حنيفة: "لا يجوز له العبور فيه".
وقال أحمد وإسحق: "إذا توضأ جاز له اللبث فيه"، وقال داود والمزني: "يجوز له اللبث فيه، وإن لم يتوضأ"، واختاره ابن المنذر وهذا غلط، لأن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣].
قال الشافعي: لا تقربوا مكان الصلاة، وهو المسجد، كما قال تعالى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾ [الحج: ٤٠]. وأراد مواضع الصلاة. وقوله: ﴿إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ أي: إلا أن تجتازوا.
وروي عن جابر ﵁، قال: كان أحدنا يمر في المسجد، وهو جنب مجتازاً، ولا يفعلون مثل هذا في زمان النبي ﷺ إلا بإذنه، ولأنه يجوز المبيت في المسجد فلو لم يجز العبور فيه جنباً، لم يجز ذلك، لأن النوم فيه يؤدي إلى هذا، وقد قال أبو حنيفة: "إذا احتلم فيه يخرج مجتازاً".
وقال الثوري "يتيمم، ثم يخرج". ويحكى عن أبي حنيفة أيضا هذا، واحتج أيضا بما روى زيد بن أسلم، قال: "كان أصحاب رسول الله ﷺ يتحدثون في المسجد، وهم على غير وضوء، وكان الرجل يكون جنبا فيتوضأ ثم يدخل المجد، فيتحدث". قلنا: يحمل على أنه كان يتحدث مجتازاً أو نسخ ذلك.
وحدث يمنع الصلاة والقراءة والجماع أيضا، وهو الحيض والنفاس، فينظر فيها،
стр. 662
فإن كانت لا تأمن تلويث المسجد ويخاف أن يقطر الدم منها فيه يكره لها العبور فيه، كما قلنا في المستحاضة، ومن به سلس البول [١٨٢ ب / ٢] إذا كان لا يأمن ذلك ولهذا قلنا: يمنع الصبيان والمجانين والسكران من المسجد لئلا يؤدي إلى هذا، فإن كان واحد من هؤلاء لا يحبس البول متى جاءه، والسكران ربما يتقيأ فيه، وهذه الكراهة كراهة تحريم.
وقال أنس: يا رسول انه تخرج الحائض الخمرة من المسجد؟ قال: "نعم، وتمر إن كان طريقها فيه"، وقيل: إنها كراهة تنزيه. والأول، وان أمنت تلويث المسجد بأن تلجمت واستوثبت، هل يكره لها العبور؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يكره كالجنب، لأنه حدث يزول بالغسل كالجنابة. وقول الشافعي: "وأكره ممر الحائض"، أراد إذا كانت لا تأمن تلويثه.
ومن أصحابنا من قال: يكره لها العبور بكل حال لظاهر لفظ الشافعي، ولأن الحيض أغلظ حكماً، لأنه يمنع الجماع دون الجنابة، وهذا ضعيف، لأنهما استويا في المزيل كالبول والدم سواء، وأما الذي على بدنه نجاسة، ولا يخاف منها تلويث المسجد، فله دخوله والمقام فيه.
فرع
لو احتلم في المسجد يخرج، فإن خاف العسس يتيمم بتراب غير تراب المسجد، فإن لم يجد إلا تواب المسجد لا يتيمم به كما لو وجد تراباً مملوكاً للغير، ولكنه لو تيمم به جاز.
فَرْعٌ آخرُ
لو كان له بابان، فأراد أن يخرج من الأبعد، فإن كان لغرض جاز، وإن لم يكن لغرض فيه وجهان، هل يكره أم لا؟.
فَرْعٌ آخرُ
إذا أراد أن يقعد في المسجد لا لغرض صحيح يكره لقوله ﷺ : "إنما بنيت المساجد لذكر الله تعالى"، وان كان لمذاكرة العلم أو لاستماع الوعظ والعلم لا يكره.
مسألة: قال: "ولا بأس أن يبيت المشرك في كل مسجد إلا المسجد الحرام".
