شجّ في رأسه: الضمير عائد على زيد.
الحائط: البستان إذا كان عليه حائط، وهو الجدار، وجمعه حوائط.
حبلة بحاء مهملة فموحدة مفتوحتين وربما سكنت الباء وهي الأصل أو القضيب من شجر العنب.
يتجهّمني: يلقاني بالغلظة والوجه الكريه.
العتبي: بضم العين: الرضا.
عدّاس ونينوى تقدم الكلام عليهما في شرح بدء الوحي.
متّى: بفتح الميم وتشديد المثناة الفوقية مقصور.
يا سيّديّ: بتشديد الياء تثنية سيد.
ويحك: كلمة يتعجب بها العرب ولا يريدون بها الذمّ.
ابن عبد ياليل بمثناة تحتية فألف فلان مكسورة فمثناة تحتية ساكنة فلام واسمه كنانة ويقال مسعود.
ابن عبد كلال: بضم الكاف وتخفيف اللام.
كذا في الحديث ابن عبد ياليل والذي ذكره أهل المغازي أن الذي كلّمه رسول اللَّه ﷺ عبد ياليل نفسه وعند أهل النسب أن عبد كلال أخوه لا أبوه قاله الحافظ.
قرن الثعالب: بفتح القاف وسكون الراء وهو قرن المنازل ميقات نجد تلقاء مكة على يوم وليلة منها، وأصله الجبل الصغير المستطيل المنقطع عن الجبل الكبير.
الأخشبين: تثنية أخشب بفتح الهمزة فخاء فشين معجمتين فموحدة: الجبلان.
стр. 1017
الباب الثاني والثلاثون في إسلام الجن
قد تقدم في أبواب البعثة استماعهم لقراءة رسول اللَّه ﷺ .
قال الحافظ ابن كثير وابن حجر: وقول من قال إن وفودهم كان بعد رجوع رسول اللَّه ﷺ من الطائف ليس صريحا في أولية قدوم بعضهم، والذي يظهر من سياق الحديث الذي فيه المبالغة في رمي الشهب لحراسة السماء عن استراق السمع دالّ على أن ذلك كان بعد المبعث، وإنزال الوحي إلى الأرض، فكشفوا عن ذلك إلى أن وقفوا على السبب فرجعوا إلى قومهم.
ولما انتشرت الدعوة وأسلم من أسلم قدموا فسمعوا فأسلموا وكان ذلك بين الهجرتين، ثم تعدّد مجيئهم حتى في المدينة انتهى.
وروى محمد بن عمر الأسلمي، وأبو نعيم، عن أبي جعفر ﵁ وعن آبائه قال: قدم على رسول اللَّه ﷺ الجنّ في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من النبوة.
قال ابن إسحاق وابن سعد وغيرهما: إن رسول اللَّه ﷺ لما انصرف من الطائف راجعا إلى مكة حين يئس من خير ثقيف، حتى إذا كان بنخلة قام من جوف الليل يصلّي فمر به النفر من الجن الذين ذكرهم اللَّه تعالى.
قال ابن إسحاق: وهم فيما ذكر لي سبعة نفر من جن أهل نصيبين، فاستمعوا له فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا. فقصّ اللَّه تعالى خبرهم على النبي ﷺ فقال:
وَاذكر إِذْ صَرَفْنا أملنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ جن نصيبين أو جن نينوى، وكانوا سبعة أو تسعة، وكان ﷺ ببطن نخلة يصلي بأصحابه الفجر.
رواه الشيخان.
يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أي قال بعضهم لبعض: أَنْصِتُوا لاستماعه فَلَمَّا قُضِيَ فرغ من قراءته وَلَّوْا رجعوا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ مخوفين قومهم العذاب إن لم يؤمنوا وكانوا يهودا.
قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً هو القرآن أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ أي تقدّمه كالتوراة. يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ الإسلام وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ أي طريقة يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ محمدا ﷺ إلى الإيمان وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ اللَّه لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [الأحقاف ٢٩: ٣١] أي بعضها لأن منها المظالم ولا تغفر إلا برضا أربابها.
الآيات.
стр. 1018
وروى ابن شيبة وأحمد بن منيع والحاكم وصححه وأبو نعيم والبيهقي، عن ابن مسعود قال: هبطوا على النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا: أنصتوا. قالوا: صه وكانوا تسعة أحدهم زوبعة فانزل الله تعالى: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ الآيات.
وروى ابن جرير والطبراني عن ابن عباس قالوا كانوا تسعة نفر من أهل نصيبين، فجعلهم رسول اللَّه ﷺ رسلا إلى قومهم.
وروى الشيخان عن مسروق قال: قلت لابن مسعود: من إذن النبي ﷺ بالجن ليلة استمعوا القرآن؟ قال: آذنته بهم شجرة وفي لفظ: سمرة.
وروى محمد بن عمر الأسلمي وأبو نعيم عن كعب الأحبار قال: لما انصرف النفر التسعة من أهل نصيبين من بطن نخلة وهم فلان وفلان والأحقب جاءوا قومهم منذرين فخرجوا بعد وافدين إلى رسول اللَّه ﷺ وهم ثلاثمائة فانتهوا إلى الحجون فجاء الأحقب إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: إن قومنا قد حضروا الحجون يلقونك. فوعده رسول اللَّه ﷺ ساعة من الليل بالحجون.
وروى الإمام أحمد ومسلم والترمذي عن علقمة قال: قلت لابن مسعود: هل صحب النبي ﷺ ليلة الجنّ منكم أحد. قال: ما صحبه منا أحد ولكنا فقدناه ذات ليلة فقلنا استطير أو اغتيل فبتنا بشرّ ليلة باتها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء فقلنا يا رسول اللَّه إنا فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا بشرّ ليلة بات بها قوم. فقال: إنه أتاني داعي الجنّ فذهبت معهم فقرأت عليهم القرآن. فانطلق فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم
[ (١) ] .
وقال ابن مسعود أيضا: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: بتّ الليل أقرأ على الجن رفقا- وفي لفظ: واقفا- بالحجون.
رواه ابن جرير
[ (٢) ] .
قلت: تبيّن من الأحاديث السابقة أن الجن سمعوا قراءة النبي ﷺ بنخلة فأسلموا، فأرسلهم إلى قومهم منذرين، ثم أتوه وهم ثلاثمائة، فقرأ عليهم القرآن وهذه المرّة لم يحضرها ابن مسعود، بل حضر في مرة بعدها.
وروى ابن جرير الطبراني وأبو نعيم والبيهقي وغيرهم من طرق، عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ وهو بمكة: من أحبّ منكم أن يحضر الليلة أمر الجن فليفعل. فلم يحضر منهم أحد غيري، فانطلقنا فقال: إن بني إخوة وبني عمّ يأتون الليلة فأقرأ
стр. 1019
عليهم القرآن. فسرنا حتى إذا كنا بأعلى مكة خطّ لي برجله خطّا ثم أمرني أن أجلس فيه وقال لي لا تبرح منه حتى آتيك. ثم انطلق حتى إذا قام فافتتح القرآن فغشيه أسودة كثيرة. وفي رواية فذكر هيئة كأنهم الزطّ ليس عليهم ثياب، ولا أرى سوأتهم طوالا قليلا، فجئتهم فرأيت الرجال ينحدرون عليه من الجبال، فازدحموا عليه فقال سيد لهم يقال له وردان: أنا أرحلهم عنك.
فقال: إني لن يجيرني من اللَّه أحد. فحالوا بيني وبينه حتى ما أسمع صوته فانطلقوا فطفقوا يتقطّعوه مثل السحاب ذاهبين حتى بقي رهط، ففرع رسول اللَّه ﷺ سمع الفجر، فنزل ثم أتاني فقال: أرسلت إلى الجن. فقلت: فما هذه الأصوات التي سمعتها قال: هذه أصواتهم حين ودّعوني وسلّموا عليّ. ما فعل الرهط؟ فقلت: هم أولئك يا رسول اللَّه. فسألوه الزاد فأخذ عظما وروثا فأعطاهم إياهما. فقال: لكم كلّ عظم عراق ولكم كل روثة خضرة. قالوا: يا رسول اللَّه يقدرهما الناس علينا. قلت: يا رسول اللَّه وما يغني ذلك عنهم؟ فقال: إنهم لا يجدون عظما إلا وجدوا عليه لحمه يوم أكل، ولا روثة إلا وجدوا فيها حبّها يوم أكلت، فلا يتنقّينّ أحدكم إذا خرج من الخلاء بعظم ولا بعرة ولا روثة. فلما أصبحت رأيت مبرك ستين بعيرا
[ (١) ] .
قصة أخرى روى ابن أبي حاتم عن عكرمة في الآية قال: هم اثنا عشر ألفا جاءوا من جزيرة الموصل.
وذكر أبو حمزة الثماليّ [ (٢) ] قال: إن هذا الحي من الجن كان يقال لهم بنو الشّيصبان، وكانوا أكثر الجن عددا وأشرفهم وكانوا عامة جند إبليس.
تنبيهات
الأول: روى سفيان الثّوري عن عاصم عن زرّ عن ابن مسعود قال: كانوا تسعة أحدهم زوبعة أتوه في أصل نخلة. وتقدم عنه أنهم كانوا خمسة عشر. وفي رواية أنهم كانوا على ستين راحلة وتقدم أن اسم سيدهم وردان. وتقدم عن عكرمة أنهم كانوا اثني عشر ألفا. ففي هذا الاختلاف دليل على تكرار وفادتهم على النبي ﷺ بمكة والمدينة كما سيأتي بيان ذلك هناك.
стр. 1020
الثاني: في من وقفت على اسمه من الجن الذين اجتمعوا بالنبي ﷺ إن اسم النفر السبعة أو التسعة على الاختلاف. فقال مجاهد كانوا سبعة ثلاثة من أهل حرّان وأربعة من نصيبين وكانت أسماؤهم حسى ومنسى وشاصر وماصر والأرد وإينان والأحقب.
رواه ابن أبي حاتم.
وقال إسماعيل بن أبي زياد: هم تسعة: سليط وشاصر وخاضر وحسا ومسا والأرقم والأدرس وحاصر.
وروى البيهقي عن أبي معمر الأنصاري قال: بينا عمر بن عبد العزيز يمشي إلى مكة بفلاة من الأرض إذ رأى حية ميتة فقال عليّ بمحفار. فحفر له ولفّه في خرقة ودفنه، وإذا بهاتف يهتف لا يرونه: رحمة اللَّه عليك يا سرق فأشهد لسمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: تموت يا سرق في فلاة من الأرض فيدفنك خير أمّتي. فقال عمر: من أنت يرحمك اللَّه؟ قال: أنا رجل من الجن، وهذا سرق ولم يبق ممن بايع النبي ﷺ أحد من الجن غيري وغيره، وأشهد لسمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: تموت يا سرق بفلاة من الأرض ويدفنك خير أمتي
[ (١) ] .
وذكر ابن سلّام من طريق أبي إسحاق السّبيعيّ [ (٢) ]- بسين مهملة مفتوحة فموحدة فمثناة تحتية- عن أشياخه عن ابن مسعود أنه كان في نفر من أصحاب النبي ﷺ يمشون فرفع لهم إعصار ثم جاء إعصار أعظم منه ثم انقشع فإذا حية قتيلة، فعمد رجل منا إلى ردائه فشقّه وكفّن الحية ببعضه ودفنها، فلما جنّ الليل إذا امرأتان تسألان: أيكما دفن عمرو بن جابر فقلنا ما ندري ما عمرو بن جابر قالتا: إن كنتم ابتغيتم الأجر فقد وجدتموه، إن فسقة الجن اقتتلوا مع المؤمنين فقتل عمرو بن جابر وهو الحية التي رأيتم، وهو من النفر الذين استمعوا القرآن من محمد ﷺ .
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن عبّاد بن موسى، العكليّ، حدثنا المطلب بن زياد الثقفي، حدثنا أبو إسحاق أن ناسا من أصحاب النبي ﷺ كانوا في مسير لهم وإن حيتين اقتتلتا فقتلت إحداهما الأخرى فعجبوا من طيب ريحها وحسنها، فقام بعضهم فلفّها في خرقة ثم دفنها، فإذا قوم يقولون السلام عليكم- لا يرونهم- إنكم دفنتم عمرا إن مسلمتنا وكفارنا اقتتلوا فقتل الكافر المسلم الذي دفنتم، وهو من الرهط الذين أسلموا مع رسول اللَّه ﷺ .
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في زوائد المسند والطبراني والحاكم عن صفوان بن
стр. 1021
المعطّل نحوه، وفيه: أنه كان آخر السبعة الذين أتوا رسول اللَّه ﷺ .
