← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

عليه أنه لا يقرأ لأنه قال: وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي بها الإمام الركعة الثانية التي بقيت عليه فيقرأ فيها بعد إتيانهم بأم القرآن وسورة قصيرة، وهذا يدل على أنه لا يقرأ قبل إتيانهم، وقال في "الأم": أن ينظرهم وهو يقرأ ويأخذ سورة طويلة [١٦٩ أ/ ٣] أو يجمع سوراً حتى يقضي من خلفه صلاتهم وتفتتح الطائفة الأخرى ويقرأ بعد افتتاحهم قدر أم القرآن ولو زاد في قراءته ليزيدوا على أم القرآن كان أحب إلي، وهكذا قال في البويطي و"الإملاء"، وهذا النص والذي قبله يدل على أنه يسن للمأموم قراءة السورة. وكان القفال ﵀ يقول: لا تسن قراءة السورة خلف الإمام أصلاً لقوله ﷺ : "إذا كنتم خلفي فلا تقرؤوا إلا بفاتحة الكتاب" فألزم عليه هذا النص فاجتهد في تأويله مما تيسر له، فالصحيح أنه يستحب له في صلاة البرد، الخبر محمول على صلاة الجهر، ذكره الشيخ أبو محمد الجويني ﵀ ثم اختلف أصحابنا فيما ذكرنا، فمنهم من قال فيه قولان: أحدهما يقرأ. والثاني: لا يقرأ. ومنهم من قال: هو على اختلاف حالين فالذي قال: يقرأ إذا أراد تطويل القراءة والذي قال: لا يقرأ هو إذا أراد بقصر القراءة، والصحيح أنه يقرأ ويطول لأنه يجوز أن يسكت، لأن أفعال الصلاة لا تنفك عن ذكر، ولا يجوز أن يسبح لأنه موضع القراءة لا التسبيح فلم يبق إلا أن [١٦٩ ب/ ٣] يقرأ. وقال بعض أصحابنا بخراسان: قول واحد إنه يقرأ، وغلط المزني رحمة الله لأن الشافعي رحمة الله عليه قال: فيقرأ بعد إتيانهم قدر أم القرآن فيسقط عن المزني قدر. وأراد المزني بما نقل هذا، فإذا قلنا: لا يقرأ فإذا جاءت الطائفة الثانية قرأ الفاتحة وسورة قصيرة، وإذا قلنا: يقرأ فعل ما مرح به في "الأم"، فإن خالف وقرأ وحين جاءت الطائفة الثانية وأحرمت خلفه ركع في الحال ركعوا معه وأجزأتهم الصلاة نص عليه في "الأم"، ولكنه ترك سنة صلاة الخوف، فإذا تقرر هذا وجاءت الطائفة الثانية وصلى بهم الركعة الثانية وقعد في التشهد فهل تفارقه هذه الطائفة إذا قعد للتشهد أو عند الفراغ من التشهد قبل التسليم؟ فيه قولان: أحدهما: وهو الأصح المنصوص في "الأم" والبويطي يفارقه إذا قعد للتشهد لأنها تعود إليه لتسلم معه فلا فائدة في التطويل على هذه الطائفة بالجلوس معه وقراءة التشهد وصلاة الخوف مبنية على التخفيف. والقول الثاني: نص عليه في باب سجود السهو في "الأم" يفارقونه بعد التشهد قبل [١٧٠ أ/ ٣] التسليم لأن المسبوق لا يفارقه الإمام إلا بعد التشهد وهذا غلط، لأن في المسبوق يسلم الإمام وينتظر المسبوق سلامه، وهاهنا لاختلاف أنه لا ينتظر سلامه، وقال مالك ﵀ مثل قولنا ثم رجع وقال: يسلم الإمام ولا ينتظر فراغ الطائفة الثانية، وإنما تقوم الطائفة الثانية إذا سلم الإمام وهو غلط، لأنه يؤدي إلى ترك التسوية

стр. 877

بين الطائفتين وهو خلاف فعل رسول الله ﷺ . ومن أصحابنا من قال: قول واحد: إنها تفارقه إذا قعد للتشهد، وما قال في "الأم": أراد به في صلاة الحضر، فإن الطائفة الثانية تقعد ويتشهد معه لأن موضع التشهد الأول لهذه الطائفة وهذا غير صحيح لأن الشافعي ﵀ قال: وإذا سها الإمام في الركعة الأولى ثم صلت الطائفة الأخيرة تفارقه إذا سجد للسهو معه، وهذا لا يكون إلا في صلاة السفر فإذا فارقته الطائفة الثانية إذا قعد للتشهد أو عند التسليم قبل السلام فإنها لا تنوي الخروج من صلاته لأنها لا تفارقه ويعود [١٧٠ ب/ ٣] إلى صلاته ويخالف الطائفة الأولى لأنها تفارق الإمام ولا يعود إلى صلاته. فإذا تقرر هذا فإذا قلنا: يفارقه إذا قعد للتشهد فهل يتشهد الإمام قبل رجوع الطائفة الثانية إلى صلاته؟. اختلف أصحابنا فيه على طريقين: فمنهم من قال: فيه قولان كالقراءة ومنهم من قال: يتشهد قولاً واحداً ويفارق القراءة، لأن تفويت التشهد على الطائفة الثانية لا يوجب تفضيل الطائفة الأولى على الثانية، لأن الأولى لم تأخذ بإزاء التشهد شيئاً آخر، وهذا هو الصحيح لأن القول الذي يقول لا يقرأ إنما أثبتنا من رواية المزني. وقد فرق المزني بينهما فقال في هذا الموضع: ثم يجلس الإمام قدر ما يعلمهم يشهدوا، ثم يسلم فدل أن الإمام قدم التشهد فلا يجوز إثبات قول آخر، ولم يرد الشافعي ﵀ أن يجلس ساكناً بل يقرأ التشهد والصلاة على النبي ﷺ ثم يطول بذكر الله تعالى والدعاء إلى أن يعلمهم قد تشهدوا على ما ذكرنا، ثم قال الشافعي ﵀: وقد صلت الطائفتان مع [١٧١ أ/ ٣] الإمام وأحدث كل واحدة منهما ما أحدث الأخرى، يعني من الاقتداء بالإمام، لأن الأولى صلت معه الركعة الأولى بالتحريم، والأخرى صلت معه الركعة الأخرى بالتسليم، وبقولنا قال أحمد ﵀. وقال ابن أبي ليلى ﵀: يحرم بالطائفتين معاً ويصلي بهم على ما ذكرنا، وقال أبو حنيفة ﵀: الطائفة إذا صلت مع الإمام ركعة انصرفت وهم في الصلاة ووقعت وجاه العدو، وتأتي الطائفة الأخرى وتصلي مع الإمام ركعة ويسلم الإمام، وينصرف الذين هم في الصلاة إلى مصاف الطائفة الأولى، وترجع الطائفة الأولى إلى موضع صلاتها، ويتمون لأنفسهم بغير قراءة وينصرف إلى مصاف الطائفة الثانية، ويأتي الطائفة الثانية إلى موضع ضلاتها ويتمون الصلاة بالقراءة، لأن الأولى لما أدركوا التحريمة سقطت القراءة عنهم في جميع الصلاة بخلاف الطائفة الثانية، ولأن الطائفة الثانية فارقت الإمام يوم فراغه من الصلاة فلا تسقط عنهم القراءة لهذا، واحتجوا بأن ابن مسعود وابن عمر رضي الله [١٧١ ب/ ٣] عنهما رويا مثل قوله. قالوا: وهذا أولى مما رويتم، لأنكم تجوزون للمأموم أن يفارق الإمام قبل فراغه من الصلاة وهم الطائفة الأولى، ويجوزون للثانية أن تخالفه في الأنفال فيكون جالساً، وهم قيام يصلون، وهذا

стр. 878

غلط؛ لأن خوات بن جبير وسهل بن أبي حثمة رويا أن النبي ﷺ مثل ما روينا يوم ذات الرقاع، وبه نسخ ما رواه ابن عمر ﵄، لأن هذا آخر غزوة غزاها رسول الله ﷺ ؛ ولأن هذا أشبه بظاهر القرآن، لأن الله تعالى قال: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاةَ﴾ [النساء: ١٠٢] فجعل إقامة الصلاة لهم كلها إلا بعضها وقال: ﴿فإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَآئِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] أي: إذا صلوا كما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليسجد سجدتين" أي: فليركع ركعتين ثم قال: ﴿وَلْتَاتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا﴾ [النساء: ١٠٢] بدليل مفهومه أن هؤلاء قد صلوا، وقال: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ فيقتضي تمام الصلاة وعندهم لا يصلون معه إلا بعضها، وقد ذكر الطائفتين ولم يذكر عليهما القضاء فدل [١٧٢ أ/ ٣] على أن كل واحدة منهما قد انصرفت عن كمال الصلاة، وهذا المذهب هو أحوط للصلاة؛ لأن الصلاة تحصل مؤداة على سننها في استقبال القبلة، وعندهم تبع الاستدبار للقبلة ويكثر العمل في الصلاة وفيها احتياط للحرب أيضا حتى يمكن متابعة الضرب والكلام والصياح على قولكم لا يمكن لأنه يكون في الصلاة. وأما الخروج من صلاة الإمام للعذر فجائز وقد ذكرنا. واختلفوا لما سمي ذات الرقاع فقيل: إن هذه الحرب كانت عند جبل متلون أحمر وأسود وأصفر كرقعة وقعة، وقيل: كانت في شدة الحر وكان أصحاب رسول الله ﷺ حفاة: رقعوا أقدامهم بالخرق والجلود؛ لئلا تحترق. وقال: أبو موسى الأشعري ﵁: كانت في موضع مر به ثمانية نفر حفاة، فثقبت أرجلهم وتساقطت أظفلرهم، وكانوا يلفون عليها الخرق فسميت ذات الرقاع لهذا، وهذه الصلاة التي ذكرناها لا تتم إلا بأربع شرائط: أن يكونوا مسافرين، وأن يكون خوف العدو على ما ذكرنا، وأن يكون العدو في غير جهة القبلة، وأن [١٥٥ ب/ ٣] يكون بالمسلمين كثرة إذا فرقهم فرقتين كانت كل فرقة تقاوم العدو. ثم اعلم أنه ليس الفرض أن يؤمهم إمام واحد، لأنه لو صلى إمام بقوم وأمروا واحداً ليصلي بآخرين، أو بعضهم صلى منفردا جاز، ولكن إذا أرادوا أن يصلوا خلف إمام واحد فهذا حكمهم وأصحاب رسول الله ﷺ كانوا يكرهون أن لا يستووا في فضيلة الاقتداء برسول الله ﷺ فلهذا اختار لهم الصلاة هكذا، فإن خالف الإمام ما ذكرنا فصلى بالأولى ركعة وثبت جالساً وفارقته هذه الطائفة تقدمت صلاتها، وأما صلاة الإمام فإنه جلس في موضع قيامه، فإن كان لمرض وضعف جاز، وإن كان قادراً فإن كان ساهياً أو حاملاً فصلاته جائزة، وإن كان عالماً فإن لم يطل جلوسه لا تبطل صلاته، وان طال جلوسه بطلت صلاته ثم إذا جاءت الطائفة الثانية وأحرمت خلفه فصلى بهم الثانية، فمن علم بطلان صلاته فصلاته باطلة، ومن جهل فصلاته صحيحة،

стр. 879

قال الربيع رحمه [١٥٦ أ/ ٣] الله: وفيه قول آخر إذا كان الإمام عالماً بإفساد صلاته بطلت صلاة من خلفه علم به أو لم يعلم. وهذا لا يجيء على قول الشافعي. قال أبو حامد ﵀: وما رأيت واحداً من أصحابنا حكى هذا، وقال القاضي الطبري ﵀: هذا قول غريب وفي المسألة قولان. مسألة: قال: والطائفة ثلاثة فأكثر. وهذا كما قال المستحب أن يصلي صلاة الخوف إذا كانت الطائفة التي تصلي ثلاثة فأكثر والتي تحرسه ثلاثة فأكثر، فإن صلى بأقل من ذلك أو حرسه أقل من ذلك كرهته. وقال في "الأم": واجب أن يحرسه من يمنع عنه إذا أريد سواء كثر من معه أو قل. والطائفة عند الشافعي لا حد لها، وإنما يعمل في عددها على ما يدل عليه قرينتها، فإن الله تعالى قال: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢] وأراد واحداً لأن الله تعالى قال: ﴿مِن كُلِّ فِرْقَةٍ﴾ وفرض طلب العلم يسقط بواحد يطلبه، وقال في قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] استحب أربعة لأنه بلغ العدد الذي يثبت به العذاب [١٥٦ ب/ ٣] وقال في قوله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]. أن المراد به الخلق الكثير؛ لأن الباغية على الإمام لا تكون إلا فئة مجتمعة ممتنعة فلما قال هاهنا: ﴿فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَاخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَآئِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] كان هذا كفاية الجمع وأقل الجمع ثلاثة، فحمل الشافعي فقال: لم قال الشافعي، وأقل الطائفة ثلاثة على الإطلاق وليس كذلك؟ قلنا: أراد في آية صلاة لخوف بدليل ما ذكرنا، فإذا ثبت هذا فإن كانوا خمسة نفر يصلي واحد منهم باثنين وركعتين تامتين، وإن كان لا تحصل الحراسة باثنتين إذا كانا في وجه العدو، ولو كانت الحرب في شعب أو مضيق فقال: واحد من الشجعان الشجعاء إن أسد هذا الشعب لكم فاشتغلوا أنتم بالصلاة فإنه يكره ذلك ذكره القفال. مسألة: قال: وإن كانت صلاة المغرب. الفصل وهذا كما قال. الصلاة على ضربين صلاة بقصر وحكمها على ما تقدم، وصلاة لا تقصر وهي الصبح والمغرب، فالصبح حكمها على ما ذكرنا. وأما المغرب فحكمها في الحضر والسفر واحد، ولا يمكن الإمام أن يسوي [١٥٧ أ/ ٣] بين الطائفتين، فيها فلا بد من تفضيل إحداهما. فنقل المزني ﵀ أنه يصلي بالطائفة الأولى ركعتين، وبالثانية ركعة، وهكذا قال في "الأم"، ثم قال: فإن صلى بالطائفة الأولى ركعة ثم بالثانية وركعتين أجزأه إن شاء الله، وأكره له ذلك.

