← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 6406–6445 · переход к 6411.

стр. 6406

وفيه دليل على أن جهاد الكفار مع أئمة الجور واجب مع أمة العدل، وقوله: ناوأهم يريد ناهضهم للقتال وأصله من ناء ينوء إذا نهض، وروى عبد الله بن عمرو ﵁ أن النبي ﷺ قال: "قفله كغزوة". وأراد به القفول عن الغزو والرجوع إلى الوطن أي: أن للمجاهد إلى أهله في انصرافه كأجره في إقباله إلى الجهاد وهذا لأن المداومة تضر بأهله وفي قوله: إليهم إزالة الضرر عنهم وقد قيل: أراد به التعقيب وهو رجوعه ثانيًا في الوجه الذي جاء منه منصرفًا، وإن لم يكن عدو وقد يفعل الجيش ذلك الانصراف لأحد أمرين: أحدهما: أن العدو إذا رآهم قد انصرفوا عن ساحتهم آمنوا فخرجوا عن مكانهم، فإذا قفل العدو نالوا الفرصة منهم فأغاروا عليهم. والثاني: أنهم إذا انصرفوا من مغزاهم ظاهرين لا يأمنوا أن يقفوا العدو أثرهم فيوقعوا بهم وهم غارون فإذا رجعوا يكونون مستعدين لقتالهم وإلا فقد سلموا. وروى أبو إمامة الباهلي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ثلاثة كلهم ضامن على الله خرج غازيًا في سبيل الله تعالى فهو ضامن على الله تعالى حتى يتوفاه فيدخله الجنة أو يرده بما كان من أخر وغنيمة، ورجل راح إلى المسجد فهو ضامن على الله، ورجل دخل بيته بسلام. وقوله: "ضامن" أي: مضمون كقوله تعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَة﴾ أي: مرضية وقوله: "ثلاث كلهم ضامن" يريد كل واحد منهم وقوله: "ورجل دخل بيته بسلام" أراد أن يسلم إذا دخل منزله، وقيل: أراد لزوم البيت طلب السلامة من الفتن يرغب في العزلة بذلك. وروى أبو مالك الأشجع ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من فصل في سبيل الله فمات أو قتل فهو شهيد أو وفصه فرسه أو بعيره أو لدغته هامة أو مات على فراشه بأي حتف شاء الله فإنه شهيد وله الجنة". وقوله: فصل أي خرج وقوله: "وفصه فرسه" معناه صرعه فدق عنقه، والهامة إحدى الهوام وهي ذوات السموم القاتلة كالحية والعقرب ونحوهما. وقال أبو هريرة ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "شر ما في الرجل شح الهالع وجبن خالع" وأصل الهلع الجزع، والهالع هنا ذو الهلع، والشح أشد من البخل، ومعناه: البخل الذي يمنعه من إخراج الحق الواجب عليه فإذا استخرج منه هلع، والجبن الخالع هو الشديد الذي يخلع فؤاده من شدته. وروى عقبة بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة صانعه يحتسب في صنعته الخير والرامي به

стр. 6407

ومنبله فاركبوا وإن ترموا أحب إليّ من أن تركبوا ليس من اللهو إلا ثلاث تأديب فرسه، وملاعبته أهله، ورميه بقوسه ونبله وفي ترك الرمي بعدما علمه رغبًة عنه فإنها نعمة تركها أو كفرها. وقوله "منبله" هو الذي يناول الرامي النبل وهو على وجهين: أحدهما: أن يقوم مع الرامي بجنبه أو خلفه ومعه عدد من النبل فيناوله واحدًا بعد واحد. والثاني: أن يرد عليه النبال المرمية والسهام الغريبة. وروى عقبة بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "كل شيء يلهو به الرجل باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته فإنهن من الحق. وروى معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الغزو غزوان فأما من ابتغى وجه الله وأطاع الإمام وأنفق الكريم ويأسر الشريك، واجتنب الفساد فإن نومه وبيعه أجر كله وأما من غزا فخرًا ورياءً وسمعة وأفسد في الأرض فله أن يرجع بالكفاف". وقوله: "يأسر الشريك" معناه: الأخذ باليسر والسهولة فيه مع الشريك والصاحب والمعاونة لهما يقال: رجل يسر إذا كان سهل الخلق. وروي أن رجلًا قال: يا رسول الله من في الجنة قال: "النبي في الجنة والشهيد في الجنة والمولود في الجنة والوئيد في الجنة" وأراد بالمولود الطفل الصغير والسقط ومن لم يدرك الحنث، والوئيد الموءود أي المدفون في الأرض حيًا وكانوا يؤدون البنات والبنين أيضًا عند المجاعة. وروى سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ قال: "اثنتان لا تردان أو قلما تردان الدعاء عند النداء وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضًا" أي تشتبك الحرب ويلزم بعضهم بعضًا. وروى معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من قاتل في سبيل الله فواق ناقة فقد وجبت له الجنة والفواق ما بين المنكبين وروى عبد الله ابن أبي أوفى ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف". وروى جابر بن عتيق ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من الغيرة ما يحب الله ومنها ما يبغض الله فأما التي يحبها الله فالغيرة في الريبة، وأما التي يبغضها الله فالغيرة من غير ريبة وإن من الخيلاء ما يبغض الله ومنها ما يحب الله فأما الخيلاء التي يحب الله فاختيال الرجل عند القتال واختياله عند الصدقة، وأما التي يبغض الله فاختياله في البغي والفخر". ومعنى الاختيال في الصدقة أن تهزه أريحية السخاء فيعطيها طيبة نفسه بها من غير من والاختيال في الحرب أن يتقدم فيها بنشاط نفس وقوة جنان. وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من مات ولم يغز ولم يحدث

стр. 6408

نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق". وروى أبو إمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق". وروى أبو إمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من لم يغز ولم يجهز غازيًا أو يخلف غازيًا في أهله بخير أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة". وروى زيد بن خالد ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا". ومن خلفه في أهله فقد غزا. فإذا تقرر هذا فينبغي أن لا يأتي عام إلا وله فيه غزو بنفسه أو بسراياه فلا يجب أن يغزو بنفسه بكل حالٍ وما مضت برسول الله ﷺ سنة إلا وكان له فيها جهاد إما غزوة أو غزوتان وإنما جعل الأقل مرة في كل سنة لأن الجزية المأخوذة على ترك القتال في كل سنة مرة ولأن سهم الغزاة يجب في أموال الأغنياء في كل سنة مرة ولأنه فرض الجهاد وأقل الفروض المتكررة ما يجب في كل عام مرة كالصيام والزكاة، ولا يجوز أن يتركه إلا من ضرورة لقول الله تعالى: ﴿أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ قال قتادة: إنها وردت في الجهاد. واعلم أن الذي استقرت عليه سيرة الخلفاء الراشدين أن يكون لهم في كل سنة أربع غزوات صيفية وشتوية وربيعية وخريفية. وقد كان النبي ﷺ بعد فرض الجهاد عليه قريب من ذلك وأكثر فإنه كان له في تسع سنين سبع وعشرون غزاًة بنفسه وسبع وأربعون سرية بأصحابه وإذا عجز عن ذلك اقتصر فيها على ما يقدر عليه والأقل ما ذكرنا. فرع إذا غزا عامًا بلدًا غزا قابلًا غيره ولا يتابع الغزو على بلد واحد ويعطل ما سواه من بلاد المشركين، وإن يخلف حال أهل البلاد فيتابع الغزو على من يخاف نكايته أو على من يرجو غلبة المسلمين على بلاده فيكون تتابعه على هذا المعنى الذي ليس في غيره مثله. فرع آخر قال: وينبغي للإمام إذا غزا قومًا أن يعتمد على ثقة في دينه على ما ذكرنا ويتقدم إليه أنه لا يجمل المسلمين مهلكة يخاف ولا يكلفهم قصد حن يخاف أن يشدوا تحته ولا يلزمهم دخول مطمورة يخاف أن يعطبوا فيها، ولا يدفعوا عن أنفسهم ولا غوث لهم ولا يحملهم على شيء من أسباب المهالك فإن فعل ذلك الوالي والإمام فقد أساء ويستغفر الله تعالى ولا قود ولا كفارة عليه إن أصيب أحد منهم بطاعته، وكذلك لا يأمر القليل منهم بإتيان الكثير حيث لا عون لهم ولا يحمل أحدًا منهم على

стр. 6409

غير فرض القتال وذلك أن يقاتل الرجل الرجلين ولا يجاوز ذلك. وروي أن عبد الله بن زياد عاد معقل بن يسار في مرضه فقال له معقل: إني محدثك لولا أني في الموت لم أحدثك به سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم ولا ينصح إلا لم يدخل الجنة معهم". وقال عمر ﵁ في خطبته: ألا إنما أبعث عمالي ليعلموكم دينكم وسننكم ولا أبعثهم ليضربوا ظهوركم ولا يأخذوا أموالكم ألا من دابة شيء من ذلك فليرفعه إليّ لأقصه منه، ثم قال: ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم ولا تحمدوهم فتفتنوهم ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم. وروي أنه نهى حمل المسلمين مهلكه قال: والذي نفسي بيده ما يسرّني أن يفتحوا مدينة فيها أربعة آلاف مقاتل بتضييع رجل مسلم. وروي أن عمر ﵁ استعمل رجلًا ثم قبل ولده فقال له: ما قبلت ولدًا قط وأنت تقبل يا أمير المؤمنين فقال: أنت بالناس أقل رحمة هات عهدنا لا تعمل لي عملًا أبدًا. فرع آخر إذا حملهم على ما ليس له حملهم عليه فلهم أن يفعلوه لأنه جهاد يحل لهم بأنفسهم أن يقدموا فيه على ما لي عليهم بفرض، قد برز بين يدي رسول الله ﷺ رجل من الأنصار على جماعة من المشركين يوم بدر بعد إعلام النبي ﷺ إياه بما في ذلك من الثواب فقتل ﵀ وكان هذا الرجل عوف بن عفراء. فإن قيل: أليس قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾؟ قلنا: هذا ورد في ترك النفقة في سبيل الله هكذا قال حذيفة بن اليمان ورواه ابن عباس، وروى أبو أيوب الأنصاري ﵁ أن رجلًا من الأنصار حمل على الروم حتى دخل فيهم ثم خرج فقال الناس: سبحان الله ألقى بيده إلى التهلكة فقال أيوب: إنما أنزلت فينا معشر الأنصار قلنا فيما بيننا سرًا: إن أموالنا قد ضاعت فلو أقمنا فأصلحنا فأنزل الله تعالى هذه الآية فكانت التهلكة في الإقامة التي أردنا. وقال رجل للبراءة بن عازب ﵁: أحمل على الكتيبة بالسيف في ألفٍ من التهلكة ذلك؟ قال: لا إنما التهلكة أن يذنب الرجل الذنب ثم يلقي بيديه يقول: لا يغفر لي وقد قال الشافعي: والاختيار أن يتحرز لما روى السائب بن يزيد ﵁ أن النبي ﷺ ظاهر يوم أحد بين درعين. وروى ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ خرج من

стр. 6410

قبته في الدرع يوم بدر. فرع آخر قال: لو كان للإمام عذر في ترك الجهاد بأن كثر المشركون حيث يكون بإزاء كل واحد أكثر من اثنين ورأى في ثبات المسلمين ضعفًا وفي أسلحتهم قلة جاز أن يترك الغزو في هذا الموضع حتى تحصل القوة لأن فيه تغريرًا بالمسلمين. باب النفير من كتاب الجزية قال الله تعالى: ﴿إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ قد ذكرنا أن فرض الجهاد على الكفاية ودليل الفرضية قوله تعالى: ﴿إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ودليل على أنه فرض على الكفاية به ما ذكرنا من الآية وإذا لم يقم به قدر الكفاية خرج من تخلف واستحق العذاب، وإن قام به قدر الكفاية حتى لا يكون الجهاد معطلًا لم يأثم من تخلف لأن الله تعالى وعد جميعهم الحسنى، ولأنا لو أوجبنا الجهاد على الأعيان لتعطلت المكاسب والعمارات وذلك ضرر عظيم. فرع لو أظل العدو بلدًا من بلاد المسلمين اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: تعين الفرض على جميع المسلمين ووجب النفير على جميعهم وبه قال عامة أصحابنا. ونص الشافعي ﵁ قال في رواية البويطي في باب السنة في الجهاد: والغزو غزوان غزو نافلة، وغزو فريضة فأما الفريضة فهو النفير إذا أظل العدو بلاد المسلمين، والنافلة: الرباط والخروج إلى الثغور إذا كان فيها من فيه كفاية، وقال ابن أبي هريرة: هو فرض على الكفاية أيضًا. فرع آخر لو كان العدو على مسافة أقل من يوم وليلة من بلاد الإسلام يكون في حكم من قد أظل بلاد الإسلام ووصل إليها لقرب المسافة ويتعين فرض قتالهم على جميع أهل الثغر من المجاهدين ويدخل في القتال من عليه دين ومن له أبوان لا يأذنان لو لأنه قتال دفاع لا قتال غزو، ثم ينظر في عدد العدو فإن كانوا أكثر من مثلي أهل الثغر لم يسقط بأهل الثغر فرض الكفاية على كافة المسلمين، ووجب على الإمام إمدادهم، وإن كانوا مثلي أهل الثغر فما دون هل يسقط بهم فرض الكفاية عمن سواهم؟ لما أوجبه الله تعالى من قتال مثلهم فيصير فرض القتال عليهم متعينًا وعن غيرهم ساقطًا. والثاني لا يسقط من غيرهم فرض الكفاية بهم خوفًا من الظفر بهم فيصير فرض القتال عليهم متعينًا باقيًا على الكفاية في غيرهم.