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا الحسن بن جهور، حدثنا ابن أبي إياس، وعن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن عمه، عن معاذ بن عبد اللَّه بن معمر قال: كنت جالسا عند عثمان بن عفان ﵁ فجاء رجل فقال: ألا أخبرك يا أمير المؤمنين عجبا؟ بينا أنا بفلاة كذا وكذا إذ إعصاران قد أقبلا أحدهما من هاهنا والآخر من هاهنا فالتقيا فتعاركا ثم تفرّقا وإذا أحدهما أكبر من الآخر فجئت معتركهما: فإذا من الحيات شيء ما رأت عيناي مثله قط، وإذا ريح المسك من بعضها، وإذا حية صفراء ميتة فقمت فقلبت الحيات كما أنظر من أيها هو فإذا ذلك من حية صفراء دقيقة، فظننت أن ذلك لخير فيها فلففتها بعمامتي ودفنتها، فبينما أنا أمشي ناداني مناد ولا أراه: يا عبد الله ما هذا الذي صنعت فأخبرته بالذي رأيت ووجدت، فقال: إنك قد هديت، ذانك حيّان من الجن بنو شيبان وبنو أقيش، التقوا فاقتتلوا وكان بينهم ما قد رأيت واستشهد الذي رأيت، وكان أحد الذين استمعوا الوحي من النبي ﷺ .
وروى ابن أبي الدنيا وأبو نعيم من طريق بشر بن الوليد الكندي حدثنا كثير بن عبد الله أبو هاشم الناجي، قال دخلنا على أبي رجاء العطاردي فسألناه: هل عندك علم من الجن ممن بايع النبي ﷺ ؟ فتبسّم فقال: أخبركم بالذي رأيت وبالذي سمعت، كنا في سفر حتى إذا نزلنا على الماء فضربنا أخبيتنا وذهبت أقيل، فإذا أنا بحية دخلت الخباء وهي تضطرب فعمدت إلى إداوتي فنضحت عليها من الماء فسكنت، فلما صلينا العصر ماتت، فعمدت إلى عيبتي فأخرجت منها خرقة بيضاء فلففتها فيها وحفرت لها ودفنتها، وسرنا بقية يومنا وليلتنا، حتى إذ أصبحنا ونزلنا على الماء وضربنا أخبيتنا وذهبت أقيل فإذا أنا بأصوات: السلام عليكم. مرتين لا واحد ولا عشرة ولا مائة ولا ألف أكثر من ذلك، فقلت: من أنتم؟ قالوا: الجن بارك اللَّه عليك قد صنعت ما لا نستطيع أن نجازيك. قلت: ما صنعت إليكم؟ قالوا: إن الحية التي ماتت عندك كأن أخر من بقي ممن بايع النبي ﷺ من الجن.
ورواه البارودي- بالموحدة- في معرفة الصحابة من طريق آخر وفيه أنه آخر من بقي من النفر الذين كانوا يستمعون القرآن. قال الحافظ في الإصابة: هذه القصة مغايرة لما قبلها وقد أثبت لكل منها الآخريّة، فيمكن أن الأول مقيّد بالتسعة، والثاني بمن استمع بناء على أن الاستماع كان من طائفتين مثلا.
قال: وقد وقع في قصة سرق أنه آخر من بايع، فتكون آخريّته مقيدة بالمبايعة.
وروى أبو نعيم في الدلائل عن إبراهيم النخعي قال: خرج نفر من أصحاب عبد الله يريدون الحج حتى إذا كانوا ببعض الطريق إذا هم بحية تتثنّى على الطريق، أبيض ينفح منه ريح المسك، فقلت لأصحابي امضوا فلست ببارح حتى انظر إلى ما يصير أمر هذه الحية. فما
стр. 1022
لبثت أن ماتت، فعمدت إلى خرقة بيضاء فلففتها فيها، ثم نحّيتها عن الطريق فدفنتها، ثم أدركت أصحابي. فو اللَّه إنا لقعود إذ أقبل أربع نسوة من قبل المغرب فقالت واحدة منهن: أيكم دفن عمرا؟ قلنا: ومن عمرو؟ قالت: أيكم دفن الحية؟ قلت: أنا. قالت: أما واللَّه لقد دفنت صوّاما قوّاما يأمر بما أنزل اللَّه ولقد آمن بنبيكم وسمع صفته في السماء قبل أن يبعث بأربعمائة سنة. فحمدنا اللَّه تعالى ثم قضينا حجنا، ثم مررت بعمر بن الخطاب بالمدينة فأنبأته بأمر الحية فقال: صدقت، سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: لقد آمن بي قبل أن أبعث بأربعمائة سنة
[ (١) ] .
وقال ابن أبي الدّنيا: حدثنا محمد بن عباد حدثني محمد بن زياد، حدثني أبو مصلح الأسدي، حدثني يحيى بن صالح، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي الجهم، عن حذيفة العدوي قال: خرج حاطب بن أبي بلتعة من حائط له يريد النبي ﷺ حتى إذا كان بالمسحاء التفت إليه عجاجتان ثم أجلتا عن حيّة كيف الحوار، يعني الجلد، فنزل ففحص له بسية قوسه ثم واراه، فلما كان الليل إذا هاتف يهتف به:
يا أيها الراكب المزجي مطيته ... اربع عليك سلام الواحد الصّمد
رأيت عمرا وقد ألقى كلاكله ... دون العشيرة كالضّرغامة الأسد.
فأتى النبي ﷺ فأخبره فقال: ذاك عمرو بن الجوماية وافد نصيبين لقيه محصن بن جوشن النصراني فقتله، أما إني قد رأيتها- يعني نصيبين- فرفها إليّ جبريل، فسألت اللَّه تعالى أن يعذب نهرها ويطيب ثمرها ويكثر مطرها.
والآثار في هذا المعنى كثيرة ذكر طرفا منها الشيخ رحمه اللَّه تعالى في كتابه «لقط المرجان في أخبار الجان» .
الثالث: أنكر ابن عباس ﵄ اجتماع النبي ﷺ بالجن. ففي الصحيحين عنه قال: ما قرأ رسول اللَّه ﷺ على الجن ولا رآهم، انطلق رسول اللَّه ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: مالكم؟ قالوا: قد حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشّهب. قالوا: ما ذاك إلا من شيء قد حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها. فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة بالنبي ﷺ وهو بنخلة عامد إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن استمعوا له وقالوا هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء فرجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ
стр. 1023
فانزل اللَّه تعالى على نبيه: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ [الجن: ١] وإنما أوحي إليه قول الجن.
قال الحافظ أبو بكر البيهقي رحمه اللَّه تعالى: وهذا الذي حكاه ابن عباس إنما هو في أول ما سمعت الجنّ قراءة النبي ﷺ وعلمت بحاله ولم يرهم، ثم أتاه داعي الجن مرة أخرى فذهب معهم وقرأ عليهم القرآن كما رواه مسلم عن ابن مسعود.
ويؤيد قول البيهقي أثر كعب السابق أول الباب.
قال البيهقي: وابن مسعود قد حفظ القصتين فرواهما.
وقال غيره: أثر ابن مسعود أثبت إن النبي ﷺ قرأ على الجن ورآهم، فكان ذلك مقدّما على نفي ابن عباس.
وقد جاء عن ابن عباس ما يوافق ابن مسعود. فروى ابن جرير بسند جيد قوي عن ابن عباس في قوله تعالى: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ [الأحقاف: ٢٩] الآية. قال: كانوا تسعة نفر من أهل نصيبين فجعلهم رسول اللَّه ﷺ رسلا إلى قومهم.
فهذا يدل على إن ابن عباس روى القصتين كابن مسعود.
الرابع: قال الحافظ: لا يعكر على قولنا حديث ابن عباس كان في أول البعثة، كما تقرر قوله إنهم رأوه يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فيحتمل أن يكون ذلك بعد فرض الصلوات ليلة الإسراء لأنه ﷺ كان قبل الإسراء يصلي قطعا وكذلك أصحابه ولكن اختلف هل افترض قبل الخمس شيء من الصلاة أم لا فيصح هذا على قول من قال إن الفرض كان أولا صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها والحجة فيه قوله تعالى: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ [ق: ٣٩] ونحوها من الآيات. فيكون إطلاق صلاة الفجر في هذا الحديث باعتبار الزمان لا لكونها إحدى الخمس المفترضة ليلة الإسراء فتكون قصة الجن متقدمة من أول البعثة.
وقد أخرج الترمذي والطبري هذا الحديث بسياق سالم عن الإشكال الذي ذكرته من طريق أبي إسحاق السّبيعي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كانت الجن تصعد إلى السماء يستمعون الوحي. وتقدم هو وأحاديث أخر تدل على أن هذه القصة وقعت أول البعثة وهو الذي تظافرت به الأخبار وهو المعتمد.
الخامس: في بيان غريب ما سبق.
الإعصار: قال في الصحاح ريح تثير الغبار ويرتفع إلى السماء كأنّه عمود.
العكلي: بضم العين المهملة وسكون الكاف. الإداوة بالكسر: المطهرة.
أقيل: أنام وقت القيلولة وهي نصف النهار.
стр. 1024
العيبة [ (١) ] بفتح العين المهملة زنبيل من جلد وما يجعل فيه الثياب.
تتثنّى: تتقلب.
المطية: المطا، وزن العصا: الظهر ومنه قيل للبعير مطيّة فعيلة بمعنى مفعولة لأنه يركب مطاه ذكرا كان أو أنثى ويجمع على مطي ومطايا.
المزجي مطيته: سائقها.
اربع: فعل أمر، أي ارفق.
نصيبين: بلد معروف بأرض الجزيرة.
стр. 1025
الباب الثالث والثلاثون في عرض النبي ﷺ نفسه الكريمة على القبائل ليؤووه وينصروه ودعائه الناس إلى التوحيد
قال جابر بن عبد الله ﵄: كان رسول اللَّه ﷺ يعرض نفسه بالموقف، فيقول: ألا رجل يحملني إلى قومه فإن قريشا منعوني أن أبلغ كلام ربي.
رواه أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح
[ (١) ] .
قال محمد بن عمر الأسلمي: مكث رسول اللَّه ﷺ ثلاث سنين من أول نبوته مستخفيا ثم أعلن في الرابعة فدعا الناس إلى الإسلام عشر سنين، يوافي الموسم كلّ عام يتبع الحاج في منازلهم بعكاظ ومجنة وذي المجاز يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه ولهم الجنة، فلا يجد أحدا ينصره ولا يجيبه حتى أنه سأل عن القبائل ومنازلها قبيلة قبيلة
ويقول: يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا اللَّه تفلحوا وتملكوا العرب وتذل لكم العجم وإذا آمنتم كنتم ملوكا في الجنة. وأبو لهب وراءه يقول: لا تطيعوه فإنه صابئ كاذب، فيردون عليه أقبح الرد ويؤذونه ويقولون: قومك بك أعلم
[ (٢) ] .
وقال ابن إسحاق: ثم قدم رسول اللَّه ﷺ مكة أي من الطائف وقومه أشد ما كانوا عليه من خلافه وفراق دينه إلا قليلا مستضعفين ممن آمن به، وكان رسول اللَّه ﷺ يعرض نفسه في المواسم إذا كانت، على قبائل العرب يدعوهم إلى اللَّه ويخبرهم أنه نبي مرسل ويسألهم أن يصدّقوه ويمنعوه حتى يبيّن عن اللَّه ما بعثه به.
وروى ابن إسحاق والبيهقي والإمام أحمد وابنه عبد الله والطبراني برجال ثقات، عن ربيعة بن عباد- بكسر العين المهملة وتخفيف الباء الموحدة- قال: إني لغلام شاب مع أبي بمنى ورسول اللَّه ﷺ يقف على القبائل من العرب فيقول: يا بني فلان إني رسول اللَّه إليكم يأمركم أن تعبدوا اللَّه ولا تشركوا به شيئا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بي وتصدّقوني وتمنعوني حتى أبيّن عن اللَّه ما بعثني به. والناس متقصّفون عليه ما رأيت أحدا يقول شيئا وهو لا يسكت. قال: وخلفه رجل أحول وضيء له غديرتان عليه حلّة عدنية فإذا فرغ رسول اللَّه ﷺ من قوله وما دعا إليه قال ذلك الرجل: يا بني فلان إن هذا الرجل إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزّى من أعناقكم وحلفاءهم من الجن وبني مالك بن أقيش إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه. فقلت لأبي: يا
стр. 1026
أبت من هذا الرجل الذي يردّ عليه ما يقول يتبعه حيث ذهب ورسول اللَّه ﷺ يفرّ منه؟ قال:
هذا عمه عبد العزى بن عبد المطلب أبو لهب
[ (١) ] .