стр. 880

وقال ابن خيران ﵀ قولاً آخر في "الإملاء": أنه يستحب أن يصلي بالأولى ركعة وبالثانية ركعتين وهو قول علي ﵁ وقد فعل مثل هذا ليلة الهرير. واختلف أصحابنا في هذا؛ فمنهم من قال: فيه قولان أحدهما: ما نقل المزني وهو الأصح، لأن الطائفة الأولى هي أولى بالتفضيل لأنها أسبق ولا بد من تفضيل إحداهما ولأن تخصيص الأولى بالركعتين لا يؤدي إلى تغيير نظام صلاة الطائفتين، ولو خص الطائفة الثانية يؤدي إلى تغيير نظام صلاة هذه الطائفة، لأنها تحتاج حينئذ إلى القعود مع الإمام في الركعة الأولى: لأنها ثانية الإمام فيزيد في صلاتهم تشهد ومبني صلاة الخوف على التجوز والتخفيف. والثاني: ما ذكر في "الإملاء"؛ لأن الطائفة الثانية تفضل [١٥٧ ب/ ٣] على الأولى في غير المغرب بالتشهد فينبغي أن يفضل في المغرب أيضاً، ومن أصحابنا من قال: قول واحد وهو ما ذكره المزني، وأنكر قول "الإملاء" لما ذكرنا من المعنيين. فإذا تقرر هذا، فإذا قلنا بقول "الإملاء" فلا تفريع لأنها تفارقه إذا قام إلى الثانية كما في غير صلاة المغرب، وإذا قلنا بالمذهب فإذا صلى بالأولى ركعتين يفارقون الإمام إذا فرغ من التشهد قولاً واحداً: لأنه التشهد الأول للكل، وهل الأفضل أن يثبت الإمام جالساً حتى تجيء الطائفة الثانية أو يقوم وينتظر في حال القيام؟ نص عليه في "الأم"، وهو المذهب. والثاني: ينتظر في حال، الجلوس، لأن الشافعي ﵀ قال هاهنا: إن انتظرهم قائماً فيحسن وإن انتظرهم جالساً فجائز، وإنما استحسن الشافعي انتظارهم قائماً وخوف انتظارهم جالساً في الثانية، لأن القيام هو محل القراءة والتطويل بخلاف الجلوس؛ ولأن القيام أفضل من الجلوس، ولأن في انتظاره جالساً تحوجه عند إتيان الطائفة الثانية إلى الانتقال عن الحالة التي هو فيها إلى القيام بخلاف انتظاره قائماً في الثالثة. ومن [١٥٨ أ/ ٣] أصحابنا من قال: الأفضل ما ذكره في "الأم". وقد قال في صلاة الخوف في الحضر: انتظرهم جالسا وقائماً، وهذا على ما قيد من قبل، وهو أنه إن انتظرهم جالساً فجائز وإن انتظرهم قائماً فحسن، ولأن ظاهر قوله يقتضي التسوية ولا يقتضي أن الانتظار في الجلوس أفضل فإذا قلنا: ينتظرهم قائماً فإذا جاز أحرموا معه، وإذا قلنا: ينتظر جالساً فإذا جاز قام وكبر، ويكبرهم ثم متى يفارقونه بعد التشهد أو عقب السجود قبل التشهد؟ على ما ذكرنا من الطريقين فإذا صلوا الركعتين اللتين بقيتا عليه جلسوا للتشهد، وهل يتشهد بعد فراغهم من الركعتين أو قبل ذلك يتشهد ويطول الدعاء؟ طريقان على ما ذكرنا. وعندي أنه لا تجيء الطريقة الأخرى أنه يتشهد قبل مجيئهم قولاً واحداً؛ لأنه يؤدي هاهنا إلى تفويت فضيلة على الثانية أدركتها الطائفة الأولى، فإن الإمام يتشهد بالطائفة الأولى، فإذا قلنا بقول "الإملاء" فصلى بالأولى ركعة وثبت قائماً حتى أتموا لأنفسهم، ثم جاءت الطائفة الثانية فصلى بهم ما

стр. 881

بقي من صلاته وهي ركعتان يفارقونه بعد التشهد [١٥٨ ب/ ٣] قولاً واحداً، لأنه تشهده الأخير وتشهدهم الأول، ثم يصلون الركعة الباقية عليهم، فإذا جلسوا صبر الإمام لم حتى يتشهدوا ثم يسلم بهم. مسألة: قال: وإن كانت صلاة حضر فلينتظر جالساً في الثانية. الفصل وهذا كما قال: صلاة الخوف تجوز في الحضر كما تجوز في السفر، وقال مالك ﵀: فيما حكى عنه أصحابنا: أنه لا يجوز في الحضر وأصحابه ينكرون هذا، والدليل على جوازها ظاهر الآية: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاةَ﴾ [النساء: ١٠٢] الآية. ولم يفصل. فإن قيل في هذه الآية: ذكر ركعتين وهذه صلاة السفر قلنا: قد تكون في الحضر ركعتين كصلاة الصبح والجمعة، فإن قيل: فالنبي ﷺ لم يصلها إلا في السفر، قلنا: النبي ﷺ لم يتفق له الخوف في الحضر لأنها وردت بعد الخندق. فإن قيل: في السفر انتظر رسول الله ﷺ الركعة يصلونها، وفي الحضر يحتاج إلى الانتظار لركعتين فيطول، قلنا: جاز الانتظار لموضع الحاجة فإذا دعت الحاجة إلى أكثر من ذلك جاز، وهذا لأن سببه الخوف [١٥٩ أ/ ٣] والضرورة وهو موجود في الحضر وجوده في السفر. فإذا تقرر هذا فالمستحب أن يجعل أصحابه طائفتين، فيصلي بهم بالطائفة الأولي ركعتين، ثم تقوم هذه الطائفة وتصلي ما بقي عليها، والمستحب أن ينتظر الإمام قائماً في الثالثة على الصحيح من القولين، وإنما لم يذكر الشافعي استحسان انتظاره قائماً في الثالثة هاهنا اقتصاراً على ما ذكر في صلاة المغرب، ولا شك أنه يجوز الانتظار قائماً وقاعداً والطائفة الثانية هاهنا يفارقونه بعد تشهده قولاً واحداً، لأن هذا التشهد هو محسوب لهم من الأول، وهكذا الحكم لو كانوا في السفر واختاروا الإتمام في الخوف، فإن خالف هذا الذي ذكرنا وجعل أصحابه أربع طوائف، وصلى بكل طائفة ركعة مثل إن كان المسلمون أربعمائة وكان المشركون ستمائة، فصلى بالمائة ركعة من الأربعة، وثبت قائناً حتى أتمت المائة صلاتها، وانتظر المائة الأخرى فصلى بها ركعة أخرى، وثبت جالساً وأتمت المائة لنفسها، وانتظر الثالثة أيضاً حتى أتمت صلاتها وانتظر الرابعة فصلى بها ركعة وثبت جالساً، وانتظرهم [١٥٩ ب/ ٣] حتى صلوا ما بقي عليهم من صلاتهم ثم سلم بهم فحصل في هذا أربع ركعات، وأربع انتظارات لأنه انتظر الثانية، والثالثة مرة مرة، وانتظر الرابعة في موضعين انتظرهما حتى جاءت وأحرمت خلفه، ثم انتظرها حتى صلت ما عليها ولحقت به، ثم سلم بهم، فإذا فعل هذا فقد أساء، وما الحكم في صلاتهم؟. قال في "الأم": ونقله المزني ﵀ إلى هاهنا فيه قولان: أحدهما: أن صلاته

стр. 882

وصلاة جميع المأمومين جائزة. والثاني: أن صلاته للإمام باطلة، وصلاة الطائفة الأولى والثانية جائزة، ومن علم من الطائفة الثالثة والرابعة ببطلان صلاة الإمام فصلاته باطلة، ومن لم يعلم ذلك فصلاته صحيحة. وقال في "الإملاء": صلاة الإمام صحيحة وصلاة الطائفة الرابعة صحيحة وصلاة الطائفة الأولى والثانية والثالثة باطلة، وترتيب هده المسألة أن يقول: فيها ثلاثة أقوال: أحدها: أن صلاة الإمام وجميع المأموين جائزة وهو الأصح، لأنه إن انتظر في حال القيام فليس فيه أكثر من تطويل القراءة، وإن انتظر في حال القعود فليس فيه أكثر من تطويل التشهد والذكر [١٦٠ أ/ ٣] وهذا لا يبطل الصلاة في حال الأمن، ققي حال الخوف أولى وأكثر ما في المأموم أنه خرج من صلاة الإمام من غير عذر، والأصح من القولين فيه أنه لا تبطل الصلاة. والثاني: أن صلاة الإمام باطلة لأنه انتظر أكثر مما جعل له، ولأنه إنما جعل له أن ينتظر انتظارين، وصلاة الطائفة الأولى والثانية جائزة لأنهما فارقتا الإمام قبل بطلان صلاته. وأما صلاة الطائفة الثالثة والرابعة، فإن علمتا ببطلان صلاة الإمام بطلت صلاتهما، وإن لم تعلما لم تبطل. ومن أصحابنا من قال: هاهنا: إذا علم أن الإمام زاد في الانتظار بطلت صلاته، وإن لم يعلم أنه تبطل به صلاة الإمام كما إذا علم جنابة الإمام بطلت صلاته، وهذا هو ظاهر كلام الشافعي ﵀، لأنه قال: وتفسد صلاة من علم من الباقين بما صنع، والأول أصح لأنه لا تبطل صلاته إلا أن يعلم أن ذلك مبطل لصلاة الإمام؛ لأنه مما يخفى على العوام بخلاف الجنابة. وحكى أبو إسحاق عن ابن سريج أنه قال: إذا قلنا: بهذا القول الثاني يجب أن تبطل صلاة الطائفة الرابعة وحدها مع صلاة الإمام، [١٦٠ ب/ ٣] تبطل صلاة الطائفة الأولى والثانية والثالثة، لأنه انتظر الثانية وكان له ثم انتظر الثالثة، وكان له، فلما انتظر الرابعة بطلت صلاته وفارقته الطائفة الأولى والثانية والثالثة قبل بطلان صلاته، فوجب أن تكون صلاته صحيحة. وقال سائر أصحابنا: هذا غير صحيح، لأنه إذا انتظر حتى تفرغ الطائفة الثانية من الركعتين فإن انتظاره بعد ذلك حتى تمضي هذه الطائفة إلى وجه العدو وتجيء الطائفة الثالثة إليه انتظاراً زائداً على ما جعل إليه، فكان بمنزلة ابتداء الانتظار فبطلت صلاته قبل مجيء الطائفة الثالثة فبطل ما قاله. وأصل هذا الاختلاف: أن في وقت بطلان صلاة الإمام وجهين. قال ابن سريج: تبطل بالانتظار لفراغ الثالثة، وعلى مذهب الشافعي تبطل بانتظاره لمجيء الطائفة الثالثة. والقول الثالث: ما قاله في "الإملاء": وهو أن صلاة الطائفة الأولى والثانية والثالثة باطلة، لأنهم خرجوا من صلاة الإمام من غير عذر، وصلاة الإمام جائزة لأنه لم يفعل أكثر من تطويل القراءة، والذكر في القيام والجلوس وذلك لا يبطل الصلاة والطائفة [١٦١ أ/ ٣] الرابعة خرجت من صلاة الإمام في موضعه لأنه لم يبق على الإمام إلا ركعة فلا تبطل صلاتهم، وان اخترت ترتيب الحفظ نقل في صلاة الطوائف ثلاثة

стр. 883

أقوال ووجه لأصحابنا أحدها: صحة صلاة الكل. والثاني: تصح صلاة الطائفة الأولى والثانية دون الثالثة والرابعة. والثالثة: صحة صلاة الطائفة الأولى، والثانية دون الثالثة والرابعة، والثالث: صحة صلاة الطائفة الأخيرة وحدها، والرابع: وهو الوجه ما قال ابن سريج ﵀: صحة صلاة الطوائف الثلاث. وفي الإمام هل تصح صلاته؟ قولان وان كان في جهتين أو ثلاث جهات فإنه يفرقهم فرقة تصلي معه، وفرقة تقاوم الجهات كلها، فإن احتاج أن يفرقهم أربع فرق بنيت على القولين، فإن قلنا: لا تبطل صلاتهم فرقهم أربع فرق على ما بينا ولا يكره ذلك، وان قلنا: تبطل صلى بكل فرقتين صلاة بأحدهما فرض وبالأخرى نفل. فرع لو صلى على نحو ما ذكرنا في حال الأمن، فالذي يقتضيه مذهب الشافعي أن يكون فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: صلاة الكل جائزة على القول الذي نقول للانتظار [١٦١ ب/ ٣] الطويل من غير حاجة، والخروج من صلاة الإمام من غير عذر لا تبطلها. والثاني: صلاة الجميع باطلة على القول الذي نقول للانتظار الطويل من غير حاجة والخروج من صلاة الإمام من غير عذر يبطل الصلاة. والثالث: تصح صلاة الإمام وتبطل صلاة المأمومين على قياس قوله في "الإملاء": لأنه لم تبطل الصلاة بالانتظار في غير موضعه وإنما بطلت بخروج المأمومين من صلاة الإمام بلا عذر، وهاهنا خرجت الطوائف كلها من صلاة الإمام بلا عذر فبطلت صلاة الكل، وقال صاحب "الإفصاح": يجيء فيه أن تكون صلاة الطائفة الرابعة خرجت من صلاته، وليس لها أن تخرج في حال الأمن، فكانت الرابعة وسائر الطوائف سواء، وإنما قياس قوله في "الإملاء": على ما بيناه، وقيل فيه ترتيب إن قلنا في الخوف: لا يجوز ففي الأمن أولى، وان قلنا في الخوف: يجوز ففي الأمن وجهان. فَرْعٌ آخرُ قال في "الأم": لو صلى بطائفة ثلاث ركعات، وبطائفة ركعة كرهت ذلك له ولا تفسد صلاته؛ لأن الإمام لم يزد في الانتظار إلا أن الإمام يسجد سجدتي السهو، وكذلك تسجد الطائفة الأخيرة [١٦٢ أ/ ٣] لأنه وضع للانتظار في غير موضعه، وهذا يدل على أن العامد هو كالساهي في سجدتي السهو وهذا هو المذهب، ويجب على هذا أن يقال: إذا قلنا: إنه إذا فرقهم أربع فرق تصح صلاة الكل وعليه أن يسجد سجدتي السهو: لأنه وضع الانتظار في غير موضعه قياساً على ما قاله الشافعي هاهنا.

стр. 884

فَرْعٌ آخرُ لو صلى بالطائفة الأولى ركعة، وبالثانية ثلاث ركعات فعلى قياس قوله في "الأم": يسجد سجدتي السهو وكذلك تسجد الطائفة الأخيرة وتكون صلاتهم صحيحة، وعلى قياس قوله في "الإملاء": تبطل صلاة الطائفة الأولى لأنها خرجت من صلاة الإمام في غير موضعه فبطلت صلاته، ولا يجيء هذا القول في المسألة التي قبلها، لأن الطائفة الأولى خرجت من صلاة الإمام وقد استباحت الخروج من صلاته؛ لأنها استباحت الخروج حين صلى الإمام ركعتين فكان ائتمامها بالإمام في الركعة الثالثة لا يرفع تلك الاستباحة فلم تبطل صلاتها. فإذا تقرر هذا، اختلف ألفاظ نسخ المختصر، ففي هذه المسألة نفى بعضها، لأن له انتظاراً واحداً بعده آخر، وفي نسخة أخرى [١٦٢ ب/ ٣] لأن له انتظارين واحداً بعد واحد وهذا قريب من الأول، وفي نسخة لأن له انتظار واحد بعد أخرى وهذا دليل على ما قلنا: إنه إذا طول الإمام جلوسه لمجيء الثالثة بطلت صلاته لأن استدامة الانتظار هي كابتداء الانتظار. مسألة: قال: وأحب للمصلي أن يأخذ سلاحه في الصلاة ما لم يكن نجسا أو يمنعه من الصلاة. وهذا كما قال هذا الذي نقله المزني ﵀ ذكره الشافعي ﵀ في "الأم"، وقال في أثناء الباب: ولا أجيز له وضع السلاح كله؛ وقال في آخر الباب: وإن وضع سلاحه كله من غير مرض ولا مطر كرهت له، ولم يفسد ذلك صلاته لأن معصيته في ترك أخذ السلاح ليس من الصلاة، وهذا يدل على أن حمل السلاح في الصلاة واجب؛ لأنه جعل تركه معصية، واختلف أصحابنا فيه؛ فقال أبو إسحاق وغيره: المسألة على قولين: أحدهما: واجب لأن الله تعالى أمر به في الآية في موضعين فقال: ﴿وَلْيَاخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] وقال: ﴿وَلْيَاخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] وبه قال داود ﵀. والثاني: لا يجب ولكنه يستحب وبه قال أبو حنيفة وأحمد رحمهما [١٦٣ أ/ ٣] الله أنه إنما يجب على من يحرس العدو والمصلي ليس بحارس، ولأنه لو كان واجباً فيها لكان شرطاً كالسترة، والآية محمولة على الاستحباب، ومنهم من قال: هذا على اختلاف حالين بالموضع الذي قال: يجب السلاح الذي يدفع به عن نفسه كالسكين والسيف، والذي قال: لا يجب إذا كان السلاح مما يدفع به عن غيره كالرمح والقوس ونحو ذلك، وهذا أشبه بكلام الشافعي في "الأم"، وهذا لأن الدفع عن نفسه هو واجب وعن غيره لا يجب، ومن أصحابنا من قال: قول واحد إنه واجب لأمر الله، والذي قال: أحب لأنها في الوجوب، لأن الشافعي ﵀ كثيرا ما يعبر