وهذا كما قال: المشرك لا يدخل الحرم بحال [١٨٣ أ / ٢] لا بالإذن ولا بغير الإذن، وأراد بالمسجد الحرام جميع الحرم حتى قال الشافعي: "ويخرج الإمام منه إلى الرسل"، أي: لا يأذن للرسل في دخول الحرم ومسجده أيضاء واحتج بقوله ﷺ يوم
стр. 663
الفتح: "ومن دخل المسجد فهو آمن. وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (التوبة: ٢٨]، والآية بعد سنة تسع من الهجرة وفيها نزلت سورة برا، ة. وأما ما ذكر صار منسوخاً بهذه الآية. وأما غير الحرم، فلا بأس أن يدخل فيما يجوز للمسلم أن يدخل فيه من المساجد وغيرها، ويجوز أن يبيت فيه لما روي أن ثمامة بن أثال الحنفي ربط على سارية المجد بأمر وسول الله ﷺ ، وأنزل رسول الله ﷺ جماعة من المشركين في المسجد، وهم وفد ثقيف.
قال أصحابنا: ولا يجوز لهم ذلك من دون إذن المسلم. ورواه بعض أصحابنا بالعراق عن الشافعي. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يحتاج إلى إذن المسلم؟ وجهان، والظاهر أنه لا يحتاج إليه، وبه قال أبو يعقوب الأبنوردي، هل يجوز للمشرك المقام في المسجد قولان. قال: وقد قيل هذا على حالين، فإن كان بإذن المسلم رجاء إن ينزجر عن كفره بسماع القرآن ومشاهدة الصلوات جاز، وإلا فلا يجوز لاستخفافه بالمسجد.
وقال مالك ﵀: "لا يجوز لهم دخول المسجد أصلاً، وان كان بالإذن قياساً على المسجد الحرام"، وهذا غلط، لأن للمسجد الحرام من الاختصاص بالطواف والمناسك وتحريم قتل الصيد ما ليس لغيره.
وقال أحمد ﵀: "ولا يجوز له دخول الحرمين، وفي سائر المساجد روايتان: أحدهما: لا يجوز.
والثانية: يجوز بالإذن". ثم قال المزني ﵀: "إذا بات فيه المشرك، فالمسلم الجنب أولى"، لأنه ربما تكون حائضاً، أو جنباً مع المشرك، فمن أصحابنا من قال: استدل المزني لجواز مقام الجنب فيه بمقام المشرك فيه. قلنا: من أصحابنا دن قال: نحن إنما [١٨٣ ب / ٢] نبيح للمشرك والمشركة دخول المسجد إذا لم نعلم منهما جنابة، فإن علمنا، فلا يجوز التمكن من ذلك.
ومن أصحابنا من قال: يبيح له بكل حال، وهو الظاهر. والفرق أن المشرك غير معتقد تعظيم حرمة المساجد، والمسلم معتقد تعظيم حرمتها، فطولب بموجب اعتقاده. وهذا يمنع الملم من قراءة القرآن جنباً، لأنه يعتقا تعظيمه، والكافر لو تعلم القرآن وجعل يقرأه، وهو جنب لا يمنع منه ذكره ابن سريج. وفي هذا الاستشهاد نظر عندي.
ومن أصحابنا من قال: مذهب المزني أنه لا يقيم فيه المشرك وأراد بهذا الكلام
стр. 664
الإنكار على الشافعي وهو أنه إذا لم يقم فيه الجنب المسلم ولا يبيت، فالمشرك أولى، وهذا بعيد.
فرع
إدخال النجاسة في المسجد لا يجوز، لأنه مكان الصلاة، وإدخال الصبيان والمجانين يكره فيه للخبر، وإدخال البهائم فيه يكره، لأنه لا يؤمن تلويثه، ولكنه لا يحرم لأن النبي ﷺ "طاف راكباً".
مسألة: قال: "والنهي عن الصلاة في أعطان الإبل اختيار".
الفصل
وهذا كما قال: ذكر الشافعي الصلاة في أعطان الإبل ومراح الغنم، والأصل فيه: ط روي أن النبي ﷺ ، قال: "إذا أدركتكم الصلاة وأنتم في مراح الغنم فصلوا فيه، فإنها سكينة وبركة، وإذا أدركتكم الصلاة وأنتم في أعطان الإبل فاخرجوا منها وصلوا، فإنها جن من جني خلقت ألا ترونها إذا نفرت كيف تشمخ بأنفها".