وروى الطبراني عن طارق بن عبد الله قال: إني بسوق ذي المجاز إذ مرّ رجل بي [ (٢) ] عليه حلّة من برد أحمر وهو يقول: يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا. ورجل خلفه قد أدمى عرقوبيه وساقيه يقول: يا أيها الناس إنه كذاب فلا تطيعوه. فقلت: من هذا؟ قالوا: غلام بني هاشم الذي يزعم أنه رسول اللَّه وهذا عمه عبد العزى.
وروى الطبراني برجال ثقات من مدرك بن [منيب] ﵁ قال: حججت مع أبي فلما نزلنا منى إذا نحن بجماعة فقلت لأبي: ما هذه الجماعة؟ قال: هذا الصابئ. وإذا رسول اللَّه ﷺ يقول: يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا اللَّه تفلحوا.
وروى البخاري في تاريخه والطبراني في الكبير واللفظ له عن مدرك بن منيب- بضم أوله وكسر النون وآخره موحدة- العامريّ عن أبيه عن جده ﵁ قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ في الجاهلية وهو يقول: يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا اللَّه تفلحوا. فمنهم من تفل في وجهه ومنهم من حثا عليه التراب، ومنهم من سبّه، حتى انتصف النهار فأقبلت جارية بعسّ من ماء فغسل وجهه ويديه وقال: يا بنية لا تخشي على أبيك غلبة ولا ذلة. فقلت: من هذه؟ قالوا: زينب بنت رسول اللَّه ﷺ . وهي جارية وضيئة.
وروى الطبراني برجال ثقات نحوه عن الحارث بن الحارث.
وروى الإمام أحمد والبيهقي عن الأشعث بن سليم عن رجل من كنانة قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ بسوق ذي المجاز وهو يقول: يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا اللَّه تفلحوا. وإذا رجل خلفه يسفي عليه التراب، وإذا هو أبو جهل، وإذا هو يقول: يا أيها الناس لا يغرّنكم هذا عن دينكم فإنما يريد أن تتركوا عبادة اللات والعزى يتبعه حيث ذهب ورسول اللَّه ﷺ يفرّ منه، وما يلتفت رسول اللَّه ﷺ إليه.
قال الحافظ: عماد الدين بن كثير: المحفوظ: أبو لهب. وقد يكون أبو جهل وهما، ويحتمل أن يكون ذا تارة وذا تارة، وأنهما يتناوبان على أذيّة رسول اللَّه ﷺ .
قلت: وهذا هو الظاهر.
وذكر ابن إسحاق عرضه ﷺ نفسه الكريمة على كندة وكلب وبني عامر بن صعصعة وبني حنيفة. قال: ولم يكن أحد من العرب أقبح ردّا عليه منهم.
стр. 1027
زاد الواقدي: وعلى بني عبس وغسّان وبني محارب وبني فزارة وبني مرّة وبني سليم وبني نصر بن هوازن وبني ثعلبة بن عكابة- بضم العين المهملة وفتح الباء الموحدة- وبني الحارث بن كعب وبني عذرة وقيس بن الخطيم. وساق أخبارهم.
وروى محمد بن عمر الأسلمي عن عامر بن سلمة الحنفي وكان قد أسلم في آخر عمر النبي ﷺ أنه قال: نسأل اللَّه لا يحرمنا الجنة، لقد رأيت رسول اللَّه ﷺ جاءنا ثلاثة أعوام بعكاظ ومجنّة وبذي المجاز، يدعونا إلى اللَّه- وأن نمنع له ظهره حتى يبلّغ رسالات ربه، ويشرط لنا الجنّة، فما استجبنا له ولا رددنا عليه ردّا جميلا فخشنّا عليه وحلم عنا. قال عامر: فرجعت إلى هجر في أول عام فقال لي هودة بن علي: هل كان في موسمكم هذا خبر؟ قلت: رجل من قريش يطوف على القبائل يدعوهم إلى اللَّه تعالى وحده وأن يمنعوا ظهره حتى يبلّغ رسالة ربه ولهم الجنة. فقال هودة: من أي قريش هو؟ قلت: هو من أوسطهم نسبا من بني عبد المطلب. قال هودة: أهو محمد بن عبد المطلب؟ قلت: هو هو. قال: أما إن أمره سيظهر على ما ها هنا. فقلت: هنا قط من بين البلدان؟ قال: وغير ما ها هنا. ثم وافيت السنة الثانية هجر فقال: ما فعل الرجل؟ فقلت: واللَّه رأيته على حاله في العام الماضي. قال: ثم وافيت في السنة الثالثة وهي آخر ما رأيته وإذا بأمره قد أمر وإذا ذكره كثر في الناس. الحديث.
وروى الحاكم والبيهقي وأبو نعيم وقاسم بن ثابت عن علي ﵁ قال: لما أمر اللَّه نبيه ﷺ إن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج وأنا معه. فذكر الحديث إلى أن قال: ثم دفعنا إلى مجلس آخر عليهم السكينة والوقار، فتقدم أبو بكر فسلّم فقال: من القوم؟
قالوا: من شيبان بن ثعلبة. فالتفت أبو بكر إلى رسول اللَّه ﷺ وقال: بأبي وأمي هؤلاء عزر الناس وفيهم مفروق بن عمرو وهانئ وابن قبيصة والمثنّى بن حارثة والنعمان بن شريك، وكان مفروق قد غلبهم لسانا وجمالا وكانت له غديرتان تسقطان على تربيته، وكان أدنى القوم مجلسا من أبي بكر فقال أبو بكر: كيف العدد فيكم؟ فقال مفروق: إنا لا نزيد على الألف ولن تغلب ألف من قلة. فقال أبو بكر: وكيف المنعة فيكم؟ فقال مفروق: إنا لأشد ما نكون غضبا حين نلقى، وأشد ما نكون لقاء حي نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد، والسلاح على اللقاح، والنصر من عند اللَّه يديلنا مرة ويديل علينا أخرى، لعلك أخا قريش؟ فقال أبو بكر: إن كان بلغكم أنه رسول اللَّه ﷺ فها هو ذا. فقال مفروق إلام تدعونا يا أخا قريش؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأني عبد اللَّه ورسوله، وإلى أن تؤووني وتنصروني فإن قريشا قد تظاهرت على اللَّه وكذّبت رسوله واستغنت بالباطل عن الحق وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ.
стр. 1028
فقال مفروق وإلام تدعو أيضا يا أخا قريش؟ فو اللَّه ما سمعت كلاما أحسن من هذا.
فتلا رسول اللَّه ﷺ : قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ: أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الأَنعام ١٥١] .
فقال مفروق: دعوت- واللَّه- إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذّبوك وظاهروا عليك.
ثم رد الأمر إلى هانئ بن قبيصة فقال: وهذا هانئ شيخنا وصاحب ديننا.
فقال هانئ: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش وإني أرى تركنا ديننا وإتباعنا دينك لمجلس جلست إلينا لا أول له ولا آخر لذلّ في الرأي وقلة نظر في العاقبة، إن الزلّة مع العجلة وإنا نكره أن نعقد على من وراءنا عقدا ولكن نرجع وترجع وننظر وتنظر.
ثم كأنه أحب أن يشركه المثنّى بن حارثة فقال: وهذا المثنى شيخنا وصاحب حربنا.
فقال المثنّى- وأسلم بعد ذلك- قد سمعت مقالتك يا أخا قريش والجواب فيه جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا ومتابعتنا دينك وإنا نزلنا بين صريين: أحدهما اليمامة والآخر السمامة.
فقال له رسول اللَّه ﷺ : ما هذان الصريان؟ قال: أنهار كسرى ومياه العرب، فأما ما كان من أنهار كسرى فذنب صاحبه غير مغفور وعذره غير مقبول، وأما ما كان مما يلي مياه العرب فذنب صاحبه مغفور وعذره مقبول، وإنا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى أن لا نحدث حدثا ولا نؤوي محدثا وإني أرى هذا الأمر الذي تدعونا إليه يا أخا قريش مما تكرهه الملوك، فأن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا.
فقال رسول اللَّه ﷺ : ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق. وإن دين اللَّه لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه، أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلا حتى يورثكم اللَّه تعالى أرضهم وديارهم وأموالهم ويفرشكم نساءهم أتستحبّون اللَّه تعالى وتقدّسونه؟
فقال النعمان: اللهم فلك ذاك.
فتلا عليهم رسول اللَّه ﷺ : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً [الأحزاب ٤٥] .
стр. 1029
ثم نهض رسول اللَّه ﷺ
[ (١) ] .
وروى سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في مغازيه عن أبيه، وأبو نعيم عن عبد الرحمن العامري عن أشياخ من قومه قالوا: أتانا رسول اللَّه ﷺ ونحن بعكاظ فقال: من القوم؟ قلنا: من بني عامر بن صعصعة بنو كعب بن ربيعة؟ فقال: إني رسول اللَّه إليكم وأتيتكم لتمنعوني حتى أبلّغ رسالة ربي ولا أكره أحدا منكم على شيء.
قالوا: لا نؤمن بك وسنمنعك حتى تبلّغ رسالات ربك.
فأتاهم بيحرة بن فراس القشيري فقال: من هذا الرجل الذي أراه عندكم أنكره؟ قالوا:
هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. قال: فما لكم وله؟ قالوا: زعم أنه رسول اللَّه فطلب إلينا أن نمنعه حتى يبلّغ رسالة ربه. قال: ما رددتم عليه؟ قالوا: بالرّحب والسعة نخرجك إلى بلادنا ونمنعك مما نمنع منه أنفسنا. فقال بيحرة: ما أعلم أحدا من أهل هذه السوق يرجع بشيء أشر من شيء ترجعون به! أتعمدون إلى رهيق قوم طردوه وكذّبوه فتؤووه وتنصروه تنابذوا العرب عن قوس واحدة، قومه أعلم به فبئس الرأي رأيكم. ثم أقبل علي رسول اللَّه ﷺ فقال:
قم فالحق بقومك فو اللَّه لولا أنك عند قومي لضربت عنقك.
فقام رسول اللَّه ﷺ إلى ناقته ليركبها فغمز الخبيث بيحرة شاكلتها فقمصت برسول اللَّه ﷺ فألقته. وعند بني عامر يومئذ ضباعة بنت عامر بن حوط كانت من النسوة اللاتي أسلمن بمكة جاءت زائرة إلى بني عمها فقالت: يا لعامر ولا عامر لي، أيصنع هذا برسول اللَّه ﷺ بين أظهركم ولا يمنعه أحد منكم؟
فقام ثلاثة نفر من بني عمها إلى بيحرة واثنين أعاناه فأخذ كل رجل منهم رجلا فجلد به الأرض، ثم جلس على صدره ثم علوا وجوههم لطما.
فقال رسول اللَّه ﷺ : اللهم بارك على هؤلاء والعن هؤلاء. فأسلم الثلاثة الذين نصروه وقتلوا شهداء، وهم غطيف وغطفان ابنا سهل وعروة أو عزرة بن عبد الله، وهلك الآخرون
[ (٢) ] .
فلما صدر الناس رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم أدركته السّنّ حتى لا يقدر أن يوافي معهم موسمهم، فكانوا إذا رجعوا إليه حدّثوه بما يكون في ذلك في الموسم، فلما قدموا عليه ذلك العام سألهم عما كان في موسمهم فقالوا: جاءنا فتى من قريش ثم أحد بني عبد المطلب يزعم أنه نبي يدعونا إلى أن نمنعه ونقوم معه ونخرج به إلى بلادنا فوضع الشيخ يده على رأسه،
стр. 1030
ثم قال: يا بني عامر هل لها من تلاف هل لذنا بها من مطلب! والذي نفسي بيده ما تقوّلها إسماعيليّ قط كاذبا وإنه لحقّ، فأين رأيكم كان عنكم.
وروى أبو نعيم عن خالد بن سعيد عن أبيه عن جده أن بكر بن وائل قدم مكة في الحج فقال رسول اللَّه ﷺ لأبي بكر: ايتهم واعرض عليهم. فأتاهم فعرض عليهم. فقالوا: حتى يجيء شيخنا حارثة. فلما جاء قال: إن بيننا وبين الفرس حربا فإذا فرغنا مما بيننا وبينهم عدنا فنظرنا فيما تقول فلما التقوا بذي قارهم والفرس قال لهم شيخهم: ما اسم الرجل الذي دعاكم إلى ما دعاكم إليه؟ قالوا: محمد. قال: فهو شعاركم. فنصروا على الفرس. فقال رسول اللَّه ﷺ : بي نصروا.
وروى محمد بن عمر الأسلمي عن جهم بن أبي جهم إن رسول اللَّه ﷺ وقف على بني عامر يدعوهم إلى اللَّه تعالى، فقام رجل منهم فقال له: عجبا لك واللَّه قد أعياك قومك ثم أعياك أحياء العرب كلها حتى تأتينا وتتردّد علينا مرةً بعد مرة؟ واللَّه لأجعلنّك حديثا لأهل الموسم. ونهض إلى رسول اللَّه ﷺ وكان جالسا فكسر اللَّه ساق الخبيث، فجعل يصيح من رجله وانصرف رسول اللَّه ﷺ .