стр. 885

بالاستحباب عن الوجوب، وكما لا يجوز أن ينهزم ويترك الحرب لا يجوز أن يضع السلاح. ذكره القفال ﵀. وقال بعض أصحابنا بخراسان: قول واحد إنه يستحب وما قاله في "الأم" في آخر الباب متأول على تأكيد الاستحباب، وهذا ليس بشيء، فإذا قلنا: المسألة على اختلاف الحالين فالسلاح على خمسة أضرب: ما يحرم حمله، وما يكره حمله، وما يجب حمله، وما يستحب حمله، وما [١٦٣ ب/ ٣] [١٧٢ ب/ ٣] اختلف حكمه باختلاف مكان حامله بالحرام هو ما كان نجساً كالريش الذي في النشاب فإنه ريش النسور والعقاب ونحو ذلك، وذلك نجس وكذلك ما يمنعه من الاعتدال في الركوع والسجود يحرم حمله، والمكروه ما كان ثقيلاً يشغله عن الصلاة كالجوشن والمغفر السابغ على الوجه. أو كان ذا أنف، وإنما كرهت لبسه لئلا يحول بينه وبين موضع إكمال السجود بأن لبسه. قال الشافعي: إذا سجد وضعه أو حرفه أو حسره حتى تماس جبهته الأرض متمكناً قال في "الأم": وكذلك الجعبة والتنور والترس فالجعبة هي غلاف النشاب والتنور: هو الجوشن الثقيل والواجب ما يدفع به عن نفسه كالسيف والسكين، والمستحب ما يدفع به عن نفسه وعن غيره كالقوس ونحوها، وما اختلف حكمه باختلاف المكان هو ما يتأذى به جاره كالرمح إن كان في حاشية الناس لم يكره له حمله، وإن كان في أثناء الصف كره له حمله فإنه يؤذي عند اضطجاعه من بين يديه ومن خلفه، وإذا قلنا المسألة على قولين: فالسلاح على أربعة أضرب: محرم، ومكروه، وما [١٧٣ أ/ ٣] اختلف باختلاف المكان، وما اختلف القول فيه وهو ما يدفع عن نفسه أو عن نفسه وعن غيره. فرع قال في "الأم": ولو كان معه نشاب قد أحمي فسقي لبناً أو سم بسم شجر فصلى فيه لا بأس؛ لأنه ليس من الأنجاس وان سم بسم حية أو ودك ميتة فصلى فيه أعاد الصلاة إلا أن يطهره. فَرْعٌ آخرُ لو سمت الحديدة ثم أحميت بالنار ولا يطهر شيء إلا بالماء خلافاً لأبي حنيفة، ولو كان نجساً يغسله بدهن لئلا يصدأ الحديد أو مسحه بتراب لم يطهر. فرع قال في "الأم": لو أحمي ثم صب عليه سم نجس أو نجس فيه فقيل: قد شربته الحديدة ثم غسلت بالماء طهرت، لأن الطهارات كلها إنما جعلت على ما يظهر لا على الأجواف.

стр. 886

وقال بعض أصحابنا: هذا يدل على أن الشيء إذا تنجس ظاهره وباطنه يغسل ظاهره طهر وجازت الصلاة معه، وهذا خلاف نص الشافعي في الآجر إذا نجس ظاهره وباطنه ثم نجس ظاهره طهر الظاهر دون الباطن، وجازت الصلاة عليه، ولا تجوز فيه فعلى هذا تجوز الصلاة على هذا السيف ولا يجوز إذا كان حاملاً له، وهذا [١٧٣ ب/ ٣] هو الصحيح الذي لا يحتمل على المذهب غيره عندي. فرع لو صلى بعض الصلاةء ثم انتضح عليه دم قبل أن يكملها. قال في "الأم": أعاد الصلاة فإن طرح الثوب عن نفسه ساعة ما مسه الدم ومضى في الصلاة أجزأه، قال: وإن انحرف يغسل عنه الدم كرهت ذلك له وأمرته أن يعيد، وقد قيل: يجزيه أن يغسل الدم ولا آمره بهذا القول وأمره بالإعادة، وان كان عذر من مطر أو غيره يجوز وضع السلاح بلا إشكال. مسألة: قال: ولو سها في الأولى أشار إلى من خلفه بما يفهمون سهوه. الفصل وهذا كما قال: إذا صلى الإمام بالطائفة الأولى ركعة وسها فيها، فإن الطائفة إذا قاموا وصلوا الركعة الأخرى سجدوا سجدتي السهو في آخر صلاتها، ثم سلمت؛ لأن الإمام إذا سها بحق المأموم حكم سهوه. فإذا ثبت هذا قال الشافعي ﵀: أشار الإمام إلى من خلفه بما يفهمون أنه سها. واختلف أصحابنا في هذا قال أبو إسحاق ﵀: هذا إذا كان قد سها بأصل خفي لا يظهر للمأمومين مثل أن يتكلم خفياً على طريق السهو، أو [١٧٤ أ/ ٣] شك هل سجد سجدتين أم سجدة واحدة، فسجد أخرى للبناء على اليقين، فعليه سجود السهو والمأمومون لم يرد منه إلا سجدتين أو قرأ في موضع التشهد، أو تشهد في موضع القراءة، فيومئ إلى المأمومين بما يوقفهم على سهوه، وذلك يمكن بأن يقول للمأموين: إذا سهوت أشرت بإشارة كذا فاعلموا، فإما إن كان سهواً ظاهرا لا يحتاج إلى الإشارة، وهذا لأن الإشارة عمل في الصلاة فلا يجوز إلا عند الحاجة. وهذا نصه في "الإملاء". ومن أصحابنا من قال: يشير إليهم بكل حال، لأنهم ربما جهلوا أن عليهم أن يسجدوا لسهو الإمام فإن ذلك لا يعرفه إلا أهل العلم وربما ينسون ذلك، وهذا ظاهر كلام الشافعي رحمة الله عليه هاهنا: لأنه أطلق السهو ولم يفصل؛ ولأنه قال في "الأم": وان اغفل الإشارة إليهم وعلموا بسهوه، سجدوا لسهوه، فدل انه يشير إليهم ثم علمهم بسهوه، وان لم يسنه الإمام وسهت الطائفة فإن كان في الركعة الأولى فإنهم لا يسجدون لسهوهم، لأن الإمام يتحمل عنهم، وان كان في الركعة [١٧٤ ب/ ٣] الثانية

стр. 887

يسجدون سجدتي السهو لأنهم خرجوا من إمامة الإمام في الركعة الأولى والثانية وانفردوا لصلاتهم. ولو سها الإمام في الركعة الأولى وسهت الطائفة في الركعة الثانية ففيه وجهان: هل يكفي سجدتان أم أربع سجدات؟ وقد ذكرنا وإن سها في الركعة الأولى، ثم جاءت الطائفة الثانية وأحرمت خلفه فقد تعلق بهم حكم سهوه. فإذا صلى الإمام الركعة الثانية بأن قلنا: إنهم يفارقون الإمام قبل التشهد فارقوه وصلوا الركعة الثانية، فإذا قعدوا للتشهد تشهد بهم، وسجد سجدتي السهو وسلم، وإن قلنا: الإمام يتشهد ولا ينتظر جلوسهم قال الداركي ﵀: إذا تشهد الإمام هل يسجد سجدتي السهو؟ وجهان. قال أبو إسحاق ﵀: لا يسجد إلا يومئ الأفعال الظاهرة فلا يفوتهم إياه. وقال ابن أبي هريرة ﵀: يسجد سجدتين في السهو منفردا كما يتشهد منفرداً، فإذا جلسوا للتشهد تشهدوا وسجد سجدتي السهو ثم سلم الإمام بهم، وإن قلنا: يفارقون الإمام عند السلام، فالإمام يتشهد [١٧٥ أ/ ٣] ويسجد للسهو ويسجدون معه على طريق التبع لأنه يلزم على المأمومين إتباع الإمام في الأفعال الظاهرة، فإذا قعد الإمام من السجدتين لم يسلم وتقوم الطائفة فيصلون الركعة الثانية، فإذا تشهدوا قال الشافعي ﵀: سجدوا، لأن سجدتي السهو، وقد تقدم فيه ذكر القولين وانه لم يسنه الإمام، وقامت الطائفة الثانية ليصلوا الركعة الثانية فسهوا. قال الداركي قال ابن خيران ﵀: إنهم يسجدون لسهوهم لأنهم سهوا في الركعة التي انفردوا بها كما يقول في الطائفة الأولى. وقال أبو إسحاق وغيره: إنهم لا يسجدون وهو المذهب، لأنا بينا أنهم لم يخرجوا من صلاة الإمام حكماً ولهذا إنهم لا يجهرون بالقراءة، فإذا سهوا، يتحمل الإمام عنهم، فإن سها الإمام والطائفة الثانية في الركعة الثانية سجدوا لسهو الإمام، فعلى قول الجماعة لم يسجدوا على قول ابن خيران. فرع ذكره ابن سريج ﵀ قال: إذا قلنا: إنهم يفارقونه عقب السجود وقبل التشهد، فالإمام ينتظرهم حتى يسجدوا [١٧٥ ب/ ٣] معه، فإن تركهم حتى جلسوا للتشهد ثم سجدوا، وهم لم يتشهدوا بعد هل يتبعونه في السجود؟ وجهان: أحدهما: يتبعونه لأنهم مؤتمون به. والثاني: لا يتبعونه، لأن هذا موضع تشهدهم فإذا قلنا: بهذا أتموا لأنفسهم، وإذا قلنا: إنهم يتبعونه فإذا قاموا وصلوا لأنفسهم هل يعيدون السجود؟ على ما ذكرنا، من القولين، وعلى قياس ما ذكرنا. قال أصحابنا في مسألة الزحام: إذا قلنا: إنه يشتغل بقضاء ما عليه فسها فلا سجود عليه؛ لأنه متابع للإمام حكماً. وذكر بعض أصحابنا بخراسان فيه وجهاً آخر: قال: وكذا الوجهان إذا وصل صلاته بصلاة الإمام وجوزنا الفصل، وكان قد سها من قبل هل يسجد؟ وجهان.

стр. 888

فَرْعٌ آخرُ قال في "الأم": يقرأ الإمام بأم القرآن وسورة قدر ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ ونحوها في الطول للتخفيف في الخوف. ونقل السلاح، ولو قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وقدر ذلك لم أكره، وإذا قام في الركعة الثانية قرأ بأم القرآن وسورة طويلة لانتظار القوم وليس في الصلاة موضع تكون القراءة في الركعة الثانية [١٧٦ أ/ ٣] أطول منها في الركعة الأولى إلا في هذه المسألة. فَرْعٌ آخرُ قال في "الأم": ويقنت في صلاة الصبح في صلاة الخوف ولا يقنت في غيرها، لأنه لم يبلغنا أن النبي ﷺ قنت في صلاة الخوف خلاف قنوته في غيرها، فإن فعل فجائز؟ لأن النبي ﷺ قد قنت في الصلوات قبل قتل أهل بئر معونة. قلت: من هاهنا أقول: يجوز أن يقنت في الوتر في جميع السنة وان لم يستحب. قال في "الأم": لو صلى الإمام بطائفة ركعة وثبت قائماً وقاموا يتمون لأنفسهم فحمل عليهم عدو وحدث لهم خوف فحملوا على العدو منحرفين عن القبلة ثم أمنوا فقد قطعوا صلاتهم، وكذلك لو فرغوا فانحرفوا عن القبلة بلا قتال ولا خروج من الصلاة. وهم ذاكرون الصلاة حين استدبروا القبلة استأنفوا. قال أصحابنا: هذا لأنهم انحرفوا عن القبلة من غير ضرورة؛ لأن الذين في وجه العدو يحرسونهم وإنما لحقهم خوف لا يجوز ترك القبلة لأجله؛ لأنهم لو صاروا إلى شدة الخوف لوجب أن يجوز [١٧٦ ب/ ٣] لهم ترك القبلة، وبنوا على ما مضى من صلاتهم؛ لأن في هذه الحالة لما جاز الاستفتاح إلى غير القبلة جاز الانتقال إليها والبناء عليها، كالمصلي إذا مرض قعد وبنى. فَرْعٌ آخرُ قال: ولو حملوا عليهم مواجهين القبلة قدر خطوة فأكثر، كان ذلك قطعاً للصلاة بنية القتال وعمل الخطوة. قال أصحابنا: وهذا، لأن من نوى في الصلاة أن يعمل عملاً كثيراً وعمل شيئاً معه، وان قلَّ بطلت الصلاة. وعلى هذا لو نوى في الصلاة أن يمشي كثيراً ومشى خطوة بطلت صلاته، وكذلك لو حمل العدو عليهم فتهيأوا بسلاح أو بترس كان قطعاً للصلاة بالنية مع العمل، وهكذا لو أخذ السلاح بنية دفع العدو بطلت صلاتهم لما ذكرنا من التعليل ولا فرق بين أخذ السلاح بنية القتال وبين الحمل عليهم. فَرْعٌ آخرُ قال: ولو حمل عليهم وخافوا فبنوا القنوت في الصلاة، وأن لا يقاتلوا حتى يكملوها

стр. 889

إلا إن يغشاهم العدو، فلا يكون قطعاً للصلاة: لأنهم لم ينووا في الحال القتال بل نووا القتال إن حدث غشيان العدو، وهذا لا يبطل الصلاة، وان تهيأوا سيراً خفيفاً مع هذه [١٧٧ أ/ ٣] النية؛ لأن العمل اليسير لا يبطلها ولم توجد نية العمل الكثير. فَرْعٌ آخرُ لو تكلم من الخوف وهو ذاكر بطلت صلاته: لأن الكلام يحرم في صلاة الخوف أيضاً ولو نووا القتال ولم يحدثوا عملاً لا تبطل حتى يحدثوا عملاً وإن قل، وعلى هذا لو نوى رجل أن يتكلم في الصلاة في ثاني الحال لا تبطل صلاته في الحال، هذا هو المذهب: ولهذا قال الشافعي ﵀: لو فرق الإمام أربع فرق وصلى بكل فرقة ركعة لا تبطل صلاة الإمام حتى يزيد في الانتظار؛ وإن لم تبطل صلاته حين أحرم وهو نوى أن ينتظر انتظاراً يبطل الصلاة. فَرْعٌ آخرُ لو كانوا في المصر وأراد الإمام أن يصلي بهم الجمعة عند الخوف. ذكر الشافعي ﵀ في "الأم" فيها أربع مسائل: إحداها: قال: فرقهم فرقتين يخطب بفرقة ويصلي بهم ركعة، ثم يثبت قائماً ويتموا لأنفسهم بقوله: يجهرون فيها ثم وقفوا بإزاء العدو. وتأتي الطائفة الأخرى فتحرم خلفه وتصلي معه ركعة ويثبت جالساً حتى يقضوا ما بقي عليهم، ثم سلم بهم الإمام: لأن شرائطها قد وجبت، وإنما تجهر الطائفة الأولى في الركعة [١٧٧ ب/ ٣] الثانية لأنهم منفردون ولا تجهر الطائفة الثانية في الركعة الثانية لأنهم متابعون حكماً نص عليه، وقد ذكر القفال هذه المسألة عن الشافعي على هذه العبارة وأول بتأويل لا يساعده هذا اللفظ، والصحيح هو الذي ذكرنا، فإن قيل: إذا خطب بأحديهما وصلى بها ركعة، فإن هذه الطائفة تصلي الركعة الأخرى منفردة عن الإمام فينفرد المأموم عن الإمام، وينفرد الإمام عن المأمومين، ومن شرط صحة الجمعة بقاء العدو والجماعة من أولها إلى آخرها على أصح الأقوال حتى لو انفضوا لا تصح جمعتهم، قلنا: من أصحابنا من قال: إنما قال هذا على القول الذي نقول لا يعتبر العدد من أول الصلاة إلى آخرها، فأما على القول الأخر لا تصح الجمعة هاهنا، ومنهم من قال: هاهنا يجوز قولا واحداً للضرورة والعذر في فراق الإمام هاهنا، بخلاف الانفضاض، ولأنهم إذا انفضوا لا يتوقع من يحضره غيرهم، وهي الطائفة الأخرى، فلهذا [١٧٨ أ/ ٣] يتمونها جمعة، فإن قيل: إذا انصرفت الطائفة الأولى بعد فراغها من الجمعة، ثم جاءت الأخرى كيف يحرمون بالجمعة، وقد أقيمت الجمعة بمصر مرة؛ قلنا: إنما منع ذلك إذا أتمها الإمام، وهاهنا لم يفرغ الإمام من الجمعة، وإنما أدركت الطائفة الأولى معه ركعة، وأصل الجمعة التي عقدها الإمام لم تتم فانعقد بها الثانية وجرت مجرى المستعين وهو كما لو

стр. 890

انعقدت الجمعة وصلوا ركعة، ثم وافى أربعون فأحرموا خلفه ينوون فإذا كانت الجمعة انعقدت قبل حضورهم كذلك هاهنا. واعلم أن الشافعي ﵀ فرض المسألة إذا كانت الطائفة الأولى أربعين، فإن نقصت الأولى عن أربعين لم تجز جمعتهم؟ لأن الجمعة أقيمت بهم مع الأولى وهي أربعون فلا يضر نقصان الثانية بعد انعقادها، هكذا ذكر أبو حامد ﵀، ومن أصحابنا من قال: إذا انقضت الثانية عن أربعين فيه قولان وهو ضعيف. المسألة الثانية: قال: لو خطب بهم وهم أربعون، ثم خرجوا إلى وجه العدو، ثم جاءت الطائفة الثانية فأحرم بهم لا تجوز الجمعة [١٧٨ ب/ ٣] حتى يخطب بهم ويصلي بهم ركعة ثم يصلي بالطائفة الثانية الركعة الثانية. المسألة الثالثة: قال: لو صلى بالطائفة الأولى كمال الجمعة، ثم جاءت الطائفة الثانية فأراد أن يصلي بهم جمعة ركعتين لم يجز، لأنه استفتاح جمعة بمصر بعد انعقاد غيرها. المسألة الرابعة: قال: لو أقاموا هذه الجمعة في الصحراء لا في جوف البلد لم يجز، وحكي عن أبي إسحاق ﵀ أنه يجوز وهو قول أبي حنيفة ﵀ وليس بمذهب الشافعي ﵀. فَرْعٌ آخرُ قال: ولو لم يمكنه صلاة الجمعة فصلى الظهر أربعاً ثم حدث الأمن، ويمكن من الجمعة لا تجب ذلك عليهم، ويجب على من لم يصل معه إن كانوا أربعين أن يقدموا رجلاً يصلي بهم الجمعة، فإن لم يفعلوا كرهت وأجزأهم، ولو أعاد هو ومن معه صلاة الجمعة مع إمام غيره لم أكره، وان أعادها هو إماماً لم أكره للمأمومين وكرهت لأنه يمكنه أن يتأخر حتى يتقدم من لم يصل الظهر فيحرم بفرض الجمعة، والمأمومون لا يمكنهم غير ما فعلوا فلا يكره لهم ذلك. قال أصحابنا: هذا ذكره [١٧٩ أ/ ٣] على القول الذي يقول الواجب: يوم الجمعة فعل الظهر، فأما على القول الآخر لا يجيء هذا. فَرْعٌ آخرُ قال في:"الأم": ولو أجدب وهو محارب لا بأس أن يدع الاستسقاء وإن كان في عدد كثير ممتنع فلا يأمن أن يستسقي ويصلي صلاة الخوف في الاستسقاء كما يصلي في المكتوبات. فرع وإن كانت شدة الخوف لم يصل الاستسقاء لأنه يمكن تأخيرها ويصلي للخسوف

стр. 891

والعيدين؛ لأنه لا يصح له تأخيرها يريد بذلك أن صلاة الاستسقاء لا يتحقق فواتها وصلاة العيدين والخسوف يتحقق قراءتهما هذه بخروج وقتها وهذه بالتجلي. مسألة: قال: وإن كان خوفاً أشد من ذلك وهو المسابقة والتحام القتال. الفصل وهذا كما قال، هذه في الحالة الثانية من أحوال صلاة الخوف، وجملته: أنه إذا اشتد الأمر بالمسلمين بحيث يمكنهم أن يفترقوا فرقتين للصلاة والتحمت الحرب وصاروا إلى المسايفة والمصادمة لم يجز تأخير الصلاة عن وقتها، فيصلي كل واحد منهم على حسب حاله مضارباً ومطاعناً رجالاً وركباناً، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، قعوداً على دوابهم [١٧٩ ب/ ٣] وقياماً على الأرض يومئون برؤوسهم للركوع والسجود، ويكون السجود أخفض من الركوع، ويتقدمون ويتأخرون. وقال أبو حنيفة ﵀: له أن يؤخر الصلاة عن وقتها في هذه الحالة، وإن خرج وقتها، ويجوز أن يصلي قائماً على الدواب على كل حال ولا يجوز ماشياً على القدم وهذا غلط؛ لقوله تعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ [البقرة: ٢٣٩]. وروي عن ابن عمر ﵁ أنه قال في تفسير هذه الآية: مستقبلي القبلة وغير مستقبليها قال نافع مولى ابن عمر ﵄: لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله ﷺ ، أي: هذا التفسير. وروى ابن المنذر وغيره من أصحابنا ذلك عن رسول الله ﷺ فأمر بالصلاة في هذه الحالة، والأمر على الوجوب، فإن النبي ﷺ صلى يوم الخندق وآخرها بهذه العلة، قلنا: قال أبو سعيد الخدري ﵁: لأن ذلك قبل نزول صلاة الخوف، ويحتمل أن يكون شغله المشركون عن ذكرها فنسيها، ثم إذا صلوا على ما ذكرنا جازت صلاتهم ولا إعادة [١٨٠ أ/ ٣] لظاهر الآية؛ ولأن ذلك يجوز في النوافل في حال الاعتبار فجاز مثله في الفرائض عند شدة الخوف. فرع إذا كانوا في شدة الخوف وأمكنهم الجماعة فالصلاة جماعة أفضل. وقال أبو حنيفة ﵀: لا يجوز جماعة، واحتج بأن بينهم وبين الإمام طريقاً وذلك يمنع الاقتداء، قلنا: لا نسلم؛ ولأن عندهم لا يجوز، وإن كان الإمام وسطهم، ثم يقول: كل ركوب لا يمنع فعل الصلاة في الانفراد لا يمنع فعل الصلاة في الجماعة كركوب السفينة. مسألة: قال: ولو صلى على فرسه في شدة الخوف ركعة ثم أمن نزل فصلى أخرى. الفصل وهذا كما قال. ذكر الشافعي ﵀ حكم شدة الخوف والأمن إذا اشتركا في صلاة واحدة فقال: ولو صلى على فرسه في شدة الخوف ركعة، ثم أمن فنزل بنى،

стр. 892

وعكس هذا لو صلى آمناً ركعة، ثم صار إلى شدة الخوف فركب ابتداء .. وقال في "الأم" في المسألة الأولى: إذا نزل أحب أن يعيد فإن لم ينقلب وجهه عن جهته فلا إعادة؟ لأن النزول خفيف وإن انقلب وجهه عن جهته حتى يولى قفاه أعاد، لأنه تارك [١٨٠ ب/ ٣] قبلته، وفي الركوب يلزم الاستئناف؛ لأن الركوب عمل أكثر من النزول واعترض المزني ﵀ على هذا الفرق فقال: قد يكون الفارس أخف ركوباً وأقل شغلاً لفروسيته من نزول ثقيل غير فارس. قال أصحابنا: لم ينصف المزني في مقابلة ركوب الخفيف بنزول الثقيل، بل كان من حقه أن يقابل بل ركوب كل واحد منهما بنزوله بنفسه، ولا شك أن نزول كل واحد منهما إذا قوبل بركوبه كان عمل الركوب أكثر من عمل النزول. وقال بعض أصحابنا: خرج كلام الشافعي على العادة في الفارس الحاذق بترك أو بركب. فإذا صورت على الضد كان الجواب على الضد. وقيل: النزول أخف بكل حال لأنه وإن لم يكن فارساً يمكنه أن يرمي بنفسه عن الدابة، وينزل وهذا ليس بشيء، وقيل: نص في موضع من "الأم": على أنه إذا ركب بنى على صلاته ففي المسألة قولان: سواء كان لغير حاجة أو لحاجة، أحدهما: يبطلها، لأنه عمل كثير، والثاني: لا يبطلها لأن العمل الكثير لا يؤثر في صلاة شدة الخوف كالمشي. ومن أصحابنا من قال: هذا على [١٨١ أ/ ٣] اختلاف حالين، فإن كان لغير حاجة بطلت صلاته، وان كان للحاجة إلى الركوب للدفع عن نفسه أو للهرب عند الضرورة فلا تبطل الصلاة قولاً واحداً لأن الشافعي ﵀ نص في "الأم" فقال: وإذا صلوا رجالاً وركباناً في شدة الخوف لم يتقدموا فإن احتاجوا إلى التقدم لخوف تقدموا ركباناً ومشاة، وكانوا في صلاتهم بحالهم وكذلك إن احتاجوا إلى ركوب ركبوا وهم في الصلاة، وان لم يحتاجوا إليه فركبوا ابتدؤوا الصلاة. وقال في موضع آخر من "الأم": لو تفرق العدو فابتدؤوا الصلاة بالأرض، ثم جاءهم طلب فلهم أن يركبوا، ويتمون الصلاة ركباناً، ويومؤون إيماء. وقال القاضي الطبري ﵀: نص في هذين الموضعين على أنه إذا أتى الركوب ركبه ومضى في صلاته. قال: وقرأت أن صلاة الخوف من "الأم" وغيره وأعدت نظري فيه كثيرا، والذي يقتضيه كلام الشافعي أن الركوب عمل طويل، فإذا فعله المصلي من غير حاجة بطلت صلاته، وإن فعله للحاجة بأن يشتد الخوف على ما ذكرنا يركبون ويمضون في صلاتهم [١٨١ ب/ ٣] ثم يعيدون على ما سنذكر من بعد إن شاء الله، وهذا يدل على بطلان قول من قال فيه قولان. وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا تبطل عند الحاجة قولاً واحداً ولا إعادة وهذا أقيس.

стр. 893

مسألة: قال: ولا بأس أن يضرب في الصلاة الضربة. الفصل وهذا كما قال. نقل المزني ﵀ أنه يجوز أن يضرب الضربة، ويطعن الطعنة وأراد عند الحاجة. فإما من غير حاجة فيكره، وإن كانت الصلاة لا تبطل لعلته، ثم قال: فإن تابع الضرب أو زود الطعنة أو عمل ما يطول بطلت صلاته، وقال في "الأم": على هذا الوجه ثم قال: وإن بطلت صلاته يمضي فيها، ثم إذا قدر على أن يصليها ولا يعمل فيها ما يقطعها أعادها لا يجزيه غير ذلك، ولا يدعها في هذه الحالة إذا خاف ذهاب وقتها ويصليها ويعيدها، وقال أيضاً: لا تقطع صلاتهم يوجههم إلى غير القبلة أو ضرب الضربة الخفيفة إن رهقه عدو أو يتقدم التقدم الخفيف، فإن أعاد الضرب وأطال التقدم قطع صلاته ومتى لم يمكنه صلى وهو يقاتل وعاد إذا أمكنه. فإذا ثبت هذا قال القاضي [١٨٢ أ/ ٣] الطبري: الظاهر من كلام الشافعي أن الضربتين من العمل الكثير الذي يبطل الصلاة، وغلط بعض أصحابنا فجعل الضربتين قليلاً وأول الكثير ثلاث ضربات أو ثلاث طعنات، والأول هو الصحيح الذي نص عليه. وقال أبو حامد ﵀: لا نص في الضربتين، وقياس المذهب أنهما كالضربة، لأنه لا ينطلق عليها اسم الجمع المطلق. وقال مشايخ خراسان: الضربتان والخطوتان من القليل لقوله ﷺ : في المار بين يدي المصلي: "فليدفعه فإن أبى فليقاتله" فأباح له فعلين، ودرأ أبو سعيد الخدري ﵁ شرطي مروان مرتين حين منعه من تحية المسجد، ولم تبطل صلاته، فإذا تقرر هذا فالقليل لا يبطل الصلاة بحال، وأما الكثير إذا عمله في صلاة شدة الخوف فإن لم يكن به حاجة إليه بطلت صلاته قولا واحداً، وان كان للحاجة. قال القاضي الطبري: الذي يقتضيه كلام الشافعي في "الأم" أنه يفعله ويمضي في صلاته، فإذا قدر أعاد، وغلط بعض أصحابنا، فقال: لا إعادة عليه، لأنه كان مضطرا إليه كما إذا صلى على فرسه بالإيماء إلى غير [١٨٢ ب/ ٣] القبلة لا تلزمه الإعادة وهذا خلافه النص، والجواب عن الإيماء هو أن وقوع هذه الأفعال التي ليست من جنس الصلاة فيها أغلط من تغيير أركانها، ألا ترى أن المريض يستبيح تغيير الأركان ولا يستبيح فعل ما ليس من جنسها وكذلك المسافر يستبيح الإيماء في النوافل وفعلها في حال السير، ولا يستبيح فعل ما ليس من جنسها فيها فظهر الفرق، وهذا لأن هذا العمل ضاد الصلاة بكل حال فاستوى فيه حالة الأمن وحالة شاة الخوف كالحدث. وقال القفال ﵀ قول واحد: لا تبطل الصلاة وان اضطر إلى الضرب والطعن من أول الصلاة إلى آخرها، وهذا اختيار ابن سريج ﵀، وهو القياس لكنه خلاف النص الذي ذكرناه.

стр. 894

والآخر من هذا عندي أن تخريج المسألة على قولين: ولا يقطع بخلاف المنصوص. وذكر أبو حامد ﵀ فيه وجهين، ولا معنى لهذا أيضاً مع النص. وقال بعض أصحابنا بخراسان: نص الشافعي ﵀ أنه لا تبطل، وخرج أبو حامد قولاً إنه تبطل وهذا أفسد من الكل. فرع قال بعض أصحابنا: مد القوس وتحلية [١٨٣ أ/ ٣] السهم عمل قليل بمنزلة الضربة الواحدة. فَرْعٌ آخرُ قال في "الأم": لو عمد في شيء من الصلاة كلمة عذر بها مسلماً أو يسترهب بها عدواً وهو ذاكر أنه في صلاته انتقضت صلاته وعليه الإعادة. فَرْعٌ آخرُ قال: ولو أسر رجل ووضع من الصلاة فمقدر على أن يصليها مومئاً صلاها ولم يدعها وكذلك إن لم يقدر على الوضوء صلاها في الحضر متيمماً، وكذلك إن حبس تحت سقف لا يسوي فيه قائماً، أو ربط فلم يقدر على ركوع أو سجود صلاها ولم يدعها وعليه القضاء؛ لأنه عذر نادر. وكذلك إن منع الصوم فعليه قضاؤه، وهذا على القول الذي نقول: إذا دفع إليك فتناوله بيده مكرهاً أنه يفطره وإذا قلنا: لا يفطره فلا يصح المنع منه. فَرْعٌ آخرُ قال: لو كمنوا في موضع وصلوا قعوداً وكانوا يخافون أنهم إن قاموا يرون فيصطلموا فعليهم الإعادة لأنه عذر نادر. فرع قال: ولو ضرب ضربة فتنجس سلاحه بالدم رمى به وأخذ غيره ٠ فإن لم يجد أمسكه للدفع وأعاد الصلاة إذا قدر كالمصلي وعلى جراحته دم يعجز عن غسله وفيه وجه آخر [١٨٣ ب / ٣] أنه لا إعادة وهو ضعيف. فرع قال بعض أصحابنا: لو جعله في الحال تحت ركابه فلا تبطل أيضاً؛ لأنه غير حائل للنجاسة، ويحتمل عندي أن يقال: تبطل لأنه يمكنه أن يطرحه من يده في الحال، فإذا أمسك إلى أن يجعله في ركابه فقد فرط، وإن كان له غمد فجعله في غمده بطلت صلاته. فرع قال في "الأم": إذا صلوا يومؤون إيماء فعاد عليهم العدو من جهة توجهوا إليهم

стр. 895

وهم في صلاتهم لا يقطعونها وداروا معهم أين داروا، لأن ترك القبلة جائز في صلاة شدة الخوف، وإن صلى صلاة شدة الخوف، ثم أمكنه أن يصلي صلاة الخوف الأدنى بنى على صلاة شدة الخوف، ولم يجزه إلا أن يصلي صلاة الخوف الأدنى، كما إذا صلى قاعداً ثم أمكنه القيام لم يجزه إلا القيام. فَرْعٌ آخرُ قال: إذا صلوا صلاة شدة الخوف غير مستقبلي القبلة جاز لبعضهم أن يأتم بالبعض، وإن كان الإمام متوجهاً إلى جهة والمأمومون متوجهين إلى جهة أخرى أو كان وجه الإمام في وجه المأموم، لأن المأموم يعتقد أن إمامه في صلاة صحيحة كما قلنا في الجماعة [١٨٤ أ/ ٣] حول البيت خلف المقام. فَرْعٌ آخرُ لو سقط عن دابته أو هبت ريح فأسقطته في الحرب عن القبلة أو الجهة التي كان متوجهاً إليها، انحرف إليها إلى القبلة في الحال على حسب الإمكان وأجزأته الصلاة؟ لأن انحرافه كان بغير اختياره. فَرْعٌ آخرُ قال: ولا بأس أن يصلي الرجل في الخوف ممسكاً عنان دابته؛ لأنه عمل يسير فإن نازعته فجبذها إليه جذبة أو اثنتين أو ثلاثة أو نحو ذلك، وهو غير منحرف عن القبلة فلا بأس، وإن كثرت مجاذبته وهو غير منحرف عن القبلة قطع صلاته وعليه استئنافها وهذا صحيح، وقد جعل الشافعي ﵀ جبذ الدابة ثلاث مرات ههنا من العمل اليسير، وقد قلنا: إن ثلاث ضربات عمل كثير والفرق أن الضرب والطعن أكثر من الجبذ لأنه يحط السيف ويرفعه ويرسل الرمح للطعن ويجذبه وليس كذلك جبذه لعنان دابته. فإنه لا يحتاج أن يعمل فيه أكثر من الجبذ فكان ذلك أخف وأسهل من ذلك وهذا يدل على أن الاعتبار بكثرة العمل لا بالعدد. فَرْعٌ آخرُ قال: وإن جبذته فانصرف وجهه عن [١٨٤ ب/ ٣] القبلة فأقبل مكانه على القبلة لم يقطع صلاته، لأن انصراف وجهه عن القبلة حصل بغير اختياره، فإذا رجع إليها في أول حال الإمكان أجزأته صلاته، وان طال انحرافه ولا يمكنه الرجوع إليها انتقضت صلاته؛ لأنه يقدر على أن يدعها يعني ينزل عنها أو يتوجه إلى القبلة، فإذا لم يفعل ترك القبلة باختياره فبطلت صلاته. فَرْعٌ آخرُ قال: وإن ذهبت دابته فلا بأس بأن يتبعها، فإذا تبعها على القبلة شيئاً يسيراً لم تفسد

стр. 896

صلاته، وإن اتبعها كثيراً فسدت صلاته، وإن تبعها لا إلى القبلة قليلاً أو كثيراً بطلت صلاته. مسألة: قال: لو رأوا سواداً مقبلاً فظنوه عدواً فصلوا صلاة شدة الخوف. الفصل وهذا كما قال: إذا رأوا سواداً فظنوه عدواً وخافوا أن يظهر بهم فصلوا صلاة شدة الخوف بالإيماء، ثم بان لهم أنه لم يكن عدواً، وإنما كان إبلاً أو شجراً أو إظلالاً أو وحشاً، نقل المزني ﵀ عن "الأم": أن عليه الإعادة ونقل عن "الإملاء": أنه لا إعادة. قال أصحابنا: هذا سهو منه، لأن الشافعي نص في "الإملاء" على وجوب الإعادة أيضا، وإنما [١٨٥ أ/ ٣] سها عن مسألة قالها الشافعي في "الإملاء": وهي أنه لو أخرهم ثقة أن ذلك السواد عدو فلا إعادة، فنص في خبر الثقة أنه لا إعادة، ونص فيما ظنوه عدواً فصلوا أن عليهم الإعادة، فقال أصحابنا: كل واحدة من المسألتين على قولين لأنه لا فرق أن يصلوا برؤية العين، أو يخبر من يصدقونه. أحدهما: يلزم الإعادة وبه قال أبو حنيفة، واختاره المزني، لأن سبب جواز هذه الصلاة وجود الخوف من العدو ولم يوجد العدو هاهنا، وقيل: لم يذهب المزني ﵀ إلى لزوم الإعادة، لأن عنده كل من صلى بالعذر لا إعادة عليه، ولكنه قال: الأشبه بقوله: يعني بمذهب الشافعي ﵀ لزوم الإعادة. والثاني: لا يلزم الإعادة وهذا هو اختيار أبي إسحاق، وقال: هذا أقوى القولين؛ لأن الاعتبار بوجود الخوف دون تحقيق المخوف منه، ألا ترى أنه لو كان المشركون بإزائهم وظنوا أنهم يكرون عليهم فصلوا صلاة شدة الخوف، ثم بان أنهم يكونوا هموا بذلك فإنه تجزيهم الصلاة، وإن لم يتحقق المخوف منه، وكذلك لو شاهدوا العدو فصلوا صلاة شدة [١٨٥ ب/ ٣] الخوف، ثم بان أنهم كانوا على المصالحة والمشاركة لا يلزم الإعادة قولا واحداً، لا الخوف متحقق. ومن أصحابنا من قال: تجب الإعادة فيما ظنوه بأنفسهم ولا تجب في خبر الثقة على ما نص عليه، والفرق أن الاعتماد على خبر الثقة أقوى من الاعتماد على الظن والتخمين فحصل التفريط هاهنا. ومن أصحابنا من قال: في خبر الثقة قولان، وفي الظن يجب قولاً واحداً. فرع لو كان هذا في بلد الإسلام فظنوه عدواً فصلوا صلاة شدة الخوف، ثم بان خلافه. قال في "الحاوي": لا نص فيه وقال أصحابنا: يلزمهم الإعادة قولاً واحداً، لأن ظنهم في أرض العدو أقوى من ظنهم في بلاد الإسلام.

стр. 897

وقال بعض أصحابنا بخراسان: نص في "الإملاء": أنه إذا كان في دار الإسلام يلزم الإعادة دون دار الحرب، واعتبر في ذلك غالب العادة وظاهر الحال وهذا غريب. فَرْعٌ آخرُ قال في "الأم": لو جاء خبر عدو فصلوا هذه الصلاة، ثم ثبت أن العدو كانوا يطلبونهم، ولكن لم يفرقوا منهم القريب الذي يخاف من غلبتهم عليهم في الحال يلزمهم الإعادة، وعلى قياس [١٨٦ أ/ ٣] قوله في "الإملاء": لا إعادة فحصل قولان. فَرْعٌ آخرُ لو صلوا صلاة شدة الخوف، ثم وجدوا بين أيديهم خندقاً يعلم أن العدو لا يمكنه العبور إليهم ولا إفساد الصلاة عليهم فيه طريقان: أحدهما: فيه قولان: وهو الصحيح، لأنهم علموا أنهم أخطؤوا في الخوف، وقال أبو إسحاق ﵀: تلزمهم الإعادة قولاً واحداً، لأن هؤلاء تمكنهم معرفة حقيقته ففرطوا فتلزمهم الإعادة. فرع لو صلوا صلا ة شدة الخوف في المسألة السابقة، ثم شكوا أنهم كانوا عدواً أم لا، يلزمهم الإعادة في قول الشافعي في "الأم"؛ لأنه على شك أن الصلاة مجزية عنهم والوجوب متيقن فوجبت الإعادة. فرع لو كان رجلاً وحده فرأى سواداً فظنه علج من علوج الروم أو سبعاً، فصلى صلاة شدة الخوف خوفاً أن يقله، ثم بان خلاف ذلك ففيه قولان، ولا فرق بين أن يقع الغلط في ذلك لجماعة أو لواحد. فَرْعٌ آخرُ لو ظنوا أن الكفار يزيدون على ضعف المسلمين فانهزموا وصلوا صلاة شدة الخوف، ثم بان خلاف ذلك يلزمهم الإعادة على قوله في "الأم"، وكذلك لو لحقهم مددد وعلموا أنهم لو لم يصلوا [١٨٦ ب/ ٣] يلحقهم ذلك قبل لخوف الكفار إياهم، وازدادوا بذلك على ضعف الكفار نص عليه، وأصل القولين أن السبب المجوز للصلاة بالإيماء حقيقة وجود العدو أو وجود الخوف، ويقرب القولان من القولين فيمن نسي الماء في رحله فتيمم وصلى، ففي قول لا إعادة؛ لأن ظنه عدم الماء موجودء والثاني: يلزم الإعادة لأن الماء موجود. فَرْعٌ آخرُ لو صلوا صلاة ذات الرقاع في حال الأمن هل يجوز أم لا؟ من أصحابنا من قال:

стр. 898

صلاة الإمام يجوز قولا واحداً، وفي صلاة المأمومين قولان: أحدهما: تجوز صلاتهم؛ لأنه ليس فيه أكثر من الانتظار، والخروج من صلاة الإمام قبل التمام، وكل هذا لا يبطل الصلاة على القول الذي يقول الخروج من صلاة الإمام لغير عذر لا تبطل الصلاة، والثاني: صلاة الجميع باطلة على القول الذي يقول: الخروج من صلاة الإمام بغير عذر، والانتظار الطويل من غير حاجة يبطل الصلاة، هذه الطريقة هي اختيار ابن سريج ﵀ وابن [١٨٧ أ/ ٣] خيران. ومن أصحابنا من قال: هذا عند ابن سريج وابن خيران رحمهما الله أن الطائفة الثانية عندهم فارقت الإمام فعلاً وحكماً، فأما على المذهب الصحيح القولان في الطائفة الأولى لا تبطل صلا ة الطائفة الثانية قولاً واحداً لأنها تركت متابعة الإمام وهي غير خارجة من صلاة الإمام، وهذا هو الصحيح، وعندي هذا الاختلاف يحتمل في مسألة "الأم": عند توهم الخوف؛ لأن هذا المعنى هو موجود أيضاً. وقال القاضي الطبري ﵀: هذه المسألة في بطلان صلاة الإمام هي مبنية على القولين فيه إذا فرقهم أربع فرق، لأنه انتظر في غير موضع الانتظار فتبطل صلاته أيضاً على أحد القولين. فرع لو صلوا صلاة الخوف، كما قال أبو حنيفة ﵀ برواية ابن عمر ﵄ هل يجوز أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجوز لأن ذاك صار منسوخاً بالمتأخر. والثاني: يجوز لأنه من الاختلاف المباح، وقد صح الحديثان عن رسول الله ﷺ ولكن الأفضل ما ذكرنا لما بينا من الدلائل، وأما صلاة الإمام فتجوز [١٨٧ ب/ ٣] قولاً واحداً لأن المشي والعمل إنما يحصل من الطائفتين دون الإمام، ولو صلى صلاة شدة الخوف في حال الأمن لا يجوز قولاً واحداً. مسألة: قال: وإن كان العدو قليلاً من ناحية القبلة والمسلمون كثيرون يأمنونهم. الفصل وهذا كما قال: هذه في الحالة الثالثة من أحوال صلاة الخوف التي وردت السنة بها، وهي صلاة الخوف الأدنى، ولا بد في هذه الصلاة من ثلاث شرائط: إحداهما: أن يكون العدو في ناحية القبلة. والثانية: أن يكون بالمسلمين كثرة بحيث ينظر بعضهم ويصلي بعضهم، فإذا وجدت هذه الشرائط فإنه يصلي صلاة الخوف فيقفون خلفه صفوفاً، ويحرم بجماعتهم، ويقرأ ويركع ويرفع بالكل، فإذا سجد سجد الكل إلا الصف الذي يليه، فإنه يثبت قائماً بعد

стр. 899

الركوع حتى يفرغ الإمام والباقون من الركعة الأولى، فإذا قاموا إلى الثانية سجد بعد هذا الصف الأول سجدتين، ويلحق الإمام قائماً ويصلي ويقرأ ويركع بالكل أيضاً، فإذا اعتدلوا عن الركوع سجد معه الذين حرسوه في الأولى، ووقف الباقون قائمين أو بعضهم، فإذا فرغ من السجود [١٨٨ أ/ ٣] وجلس للتشهد سجد الباقون ولحقوا به جالساً فيتشهد ويسلم بالكل، هذا هو المختار. وقال الشافعي ﵀: فإن كانت المسألة بحالها: وصلى على ما قلنا: إلا أن الصف الأول تأخر في الركعة الثانية إلى مكان الصف الثاني، وتقام الثاني إلى مكان الأول ليكون من يحرسه أبداً هو الصف الأول فلا بأس، لأن ذلك عمل يسير، ويحصل بعمل قليل فإن يتخلل بين كل رجلين متقدماً أو متأخراً بخطوة أو خطوتين ولو لم يفعل هكذا بل حرس في الثانية من حرس في الأولى. قال في "الأم": رجوت أن يجزيهم ولا إعادة عليهم ولا أعاد ما كان أحب إلي. وقال بعض أصحابنا بخراسان: قال الشافعي ﵀: هاهنا أحببت له أن يعيد الركعة ثم قال أصحابنا: لا يجوز أن يعيد ركعة دون كل الصلاة فمعناه بطلانها هو حراستها في الركعة الثانية، لأنه ليس لها أن تحرس في الركعتين، بل يجب أن تحرس كل فرقة مرة واحدة وهذا يدل على أن صلاتهم تبطل، وهو قول بعض أصحابنا. ويمكن أن يقال: هذه عبارة عن استحباب إعادة كل الصلاة [١٨٨ ب/ ٣] وعبر عنها بالركعة، والمذهب ما نص في "الأم": لأنه لا تلزمه الإعادة. وقال القاضي الطبري: إنما قال ذلك لأنه لم يكن لها الحراسة، وفي هذه الركعة الثانية فاستحب الإعادة، وفي هذا نظر عندي: لأن الاستحباب كيف يزاد في ركعات الصلاة فلا وجه إلا ما ذكرت والله أعلم، فإن قيل: لم استحب الشافعي أن يحرس أهل الصف الأول ويسجد مع الإمام أهل الصف الثاني؟ قلنا: كل واحد منهما جائز، وإنما استحب ذلك لأنه أحوط لهم وذلك لأن أهل الصف الأول يصيرون جنة لأهل الصف الثاني إذا سجدوا، فلا يصيبهم من العدو سهم، ولأنهم إذا حرسوا وليس بين أيديهم صف كانت الحراسة أمكن لكونهم أقرب إلى العدو من الصف الثاني؛ ولأن العدو لا يمكنهم الوقوف على عدو من ورائهم من الساجدين فكان أولى، ولو لم يفعل هكذا بل حرس أهل الصف الثاني وسجد أهل الصف الأول يجوز، لأن النبي ﷺ حرسه أهل الصف الثاني. وقال الشيخ أبو حامد ﵀: السنة المؤدية في هذا ترتيب الشافعي من كل طريق [١٨٩ أ/ ٣]، فإن السنة تدل على أن الصف الثاني هو الذي يحرس أبداً وذلك أن أبا داود ﵀ روى في سننه بإسناده عن أبي عياش الزرقي ﵁ قال: "كنا مع رسول الله ﷺ بعسفان وعلى المشركين خالد بن الوليد ﵁ فصلينا الظهر، فقال المشركون: لقد أصبنا غرة لو حملنا عليهم وهم في الصلاة، فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر فلما حضر العصر قام رسول الله ﷺ مستقبل القبلة والمشركون أمامه فصف خلف رسول الله ﷺ وركعوا جميعاً، ثم سجد وسجد الصف الذي يلونه وقام الآخرون