стр. 6411

فرع آخر لو دخل العدو بلاد الإسلام يتعين فرض قتاله على أهلها وهل يتعين على كافة المسلمين كما يتعين على أهل الثغر؟ فيه وجهان أحدهما: يتعين عليهم لأن جميع المسلمين يد على من سواهم، والثاني: يتعين عليهم ويكون باقيًا على الكفاية لقدرة أهل الثغر على دفعهم ولا يراعى بعد دخول العدو دار الإسلام أن يكونوا مثلين كما يراعى قبل دخوله، بل تراعى القدرة على دفعهم لأن القدرة بعد الدخول ظافر ومثله معترض. فرع آخر لو انهزم أهل ذلك الثغر عنهم صار فرض جهادهم متعينًا على كافة الأمة وجهًا واحدًا حتى يرده إلى بلادهم، فإذا ردوه إليها فإن عادوا خاليًا من سبي وأسرى سقط ما تعين من فرض قتاله، وإن عادوا بسبي وأسرى يكون فرض قتاله باقيًا حتى يسترجع ما في أيديهم من السبي وأسرى. فرع آخر ألحق الشافعي ﵁ رد جواب السلام وفن الموتى والقيام بطلب العلم وصلاة الجنازة بالجهاد في كونها فرضًا على الكفاية. فرع آخر اعلم أنه يتعلق بالسلام حكمان: أحدهما: في ابتدائه. والثاني: في رده. أما ابتداءه فينقسم ثلاثة أقسام: أدب، وسنة، ومختلف فيه، فالأدب سلام المتلاقين وهو خاص لا عام لأنه لو سلم على كل من لقي لتشاغل به عن كل مهم ويخرج به عن العرف وإنما يقصد به أحد أمرين إما أن يكتسب به ردًا، أو ستدفع به بذاءًا قال الله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ قيل: في تأويله ادفع بالسلام إساءة المسيء فصار هذا السلام خاصًا لا عامًا وكان من آداب الشرع لا من سننه لأنه يفعله لاجتلاب تآلفٍ. والأولى في ابتداء السلام أن يبدأ به الصغير على الكبير، والراكب على الماشي، والقائم على القاعد لأن ذلك مروي عن رسول الله ﷺ فإن استويا فأيهما بدأ كان له فضل التحية. وأما السنة: فسلام القاصد على المقصود وهو عام يبتدئ به كل قاصد على كل مقصود من صغير وكبير وراكب وماشٍ. كان رسول الله ﷺ يبتدئ بالسلام إذا قصد ويبتدئ به إذا لقي وقصد وهذا من سنن الشرع لأنه مندوب إليه لغير سبب مختلف وبين هذا وبين سلام الأدب فرقان: عموم هذا، وخصوص ذاك، وتعيين المبتدئ بهذا

стр. 6412

وتكافؤ ذاك ثم هذا على ضربين: أحدهما: أن يكون المقصود واحدًا فيتعين السلام عليه من القاصد ويتعين الرد فيه على المقصود. والثاني: أن يكون المقصود جماعة وهما ضربان أحدهما: أن يكون عدد الجماعة قليلًا يعمهم السلام الواحد فليس يحتاج في قصدهم إلى أكثر من سلام واحد يقيم به سنة السلام وما زاد عليه من تخصيص بعضهم فهو أدب. والثاني: أن يكون جميعًا لا ينتشر فيهم سلام الواحد كالجامع والمسجد المحفل بأهله فسنة السلام أن يبتدئ به الداخل في أول دخوله إذا شاهد أوائلهم وتؤدى سنة السلام في جميع من سمعه ويدخل في فرض الكفاية الرد جميع من سمعه، فإذا أراد الجلوس فيهم سقطت عنه سنة السلام فيمن لم يسمعه من الباقين وإن أراد أن يجلس فيمن بعدهم ممن لم يسمعه سلامه المتقدم وجهان أحدهما: أن سنة السلام عليهم قد سقطت بالسلام على أوائلهم لأنه جمع واحد فإن سلم عليهم كان أدبًا فعلى هذا أي أهل المسجد رد عليه سقط فرض الكفاية عن جميعهم، والثاني: أن سنة السلام باقية عليه فيمن لم ينتشر فيهم سلامه إذا أراد الجلوس بينهم لأنهم بسلامه أخص فعلى هذا لا يسقط فرضه على الأوائل برد الأواخر. وأما المختلف فيه فسلام القاصد إذا لزمه الاستئذان على المقصود فيؤمر القاصد بالاستئذان والسلام لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَانِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ وفي قوله: ﴿تَسْتَانِسُوا﴾ تأويلان: أحدهما: أراد حتى تستأذنوا قاله ابن عباس. والثاني: حتى تعلموا أن فيها من يأذن لكم من قوله تعالى: ﴿آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ أي: علم، قاله ابن قتيبة وهل يبتدئ عند الاستئذان بالاستئذان أم بالسلام؟ فيه وجهان: أحدهما: يبتدئ بالاستئذان قبل السلام لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَسْتَانِسُوا وَتُسَلِّمُوا﴾ فعلى هذا يكون الاستئذان واجبًا والسلام سنة. والثاني: يبدأ بالسلام قبل الاستئذان لأنه وإن كان مقدمًا في التلاوة فهو مؤخر في الحكم لما روى محمد بن سيرين أن رجلًا استأذن على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ لرجل عنده: " قم فعلم هذا كيف يستأذن فإنه لم يحسن" فسمعها الرجل فسلم واستأذن قال صاحب "الحاوي": الأولى عندي من اختلاف هذين الوجهين أن يكون محمولًا على اختلاف حالين لا يتعارض فيهما كتاب ولا سنة وهو إن وقعت عين القاصد على المقصود قبل دخوله قدم السلام على الاستئذان على ما جاءت به السنة، وإن لم تقع عينه عليه قدم الاستئذان على السلام على ما جاء به الكتاب العزيز فعلى هذا إذا أمر بأن يبتدئ بالسلام فسلم فهل يكون سلامه استئذانًا ويكون رده إذنًا؟ وجهان: أحدهما: يكون استئذانًا فعلى هذا يكون السلام واجبًا وإعادته بعد الوجوب إذنًا. والثاني: لا يكون استئذانًا ولا يكون رده إذنًا فعلى هذا يكون السلام مسنونًا قد سقطت به سنة السلام بعد الإذن.

стр. 6413

وأما رد السلام فضربان فإن سلم على واحد يكون رده متعينًا على ذلك الواحد سواء كان المسلم مسلمًا أو كافرًا، وقال عطاء: يجب رده على المسلم دون الكافر وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦] بمعنى أحسن منها للمسلم وردوها مثلها للكافر، وقيل: فحيوا بأحسن منها أي: زيادة على الدعاء أو ردوا عليه غير زيادة. وإن كان السلام على جماعة فرده من فروض الكفايات على تلك الجماعة فأيهم تفرد بالرد سقط فرضه عن الباقين والراد منهم هو المختص بثواب رده، فإن أمسكوا عنه حرجوا أجمعين ولا يسقط الفرض عنهم برد غيرهم. فرع آخر صفة السلام وصفة الرد تختلف باختلاف المسلّم والراد وذلك ضربان: أحدهما: أن يكون السلام بين مسلمين فصفته من المبتدئ به أن يقول: السلام عليكم سواء كان على واحد أو جماعة إلا أن لفظ الجمع يتوجه إليه وإلى حافظيه من الملائكة وما زاد بعده من قوله: ورحمة الله وبركاته فهو زيادة فضل، وأما الرد فأقله أن يقابله بمثله قال النبي ﷺ : "لا تغار التحية" والغرار: النقصان أي: لا ينتقص من التحية إذا سلم عليك. والسنة أن يزاد عليه في الرد، روى الحسن البصري أن رجلًا سلم على رسول الله ﷺ فقال النبي ﷺ : "وعليك السلام ورحمة الله وبركاته" ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله فقال النبي ﷺ : "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته" ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فقال النبي ﷺ : "وعليكم" فقيل: يا رسول الله زدت الأول، والثاني وقلت للثالث وعليكم فقال: "إن الأول والثاني أبقيا من التحية شيئًا فرددت عليهما أحسن من تحيتهما، وإن الثالث جاء بالتحية كلها فرددت عليه مثلها". والثاني: أن يكون السلام بين مسلم وكافر وهذا على ضربين فإن كان الكافر مبتدئًا به يجب على المسلم رد سلامه وفي وصفه رده وجهان: أحدهما: يقول: وعليكم السلام ولا يزيده عليه ورحمة الله وبركاته. والثاني: يقول وعليك لا يزيده لأنه ربما نوى سوءًا بسلامه وقد روى ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن اليهود إذا سلم أحدهم عليكم فإنها يقول: السام عليكم"، وقال أبو سليمان الخطابي: كان سفيان يروي عليكم بحذف الواو وهو الصواب وذلك أنه إذا حذف الواو صار قولهم الذي قالوه بعينه مردودًا عليهم، وإذا دخل الواو يقع الاشتراك والدخول معهم فيما قالوه لأن الواو حرف العطف والجمع بين الشيئين. والسام الموت. فإن كان المسلم مبتدئًا ففيه وجهان أحدهما: يجوز أن يبتدئ به لأنه لما كان السلام أدبًا وسنةً كان المسلم يفعله أحق فعلى هذا يقول: السلام عليك

стр. 6414

على لفظ الواحد ولا يذكره بلفظ الجمع ليقع الفرق بين المسلم والكافر. والثاني: لا يبتدئ بالسلام عليه لقوله ﷺ : "لا تبتدئوا اليهود بالسلام فإن بدؤوكم فقولوا وعليكم". فرع آخر دفن الموتى وتكفينهم وغسلهم فرض على الكفاية وهل يكون أولياءه فيه أسوة غيرهم؟ فيه وجهان أحدهما: جميع المسلمين فيه أسوة لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، والثاني: أنهم أحق به من غيرهم وإن لم يتعين فرضه عليهم فمأثم تركه فيهم أغلظ لقوله تعالى: ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾. فرع آخر إذا قلنا بالوجه الأول: لا يجوز لمن علم به من الأقارب والأجانب أن يمسكوا عنه حتى يقوم به أحدهم، وإن قلنا بالوجه الثاني: يجوز أن يفوضوا أمره إلى الأقارب فإن أمسك عنه الأقارب شاركهم في فرضه الأجانب. فرع آخر لو لم يعلم بحال الميت إلا واحد تعين فرضه عليه وذلك بألا يوجد غيره ممن يقوم به، وإن وجد غيره ممن يقوم بمواراته فهو فيما تعين عليه من فرضه بين خيارين إما أن ينفرد بمواراته، وإما أن يخبر به من يقوم بمواراته فيسقط فرضه التعيين ويبقى فرض الكفاية على المخبِر والمخبَر حتى يواريه أحدهم فتصير هذه المواراة من فروض الكفاية في العموم ومن فروض الأعيان في الخصوص. فرع آخر طلب العلم على أربعة أقسام أحدها: ما تعين فرصه على كل مكلف كالطهارة والصلاة فيلزمه العلم بوجوبه وصفة آدابه على تفصيله لقوله ﷺ : "علموهم الطهارة والصلاة وهم أبناء سبع" ولا يلزم أن يعلم أحكام الحوادث فيها لأنها عارضة وإنما يلزم الراتب من شروطها. والثاني: ما يتعين العلم بوجوبه على كل مكلف في تعيين فرض العلم بأحكامه على بعض المكلفين دون جميعهم وهو الزكاة والحج لأن فرضهما لا يتعين على كل مكلف فيتعين فرض الحكم على من تعين فرض الفعل فيكون برجوعه عامًا وفرض العلم بأحكامه خاصًا. والثالث: ما تعين فرض العلم بوجوبه ولا يتعين فرض العلم بأحكامه وهو تحريم الزنا والقتل وأكل لحم الخنزير فيلزمهم العلم بتحريمه لينتهوا عنه، ولا يلزمهم العلم بأحكامه إذا فعل لأنهم منهيون عنه. والرابع: ما كان فرض العلم به على الكفاية وهو جميع الأحكام من أصول وفروع ونوازل لقوله تعالى: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ وأراد فلولا نفر

стр. 6415

من كل فرقة طائفة في الجهاد ليتفقد الطائفة المقيمة، وقيل: أراد فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة في طلب الفقه لتجاهد الطائفة المتأخرة. فإن قيل: فما تأويل قوله ﷺ : "طلب العلم فريضة على كل مسلم". قيل: له تأويلان أحدهما: أراد به علم ما لا يسمع جهله. والثاني: أراد به جميلة العلم إذا لم يقم بطلبه من فيه كفاية. فرع آخر إذا ثبت أن طلب العلم من فروض الكفايات توجه فرضه إلي كل من تكاملت فيه أربعة شروط أحدها: أن يكون مكلفًا بالبلوغ والعقل. والثاني: أن يكون ممن يجوز أن يقلد القضاء بالحرية والذكورة لأن تقليد القضاء من فروض الكفايات. والثالث: أن يكون من أهل الذكاء والتصور ليكون فهيمًا للعلم. والرابع: أن يقدر على الانقطاع إليه بما يدمه فإن عجز عنه بعسر خرج من فرض الكفاية لقوله ﷺ : "كفى بالمرة إثمًا أن يضيع من يقوت". فرع آخر متى تكاملت هذه الشروط الأربعة في عدل أو فاسق توجه فرض الكفاية إليه، لأن الفاسق مأمور بالإقلاع عن فسقه. فرع آخر متى أقام بطلبه من فيه كفاية انقسمت حاله وحال من دخل في فرض الكفاية أربعة أقسام: أحدها: من يدخل في فرض الكفاية ويسقط به فرضها إذا علم وهو من تكاملت فيه الشروط الأربعة إذا كان عدلًا. والثاني: من يدخل في فرض الكفاية ولا يسقط فرضها إذا علم وهو الفاسق لأنه لا يقبل قوله. والثالث: من لا يدخل في فرض الكفاية ويسقط فرضها إذا علم وهو المعسر. والرابع: من لا يدخل في فرض الكفاية وفي سقوط فرضها به وجهان، وهو المرأة، والعبد. أحدهما: يسقط لأن قولهما في الفتاوى مقبول. والثاني: لا يسقط لقصورهما عن ولاية القضاء والله أعلم.