والأعطان في اللغة: مواضع قريب الماء تنحى إليها الإبل الشاربة ليشرب غير الشاربة لا مبيتها بالليل. ومراح الغنم: موضع مأواها ليلاً. وجملته: أنه إن كان العطن والمراح نجسين بأبعارها وأبوالها، لا تجوز الصلاة فيها، وإن كانا طاهرين لا بول فيهما ولا بعر، فإن صلى فيهما، فالصلاة صحيحة، ولكن السنة قضت بأنها مكروه في أعطان الإبل غير مكروهٍ في المراح، وليس الفرق بينهما للطهارة والنجاسة، وإنما الفرق لما قال الشافعي في "الأم"، [١٨٤ أ / ٢] وهو أنه كره الصلاة بالقرب من الإبل، لأجل أنه مأوى الشياطين والجن كما قال الرسول ﷺ : "إنها جن"، فهو كما تكوه الصلاة في الحمام والحش وان كان في موضع طاهر منهما.
وقال النبي ﷺ حين ناموا عن الصلاة: "اخرجوا من هذا الوادي فإن به شيطاناً".
قال الشافعي: "فأمرهم بالخروج من ذلك الوادي كراهة قرب الشيطان، فلذلك نهى عن الصلاة في أعطان الإبل كراهية الإبل المخلوقة من الجن"، وهو معنى قوله: (فكره قربه لا لنجاسة إبل ولا موضع فيه شيطان)، ثم استدل على جواز الصلاة بقرب الشيطان، فقال: وقد مر "برسول الله ﷺ شيطان فخنقه" ولم يفسد صلاته.
وتمام هذا الخبر ما روي أن النبي ﷺ ، قال: "لقد مر بي البارحة عفريت ليفسد علي صلاتي، فأمكنني الله تعالى منه، فأخذته فخنقته حتى وجدت برد لسانه على أناملي،
стр. 665
فأردت أن أربطه بسارية من سواري المسجد لتلعب به صبيان المدينة فتذكرت قول أخي سليمان ﵇: ﴿﴾ [ص: ٣٥]، فرددته خاسئاً"، فدل على أن قرب الشيطان لا يفسد الصلاة، وهذا المعنى لا يوجد في القرب من الغنم لأن فيها سكينة وبركة، وقيل: إنها من دواب الجنة، فلهذا لا تكوه الصلاة في القرب من الغنم ومراحها.
والفرق الثاني ذكره الشافعي: أن أعطان الإبل في العادة أوسخ مكان يكون في الأرض، فإن بطلت لها الدبغ من الأرض، فإنها لا تملح إلا بذلك فتكره الصلاة فيه، لأنه مكان وسخ. وأما مراح الغنم أنظف موضع وأطيب تربة، وتطلب لها ما استعلت أرضه واستدار من مهب الشمال موضعه، فلم تكره الصلاة فيه.
ومن أصحابنا من فرق بأن الصلاة بالقرب من الإبل تسقط الخشوع، لأنه لا يأمن على نفسه من نفورها والخوف على نفسه منها، ويكره له ما يسقط الخشوع، ولهذا لا يصلي عند مدافعة الأخبثين ونحو ذلك. [١٨٤ ب / ٢] وفي الغنم يأمن على نفسه لما فيه من البركة والسكينة، فلم يكره.
وقال بعض أصحابنا: هذا الذي ذكره الشافعي في العطن والمراح ترجيح لقول من يقول لجواز الصلاة، وعلى الثوب طين الطريق إذ الغالب من العطن والمراح أنهما لا يخلوان من النجاسةء وان قلت: غير أن البناء على أمل الطهارة، وليس الغالب نجاسة جميع العطن.