стр. 900

يحرسونهم، فلما صلى هؤلاء السجدتين وقاموا سجد الآخرون الذين كانوا خلفهم، ثم تأخر الصف الذي يليه إلى مقام الآخرين وتقدم الصف الآخر إلى مقام الصف الأول، ثم ركع رسول الله ﷺ وركعوا جميعاً، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه وقام الآخرون يحرسونهم، فلما جلس رسول الله ﷺ والصف الذي يليه سجد الآخرون، ثم جلسوا جميعاً فسلم بهم جميعا وصلى هكذا [١٨٩ ب/ ٣] يوم بني سليم ". وروي أن خالد بن الوليد ﵁ قال لأصحابه قد دخل عليهم وقت الصلاة: هي أحب إليهم من أهاليهم وأموالهم فنصبر حتى يسجدوا فيها. فنحمل عليهم حملة فنستأصلهم، فنزل جبريل ﵇، وأخبر رسول الله ﷺ بذلك، وعلمه هذه الصلاة عن الله تعالى. قال أبو حامد: فيجب أن يكون المذهب هكذا، لأن الشافعي ﵀ قال: إذا رأيتم قولي مخالفاً للسنة فاطرحوه وعندي أن هذا من رسول الله ﷺ ، فدل على الجواز، والأحسن والأفضل ما ذكره الشافعي لما ذكرنا العلة، وليس في هذا مخالفة لرسول الله ﷺ بحال. فإذا تقرر هذا، قال أصحابنا: في نقل المزني خلل، وذلك أنه قال في الركعة الثانية سجد معه الذين حرسوه إلا صفاً أو بعض صف تحرسه، وهذا الاستثناء يقتضي أن الحارسين في الركعة الثانية هم الحارسون في الركعة الأولى ولا يختلف المذهب أن الحراسة على التناوب في هذه الصلاة، ولفظ الشافعي في الكبير بخلاف ما نقل المزني وذلك أنه [١٩٠ أ/ ٣] قال: فإذا سجد سجد معه الذين سجدوا أولاً إلا صفاً أو بعض صف يحرسه منهم، وهذا هو الصحيح بلا خلاف. مسألة: قال: ولو صلى في الخوف بطائفة ركعتين، ثم سلم بالطائفة الأخرى ركعتين ثم سلم. الفصل وهذا كما قال: إذا صلى الإمام بالناس صلاة الخوف والعدو في غير جهة القبلة، فصلى بطائفة ركعتين وسلم بهم أجزأته وإياهم؟ لأن النبي ﷺ صلاها ببطن النخل هكذا وكانت صلاة الظهر مقصورة في رواية جابر ﵁. قال الشافعي ﵀: وأحب أن يصليها صلاة النبي ﷺ بذات الرقاع، وهي أولي من صلاة بطن النخل، لأنها أعدل بين الطائفتين، ولأن في الفريضة خلف النافلة خلافاً بين العلماء. وقال أبو إسحاق ﵀: صلاته ببطن النخل أحب إلينا، لأن فيها تسوية بين الطائفتين، ويحصل لكل واحدة منهما فضيلة الجماعة على التمام، وهذا خلاف نص الشافعي.

стр. 901

قال المزني ﵀: هذا عندي يدل على جواز الفرض خلف النفل [١٩٠ ب/ ٣] وهذا الاحتجاج ذكره الشافعي ﵀ أيضا فلا معنى لقوله عندي، وهذه الصلاة في الخوف لا تتم إلا بثلاث شرائط: إحداها: أن يكون المشركون في غير جهة القبلة وأن لا يأمن الكرة من جهتهم، وأن يكون بالمسلمين كثرة يمكن تفريقهم فرقتين كل فرقة تقاوم المشركين، ولو صلى الإمام بالناس هكذا في حال الأمن أجزأته وإياهم، لأن الفريضة خلف النافلة تصح، ولو صلى في الأمن صلاة رسول الله ﷺ بعسفان لصح صلاة الإمام، وكذلك صلاة من لم يحرسه صحيحة أيضاً وفي صلاته من حرسه منهم وجهان: أحدهما: باطلة لأنهم تركوا متابعته حتى سبقهم بثلاثة أركان سجدتان وجلسة بينهما. والثاني: لا تبطل صلاتهم وهو ظاهر المذهب، واختاره أبو إسحاق؛ لأن السجدتين والجلسة بينهما كالركن الواحد، لأنه جنس واحد لأن الجلسة للفصل والجدتين كلتيهما واحد، ومن نصر القول الأول علل بعلة أخرى. وقال: التأخر عن الإمام ركن واحد إنما يجوز لعذر، وهو أن يقصد إتمام القراءة أو الركن الذي هو [١٩١ أ/ ٣] فيه، فأما إذا وقف من غير عذر وترك متابعته حتى ركع أو سجد بطلت صلاته وهذا أحسن وليس بمذهب. وذكر بعض أصحابنا بخراسان عن الشافعي أنه قال هاهنا: أحببت للطائفة الحارسة أن يعيدوا الصلاة، وهذا غريب وفيه نظر عندي والله أعلم. مسألة: قال: وليس لأحد أن يصلي صلاة الخوف في طلب العدو لأنه آمن وطلبهم تطوع. وهذا كما قال: إذا كانوا في طلب العدو فإن لم يكونوا خائفين، مثل إن خرجوا من بلاد الإسلام في طلب العدو وهم مستظهرون يأمنون الكرة عليهم لم يكن لهم أن يصلوا صلاة الخوف، فإن كانوا خائفين من كمين أو مدد أو كرة عليهم أو فتحوا بلد من بلاد العدو فلم يأمنوا أن يلحق المدد بهم كان لهم أن يصلوا صلاة الخوف، فإن كان الخوف أشد من ذلك صلوا صلاة شدة الخوف، وذلك أن يخاف أن تكون هزيمتهم هكذا منهم، ولم يكن في المسلمين كثرة فتهيأ لبعضهم أن يقوى بهم أو يخاف عود العدو إن تولوا عنهم نص على كل هذا في "الأم". باب من له أن يصلي صلاة الخوف مسألة: قال: كل قتال كان فرضاً أومباحاً لأهل الكفر والبغي. الفصل وهذا كما قال: جملته أن القتال على ثلاثة أضرب: قتال واجب، وقتال مباح، وقتال محظور.

стр. 902

فالواجب: كقتال المشركين وهو الأصل في صلاة الخوف، وفيه نزلت الآية وفي معناه قتال أهل البغي لأن الله تعالى قال: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، وقتال قطاع الطريق: فتجوز صلاة الخوف في كلها. وأما المباح: فهو الدفع عن حريمه وماله ونفسه، وكذلك عن نفس الغير وماله وحريمه فإن الصحيح من المذهب إن دفع المسلم عن نفسه مباح غير واجب، لأن حميته في قصده الإسلام بخلاف المسلم الظالم. وقد روي عن حذيفة ﵁ أن النبي ﷺ قال له: "يكون في آخر الزمان فتن كقطع الليل المظلم، القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، فقال رجل: يا رسول الله إن أدركنا هذا الزمان كيف نفعل؟ فقال: "احتمل ذكرك وادخل بيتك"، قال: يا رسول الله [أفرأيت إن] دخل علي بيتي قال: إن أفرقك شعاع السيف فاجعل طوف ثوبك على رأسك ولتكن عبد الله المقتول [١٩٢ أ/ ٣] ولا تكن عبد الله القاتل"،وروي "اتخذ سيفاً من خشب"، فتجوز صلاة الخوف في هذا القتال أيضاً؛ لأن كل رخصة تعلقت بالأمر الواجب فعلقت بالمباح كالقصر في السفر. قال صاحب "التلخيص": إذا قاتل في الدفع عن ماله هل يجوز له أن يصلي صلاة شدة الخوف؟ قولان: أحدهما: لا يجوز نص عليه في "الجامع الكبير"، وفي "الإملاء"؛لأن الدفع عنه غير واجب بل هو مباح. والثاني: يجوز وقال القفال ﵀: نص الشافعي رحمة الله عليه على قولين فيمن غشيه سيل فوجد ملجأ لنفسه دون ظهره وماله، هل له أن يهرب ويصلي صلاة شدة الخوف في هربه؟ والأصح له ذلك لأن في الدفع المباح يجوز القتال، وإن أتى على نفسه كما في النفس سواء فلا فرق. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان ماله ذا روح فعلى وجهين، وإن لم يكن ذا روح فهو مرتب على ذلك، وهو بناء على أن له أن يقتل في الدفع عن المال أم لا؟ فيه وجهان، والأصح له ذلك، وفي هذا نظر والاعتماد على ما سبق، وقد أدخل الشافعي حجة كلامه في خلال الفصل، وهو قوله: من قتل دون ماله فهو شهيد [١٩٢ ب/ ٣] على أن له صلاة الخوف في الدفع عن المال وهذا من فصيح الكلام أن يذكر المسألة، ثم الحجة ثم الجواب. وأما المحظور: فهو القتال لقطع الطريق أو المعصية، أو لمنع الحق، أو أي وجه من وجوه الظلم فليس له أن يصلي صلاة شدة الخوف في هذا القتال، وإن فعل يلزمه الإعادة لأن الرخصة لا تكون لعاص، ولو انهزم قوم من المسلمين وصلوا في حال انهزامهم صلاة شدة الخوف، فإن كان ذلك ليتحولوا من جهة إلى جهة أخرى ليتمكنوا

стр. 903

من القتال، أو يتحيزوا إلى فئة من المسلمين في مواضع أخرى ليتقووا بهم، فهؤلاء لا تصح صلاتهم ولا تجب الإعادة؛ لأن انهزامهم لهذا السبب مباح، وان انهزموا للعجز والفشل، فإن كان بإزاء كل واحد من المسلمين ثلاثة من المشركين فأكثر فهؤلاء لا تصح صلاتهم ولا إعادة عليهم لأن للواحد أن يفر من الثلاثة، وإن كان بإزاء كل واحد منهم واحد أو اثنان لا تصح صلاتهم: لأنه لا يجوز للمسلم أن يفر من مشركين وإذا فر منهما كان عاصياً وصلاة شدة الخوف رخصة ولا تستباح الرخصة بفعل هو معصية. وقال في "الحاوي" [١٩٣ أ/ ٣] إذا عرفوا أنهم لا يطيقون قتال مثليهم من المشركين هل يجوز لهم أن يولوا من غير تحرف القتال أو تحيز إلى فئة؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز لقوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] الآية. والثاني: لا يجوز لأن لهم طريقاً إلى ما يجوز، إذ لا يعدم الانحياز إلى فئة قربت أم بعدت، وقال أبو حنيفة ﵀: جواز التولي الانحراف إلى القتال أو التحيز إلى فئة كانا في ابتداء الأمر ثم نسخا معاً وعليهم أن يقاتلوا ما أمكن. مسألة: قال: ولو غشيهم سيل ولا يحدون نجوة. الفصل وهذا كما قال: النجوة الموضع المرتفع يلتجأ إليه لينجو به، وجملته: أن الرخصة في صلاة الخوف لا تختص بخوف القتال، بل كل خوف كان المصلي غير عاص في سببه فهو مثله، فإذا كان الرجل في واد فغشيه سيل وخاف إن وقف للصلاة لحقه السيل وغرقه، فإن كانت نجوة يأوي إليها فعدا في طول الوادي من السيل وصلى في حال عدوه لم يجز وان لم يجد نجوة جاز، وهذا إذا كان بالالتجاء إلى النجوة لا ينقطع عن أهله، ولا يخاف من المقام هناك الجوع وهلاكه منه ونحو ذلك [١٩٣ ب/ ٣]. قال الشافعي ﵀: وإن أمكنهم نجوة لا بد أنهم دون ركابهم فلهم أن يهربوا ويصلوا صلاة الخوف، لأن الخوف على المال هو بمنزلة الخوف على النفس ذكره القاضي الطبري ﵀، وقد ذكره ﵀ على وجه آخر وقد ذكرنا ذلك. فرع قال في "الأم": ولو كان في الصحراء في موضع حشيش وحطب يابس، فوقعت فيه نار فاشتعلت فخاف إن ثبت يصلي يحترق، فإن كان يجد نجوة يأمن بها من الحريق لجأ إليها، وان لم يجد وصلى في حال عدوه تجوز صلاته، وهكذا لو طلبته حية أو غيرها من السبع وخاف على نفسه منها وهرب، وكذلك لو طلبه جمل صائل أو فيل، فإنه تجوز صلاة الخوف بالإيماء أينما توجه.

стр. 904

وقال المزني ﵀: يلزم الشافعي على أصله أن يأمره بإعادة الصلاة، لأنه عذر نادر قلنا: لا يلزم ذلك، لأن الخوف معتاد وقد يكون عرضاً نادراً،، ولكن حكم نادره كحكم معتادة. فَرْعٌ آخرُ قال في "الأم": ولو خافوا الحريق على متاعهم أو منازلهم أحب أن يصلوا جماعة، ثم جماعة أو فرادى، ويكون من [١٩٤ أ/ ٣] لم يكن معهم في الصلاة في إطفاء النار، ويكره أن يصلوا في هذه الحالة صلاة الخوف التي صلاها رسول الله ﷺ بذات الرقاع: لأن هذه الصلاة شرعت في خوف القتال والحرب. فَرْعٌ آخرُ لو هرب من غريمه فإن كان معسراً فله صلاة الخوف في الهرب، لأن له الهرب وإلا فلا. ولو هرب من عليه القصاص من الولي له أن يصلي صلاة شدة الخوف في عدوه؛ لأنه يرجو العفو لأن العفو مندوب إليه فربما يرغب في العفو، ذكره بعض أصحابنا بخراسان، وعندي ليس له ذلك إذا كان صاحبه يطلبه: لأنه عاص بالهرب، لأنه لا يجوز أن يمنع حقاً مستحقاً من مستحقه، فإن كان عليه حد فهرب لا يصلي هكذا. باب ما له لبسه وما يكره له والمبارزة . مسألة: قال: واكره لبس الديباج. الفصل وهذا كما قال القفال ﵀، أراد بالكراهة هنا التحريم، وجملته: أنه يحرم في حالة القتال من الملابس ما يحرم في غير حالة القتال إلا أن يكون حاجة وضرورة. وقال سائر أصحابنا: الديباج والحرير وسائر الثياب [١٩٤ ب/ ٣] في العرف لا يحرم لبسها، لما روى أبو داود عن مولى لأسماء بنت أبي بكر، يقال له: عبد الله بن عمر قال: رأيت عبد الله بن عمر ﵁ في السوق اشترى ثوباً شامياً فرأى فيه خيطاً أحمر فرده، فأتيت أسماء وذكرت ذلك لها، فقالت: يا جارية ناوليني جبة رسول الله ﷺ . فأخرجت جبة [طيالسة] مكفوفة الجيب والكمين والفرجين بالديباج " وهدا نص. وروى بعض أصحابنا زيادة: أنه "كان يلبسها للقاء العدو"، وقال علي ﵁: "نهى رسول الله ﷺ عن الحرير إلا في موضع إصبعين أو ثلاث أو اربع ". فَرْعٌ آخرُ قال في "الإملاء" و "الأم": لو لبس رجل قباء محشواً بالقز فلا بأس؛ لأن

стр. 905

الحشو باطن، وإنما أكره إظهار القز للرجال، ومشايخ خراسان ذكروه عن أصحابنا ولم يذكروا هذا النص. فَرْعٌ آخرُ قال في "الأم": إذا كان منسوجاً بالقز، والقز غالب كرهته في الحرب وغير الحرب، وان كان قزاً خالصاً كان مباحاً في الحرب؛ لأن القز الخالص يحصنه، وإذا لم يكن خالصاً لا يحصنه تحصين الخالص، ويرجع المعنى إلى ما تقدم في الحقيقة [١٩٥ أ/ ٣] وقيل: فيه وجه أنه يباح لبس ثوب القز؛ لأنه ليس من ثياب الزينة، وإن كان القز أصل الإبريسم. فَرْعٌ آخرُ الذهب حرام على الرجال قليله وكثيره؛ لأن النبي ﷺ "نهي عن التختم بالذهب". وهو قليل، وكذلك أزرار الذهب والدرع المنسوج بالذهب حرام، وكذلك لو كان الذهب على سيفه أو حمائل سيفه أو منطقته أو كان مموهاً بالذهب، وكان ظاهراً فيه لا يجوز استعماله، ويخالف الديباج، لأنه لا يعمل فيه السلاح ولا حاجة في الذهب، وان كان في الدرع يجد بثمن ذلك درعاً جديداً والجديد أخص. فإن قيل: أليس أجزتم بيسير الحرير دون يسير الذهب فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن يسير الذهب يظهر كما يظهر كثيره ويحصل به السرف والخيلاء من طريق العادة بخلاف يسير الحرير. فَرْعٌ آخرُ إذا فاجأته الحرب فلا يكره لبسه، لأنه موضع ضرورة، ويحل في حال الضرورة ما يحرم في حال الاختيار، وكذلك لو كان له سيف عليه حلية ذهب ففاجأته الحرب لا بأس أن يتقلده، فإذا انقضت الحرب، قال الشافعي ﵀: "أحببت [١٩٥ ب/ ٣] له نقضه"، وهكذا في حمائل سيفه وترسه ومنطقته، لأن كل هذا جنة أو صلاح جنة ولا يجوز لبس الخاتم من الذهب، وان فاجأته الحرب؛ لأنه لا جنة فيه. فَرْعٌ آخرُ يجوز لبس الحرير عند الحاجة إلى لبسه لما روي أن رسول الله ﷺ "رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام ﵄ في قميص الحرير في سفر من حكة كانت بهما"

стр. 906

فَرْعٌ آخرُ قال: لو نسخ الذهب المنسوخ في الذرع وصدئ حتى لا يظهر لونه حل لبسه؛ لأنه سرف فيه وكذلك لو كان مموها بالذهب ولا يظهر لونه فصار مستهلكا فيه، ويستحب تركه مع هذا وقيل: الذهب لا يصدأ. فَرْعٌ آخرُ قال: ولا أكره للرجل لباس اللؤلؤ إلا من جهة الأدب فإنه لباس النساء وزينتهن لا للتحريم، وكذلك لا أكره لبس الياقوت والزبرجد إلا من جهة السرف أو الخيلاء، يعني: أنه لا يحرم أيضا، وهذا لأن الشرع لم يرد بتحريم لبسها ولكن كره الشرع التشبه بالنساء. فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا: يكره للنساء البياض والفضة لما فيه من التشبه بالرجال وفي هذا نظر عندي "١٩٦ أ/٣". فَرْعٌ آخرُ التختم باليمين واليسار جائز إلا أن المستحب التختم باليسار، لأنه الآخر من فعل رسول الله ﷺ ، وقيل: اليمين أولى إلى الاحتراز من النسبة إلى البدعة والاشتهار بهم. فرع قال أصحابنا: المشي في نعل واحدة أو خف واحد مكروه للخبر في ذلك عن رسول الله ﷺ . مسألة: قال: ولا أكره لمن يعلم من نفسه في الحرب بلاء أن يعلم ولا أن يركب الأبلق. وهذا كما قال: إذا علم المحارب من نفسه الشجاعة والشدة جاز له أن يعلم، وأراد بالبلاء الشجاعة، وهو أن يجعل في صدره ريش نعامة أو يشد على عمامته عصابة ملونة، أو يركب الأبلق من الخيل، وإن عرف من نفسه الضعف والفشل كره له ذلك؛ لأنه ربما يقصد فينهزم فإذا انهزم من ظهر بعلامة الشجعان كان ذلك قوة للمشتركين ووهنا على المسلمين فيؤدي إلى كسرتهم وهزيمتهم. وروي عن الحسن ﵀ أنه كره الإعلام في الحرب، وهذا غلط، لأن حمزة ﵁ أعلم يوم بدر بأن غرز ريش نعامة في صدره، أي في لحيته، وشدد أبو دجانة "١٩٦ ب/٣" على عمامته عصابة حمراء، وركب أبو محجن الأبلق وكل هؤلاء كانوا أهل شدة وشجاعة. مسألة: قال: ولا أكره البراز.

стр. 907

الفصل وهذا كما قال، أراد بالبراز المبارزة، وجملته: انه إذا خرج رجل من المشركين ووقف بين الصفين وطلب البراز من المسلمين، لا يكره لمن يعلم من نفسه بلاء من المسلمين أن يخرج إليه فيقاتله، فإن كان مثله في الشجاعة والآلة والسلاح كان الخروج في مقاتلته مباحا وإن كان فوقه كان خروجا مستحبا، وإن كان دونه كان مكروها، وإن لم يطلب أحد من المشركين ذلك فهل يجوز للمسلم أن يبتدئ بطلب المبارزة وجهان: أحدهما: يكره له، وبه قال صاحب " الإفصاح"؛ لأن أصحاب رسول الله ﷺ إنما خرجوا للمبارزة عند الطلب منهم؛ ولأنه لا بأس أن يخرج من المشركين من هو أشجع منه. والثاني: يجوز ذلك وهو الأصح لما فيه من الرهبة في قلوب العدو. وذكر بعض أصحابنا على هذا الوجه الثاني أنه يستحب ذلك له. وقال أبو حنيفة ﵀: يكره كل ذلك إلا بإذن الإمام، وقال الحسن ﵀: تكره "١٩٧ أ/٣" المبارزة بكل حال. واحتج الشافي ﵀ بما روي أن عبيدة وحمزة وعليا ﵃ بارزوا بأمر رسول الله ﷺ وهذه إشارة إلى قصة نذكرها، وهي: أن يوم بدر خرج من مصاف المشركين ثلاثة نفر عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة وهما أخوان، والوليد بن عتبة، وهو ابن أخي شيبة، وطلبوا البراز فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار أبناء عفراء وعبد الله بن رواحة وكانوا متلثمين فاستنسبوهم فنسبوا لهم، وقالوا: نحن الأنصار فقالوا: أكفاء كرام ولكنا نريد قومنا، ثم نادوا: يا محمد اخرج لنا قومنا من قريش، فقال النبي ﷺ لعبيدة بن الحارث بن عبد المطب وهو ابن عمه، ولحمزة بن عبد المطلب عمه، ولعلي بن أبي طالب ابن عمه ﵁: "اخرجوا لهم"، وكان عبيدة شيخا له سبعون سنة فخرجوا لهم، فقالوا: من القوم فاستنسبوا لهم، فقالوا: أكفاء كرام فدار حمزة مع عتبة فلم يمهله أن قتله، ودار علي مع الوليد فلم يمهله أن قتله، واختلف بين شيبة وعبيدة ضربتان فضرب عبيدة لشيبة ضربة على عاتقه "١٩٧ ب/٣" الأيسر فأرخى كتفه، وضربه شيبة ضربة جزمت ساقه، فكر حمزة وعلي ﵄ على شيبة وقتلاه، ثم حملا عبيدة إلى النبي ﷺ ومخ ساقه يسيل فدعا له النبي ﷺ ، ثم مات بعد انقضاء الحرب بالصعواء عند منصرفه من بدر فصلى عليه رسول الله ﷺ ودفن"، وروي أنه لما رأى رسول الله ﷺ ومخ ساقه يسيل قال: أشهيد أنا يارسول الله؟ فقال: "نعم"، فقال: ووددت أنا أبا طالب كان حيا ليعلم أنا نحن أحق بهذا البيت منه حيث يقول: ونسلم حتى ما نصرع حوله ونذهل عن أبنائنا والحلائل ثم أنشأ يقول: فإ تقطعوا رجلي فإني مسلم أرجي به عيشا من الله عاليا وأبسني الرحمن من فضل منه لباسا من الإسلام غطى المساويا

стр. 908

مسألة: قال: ويلبس فرسه وأداته جلد ما سوى الكلب والخنزير. وهذا كما قال. اختلف أصحابنا في هذا، فقال ابن خيران ﵀: أراد به الشافعي ﵀ الجلود التي لم تدبغ فيجوز له أن يلبس فرسه ذلك وإن كان نجسا؛ لأنه لا تعب على الفرس، وإنما لا يجوز للرجل لبسه، لأن عليه في نفسه "١٩٨ أ/٣" تعبدا فلا يجوز له لبس النجاسات، وإنما استثنى الشافعي منها جلد الكلب والخنزير؛ لأن الانتفاع بالخنزير لا يحل حال. وأما الكلب فلا يجوز الانتفاع به إلا فيما أذن فيه من اقتنائه للصيد والماشية والزرع وهذا غيره فلا يحل استعماله. وحكى الداركي عن أبي إسحاق ﵀ أنه قال: أراد به الجلود المدبوغة واستثنى جلد الكلب والخنزير، لأنهما لا يظهران بالدباغ، قال: وقول الشافعي ﵀ لأنه جنة الفرس، ولا تعبد على قوس، أراد به أن لبس الجلود في الحرب مكروه للرجل، لأنا نحتاج أن ننزعها من الشهيد، والمستحب أن يدفن الشهيد على حاله بخلاف الفرس، فإنه لا تعبد عليه فلا يكره له أن يلبسه إياه، وأما غير المدبوغ من جلود الميتة فكما يلزمه لبسه في نفسه يكره لبسه في فرسه وأداته، ولو خالف لا يحرم إلا للصلاة، وذا غلط لأن الشافعي صرح في "الأم" فقال: ليس كل جلد طاهر، وهو جلد ما يؤكل لحمه إذا كان ذكيا، وإن كان جلد ميتة أو جلد ما لا يؤكل لحمه فإنه يلبسه فرسه، ولا يلبسه هو إلا أن يدبغ لأنه يكره للإنسان حمل النجاسة ولبسها "١٩٨ ب/٣" بلا ضرورة. وأما إذا اضطر عند الحرب فيجوز لبس كله في نفسه وأدته، وإن كان جلد الكلب والخنزير.

стр. 909

كتاب صلاة العيدين مسألةُ: قالَ: ومن وجَبَ عليه حضور الجمعة وجب ليه حضور العيدين. وهذا كما قال العيد في اللغة: لما اعتاد، أو عاد إليك، والأضحى: جمع أضحاة فقولنا: يوم الأضحى، أي: يوم الأضاحي والضحايا. والأصل في العيد: الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرِبِّكَ َواُنْحَرْ﴾ " الكوثر: ٢" ولا نحر بعد الصلاة إلا صلاة العيد. وأما السنة: فما روى أنس ﵁ أن النبي ﷺ : قدم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: "ما هذا اليومان؟ " فقالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية فقال: "إن الله تعالى قد أبدلكم بهما خيرا منهما يوم الأضحى ويوم الفطر". وأما الإجماع: فلا خلاف بين المسلمين فيه. وعيد الفطر: هو أول يوم من شوال، وعيد الأضحى هو اليوم العاشر من ذي الحجة، وجاء في الخبر عن رسول الله ﷺ أنه " يوم الحج الأكبر"، وروي أن أول "١٩٩ أ/٣" عيد صلى فيه رسول الله ﷺ صلاة العيد يوم الفطر في السنة الثانية من الهجرة، وفيها فرضت زكاة الفطر وسمي عيدا، لأنه يعود كل سنة، وقيل: إن السرور يعود فيه إليهم. ويستحب لهم أن يقوم ليله كل واحد من العيدين. قال النبي ﷺ : " من قام ليلتي العيد إيمانا واحتسابا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب"، وهذا هو أعظم الفضائل، كقوله تعالى في الشهادة: ﴿ومَن يَكْتُمْهَا فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ " البقرة: ٢٨٣" وهذا أشد الوعيد. فإذا تقرر هذا فالمذهب أن صلاة العيدين نافلة؛ وهي: سنة مؤكدة، وبه قال مالك لأن الشافعي قال: والتطوع وجهان نذكر في جملته صلاة العيدين، وقال في البويطي: صلاة العيد سنة لأهل الآفاق للرجال في المصلى وللنساء والعبيد والإماء في منازلهم، وأراد بما نقل المنزل من وجب عليه حضور الجمعة حتما وجب عليه حضور العيدين اختيارا وقصد الشافعي له أن حكم العيدين إنما يتوجه قصدا على من يخاطب بالجمعة. فأما النساء والصبيان والعبيد فل يتوجه عليهم "١٩٩ ب/٣" بل هم تبع.

стр. 910

وقال الإصطخري: صلاة العيد فرض على الكفاية؛ لأن الشافعي قال: وجب عليه حضور العيدين فتقديره من وجب عليه حضور الجمعة عينا وجب عليه حضور العيدين كفاية، وبه قال أحمد وهذا غلط لما ذكرنا. وروى أن النبي ﷺ لما عرض الأعرابي الصلوات الخمس قال: هل علي غيرها؟ فقال: "لا إلا أن تتطوع"، وقيل: ما نقله المزني بهذا اللفظ لا يحفظ للشافعي في كتاب؛ ولأنها صلاة مؤقتة لم يشرع لها الإقامة فلا تجب كصلاة الاستسقاء، وقال أبو حنيفة في رواية: صلاة العيد واجبة وليست فرضا. فإذا تقرر هذا لو اتفق أهل بلد على تركها يقاتلون على قول الإصطخري، وعلى المذهب فيه وجهان: أحدهما: لا يقاتلون لأنهم تركوا نافلة كالوتر وركعتي الفجر. والثاني: يقاتلون لأنها من شعار الإسلام، وفي تركها تهاون بالدين وإخفاء الشعار بخلاف الوتر، فإنه لا يحصل بتركه التهاون في الدين وهذا أظهر وأوضح عندي، فإن قيل: فهذا يدل على أنه يأثم بتركها ويقضي، وهو قول الإصطخري، قلنا: يفضي بالتهاون "٢٠٠ أ/٣" بشعار الإسلام، ومثله يقول في ترك الأذان، وإن لم يكن واجبا فإن قيل: ما يقولون لو اتفق أهل بلد بأسرهم على ترك الوتر وركعتي الفجر؟ قلنا: ذاك يصلونه في منازلهم فلا يتوصل إلى اتفاق الكل على تركه، وإن علم ذلك منهم لا يقاتلون أيضا، لأنهم لم يندبوا إلى الجهات، فقلنا: بالإجماع لها فلم يكن في تركه تهاون بالدين. مسألةْ: قال: وأحب الغسل بعد الفجر للغدو إلى المصلى. وهذا كما قال. الغسل للخروج إلى العيد مستحب والمعنى فيه: أن النبي ﷺ حيث سن الغسل في يوم الجمعة شبهه بالعيد، فقال: "إن هذا يوم جعله الله عيدا للمسلمين فاغتسلوا"، وروي عن علي ﵁ أنه " كان يغتسل في الفطر والأضحى"، وروي نحوه عن ابن عمر ﵁ ولأنه يوم سن فيه اجتماع الكافة للصلاة فاستحب فيه الغسل كالجمعة، وقد ذكرنا قولين في وقته. وقال القفال فيه وجهان: والنص هاهنا يدل على أنه بعد الفجر وفي هذه نظر، لأن القولين "٢٠٠ ب/٣" منصوصان على ما تقدم بيانه، والنص يدل على وقت الاستحباب والخلاف في وقت الجواز، وقال أحمد: لا يجوز إلا بعد الفجر. فرع إذا قلنا: إنه يجوز قبل الفجر، قال القاضي الطبري: يجوز في جميع الليل كما يقول في أذان الصبح: ولا يجوز قبله، ويحتمل أن يجوز في جميع الليل، ويفرق بينه وبين الأذان بأن النصف الأول وقت مختار لصلاة غيرها، فربما يظن أن الأذان لها وهذا المعنى لا يوجد هاهنا.

стр. 911

مسألة: قال: وأحب إظهار التكبير. الفصل وهكذا كما قال: وجملته أن التكبير مسنون في عيد الفطر، وبه قال مالك وأحمد وروي عن ابن عمر ﵁ وروي لعلي بن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه قال: يكبر يوم الأضحى في ذهابه إلى المصلى، ولا يكبر يوم الفطر، وبه قال ابن عباس ﵁ وروي عن أبي حنيفة مثل قولنا، واحتج من نصر القول بما روى سعيد بن جبير أن ابن عباس ﵁ سمع التكبير يوم الفطر فقال "٢٠١ أ/٣" ما شأن النس؟ فقلت: يكبرون، فقال: أمجانين الناس. وروي أنه سئل عن رجل كبر يوم الفطر، فقال ابن عباس: كبر إمامه فقيل: لا قال: ذاك رجل أجمق. وقال النخعي: التكبير يوم العيد عمل الحركة وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ولِتُكبرّوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ "الحج: ٣٧" قال الشافعي في " الأم": سمعت من ارتضى من أهل العلم بالقرآن يقول: ولتكملوا عدة صوم رمضان ولتكبروا الله عند إكماله على ما هداكم، وروى ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ : " كان يخرج يوم الفطر والأضحى رافعا صوته بالتكبير". وأما قول ابن عباس يعارضه فعل علي وابن عمر، وأبي أمامة ﵁ أنهم "كانوا يكبرون"؛ ولأن ابن عباس كان يقول يكبرون مع إمامهم ولا يكبرون منفردين" وهذا خلاف أصلكم. وقال داود: التكبير يوم الفطر واجب لظاهر الآية، وهذا غلط لأنه ليس بأمر بل هو إخبار عن إرادة الله تعالى لقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ولِتُكبرّوا اللَّهَ﴾ " البقرة: ١٨٥" "٢٠١ ب/٣" ولأنه تكبير شرع في يوم العيد فلا يجب كالتكبير في عيد الأضحى، واختلف قول الشافعي أي العيدين آكد في التكبير، فقال: في القديم ليلة النحر هي أوكد لإجماع الناس عليها من السلف. وقال في " الجديد": ليلة الفطر أوكد لورود النص الذي ذكرنا فيها فإذا تقرر هذا فالكلام الآن في وقته وصفته. فأما وقته: فأوله بعد غروب الشمس من ليلة الفطر، وبه قال سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وزيد بن أسلم، واختلفت ألفاظ الشافعي في هذا، فقال في " الأم": إذا رئي هلال شوال أحببت أن يكبر الناس جماعة وفرادى، وقال في البويطي: وتظهر الناس التكبير حين مغيب الشمس من ليلة الفطر، وروى المزني: وأحب إظهار التكبير ليلة الفطر ومعناهما واحد وهو ما ذكرنا. فإن كان في السماء غيم ولم يروا الهلال عدوا رمضان ثلاثين يوما، فإذا غابت

стр. 912

الشمس ليلة الحادي والثلاثين ابتدئوا بالتكبير، وإن كانت السماء مصحية فطلبوا الهلال عشية التاسع والعشرين، فإن رأوا الهلال بعد غروب " ٢٠٢ أ/٣" الشمس كبروا، وإلا لم يكبروا لأن رمضان باق لم ينقص. وقال علي وابن عمر ومالك والأوزاعي والثوري: لا يكبر ليلة الفطر. ولكنه يكبر في يومه وروى هذا عن أحمد، وقال إسحاق وأبو ثور: يكبر إذا غدا إلى المصلى وهذا غلط، لأن الله تعالى قال: ﴿ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ولِتُكبرّوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ " الحج: ٣٧" ولأنه عيد سن في التكبير في يومه فسن التكبير في ليلته أصله عيد الأضحى. وأما وقت قطع التكبير قال في "الأم": لا يزال وقته قائما حتى يخرج الإمام إلى المصلى، وقال في البويطي: حتى يفتتح الإمام الصلاة. وقال في "القديم": حتى يفرغ الإمام من الصلاة والخطبتين معا هكذا حكاه أبو حامد، وحكى غيره عن "القديم" حتى ينصرف الإمام من الصلاة. واختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: ثلاثة أقوال: إحداها: إلى خروج الإمام لأنه إذا خرج الإمام يستحب الاشتغال بالصلاة والتأهب لها فيقطع التكبير قبل الابتداء بالصلاة حتى يتأهب لها. والثاني: إلى افتتاح الصلاة وهو اختيار المزني، قال: هذا أقيس، لأن من لم "٢٠٢ ب/٣" يكن في صلاة ولم يحرم إمامه ولم يخطب، أي ولم يشرع في الخطبة فجائز أن يتكلم يعني فإذا جاز أن يتكلم في هذا الوقت فالأولى به أن يكبر، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا. والثالث: إلى انصراف الإمام من الصلاة، لأن فيها تكبيرا فإن قيل: فينبغي أن يعتبروا الفراغ من الخطبتين؛ لأن فيهما تكبيرا قلنا؟: تكبير الخطبة هو مسنون للإمام دون السامعين وأما على ما ذكر أبو حامد فوجهان: هذا التكبير هو من شعار الصلاة والخطبة فما دامت الصلاة والخطبة، موجودة لا يقطع التكبير، وهذا القول الثالث إنما يتصور في حق الغائب عن الإما فله التكبير حتى يعلم فراغ الإمام من الخطبتين. فأما من كان حاضرا معه فلا يكبر وهو يخطب، فيكون في حق الحاضر قولان، ومن أصحابنا من قال قول واحد إنه يكبر إلى أن يفتتح الإمام الصلاة وهذ الطريق هي أصح. والألفاظ هي عبارة عن معنى واحد يقوله حتى يخرج الإمام معناه تفتتح الصلاة؛ لأنه يفتتحها عقيب خروجه إذ ليس قبلها خطبة ولا أذان ولا إقامة. وقوله في "القديم": أراد "٢٠٣ أـ/٣" جنس التكبير لأن في الصلاة والخطبتين تكبيرا كثيرا، وإنما قال ذلك لأن الإمام إذا افتتح الصلاة يجب عليهم أن يفتتحوا، ولا يجوز لهم أن يشتغلوا بالتكبير فإذا سلم صعد المنبر للخطبة وعليهم الاستماع فلا يكبرون. وأما الكلام في صفته: فالمستحب أن يجهروا بالتكبير جماعة وفرادى في المسجد

стр. 913

والأسواق، والطرق، والمنازل، ومسافرين ومقيمين، وهذا معنى التكبير المرسل في جميع الأحوال. وروي ابن عمر أن رسول الله ﷺ : " كان يخرج في العيدين مع الفضل بن العباس وعلي وجعفر والحسن والحسين وأسامة بن زيد، وزيد بن حارثة وأيمن ابن أم أيمن رافعا صوته بالتهليل والتكبير" ولأن في ذلك تذكيرا لغيره وإظهار شعار الإسلام. وروى ابن عمر أن رسول الله ﷺ : " كان يكبر يوم الفطر من حين يخرج من بيته حتى يأتي المصلى" وأما التكبير المقيد وهو في إدبار الصلوات. واختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: يستحب ذلك عقيب ثلاث صلوات صلاة المغرب، وصلاة العشاء، وصلاة الصبح لأن كل "٣٠٣ ب/٣" عيد سن فيه التكبير المطلق سن فيه المقيد كعيد الأضحى. ومنهم من قال: لا يستحب ذلك ولكنه يكبر عقيب الصلوات وغير عقيبها على السواء ويكون تكبير الإرسال أبدا، لأنه لم يرو في عيد الفطر عن النبي ﷺ أنه كبر عقيب الصلوات ولو فعله لنقل كما نقل في عيد الأضحى، وهذا ظاهر المذهب، لأن الشافعي لم يذكر ذلك. وقال بعض أصحابنا بخراسان: المنصوص أنه يستحب ذلك كما في عيد الأضحى وأيام التشريق، ومن أصحابنا من قال: لا يستحب ذلك على الخصوص وهذا غريب دائما في أيام التشريق فلا يكبر من حيث السنة إلا خلف الصلوات، فإن كبر فيها تكبيرا مطلقا جاز. فإذا تقرر هذا بين الشافعي ﵀: أن ليلة النحر في ذلك مشبهة بليلة الفطر ومقيس عليها لغير الحاج، فقال: وشبه ليلة النحر بها إلا من كان حاجا تذكره التلبية، يعني: أن الحاج لا يقطع التلبية في عامة الأوقات ما لم يفتتح رمي الجمرة يوم النحر، فلما كانت التلبية في هذه الليلة ذكره لم يؤمر بتركها إلى التكبير، ولا كذلك من لم يكن حاجا فكذلك أمر بالتكبير في "٢٠٤ أ/٣ " هذه الليلة ذكره لم يؤمر بتركها إلى الكبير ولا كذلك من لم يكن حاجا، فكذلك أمر بالتكبير في هذه الليلة قياسا على ليلة الفطر لأنها ليلة أحد العيدين. مسألة: قال ويغدون إذا صلوا. وهذا كما قال يستحب التبكير إلى المصل من حين يصلي الصبح، لأن المنتظر للصلاة وهو كالمصلي ويكبر هناك، ولأن في ذلك خلو الطريق والمبادرة إلى أدنى المجالس من الإمام ليسمع الخطبة فكان أولى كما قلنا في الجمعة. الفصل وهذا كما قال. أراد به أنه يخرج بهم إلى أوسع مكان من البلد لأنها صلاة يجتمع

стр. 914

لها أهل البلد والقرى فلا يسعهم الجامع بخلاف الجمعة. وقال في " الأم": إذا كان المسجد يسعهم فصلاة العيد فيه أفضل من الصلاة في الصحراء، وإن كان ضيفا لا يسعهم فالصلاة في الصحراء أفضل، وعلى هذا المعنى، قال الشافعي في التكبير: لا يقام العيد في البلدان في المساجد، بل يخرجونإلى الجبان إلا بمكة فإنهم يصلون في المسجد، ولا أراهم يفعلون ذلك إلا لعظم المسجد، وقال بعض أصحابنا: "٢٠٤ ب/٣" في علته في مسجد مكة أنهم يستقبلون عين الكعبة حقيقة ولا يكون هذا في موضع آخر، وإن كان المسجد كبيرا مسجد مكة وبيت المقدس صلوا فيه، وهذا لأن المسجد هو أشرف البقاع وأفضلها وألطفها. وجملته: انه يجوز في الصحراء والمسجد بكل حال، والمسجد أفضل عند الاتساع وعند العذر من مطر أو غيره؛ لما روي أبو هريرة ﵁ قال: أصابنا مطر فصلى رسول الله ﷺ صلاة العيد بالناس في المسجد، ولأن الناس يقلون في يوم المطر فلا يضيق المسجد عنهم، وإنما كان رسول الله ﷺ يخرج إلى الصحراء عند الصحو لضيق مسجده، فإن خالف في هذه الحالة وخرج إلى الصحراء وصلى الناس، قال: "لم أكره ذلك ولا بأس". وإن ضاق المسجد عن الناس فالأفضل الخروج إلى الصحراء، فإن خالف صلى في المسجد يكره ذلك، وإنما قال: يكره هاهنا ولم يقل: هناك يكره، لأن في هذا مخالفة السنة ولم يخالف السنة هناك، ثم إن كان الصحار قريبا لا يلحق الضعيف مشقة في حضوره فالأمر على ما ذكرنا، وإن كان الصحراء بعيدا استخلف من يصلي "٢٠٥ أ/٣" بضعفة الناس في المسجد، وفي المطر إذا ضاق المسجد على الناس صلى الإمام في المسجد الأعظم بمن يطيق الحضور معه، واسخلف من يصلي بباقي الناس في موضع آخر يكون أرفق بهم. ومن أصحابنا من قال: الأفضل الخروج إلى الصحراء عند الإمكان بكل حال، لأن فيه إظهار العيد الذي هو شعار الإسلام والسنة وهذا خلاف النص، ويستحب أن يمشي إلى صلاة العيدين ولا يركب إلا أن يضعف عن المشي سواء كان رجلا أو امرأة، ولو ركب من غير ضعف فلا بأس، ويكون سيره وصفة مشيه على ما ذكرنا في الجمعة. وأما إذا انصرف فهو بالخيار إن شاء ركب، وإن شاء مشى، لأن انصرافه ليس بطاعة خلاف الخروج إلا أن يتأذى الناس بركوبه فيكره لأجل الأذى بالناس. وروي أن رسول الله ﷺ كان لا يركب في أربعة مواطن: " العيدين والاستسقاء والجنازة وعيادة المريض". وقال أصحابنا: لو كان البلد ثغرا لأهل الجهاد يقرب من العدو فركوبهم وإظهار سلاحهم وزيهم في العيد أولى لما فيه من إعزاز الدين وتحصين "٢٠٥ ب/٣" المسلمين.

стр. 915

مسألة: قال: ويلبس عمامته. وهذا كما قال المستحب للإمام ولسائر الناس أن يلبسوا للعيد أحسن ما يجدون ويتنظفوا يتطيبوا، كما ذكرنا في الجمعة ويتعمموا وهذا الإمام هو آكد استحبابا. وقال في " الأم": أحب العمامة في الحر والبرد وفي جميع محافل الناس، لما روي عن النبي ﷺ : أنه قال: "أيعجز أحدكم أن يتخذ لعيده جمعته ثوبين سوى ثوبي مهنته"، وأراد بالثوبين الإزار والرداء، وروي أن رسول الله ﷺ كان يلبس برد حبرة ويقيم في كل عيد، وقال الحسن بن علي ﵄: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نتطيب بأجود ما نجد في العيد". مسألة: قال: وأحب أن يكون خروج الإمام في الوقت الذي يوافي فيه الصلاة. وهذا كما قال: أول وقت صلاة العيدين حين تبرز الشمس، أي تظهر ويزول عنها التغير بأن ترتفع قليلا قيد رمح ولا يزال وقتها قائما ما لم تزل الشس، فإذا زالت خرج وقتها ويكون قد دخل وقت الظهر، فتكون هذه المدة ميقاتها؛ لأنه لا يخرج وقت صلاة حتى يدخل "٢٠٦ أ/٣" وقت أخرى. والمستحب للإمام أن يؤاخي المصلى في هذا القت الذي يستحب فيه أداؤها حتى يحرم بالصلاة حتى يوافيه، فإن شاء قعد في بيته حتى يعلم أنه إذا خرج إلى المصلى وافاه في هذا الوقت، وإن شاء ضربت له خيمة في المصلى ليبكر إليها، ثم إذا كان أول وقت الصلاة خرج إليها، لما روى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ كان يخرج بالمدينة يوم العيد إلى المصلى للوقت الذي يبتدئ بالصلاة، ولأن الإمام هو المتبوع فالمستحب أن ينتظره الناس لا أن ينتظرهم هو، وهذا في عيد الأضحى، فأما في عيد الفطر قال الشافعي: يؤخر الخروج إلى الصلاة عن ذلك قليلا، وهذا لما روي أن النبي ﷺ كتب إلى عمرو بن حزم أن عجل الأضحى وأخر الفطر، وذكر الناس سريد به الخطبة في العيدين ورأيت خبرا عن رسول الله ﷺ أنه: " كان يصلي في عيد الفطر لقيد رمحين، وفي عيد الأضحى لقيد رمح، والمعنى الفارق في ذلك هو أن الاشتغال في عيد الأضحى بالذبح والتصدق والتناول يكون بعد "٢٠٦ ب/٣" الصلاة، وفي عيد الفطر يؤدون زكاة الفطر قبل الصلاة، كما قال ﵊: أغنوهم
следующие страницы →