стр. 6416

باب جامع السير قال الشافعي: "الحكم في المشركين حكمان فمن كان منهم أهل أوثان أو من عبد ما استحسن من غير أهل الكتاب لم تؤخذ منهم الجزية وقوتلوا حتى يقتلوا أو يسلموا لقول الله ﵎: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدتُّمُوهُمْ﴾ وقال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله". قال في الحاوي: وهذه المسألة من كتاب الجزية وإنما قدمها المزني في الجهاد لتعلقها بأحكامه، والمشركون ثلاثة أصناف: أحدها: أهل الكتاب. والثاني: من لهم شبهة كتاب. والثالث: من ليس بأهل كتاب، ولا لهم شبهة كتاب. فإن قيل: فلم جعلهم الشافعي صنفين وهم أكثر، فعنه جوابان: أحدهما: أنهم في حكم الجزية صنفان، وإن كانوا في غيرها من الأحكام أكثر. والثاني: لأن الذين جاهدهم رسول الله ﷺ كانوا على عهده صنفين. فإن قيل: فلم أدخل أهل الكتاب في المشركين، وأطلق عليهم اسم الشرك وقد منع غيره من الفقهاء إطلاقه اسم الشرك عليهم، لأنه ينطلق على من جعل لله شريكًا معبودًا فعنه جوابان: أحدهما: لأن فيهم من جعل لله ولدًا وفيهم من جعله ثالث ثلاثة. والثاني: لأنهم لما أنكروا معجزات رسول الله ﷺ وأضافوها إلي غيره جعلوا له شريكًا فيها، فلم يمتنع لهذين أن ينطلق عليهم اسم الشرك فأما أهل الكتاب فصنفان: أحدهما: اليهود ومن تبعهم من السامرة وكتابهم التوراة. والثاني: النصارى ومن تبعهم من الصابئين وكتابهم الإنجيل، فهو لا يجوز أخذ الجزية منهم إن بذلوها مع أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم، وأما من ليس بأهل كتاب ولهم شبهة كتاب فهم المجوس، لأن وقوع الشك في كتابهم أجرى عليهم حكمه في حقن دمائهم، فيجوز أن تؤخذ منهم الجزية، ولا يجوز أكل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم على الصحيح من المذهب وسيأتي شرحه. وأما من ليس بأهل كتاب ولا لهم شبهة كتاب فهم أهل الأوثان ومن عبد ما استحسن من الشمس والنار فلا يجوز أن تقبل جزيتهم ولا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح

стр. 6417

نساؤهم، سواء كانوا عربًا أو عجمًا، ويقاتلوا حتى يسلموا أو يقتلوا. وقال مالك: تقبل جزيتهم إلا أن يكونوا من قريش، فلا يقبل منهم إلا الإسلام. وقال أبو حنيفة: تقبل جزيتهم إلا كانوا عجمًا ولا تقبل جزيتهم إن كانوا عربًا حتى يسلموا، احتجاجًا بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ألا أدلكم على كلمة تدين لكم بها العرب، وتؤدي الجزية إليكم بها العجم؟ شهادة إن لا إله إلا الله" فعم الجزية جميع العجم ما عم بالدين جميع العرب، فدل على افتراقهما في حكم الجزية. وروى سليمان بن بريده عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث أميرًا على سرية أوصاه بتقوى الله في خاصة نفسه وبمن معه من المسلمين خيرًا وقال: "إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلي إحدى خصال ثلاث، فإلي أيتهن أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ادعهم إلي إعطاء الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم" وهذا نص في أخذ الجزية من المشركين من غير أهل الكتاب ولأن من جاز استرقاق نسائهم جاز أخذ الجزية من رجالهم كأهل الكتاب، ولأن الجزية ذل وصغار، فإذا جرت على أهل الكتاب وهم أفضل، كان إجراؤها على من دونهم من عبادة الأوثان أولى. ودليلنا قوله تعالى: ﴿فَإذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدتُّمُوهُمْ وخُذُوهُمْ واحْصُرُوهُمْ واقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإن تَابُوا وأَقَامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. فكان الأمر بقتلهم حتى يسلموا عامًا، وخص منهم أهل الكتاب بقبول الجزية، فقال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ إلي قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ﴾. فكان الدليل في هذا من وجهين: أحدهما: أن استثناء أهل الكتاب منهم يقتضي خروج غيرهم من استثنائهم، ودخولهم في عموم الأمر. والثاني: أنه جعل قبول الجزية مشروطًا بالكتاب، فاقتضى انتفاؤها عن غير أهل الكتاب. وروى أبو صالح عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم" فكان على عمومه، إلا ما خصه دليل، ولأن عمر ﵁ امتنع من أخذ الجزية من المجوس لشكه فيهم أنهم من أهل الكتاب، حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف أن النبي ﷺ أخذها من مجوس

стр. 6418

هجر وقال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" وقال رجل لعلي بن أبي طالب ﵇: "أعجبت من أخذ الجزية من المجوس، وليس لهم كتاب فقال علي: كيف تعجب وقد كان لهم كتاب فبدلوا، فأسرى به، فدل ذلك على إجماع الصحابة على أنها لا تؤخذ من غير أهل الكتاب، ولأن كل مشرك لم تثبت له حرمة الكتاب لم يجز قبول جزيته كالعرب، ولأن كل ما منع الشرك منه في العرب منع منه العجم كالمناكح والذبائح. فأما الجواب عن الحديث الأول فمن وجهين: أحدهما: أنه ضعيف، نقله أهل المغازي ولم ينقله أصحاب الحديث. والثاني: حمله على أهل الكتاب بدليلنا. وأما الجواب عن الحديث الثاني فمن وجهين: أحدهما: أن أكثر السرايا كانت إلي أهل الكتاب. والثاني: حمله بأدلتنا على أهل الكتاب. وأما الجواب عن قياسهم على أهل الكتاب، فالمعنى ثابت لهم من حرمة كتابهم، وأنهم كانوا على حق في إتباعه، وهذا معدوم في غيرهم من عبادة الأوثان، وقولهم: إنها صغار فكانت بعبدة الأوثان أحق. مسألة: قال الشافعي: "ومن كان منهم أهل كتاب قوتلوا حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فإن لم يعطوا قوتلوا وقتلوا وسبيت ذراريهم ونساؤهم وأموالهم وديارهم". قال في الحاوي: اعلم أن أهل الكتاب يوافقون عبدة الأوثان في حكمين ويفارقونهم في حكمين فأما الحكمان في الإنفاق: فأحدهم: أنه يجوز قتل أهل الكتاب كما يجوز قتل عبدة الأوثان. والثاني: يجوز سبي أهل الكتاب كما يجوز سبي عبدة الأوثان. وأما الحكمان في الافتراق فأحدهما: أنه يجوز أخذ الجزية من أهل الكتاب، ولا يجوز أخذها من عبدة الأوثان. والثاني: أنه تستباح مناكح أهل الكتاب وذبائحهم ولا يستباح ذلك من عبدة الأوثان، وإذا كان كذلك وجب استواء الفريقين في وجوب القتال واختلافهما في الكف عنهم. فأما أهل الكتاب فيجب قتالهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، فإن أسلموا أو بذلوا

стр. 6419

الجزية، وجب الكف عنهم وإن امتنعوا منها وجب قتالهم حتى يقتلوا. وأما عبدة الأوثان فيجب قتالهم حتى يسلموا، فإن أسلموا وجب الكفر عنهم، وإن لم يسلموا وجب قتالهم حتى يقتلوا، والفريقان في المهادنة سواء، إن دعت إليها حاجة هودنوا، وإن لم تدع إليها حاجة لم يهادنوا. مسألة: قال الشافعي: "وكان ذلك كله فيئًا بعد السلب للقاتل في الأنفال. قال ذلك الإمام أو لم يقله لأن رسول الله ﷺ نفل أبا قتادة يوم حنين سلب قتيله وما نفله إياه إلا بعد تقضي الحرب ونفل محمد بن مسلمة سلب مرحب يوم خيبر ونفل يوم بدر عددًا ويوم أحد رجلًا أو رجلين أسلاب قتلاهم وما عملته ﷺ حضر محضرًا قط فقتل رجل قتيلًا في الأقتال إلا نفله سلبه وقد فعل ذلك بعد النبي ﷺ أبو بكر وعمر ﵄". قال في الحاوي: يريد الشافعي بهذا ما غنم من أهل أموال الفريقين من أهل الكتاب وعبدة الأوثان يكون بعد تخميسه للغانمين، وسماه فيئًا، وإن كان باسم الغنيمة أخص لرجوعه إلي أولياء الله. فيبدأ الإمام من الغنائم بأسلاب القتلى فيدفع سلب كل قتيل إلي قاتله، سواء شرطه الإمام أو لم يشرطه. وقال مالك وأبو حنيفة: إن شرطه الإمام كان لهم وإن لم يشترطه كانوا فيه أسوة الغانمين احتجاجًا بقول النبي ﷺ : "ليس لأحد ما طابت به نفس إمامه" ودليلنا قول النبي ﷺ : "من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه". وروى عمرو بن مالك الأشجع أن النبي ﷺ قضى بالسلب للقاتل. وروي أنه وجد في بعض غزواته قتيلًا فسأله عنه قاتله، فقالوا: سلمه بن الأكوع. فقال: له سلبه أجمع. وقدا مضت هذه المسألة مستوفاة في كتاب قسمة الفيء والغنيمة. فصل: فإذا ثبت عطاء السلب للقاتل استحقه بأربعة شروط: أحدها: أن يقتله والحرب قائمة ليكف كيده، فإن قتله اشتباك الحرب أو بعد انكشافها فلا سلب له.

стр. 6420

والثاني: أن يكون مقبلًا على القتال ليكف شره، فإن قتله مدبرًا عن القتال أو معتزلًا له فلا سلب له. والثالث: أن يكون ذا بطش في القتال وقوة فإن قتل زمنًا أو مريضًا أو شيخًا هرمًا أو صبيًا لا يقاتل مثله أو امرأة تضعف عن القتال فلا سلب له، ولو كان الصبي والمرأة يقاتلان عن قوة وبطش كان له سلبهما. والرابع: أن يكون القاتل مغرورًا بنفسه في قتله، بأن يبارزه فيقتله أو يقتحم المعركة فيقتله فأما إن رماه بسهم من بعد بحيث يأمن على نفسه فلا سلب له. فإذا استكملت هذه الشروط الأربعة في القتل لم يخل حال القاتلة من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون ممن يسهم له كالرجل الحر المسلم فيستحق السلب ولا يحمسه الإمام. وقال مالك: يأخذ خمسه لأهل الخمس وليس بصحيح لما قدمنها من إعطاء رسول الله ﷺ أبا قتادة سلب قتيله، ولو يحمسه، واختلف أصحابنا هل يستحق السلب مع سهمه من المغنم أم لا، على وجهين: أحدهما: وهو ظاهر نص الشافعي في هذا الموضع أنه يجمع له بينهما، لأن السلب زيادة استحقها بالتغرير كالنفل. والثاني: لا يجمع لع بينهما وينظر في السلب، فإن كان بقدر سهمه فأكثر أخذه ولا شيء له سواه، وإن كان أقل من سهمه أعطى تمام سهمه لما يلزم من التسوية بين الغانمين. والثاني: أن يكون ممن لا يسهم له ولا يرضخ له كالمرجف والمخذل والكافر إذا لو يؤذن له فلا يستحق السلب؛ لأن لا حق له في المغنم. والثالث: أن يكون ممن يرضخ له ولا يسهم كالصبي والعبد والمرأة والكافر والمأذون له، ففي استحقاقه للسلب وجهان بناء على اختلاف أصحابنا في إعطاء رسول الله ﷺ السلب للقاتل هل هو ابتداء عطية منه أو بيان لقول الله تعالى: ﴿واعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾. فأحد الوجهين: أنه ابتداء عطية، فعلى هذا يستحق القاتل، وإن لم يستحقه سهمًا. والثاني: أنه بيان لمجمل الآية، فعلى هذا لا يستحق إذا لم يستحق في الغنيمة سهمًا فإذا قيل باستحقاقه للسلب لم يرضخ له وجهًا واحدًا، وقد نص عليه الشافعي ففي سير الواقدي. وإن قيل: لا يستحقه كان السلب مغنمًا، وزيد القاتل في رضخ لأجل بلائه في قتله. فصل: فإن لم يقتله ولكن قطع بعض أعضائه، فعلى ثلاثة أقسام:

стр. 6421

أحدها: أن يقطع منه ما لا يمنعه من الحضور ولا من القتال، كقطع أسنانه، أو جدع أنفه أو ثمل إحدى عينيه، فلا يستحق لبه، لأنه لم يكف كيده. والثاني: أن يقطع منه ما يمنعه من الحضور والقتال جميعًا، كقطع يديه ورجليه فيستحق سلبه، لأنه قد عطله، فصار كقتله. والثالث: أن يقطع منه ما يمنعه من الحضور ولا يمنعه من القتال كقطع الرجلين، أو يقطع ما يمنعه من القتال ولا يمنعه من الحضور، كقطع اليدين، فعلى استحقاقه لسلبه وجهان: أحدهما: يستحقه، لأنه قد كفه عن كمال الكيد. والثاني: لا يستحقه، لأنه إن قطع رجليه قدر على القتال بيديه إذا ركبك وإن قطع يديه قدر على الحضور برجليه مكثرًا ومهيبًا، ولو أخذه أسيرًا ففي استحقاقه لسلبه قولان: أحدهما: يستحق سلبه، لأن من قدر على أسره كان على قتله أقدر. والثاني: لا سلب له لأنه ما كف كيده ولا كف شره. فصل: وأما السلب من مال المقتول ينقسم ثلاث أقسام" أحدها: ما يكون كله سلبًا يستحقه القاتل، وهو ما كان مقاتلًا فيه من ثياب وجبة أو مقاتلًا عليه من فرس أو مطية أو مقاتلًا به من سلاح وآلة. والثاني: ما يكون مغنمًا ولا يكون سلبًا، وهو ما له في العسكر من كراع وسلاح وخيم وآلة. والثالث: ما اختلف فيه، وهو ما كان معه في المعركة لا يقاتل به، ولكنه قوة له على القتال كفرس يجنبه معه، أو مال في وسطه أو حلي على بدنه، ففي كونه سلبًا وجهان: أحدهما: يكون سلبًا لقوته به. والثاني: لا يكون سلبًا لأنه لا يقاتل به والله أعلم. مسألة: قال الشافعي: "ثم يرفع بعد السلب خمسه لأهله". قال في الحاوي: قد ذكرنا أن السلب مقدم في المغانم للقاتل، وفيما يستحق إخراجه منها بعد السلب قولان: أحدهما: وهو المنصوص عليه ها هنا، أنه يخرج خمس المغانم بعد السلب مقدمًا

стр. 6422

على الرضخ يصرفه في أهل الخمس، لقول الله تعالى: ﴿واعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾. فكان على عمومه في جميع الغنيمة إلا ما خصه السنة من السلب. والثاني: أنه يقدم إعطاء قبل إخراج الخمس، لأنه من جملة المصالح اعتباراً بالسلب، ويستوي على القولين قليل الغنيمة وكثبرها سواء أخذت قهراً بقوة أو أخذت خلسة بضعف في إخراج خمسها. وقال أبو حنيفة: إن أخذوها قهراً وهم ممتنعون بقوة خمسة وإن أخذوها خلسة وهم في غير متعة لم تخمس. وقال أبو يوسف: المتعة عشرة فأكثر احتجاجاً بأن الغنيمة من أحكام الظفر الذي يعز به الإسلام، ويقال به الشرك وهذا في المأخوذ خلسة وتلصصاً. ودليلنا عموم قول الله تعالي" ﴿واعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾. فكان على عمومه ولأن الغنيمة ما غلب المشرك عليه وأخذ منه بغير اختياره، وهذا موجود في هذا المأخوذ ولأن كل ما وجب إخراج خمسه إذا وصل بالعدد الكثير وجب إخراج خمسه إذا وصل بالعدد القليل كالركاز، ولأن كل من خمسة غنيمته إذا كان في منعة خمسة، وإن كان في غير منعة كما لو أذن له الإمام، ولأن كل من خمسة غنيمته إذا أذن له الإمام خمسة، وإن لم يأذن له كما لو كانوا في منعة، ولأنه لا فرق بين التسعة والعشرة في العز والذل، فلم يقع الفرق بينهما في الغنيمة والتلصص. فصل: فإذا ثبت هذا كان ذلك بعد إخراج خمسه ملكًا لغانمة. وقال الحسن البصري: يؤخذ منهم لبيت المال عقوبة لهم ويعزروا عليه لتعزيزهم بأنفسهم، وهذا خطأ لعموم الآية، ولأنه ليس التعزير مع العدو محظورًا يوجب التعزير. روى محمد بن إسحاق أن رسول الله ﷺ حرض على الجهاد يوم بدر ونفل كل امرئ ما أصاب، وقال: والذي نفسي بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر إلا دخل الجنة". فقال عمير بن حمام، وفي يده ثمرات يأكلهن: بخ بخ، ما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن قتلني هؤلاء القوم، ثم قذف الثمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل وهو يقول: ركضا إلي الله بغير زاد ... إلا التقى وعمل المعاد والصبر في الله على الجهاد ... وكل زاد عرضه النفاد غير التقى والبر والرشاد

стр. 6423

مسألة: قال الشافعي: "وتقسم أربعة أخماسه بين من حضر الوقعة دون من بعدها واحتج بأن أبا بكر وعمر ﵄ قالا: "الغنيمة لمن شهد الوقعة". قال في الحاوي: وهذا كما ذكر إذا خرج من الغنيمة خمسها، ورضخ من لا سهم له فيها كان باقيها للغانمين الذين شهدوا الوقعة يشترك فيها من قاتل ومن لم يقاتل، لأنه كان ردًا للمقاتل قال الله تعالى: ﴿واعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾ فلما أضاف الغنيمة إليهم استثنى خمسها منهم دل على أن باقيها لهم، كما قال تعالى: ﴿ووَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ فكان الباقي بعد الثلث للأب، فإن لحق بمن شهد الوقعة مدد من المسلمين عونًا لهم فعلى ثلاثة أضرب: أحدها: أن يلحقوا بهم قبل تقضي الحرب وانكشافها، فالمدد يشركهم في غنيمتها إذا شهدوا بقية حربها. والثاني: أن يلحقوا بهم بعد تقضي الحرب وإجازة غنائمها فلا حق لهم في غنيمتها سواء أدركوهم في دار الحرب أو بعد خروجهم منها. والثالث: أن يلحقوا بهم بعد تفضي الحرب وإجازة غنائمها، فشهدوا معهم إجازتها ففيها قولان: أحدهما: يشاركونهم فيها. والثاني: لا يشاركونهم. وهذان القولان مبنيان على اختلاف قولي الشافعي فيما تملك بع الغنيمة بعد إجازتها فأحد قوليه: إنها تملك بحضور الواقعة فعلى هذا لا حق للمدد فيها. والثاني: إنهم ملكوا بالحضور أن يتملكوها بالإجازة، فعلى هذا يشاركهم المدد فيها ويخرج على القولين ... المدد بهم بعد الوقعة وإجازة الغنائم، وهو مذهب مالك والأوزاعي والليث بن سعد وأحمد وإسحاق. وقال أبو حنيفة: إن لحق بهم المدد وهم في دار الحرب أو بعد خروجهم من دار الحرب وبعد قسمة الغنائم في دار الإسلام لم يشركوهم استدلالًا بما روي أن النبي ﷺ بعث عبد الله بن عامر إلي أوطاس، فعاد وقد فتح النبي ﷺ حنينًا فأشركهم في غنائمها. وبما روي أن عمر ﵁ كتب إلي أمراء الأجناد أن من جاءكم من الإمداد قبل أن يتفقا القتلى فأعطوه من الغنيمة. وروى الشعبي أن عمر كتب بذلك إلي سعد بن أبي وقاص، ولأن القوة بالمدد هي المؤثرة في الظفر فصاروا فيها كالمكثر والمهيب، فوجب أن يكونوا بمثابتهم في المغنم،

стр. 6424

ولأن الغنيمة لا تملك عنده إلا بالقسمة لأمرين: أحدهما: أنه لا يجوز لواحد منهم بيع سهمه منها قبل القسمة، ويجوز بيعه بعدها. والثاني: أنه لو استولى المسلمون على قرية من بلادهم دفعهم المشركون عنها، وفتحها آخرون من المسلمين كانت غنيمة للآخرين دون الأولين ودليلنا قوله تعالى: ﴿واعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾ فأضافها إلي الغانمين فدل على أنه لا حق فيها لغيرهم. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ بعث أبان بن سعيد بن العاص من المدينة في سرية قبل نجد فقدم أبان وأصحابه على رسول الله ﷺ بحنين وقد فتحها فقال أبان: اقسم لنا يا رسول الله فقال: "اجلس يا أبان" ولو يقسم له. وروى أبو بكر رضوان الله عليه عن النبي ﷺ أنه قال: "الغنيمة لمن شهد الوقعة". وقد رواه الشافعي موقوفًا على أبي بكر وعمر ﵄ وهو أثبت، ووقوفه عليهما حجة؛ لأنه لم يظهر لهما مخالف؛ ولأن أبا حنيفة وافقهما في المدد لو كانوا أسرى في أيديهم فقتلوا منهم ولحقوا بالمسلمين لم يسهم لهم، فكذلك غير الأسرى ولو لحقوا بهم في الوقعة شاركوهم فكذلك غير الأسرى، ويتحرر من هذا الاستدلال قياسان: أحدهما: أنه وصول بعد القفول فلم يشركوا في الغنيمة كالأسرى. والثاني: أن ما لم يشاركهم فيه الأسرى لم يشاركهم فيه المدد، قياسًا على ما بعد قسمة الغنيمة. فأما الجواب عن حديث عبد الله بن عامر فهو أنه كان في جيش رسول الله ﷺ بحنين وأنفذه إلي أوطاس، وهو واد بقرب حنين حين بلغه أن فيه قومًا من هوازن، فكان من جملة جيشه، ومستحق الغنيمة فلذلك قسم له وخالف من ليس منهم. وأما حديث عمر فهو: إن صح مما لا يقول به أبو حنيفة؛ لأنه جعل استحقاق الغنيمة معتبرًا بفقء القتلى وفقؤهم غير معتبر فلم تكن فيه حجة. وأما الجواب عن الظفر بالمدد فمن وجهين: أحدهما: بطلانه بالمدد اللاحق بعد القسم. والثاني: أن أسباب الظفر ما تقدمت أو قاربت، ولو كانت مما تأخرت لكانت بمن أقام ولم ينفر، وأما الجواب عن استدلالهم بأنها لا تملك إلا بالقسمة: فهو أن أصل لهم يخالفهم فيه كالخلاف في قرعة، واحتجاجهم فيه بأن القرى للآخرين فنحن نجعلها

стр. 6425

للأولين، وقولهم إن بيعها قبل القسمة لا يجوز، فنحن نجوزه إذا اختار الغانم تملكها ونجعل بيعها اختيارًا لتملكها فلم يسلم لهم بناء على أصل ولا استشهاد. مسألة: قال الشافعي: " ويسهم للبرذون كما يسهم للفرس سهمان وللفارس سهم". قال في الحاوي: وهذا صحيح لا اختلاف أن الفارس يفضل في الغنيمة على الراجل، فضل عنائه واختلفوا في قدر تفضيله، فالذي ذهب إليه الشافعي وأهل مكة ومالك من أهل المدينة والأوزاعي في أهل الشام والليث بن سعد في أهل مصر وهو قول جمهور أهل العراق أن للفارس ثلاثة أسهم، سهم له، سهمان لفرسه، وللراجل سهم واحد. وقال أبو حنيفة دون أصحابه ولا يعرف له موافق عليه: أن للفارس سهمين سهم له وسههم لفرصه لئلا يفضل فرسه عليه وللراجل واحد، وقد تقدم الكلام معه فيها في كتاب "قسم الفيء والغنيمة" بما أغنى عن إعادته. وقد روى عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ جعل للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم، سهماً له وسهمين لفرسه. وروى يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن جده أنه كان يقول: ضرب رسول الله ﷺ عام خيبر للزبير بن العوام بأربعة أسهم له، وسهمان لفرسه، وسهم لأمه صفية بنت عبد المطلب من سهم ذوي القربى. فصل: ولا فرق في الخيل بين عتاقها وهجانها وبين سوابقها وبراذينها في الاستحقاق، سهمين لهما، وسهمًا لفارسهما. وقال سلمان بن ربيعة، والأوزاعي: يسهم للخيل العتاق ولا يسهم للبراذين الهجان ويعطى فارسها سهم راجل. وقال أحمد بن حنبل: يسهم للبرذون الهجين نصف سهم العربي العتيق، فيعطى فارس البرذون سهمين ويعطى فارس العربي العتيق ثلاثة أسهم، وفرقوا بين البراذين والعتاق، بأن البرذون يثني يده إذا شرب ولا يثنيها العتيق، احتجاجًا بأن البراذين لا تعنى عناء العتاق والسوابق في طلب ولا هرب فشابهت البغال والحمير، وهذا خطأ لقول الله تعالى: ﴿ومِن رِّبَاطِ الخَيْلِ﴾ فعم الحكم في ارتباط الخيل بما يجعل من رهبة العدو بها وهذا موجود في عموم الخيل وفيه قوله: ﴿وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ فيه أربعة تأويلات:

стр. 6426

أحدها: أن القوة التصافي واتفاق الكلمة. والثاني: أن القوة الثقة بالنصر والرغبة في الثواب. والثالث: أن القوة السلاح، قال له الكلبي. والرابع: أن القوة في الرمي. وروى عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: "قال الله تعالى: ﴿وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ ألا إن القوة الرمي ثلاثًا. وروى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : "اربطوا الخيل فإن ظهورها عز وبطونها لكم كنز" فعم بالخيل جميع الجنس؛ ولأنه عتاق الخيل أجرى وأسبق، وبراذينها أكر وأصبر، فكان في كل واحد منهما ما ليس في الآخر فتقابلا ولأن عتاق الخيل عراب، وبراذينها أعاجم، وليس يفرق في الفرسان بين العرب والعجم، وكذلك الخيل لا يفرق بين شديد الخيل وضعيفه، فكذلك في السابق والمتأخر. مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ولا يعطى إلا لفرس واحد". قال في الحاوي: وهو كما ذكر، وقال الأوزاعي وأبو يوسف وأحمد: يسهم لفرسين ولا يسهم لأكثر منهما؛ لأنه قد يعطب الواحد فيحتاج إلي ثان، فصار معدًا للحاجة، فوجب أن يسهم له، وهذا التعليل موجود في الثالث؛ لأنه قد يعطب الثاني، ولا يوجب ذلك أن يسهم لثالث، فكذلك الثاني؛ ولأن رسول الله ﷺ قد حضر بأفراس فلم يأخذ إلا سهم فرس واحد، وكذلك حضر كثير من أصحابه فلم يعطوا إلا سهم فرس واحد، وبذلك جرت سيرة خلفائه الراشدين من بعده، ولأنه لا يقاتل إلا على فرس واحد وما عداه زينة أو عدة، فلم يقع الاستحقاق إلا في المباشر بالعمل كخدمة الزوجة لما باشرها الواحد، وكان من عداه زينة، أو عدة لم يستحق إلا نفقة خادم واحد. فصل: فإذا قاتل المسلم على فرس مغصوب أخذ به سهم فارس ثلاثة أسهم، ثم نظر في مالكه فإن كان مسلمًا حاضرًا كان سهم الفرس، وهو سهمان من الثلاثة ملكًا لرب الفرس، دون غاصبه لأنه إذا حضر به الوقعة استحق سهمه، وإن لم يقاتل عليه فكذلك يستحقه، وإن قاتل عليه غيره، وإن كان مالك الفرس غير حاضر كان سهمه لغاصبه دون مالكه، وللمالك على الغاصب أجره مثله، وكذلك لو كان مالكه ذميًا حاضرًا؛ لأن سهم الفرس صار مستحقًا بالقتال عليه، وذلك موجود في الغاصب دون المالك.