وقال أحمد: "لا يجوز الصلاة في أعطان الإبل، وإن كان المكان طاهراً، ويجوز في مراح الغنم، وإن كان فيه بول وبعر" بنا، على أصله، أنه طاهر، واعتمد على النهي والإباحة في الخبر، وإياه قصد الشافعي بتطويل هذا الفصل. وقيل: العطن هو الموضع الذي تناخ الإبل فيه الصيف إذا شربت في المرة الأولى ليملأ الحوض مرة أخرى ثم ترد إليه هذه الشربة الثانية تسمى العطل.
باب الساعات التي تكره فيها صلاة التطوع
قال: "أخبرنا مالك. . . ."، وذكر الخبر، وهذا كما قال: الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، خمسة:
وقتان: منهي عنها فيهما لأجل الفعل بعد فعل الصبح حتى يبتدئ طلوع الشمس، وبعد فعل العصر حتى تصفر الشمس، وقيل: حتى تبتدئ الشمس بالغروب ذكره القاضي الطبري. وقيل: حتى تغرب الشمس، ذكره أبو حامد، وما ذكرنا أصح وهو معنى هذا أن من لم يصل بعد صلاة الوقت في هذين الوقتين غير منهي عن الصلاة فيهما، فلو أخر الصبح عن وقته لا يكره قبله النافلة، وإذا صلى يكره حينئذ، وكذا لو
стр. 666
أخر العصر لم يكره النفل قبلها إلى قبل اصفرار الشمس، ولو صلى في أول وقتها يكره النفل بعدها، وإن كان قبل الاصفرار وذلك الفعل لا لعين الوقت.
وثلاثة أوقات منهي عنها فيها لأجل الوقت حين تأخذ في الطلوع حتى تطلع [١٨٥ أ / ٢] وترتفع قيد رمح.
والثاني: حين يستوي الزوال حتى يزول وحين تأخذ في الغروب تغرب. وقال بعض أصحابنا: يكره أن يصلي بعد ركعتي الفجر غير ركعتي الفجر لما روى ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ ، قال: "ليبلغ الشاهد الغائب أن لا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين".
وروي أنه ﷺ أنه قال: "لا يصلى بعد الفجر غيرهما"، فتصير الأوقات المنهية على هذا القول ستة، وظاهر المذهب أنه لا يكره ذلك، والقائم به، لأن النبي ﷺ لم ينه إلا بعد صلاة الصبح حتى تطله الشمس. هكذا ذكره مشايخ خراسان.
وقال بعض أصحابنا بالعراق: "ظاهر المذهب الكراهة". وروي ذلك عن ابن عمر وعبد الله بن عمرو وسعيد بن المسيب والنخعي. وبه قال أبو حنيفة وأحمد وقال مالك: "لا تكره". وقد روى عبد الله بن عمرو ﵁ أن النبي ﷺ ، قال: "لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتا الفجر"، ومن أصحابنا من قال: جملته ثلاثة أوقات بعد طلوع الصبح حتى ترتفع الشمس قيد رمح وبعد العصر حتى تغرب الشمس، وعند استواء الشمس حتى تزول إلا إن قيل: أن تبتدئ الشمس بالطلوع والغروب يتعلق النهي بفعل صلاة الصبح والعصر، فلو لم يصل لم يحصل النهي حتى تبتدئ الشمس بالطلوع والغروب، والذي قاله هذا أحسن.
وقيل: إنما نهى عن الصلاة بعد الصبح ليكون أقوى لهم على صلاة الضحى، وبعد العصر ليكون أقوى لهم على صلاة الليل، وعند نصف النهار لأجل النافلة والاستراحة. وقيل: إنه كان يجلس في هذه الأوقات ليعلمهم دينهم ويتلوا الوحي عليهم، فكانوا ينقطعون عنها بالصلاة فنهاهم عند قيام الظهيرة لقوله ﷺ : "قيلوا فمان الشيطان لا يقيل". [١٨٥ ب / ٢] فإذا تقرر هذا، فإطلاق النهي يقتضي كل صلاة في كل مكان، وفي كل زمان. وليس النهي على ظاهره، بل أراد به الخصوص في صلاة دون صلاة، وفي مكان دون مكان وفي زمان دون زمان.