وروى أبو نعيم عن عبد الله بن وابصة العبسي عن أبيه عن جده قال: جاءنا رسول اللَّه ﷺ بمنى فدعانا فاستجبنا له، وكان معنا ميسرة بن مسروق العبسي فقال لنا:
أحلف باللَّه لو صدّقنا هذا الرجل وحملناه حتى نحلّ به وسط رحالنا لكان الرأي، فأحلف باللَّه ليظهرّن أمره حتى يبلغ كلّ مبلغ فأبى القوم وانصرفوا. فقال لهم ميسرة: ميلوا بنا إلى فدك فإن بها يهود نسألهم عن هذا الرجل. فمالوا إلى يهود فأخرجوا سفرهم فوضعوه ثم درسوا ذكر رسول اللَّه ﷺ النبي الأمي العربي يركب الحمار ويجتزئ بالكسرة، وليس بالطويل ولا بالقصير ولا بالجعد ولا بالسّبط في عينيه حمرة مشرب اللون. قالوا: فإن كان هو الذي دعاكم فأجيبوه وادخلوا في دينه فإنا نحسده ولا نتبعه ولنا منه في مواطن بلاء عظيم، ولا يبقى أحد من العرب إلا اتبعه أو قتله. فقال ميسرة: يا قوم أن هذا الأمر بيّن فأسلم ميسرة.
وروى أبو نعيم عن ابن رومان وعبد الله بن أبي بكر وغيرهما قالوا: جاء النبي ﷺ كندة في منازلهم فعرض نفسه عليهم فأبوا. فقال أصغر القوم: يا قوم اسبقوا إلى هذا الرجل قبل أن تسبقوا إليه، فو اللَّه إن أهل الكتاب ليحدثونا إن نبياً يخرج من الحرم قد أظل زمانه فأبوا.
وروى البيهقي عن عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه قالوا: قدم سويد بن الصامت أخو بني عمرو بن عوف مكة حاجا أو معتمرا، وكان سويد إنما يسميه قومه الكامل لجلده وشعره وشرفه ونسبه، وهو الذي يقول:
ألا ربّ من تدعو صديقا ولو ترى ... مقالته بالغيب ساءك ما يفري
стр. 1031
مقالته كالشّهد ما كان شاهدا ... وبالغيب مأثور على ثغره النّحر
يسرّك باديه وتحت أديمه ... تميمة غشّ تبتري عقب الظّهر
تبين لك العينان ما هو كاتم ... من الغلّ والبغضاء بالنّظر الشّزر
فرشني بخير طال ما قد بريتني ... وخير الموالي من يريش ولا يبري
[ (١) ] فتصدّى له رسول اللَّه ﷺ حين سمع به، فدعاه إلى اللَّه تعالى وإلى الإسلام. فقال له سويد: لعل الذي معك مثل الذي معي. فقال له رسول اللَّه ﷺ : وما الذي معك؟ قال مجلّة لقمان. يعني حكمته.
فقال له رسول اللَّه ﷺ : اعرضها علي. فعرضها عليه. فقال: هذا كلام حسن والذي معي أفضل من هذا: قرآن أنزله اللَّه تعالى هو هدى ونور. فتلا رسول اللَّه ﷺ عليه القرآن ودعاه إلى الإيمان فلم يبعد منه وقال: أن هذا القول حسن.
ثم انصرف عنه فقدم المدينة على قومه فلم يلبث أن قتلته الخزرج، فإن كان رجال قومه ليقولون: إنا لنراه قد قتل وهو مسلم.
وكان قتله قبل بعاث.
تنبيه [في بيان غريب ما سبق]
عكاظ- بضم العين المهملة: سوق بقرب مكة وراء قرن المنازل، يصرف ويمنع.
ذي المجاز- بالجيم والزاي: سوق كانت تقام في الجاهلية على فرسخ من عرفة.
مجنّة- بفتح الميم والجيم والنون المشددة: سوق أخرى.
مفروق- بفتح الميم ففاء ساكنة فراء مضمومة فواو ساكنة.
هانئ- بالهمزة في آخره.
قبيصة- بفتح القاف وكسر الباء الموحدة ومثناة تحتية آخره صاد مهملة.
مثنى بن حارثة- بالحاء المهملة والثاء المثلثة: أسلم المثنى بعد ذلك، وكان سببا في فتح العراق وأبلى فيه بلاء حسنا. ﵁.
هودة- بفتح الهاء وسكون الواو وفتح الدال المهملة.
قطّ: أي حسب.
التّربية- بفتح المثناة الفوقية وكسر الراء: واحدة الترائب وهي عظام الصدر.
стр. 1032
رهيق قوم [ (١) ] : أي سفيههم.
ذو قار- بالقاف والراء: موضع به ماء معروف.
من تلاف.
لذناباها من مطلب: الذنابى: وزان الخزامى في الأصل لغة في الذّنب ويقال هو في الطائر أفصح من الذّنب، ثم استعارها هنا للقصة.
تقوّلها: أدعاها.
الشّعار- بكسر الشين المعجمة: العلامة في الحرب وهو ما ينادون به ليعرف بعضهم بعضا.
أدنى: أقرب.
المنعة- بفتح الميم والنون: قال في التقريب: أي في قوم يمنعونه ويحمونه جمع مانع، ككاتب وكتبة ويسكّن على معنى منعة واحدة والسكون عاميّ. وقال الزمخشري: يسكن في الشعر لا في غيره.
الجهد- بفتح الجيم وضمها: الطاقة.
الجد- بفتح الجيم: الحظ والسعادة. والمعنى أن علينا أن نجهد وليس علينا أن يكون لنا الظفر والنصر إنما هو من عند اللَّه.
لحين: الأكثر جرّ حين هنا، وهو ظرف زمان.
نلقى- بفتح النون وإسكان اللام وفتح القاف: مبني للفاعل ويجوز بناؤه للمفعول فيكون مضموم النون.
الجياد: جمع جواد، يقال جاد الفرس جوادا بالفتح وجودة بالضم صار جواد بالجري.
اللّقاح [ (٢) ]- بكسر اللام المشددة وبالقاف والحاء المهملة: جمع لقحة وهي هنا ذوات الدّرّ من الإبل بعد الولادة بشهر أو شهرين ثم هي ذات لبون.
يديلنا- بضم المثناة التحتية وكسر الدال المهملة: أي ينصرنا.
أخو قريش: أي الذي هو منهم.
أوقد بلغكم- بفتح الواو على الاستفهام.
стр. 1033
ظاهرت: عاونت.
أفك- بفتح الهمزة والفاء: صرف عن الحق ومنع منه.
أن يشركه- بفتح أوله وثالثه ويقال رباعي أيضا: أي يجعله شريكه.
الصّريّين: بصاد مهملة فراء مفتوحتين فمثناتين تحتيتين الأولى مفتوحة مشددة والثانية ساكنة تثنية صرى- وفي بعض نسخ العيون صيرين تثنية صير- بكسر الصاد. قال في المصباح والتقريب: صرى الماء صرىّ من باب تعب: طال مكثه وتغيّره ويقال طال استنقاعه فهو صرى وصف بالمصدر. وقال في النهاية: الصير الماء الذي يحضره الناس وقد صار القوم يصيّروه إذا حضروا الماء.
اليمامة- بفتح المثناة التحتية: مدينة من اليمن على مرحلتين من الطائف وأربع من مكة.
السّمامة- بكسر السين المهملة وميمين مفتوحتين: ولم أر لها ذكرا في معجم البكري ولا في معجم البلدان لياقوت، ولا في كتاب الزمخشري في الأماكن ولا في كتاب نصر، ولا في القاموس الذي وقفت عليه.
يفري [ (١) ] : يقطع في عرضك.
المأثور: السيف الموشّى.
الثّغرة: الحفرة التي في الصدر.
تبتري [ (٢) ]- بتاء مثناة فوقية فموحدة ساكنة فمثناة فوقية مفتوحة.
العقب: عصب الظهر.
الشزر: هو نظرة العدو.
فرشني: قوّني.
بريتني: أضعفتني.
المجلة: بفتح الميم والجيم واللام: الصحيفة هذا هو أصلها.
بعاث- بالعين المهملة ويقال بإعجامها: اسم موضع.
حاطه: كلأه ورعاه.
يفرشكم- بضم المثناة التحتية وكسر الراء.
стр. 1034
الباب الرابع والثلاثون في خبر بعض المستهزئين برسول الله ﷺ وكيف كان هلاكهم
قال اللَّه : وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ كما استهزئ بك. وهذه تسلية للنبي ﷺ فَأَمْلَيْتُ أمهلت لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ بالعقوبة فَكَيْفَ كانَ عِقابِ [الرعد ٣٢] أي فكيف رأيت ما صنعت بهم فكذلك أصنع بمن استهزأ بك.
وقال ﵎: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ بأن أهلكناهم بآفة الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ [الحجر ٩٥] صفة وقيل مبتدأ ولتضمّنه معنى الشرط دخلت الفاء في خبره وهو فسوف يعلمون عاقبة أمرهم وَلَقَدْ للتحقيق نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ من الاستهزاء والكذب فَسَبِّحْ متلبسا بِحَمْدِ رَبِّكَ أي قبل سبحان اللَّه وبحمده وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ المصلّين وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر ٩٧: ٩٩] الموت.
قال الجمهور ومنهم ابن عباس في أكثر الروايات عنه: كانوا خمسة. وقال في رواية:
كانوا ثمانية وصححه في الغرر وجزم به أبو عمرو العراقي في الدرر.
الأول: الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن زهرة ،
وهو ابن خال رسول اللَّه ﷺ .
قال البلاذري: كان إذا رأى المسلمين قال لأصحابه: قد جاءكم ملوك الأرض الذين يرثون ملك كسرى وقيصر. ويقول للنبي ﷺ : أما كلّمت اليوم من السماء يا محمد. وما أشبه هذا القول. فخرج من عند أهله فأصابته السّموم فاسودّ وجهه حتى صار حبشيّا، فأتى أهله فلم يعرفوه وأغلقوا دونه الباب، فرجع متلدّدا حتى مات عطشا.
ويقال أن جبريل ﷺ أومأ إلى رأسه فضربته الأكلة فامتخض رأسه قيحا ويقال أومأ إلى بطنه فسقى بطنه ومات حبنا. ويقال إنه عطش فشرب الماء حتى انشق بطنه.
قلت: والقول الأول رواه أبو نعيم بسند ضعيف عن ابن عباس، ورواه أيضاً عن الربيع بن أنس. وزاد: وكان رجلا أبيض حسن الجسم. والقول الثاني رواه الطبراني والبيهقي والضياء بسند صحيح. والقول الثالث رواه أبو نعيم من طريقين ضعيفين. والقول الرابع رواه [ (١) ] ...
وروى ابن أبي حاتم والبلاذري بسند صحيح عن عكرمة أن جبريل حنى ظهر الأسود حتى احقوقف صدره، فقال رسول اللَّه ﷺ خالي خالي. فقال: دعه عنك يا محمد فقد كفيته.
ولا تخالف بين هذه الروايات لاحتمال أن جميعها حصل له.
امتخض: بالخاء والضاد المعجمتين: أي تحرك.
стр. 1035
احقوقف: انحنى.
الحبن- بحاء مهملة مفتوحتين: عظم البطن.
الثاني: الحارث بن قيس السهمي
وهو ابن العنطلة ينسب إلى أمه، وكان يأخذ حجرا يعبده فإذا رأى أحسن منه تركه وأخذه الأحسن.
وفيه نزلت: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أي مهويّه قدّم المفعول الثاني لأنه أهم وجملة مَنِ مفعول أول لأرأيت أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا [الفرقان ٤٣] حافظا تحفظه من اتباع هواه لا.
وكان يقول: لقد غرّ محمد نفسه وأصحابه أن وعدهم أن يحيوا بعد الموت، واللَّه ما يهلكنا إلا الدهر ومرور الأيام والأحداث. فأكل حوتا مملوحا فلم يزل يشرب عليه الماء حتى انقدّ بطنه. ويقال إنه أصابته الذبحة. وقال بعضهم: امتخض رأسه قيحا.
قلت: القول الأول رواه عبد الرازق وابن جرير وغيرهما عن قتادة ومقسم مولى ابن عباس.
الثالث: الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى .
قال البلاذري ﵀: كان هو وأصحابه يتغامزون بالنبي ﷺ وأصحابه ويقولون:
قد جاءكم ملوك الأرض ومن يغلب على كنوز كسرى وقيصر ثم يمكّون ويصفّرون. وكلّم رسول اللَّه ﷺ بكلام شقّ عليه فدعا عليه رسول اللَّه ﷺ أن يعمي اللَّه بصره ويثكله ولده فخرج يستقبل ابنه وقد قدم من الشام، فلما كان ببعض الطريق جلس في ظل شجرة فجعل جبريل ﷺ يضرب وجهه وعينيه بورقة من ورقها خضراء وبشوك من شوكها حتى عمي فجعل يستغيث بغلامه. فقال له غلامه: ما أرى أحدا يصنع بك شيئا غير نفسك. ويقال أن جبريل ﷺ أومأ إلى عينيه فعمي فشغل عن رسول اللَّه ﷺ . ولما كان يوم بدر قتل ابنه زمعة بن الأسود، قتله أبو دجانة ويقال قتله ثابت بن الجذع، قتل ابنه عقيل أيضا، قتله حمزة بن عبد المطلب وعلي ﵄ اشتركا فيه. وقيل قتله عليّ وحده ﵁.
الرابع: مالك بن الطّلاطلة
- بطائين مهملتين الأولى مضمومة والثانية مكسورة- ابن عمرو بن غبشان- بضم الغين المعجمة وسكون الباء الموحدة بعدها شين معجمة- ذكره فيهم ابن الكلبي والبلاذري، وكان سفيها فدعا عليه رسول اللَّه ﷺ واستعاذ باللَّه من شره فعصر جبريل بطنه حتى خرج خلاؤه من بطنه فمات.
стр. 1036
وقال البلاذري وقال غير ابن الكلبي، أشار جبريل إليه فامتخض رأسه قيحا وقال آخر:
هو عمر بن الطلاطل. وذلك باطل.
الخامس: العاصي بن وائل السهمي .
قال البلاذري: ركب حمارا له ويقال بغلة بيضاء فلما نزل شعبا من تلك الشعاب وهو يريد الطائف ربض به الحمار أو البغلة على شبرقة فأصابت رجله شوكة منها فانتفخت حتى صارت كعنق البعير ومات. ويقال إنه لما ربض به حماره أو البغلة لدغ فمات مكانه قلت: القول الأول رواه البلاذري والقول الثاني رواه أبو نعيم بسند ضعيف عن ابن عباس.
الشّبرقة- بكسر الشين المعجمة والراء: رطب الضّريع.
وروى الشيخان وابن إسحاق عن خبّاب بن الأرتّ قال: كنت قينا. أي حدّادا- في الجاهلية فعملت للعاصي بن وائل سيوفا- وفي رواية سيفا- فجئته أتقاضاه فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد ﷺ . فقلت: لا أكفر حتى يميتك اللَّه ثم تبعث. قال: وإني لميت ثم مبعوث؟! قلت: بلى. قال: دعني أموت وأبعث فنؤتي مالا وولدا فأعطيك هنالك حقك وو اللَّه لا تكون أنت وصاحبك يا خبّاب آثر عند اللَّه مني ولا أعظم حظّا. فانزل اللَّه تعالى فيه أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا العاصي بن وائل وقال لخبّاب بن الأرتّ القائل له: تبعث بعد الموت والمطالب له بمال: لَأُوتَيَنَّ على تقدير البعث مالًا وَوَلَداً فأقضيك. قال تعالى: أَطَّلَعَ الْغَيْبَ: أي أعلمه وأن يؤتي ما قاله، واستغنى بهمزة الاستفهام عن همزة الوصل فحذفت أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً بأن يوتي ما قاله كَلَّا أي لا يوتى ذلك سَنَكْتُبُ نأمر بكتب ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا نزيده بذلك عذابا فوق عذاب كفره وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ من المال والولد وَيَأْتِينا يومَ القيامة فَرْداً [مريم ٧٧: ٨٠] لا مال له ولا ولد.
السادس: الحكم بن أبي العاصي بن أمية .
قال البلاذري: كان ممن يؤذي رسول اللَّه ﷺ يشتمه ويسمعه ما يكره، وكان رسول اللَّه ﷺ يمشي ذات يوم وهو خلفه يخلج بأنفه وفمه فبقي على ذلك، وأظهر الإسلام يوم الفتح وكان مغموصا عليه في دينه، - فاطَّلع يوما على رسول اللَّه ﷺ وهو في بعض حجر نسائه فخرج إليه بعنزة وقال: من عذيري من هذا الوزغة؟ لو أدركته لفقأت عينه أو كما قال ﷺ . ولعنه وما ولد وغرّبه من المدينة فلم يزل خارجا منها إلى أن مات عمر بن الخطاب ﵁.
قلت: وروى أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمر ﵄ قال: كان رجل
стр. 1037
خلف النبي ﷺ يحاكيه ويلمض فرآه النبي ﷺ فقال كذلك كن. فرجع إلى أهله فلبط به مغشيّا عليه شهرا ثم أفاق حين أفاق وهو كما يحاكي رسول اللَّه ﷺ .
وهذا المبهم الظاهر أنه الحكم.
السابع: الوليد بن المغيرة:
قال البلاذري فمرّ الوليد برجل يقال له حرّاث- بفتح الحاء وتشديد الراء المهملتين- ابن عامر بن خزاعة، وهو الثّبت- وبعضهم يقول حرّاب بالحاء المهملة والباء الموحدة- وهو يريش نبلا له ويصلحها فوطئ على سهم منها فخدشته خدشا يسيرا، ويقال علق بإزاره فخدش ساقه خدشا خفيفا فأهوى إليه جبريل فانتفض الخدش وضربته الأكلة في رجله أو ساقه فمات.
الثامن: أبو لهب ،
وكان من أشد الناس عداوة للنبي ﷺ .
قال البلاذريّ: وكان يطرح القذر والنتن على باب رسول اللَّه ﷺ ، فرآه حمزة بن عبد المطلب وقد طرح من ذلك شيئاً فأخذه وطرحه على رأسه، فجعل أبو لهب ينفض رأسه ويقول: صابئ أحمق. فأقصر عما كان يفعل، لكنه كان يدسّ من يفعله.
قال:
وروى ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه ﷺ كنت بين شرّ جارين، بين أبي لهب وعقبة بن أبي معيط، إن كانا ليأتيان بالفروث فيطرحانها على بابي.
قالت: وكان رسول اللَّه ﷺ يقول: يا بني عبد مناف أيّ جوار هذا؟ ثم يميطه عن بابه.
قالوا: وبعث أبو لهب ابنه عتبة بشيء يؤذي به رسول اللَّه ﷺ فسمعه يقرأ وَالنَّجْمِ إِذا هَوى [النجم: ١] فقال: أنا كافر برب النجم. فقال رسول اللَّه ﷺ : سلط اللَّه عليك كلبا من كلابه، فخرج في تجارة فجاء الأسد وهو بين أصحابه نائم بحوران من أرض الشام فجعل يهمس ويشمّ حتى انتهى إليه فمضغه مضغة أتت عليه، فجعل يقول وهو بآخر رمق: ألم أقل لكم إن محمدا أصدق الناس؟! ثم مات.
قلت: صوابه عتيبة بالتصغير كما سيأتي بسط ذلك في أبواب إجابة دعواته.
ومات أبو لهب بداء يعرف- بالعدسة، كانت العرب تتشاءم به وتفرّ ممن ظهر به، فلما أصاب أبا لهب تركه أهله حتى مات ومكث مدة لا يدفن حتى خافوا العار فحفروا له حفرة فرموه فيها. كما سيأتي بيان ذلك.
وكانت امرأته أم جميل ابنة حرب تؤذي رسول اللَّه ﷺ كثيرا وهي حمالة الحطب، وإنما سماها اللَّه تعالى بذلك لأنها كانت تحمل الشوك فتطرحه بالليل على طريق
стр. 1038
رسول اللَّه ﷺ حيث يمرّ هو وأصحابه لتعقرهم بذلك، فبينا هي ذات يوم تحمل حزمة أعيت فقعدت على حجر تستريح أتاها ملك فجذبها من خلفها بالحبل الذي في عنقها فخنقها به.
وروى الشيخان عن ابن عباس ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ لما نزلت وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ صعد رسول اللَّه ﷺ على الصفا فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عدي لبطون من قريش، حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا ينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش فقال رسول اللَّه ﷺ : أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم ما جربنا عليك إلا صدقا قال: فإن لكم نذير بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبّا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا
[ (١) ] ! فانزل اللَّه تعالى: بسم اللَّه الرحمن الرحيم تَبَّتْ خسرت. والتباب: الخسران المفضي إلى الهلاك يَدا أَبِي لَهَبٍ جملته وعبر عنها باليدين مجازا لأن أكثر الأفعال تداول بهما، وكني بأبي لهب لحسنه وجماله وإنما كناه لأنه كان مشتهرا بكنيته دون اسمه وقيل لأن اسمه عبد العزى فلا يناسب في القرآن عبديّة شخص إلى غير اللَّه تعالى وهذه الجملة دعاء وَتَبَّ خسر هو، وهذه خبر كقولهم أهلكه اللَّه وقد أهلكه.
ولمّا خوّفه النبي ﷺ بالعذاب قال: إن كان ما يقول ابن أخي حقا فإني أفتدي منه بمالي وولدي فأنزل ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ وكسبه: أي ولده وأغنى بمعنى يغني سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ أي تلهّب وتوقد فهي مآل تكنيته وَامْرَأَتُهُ: عطف على ضمير يصلى سوّغه الفصل بالمفعول وصفته وهي أم جميل حَمَّالَةَ بالرفع الْحَطَبِ الشوك والسعدان تلقيه في طريق النبي ﷺ فِي جِيدِها عنقها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ أي ليف وهذه الجملة حال من حمالة الحطب الذي هو نعت المرأته أو خبر مبتدأ مقدر.
ولهذا مزيد بيان- في المعجزات.
وذكر البلاذري ممن كان يؤذي رسول اللَّه ﷺ : أبو الأصداء وكان يقول لرسول اللَّه ﷺ إنما يعلمك أهل الكتاب أساطيرهم ويقول الناس هو معلّم مجنون فدعا عليه رسول اللَّه ﷺ فإنه لعلى جبل إذ اجتمعت عليه الأروى فنطحته حتى قتلته.
وذكر ابن إسحاق فيهم: أمية بن خلف الجمحي.
قال ابن إسحاق: وكان إذا رأى رسول اللَّه ﷺ همزه ولمزه فأنزل اللَّه :
وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ.
стр. 1039
قال ابن هشام: الهمزة: الذي يشتم الرّجل علانية ويكسر عينه عليه ويغمز به وجعه همزات. واللّمزة: الذي يعيب الناس سرّا ويؤذيهم.
النضر بن الحارث.
قال ابن إسحاق: ابن كلدة بن علقمة.
قال الخشنيّ: والصواب علقمة بن كلدة.
كان إذا جلس رسول اللَّه ﷺ مجلسا فدعا فيه إلى اللَّه وتلا عليهم القرآن وحذّر قريشا ما أصاب الأمم الماضية خلفه في مجلسه إذا قام فحدّثهم عن ملوك الفرس، ثم يقول: واللَّه ما محمد بأحسن حديثا منّي، وما أحاديثه إلا أساطير الأولين اكتتبها كما اكتتبتها فأنزل اللَّه:
وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أكاذيبهم، جمع أسطورة بالضم اكْتَتَبَها انتسخها من القوم بغيره فَهِيَ تُمْلى تقرأ عَلَيْهِ ليحفظها بُكْرَةً وَأَصِيلًا غدوة وعشيا.
قال تعالى ردا عليهم: قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ الغيب فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً للمؤمنين رَحِيماً بهم.
قال ابن إسحاق: وجلس رسول اللَّه ﷺ يوما فيما بلغني مع الوليد بن المغيرة في المسجد فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم وفي المجلس غير واحد من رجال قريش فتكلم رسول اللَّه ﷺ فعرض له النّضر فكلّمه رسول اللَّه ﷺ حتى أفحمه ثم تلا عليه وعليهم: إِنَّكُمْ يا أهل مكة وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره من الأوثان حَصَبُ جَهَنَّمَ وقودها أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ داخلون فيها لَوْ كانَ هؤُلاءِ الأوثان آلِهَةً كما زعمتم ما وَرَدُوها دخلوها وَكُلٌّ من العابدين والمعبودين فِيها خالِدُونَ لا خلاص لهم منها لَهُمْ للعابدين فِيها زَفِيرٌ صياح وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ [الأنبياء ٩٨: ١٠٠] ثم قام رسول اللَّه ﷺ وأقبل عبد الله بن الزّبعرى- بزاي فباء موحدة مكسورتين فعين مهملة ساكنة فراء فألف مقصورة- وأسلم بعد ذلك، حتى جلس إليهم فقال الوليد بن المغيرة لعبد الله بن الزبعرى واللَّه ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفا وما قعد وقد زعم محمد أنّا وما نعبد من- آلهتنا هذه حصب جهنم. فقال عبد الله: أما والله ولو وجدته لخصمته فسلوا محمدا أكلّ ما يعبد من دون الله في جهنم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة واليهود تعبد عزيرا والنصارى تعبد عيسى ابن مريم. فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول عبد الله ورأوا أنه قد احتجّ وخاصم.