стр. 6427

مسألة: قال الشافعي:" ويرضخ لمن لم يبلغ والمرأة والعبد والمشرك إذا قاتل ولمن استعين به من المشركين". قال في الحاوي: قد ذكرنا أن من لم يكن من أهل الجهاد إذا حضر الوقعة رضخ له ولم يسهم، وهو الصبي والمرأة والعبد. وقال الأوزاعي يسهم لجميع من شهد الوقعة وإن كانوا صبيانًا ونساء وعبيدًا، احتجاجًا بما رواه أن النبي ﷺ أسهم لهم، وهذا خطأ لما روي أن نجدة الحروري كتب إلي ابن عباس يسأله عن النساء هل كن يشهدن الحرب مع رسول الله ﷺ ؟ وهل كان يضرب لهن سهم، فكتب إليه ابن عباس: قد كن يحضرن الحرب، ويسقي الماء، ويداوين الجرحى، فكان يرضخ لهن ولا يسهم، ولأن السهم حق يقابل فرض الجهاد فاقتضى أن يسقط من حق من لم يفترض عليه الجهاد وخالف أصحاب الأعذار من الفقراء والمرضى الذين يسهم لهم إذا حضروا، لأن فرضه يجب عليهم بالحضور، ولذلك لم يجز لأصحاب الأعذار أن يولوا عن الوقعة وجاز لمن ليس من أهل الجهاد أن يولي عنها، وما رواه الأوزاعي من السهم لهم محمول على الرضخ، لأن السهم النصيب، وهكذا من استعان به الإمام من المشركين رضخ لهم، ولم يسهم، لرواية مقسم عن ابن عباس أن النبي ﷺ استعان بقوم من يهود بني قينقاع، فرضخ لهم ولم يسهم. فإذا ثبت أنه يرضخ لهم ولا يسهم، فإن كان مستحق الرضخ مسلمًا، كان رضخه من الغنيمة وهل يكون من أصلها؟ أو من أربعة أخماسها؟ على قولين مضيا وإن كان مشركًا فعلى قولين: أحدهما: من سهم المصالح وهو خمس الخمس، سهم رسول الله ﷺ . والثاني: أنه من الغنيمة وهل يكون من أًلها أو من أربعة أخماسها؟ على قولين كالمسلم. مسألة: قال الشافعي: "ويسهم للتاجر إذا قاتل". قال في الحاوي: وللتاجر إذا خرج مع المجاهدين ثلاثة أحوال: أحدها: أن يقصد الجهاد بخروجه، وتكون التجارة تبعًا لجهاده، فهذا يسهم له إذا حضر الوقعة، وسواء قاتل أو لم يقاتل، يكون كغيره من المجاهدين الذين لم يتجروا، كما لو قصد الحج فاتجر كان له حجة، ولا تؤثر فيه تجارته. والثانية: أن يقصد التجارة، ويتخلف في المعسكر تشاغلًا بها، فهذا لا يسهم

стр. 6428

اعتبارًا بقصده وعدم أثره في الوقعة. والثالثة: أن يقصد التجارة ويشهد الوقعة، فهذا على ضربين: أحدهما: أن يقاتل فيسهم له، نص عليه الشافعي بلائه في الحرب. والثاني: أن لا يقاتل ففيه قولان: أحدهما: يسهم له لقوله: "الغنيمة لمن شهد الوقعة" ولأنه قد كثر وهيب وتجارته منفعة تعود على المجاهدين، فلم يحرم بها سهمه معهم. والثاني: لا يسهم له ولا يعطى رضخ كالإتباع لقول رسول الله ﷺ في مهاجر أم قيس"من كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلي ما هاجر إليه" ولأن ما قصده بالخروج من فضل التجارة قد وصل إليه، فلم يزد عليه فيصير به مفضلًا على ذوي النيات في الجهاد، وهذا لا يجوز، والله أعلم. مسألة: قال الشافعي: "وتقسم الغنيمة في دار الحرب، قسمها رسول الله ﷺ حيث غنمها وهي دار حرب بني المصطلق وحنين وأما ما احتج به أبو يوسف بأن النبي صلى الله عليه وسلم قسم غنائم بدر بعد قدومه المدينة وقوله: الدليل على ذلك أنه أسهم لعثمان وطلحة ولم يشهد بدرًا فإن كان كما قال فقد خالف سنة رسول الله ﷺ لا يعطي أحدًا لم يشهد الوقعة ولم يقدم مددًا عليهم في دار الحرب وليس كما قال. قال الشافعي: ما قسم ﵇ غنائم بدر إلا بسير شعب من شعاب الصفراء قريب من بدر فلما تشاح أصحاب النبي ﷺ في غنيمتها أنزل الله ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ فقسمها وهي له تفضلًا وأدخل معهم ثمانية أنفار من المهاجرين والأنصار بالمدينة وإنما نزلت ﴿واعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ بعد بدر ولم نعلمه أسهم لأحد لم يشهد الوقعة بعد نزول الآية ومن أعطى من المؤلفة وغيرهم فمن ماله أعطاهم لا من الأربعة الأخماس وأما ما احتج به من وقعة عبد الله بن جحش وابن الحضرمي فذلك قبل بدر ولذلك كانت وقعتهم في آخر الشهر الحرام فتوقفوا فيما صنعوا حتى نزلت ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ وليس مما خالف فيه الأوزاعي في شيء". قال في الحاوي: وهذا كما ذكر، الأولى بالإمام أن يعجل قسمة الغنيمة في دار الحرب، إذا لم يخف ضررًا، فإن أخرها إلي دار الإسلام كره له ذلك إلا من عذر. [وقال أبو حنيفة: يؤخر قسمها إلى دار الإسلام في دار الحرب وقال]

стр. 6429

مالك: يعجل قسمة الأموال في دار الحرب ويؤخر قسم السبي إلي دار الإسلام، واستدل من منع قسمها في دار الحرب برواية مقسم عن ابن عباس أن النبي ﷺ قسم غنائم بدر بعد مقدمه إلي المدينة وأعطى عثمان وطلحة بن عبيد الله وعبد الرحمن بن عوف منها، ولأن عبد الله بن جحش حين غنم ابن الحضرمي بعد قتله لم يقسم غنيمته حتى قدم بها المدينة، وكانت أول ما غنمه المسلمون قالوا: وقد روى مكحول قال: ما قسم رسول الله ﷺ غنيمته قط في دار الحرب ولا يقول مكحول هذا قطعًا وهو تابعي إلا عن اتفاق الصحابة، قالوا: ولأنها في دار الحرب تحت أيديهم، واستدامة قبضتهم، فوجب أن يمنعوا من قسمها كما منعوا من بيع ما لم يقبض، ولأنها في دار الحرب معرضة للاسترجاع فلم يجز قسمها كما لو كانت الحرب قائمة. ودليلنا ما رواه الشافعي بإسناده أن النبي ﷺ نفل ابن مسعود سيف أبي جهل ببدر، والنقل من القسم. وروى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: خرج رسول الله ﷺ إلي بدر في ثلاثمائة وخمسة عشر رجلًا حفاة عراة جياعًا فقال رسول الله ﷺ : "اللهم إنهم حفاة فاحملهم وعراة فاكسهم وجياع فأشبعهم". فانقلب القوم حيث انقلبوا ومع كل واحد منهم الحمل والحملان، وقد كساهم، وأطعمهم، وانقلابهم من بدر بهذا يكون بعد القسمة، فدل على أنه قسمها ببدر. وروي أن النبي ﷺ قسم غنائم بني المصطلق يوم المريسيع على مياههم، ووقعت جويرية في سهم ثابت بن قيس بن شماس فاشتراها منه، وأعتقها وتزوجها، وقسم غنائم خيبر لها، وعامل عليها أهلها، وقسم غنائم حنين مع السبي بأوطاس، وهو وادي حنين، وأعطى منها المؤلفة قلوبهم، وقد نقل أهل السير والمغازي أن رسول الله ﷺ ما غنم غنيمة قط إلا قسمها حيث غنمها، ولأن كل موضع صحت فيه الغنيمة لم يمنع فيه من القسمة كدار الإسلام، ولأن كل غنيمة صح قسمها في دار الإسلام لم تكره قسمتها في دار الحرب تعجيل الحقوق إلي مستحقيها، فكان أولى من تأخيرها، ولأن حفظ ما فسم أسهل والمؤونة في نقله أخف فكان أولى. فأما الجواب عن حديث ابن عباس: أنه قسم غنائم بدر بالمدينة فمن وجهين: أحدهما: أنا روينا خلافه، فتعارضت الروايتان. والثاني: أن المهاجرين والأنصار تشاجروا فيها، فأخرها لتشاجرهم، حتى جعلها

стр. 6430

الله تعالى لرسوله بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ فحينئذ قسمها رسول الله ﷺ على رأيه، وأدخل فيهم ثمانية لم يشهدوا بدرًا، ثلاثة من المهاجرين، وخمسة من الأنصار. وأما حديث مكحول مرسل، والنقل المشهور بخلافه. وأما الجواب عن تأخير عبد الله بن جحش غنيمة ابن الحضرمي إلي المدينة فمن وجهين: أحدهما: أنها كانت في الأشهر الحرم فشكوا في استباحتها، فأخروها حتى قدموا على رسول الله ﷺ فسألوه عنها، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ والثاني: أن عبد الله بن جحش لم يعلم مستحق الغنيمة وكيف تقسم، فأخرها حتى استعلم رسول الله ﷺ عنها. وأما الجواب عن قياسهم على بيع ما لم يقبض، فمن وجهين: أحدهما: أن ما لم يقبض من المبيعات مضمون على بائعه، فمنع من بيعه قبل قبضه، وهذا غير مضمون فافتقرا. والثاني: أن يد الغانمين أثبت، لأن يد المشركين عليه بحكم الدار ويد الغانمين عليه بالاستيلاء والمشاهدة، فصار كرجل في دار رجل وفي يده ثوب، فادعاه صاحب الدار لأن صاحب اليد أحق من صاحب الدار، لأن صاحب الدار يده من طريق الحكم ويد القابض من طريق المشاهدة فكانت أقوى وكان بالملك أحق. فأما الجواب عن قولهم إنها معرضة للاسترجاع فهو أنها كذلك فيما اتصل من دار الإسلام بدار الحرب، ولا يمنع ذلك من جواز قسمتها، فكذلك في دار الحرب، فأما مع بقاء الحرب فلم يستقر الظفر فيستقر عليها ملك للغانمين أو يد. مسألة: قال الشافعي: "ولهم أن يأكلوا ويعلفوا دوابهم في دار الحرب فإن خرج أحد منهم من دار الحرب وفي يده شيء صيره إلي الأمام". قال في الحاوي: يجوز لأهل الجهاد إذا دخلوا دار الحرب أن يأكلوا طعامهم، ويعلفوا دوابهم، ما أقاموا في دارهم، ولا يحتسب به عليهم من سهمهم، لرواية عبد الله من مغفل قال: دلى جراب من شحم يوم خيبر، قال فأتيته فالتزمته وقلت: لا أعطي اليوم منه أحدًا شيئاً ثم التفت فإذا رسول الله ﷺ يبتسم، فدل تبسمه منه وتركه عليه على إباحته له.

стр. 6431

وروى عبد الله بن أبي أوفى قال: أصبنا طعامًا يوم خيبر، قال: فكان الرجل يجيء فيأخذ منه مقدار ما يكفيه وينصرف، فدل ذلك على إباحته، ولأن أزواد المجاهدين تنفذ ويصعب نقلها من بلاد الإسلام إليهم، ولا يظفرون بمن يبيعها عليهم، فدعت الضرورة إلي إباحتها لهم. فإذا ثبت إباحتها لهم، فقد اختلف أصحابنا هل تعتبر الحاجة في استباحتها أم لا؟ على وجهين: أحدهما: وهو قول الجمهور والظاهر من مذهب الشافعي، أن الحاجة غير معتبرة في استباحتها وأنه يجوز لهم أن يأكلوا ويعلفوا دوابهم، مع الحاجة، والغنى والوجود والعدم، واعتبارًا بطعام الولائم. والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة إنهم لا يستبيحونه إلا مع الحاجة اعتبارًا بأكل المضطر من طعام غيره هو ممنوع منه إلا عند حاجته واعتباره بالمضطر خطأ من وجهين: أحدهما: أن المضطر لا يستبيح إلا عند خوف التلف وهذا مباح، وإن لم يخف التلف. والثاني: أن المضطر ضامن، وهذا غير ضامن فافترقنا. فصل: فإذا تقرر ما وصفنا من إباحة الأكل، جاز أن يأكل ما يقتاته وما يتأدم به وتفكه من ذلك ولا يقتصد على الأقوات وحدها اتفاق من أصحابنا وهو حجة أبي علي بن أبي هريرة في اعتبار الحاجة، ويجوز أن يدخر منه، إذا اتسع قدر ما يقتاته مدة مقامه، فإن ضاق كان أسوة غيره فيه، ويجوز أن يذبح المواشي ليأكلها، ولا يذبحها لغير الأكل روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن ذبح البهائم إلا لمأكله. ولا يجوز أن يتخذ جلودها حذاء ولا سقاء لاختصاص الإباحة بالأكل، فأشبه طعام الولائم، ولا يجوز أن يعدل عن المأكول والمشروب إلي ملبوس ومركوب، فأما الأدوية فضربان: طلاء ومأكول. فأما الطلاء من الدهن والضماد فمحسوب عليه إن استعمله، وأما المأكول ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ممنوع منه إلا بقيمة محسوبة عليه من سهمه لخروجها عن معهود المأكول. والثاني: أنها مباحة له وغير محسوبة عليه لأن ضرورته إليها أدعى، فكانت الإباحة أولى. والثالث: أنها إن كانت لا تؤكل إلا تداويًا، حسبت عليه من سهمه وإن أكلت لدواء غير دواء لم تحسب عليه.

стр. 6432

فصل: فأما علوفة دوابهم وبهائمهم فتنقسم ثلاثة أقسام: أحدها: ما لا يستغني عنه في جهاده، من فرس يقاتل عليه وبهيمة يحمل عليها رحله، فيجوز أن يعلفها من مال أهل الحرب ما تعتلفه البهائم من شعير وتبن وقت، ولا يتعدى الغرف فيه إلي غيره، لأن ضرورتها فيه كضرورته. والثاني: ما استصحب للزينة والفرجة كالفهود والنمور والبزاة المعدة للاصطياد، فلا يجوز أن يعلفها من مال أهلي الحرب، لأنها غير مؤثرة في الجهاد، فإن أطعمها كان محسوبًا عليها. والثالث: ما حمله للاستظهار به لحاجة ربما دعت إليه كالجنيبة التي يستظهر بها لركوبه، أو بهائم يستظهر بها لحمولته ففيه وجهان: أحدهما: أنه يجوز أن يعلفها من أموالهم، لأنه عدة يقوى بها عليهم. والثاني: لا يجوز أن يتعدى بها مال نفسه، وإن علفها من أموالهم كان محسوبًا عليها من سهمه اعتبارًا لحاجته في الحال التي هم عليها، وكما لا يسهم إلا لفرس واحد، وإن استظهر بغيره، ولا يجوز أن يتجاوز العلوفة إلي أنعال دوابه، ولا أن يوقع حوافرها ويدهن أشاعرها من أموالهم، فإن فعل كان محسوبًا عليه. فصل: فأما ما عدا الطعام والعلوفة من الثياب والدواب والآلة والمتاع فجميعه غنيمة مشتركة يمنع منها، وإن احتاج إليها، فإن لبس ثوبًا منها فأخلقه، أو ركب دابة فهزلها استرجع ذلك منه ولزمه أجرة مثله وغرم نقصه كالغاصب. روى رويفع بن ثابت الأنصاري أن رسول الله ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس ثوبًا من فيء المسلمين حتى إذا خلق رده فيه" ولأن المضطر في دار الإسلام يستبيح أكل الطعام دون الثياب، فكذلك المجاهد في دار الحرب فإن اشتدت ضرورة بعض المجاهدين إلي ثوب يلبسه استأذن فيه الإمام، وأعطاه من الثياب ما يدفع به ضرورته، ويكون محسوبًا عليه من سهمه، وإذا نفقت دابته أو قتلت في المعركة لم يستحق بدلها من المغنم، كما لو مات المجاهد أو قتل لم يلزم غرم ديته، فإن اشتدت ضرورته إلي ما يركبه لقتال أو غيره، استأذن الإمام حتى يعطيه إما من خمس الخمس نفلًا، وإما من الغنيمة سلفًا من سهمه، يفعل منها ما يؤديه اجتهاده إليه، فإن شرط لهم الإمام أن من قتل فرسه في المعركة كان له مثلها أو ثمنها، جاز ليحرضهم على الإقدام، ووفى بشرطه

стр. 6433

ودفع إليهم مثلها أو ثمنها بحسب الشرط، ولم يقتصر على حكم ضمان المستهلك في غرم قيمة الدابة، وجاز أن يعدل إلي المثل والثمن، لأن ذلك من عموم المصالح التي يتسع حكمها ويكون ما يدفعه من ذلك من خمس الخمس، سهم رسول الله ﷺ المعد للمصالح العامة. فصل: ويجوز أن يتابع المجاهدون في دار الحرب ما أخذوه من طعامهم رطلًا برطلين، ولا يكون إذا باعه مجاهد على مجاهد، لأنه مباح الأصل بينهم فسقط فيه حكم الربا، نص عليه الشافعي في سير الواقدي، وإن كان تحريم الربا عنده في دار المشركين كتحريمه في دار الإسلام، ولا يجوز أن يبيعه بذهب ولا ورق، ويكون مقصورًا على بيع المأكول بمأكول كما كان مقصورًا على إباحة المأكول، فإن تأخر قبض البدل فيه سقطت المطالبة به لإباحة أصله، فإن أراد المجاهد أن يبيعه على من ليس بمجاهد لم يجز بيعه بأكثر منه ولا بثمنه ولا بثمن في الذمة ويكون مبيعًا باطلًا على الأحوال كلها، وإن عقد على شروط الصحة لأن الإباحة مقصورة على الأكل دون البيع كطعام الولائم، وهكذا لو دفعه المجاهد قرضًا لغيره منع إن كان مقترضه غير مجاهد ولم يمنع إن كان مقترضه مجاهدًا ويصير مقترضه أحق به ولا يستحق استرجاع بدله، وإذا أراد المجاهد أن يبيع طعامًا له حمله من دار الإسلام على مجاهد أو غير مجاهد جاز وحرم له فيه الربا، وإن أقرضه استحق استرجاع بدله بخلاف المأخوذ من طعام أهل الحرب للفرق بينهما بإباحة هذا وحظر ذاك. فصل: وإذا خرج المسلمون من دار الحرب ومعهم من بقايا ما أخذوه من طعامهم ففي وجوب رده إلي المغنم قولان: أحدهما: نص عليه هاهنا أن عليهم رده إلي المغنم لارتفاع الحاجة، فإن استهلكوه كان محسوبًا عليه من سهامهم. والقول الثاني: نص عليه في سير الأوزاعي لا يلزمهم رده، لأنه موضوع على الإباحة، وبه قال الأوزاعي وقد روى نافع عن ابن عمر أن جيشًا غنموا في زمن رسول الله ﷺ طعامًا وعسلًا فلم يؤخذ منهم الخمس. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: ما بقي معهم من الطعام قبل قسم الغنيمة رده في الغنائم، وما بقي بعد قسمتها باعوه وتصدقوا بثمنه وعلى مذهب الشافعي إن لم يجب رده على أحد قوليه كانوا أحق به قبل الغنم ويجوز لهم بيعه بعد خروجهم من دار الحرب، ولا يجوز لهم بيعه قبل خروجهم منها، وتكون أيديهم عليه في دار الحرب يد استباحة، وفي دار الإسلام يد ملك، وإن وجب رده على القول الثاني ردوه إلي المغنم قبل القسم، وعلى الإمام بعد القسم وليس لهم بيعه ولا التصدق

стр. 6434

بثمنه، لأنه حق للغانمين وتكون أيديهم عليه في دار الحرب يد استباحة، وفي دار الإسلام يد حظر، فيجوز أن يأكلوه في دار الحرب ولا يأكلوه في دار الإسلام، ولا يجوز لهم بيعه في دار الحرب ولا في دار الإسلام والله أعلم. مسألة: قال الشافعي: "وما كان من كتبهم فيه طب أو ما لا مكروه فيه بيع وما كان فيه شرك أبطل وانتفع بأوعيته". قال في الحاوي: كتبهم مغنومة عنهم، لأنها من أموالهم وهي ضربان: أحدهما: ما ليس بمحظور على المسلمين وهو ما فيه طب أو حساب، أو شعر، أو أدب فتترك على حالها، وتقسم في المغنم مع سائر أموالهم. والثاني: ما كان محظورًا على المسلمين من كتب شركهم وشبه كفرهم فلا يجوز أن تترك على حالها، وكذلك التوراة والإنجيل لأنهما قد بدلا وغيرا عما أنزلهما الله تعالى عليه فجرت في المنع من تركها على حالها مجرى كتب شركهم، فتغسل ولا تحرق بالنار، وإن اختار بعض الفقهاء إحراقها، لأنه ربما كان فيها من أسماء الله تعالى ما يصان عن الإحراق، ولأن في أوعيتها إذا غسلت منفعة لا يجوز استهلاكها على الغانمين، فإن لم يكن غسلها مزقت، حتى يخفض ما فيها من الشرك، ثم بيعت في المغنم إن كان لها قيمة. فصل: فأما خمورهم فتراق ولا تباع عليهم ولا تباع عليهم، ولا على غيرهم لتحريمها وتحريم أثمانها، فأما أوانيها فإن أمكن حملها إلي دار الإسلام لنفاستها وكثرة أثمانها ضمت إلي الغنائم، وإن لم يكن حملها فإن غلب المسلمون على دارهم قسمت بينهم لينتفعوا بها بعد غسلها، وإن لم يغسلوا على دارهم كسرت ولم تترك عليهم صحاحًا لئلا يعاود الانتفاع بها في حظور. وأما خنازيرهم فتقتل سواء كانت مؤذية أو غير مؤذية، وقد قال الشافعي في سير الواقدي: تقتل إن كان فيها عدوى ولم يرد بذلك تركها إن لم يكن فيها عدوى، وإنما أراد تعجيل قتلها خوف ضررها وإن كانت عادية وإن وجب قتلها عادية وغير عادة، لأن الخمر تراق وإن لم يكن فيها عدوى، فإن تعذر عليهم قتلها تركها كما يتركهم إذا تعذر قتلهم. وأما جوارح الصيد فما كان مباح الأثمان من الفهود والنمور والبزاة قسمت بين الغانمين مع الغنائم، فأما الكلاب فضربان: أحدهما: ما لا منفعة فيه فلا يتعرض لأخذه، ثم ينظر فيها كان منها عقورًا

стр. 6435

مؤذيًا قتل، وترك ما عداه. والثاني: يكون منتفعًا بها إما في صيد أو ماشية أو حرث فيجوز أخذها ليختص بها من الغانمين أهلي الانتفاع بها، فيدفع كلاب الصيد إلي أهل الصيد خاصة، وتدفع كلاب الماشية إلي أهل الماشية، وكلاب الحرث إلي أهل الحرث، ولا يعوض بقية الغانمين عنها؛ لأنه لا قيمة لها فإن لم يكن في الغانمين من ينتفع بها أعدها لأهل الخمس، لأن فيهم من ينتفع بها. مسألة: قال الشافعي: "وما كان مثله مباحًا في بلاد الإسلام من شجر أو حجر أو صيد في بر أو بحر لمن أخذه". قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا وجد في دار الحرب ما يكون مثله مباحًا في دار الإسلام، وذلك خمسة أنواع صيد، وأشجار، وأحجار، وثمار، ونبات، فهو على ضربين: أحدهما: أن يكون عليه أثر الملك، وهو أن يكون الصيد موسومًا أو مقرطًا، أو تكون الأشجار مقطوعة، وأن تكون الأحجار مصنوعة، وأن تكون الثمار مقطوفة، وأن يكون النبات مجذودًا فهذه آثار تدل على الملك، فتكون غنيمة لا ينفرد بها واجدها لأن مثل هذه الآثار تمنع من استباحتها في دار الإسلام فخرجت عن حكم المباح في دار الشرك. والثاني: أن يكون على خلقه الأصلي ليس فيها أثار يرد، ولا صنعة فهذا على ضربين: أحدهما: أن تكون في أملاكهم، فهي غنيمة لا يملكها واجدها اعتبارًا بأصولها إلا الصيد، فإن كان مربوطًا فهو في حكمها غنيمة، وإن كان مرسلًا فهو على أصل الإباحة وما فيه من أحجار وأشجار وثمار ونبات وعسل ونحل وصيد مباح تبع لأصله، يأخذه واجده ولا يكون غنيمة. وقال أبو حنيفة: يكون جميعه غنيمة يمنع واجده منه إلا الحشيش وحده لقول النبي ﷺ : "المسلمون شركاء في ثلاث: الماء والنار والكلأ" وما عداه غنيمة تقسم بين الغانمين استدلالًا بأنه ذو قيمة، فوجب أن يكون مغنومًا كسائر أموالهم. ودليلنا هو أن ما كان أصله على الإباحة في دار الإسلام كان على الإباحة في دار الحرب كالحشيش، ولأنها دار يستباح حشيشها فاستباح ما لم يجز عليه ملك من صاحبها كدار الإسلام، ولأن دار الإسلام أغلط خطرًا من دار الشرك فكان ما استبيح فيها أولى أن

стр. 6436

يستباح في دار الشرك. والجواب عن قياسه مع انتفاضة بالحشيش أن معنى أصله أنه مملوك وهذا غير مملوك. فصل: فأما معادن بلادهم: فإن كانت مملوكة فهي غنيمة، وإن كانت في موات مباح فهي كمعادن مواتنا، ونظر ما فيه فإن كان ظهر بعمل تقدم فهو غنيمة لا يملكه آخذه، وإن كان كامنًا فهو ملكه آخذه. وأما الركاز فإن كان في أرض مملوكة، فهو غنيمة، وإن كان في موات مباح أو طريق سابل فعلى ثلاثة أضرب: أحدها: أن يكون عليه طابع قريب العهد، ويجوز أن يكون أربابه أحياء فهذا غنيمة لا يملكها واجدها. والثاني: أن يكون عليه طابع قديم، لا يحوز أن يكون أربابًا أحياء، فهذا ركاز يملكه واجده، وعليه إخراج خمسه. والثالث: ما استشكل واحتمل الأمرين ففيه وجهان: أحدهم: يكون غنيمة اعتبارًا بالدار. والثاني: يكون ركازًا اعتبار بالمال. وأما ما وجد من عدة المحاربين، وآلة القتال، من خيم وسلاح فعلى ثلاثة أضرب: أحدها: أنه يعلم أنه لأهل الحرب فيكون غنيمة. والثاني: أن يعلم أنه للمسلمين فيكون لقطة. والثالث: أن يكون مشكوكًا، فيه فينظر فإن وجد في معسكر أهل الحرب كان غنيمته، وإن وجده في معسكر المسلم كان لقطة اعتبارًا باليد. مسألة: قال الشافعي: "ومن أسر منهم فإن أشكل بلوغهم فمن لم ينبت فحكمه حكم طفل ومن أنبت فهو بالغ أو يسلم أهل الأوثان ويؤدي الجزية أهل الكتاب أو يمن عليهم أو يفاديهم بمال أو بأسرى من المسلمين أو يسترقهم فإن استرقهم أو أخذ منهم فسبيله سبيل الغنيمة أسر سول الله ﷺ أهل بدر فقتل عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث ومن على أبي عزة الجمحي على أن لا يقاتله فأخفره وقاتله يوم أحد فدعا عليه أن لا يفلت فما أسر غيره ثم أسر ثمامة بن أثال الحنفي فمن عليه ثم أسلم وحسن إسلامه

стр. 6437

وفدى النبي ﵇ رجلًا من المسلمين برجلين من المشركين" قال في الحاوي: الأسرى ضربان: ذرية، ومقاتلة. فأما الذرية فهم النساء والصبيان، فلا يجوز قتلهم لنهي النبي ﷺ عن قتل النساء والولدان، ويتسرقون على ما سيأتي حكمه، وأما المقاتلة فهم الرجال، وكل من بلغ من الذكور فهو رجل، سواء اشتد وقاتل أم لا يكون الإنبات فيهم بلوغًا، أو في حكم البلوغ، على ما مضى من القولين لما روي أن النبي ﷺ حكم سعد بن معاذ في بني قريظة فحكم أن من جرت عليه المواسي قتل ومن لم تجر عليه استرق، فقال النبي ﷺ : "هذا حكم الله من فوق سبعة أرقعه" يعني سبع سموات، والإمام في رجالهم إذا أقاموا على شركهم مخير بين أربعة أحكام يجتهد فيها رأيه، ليفعل أصلحها، فيكون خيار نظر واجتهاد لا خيار شهوة وتحكم. وخياره في الأربعة بين أن يقتل، أو يسترق، أو يفادي على مال أو أسرى، أو يمن بغير فداء، وقال أبو يوسف: يكون مخيرًا بين ثلاثة أشياء: أن يقتل، أن يسترق، أو يفادي على مال أو أسري، ليس له أن يمن. وقال مالك: يكون مخيرًا بين ثلاثة أشياء: أن يقتل، أو يسترق، أو يفادي على مال، ولا يجوز أن يفادي بأسرى، ولا أن يمن. وقال أبو حنيفة: يكون مخيرًا بين شيئين: أن يقتل، أو يسترق، ولا يجوز أن يفادي، ولا أن يمن، فصار القتل والاسترقاق متفقًا عليهما، أما القتل فلقول الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدتُّمُوهُمْ﴾ وقت رسول الله ﷺ عقبة بن أبي معيط صبرًا يوم بدر، فقال يا محمد: من للصيبة، فقال: النار، وقتل النضر بن الحارث يوم بدر صبرًا. وأما الاسترقاق فلأن رسول الله ﷺ استرق سبي بني قريظة وبني المصطلق، وهوازن يوم حنين. وأما الفداء والمن، واستدل أبو حنيفة على المنع منهما بقول الله تعالى في فداء أسرى بدر: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾، يعني العمل بما يفضي إلي ثواب الآخرة، لأن رسول الله ﷺ شاور فيهم أصحابه، فأشار أبو بكر باستبقائهم، وأخذ فدائهم لهل الله أن يهديهم، وأشار عمر بقتلهم، لأنهم أعداء الله، وأعداء رسوله، فعمل على قول أبي بكر، وفادى كل أسير بأربعة آلاف درهم، فأنكر الله تعالى على رسوله ﷺ ما فعله من الفداء، وقال: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وفيه تأويلان: أحدهما: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ أنه سيحل المغانم لكل ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ من فداء الأسرى عذاب عظيم قال ابن عباس. والثاني: "لولا كتاب من الله سبق" أن لا يؤاخذ أحدًا بعمل أتاه على جهالة

стр. 6438

﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ من الفداء ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ قاله ابن إسحاق: قال: وإذا منع من الفداء كالمنع من المن أولى والدليل على جواز المن والفداء قول الله تعالى: ﴿فَإذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾. وفيه تأويلان: أحدهما: أنه ضرب رقابهم صبرًا بعد القدرة. والثاني: أنه قتالهم ألمفض إلي ضرب رقابهم في المعركة ﴿حَتَّى إذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الوَثَاقَ﴾ يعني بالإثخان الجراح، وبشد الوثاق الأسر، ثم قال بعد الأسر: ﴿فَإمَّا مَنًا بَعْدُ وإمَّا فِدَاءً﴾ والمن العفو، والفداء ما فودي به الأسير من مال أو أسير، ثم قال: ﴿حَتَّى تَضَعَ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أوزار الكفر بالإسلام. والثاني: أثقال السلاح بالظفر فورد بإباحة المن والفداء نص القرآن الذي لا يجوز دفعه ثم جاءت به السنة، وروي أن رسول الله ﷺ من على ثمامة بن أثال بعد أن ربطه إلي سارية المسجد أسرًا، فمضى وأسلم في جماعة من قومه، وحسن إسلامه ومن على أبي عزة الجمحي يوم بدر، وشرط عليه أن لا يعود لقتاله، فلما عاد إلي مكة قال: سخرت من محمد، وعاد إلي قتاله في أحد فدعا رسول الله ﷺ أن لا يلفت فما أسر يومئذ غيره، فقال: امنن علي فقال: "هيهات، ترجع إلي قومك فتقول سخرت من محمد مرتين لا يدع المؤمن من حجر مرتين" وضرب عنقه وليس هذا القول من رسول الله ﷺ على طريق الخبر، لأن المؤمن قد يلدغ من جحر مرتين، وإنما هو على طريق التحذير. ويدل على إباحة الفداء بالأسرى، ما رواه عمران بن الحصين أن رسول الله ﷺ فادى يوم بدر رجلًا برجلين، وعلى الفداء بالمال ما فادى به أسرى بدر. فإن قيل: فقد أنكره الله تعالى عليه فعنه جوابان: أحدهما: أنه أنكره عليه قبل ورود إباحته، وقد وردت الإباحة فزال الإنكار. والثاني: أنه قيد إنكاره بشرط، وهو قوله: ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ وفي إثخانه دليلان: أحدهما: أنه كثرة القتل. والثاني: الاستيلاء والظفر وقد أنعم الله تعالى بهما، فزال الإنكار وارتفع المنع. فصل: فإذا ثبت أن الإمام أو أمير الجيش مخير في الأسرى بين أربعة أشياء، يفعل منها أصلحها في كل أسير، فعليه أن يقدم عرض الإسلام عليهم، فإن لم يسلموا نظر فيمن كان منهم عظيم العداوة شديد النكاية فهو المندوب إلى قتله فيقتله صبرًا, يضرب العنق لقول

стр. 6439

الله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾. وقوله: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ﴾ ولا يمثل به لنهي النبي ﷺ عن المثلة، وقال: "إن الله كتب عليكم الإحسان في كل شيء حتى في القتل فإذا قتلته فأحسنوا القتلة". فإن قيل: فقد مثل رسول الله ﷺ بالعرنيين، فقطع أيديهم وأرجلهن، وسمل أعينهم، وألقاهم في حر الرمضاء، فعنه جوابان: أحدهما: أنه فعل ذلك في متقدم الأمر ثم نهى. والثاني: أنه فعل ذلك بهم جزاء وقصاصًا، لأنهم قتلوا راعي رسول الله ﷺ ومثلوا به فقاتلهم عليه بمثله وقد قال الله تعالى: ﴿وإنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾. ولا يجوز أن يحرقهم بالنار، لقول النبي ﷺ : "لا يعذب بعذاب الله غير الله". فإن قيل: فقد جمع خالد بن الوليد حين قاتل أهل الردة باليمامة جماعة من الأسرى وألقاهم في حفيرة وأحرقهم بالنار، وأخذ رأس زعيمهم فأوقده تحت قدره، قيل عنه جوابان: أحدهما: أن أبا بكر وعمر ﵄ أنكرا ذلك من فعله وبرئا إلي الله من فعله. والثاني: أنها كانت حالًا لم ينتشر فيها حكم النهي، ففعل خالد من ذلك ما اقتضاه حكم السياسة عنده، لأنه كان في متقدم الإسلام، وكانوا أول قوم تظاهر بالردة بعد قبض الرسول ﷺ وآمنوا بمسيلمة الكذاب، فأظهر لما فعل من إحراقهم بالنار أعظم العقوبات لارتكابهم أعظم الكفر ثم علم بالنهي فكف وامتنع، فإن ادعى ولحد من أمر الإمام بقتله أنه غير بالغ نظر، فإن لم ينبت شعر عانته قبل قوله، وإن نبت شعر عانته لم يقبل قوله بغير بينة، وفي قبول قوله مع البينة قولان بناء على اختلاف قوليه في الإنبات هل يكون بلوغًا أو دلالة عليه. فإن قيل: إنه بلوغ لم تسمع بينته وقتل، وإن قيل: إنه دلالة على البلوغ سمعت بينته أنه لم يستكمل خمس عشرة سنة ولم يقتل فهذا حكم القتل. فصل: وأما الاسترقاق فمن علم أنه قوي البطش ذليل النفس فهو من أهل الاسترقاق وله حالتان: إحداهما: أن يكون ممن يجوز إقراره بالجزية كأهل الكتاب من اليهود والنصارى، أو من له شبهة كتاب كالمجوس فيجوزن أن يسترق، يقر على كفره بالرق كما يقر عليه بالجزية والثانية: أن يكون ممن لا يقر على كفره بالجزية كعبدة الأوثان، ففي جواز إقراره

стр. 6440

على كفره بالاسترقاق وجهان: أحدهما: وهو الظاهر من مذهب الشافعي وسنة الرسول ﷺ يجوزن أن يسترق، ويقر على كفره بالرق، وإن لم يقر عليه بالجزية، لأن كل من جاز إقراره بالأمان جاز إقراره بالاسترقاق، كالكتابي طردًا وكالمرتد عكسًا. والثاني: وهو قول أبي سعيد الإصطخري إنه لا يجوز إقراره بالاسترقاق، كما لا يجوز إقراره بالجزية، ويبقى خيار الإمام فيه بين القتل أو الفداء أو المن، ولا فرق على كلا الوجهين بين العرب منهم والعجم. وقال أبو حنيفة: إن كانوا عجمًا جاز استرقاقهم وإن كانوا عربًأ وجب قتلهم ولا يجوز استرقاقهم لمبالغة العرب في عداوة رسول الله ﷺ وإخراجه من بلده، فصاروا بذلك أغلظ جرمًا وصار قتلهم محتمًا، وهذا خطأ لأمرين: أحدهما: أن الاسترقاق عقوبة تتعلق بالكفر، فوجب أن يستوي فيها العربي والعجمي كالقتل. والثاني: أن كل كافر جاز استرقاقه إذا كان أعجميًا، جاز استرقاقه إذا كان عربيًا كأهل الكتاب فهذا حكم الاسترقاق. فصل: وأما الفداء بمال، فمن علم أنه كثير المال، مأمون العاقبة وافتدى نفسه بمال، قبل منه الفداء، وأطلق عليه، وكان المال المأخوذ منه غنيمة تقسم بين الغانمين، ويكون الذي استأ سره في فدائه وغيره من الغانمين سواء كما يكون الغانم للمال وغيره فيه سواء. فإن قيل: فقد كان فداء أسرى بدر بأخذه من استأ سرهم، ولذلك سأل رسول الله ﷺ في أبي العاص بن الربيع، وقد أسر يوم بدر، وهو زوج زينب بنت رسول الله ﷺ ، وأنفذت في جملة فدائه قلادة كانت لها جهزتها بها خديجة، فلما أبصرها رسول الله ﷺ عرفها ورق لها، وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها مالها فافعلوا فلولا حقهم فيه لتفرد بالرد ولما سألهم فعنه ثلاثة أجوبة: أحدهما: أنه قال: ذلك استطابة لقلوبهم وإن كان أمره فيه نافذًا. والثاني: أنه كان قبل أن يستقر حكم الأسري والغنائم. والثالث: أنه حق لجميعهم لا لواحد منهم فاستطاب نفوسهم فيه. وأما الفداء والأسرى: فهو لمن كان في أيدي قومه أسرى من المسلمين، وهو مشفقون عليه من الأسرى ومفتدون له بمن في أيديهم فيفادي به من قدر عليه من أسرى المسلمين والأولى أن يأخذ به أكثر منه، فإن رسول الله ﷺ فادى كل رجل من المشركين برجلين من المسلمين، فإن لم يقدر أن يفادي كل رجل إلابرجل جاز ولو دعته الضرورة أن يفادي رجلين من المشركين برجل من المسلمين فعل، فهذا حكم الفداء.