فأما الصلاة: فالنهي يتناول إنشاء نافلةٍ لا سبب لها، وهو أن يشرع بنافلة لا عادة له
стр. 667
بها، فأما كل صلاة لها سبب، فله فعلها في هذه الأوقات كلها من ذلك الفوائت، وصلاة النذور والجنائز وصلاة الخسوف والعيدين قضاء. ومن أدرك جماعة وكان قد صلاها، والنوافل الراتبة كالوتر وركعتي الفجر وغير ذلك من النوافل الراتبة مع الفرائض وسجود التلاوة والشكر. وأما تحية المسجد، ينظر فإن دخل المسجد في هذه الأوقات لغرض له مثل العبور فيه أو لينام فيه، أو يقرأ أو يكتب علماً أو يجلس فيه لحاجة دين أو دنيا، فالسنة أن يصلي ركعتي التحية، وإن كان دخوله لغير غرض، فيه وجهان
أحدهما: لا يصليها، لأنه يفضي إلى أن يتحرى النافلة في هذه الأوقات، وهو الأقيس.
والثاني: له أن يصليها، لأن سببها موجود، وهو دخول المسجد.
وحكي عن أبي عبد الله الزبيري من أصحابنا: أنه لا تجوز تحية المسجد مطلقاً، وقيل: هل يجوز قصد دخول المسجد للتحية؟ وجهان:
أحدهما: يجوز، لأن بعد الدخول قد وجا السبب.
والثاني: لا يجوز القصد إلى إحداث سببها كما لا يجوز القصد إلى الصلاة فيه. وأما ركعتا الإحرام، لا يجوز في الوقت المنهي لأن سببه متأخر عنها لا يتقدم عليها، فهو كصلاة لا سبب لها. فنقول له: أخر الإحرام وركعتيه.
وذكر بعض أصحابنا: أنه يجوز ذلك في الوقت المنهي لأنها صلاة لها سبب ذكره القاضي البندنيجي، وهو غلط، وإن ذكر في هذه الأوقات صلاة كانت ورده وعادته في وقت كمن عادته أن يصلي الضحى ركعتين أو يسجد في [١٨٦ أ / ٢] كل ليلة قدراً راتباً، فالحكم في سائر الناس مبني على حكم النبي ﷺ فيها. وقد ثبت أن النبي ﷺ "شغل عن ركعتين كان يصليهما بعد الظهر، فذكرهما بعد العصر، فصلاهما في بيت أم سلمة ﵂، وثبت أنه داوم على قضائهما بعد العصر قالت عائشة ﵂: "ما دخل رسول الله ﷺ يوماً إلا وصلى تلك الركعتين". وأما غيره من الناس إذا ذكرها في هذه الأوقات قضاها فيها قولاً واحداً.
وذكر بعض أصحابنا: فيه وجهاً آخر أنه لا يقضي فيها وليس بشيء. وأما المداومة على القضاء في هذا الوقت كما فعل رسول الله ﷺ يجعل ذلك سبباً في فعل مثلها، هل يجوز؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز اقتداء برسول الله ﷺ .
والثاني: وهو الأصح، لا يجوز له أن يداوم عليها، لأن التكرار ليس بسبب،
стр. 668
ويفارق النبي ﷺ لأنه كان ألزم نفسه أن لا ينسى صلاة، فيذكرها في وقت إلا قضاها فيه، ولا يوجد هذا المعنى في غيره.
وروي أن أم سلمة ﵂، قالت: أفنقضيها نحن إذا فاتتنا؟، فقال: "لا". وروي أن أبا سعيد الخدري ﵁ يرى هذا النهي عاماً، فقيل له: أليس قد صلى رسول الله ﷺ في بيت أم سلمة؟ فقال: "إنه فعل ما أمر ونحن نفعل ما نؤمر". وتأويل هذا أنه لا يجوز لنا أن نجعله عادة ويجوز له، ولو نذر أن يصلي في الوقت المنهي عنه. فالصحيح أنه لا ينعقد نذره، وفيه وجه آخر. وأما المكان، فالنهي يتناول كل البلدان إلا مكة، فالطواف وركعتا الطواف تجوز في هذه الأوقات كلها قولاً واحداً. وان أراد أن ينشئ نافلة يتبرع بها من غير سبب فيها، فهل يجوز؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز كالطواف وركعتيه، ولا فرق بين مسجدها وبيوتها في ذلك. وهذا لقوله ﷺ في رواية أبي ذر ﵁ [١٨٦ ب / ٢]: "لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس إلا بمكة، إلا بمكة إلا بمكة "ثلاثاً"، ولأن هذا التفضيل للمسجد الحرام على سائر البقاع، وتخصيصها بحراسة الله تعالى لها من أن يتخطفها شيطان.
قال رسول الله ﷺ : "وكل الله بأطراف الحرم ستين ألفاً من الملائكة يحرسونه من الشياطين". وهذا اختيار جماعة من أصحابنا. وهو المذهب.
والثاني: لا يجوز ذلك لأنا جق زنا الطواف وركعتيه لئلا ينقطع الطواف، وهذا معدوم في غيرها من النوافل. ولا يجوز في البيوت، لأن للمسجد حرمة زائدة. وهذا اختيار ابن سريج. وأما الزمان، فالنهي يتناول كل الأيام إلا يوم الجمعة. وفيه ثلاث مسائل:
إحداها: من بكر للجمعة وجلس ينتظر الصلاة والخطبة، فله التنفل إذا استوت الشمس للزوال حتى كيف شاء، لأنه مخصوص بالاستثناء.
والثانية: الأوقات الأربعة في يوم الجمعة كما في سائر الأيام، لأن الاستثناء كان في نصف النهار.
وذكر بعض أصحابنا بخراسان: وجهاً أنه لا نهي يوم الجمعة أملأ عن الصلوات لما روي أن النبي ﷺ قال: "إن جهنم لا تسجر يوم الجمعة"، وأشار إليه صاحبه "الإفصاح"، وهو ضعيف.
والثالثة: من تخلف عن الجمعة لعذر أو غير عذر، هل له أن يتنفل إذا استوت
стр. 669
الشمس للزوال؟ فيه وجهان:
أحدهما: له ذلك، لأن الاستثناء لم يخص قوماً دون قوم.
والثاني: وهو المذهب ليس له ذلكء لأن المعنى في الرخصة أن الناس ندبوا إلى التبكير إلى الجمعة وإيصال الصلاة، فلو أخذوا بأن يرقبوا حين الاستواء لشق ذلك عليهم، ولعله يخفى على أكثرهم، ويؤدي مراعاة ذلك إلى تخطي رقاب الناس، وذلك مكروه ولا وجه لأن يقال بترك الصلاة قبله، لأنه إذا لم يصل ربما ينامء فينتقض وضوءه، ثم يشق عليه وعلى الناس الخروج للطهارة، وهذا المعنى معدوم فيمن ليس في الجامع، فلهذا لا يتنفل في هذا الوقت.
وقال أبو حنيفة: "النهي عام في جميع الأزمان، [١٨٧ أ / ٢] وجميع البلاد، وجميع الصلوات إلا عصر يومه عند اصفرار الشمس، فإن الوقتين المتعلقين بالفعل سلم جواز قضاء الفوائت، ولم يجوز الصلاة المنذورة، ولا ركعتي الطواف".
وقال ابن المنذر: "لا تكره الصلاة إلا بعد العصر حتى تصغر الشمس"، لأنه روي عن علي ﵁ أنه "دخل فسطاطه فصلى ركعتين بعد العصر". وروي ذلك عن الزبير وابنه والنعمان ابن بشير وأبي أيوب الأنصاري وعائشة وتميم الداري ﵃.
وقال داود: "يجوز فعل النافلة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع أيضاً". وقال مالك ﵀: "يقضي الفرائض في الأوقات المنهي عنها، ولا يصلي فيها النوافل أصلاً". وبه قال أحمد إلا أنه أجاز فيها ركعتي الطواف وصلاة الجنازة مع إمام الحي. وقال أحمد: "لا يجوز وقت الزوال يوم الجمعة".
واعلم أن الشافعي ﵀ أورد في هذا الباب أخباراً عاقة في النهي، وأخباراً عامة في الإباحة، وأخباراً فيها تفصيل، فبدأ بما يدل على النهي عاماً، وهو ما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ ، قال: "لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس".
قال: وعن أبي ذر ﵁ مثل ذلك. وأخل المزني بالنقل؟ لأنه نقل لفظ أبي ذر في خبر أبي هريرة ﵁ بأن أبا هريرة روى أن النبي ﷺ "نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس وبعد الصبح حتى تطلع الشمس".
وروى أبو ذر ﵁ ما ذكرنا وزاد فيه: "إلا بمكة" على ما ذكرنا، فكان من حق المزني إذا أراد الاختصار أن ينقل خبر أبي هريرة بلفظه، ثم يقول، وعن أبي ذر مثل ذلك، أو يقول: خبر أبي ذر بلفظه، ثم يقول: وعن أبي هريرة مثل ذلك، ثم روى عن الصنابحي، وهو عبد الله أن النبي ﷺ ، قال: "إن الشمس تطلع ومعها قرن
стр. 670
الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، وإذا استوت فارقها، [١٨٧ ب / ٢] فإذا زالت فارقها، ثم إذا دنت للغروب فارقها، فإذا غربت فارقها"، ونهى رسول الله ﷺ عن الصلاة هي تلك الأوقات. واختلف العلماء في تأويل هذا اللفظ، فقال بعض أصحابنا: معنى (قرن الشيطان)، أي: ناصية الشيطان أو رأسه. وذلك أنه يقارن الشمس في هذه الأوقات الثلاثة، لأن الذين يعبدون الشمس من الناس يجدون لها في هذه الأوقات الثلاثة فيحيونها حالة الطلوع، لأنها حالة ظهورها، وعند الاستواء، لأنه أكمل أحوالها، وعنه الغروب يودعونها، فالشيطان يقارن الشمس فيرى أن هؤلاء إنما يجدون له.
وقيل: أراد القرن القوم، يقال: قرن نوح وقرن كذا بمعنى القوم والحزب، فمعناه تطلع بين قرني الشيطان، وهو من جماعته الأولين، وجماعته الآخرين، فكأنه جعل عبدة الشمس قوم الشيطان وحزبه، لأنه أغراهم واستزلهم بالسجود في هذه الأوقات، ولم يرد أنهم مع الشيطان، فنهى عن الصلاة في هذه الساعات لئلا يتشبهوا بهؤلاء.
وقيل: أراد بين قرني رأسه، أي: ناحيته، لأن لكل رأس قرنين، أي: ناحيتين، وسمي: ذا القرنين، لأنه ضرب على جانبي رأسه. وقيل معناه: أن الشيطان مقارن لها.
وقال إبراهيم الحربي: "معناه أن ذلك الوقت حين يتحرك الشيطان وينشط، فيكون كالمعين لهم" ونظيره ما روي أن النبي ﷺ ، قال: "إن الشيطان يجري من ابن أدم مجرى الدم"، أي: يغويه على المعاصي، وقيل: قرن الشيطان، أي: حزب الشيطان من الإنس الذين يعبدون الشمس في هذه الأوقات كالمجوس. وقيل: حزب الشيطان من الجن الذين يصرفهم في أعماله وينهضهم في مرضاته في هذه الأوقات.
وقيل: القرن، عبارة عن الارتفاع، فيرتفع الشيطان إلى الشمس في هذه الأوقات، وقيل: قرن الشيطان قوته، [١٨٨ أ / ٢] فيقوي التسويل لعبدة الشمس حتى يسجدوا لها.
وروى عقبة بن عامر ﵁، قال: "نهانا رسول الله ﷺ في ثلاثة أوقات أن نصلي فيها، وأن نقبر فيها موتانا إذا طلعت الشمس حتى ترتفع بازغة، وإذا استوت في كبد السماء حتى تزول، وإذا تضيقت الغروب حتى تغرب"، يعني: مالت. وهذا لم ينقله المزني.
وروي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: شهد عندي رجال مرضيون أرضاهم عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد الصلاتين: صلاة الصبح، وصلاة العصر"، ولم ينقله المزني أيضاً. ثم روى خبر أبي سعيد الخدري
следующие страницы →