فذكر ذلك لرسول اللَّه ﷺ
فقال رسول اللَّه ﷺ : كل من أحب أن يعبد من دون اللَّه فهو مع من عبده، إنهم إنما يعبدون الشياطين ومن أمرتهم بعبادته.
فانزل اللَّه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا المنزلة الْحُسْنى وهي السعادة أو
стр. 1040
التوفيق للطاعة أو البشرى بالجنة ومنهم من ذكر أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ لأنهم يرفعون إلى أعلى علّيين ولا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها صوتها: وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ من النعيم خالِدُونَ دائمون لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وهو أن يؤمر بالعبد إلى النار وَتَتَلَقَّاهُمُ تستقبلهم الْمَلائِكَةُ عند خروجهم من القبول يقولون لهم هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء ١٠١: ١٠٣] في الدنيا [ (١) ] .
تنبيه
قال السهيلي: لو تأمل ابن الزّبعرى وغيره من كفار قريش الآية لرأى أن اعتراضه غير لازم من وجهين:
أحدهما: أنه خطاب متوجه على الخصوص لقريش عبدة الأصنام، وقوله «إنا نعبد الملائكة» حيدة، وإنما وقع الكلام والمحاجّة في اللات والعزّى وهبل وغير ذلك من أصنامهم.
والثاني: أن لفظ التلاوة: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ولم يقل ومن تعبدون فكيف يلزم اعتراضه بالمسيح وعزير والملائكة، وهم يعقلون والأصنام لا تعقل؟ ومن ثم جاءت الآية بلفظ ما الواقعة على ما لا يعقل. انتهى.
وقال بعض العلماء: ان ابن الزبعرى من فصحاء العرب لا يخفى عليه موضع «من» من «ما» وإنما إيراده من جهة القياس والعموم المعنوي الذي يعمّ الحكم فيه لعموم علته أي إن كان كونه معبودا يوجب أن يكون حصب جهنم فهذا المعنى موجود في الملائكة والمسيح وعزير.
وأجيب بالفارق من وجوه:
الأول: الآية المتقدمة، لأن عزيرا والمسيح ممن سبقت لهم الحسنى فالتسوية بين الملائكة والأنبياء وبين الأصنام والشياطين من جنس التسوية بين البيع والرّبا وهو شأن أهل الباطل يسوّون بين ما فرّق الشرع والعقل والفطرة بينه، ويفرّقون بين ما سوى اللَّه ورسوله بينه.
الثاني: الأوثان حجارة غير مكلّفة ولا ناطقة، فإذا حصب بها جهنم إهانة لها ولعابديها- لم يكن في ذلك تعذيب من لا يستحق العذاب.
الثالث: أن من عبد هؤلاء بزعمه فإنهم لم يدعوا إلى أنفسهم، وإنما عبد المشركون
стр. 1041
الشياطين وتوهموا أن العبادة لهؤلاء، وقد برّأ اللَّه تعالى الملائكة والمسيح وعزيرا من ذلك، فما غير اللَّه إلا الشياطين.
وهذه كلها منتزعة من قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى وإذا تأمل قوله تعالى: وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ [التحريم ٦] فأخرج من خلاله أن معبودهم معذّبهم المشتعل عليهم، فهو أبلغ في النّكال وقطع الآمال.
الحيدة: بفتح الحاء المهملة وسكون المثناة التحتية وهي العدول.
ومنهم الأخنس بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة وفتح النون فسين مهملة، ابن شريق- بفتح الشين المعجمة وبالقاف- الثقفي واسمه أبيّ وذكر غير واحد إنه أسلم بعد ذلك.
قال ابن إسحاق: وكان من أشراف القوم وممن يستمع منه وكان يصيب من رسول اللَّه ﷺ ويردّ عليه، فأنزل اللَّه تعالى: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ كثير الحلف بالباطل مَهِينٍ حقير هَمَّازٍ عيّاب أي مغتاب مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ أي ساع بالكلام بين الناس على وجه الإفساد بينهم.
مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ يمنع الناس من الخير من الإيمان والإنفاق والعمل الصالح مُعْتَدٍ ظالم أَثِيمٍ كثير الإثم عُتُلٍّ غليظ جاف بَعْدَ ذلِكَ بعد ما عدّ من مثاليه زَنِيمٍ [القلم: ١- ١٣] دعيّ في قريش قاله ابن عباس وأنشد على ذلك قول الشاعر:
زنيم تداعاه الرّجال زيادة ... كما زيد في عرض الأديم أكارعه
[ (١) ] .
رواه عبد بن حميد وابن عساكر وبه قال عكرمة وأنشد قول الشاعر:
زنيم ليس يعرف من أبوه ... بغيّ الأمّ ذو حسب لئيم
وقيل إنه كان له زنمتان حقيقة.
وروى البخاري والنسائي وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: هو رجل من قريش نعت فلم يعرف حتى قيل زنيم وكان له زنمة زائدة في عنقه يعرف بها.
تنبيه
ما جزم به ابن إسحاق من أن هذه الآيات أنزلت في حق الأخنس رواه ابن أبي حاتم عن السدي وابن سعد وعبد بن حميد عن الشعبي وعبد الرازق وابن المنذر عن الكلبي وقيل
стр. 1042
أنزلت في حق الأسود بن عبد يغوث. رواه ابن مردويه عن ابن عباس وابن أبي حاتم عن مجاهد وقيل أنزلت في الوليد بن المغيرة. ذكره يحيى بن سلام في تفسيره وجزم به غير واحد.
ومنهم أبي بن خلف وعقبة بن أبي معيط.
قال ابن إسحاق: وكانا متصافيين حسنا ما بينهما.
روى ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير وعبد الرزاق في المصنّف وابن جرير وابن المنذر عن مقسم مولى ابن عباس كلاهما عنه، أن أبا معيط وفي رواية عقبة بن أبي معيط كان يجلس مع رسول اللَّه ﷺ بمكة ولا يؤذيه وكان رجلا حليما، وكان بقية قريش إذا جلسوا معه آذوه وكان لأبي معيط خليل غائب عنه بالشام.
وفي رواية أنه أمية بن خلف فقالت قريش: صبأ أبو معيط.
وفي رواية وكان لا يقدم من سفر إلا صنع طعاما فدعا أهل مكة كلهم فصنع طعاما ثم دعا رسول اللَّه ﷺ إلى طعامه فقال: ما أنا بالذي آكل من طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه. فقال: اطعم يا ابن أخي.
فقال: ما أنا بالذي أفعل حتى تقول، فشهد بذلك وطعم من طعامه. وقدم خليله من الشام ليلا فقال لامرأته ما فعل محمد مما كان عليه؟ فقالت: أشدّ ما كان أمرا. فقال: ما فعل خليلي أبو معيط؟ فقال: صبأ. فبات بليلة سوء فلما أصبح أتاه أبو معيط فحيّاه فلم يرد عليه التحية فقال:
ما لك لا تردّ عليّ تحيتي. فقال: كيف أردّ عليك تحيتك وقد صبأت. قال: أوقد فعلتها قريش؟
لا واللَّه ما صبأت ولكن دخل عليّ رجل فأبى أن يأكل من طعامي إلا أن أشهد له. فاستحييت أن يخرج من بيتي قبل أن يطعم، فشهدت له قال: ما أنا بالذي أرضى عنك حتى تأتيه فتبزق في وجهه.
وفي رواية: فقال: ما يبرئ صدورهم إن أنا فعلت؟ قال: تأتيه في مجلسه فتبزق في وجهه وتشتمه بأخبث ما تعلم من الشتم. ففعل فلم يزد النبي ﷺ إن مسح وجهه من البزاق.
ونقل جماعة منهم أبو ذر الحسني عن أبي بكر النقّاش أن عقبة لمّا تفل في وجه النبي ﷺ رجع ما خرج منه إلى وجهه فصار برصا. انتهى.
ثم التفت إليه النبي ﷺ فقال: إن وجدتك خارجا من جبال مكة ضربت عنقك صبرا.
وقال أبي بن خلف: واللَّه لأقتلن محمدا. فبلغ ذلك رسول اللَّه ﷺ فقال: بل أنا أقتله إن شاء اللَّه. فلما بلغ أبيّا ذلك أفزعه لأنهم لم يسمعوا من النبي ﷺ قولا إلا كان حقا.
فلما كان يوم بدر، وخرج أصحاب عقبة، أبي أن يخرج فقال له أصحابه: اخرج معنا.
فقال: قد وعدني هذا الرجل أن وجدني خارجا من جبال مكة أن يضرب عنقي صبرا. فقالوا:
لك جمل أحمر لا يدرك فلو كانت الهزيمة طرت عليه. فخرج معهم، فلما هزم اللَّه المشركين
стр. 1043
وحل به جمله في أخدود من الأرض فأخذه رسول اللَّه ﷺ أسيرا في سبعين من قريش وقدّم إليه أبو معيط فقال: أتقتلني بين هؤلاء؟ قال: نعم. فقام إليه علي بن أبي طالب فضرب عنقه.
ولم يقتل من الأسارى يومئذ غيره.
فلما كان يوم أحد خرج أبيّ مع المشركين فجعل يلتمس غفلة رسول اللَّه ﷺ ليحمل عليه فيحول رجل بين النبي ﷺ وبينه، فلما رأى ذلك رسول اللَّه ﷺ
قال لأصحابه: خلّوا عنه. فأخذ الحربة ورماه بها فوقعت في ترقوته فلم يخرج منه دم كثير واحتقن الدم في جوفه، فجعل يخور كما يخور الثّور فاحتمله أصحابه وهو يخور فقالوا: ما هذا الذي بك! فو اللَّه ما بك إلا خدش. فقال: واللَّه لو لم يصبني إلا بريقه لقتلني! أليس قد قال: أنا أقتله. واللَّه لو كان الذي بي بأهل ذي المجاز لقتلهم.
فما لبث إلا يوما حتى مات.
وأنزل اللَّه تعالى في أبي معيط: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ ندما وتحسّرا في القيامة قال سفيان الثوري: يأكل يديه ثم تنبت. رواه ابن أبي حاتم. وقال أبو عمران الجوني:
بلغني أنه يعضهما حتى ينكسر العظم ثم يعود.
يقول: يا للتنبيه لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ محمد ﷺ سَبِيلًا طريقا إلى الهدى يا وَيْلَتى الألف عوض عن ياء الإضافة أي ويلتي ومعناه هلكتي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا. لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ القرآن بَعْدَ إِذْ جاءَنِي بأن ردني عن الإيمان به. قال تعالى: وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ الكافر خَذُولًا [الفرقان: ٢٧- ٢٩] بأن يتركه ويتبرأ منه عند البلاء.
تنبيهات
الأول: قال ابن سعد: قلت للواقدي قال اللَّه تعالى: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [الحجر: ٩٥] وهذه السورة مكية؟ فقال: سألت مالكا وابن أبي ذئب عند هذا فقال: كفاه إياهم فبعضهم عمي وبعضهم مات فشغل عنه وبعضهم كفاه إياه إذ هيأ اللَّه له من أسباب مفارقته بالهجرة ما هيأه له.
وقال غيرهما: كفاه أمرهم فلم يضروه بشيء.
الثاني: قال البلاذري ذكر غير الواقدي أن المستهزئين جميعا هلكوا في وقت واحد وقول الواقدي أثبت.
الثالث: أكثر الروايات على أن عقبة بن أبي معيط هو الذي أسلم وأن أبيّا هو الذي ردّه.
وفي بعضها ضد ذلك. فاللَّه أعلم.
ومنهم أبو جهل عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم.
стр. 1044
قال البلاذريّ: وغيره: كناه رسول اللَّه ﷺ بذلك وكان يكنى قبل ذلك أبا الحكم.
قال: وروي عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال من قال لأبي جهل أبا الحكم فقد أخطأ خطيئة يستغفر اللَّه منها.
وروى عنه أنه قال: لكل نبي فرعون وفرعون هذه الأمة أبو جهل.
قال ابن إسحاق: ولقي أبو جهل بن هشام رسول اللَّه ﷺ فيما بلغني- فقال له:
واللَّه يا محمد لتتركن سبّ آلهتنا أو لنسبّنّ إلهك الذي تعبد. فانزل اللَّه تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام ١٠٨] فذكر لي إن رسول اللَّه ﷺ كفّ عن سبّ آلهتهم وجعل يدعوهم إلى اللَّه .