стр. 6441

فصل: وأما المن بغير الفداء، فهو فيمن علم منه ميلًا إلي الإسلام، أو طاعة في قومه يتألفهم به فهو الذي يمن عليه كما من رسول الله ﷺ على ثمامة بن أثار فعاد مسلمًا في عدد من قومه، وينبغي أن يستظهر عليه بأن يشترط بأن لا يعود إلي قتله، كما شرط رسول الله ﷺ على أبي عزة الجحيمي، فلم يف به وعاد لقتاله، وظفر به فضرب رقبته. فأما إن كان في الأسرى عبد لم يجز أن يمن عليه، لأنه مال كما لا يجوز أن يرد عليها غنائمهم ولم يحتج إلي استرقاقه؛ لأنه مسترق، وكان الإمام فيه بالخيار بين أن يقسمه بين الغنائم مع الأموال، وبين أن يقتله إن خالف عاقبته، ويعوض الغانمين عنه، لأنه مال بخلاف من قتله من الأحرار، وبين أن يفتدي به أسرى من المسلمين، ويعوض عنه الغانمين وسنذكر من أسلم. فصل: فإن قتل مسلم هذا الأسير فلا يخلو حال قتله من أحد أمرين. إما أن يكون بعد نفوذ حكم الإمام فيه أو يكون قبله فإن قتله بعد نفوذ حكم الإمام فيه، فلا يخل حكمه من أحد أربعة أحكام: أحدها: أن يكون قد حكم بقتله، فلا ضمان على قاتله، لكن يعزر لافتيانه على الإمام في قتل من لم يأمره بقتله وأن كان قتله مباحًا. والثاني: أن يكون الإمام استرقه فيضمنه قاتله بقيمته عبدًا، وتكون القيمة من الغنيمة تقسم بين الغانمين. والثالث: أن يكون الإمام قد فادى به على مال أو أسرى فهذا على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يقتله قيل فرض الإمام فدا، فيضمن ديته من مال الغنيمة، لأنه صار له بالفداء أمان فضمن ديته وصار بقاء الفداء موجبًا لصرف الدية إلي الغنيمة. والثاني: أن يقتله بعد فرض الإمام فداء وقبل إطلاقه فيضمنه بالدية لورثته دون الغانمين لاستيفاء فدائه. والثالث: أن يقتله بعد قبض فدائه، وإطلاقه إلي مأمنه فلا ضمان عليه لعوده إلي ما كان عليه قبل أسره. والقسم الرابع: من أقسام الأصل أن يكون الإمام قد من عليه فقتله بعد المن، فهذا على ضربين: أحدهما: أن يقتله قبل حصوله في مأمنه فيضمنه بالدية لورثته. والثاني: أن يقتله بعد حصوله في مأمنه فلا يضمن ويكون دمه هدرًا. وأما إذا قتله قبل أن يقضي الإمام فيه بأحد هذه الأحكام الأربعة فلا ضمان عليه لكن يعزر أدبًا، وقال الأوزاعي: يضمنه بالدية للغانمين لافتياته عليهم، وهذا خطأ لأمرين:

стр. 6442

أحدهما: أنه على أصل الإباحة ما لم يحدث خطر فأشبه المرتد. والثاني: أن قتل الإمام لما لم يوجب ضمانًا لو يوجب قتل غيره كالحربي. مسألة: قال الشافعي: "وإن أسلموا بعد الأسر رقوا وإن أسلموا قبل الأسر فهم أحرار". قال في الحاوي: وجملة إسلامهم ضربان. أحدهما: أن يكون قبل أسرهم، فيسقط خيار الإمام فيهم، فلا يجوز أن يقتل، ولا يسترق ولا يفادي، وهم كمن أسلم قبل القتال في جميع أحكام المسلمين، وسواء أسلموا وهم قادرون على الهرب أو كانوا في حصار أو مضيق قد أحيط بهم، ولو في بئر، لأنهم قبل الإسار يجوز أن يتخلصوا فجرى على إسلامهم دماءهما وأموالهما، وهكذا من بدل الجزية قبل الإسار حقن بها دمه، وحرم بها استرقاقه، وصارت له بها ذمة كسائر أهل الذمة، فإن أقام في دار الإسلام منعنا عنه نفوسنا وغيرنا، وإن أقام في دار الحرب منعنا عنه نفوسنا ولم يلزم أن نمنع عنه غيرنا. فصل: والضرب الثاني: أن يسلموا بعد الإسار وحصولهم في أدي المسلمين فيسقط القتل عنهم بإسلامهم، ويحقنوا به دماءهم، لقول النبي ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم" فثبت أن الإسلام موجب لحقن دمائهم، فإن بذلوا الجزية بعد الإسراء ولم يسلموا نظر فيهم، فإن كانوا من عبدة الأوثان لم تقبل جزيتهم، ولم تحقن بها دماؤهم، وإن كان من أهل الكتاب ففي حقن دمائهم وقبول الجزية بعد الإسار وجهان حكاهما ابن أبي هريرة: أحدهما: تحقن بها دماؤهم بعد الإسار كما تحقن بها دماؤهم قبل الإسار كالإسلام. والثاني: لا تحقن بها دماؤهم بعد الإسار وإن حقنت بها قبله لقول الله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ﴾ وليس لهم بعد الإسار يد. فصل: فإذا سقط قتلهم بعد الإسار بالإسلام، فقد قال الشافعي هاهنا، فإن أسلموا بعد الإسرا رقوا، وإن أسلموا قبل الإسار فهم أحرار، وظاهر هذا الكلام أنهم قد صاروا رقيقًا بالإسلام، من غير استرقاق، وقال في موضع آخر: إنهم لا يصيرون رقيقًا حتى

стр. 6443

يسترقوا، فخرجه أصحابنا على قولين: أحدهما: أنهم قد رقوا بالإسلام، لأن كل أسير حرم قتله رق كالنساء والصبيان فعلى هذا يسقط خيار الإمام في الفداء والمن. والقول الثاني: وهو أصح إنهم لا يرقوا إلا بالاسترقاق؛ لأن سقوط الخيار من القتل لا يوجب سقوطه في الباقي كالكفارة إذا سقط خياره في العتق لعدمه لم يسقط خياره فيما عداه، فعلى هذا يكون الإمام على خياره فيه بين الاسترقاق أو الفداء أو المن، لما روي أن العقيلي أسر وأوثق في الحرة، فمر به رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله بم أخذت وأخذت سابقة الحاج، فقال: بجريرتك وجريرة حلفائك من ثقيف، فقال: إني جائع فأطعمني، وعطشان فأسقني، فأطعمه وسقاه، فقال له: أسلم، فأسلم، فقال: لو قلتها قبل هذا لأفلحت كل الفلاح، وفاداه برجلين من المسلمين. فدل هذا الخبر على أنه لا يرق بالإسلام يسترق وأنه لا يسقط خياره في الفداء والمن. وقوله: وأخذت سابقة الحاج يعني بها ناقة كانت لرسول الله ﷺ سابقة الحاج، أخذها المشركون، وصارت إلي العقيلي، فأخذت منه بعد أسره، فأراد بذلك أن سابقة الحاج قد أخذت مني ففيم أو خذ بعدها، فقال له: "بجريرتك وجريرة قومك" يعني بجنايتك جناية قومك، لأنهم نقصوا عهد رسول الله ﷺ . فإن قيل: كيف يؤخذ بجناية غيره، من قومه. قيل: لما كان منهم ومشاركًا لهم في أفعالهم صار مشاركًا لهم في الأخذ بجنايتهم، فأما إن سقط عنه القتل به الإسار ببذل الجزية على ما ذكرناه من الوجهين لم يرق ببذلها قولًا واحدًا، حتى يسترق وكان الإمام فيه على خياره بين استرقاقه مفاداته والمن عليه بخلاف الإسلام في أحد القولين لأن بقاء كفره يوجب إبقاء أحكامه. مسألة: قال الشافعي: "وإذا التقوا والعدو فلا يولوهم الأدبار قال ابن عباس: "من فر من ثلاثة فلم يقر ومن فر من اثنين فقد فر" قال الشافعي: هذا على معنى التنزيل فإذا فر الواحد من الاثنين فأقل إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا غلي فئة من المسلمين قلت أو كثرت بحضرته أو مبينة عنه فسواء ونيته في التحريف والتحيز ليعود للقتال المستثنى المخرج من سقط الله فإن كان هربه على غير هذا المعنى خفت عليه إلا أن يعفو الله أن يكون قد باء بسخط من الله". قال في الحاوي: قد ذكرنا أن الجهاد من فروض الكفايات قبل التقاء الزحفين، ومن فروض الأعيان إذا التقى الزحفان لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ

стр. 6444

فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾. فأمر بمسايرة بعد لقائه، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصَابِرُوا ورَابِطُوا﴾. وفيه تأويلان: أحدهما: اصبروا على طاعة الله، وصابرو أعداء الله، ورابطوا في سبيل الله، وهذا قول الحسن وقتادة. والثاني: اصبروا على دينكم، وصابرو الوعد الذي وعدكم، ورابطوا عدوي وعدوكم وهذا قول محمد بن كعب. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. أي لتفلحوا وفيه تأويلان: أحدهما: لتؤدوا فرضكم. والثاني: لتنتصروا على عدوكم وأصل هذا أن الله تعالى أوجب في ابتداء فرض الجهاد على كل مسلم أن يصابر في القتال عشرة من المشركين بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلَى القِتَالِ إن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾ وفيه تأويلان: أحدهما: لا يعلمون ما فرض الله عليكم من الإسلام. والثاني: لا يعلمون ما فرض الله عليكم من القتال، ثم إن الله تعالى نسخ ذلك عنهم، عند كثرتهم، واشتدت شوكتهم لعلمه بدخول المشقة عليهم، فأوجب على كل مسلم لاقى المشركين محاربًا أن يقف بإزاء عشرة تخفيفًا ورخصة بقوله تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ وفيه تأويلان: أحدهما: بمعونة الله. والثاني: بمشيئة الله ﴿واللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ وفيه تأويلان: أحدهما: مع الصابرين على القتال في معونتهم على عدوهم. والثاني: مع الصابرين على الطاعة في قبول عملهم وإجزال توابهم، فصار فرضًا على كل رجل مسلم لاقى عدوه زحفًا في القتال أن يقاتل رجلين مصابرًا لقتالهما ولا يلزمه مصابرة أكثر من رجلين، وليس المراد به الواحد إذا انفرد أن يصابر قتال رجلين وإنما المراد به الجماعة من المسلمين إذا لاقوا عدوهم أن يصابروا قتال مثلي عددهم هذا مذهب الشافعي، وبه قال عبد الله بن عباس. وقال أبو حنيفة: هذا إخبار من الله تعالى عن حالهم، موعد منه إذا صابروا مثلي عددهم أن يغلبواوليس بأمر مفروض اعتبار بلفظ القرآن، وأنه خارج مخرج الخبر دون الأمر. وقال الحسن البصري، وقتادة: هو خارج مخرج الأمر، لكنه خاص في أهل بدر

стр. 6445

دون غيرهم، وكلا القولين فاسد، لأنه لو خرج مخرج للخبر لم يجز أن يكون بخلاف مخبره، وقد يوجد أحياناً خلافه، ولم يجز أن يختص بأهل بدر لنزول الآية، بعد بدر، وأن من قاتل ببدر إن لم نخفف عنهم لم يغلظ عليهم، فثبت أنه أمر من الله تعالى محمول على العموم. فصل: فإذا تقرر أن فرض المصابرة في تقال المشركين أن يقفوا مصابرين لقتالهم مثلهم، ولا يلزمهم مصابرة أكثر من مثلهم فلهم في القتال حالتان: إحداهما: أن يرجوا الظفر بهم إن سابروهم فواجب عليهم مصابرة عدوهم حتى يظفروا بهم، سواء قلوا أو كثروا، وهذا أكثر مراد الآية. والثاني: أن لا يرجوا الظفر بهم، فهاهنا يعتبر المشركون، فان كانوا أكثر من مثلي المسلمين جاز أن يولوا المسلمين عنهم، ويرجعوا عن قتالهم فلن أقاموا على المصابرة والقتال كان مقامهم أفضل إن لم يتحققوا التلف وفي جوازه إن تحقق وجهان: أحدهما: يجب عليهم أن يولوا ولا يجوز أن يصابروا والثاني: يجوز لهم أن يصابروا، ولا يجب عليهم أن يولوا، وهذا الوجهان بناء على الاختلاف الوجهين فيمن أريدت نفسه، هل يجب عليه المنع عنهما أم لا؟ على وجهين، وإن كانوا مثلي المسلمين فأقل حرم على المسلمين أن يولوا عنها وينهزموا منهم إلا في حالتين: إحداهما: أن ينحرفوا لقتال. والثانية: أن يتحيزوا إلى فئة لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ (١٥) ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ومَاوَاهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ فدل هذا الوعيد على أن الهزيمة لغير هذين من كبائر المعاصي، وقد ذكر رسول الله ﷺ الكبائر فذكر فيها الفرار من الزحف. وروي عن ابن عباس أنه قال: "من فر من ثلاثة لم يفر، ومن فر من اثنين فقد فر". فأما التحرف للقتال فهو أن يعدل عن القتال إلى موجع هو أصلح للقتال، بأن ينتقل من مضيق إلى سعة، ومن حزن إلى سهولة، ومن معطشة إلى ماء، ومن استقبال الريح والشمس إلى استدبارهما، ومن موضع كمين إلى حرز أو يولي هاربة ليعود طالباً، لأن الحرب هرب وطلب وكر وفنا فهذا وما شاكلة هو التحرف لقتال. وأما التحيز إلى فئة فهو أن يولي لينضم إلى طائفة من المسلمين ليعود معهم محارباً وسواء كانت الطائفة قريبة أو بعيدة. قال الشافعي: "قريبة أو مبينة" يعني متأخرة، حتى لو انهزم من الروم إلى طائفة من
следующие страницы →