ولما أنزل اللَّه : إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ [الدخان ٤٣] تخويفا لهم بها قال أبو جهل: يا معشر قريش هل تدرون ما شجرة الزقوم التي يخوّفكم بها محمد؟ قالوا: لا. قال:
عجوة يثرب بالزّبد! واللَّه لئن استمكنّا منها لنتزقّمنَّ منها. فانزل اللَّه تعالى: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ هي من أخبث الشجر المرّ بتهامة نبتها في الجحيم طَعامُ الْأَثِيمِ أي أبي جهل وأصحابه ذوي الإثم الكثير كَالْمُهْلِ أي كدرديّ الزيت الأسود خبر ثان يَغْلِي فِي الْبُطُونِ بالفوقانية خبر ثان وبالتحتانية حال من المهل كَغَلْيِ الْحَمِيمِ [الدخان: ٤٣- ٤٧] الماء الحار الشديد الحرارة. الآيات.
стр. 1045
[المجلد الثالث]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
جماع أبواب معراجه ﷺ
قد كنت أفردت كتابا حافلا في هذا الباب سمّيته: «الآيات البيّنات في معراج سيد أهل الأرض والسماوات» ، ثم ظفرت بأشياء لم يتيسّر الوقوف عليها إذ ذاك، فجمعت كتابا آخر سمّيته: «الفضل الفائق في معراج خير الخلائق» ، فاجتمع فيه فوائد ونفائس لا توجد مجموعة إلا فيه، فرأيت أن أذكر هنا خلاصته:
стр. 1046
الباب الأول في بعض فوائد قوله تعالى سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الإسراء ١] .
الكلام على هذه الآية من وجوه:
الأول: في سبب نزولها:
قال الإمام العالم العلامة أبو حيّان أثير الدين محمد بن يوسف الغرناطي- بفتح الغين المعجمة وسكون الراء وبالطاء المهملة- في تفسيره المسمى بالنهر: «سبب نزولها إن رسول الله ﷺ لما ذكر الإسراء به كذّبوه، فأنزلها الله تعالى» .
الثاني: في وجه اتصال هذه السورة بما قبلها:
قال الإمام فخر الدين الرازي، والبرهان النسفي: «وجه الاتصال بما قبلها أن في تلك السورة ذكر الخليل ﷺ وذكر أوصافه الشريفة، وتشريعاته العليّة من الحضرة الأزلية، والأمر باتباع ملّة الحنيفية، والإقتداء به في العقائد الدينية، وفي هذه السورة ذكر من اتّبع ملّته بالصدق، وأقام سنّته على الحق، وفي آخر تلك السورة أمر نبينا ﷺ : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [النحل ١٢٥] . وأمره بعد ذلك بالصّبر فقال: وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [النحل ١٢٧] والصّبر هو التحمل للمكاره، والتّحمل من جملة ما يؤدّي إلى التّجمل، ومنه ما ذكر في أول هذه السورة.
النّهر: لما أمره الله تعالى بالصبر، ونهاه عن الحزن عليهم، وأن يضيق صدره من مكرهم، وكان من مكرهم نسبته إلى الكذب والسّخر والشّعر وغير ذلك مما رموه به، فأعقب الله تعالى ذلك بشرفه وفضله واحتفائه به وعلو منزلته عنده.
الشيخ رحمه الله تعالى في مناسباته: «هذه السورة والأربعة بعدها من قديم ما نزل، روى الشيخان عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال في سورة بني إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء: هنّ من العتاق الأول وهنّ من تلادي» .
التّلاد- بكسر المثناة الفوقية وتخفيف اللام أي مما حفظ قديما، وهذا وجه في ترتيبها، وهو اشتراكها في قدم النزول وكونها مكيّات، وكلها مشتملة على القصص.
وظهر لي في وجه اتصالها بسورة النحل أنه لما قال في آخرها: إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ [النحل ١٢٤] . فسّر في هذه السورة شريعة أهل السبت وشأنهم، فذكر فيها جميع ما شرع لهم في التوراة.
كما روى ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «التوراة كلها في خمس
стр. 1047
عشرة آية من بني إسرائيل» . وذكر عصيانهم وفسادهم وتخريب مسجدهم، ثم ذكر استفزازهم النبي ﷺ وإرادتهم إخراجه من المدينة وسؤالهم إياه عن الروح. ثم ختم السورة بآيات موسى التسع، وخطابه مع فرعون. وأخبر أن فرعون أراد أن يستفزهم من الأرض فأهلك. وأرّث بني إسرائيل الأرض من بعدهم. وفي ذلك تعريض بهم أنهم كما استفزوا النبي ﷺ من المدينة، فسيخرجون منها ويرثها هو وأصحابه كنظير ما وقع لهم مع فرعون لما استفزهم. وقد وقع ذلك أيضا. ولما كانت السورة مصدّرة بتخريب المسجد الأقصى افتتحت بذكر إسراء سيدنا محمد المصطفى إليه، تشريفا لحلول ركابه الشريف وجبرا لما وقع من تخريبه. انتهى.
الثالث: في حكمة استفتاحها بالتسبيح:
ابن الجوزي في زاد المسير: الحكمة في الإتيان به هنا وجهان: أحدهما: أن العرب تسبّح عند الأمر العجيب، فكأن الله تعالى عجّب خلقه بما أسدى إلى رسول الله ﷺ من الإسراء به.
الثاني: أن يكون خرج مخرج الرد عليهم، لأنه ﷺ لما حدّثهم عن الإسراء به كذّبوه، فيكون المعنى تنزّه الله تعالى أن يتّخذ رسولا كذّابا.
القاضي تاج الدين السبكي في تذكرته سأل الإمام: ما الحكمة في افتتاح سورة الإسراء بالتسبيح والكهف بالتحميد؟ وأجاب بأن التسبيح حيث جاء قدّم على التحميد نحو:
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ [النصر ٣] سبحان الله والحمد لله.
وأجاب ابن الزّملكاني- بفتح الزاي واللام-: [أن] سورة سبحان لما اشتملت على الإسراء وكذّب المشركون به النبي ﷺ ، وتكذيبه تكذيب لله تعالى، أتي «بسبحان» لتنزيه الله عما ينسب إليه من الكذب، وسورة الكهف لما نزلت بعد سؤال المشركين عن قصة أصحاب الكهف وتأخير الوحي نزلت مبيّنة أن الله تعالى لم يقطع نعمته على نبيّه ولا على المؤمنين، بل أتم عليهم النعمة بإنزال الكتاب، فناسب افتتاحها بالحمد على هذه النعمة.
الرابع: في الكلام على سبحان الله:
محمود الكرماني في «برهانه» : «كلمة استأثر الله تعالى بها، فبدأ بالمصدر في بني إسرائيل ثم بالماضي في الصّفّ والحشر لأنه أسبق، ثم بالمضارع في الجمعة والتغابن، ثم بالأمر في الأعلى استيعابا لهذه الكلمة من جميع جهاتها» ، انتهى.
وقوله: «فبدأ بالمصدر» أي بالاسم الموضوع موضع المصدر.
стр. 1048
وروى الحاكم أن طلحة بن عبيد الله ﵁، سأل رسول الله ﷺ عن معنى «سبحان الله» ، فقال: «تنزيه الله من كل سوء» .
وروى ابن أبي حاتم عن علي رضي الله تعالى عنهما، قال: «سبحان الله، اسم يعظّم الله تعالى به نفسه ويتحاشى به عن السوء» .
الماوردي رحمه الله تعالى: «هو ذكر يعظّم الله تعالى به لا يصلح إلا له» .
وأما ما ذكره في قول الشاعر.
«سبحان من علقمة الفاخر» .
فعلى سبيل الشذوذ.
صاحب النّظم [ (١) ] : «السبّح- في اللغة- التباعد، يدل عليه قوله تعالى: إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا [المزمل ٧] ، أي تباعدا طويلا. فمعنى سبح الله تعالى بعده عما لا ينبغي.
وللتسبيح معان أخر ذكرتها في كتاب: القول الجامع الوجيز الخادم للقرآن العزيز.
الإمام موفق الدين بن يعيش رحمه الله تعالى في شرح المفصّل: «اعلم أنهم قد علّقوا الأعلام على المعاني فأطلقوها على الأعيان، فمن ذلك قولهم: سبحان، وهو عندنا علم واقع على معنى التسبيح، وهو مصدر معناه البراءة والتنزيه وليس منه فعل، وإنما هو واقع التسبيح الذي هو المصدر في الحقيقة، جعل علما على هذا المعنى فهو معرفة لذلك، ولا ينصرف للتعريف وزيادة الألف والنون. وأما قول الشاعر: «سبحانه ثم سبحانا يعود له» ، ففي تنوينه وجهان: أن يكون ضرورة، والثاني: أن يكون أراد الفكرة» .
الضياء بن العلج ﵀، في البسيط: «لفظ المصدر لأنه مصدر سبّح إذا قال:
سبحان الله، ومدلول سبحان التنزيه لا اللفظ» .
قلنا: التسبيح بمعنى التنزيه أيضا لأن معنى سبّحت نزّهت الله تعالى، فتطابقا حينئذ على معنى التنزيه، فصحَّ تعليق سبحان على التسبيح، واستعماله علما قليل، وأكثر استعماله مضافا اما إلى فاعله أو إلى مفعوله. فإذا أضيف فليس بعلم لأن الأعلام لا تضاف.
قال: وقيل «سبحان» في البيت مضاف حذف المضاف إليه للعلم به وليس بعلم» .
стр. 1049
أبو عمرو بن الحاجب [ (١) ] رحمه الله تعالى في أماليه: «الدليل على أن سبحان علم للتسبيح قول الشاعر:
قد قلت لمّا جاءني فخره ... سبحان من علقمة الفاخر [ (٢) ]
ولولا أنه علم لوجب صرفه لأن الألف والنون في غير الصفات إنما تمنع مع العلمية» .
الشهاب السمين رحمه الله تعالى في إعرابه: «قيل هو مصدر لأنه سمع له فعل ثلاثي، وهو من الأسماء اللازمة للإضافة. وقد يفرد، وإذا أفرد منع من الصرف للتعريف، وزيادة الألف والنون كما في البيت السابق. وقد جاء منوّنا كقوله:
سبحانه ثمّ سبحانا يعود له ... وقبلنا سبّح الجودي والجمد [ (٣) ]
فقيل ضرورة وقيل هو بمنزلة قبل وبعد، إن نوى تعريفه بقي على حاله، وإن نكّر أعرب، منصرفا. وهذا البيت يساعد على كونه مصدرا لا اسم مصدر لوروده منصرفا. ولقائل القول الأول أن يجيب عنه بأن هذا نكرة لا معرفة. وهو من الأسماء اللازمة النصب على المصدرية فلا تنصرف. والناصب له فعل مقدّر لا يجوز إظهاره» .
أبو شامة ﵀: «حيث جاء منصوبا نصب المفعول المطلق اللازم إضمار فعله، وفعله إما فعل أمر أو خبر. وهو في هذه السورة محتمل للأمرين أي سبّحوا الذي أسرى بعبده أو سبّح الذي أسرى بعبده، على أن يكون ابتداء ثناء الله تعالى علي نفسه كقول (الحمد لله رب العالمين) » .
القرطبي رحمه الله تعالى: «العامل فيه على مذهب سيبويه الفعل الذي من معناه لا من لفظه إذ لم يجيء من لفظه فعل، وذلك مثل قعد القرفصاء واشتمل الصّمّاء. فالتقدير عنده أنزّه الله تعالى تنزيها، فوقع «سبحان الله» مكان [ (٤) ] قولك تنزيها» . انتهى.
الزمخشري رحمه الله تعالى: «سبحان علم للتسبيح كعثمان لرجل وانتصابه بفعل
стр. 1050
مضمر [متروك إظهاره، تقديره] أسبّح الله سبحان. ثم نزل منزلة الفعل فسدّ مسدّه ودلّ على التنزيه البليغ من جميع القبائح التي يضيفها إليه أعداء الله» .
الطيبي رحمه الله تعالى: «وذلك في جلب هذا المصدر في أصل هذا التركيب للتوكيد، وهو أسبّح تسبيحا ثم أسبح سبحان، ثم في حذف العامل وإقامته مقامه للدلالة على أن المقصود بالذات هو المصدر، والفعل تابع، فيفيد الإخبار بسرعة وجود التنزيه» .
وروى عن الكسائي أنه جعل منادى تقديره يا سبحانك، وأباه الجمهور.
السفاقسي والسمين [ (١) ] : «وردّ بأنه لم يسمع دخول حرف النداء عليه، وزعم بعضهم أن لفظه لفظ التثنية ومعناه كذلك كلبّيك. وهو غريب. ويلزمه أن يكون مفرده سبحا وألا يكون منصوبا بل مرفوعا، وأن نونه لم تسقط بالإضافة وأن فتحها يلزم» .
ومن الغرائب أيضا ما حكاه الماوردي عن أبان بن تغلب- بالمثناة الفوقية والغين المعجمة- أن سبحان كلمة أصلها بالنبطية «شبهانك» فعرّبت «سبحانك» . والذي أضيف إلى سبحان مفعول به لأنه المسبّح، ويجوز أن يكون فاعلا لأن المعنى تنزه الذي أسرى بعبده.
الخامس: في الكلام على «أسرى» :
البرهان النسفي: قال أهل اللغة: أسرى وسرى لغتان. زاد غيره: يختصان بسير الليل.
السمين: فيكون سرى وأسرى كسقى وأسقى. والهمزة هنا ليست للتعدية، خلافا لابن عطية، وإنما المعدّى الباء في «بعبده» . وتقدم في البقرة أنها لا تقتضي مصاحبة الفاعل للمفعول عند الجمهور، خلافا للمبرد. وبسط الكلام على ذلك هنا وفي البقرة.
السفاقسي: الباء للتعدية وترادف الهمزة عند الجمهور خلافا للمبرد والسهيلي في أنها تقتضي مصاحبة الفاعل للمفعول في الفعل بخلاف الهمزة حتى قال السهيلي: إذ قلت قعدت به فلا بد من مشاركة ولو باليد. وردّ عليهما بالآية: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ [البقرة ١٧] لأن الله لا يوصف بالذهاب مع النور. وردّ عليهما أيضا بقول الشاعر:
стр. 1051
ديار الّتي كانت ونحن على منى ... تحلّ بنا لولا نجاء الرّكائب [ (١) ]
أي تحلنا فالباء هنا للتعدية، ولم تقتض المشاركة لأن الديار لم تكن حراما فتصير حلالا، ولكون الباء بمعنى الهمزة لا يجمع بينهما، فلا يقال أذهبت بزيد.
وجزم ابن دحية- بفتح الدال وكسرها- وابن المنير، بما قاله المبرّد فقالا: «يؤخذ من قوله: «أسرى بعبده» ما لا يؤخذ إن قيل: بعث إلى عبده، لأن الباء تفيد المصاحبة، أي صحبه في مسراه بالإلطاف والعناية والإسعاف» . زاد ابن دحية: «ويشهد لذلك
قوله ﷺ : «اللهم أنت الصاحب في السفر» .
ويؤخذ من ذلك أن من قال: لله علي إن أحجّ بفلان، يلزمه الحجّ معه، بخلاف ما لو قال: لله علي إن أحجّ فلانا، فإنه يلزمه أن يجهّزه للحج من ماله. والفرق بين الصورتين ما تعطيه الباء من المصاحبة» . انتهى. وتقدم ردّ ذلك.
الحافظ: «أسرى مأخوذ من السّرى وهو سير الليل، فقول العرب أسرى وسرى إذا سار ليلا، هذا قول الأكثر» .
وقال الحوفي: أسرى سار ليلا، وسرى سار نهارا» .
قال الحافظ في موضع آخر: «وقيل أسرى سار من أول الليل، وسرى سار من آخره» وهذا أقرب. ولم يختلف القراء في أسرى، بخلاف قوله تعالى في قصة لوط: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ [هود ٨١] . فقرئت بالوصل والقطع، وفيه تعقيب على من قال من أهل اللغة: أن أسرى وسرى بمعنى.
قال السهيلي: «السّرى من سريت إذا سرت ليلا، يعني فهو لازم. والإسراء يتعدى في المعنى، لكن حذف مفعوله حتى ظنّ من ظنّ أنهما بمعنى واحد، وإنما معنى «أسرى بعبده» ، جعل البراق يسري به، كما تقول: أمضيت كذا أي جعلته يمضي، لكن حذف المفعول لقوة الدلالة عليه، والاستغناء عن ذكره، إذ المقصود بالذكر المصطفي لا الدابة التي سارت به.
وأما قصة لوط فالمعنى: سر بهم على ما يتحملون عليه من دابة ونحوها، هذا معنى قراءة القطع. ومعنى الوصل: سر بهم ليلا، ولم يأت مثل ذلك في الإسراء، إلا أنه لا يجوز أن يقال:
«سرى بعبده» بوجه من الوجوه» .
قال الحافظ والنسفي: «الذي جزم به هو من هذه الحيثية التي قصر فيها الإشارة إلى أنه سار ليلا على البراق. والآن لو قال قائل: سرت بزيد بمعنى صاحبته لكان المعنى صحيحا.
стр. 1052
السادس: في الكلام على العبد:
أجمع المسلمون على أن المراد بالعبد هنا سيدنا محمد رسول الله ﷺ ، وهو لغة المملوك من نوع من يعقل. قال في المحكم: «العبد الإنسان حرّا كان أو رقيقا، لأنه مملوك لبارئه» . وقال غيره: «إنه مشتق من التعبد وهو التذلل» .
قال ابن الأنباري: «العبد الخاضع لله من قولهم: طريق معبّد إذا كان قد وطئها الناس» .
وللإمام جمال الدين بن مالك [ (١) ] بيتان في جموع عبد، وذيّل الشيخ ﵀ عليهما بمثلهما ووطّأ قبلهما ببيت، فقال:
جموع لعبد لابن مالك نظمها ... وزدت عليها مثلها فاستفد وجد
عباد عبيد جمع عبد وأعبد ... أعابد معبودا معبّدة عبد
كذلك عبدان وعبدان أثبتا ... كذاك العبدّى وامدد إن شئت أن تمد
وقد زيد أعباد عبود عبدّة ... وخفّف بفتح والعبدّان إن تشد
وأعبدة عبدون ثمّت بعدها ... عبيدون معبودا بقصر فخذ تسد
الإسنوي [ (٢) ] رحمه الله تعالى: «قال سيبويه: العبد في الأصل صفة، ولكنه استعمل استعمال الأسماء» .
الشيخ زكريا [ (٣) ] رحمه الله تعالى في فتح الرحمن «قال تعالى: «بعبده» دون نبيه أو حبيبه لئلا تضل أمته أو لأن وصفه بالعبودية المضافة إلى الله تعالى أشرف المقامات» .
стр. 1053
الأستاذ أبو علي الدقاق [ (١) ] رحمه الله تعالى: «ليس للمؤمن صفة أتمّ ولا أشرف من العبودية، ولهذا أطلقها الله تعالى علي نبيه في أشرف المواطن، كقوله: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ [الإسراء ١] ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ [الكهف ١] ، فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
[النجم ١٠] ، تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ [الفرقان ١] .
الشيخ عبد الباسط البلقيني ﵀: «ومن هنا يؤخذ الجواب عن وصفه ﷺ بذلك ووصف يحيى ﵇ بالسيادة في قوله تعالى: وَسَيِّداً، وَحَصُوراً [آل عمران ٣٩] .
الأستاذ أبو القاسم القشيري [ (٢) ] ﵀: «في معناه أنشدوا:
يا قوم قلبي عند زهراء ... يعرفه السّامع والرّائي
لا تدعني إلّا بيا عبدها ... فإنّه أشرف أسمائي»
العوفي ﵀: «والسبب في ذلك أن الإلهية والسيادة والربوبية إنما هي في الحقيقة لله لا غير. والعبودية في الحقيقة لمن دونه. فإذا كان في مقام العبودية فهو في رتبته الحقيقية، والرتبة الحقيقة أشرف المراتب إذ ليس بعد الحقيقة إلا المجاز، ولا بعد الحق إلا الضلال» .
البرهان النسفي ﵀: «قيل لما وصل النبي ﷺ إلى الدرجات العالية والمراتب الرفيعة في المعراج، أوحى الله تعالى إليه: يا محمد أشرفك؟. قال: يا رب تنسبني إلى نفسك بالعبودية، فانزل الله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ الآية.
وأقوال القوم في العبد والعبودية كثيرة، والألفاظ مختلفة معانيها، وكل أحد يتكلم
стр. 1054
بلسان حاله على قدر مقامه، فقال أبو حفص النيسابوري ﵀: «العبد هو القائم إلى أوامر سيده على حدّ النشاط حيث جعله محل أمره» .
ابن عطاء [ (١) ] ﵀: «العبد الذي لا ملك له» .
الجريري- بفتح الجيم-: «حقيقة العبد هو الذي يتخلّق بأخلاق ربّه» .
رويم رحمه الله تعالى: «يتحقق العبد بالعبودية إذا أسلم القياد من نفسه وتبرّأ من حوله وقوته، وعلم أن الكل له وبه» .
عبد الله بن محمد ﵀: «حزت صفة العبودية إن كنت لا ترى لنفسك ملكا، وتعلم أنك لا تملك لها نفعا ولا ضرا. ورحم الله من قال:
وكنت قديما أطلب الوصل منهم ... فلمّا أتاني الحلم وارتفع الجهل
تيقّنت أنّ العبد لا مطلب له ... فإن قرّبوا فضل وإن أبعدوا عدل
وإن أظهروا لم يظهروا غير وصفهم ... وإن ستروا فالسّتر من أجلهم يحلو
الإمام الرازي ﵀، دل قوله بعبده على إن الإسراء كان بجسد رسول الله ﷺ ، لأن العبد اسم للجسد والروح، قال تعالى: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى، عَبْداً إِذا صَلَّى [العلق:
٩، ١٠] .
السابع: في الكلام على قوله تعالى: «ليلا» .
الحافظ رحمه الله تعالى: «ليلا ظرف للإسراء وهو للتأكيد، وفائدته رفع توهم المجاز، لأنه قد يطلق على سير النهار أيضا، ويقال بل هو إشارة إلى أن ذلك وقع في بعض الليل لا في جميعه، والعرب تقول: سرى فلان ليلا إذا سار بعضه، وسرى في ليلة إذا سار في جميعها. ولا يقال أسرى ليلا إلا إذا وقع سيره في أثناء الليل، وإذا وقع في أوله يقال أدلج، ومن هذا قوله تعالى في قصة موسى وبنى إسرائيل: فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا [الدخان: ٢٣] ، أي من وسط الليل» .
أبو شامة رحمه الله تعالى: إنما نسب السّرى إلى الليل لما كان السّرى واقعا فيه كقوله تعالى: وَالنَّهارَ مُبْصِراً [يونس: ٦٧] ، أي يبصر فيه، فهو من باب قوله: «ليل نائم وساهر، أي يحصل فيه النوم والسّهر، وهذا باب من أبواب المجاز معروف» .
стр. 1055
واستشكل كثير من الناس كون «ليلا» ظرفا للإسراء. ووجه الإشكال أنه قد تقدم أن الإسراء هو سير الليل، فإذا أطلق الإسراء فهم أنه واقع ليلا، فهو كالصّبوح في شرب الصباح، لا يحتاج إلى قوله: شربت الصّبوح صباحا.
وجوابه أن الأمر وإن كان كذلك إلا أن العرب تفعل مثل ذلك في بعض الأوقات إذا أرادت تأكيد الأمور. والتأكيد نوع من أنواع كلامهم وأسلوب منه. والعرب تقول: أخذ بيده، وقال بلسانه. وفي القرآن العزيز: وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [الأنعام: ٣٨] ، يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ [آل عمران: ١٦٧] ، فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل: ٢٦] ، وقال جرير:
سرى نحوها ليلا كأنّ نجومه ... قناديل فيهنّ الذّبال المفتّل [ (١) ]
الذّبال: جمع ذبالة- بضم الذال المعجمة وهي الفتيلة.
الجوهري [ (٢) ] : «وإنما قال ليلا، وإن كان السّرى لا يكون إلا بالليل للتأكيد، كقولهم:
سرت أمس نهارا والبارحة ليلا.
الزمخشري: [فإن قلت الإسراء لا يكون إلا بالليل فما معنى ذكر الليل؟ قلت] : أراد بقوله ليلا بلفظ التنكير تقليل مدة الإسراء وأنه وقع السّرى في بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة، وذلك أن التنكير فيه قد دلّ على معنى البعضية، ويشهد لذلك قراءة عبد الله وحذيفة «من الليل» أي بعض الليل كقوله تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ [الإسراء: ٧٩] يعني الأمر بقيام الليل في بعض الليل.
قال أبو شامة: «وهذا الوجه لا بأس به، وقد زاد شيخنا أبو الحسن- يعنى السخاوي في تفسيره أيضا وتقريرا، فقال: وإنما قال: «ليلا» ، والإسراء لا يكون إلا بالليل، لأن المدة التي أسرى به فيها لا تقطع في أقل من أربعين يوما، فقطعت به في ليل واحد المعنى سبحان الذي أسرى بعبده في ليل واحد من كذا إلى كذا، وهو موضع التعجب» . قال: «وإنما عدل عن ليلة إلى ليل، لأنهم إذا قالوا: سرى ليلة، كان ذلك في الغالب لاستيعاب الليلة، فقيل: ليلا أي في ليل» .
وتعقّب صاحب الفوائد كلام الزمخشري بكلام تعقبه فيه الطيبي، ثم قال الطيبي: