عمرو بن الحارث بن كندة بن عمرو بن ثعلبة من القواقل شهد العقبة الثانية قاله ابن إسحاق.
عمرو بن عنمة- بمهملة فنون فميم مفتوحات- ابن عدي بن نابي بن عمرو بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة السلمي. عمرو بن غزيّة- بغين معجمة مفتوحة فزاي مكسورة فمثناة تحتية مشدّدة- ابن عمرو بن ثعلبة بن خنساء بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن- بالزاي- ابن النجّار الخزرجي ثم المازني، يقال إنه شهد العقبة، وقال ابن هشام: عمرو بن غزية بن عمرو بن ثعلبة وهو عطية بن خنساء. عمير- وقيل عمرو- ابن الحارث بن ثعلبة بن الحارث بن حرام بن كعب ابن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد الخزرجي كذا نسبه ابن إسحاق وزاد موسى بن عقبة بين الحارث وثعلبة: لبدة- بكسر اللام وإسكان الموحدة وبالمهملة. عمير بن عامر بن نابي بن يزيد بن حرام الخزرجي، قال ابن الكلبي: شهد المشاهد كلها، وأقرّه الرشاطي والحافظ، وقال الحافظ الدمياطي: لم أر من ذكره في الصحابة غيره. عوف بن الحارث بن رفاعة- بكسر الراء- ابن الحارث بن سواد [بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار الخزرجي] النّجّاري يعرف بأمه عفراء، ويقال بحذف الحارث الثاني. عويم- بضم أوله وفتح الواو وسكون التحتية بعدها ميم وليس بعدها راء- ابن ساعدة بن عايش- بمثناة تحتية فشين معجمة- ابن قيس بن النعمان بن زيد بن أمية بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس الأوسيّ.
الفاء: فروة- بفتح الفاء وسكون الراء- ابن عمرو بن ودفة- بفتح الواو وإسكان الدال، قال ابن إسحاق: وهي معجمة وقال ابن هشام: مهملة ورجّحه السهيلي وفسّرة بالروضة- ابن عبيد بن عامر بن بياضة البياضي.
القاف: قتادة بن النعمان بن زيد بن عامر بن سواد بن ظفر بن الخزرج [بن عمرو بن مالك بن الأوس] الأوسي ثم الظفري، ذكروه فيهم إلا ابن إسحاق. قطبة- بضم أوله وسكون الطاء المهملة- ابن عامر بن حديدة بن عمرو بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة الخزرجي السّلمي يكنى أبا زيد. قيس بن أبي صعصعة- واسم أبي صعصعة عمرو- ابن زيد بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النّجّار الخزرجي المازني.
الكاف: كعب بن عمرو بن عبّاد- بفتح العين المهملة وتشديد الباء الموحدة- ابن عمرو بن سواد بن غنم [بن كعب بن سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج] الخزرجي السّلمي أبو اليسر- بفتح المثناة التحتية والمهملة. كعب بن مالك بن أبي كعب عمرو بن القين- بفتح القاف وسكون المثناة التحتية- ابن كعب بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد بن عليّ- بضم العين المهملة وفتح اللام- ابن أسد بن ساردة أبو عبد الله الخزرجي السّلمي- بفتحتين ويقال أبو بشير، ويقال أبو عبد الرحمن.
стр. 1262
الميم: مالك بن التّيّهان- بمثناة فوقية مفتوحة فمثناة تحتية مكسورة مشدّدة ويجوز تخفيفها فألف فنون- ابن مالك بن عبيد بن عمرو بن عبد الأعلم بن عامر بن زعوراء بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو وهو النّبيت- بفتح النون وكسر الباء الموحدة فمثناة تحتية ساكنة فمثناة فوقية- ابن مالك بن الأوس، أبو الهيثم الأوسي. مالك بن الدخشم- بدال مهملة مضمومة فخاء ساكنة فشين مضمومة معجمتين فميم ويقال بالنون بدل الميم ويقال كذلك بالتصغير. - ابن مالك بن غنم بن عوف بن عمرو بن عوف، وقيل في نسبه غير هذا.
قال أبو عمر: لا يصح منه النّفاق فقد ظهر من حسن إسلامه ما يمنع من اتهامه بذلك. مالك بن رفاعة بن عمرو بن زيد، ذكره الأموي، كذا في العيون ولم أره في التلقيح لابن الجوزي ولا في العجالة للبرهان النووي ولا في الإصابة للحافظ. مسعود بن يزيد بن سبيع بن خنساء- ويقال سنان- ابن عبيد بن عدي بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة السّلميّ.. معاذ-- بضم أوله وبالذال المعجمة- ابن جبل- بفتح الجيم والموحدة- ابن عمرو بن أوس بن عايذ- بالمثناة التحتية والذال المعجمة- ابن عدي بن كعب بن عمرو بن أديّ- بضم الهمزة وفتح الدال المهملة وتشديد المثناة التحتية- ابن سعد بن عليّ- بضم العين المهملة وفتح اللام- ابن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج، أبو عبد الرحمن الخزرجي الجشمي، الإمام المقدّم في علم الحلال والحرام رضي الله تعالى عنه. معاذ بن الحارث بن رفاعة بن الحارث بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النّجّار الخزرجي، يعرف بأمّه عفراء. معاذ بن عمرو بن الجموح- بجيم مفتوحة فميم فواو- ابن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة الخزرجي السّلمي. معقل- بميم مفتوحة فعين ساكنة مهملة فقاف مكسورة فلام- ابن المنذر بن سرح- بسين فراء فحاء مهملات- ابن خناس بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم السلمي، معن بن عدي بن الجد- بفتح الجيم وتشديد الدال المهملة- ابن العجلان بن ضبيعة- بضم الضاد وفتح الموحدة وسكون التحتية وبالعين- ابن حارثة بن ضبيعة بن حرام بن جعل- بضم الجيم وسكون العين المهملة- ابن عمرو بن جشم بن ردم بن ذبيان بن هميم- بضم الهاء مصغّرا- ابن ذهل- بضم الذال المعجمة- ابن هني بن بليّ البلوي، حليف بني عمرو بن عوف. معوّذ- بالذال المعجمة بلفظ اسم الفاعل- ابن الحارث بن رفاعة، ويعرف بأمّه عفراء. المنذر بن عمرو بن خنيس بن حارثة بن لوذان بن عبد ود بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الخزرجي الساعدي.
النون: النعمان بن عمرو بن رفاعة بن الحارث بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النّجّار. نهير بن بهير- بالموحدة- وهو نهير بن الهيثم- من بني نابي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأوسي.
стр. 1263
الهاء: هانئ- بهمزة آخره- ابن نيار- بكسر النون وتخفيف المثناة التحتية وآخره راء- ابن عمرو بن عبيد بن كلاب بن دهمان- بدال مهملة مضمومة فهاء ساكنة- بن غنم بن ذبيان- بذال معجمة مكسورة ويجوز ضمها فموحدة ساكنة فمثناة تحتية وآخره نون- ابن هميم- بهاء مضمومة فميم مفتوحة فمثناة تحتية فميم أخرى- ابن كاهل- بكسر الهاء- ابن ذهل- بضم الذال المعجمة وسكون الهاء- ابن هنيّ- بفتح الهاء وكسر النون وتشديد التحتية- ابن بليّ- بالموحدة واللام وزان عليّ- ابن عمرو بن الحاف- بالحاء المهملة والفاء ومنهم من يكسر همزته ويقطعها ومنهم من يجعل الألف واللام فيه للتعريف منزلة اسم الفاعل من حفي يحفى- ابن قضاعة- بضم القاف وبالضاد المعجمة حليف لبني حارثة من الأنصار.
المثنّاة التحتية: يزيد بن ثعلبة بن خزمة- بفتح المعجمتين قاله الدارقطني، وقال ابن إسحاق وابن الكلبي بسكون الزاي- ابن أصرم بن عمرو بن عمّارة- بفتح أوله والتشديد- ابن مالك البلوي أبو عبد الرحمن حليف بني سالم بن عوف بن الخزرج. يزيد بن خذام- بخاء مكسورة وذال معجمتين، ويقال حرام بالحاء والراء المهملتين- ابن سبيع- بموحدة مصغّرا- ابن خنساء بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة الخزرجي السلمي. يزيد بن عامر بن حديدة- بالحاء المهملة- ابن غنم بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة أبو المنذر الخزرجي السلمي. يزيد بن المنذر بن سرح- بمهملات- ابن خناس بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة الخزرجي السلمي.
الكنى: أبو سنان بن صيفي بن صخر بن خنساء بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة.
النساء: أسماء بنت عمرو بن عدي بن نابي بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة، أم منيع السلمية. نسيبة بفتح النون وكسر السين المهملة- بنت كعب بن عمرو بن عوف بن عمرو بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن، أم عمارة.
стр. 1264
الباب التاسع في إسلام عمرو بن الجموح بفتح الجيم وبالحاء المهملة رضي الله تعالى عنه
قال ابن إسحاق وغيره: لما قدم النّفر الذين بايعوا رسول الله ﷺ ، أظهروا الإسلام بالمدينة، وفي قومهم بقايا من شيوخ لهم على دينهم من الشّرك، منهم عمرو بن الجموح [بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة السّلمي من بني جشم بن الخزرج] ، وكان ابنه معاذ بن عمرو شهد العقبة وبايع رسول الله ﷺ بها. وكان عمرو [بن الجموح] سيّدا من سادات بني سلمة [وشريفا من أشرافهم] ، وكان قد اتخذ في داره صنما من خشب يعظّمه يقال له: مناة [كما كانت الأشراف يصنعون تتخذ إلها تعظّمه وتظهره] .
فلما أسلم فتيان بني سلمة: معاذ بن جبل ومعاذ بن عمرو في فتيان منهم ممن أسلم وشهد العقبة، وكانوا يدلجون بالليل على صنم عمرو ذلك فيحملونه ويطرحونه في بعض حفر بني سلمة وفيها عذر الناس، منكّسا على رأسه، فإذا أصبح عمرو قال: ويحكم! من عدا على آلهتنا هذه الليلة؟
قال: ثم يغدو يلتمسه حتى إذا وجده غسله وطهّره وطيّبه، ثم قال: أما والله لو أعلم من فعل بك هذا لأخزينّه. فإذا أمسى ونام عدوا عليه ففعلوا به مثل ذلك، [فيغدوا فيجده في مثل ما كان فيه من الأذى فيغسله ويطهّره ويطيّبه ثم يعدون عليه إذا أمسى فيفعلون به مثل ذلك] فلما أكثروا عليه استخرجه من حيث ألقوه يوما فغسله وطهّره وطيّبه، ثم جاء بسيفه فعلّقه عليه ثم قال له: إني والله ما أعلم من يصنع بك ما أرى، فإن كان فيك خير فامتنع فهذا السيف معك. فلما أمسى ونام عمرو عدوا عليه فأخذوا السيف من عنقه ثم أخذوا كلبا ميتا فقرنوه به بحبل ثم ألقوه في بئر من آبار بني سلمة فيها عذر من عذر الناس. وغدا عمرو بن الجموح يلتمسه فلم يجده في مكانه، فخرج يتبعه حتى وجده في تلك البئر منكّسا مقرونا بكلب ميّت. فلما رآه أبصر شأنه، وكلّمه من أسلم من قومه، فأسلم ﵀ وحسن إسلامه. فقال حين أسلم وعرف من الله ما عرف [وهو يذكر صنمه ذلك وما أبصر من أمره ويشكر الله تعالى الذي أنقذه مما كان فيه من العمى والضلالة] :
والله لو كنت إلها لم تكن ... أنت وكلب وسط بئر في قرن
أفّ لملقاك إلها مستدن ... الآن فتّشناك عن سوء الغبن
الحمد لله العليّ ذي المنن ... الواهب الرّزّاق ديّان الدّين
هو الّذي أنقذني من قبل أن ... أكون في ظلمة قبر مرتهن
بأحمد المهدي النّبيّ المؤتمن [ (١) ]
стр. 1265
تنبيهان
الأول: في الزهر قول عمرو: «لو كنت إلها لم تكن» فيه عيب يسمى: سناد الإشباع وهو تغيير حركة الدخيل فالضمة مع الكسرة غير معيب والفتحة مع واحد منهما معيب والمذكور في الرّجز معيب بغير شك لأنه جمع بين الفتح والضم في قوله: في قرن.
الثاني: في بيان غريب ما سبق:
«مناة» [ (١) ] وزنه فعلة من منيت الدّم وغيره إذا صببته لأن الدماء كانت تمنى عنده أي تصبّ تقرّبا إليه.
«العذر» بفتح العين المهملة وكسر الذال المعجمة: جمع عذرة الخروء.
«القرن» [ (٢) ] بفتحتين: الحبل.
«مستدن» بفتح المثناة الفوقية والدال المهملة معناه: ذليل مستعبد ذكره في الإملاء قال في الروض: هو من السّدانة وهي خدمة البيت وتعظيمه.
«الغبن» [ (٣) ] بفتح الغين المعجمة والباء الموحدة يقال: غبن رأيه كما يقال سفه نفسه، فنصبوا لأن المعنى خسر نفسه وأوبقها وأفسد رأيه ونحو هذا.
«الدّين» . بكسر الدال المهملة: جمع دينة وهي العادة ويقال لها دين أيضا، ويجوز أن يكون أراد بالدّين الأديان أي هو ديّان أهل الأديان، ولكن جمعها على الدّين لأنها ملل ونحل والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب وإلى الله ترجع الأمور.
стр. 1266
جماع أبواب الهجرة إلى المدينة الشريفة
الباب الأول في إذن النبي ﷺ للمسلمين في الهجرة إلى المدينة
روى ابن سعد عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف وعن عروة عن عائشة ﵄ قال: لما صدر السبعون من عند رسول الله ﷺ طابت نفسه وقد جعل الله له منعة وقوما أهل حرب [وعدّة] ونجدة، وجعل البلاء يشتد على المسلمين من المشركين لما يعلمون من الخروج فضيّقوا على أصحابه وتعبّثوا بهم، ونالوا منهم ما لم يكونوا ينالون من الشّتم والأذى، فشكا ذلك أصحاب رسول الله ﷺ واستأذنوه في الهجرة، فقال: «قد أريت دار هجرتكم، أريت سبخة ذات نخل بين لابتين» - وهما الحرّتان- «ولو كانت السّراة أرض نخل وسباخ لقلت هي هي» . ثم مكث أياما ثم خرج إلى أصحابه مسرورا فقال: «قد أخبرت بدار هجرتكم وهي يثرب، فمن أراد الخروج فليخرج إليها» .
فجعل القوم يتجهّزون ويترافقون ويتواسون ويخرجون ويخفون ذلك. فكان أول من قدم المدينة من أصحاب رسول الله ﷺ أبو سلمة بن عبد الأسد- بسين ودال مهملتين [ (١) ] . قال ابن إسحاق: «هاجر إلى المدينة قبل بيعة العقبة بسنة. وحبست عنه امرأته أم سلمة هند بنت أبي أمية بن المغيرة بمكة نحو سنة ثم أذن لها بنو المغيرة الذين حبسوها في اللحاق بزوجها فانطلقت وحدها مهاجرة حتى إذا كانت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة [بن أبي طلحة] أخا بني عبد الدار وكان يومئذ مشركا وأسلم بعد ذلك، فشيّعها حتى إذا أوفى على قرية بني عمرو بن عوف بقباء قال لها: هذا زوجك في هذه القرية. ثم انصرف راجعا إلى مكة، فكانت تقول: ما رأيت صاحبا قط كان أكرم من عثمان بن طلحة، كان إذا بلغ المنزل أناخ بي ثم استأخر عنّي حتى إذا نزلت عنه استأخر ببعيري فحطّ عنه ثم قيّده في الشجرة، ثم أتى إلى شجرة فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرّواح قام إلى بعيري فقدّمه فرحله، ثم استأخر عنّي وقال: اركبي. فإذا ركبت واستويت على بعيري أتى فأخذ بخطامه فقادني، [فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة] .
стр. 1267
وقيل: أول المهاجرين مصعب بن عمير. روى البخاري في صحيحه، والحاكم في الإكليل عن البراء بن عازب قال: «أول من قدم علينا المدينة من المهاجرين مصعب بن عمير» . وروى ابن إسحاق وابن سعد: «ثم كان أول من قدمها من المهاجرين بعد أبي سلمة:
عامر بن ربيعة [حليف بني عدي بن كعب] ، معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة [ (١) ]- بالحاء المهملة المفتوحة وسكون الثاء المثلثة- قالا: «وهي أول ظعينة قدمت المدينة» .
قال ابن إسحاق: «ثم عبد الله بن جحش احتمل بأهله وبأخيه أبي أحمد عبد بن جحش- بإضافة عبد إلى ابن جحش- وكان أبو أحمد رجلاً ضرير البصر، وكان يطوف مكة أعلاها وأسفلها بغير قائد، وكان شاعرا، وكانت عنده الفارعة ابنة أبي سفيان بن حرب، وهاجر جميع بني جحش بنسائهم فعدا أبو سفيان على دارهم فتملّكها، قال بعضهم: إنه باعها من عمرو بن علقمة أخي بني عامر بن لؤي، فذكر ذلك عبد الله بن جحش لرسول الله ﷺ ،
فقال له رسول الله ﷺ : «إلا ترضى يا عبد الله أن يعطيك الله بها دارا في الجنة خيراً منها؟» قال: بلى. قال:
«فذلك لك» .
ولما افتتح رسول الله ﷺ مكّة كلّمه أبو أحمد في دارهم، فأبطأ عليه رسول الله ﷺ . فقال الناس لأبي أحمد: يا أبا أحمد إن رسول الله يكره أن ترجعوا في شيء أصيب منكم في الله. فأمسك الكلام عن رسول الله ﷺ . قال ابن إسحاق: وكان بنو غنم بن دودان أهل إسلام، قد أوعبوا إلى المدينة مع رسول الله ﷺ هجرة رجالهم ونساؤهم: [عبد الله بن جحش وأخوه أبو أحمد بن جحش، وعكاشة بن محصن وشجاع وعقبة ابنا وهب وأربد بن حمير] .
وروى ابن السمان في «الموافقة» عن علي ﵁ قال: ما علمت أن أحدا من المهاجرين هاجر إلا مختفيا إلا عمر بن الخطاب، فإنه لما همّ بالهجرة تقلّد سيفه وتنكّب قوسه وانتضى في يده أسهما واختصر عنزته، ومضى قبل الكعبة، والملأ من قريش بفنائها فطاف بالبيت سبعاً [متمكنا] ، ثم أتى المقام فصلى ركعتين، ثم وقف على الحلق واحدة واحدة وقال لهم: شاهت الوجوه، لا يرغم الله إلا هذه المعاطس، من أراد أن يثكل أمّه أو يؤتم ولده أو يرمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي. قال علي ﵁: فلم يتبعه أحد إلا قوم من المستضعفين علّمهم ما أرشدهم إليه ثم مضى لوجهه.
وروى ابن إسحاق: حدثني نافع مولى عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر عن أبيه عمر بن الخطاب ﵁ قال:
стр. 1268
اتّعدت لما أردنا الهجرة إلى المدينة أنا وعيّاش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص [بن وائل] السّهميّ التّناضب من أضاة بني غفار فوق سرف، وقلنا: أيّنا لم يصبح عندها فقد حبس فليمض صاحباه. قال: فأصبحت أنا وعيّاش بن أبي ربيعة عند التناضب وفطن لهشام قومه فحبسوه عن الهجرة وفتن فافتتن. ثم إن أبا جهل والحارث بن هشام- وأسلم بعد ذلك- خرجا حتى قدما المدينة، ورسول الله ﷺ بمكة، فقالا لعيّاش بن أبي ربيعة وكان ابن عمّهما وأخاهما لأمهما: إن أمّك قد نذرت ألّا يمسّ رأسها مشط حتى تراك ولا تستظلّ من شمس حتى تراك، فرقّ لها. فقلت له: يا عيّاش إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم، فوالله لو قد آذى أمّك القمل لامتشطت، ولو قد اشتدّ عليها حرّ مكة لاستظلّت. فقال: أبرّ قسم أمي ولي هنالك مال فآخذه. فقلت: والله إنك لتعلم أني لمن أكثر قريشا مالا فلك نصف مالي ولا تذهب معهما. فأبى علي إلا أن يخرج معهما. فلما أبي إلا ذلك قلت: أما إذ قد فعلت ما فعلت فخذ ناقتي هذه فإنها ناقة نجيبة ذلول فالزم ظهرها، فإن رابك من القوم ريب فانج عليها، فخرج عليها معهما، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل: والله يا أخي لقد استغلظت بعيري هذا، أفلا تعقبني على ناقتك هذه؟. قال: بلى.
قال: فأناخ وأناخا ليتحول عليها، فلما استووا بالأرض عدوا عليه فأوثقاه رباطا وفتناه فافتتن ودخلا به مكة نهارا موثقا، ثم قالا: يا أهل مكة هكذا فافعلوا بسفهائكم كما فعلنا بسفيهنا هذا. قال عمر: فكنا نقول: ما الله تعالى بقابل ممّن افتتن صرفا ولا عدلا ولا توبة، قوم عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم. قال: وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم. فلما قدم النبي ﷺ المدينة أنزل الله تعالى فيهم وفي قولنا وقولهم لأنفسهم قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الزمر: ٥٣، ٥٤، ٥٥] .
قال عمر بن الخطاب ﵁: فكتبتها بيدي في صحيفة وبعثت بها إلى هشام بن العاصي. قال: فقال هشام: فلما أتتني جعلت أقرؤها بذي طوى أصعّد بها فيه وأصوّب ولا أفهمها حتى قلت: اللهم فهّمنيها قال: فألقى الله تعالى في قلبي أنها إنما أنزلت فينا وفيما كنا نقول في أنفسنا. قال: فرجعت إلى بعيري فجلست عليه فلحقت برسول الله ﷺ . هذا ما ذكره ابن إسحاق في شأن هشام.
قال ابن هشام: فحدثني من أثق به إن رسول الله ﷺ قال وهو بالمدينة: «من لي بعيّاش بن أبي ربيعة وهشام بن العاصي؟» فقال الوليد بن الوليد بن المغيرة: أنا لك يا رسول الله بهما.
стр. 1269
فخرج إلى مكة فقدمها مستخفيا، فلقي امرأة تحمل طعاما فقال لها: أين تريدين يا أمة الله؟
قالت: أريد هذين المحبوسين. تعنيهما، فتبعها حتى عرف موضعهما، وكانا محبوسين في بيت لا سقف له، فلما أمسى تسوّر عليهما ثم أخذ مروة فوضعها تحت قيديهما ثم ضربهما بسيفه فقطعهما، فكان يقال لسيفه: ذو المروة، لذلك ثم حملهما على بعيره وساق بهما فعثر فدميت إصبعه فقال:
هل أنت إلا أصبع دميت؟ ... وفي سبيل الله ما لقيت
ثم قدم بهما على رسول الله ﷺ ، ثم تتابع المهاجرون أرسالا فنزل طلحة بن عبيد الله وصهيب بن سنان على خبيب- بضم الخاء المعجمة وفتح الوحدة- ابن إساف- بكسر الهمزة- بالسّنح ويقال: بل نزل طلحة بن عبيد الله على أسعد بن زرارة.
وروى ابن سعد عن سعيد بن المسيّب أن صهيبا حين أراد الهجرة قال له كفّار قريش:
أتيتنا صعلوكا حقيرا فكثر مالك عندنا وبلغت الذي بلغت ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك والله لا يكون ذلك. فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي؟ قالوا: نعم.
قال: فإني جعلت لكم مالي.
قال: فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: «ربح صهيب ربح صهيب» [ (١) ] .
قال ابن سعد: لما قدم أصحاب رسول الله ﷺ أرسالا فنزلوا في الأنصار في دورهم وآووهم ونصروهم وآسوهم، وكان سالم مولى أبي حذيفة يؤمّ المهاجرين بقباء قبل أن يقدم النبي ﷺ . قال ابن إسحاق وأقام رسول الله ﷺ بمكة بعد أصحابه من المهاجرين ينتظر أن يؤذن له في الهجرة، ولم يتخلّف معه بمكة أحد من المهاجرين إلا من حبس أو فتن، إلا علي بن أبي طالب وأبو بكر بن أبي قحافة ﵄.
وكان أبو بكر كثيرا ما يستأذن رسول الله ﷺ في الهجرة فيقول له: «لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبا» .
فيطمع أبو بكر أن يكونه.
قال ابن سعد: وكان نفر من الأنصار بايعوا رسول الله ﷺ في العقبة الآخرة، ثم رجعوا إلى المدينة، فلما قدم أول من هاجر إلى قباء خرجوا إلى رسول الله ﷺ بمكة، حتى قدموا مع أصحابه في الهجرة، فهم مهاجرون أنصاريون وهم: ذكوان بن عبد قيس [بن خلدة الزّرقي] ، وعقبة بن وهب بن كلدة والعبّاس [ابن عبادة] بن نضلة وزياد بن لبيد [بن ثعلبة الخزرجي البياضي] .
стр. 1270
تنبيهات
الأول: ذكر ابن إسحاق وابن سعد إن أول من هاجر من أصحاب النبي ﷺ أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد. وروى ابن أبي شيبة والبخاري عن البراء بن عازب ﵁ أنه قال: أول من قدم علينا المدينة من المهاجرين مصعب بن عمير. قال الحافظ: «فيجمع بينهما بحمل الأوّليّة في أحدها على صفة خاصة. فقد جزم ابن عقبة بأن أول من قدم من المهاجرين مطلقا أبو سلمة بن عبد الأسد، وكان رجع من الحبشة إلى مكة، فأوذي بمكة، فبلغه ما وقع للاثني عشر من الأنصار في العقبة الأولى، فتوجه إلى المدينة في أثناء السنة، فيجمع بين ذلك وبين ما وقع في حديث البراء بأن أبا سلمة خرج لا لقصد الإقامة بالمدينة بل فرارا من المشركين، بخلاف مصعب بن عمير فكان على نية الإقامة بالمدينة» .
الثاني: جزم أبو عمر بأن ليلى بنت أبي حثمة بن غانم أول ظعينة دخلت المدينة من المهاجرات، وقال موسى بن عقبة: بل أم سلمة فالله أعلم.
الثالث: ذكر ابن إسحاق في مهاجرات بني [غنم بن] دودان بن أسد: بنات جحش وذكر فيهنّ أم حبيبة- بالهاء- وقال السهيلي: أم حبيب- بغير هاء- وقال أبو عمر: هو قول الأكثر، قال الحافظ: كذا قال. قلت لأن قصتها في الاستحاضة رواها الزّهري عن عروة عن عائشة ﵂. وقال عمرو بن الحارث، ومحمد بن إسحاق وابن أبي ذئب كلهم عن الزهري: أم حبيبة بالهاء وقال معمر عنه: أم حبيب بغير هاء، وقال يحيى بن أبي كثير عن أم سلمة عن أم حبيبة بالهاء. وقال ابن عيينة عن الزهري: أم حبيبة أو حبيب على الشك. فظهر من هذا أن أكثر الرواة قالوا: أم حبيبة بالهاء خلافا لما قاله أبو عمر. قال في العيون: «وأما ابن عساكر فعنده أم حبيبة واسمها حمنة فهما أي بنات جحش ثنتان على هذا» . انتهى. قلت: كان مستند الحافظ ابن عساكر في ذلك ما رواه أبو داود والترمذي عن عمران بن طلحة عن عبيد الله عن أمه حمنة بنت جحش قالت: كنت أستحاض فذكر الحديث. فلما رأى الحافظ ابن عساكر حديث الاستحاضة تارة يروى عن حمنة بنت جحش وتارة يروى عن أم حبيبة ظنّ أن اسم أم حبيبة حمنة، وليس كذلك فإن حمنة غير أم حبيبة وكل منهما استحيض. وقد ذكر ابن إسحاق وابن سعد وغيرهما بنات جحش وسمّوهنّ وذكروا أزواجهن، ولهذا مزيد بيان في كتابي: «عين الإصابة في معرفة الصحابة» ، أعان الله على إكماله.
الرابع: ذكر ابن إسحاق من نساء بني جحش: جذامة بنت جندل. قال السهيلي:
«وأحسبها جذامة بنت وهب وأما جذامة بنت جندل فلا تعرف في آل جحش الأسديين ولا في غيرهم ولعله وهم وقع في الكتاب وأنها بنت وهب بن محصن بنت أخي عكاشة بن محصن.
стр. 1271
قال في الزهر: وهذا غير لأن محمد بن جرير ذكر جذامة في المهاجرات، قال: والمحدّثون قالوا فيها: جذامة بنت وهب، والمختار أنها بنت جندل أخت عكاشة بن محصن المشهور، وتكون أخته من أمّه.
وفي كتاب الصحابة لابن حبّان: جذامة بنت جندل من بني غنم من المهاجرات، وجذامة بنت وهب من بني هلال. وفي الطبقات لابن سعد: جذامة بنت جندل الأسدية أسلمت قديما وبايعت وهاجرت إلى المدينة. ويزيد ذلك وضوحا ما ذكره أبو الحسن الخزرجي في كتاب تقريب المدارك في الكلام على موطّأ مالك: أن جذامة بنت وهب أسلمت عام الفتح، ودال جدامة روي إعجامها وإهمالها وصحّح.
الخامس: في بيان غريب ما سبق:
«اللّحاق» [ (١) ] : بفتح اللام مصدر لحقه ولحق به.
«أرسالا» [ (٢) ] : بفتح الهمزة أي: أفواجا وفرقا.
«التنعيم» : على لفظ المصدر محل بين مكة وسرف على مرحلتين من مكة.
«منعة» : بفتحتين أي في قوم يمنعونه ويحمونه جمع مانع ككاتب وكتبة وتقدم مبسوطا غير مرة.
«السّبخة» : بكسر الموحدة وتسكّن: الأرض المالحة.
«بين لابتين» : تثنية لابة بالموحدة وهي الحرّة وتأتي.
«الحرّتان» : تثنية حرّة وهي أرض ذات أحجار سود نخرة كأنّها أحرقت بالنار.
«السّراة» : بفتح السين المهملة: أعظم جبال بلاد العرب «الظعينة» : بفتح الظاء المعجمة المشالة: المرأة وأصله الهودج الذي تكون فيه المرأة.
«عدا» : بالعين المهملة: من العدوان.
«فأبطأ» : بهمزة مفتوحة في أوّله وأخرى في آخره.
«أصيب منكم» بالبناء للمفعول.
«أوعبوا» : قال ابن السّكّيت: أوعب بنو فلان جلاء: لم يبق بدارهم منهم أحد.
«تنكّب قوسه» : ألقاها على منكبه.
стр. 1272
«انتضى [ (١) ] في يده أسهما» : أي سلّها من كنانته وتركها معدّة في يده وكذلك انتضى سيفه ونضاه سلّه.
«اختصر العنزة» [ (٢) ] العنزة بالتحريك: أطول من العصا وأقصر من الرّمح وفيه زجّ كزجّ الرّمح، واختصرها: حملها مضمومة إلى خاصرته.
«المعاطس» [ (٣) ] جمع معطس بزنة مجلس وهو الأنف.
«وإرغامها» : إلصاقها بالرغام وهو التراب كنّى بذلك عن الإهانة والذّلّ.
«التّناضب» : بمثناة فوقية مفتوحة فنون فألف فضاد معجمة مضمومة: هو اسم موضع ويروى بكسر الضاد جمع تنضب وهو شجر واحدته تنضبة.
«الأضاة» : بفتح الهمزة والضاد المعجمة بوزن حصاة ومناة الغدير يجتمع من ماء المطر يمد ويقصر.
«غفار» بكسر الغين المعجمة وبالفاء وبالراء.
«سرف» بفتح السين والراء المهملتين وبالفاء: موضع بين مكة والمدينة.
«تسوّر الحائط» : تسلّقه.
«المروة» [ (٤) ] : الحجر الصلب.
«فعثر» بفتح المثلثة صدم رجله شيء.
«ذو طوى» [ (٥) ] بتثليث الطاء: بمكة قال النووي: يصرف ولا يصرف.
стр. 1273
الباب الثاني في سبب هجرة النبي ﷺ بنفسه الكريمة وكفاية الله تعالى رسوله مكر المشركين حين أرادوا ما أرادوا
روى ابن إسحاق وعبد الرزاق والإمام أحمد وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن ابن عباس، وعبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة، والبيهقي عن ابن إسحاق أن قريشا لما رأت إن رسول الله ﷺ قد كانت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، عرفوا أنهم قد نزلوا دارا وأصابوا جوارا ومنعة، فحذروا خروج رسول الله ﷺ ، وعرفوا أنه قد أجمع لحربهم، فاجتمعوا له في دار النّدوة- وهي دار قصي بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمرا إلا فيها- يتشاورون فيها ما يصنعون في أمر النبي ﷺ حين خافوه.
فاجتمعوا لذلك واتّعدوا، وكان ذلك اليوم يسمّى يوم الزّحمة فاعترضهم إبليس لعنه الله في هيئة شيخ جليل عليه بتّ له، فوقف على باب الدار، فلما رأوه واقفا على بابها قالوا: من الشّيخ؟ قال:
شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتّعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون وعسى ألا تعدموا منه رأيا ولا نصحا. قالوا: أجل فادخل، فدخل معهم، وقد اجتمع فيها أشراف قريش: من بني عبد شمس: عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو سفيان بن حرب- وأسلم بعد ذلك-[ومن بني نوفل بن عبد مناف] : طعيمة بن عديّ، وجبير بن مطعم- وأسلم بعد ذلك- والحرث بن عامر بن نوفل. ومن بني عبد الدار بن قصيّ] : النّضر بن الحرث بن كلدة [ومن بني أسد بن عبد العزّى] : أبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود- وأسلم بعد ذلك- وحكيم بن حزام- وأسلم بعد ذلك، [ومن بني مخزوم] : أبو جهل بن هشام، [ومن بني سهم] : نبيه ومنبّه ابنا الحجّاج، ومن بني جمح: أمية بن خلف، ومن كان معهم، وغيرهم ممّن لا يعدّ من قريش.
فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم، وإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا بمن قد اتبعه من غيرنا فأجمعوا فيه رأيا. قال: فتشاوروا ثم قال قائل منهم- نقل السهيلي عن ابن سلّام أنه أبو البختريّ بن هشام- احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابا، ثم تربّصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله: زهيرا والنابغة ومن مضى منهم من هذا الموت حتى يصيبه ما أصابهم. فقال الشيخ النجدي- لعنه الله-: لا والله ما هذا لكم برأي، والله لو حبستموه كما تقولون ليخرجنّ أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأي فانظروا في غيره.
فتشاوروا ثم قال قائل منهم- ذكر السهيلي أنه أبو الأسود ربيعة بن عمرو أحد [ (١) ] بني
стр. 1274
عامر بن لؤي- نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا، فإذا خرج عنا فوالله ما نبالي أين ذهب ولا حيث وقع، إذا غاب عنا وفرغنا منه فأصلحنا أمرنا وألفتنا [كما كانت] فقال الشيخ النجدي: لا والله، ما هذا لكم برأي، ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته قلوب الرجال بما يأتي به؟ والله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحلّ على حيّ من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم في بلادكم، فيأخذ أمركم من أيديكم، ثم يفعل بكم ما أراد، دبّروا فيه رأيا غير هذا. فقال أبو جهل بن هشام: والله إن لي فيه لرأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد.
قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟ قال: أرى أن تأخذوا من كل قبيلة فتى شابّا جلدا نسيبا وسيطا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما، ثم يعمدوا إليه بأجمعهم فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه فنستريح منه، فإنهم إن فعلوا ذلك تفرّق دمه في القبائل جميعا، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا، فرضوا منا بالعقل فعقلناه لهم. فقال الشيخ النجدي أخزاه الله: القول ما قال الرجل، هذا الرأي لا أرى غيره.
وذكر ابن الكلبي أن إبليس لما حمد رأي أبي جهل لعنه الله قال:
الرّأي رأيان: رأي ليس يعرفه ... هاد ورأي كنصل السّيف معروف
يكون أوّله عزّ ومكرمة ... يوما وآخره جدّ وتشريف
وتفرّق القوم على ذلك وهم مجمعون له. فأتى جبريل رسول الله ﷺ فقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، وأخبره بمكر القوم وإذن الله تعالى له بالخروج. فلما كانت العتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه متى ينام فيثبون عليه،
فلما رأى رسول الله ﷺ مكانهم قال لعلي بن أبي طالب: «نم على فراشي وتسجّ ببردي هذا الحضرميّ الأخضر فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم» ،
وكان رسول الله ﷺ ينام في برده ذلك إذا نام.
فلما اجتمعوا قال أبو جهل بن هشام: إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم ثم بعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم جنان كجنان الأردن وإن أنتم لم تفعلوا كان فيكم ذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم نار تحرقون فيها.
فخرج عليهم رسول الله ﷺ فأخذ حفنة من تراب في يده ثم قال: «نعم أنا أقول ذلك وأنت أحدهم» .
وأخذ الله على أبصارهم عنه فلا يرونه فجعل يذري ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات: يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ إلى قوله تعالى: فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس: ١- ٩] فلم يبق منهم رجل إلا وقد وضع رسول الله ﷺ على رأسه ترابا، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب.
стр. 1275
فأتاهم آت ممن لم يكن معهم فقال: «ما تنتظرون ههنا» ؟ قالوا: «محمدا» . قال: «خيّبكم الله، قد والله خرج عليكم محمد ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم» ؟ قال: «فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب» ، ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليا على الفراش متسجّيا ببرد رسول الله ﷺ ، فيقولون: والله إن هذا لمحمد نائما عليه برده. فلم يزالوا كذلك حتى أصبحوا. فقام علي ﵁ من الفراش.
فقالوا: «والله لقد صدقنا الذي كان حدّثناه» . وذهب رسول الله ﷺ إلى غار ثور.
وروى الحاكم عن ابن عباس ﵄ قال: «شرى عليّ نفسه ولبس ثوب النبي ﷺ ثم نام مكانه» . وكان المشركون يرجون رسول الله ﷺ فجعلوا يرمون عليّا ويرونه النبي ﷺ ، وجعل عليّ يتوضأ فإذا هو علي، فقالوا: إنك للئيم، إنك لتتضوّر [ (١) ] وكان صاحبك لا يتضوّر وقد استنكرناه منك.
وروى الحاكم عن علي بن الحسين ﵄ قال: إن أول من شرى نفسه ابتغاء رضوان الله عليّ، وقال في ذلك شعراً:
وقيت بنفسي خير من وطئ الحصى ... ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر
رسول إله خاف أن يمكروا به ... فنجّاه ذو الطّول الإله من المكر
وبات رسول الله في الغار آمنا ... موقّى وفي حفظ الإله وفي ستر
وبتّ أراعيهم وما يتّهمونني ... وقد وطّنت نفسي على القتل والأسر
قال ابن إسحاق: وكان مما أنزل الله من القرآن في ذلك اليوم وما كانوا أجمعوا له: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ بالوثاق والحبس والإثخان بالجرح (أو يقتلوك) بسيوفهم (أو يخرجوك) - من مكة- (ويمكرون) - يحتالون في أمرك- (ويمكر الله) - يجازيهم جزاء مكرهم فسمّى الجزاء مكرا لأنه في مقابلته، والمعنى أنهم احتالوا في إبطال أمر محمد ﷺ والله تعالى منعه منهم وأظهره وقوّاه ونصره فضاع فعلهم وظهر فعل الله وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [الأنفال: ٣٠]- لأن مكره حقّ، وإتيان هذا مما يحسن للمزاوجة ولا يجوز إطلاقه ابتداء لما فيه من إيهام الذّمّ، وهذه السورة مدنية، وهذه الواقعة كانت بمكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة. وقد ذكر الله تعالى النبيّه محمدا ﷺ نعمته عليه.
قال ابن إسحاق: وأنزل الله تعالى في ذلك فَذَكِّرْ- أي دم على تذكير المشركين ولا ترجع عنهم لقولهم لك كاهن مجنون فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ- جزما- وَلا مَجْنُونٍ معطوف عليه- أَمْ- بل- يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ- أي حوادث
стр. 1276
الدّهر فيهلك كغيره من الشعراء- قُلْ- لهم- تَرَبَّصُوا- هلاكي- فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ [الطور: ٢٩، ٣١]- لهلاككم، فعذّبوا بالسيف يوم بدر، والتّربّص الانتظار.
تنبيهات
الأول: روى ابن جرير وابن المنذر عن عبيد بن عمير، وابن جرير من طريق آخر عن المطلب بن أبي وداعة قال: لما ائتمروا بالنبي ﷺ ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه قال عمه أبو طالب: هل تدري ما ائتمروا بك؟ قال: يريدون أن يسجنوني أو يقتلوني أو يخرجوني. قال: من حدّثك بهذا؟ قال: ربّي. قال: نعم الرب ربك إلى آخره. قال في البداية: ذكر أبي طالب فيه غريب بل منكر لأن القصة قبل الهجرة وذلك بعد موت أبي طالب بثلاث سنين.
الثاني: قال السّهيلي: إنما قال لهم إبليس أنه من أهل نجد لأنهم قالوا: لا يدخلنّ معكم في المشاورة أحد من أهل تهامة لأن هواهم مع النبي ﷺ ، فلذلك تمثّل لهم في صورة شيخ نجدي وقد تقدم في بنيان قريش الكعبة أنه تمثل في صورة شيخ نجدي حين حكّموا رسول الله ﷺ في أمر الركن من يرفعه، فصاح الشيخ النجدي: يا معشر قريش، أقد رضيتم أن يليه هذا الغلام دون أشرافكم وذوي أسنانكم، فإن صح هذا الخبر فلمعنى آخر تمثل نجديا وذلك أن نجدا يطلع منها قرن الشيطان كما
قال رسول الله ﷺ حين قيل له: وفي نجدنا يا رسول الله؟ قال:
هنالك الزلازل والفتن ومنها يطلع قرن الشيطان.
الثالث: المانع لهم من التّقحّم تلك الليلة على عليّ وهم يظنونه رسول الله ﷺ وأنهم لم يزالوا قياما حتى أصبحوا أن بعض أهل السير ذكروا السبب المانع من ذلك مع قصر الجدار وأنهم إنما جاءوا لقتله، فذكر في الخبر أنهم همّوا بالولوج عليه فصاحت امرأة من الدار، فقال بعضهم لبعض: والله إنها للسّبّة في العرب أن يتحدّث عنّا أنّا تسوّرنا الحيطان على بنات العمّ وهتكنا ستر حرمتنا [فهذا هو الذي أقامهم بالباب حتى أصبحوا ينتظرون خروجه ثم طمست أبصارهم عنه حين خرج] وقال بعضهم: «الحكمة في كون الموضوع على رأسهم ترابا دون غيره الإشارة لهم بأنهم الأرذلون الأصغرون الذين أرغموا وألصقوا بالرغام وهو التراب، وأنه سيلصقهم بالتراب بعد هذا» .
الرابع: روى ابن مندة وغيره عن مارية خادم النبي ﷺ إنها طأطأت لرسول الله ﷺ حتى صعد حائطا ليلة فر من المشركين، وما سبق في القصة من أنه طلع على المشركين من الباب أقوى سندا منه، وحديث مارية فيه مجاهيل.
الخامس: في قراءته ﷺ الآيات من سورة يس من الفقه التذكرة بقراءة الخائفين لها اقتداء به ﷺ ، وورد في بعض الآثار: ما قرأها خائف إلا أمن.
السادس: في بيان غريب ما سبق:
«منعة» : سبق بيانها.
стр. 1277
«شيخ جليل» : يقال جلّ الرجل وجلّت المرأة إذا أسنّا.
«عليه بتّ» : البتّ بفتح الموحدة وتشديد المثناة الفوقية: الكساء الغليظ المربّع وقيل الطيلسان من خزّ.
«أجل» : بفتح الهمزة والجيم وإسكان اللام مخفّفة بمعنى نعم.
«أجمعوا فيه رأيا» بفتح الهمزة وكسر الميم: يقال أجمعت الأمر وعلى الأمر إذا عزمت عليه.
«أوشكوا» [ (١) ] : بفتح الهمزة والشين المعجمة: أي أسرعوا.
«أظهرنا» : بيّنّا.
«ألفتنا» بضم الهمزة.
«أن يحلّ» : بفتح أوله وضمّ الحاء المهملة أي ينزل.
«جلدا» : بفتح الجيم وكسر اللام: أي قويا.
«وسطا» : بفتح الواو وكسر السين والطاء المهملتين: أي حسيبا في قومه.
«صارما» : قاطعا.
«نعمد» بكسر الميم في المستقبل وفتحها في الماضي.
«العقل» كعقل الإنسان: الدّية.
«عتمة اللّيل» : بفتح العين والمثناة الفوقية وقت صلاة العشاء، وقيل ثلث الليل الأول من الليل بعد غيبوبة الشّفق، وعتمة الليل ظلامه.
«الحضرمي» : منسوب إلى حضر موت.
«تابعتموه» : بمثناة فوقية وموحدة من المتابعة.
«بعثتم» بالبناء للمفعول.
«الجنان» جمع جنّة: البستان.
«الأردن» : بهمزة مضمومة فراء ساكنة فدال مهملة فنون مشدّدة: الكورة المعروفة من أرض الشام بقرب بيت المقدس.
«حفنة» [ (٢) ] : بفتح الحاء المهملة وسكون الفاء هي ملء الكف والشيء المحصول حفنة بالضم ويجوز الفتح، والمرّة بالفتح ليس غير.
«صدقنا» : بفتح الدال المخفّفة: أي حدّثنا حديث صدق.
стр. 1278
الباب الثالث في قدر إقامة النبي ﷺ بمكة بعد البعثة ورؤياه الأرض التي يهاجر إليها
روى البخاري وغيره عن ابن عباس ﵄ أنه قال: مكث رسول الله ﷺ بمكة ثلاث عشرة سنة، والرواية عن ابن عباس في ذلك مختلفة، وسيأتي تحريرها في الوفاة النبوية إن شاء الله تعالى
وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر فإذا هي المدينة يثرب» ، رواه الشيخان
[ (١) ]
وعن صهيب ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : أريت دار هجرتكم سبخة بين ظهراني حرّتين فإما أن تكون هجرا أو يثرب» ، رواه الترمذي والحاكم والطبراني [ (٢) ] .
وروى الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عبد الله بن عدي بن الحمراء [ (٣) ] ﵁، والإمام أحمد والنسائي عن أبي هريرة، قال الحافظ: وذكره وهم وإنما هو عبد الله بن عدي، والحاكم وابن جميع عن ابن عباس إن رسول الله ﷺ وقف على الحزورة فقال: «والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض إليّ ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت منك» [ (٤) ] .
تنبيهات
الأول: قال ابن التين: أري النبي ﷺ أولا دار هجرته بصفة تجمع المدينة وغيرها، ثم أري الصفة المختصة بالمدينة فتعيّنت.
الثاني:
حديث أبي هريرة مرفوعا: «اللهم إنك أخرجتني من أحب البقاع إليّ فأسكنّي في أحبّ البقاع إليك»
[ (٥) ] ، رواه الحاكم، وقال الذهبي: إنه موضوع، وقال ابن عبد البرّ: لا
стр. 1279
يختلف أهل العلم أنه منكر موضوع.
الثالث: في بيان غريب ما سبق:
«وهلي» : بفتح أوله وثانية: أي ظنّي، يقال: وهل يهل وهلا بالسكون إذا ظنّ شيئا فتبينّ الأمر خلافه.
«اليمامة» : مدينة على يومين من الطائف وأربعة من مكة.
«هجر» : بفتح أوله وثانية وهي هنا مدينة باليمن، وهي قاعدة البحرين وهي من مساكن عبد القيس، وقد سبقوا غيرهم من القرى إلى الإسلام، يذكّر ويؤنّث، قال الجوهري: مذكّر مصروف.
«أرض سبخة» : بفتح السين المهملة وكسر الموحدة وتسكّن وتفتح، أي مالحة.
«ظهراني حرّتين» : أي بينهما والحرّتان: تثنية حرّة وهي أرض ذات حجارة سود.
«الحزورة» : بحاء مفتوحة فزاي ساكنة فواو فراء، سوق كانت بمكة أدخلت في المسجد.
стр. 1280
الباب الرابع في هجرة رسول الله ﷺ بنفسه الكريمة وما وقع في ذلك من الآيات
قال الله تعالى: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً [الإسراء ٨٠] . روى الإمام أحمد والترمذي والحاكم والضياء وصحّحوه عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ بمكة فأمر بالهجرة من مكة وأنزل عليه وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ [الإسراء ٨٠] الهجرة إلى المدينة وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً: كتاب الله ، وفرائضه وحدوده.
وروى الحاكم وصححه عن قتادة في الآية قال: أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ يعني المدينة وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ يعني مكة. وروى الزبير بن بكّار عن زيد بن أسلم في الآية قال:
جعل الله تعالى مدخل صدق المدينة ومخرج صدق مكة، وسلطانا نصيرا الأنصار.
قال ابن سعد: «إن رسول الله ﷺ لما خرج من بيته أتى بيت أبي بكر بمكة فكان فيه إلى الليل، ثم خرج هو وأبو بكر فمضيا إلى غار ثور فدخلاه» .
وروى موسى بن عقبة وابن إسحاق والإمام أحمد والبخاري وابن حبان عن عائشة ﵂، وابن إسحاق والطبراني عن أختها أسماء ﵂ أن أبا بكر ﵁ استأذن رسول الله ﷺ في الخروج قبل المدينة، فقال له رسول الله ﷺ : «على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي» . فقال أبو بكر:
وهل ترجو ذلك بأبي وأمي أنت؟ قال: «نعم» .
فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السّمر [ (١) ] ، وهو الخبط [ (٢) ] أربعة أشهر.
[قال ابن شهاب: أخبرني عروة بن الزبير إن عائشة ﵂ قالت:] «لم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار بكرة وعشيّة» . قالت: «فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة [ (٣) ] قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ متقنّعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها» . فقال أبو بكر: «فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر» .
قالت: «فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن فأذن له فدخل، فتأخّر له أبو بكر عن سريره فجلس رسول الله ﷺ » . فقال أبو بكر: «يا رسول الله ما جاء بك إلا أمر حدث» . فقال رسول الله ﷺ
стр. 1281
لأبي بكر: «أخرج من عندك» . فقال أبو بكر: لا عين عليك إنما هما ابنتاي، وفي لفظ: أهلك.
قال: «إن الله قد أذن لي في الخروج والهجرة» . فقال أبو بكر: «الصحبة يا رسول الله» . قال:
«نعم» . قالت عائشة: «فو الله ما أن أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ» .
قال أبو بكر: «يا رسول الله خذ إحدى راحلتيّ هاتين» . فقال رسول الله ﷺ : «بالثّمن، لا أركب بعيرا ليس هو لي» . قال: فهو لك. قال: «لا ولكن بالثمن الذي ابتعتها به» . قال «أخذتها بكذا وكذا» . قال «أخذتها بذلك» . قال: هي لك. وعند البخاري في غزوة الرجيع أنها الجدعاء، وأفاد الواقدي أن الثمن ثمانمائة. واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلا من بني الدّيل وهو من بني عبد بن عديّ هاديا خرّيتا- والخرّيت الماهر بالهداية- قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل السهمي وهو على دين كفّار قريش- وأسلم بعد ذلك- فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث.
قالت عائشة: فجهّزنا هما أحثّ الجهاز وصنعنا لهما سفرة في جراب. وأفاد الواقدي أنه كان في السّفرة شاة مطبوخة. قالت عائشة: فشقّت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها- وفي لفظ قطعت نطاقها قطعتين فأوكت بقطعة منه الجراب وشدّت فم القربة بالباقي فسمّيت ذات النطاق وفي لفظ النّطاقين.
وعند البلاذري إن رسول الله ﷺ قال: «إن لها نطاقين في الجنّة» [ (١) ]
فسميت ذات النطاقين.
قال ابن إسحاق: وأعلم رسول الله ﷺ عليا بخروجه وأمره أن يتخلف بعده بمكة حتى يؤدي عنه الودائع التي كانت عنده للناس وكان رسول الله ﷺ ليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده لما يعلم من صدقه وأمانته» . قالت عائشة: «ولحق رسول الله ﷺ بغار في جبل ثور» . وفي حديث عمر عند البيهقي أنهما خرجا ليلا. وذكر ابن إسحاق والواقدي أنهما خرجا من خوخة في ظهر بيت أبي بكر.
وروى أبو نعيم عن عائشة بنت قدامة إن النبي ﷺ قال: «لقد خرجت من الخوخة متنكرا فكان أول من لقيني أبو جهل فأعمى الله بصره عنّي وعن أبي بكر حتى مضينا» .
قالت أسماء: «وخرج أبو بكر بماله خمسة آلاف درهم» . قال البلاذري: «وكان مال أبي بكر يوم أسلم أربعين ألف درهم، فخرج إلى المدينة للهجرة وماله خمسة آلاف أو أربعة، فبعث ابنة عبد الله فحملها إلى الغار» .
قالت: «فدخل علينا جدّي أبو قحافة وقد ذهب بصره فقال: «والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه» . قالت: «قلت: كلّا يا أبت إنه قد ترك لنا خيرا كثيرا» . قالت: «فأخذت أحجارا فوضعتها في كوّة في البيت، كان أبي يضع ماله فيها، ثم وضعت عليها ثوبا، ثم أخذت بيده
стр. 1282
فقلت: يا أبت ضع يدك على هذا المال. قالت: فوضع يده عليه. فقال: لا بأس إن كان ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم. ولا والله ما ترك لنا شيئا ولكن أردت أن أسكّن الشيخ بذلك» .
وفي حديث عند البيهقي إن أبا بكر ﵁ لما خرج هو ورسول الله ﷺ إلى الغار، جعل أبو بكر يمشي مرّة أمام النبي ﷺ ، ومرة خلفه ومرة عن يمينه ومرة عن شماله، فسأله رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: «يا رسول الله أذكر الرّصد فأكون أمامك وأذكر الطّلب فأكون خلفك، ومرة عن يمينك ومرة عن يسارك لآمن عليك، فلما انتهينا إلى فم الغار قال أبو بكر: والذي بعثك بالحق لا تدخله حتى أدخله قبلك، فإن كان فيه شيء نزل بي قبلك» .
فدخله فجعل يلتمس بيده، فجعل كلما دخل جحرا قام إلى ثوبه فشقّه ثم ألقمه الجحر حتى فعل ذلك بثوبه أجمع: فبقي جحر» فوضع عقبيه عليه، ثم دخل رسول الله ﷺ فجعلت الحيّات يلسعن أبا بكر ﵁ وجعلت دموعه تنحدر.
وروى ابن أبي شيبة وابن المنذر عن أبي بكر أنهما لما انتهيا إلى الغار إذا جحر فألقمه أبو بكر رجليه. قال: «يا رسول الله إن كان لدغة أو لسعة كانت بي» . وروى ابن مردويه عن جندب بن سفيان قال: «لما انطلق أبو بكر مع رسول الله ﷺ إلى الغار قال أبو بكر: يا رسول الله لا تدخل الغار حتى أستبرئه. فدخل أبو بكر الغار فأصاب يده شيء فجعل يمسح الدم عن إصبعه ويقول
هل أنت إلا أصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت
وفي حديث أنس عند أبي نعيم إن رسول الله ﷺ لما أصبح قال لأبي بكر «أين ثوبك» ؟ فأخبره بالذي صنع فرفع رسول الله ﷺ يديه فقال: «اللهم اجعل أبا بكر معي في درجتي في الجنة» . فأوحى الله إليه: «قد استجاب الله تعالى لك» [ (١) ] .
وروى ابن سعد وأبو نعيم والبيهقي وابن عساكر عن أبي مصعب المكي قال: «أدركت أنس بن مالك، وزيد بن أرقم، والمغيرة بن شعبة يتحدثون إن النبي ﷺ ليلة الغار أمر شجرة- وفي رواية عند قاسم بن ثابت: أنبت الله شجرة الرّاءة، فنبتت في وجه رسول الله ﷺ ، فسترته، وبعث الله العنكبوت فنسجت ما بينهما فسترت وجه رسول الله ﷺ ، وأمر الله حمامتين وحشيتين فوقفتا في فم الغار، وأقبل فتيان قريش من كل بطن بعصيّهم وهراويهم وسيوفهم، حتى إذا كانوا من النبي ﷺ على أربعين ذراعا، جعل بعضهم ينظر في الغار فلم ير إلا حمامتين وحشيتين بفم الغار، فرجع إلى أصحابه، فقالوا له: ما لك؟ قال: رأيت حمامتين وحشيتين فعرفت أنه ليس فيه
стр. 1283
أحد، فسمع النبي ﷺ ما قال، فعرف أن الله قد درأ عنه بهما فبارك عليهما النبي ﷺ وفرض جزاءهن وانحدرتا في الحرم فأفرخ ذلك الزوج كل شيء في الحرم. وروى الإمام أحمد بسند حسن عن ابن عباس ﵄، أن المشركين قصّوا أثر رسول الله ﷺ ، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعدوا الجبل فمرّوا بالغار فرأوا على بابه نسيج العنكبوت، فمكث فيه ثلاثة أيام.
وروى الحافظ أبو بكر أحمد بن سعيد [ (١) ] القاضي شيخ النسائي في مسند الصديق عن الحسن البصري قال: «جاءت قريش يطلبون النبي ﷺ ، وكانوا إذا رأوا على باب الغار نسج العنكبوت قالوا: لم يدخله أحد. وكان النبي ﷺ قائما يصلي وأبو بكر يرتقب.
فقال أبو بكر: يا رسول الله هؤلاء قومك يطلبونك، أما والله ما على نفسي أبكي ولكن مخافة أن أرى فيك ما أكره. فقال له النبي ﷺ : «لا تخف إن الله معنا»
وروى الإمام أحمد والشيخان عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: «قلت للنبي ﷺ ونحن في الغار: لو أن أحدهم نظر إلى قدمه لأبصرنا تحت قدميه» فقال: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما» [ (٢) ] .
وروى أبو نعيم في الحلية عن عطاء بن ميسرة قال: «نسجت العنكبوت مرّتين مرة على داود حين كان طالوت يطلبه ومرة على النبي ﷺ في الغار» .
وذكر البلاذري في تاريخه وأبو سعيد في الشرف أن المشركين استأجروا رجلا يقال له علقمة بن كرز بن هلال الخزاعي- وأسلم عام الفتح- فقفا لهم الأثر حتى انتهى إلي غار ثور [ (٣) ] وهو بأسفل مكة فقال: ههنا انقطع أثره ولا أدري أخذ يمينا أم شمالا أم صعد الجبل. فلما انتهوا إلى فم الغار قال أمية بن خلف: ما أربكم في الغار؟ إن عليه لعنكبوتا كان قبل ميلاد محمد. ثم جاء فبال.
وروى البيهقي عن عروة أن المشركين لما فقدوا رسول الله ﷺ ركبوا في كل وجه يطلبونه وبعثوا إلى أهل المياه يأمرونهم به ويجعلون لهم الجعل العظيم وأتوا على ثور الجبل الذي فيه الغار الذي فيه النبي ﷺ حتى طلعوا فوقه، وسمع رسول الله ﷺ وأبو بكر أصواتهم، فأشفق أبو بكر وبكى وأقبل عليه الهمّ والحزن والخوف، فعند ذلك
يقول رسول الله ﷺ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [التوبة- ٤٠]
ودعا رسول الله ﷺ فنزلت السكينة من الله
стр. 1284
تعالى. وروى ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي وابن عساكر عن ابن عباس في قوله تعالى: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ، قال: على أبي بكر لأن النبي ﷺ لم تزل السكينة معه [ (١) ] [التوبة- ٤٠] .
وروى أبو نعيم عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ أن أبا بكر رأى رجلا مواجها الغار فقال: «يا رسول الله إنه يرانا» . «قال: كلا إن الملائكة تستره الآن بأجنحتها» . فلم ينشب أن قعد يبول مستقبلنا، فقال رسول الله ﷺ : «يا أبا بكر لو كان يراك ما فعل هذا» .
ويرحم الله الشرف البوصيري حيث قال:
ويح قوم جفوا نبيّا بأرض ... ألفته ضبابها والظّباء
وسلوه وحنّ جذع إليه ... وقلوه وردّه الغرباء
أخرجوه منها وآواه غار ... وحمته حمامة ورقاء
وكفته بنسجها عنكبوت ... ما كفته الحمامة الحصداء
وحيث قال:
أقسمت بالقمر المنشقّ أنّ له ... من قلبه نسبة مبرورة القسم
وما حوى الغار من خير ومن كرم ... وكلّ طرف من الكفّار عنه عم
فالصّدق في الغار والصّدّيق لم يردا ... وهم يقولون ما بالغار من أرم
ظنّوا الحمام وظنّوا العنكبوت على ... خير البرية لم تنسج ولم تحم
وقاية الله أغنت عن مضاعفة ... من الدّروع وعن عال من الأطم
لطيفة: سئل بعضهم عن الحكمة في اختفائه ﷺ في غار ثور دون غيره فأجيب بأنه ﷺ كان يحب الفأل الحسن، وقد قيل إن الأرض مستقرة على قرن الثّور فناسب استقراره ﷺ في غار ثور تفاؤلا بالطمأنينة والاستقرار فيما يقصده هو ورفيقه.
وروى ابن عدي وابن عساكر عن أنس أن رسول الله ﷺ قال لحسّان: «هل قلت في أبي بكر شيئا» ؟ قال: نعم. قال: «قل وأنا أسمع» ، فقال:
والثّاني اثنين في الغار المنيف وقد ... طاف العدوّ به إذ صعّد الجبلا
وكان حب رسول الله قد علموا ... من البريّة لم يعدل به رجلا
فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه ثم قال: «صدقت يا حسّان هو كما قلت [ (٢) ] .
стр. 1285
قالت عائشة ﵂: «فكمنا في الغار ثلاث ليال وكان عبد الله بن أبي بكر يبيت عندهما، وهو غلام ثقف [ (١) ] لقن، فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش [بمكة كبائت] ، فلا يسمع بأمر يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام. وعند ابن إسحاق أن أسماء بنت أبي بكر كانت تأتيهما إذا أمست بما يصلحهما من الطعام. وكان عامر بن فهيرة يرعى غنما لأبي بكر في رعيان أهل مكة فإذا أمسى يريحهما عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل وهو لبن منحتهما ورضيفهما [ (٢) ] [حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس] ، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث.
فلما مضت الثلاث وسكن عنهما الناس أتاهما صاحبهما الذي استأجراه فركبا وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل الدّيلي. وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة مولاه ليخدمهما في الطريق- وعند البخاري في غزوة الرّجيع كان عامر بن فهيرة غلاما لعبد الله بن الطّفيل بن سخبرة أخو عائشة لأمها- وأخذ بهما الدليل طريق الساحل أسفل من عسفان [ (٣) ] ثم أجاز بهما حتى عادا من الطريق على أمج.
وروى أبو نعيم من طريق إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق قال: «بلغني أن رسول الله ﷺ لما خرج مهاجرا قال: «الحمد لله الذي خلقني ولم أك شيئا، اللهم أعني على هول الدنيا وبوائق الدهر ومصائب الليالي والأيام، اللهم اصحبني في سفري واخلفني في أهلي وبارك لي فيما رزقتني، ولك فذلّلني، وعلى صالح خلقي فقوّمني، وإلى ربّي فحبّبني، وإلى الناس فلا تكلني، أنت ربّ المستضعفين وأنت ربّي، أعوذ بوجهك الكريم الذي أشرقت له السموات والأرض فكشفت به الظلمات وصلح عليه أمر الأولين والآخرين، أن يحلّ بي غضبك أو ينزل عليّ سخطك، أعوذ بك من زوال نعمتك وفجاءة نقمتك وتحوّل عاقبتك وجميع سخطك، لك العتبى خير ما استطعت، ولا حول ولا قوّة إلا بك» [ (٤) ] .
وروى الإمام أحمد والشيخان ويعقوب بن سفيان عن البراء بن عازب ﵁ أن أباه قال لأبي بكر ﵁: كيف صنعتما ليلة سريت مع رسول الله ﷺ ؟ قال: خرجنا
стр. 1286
فأدلجنا فأحيينا يومنا وليلتنا حتى أظهرنا وقام قائم الظهيرة فضربت ببصري هل أرى ظلا نأوي إليه فإذا أنا بصخرة فأهويت إليها فإذا بقيّة ظلّها فسوّيته لرسول الله ﷺ وفرشت له فروة ثم قلت: اضطجع يا رسول الله وأنا أنفض لك ما حولك، ثم خرجت هل أرى أحدا من الطّلب فإذا براع مقبل بغنمه يريد من الصخرة ما أردنا: فلقيته فقلت له: لمن أنت يا غلام؟ فقال:
لرجل من أهل مكة، فسمّاه فعرفته فقلت: هل في غنمك من لبن؟ قال: نعم. قلت: هل أنت حالب لي؟ قال: نعم. فأمرته فاعتقل شاة منها. فقلت: انفض الضرع من التراب والقذي، فحلب لي في قعب معه كثبة من لبن ومعه إداوة أرتوى فيها للنبي ﷺ يشرب منها ويتوضّأ، على فمها خرقة، فأتيت النبي ﷺ ، وكرهت أن أوقظه من نومه، فوقفت حتى استيقظ، فصببت على اللبن من الماء حتى برد أسفله،
فقلت: يا رسول الله اشرب من هذا اللبن. فشرب حتى رضيت. ثم قال: «ألم يأن الرحيل؟» قلت: بلى. قال: فارتحلنا بعد ما زالت الشمس [ (١) ] .
قصة أم معبد ﵂
روى الطبراني والحاكم وصححه، وأبو نعيم وأبو بكر الشافعي عن حبيش بن خالد الأشعر الخزاعي القديدي [ (٢) ] ، أخي أم معبد ﵄، وأبو بكر الشافعي عن أبي سليط- بفتح السين المهملة وكسر اللام فمثناة تحتية فطاء مهملة- واسمه أسيرة- بضم أوله وفتح ثانيه وسكون المثناة التحتية- ابن عمرو الأنصاري ﵁، وابن سعد والبيهقي عن أبي معبد، وابن السّكن عن أم معبد ﵂، والبزّار إن رسول الله ﷺ حين خرج من مكة مهاجرا إلى المدينة هو وأبو بكر، ومولى أبي بكر عامر بن فهيرة ودليلهم الليثي عبد الله بن الأريقط، مروا على خيمة أم معبد الخزاعية، وهي لا تعرفه، وكانت برزة جلدة تحتبي بفناء القبّة ثم تسقي وتطعم فسألوها لحما وتمرا ليشتروه منها، فلم يصيبوا عندها شيئاً من ذلك، وإذا القوم مرملون مسنتون. فقالت: والله لو كان عندنا شيء ما أعوزناكم.
فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة في كسر الخيمة- وفي لفظ في كفاء البيت- فقال: «ما هذه الشاة يا أم معبد» ؟ قالت:
شاة خلّفها الجهد عن الغنم. قال: «هل بها من لبن» ؟ قالت: هي أجهد من ذلك. قال: «أتأذنين لي أن أحلبها» ؟ قالت: بأبي أنت وأمي نعم إن رأيت بها حلبا فاحلبها فوالله ما ضربها فحل قط
стр. 1287
فشأنك بها. فدعا بها رسول الله ﷺ فمسح بيده ضرعها وظهرها وسمّى الله ودعا لها في شاتها فتفاجّت عليه ودرّت واجترّت، ودعا بإناء يربض الرّهط [ (١) ] فحلب فيه ثجاّ حتى علاه البهاء- وفي لفظ الثّمال- ثم سقاها حتى رويت ثم سقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب ﷺ آخرهم، وقال: «ساقي القوم آخرهم شربا» [ (٢) ] . ثم حلب فيه ثانية بعد بدء حتى ملأ الإناء ثم غادره عندها. فبايعها وارتحلوا عنها.
وروى ابن سعد وأبو نعيم عن أم معبد قالت: «بقيت الشاة التي لمس رسول الله ﷺ ضرعها عندنا حتى كان زمان الرمادة وهي سنة ثماني عشرة من الهجرة زمان عمر بن الخطاب ﵁. وكنا نحلبها صبوحا وغبوقا، وما في الأرض قليل ولا كثير» . وقال هشام بن حبيش: «أنا رأيت الشاة وإنها لتأدم أمّ معبد وجميع صرمتها» ، أي أهل ذلك الماء.
فقلّ ما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا حيالا [ (٣) ] عجافا يتساوكن هزالا مخهن قليل.
فلما رأى اللبن عجب فقال: من أين لك هذا اللبن يا أم معبد والشاة عازب ولا حلوب في البيت؟ قالت: «لا والله إلا أنه مرّ بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا» . قال: «فيه لي يا أم معبد» . قالت: «رأيت رجلا ظاهر الوضاءة أبلج الوجه حسن الخلق، لم تعبه ثجلة ولم تزر به صعلة، وسيم قسيم، في عينيه دعج وفي أسفاره وطف وفي صوته صحل- أو قالت صهل- وفي عنقه سطع، وفي لحيته كثاثة، أزجّ أقرن، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سما وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد وأحسنه وأحلاه من قريب، حلو المنطق فصل لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدّرن، ربعة لا تشنؤه من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفون به، إذا قال استمعوا لقوله وإذا أمر تبادروا إلى أمره، محفود [ (٤) ] محشود لا عابس ولا مفنّد» . فقال أبو معبد: «هذا والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره بمكة ما ذكر ولقد هممت أن أصحبه ولأفعلنّ إن وجدت إلى ذلك سبيلا» .
قالت أسماء ﵂: «لما خرج رسول الله ﷺ وأبو بكر أتانا نفر من قريش
стр. 1288
فيهم أبو جهل بن هشام فخرجت إليهم فقالوا: أين أبوك يا بنت أبي بكر؟» فقلت «والله لا أدري أين أبي» . فرفع أبو جهل يده، وكان فاحشا خبيثا، فلطم خدّي لطمة خرج منها قرطي، ثم انصرفوا، فمكثنا ثلاثة أيام ما ندري أين توجه رسول الله ﷺ حتى أتى رجل من الجن من أسفل مكة يتغنّى بأبيات من شعر غناء العرب وتبعه الناس يسمعون صوته وما يرونه حتى خرج من أعلى مكة وهو يقول:
جزى الله ربّ النّاس خير جزائه ... رفيقين قالا خيمتي أمّ معبد
هما نزلا بالبرّ وارتحلا به ... فأفلح من أمسى رفيق محمّد
فيا لقصيّ ما زوى الله عنكم ... به من فعال لا تجارى وسودد
ليهن بني كعب مقام فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنّكم إن تسألوا الشّاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلّبت ... له بصريح ضرّة الشّاة مزبد
فغادرها رهنا لديها لحالب ... يردّدها في مصدر ثمّ مورد [ (١) ]
فلما سمع ذلك حسان بن ثابت الأنصاري ﵁ قال يجاوب الهاتف:
لقد خاب قوم غاب عنهم نبيّهم ... وقدّس من يسري إليه ويغتدي
ترحّل عن قوم فضلّت عقولهم ... وحلّ على قوم بنور مجدّد
هداهم به بعد الضلالة ربّهم ... وأرشدهم من يتبع الحقّ يرشد
وهل يستوي ضلّال قوم تسفّهوا ... عمّى وهداة يهتدون بمهتد
لقد نزلت منه على أهل يثرب ... ركاب هدى حلّت عليهم بأسعد
نبيّ يرى ما لا يرى النّاس حوله ... ويتلو كتاب الله في كل مسجد
وإن قال في يوم مقالة غائب ... فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد
ليهن أبا بكر سعادة جدّه ... بصحبته من يسعد الله يسعد [ (٢) ]
وروى البيهقي بسند حسّنه والحافظ ابن كثير عن أبي بكر ﵁ أنه قال: «خرجت مع رسول الله ﷺ من مكة، فانتهينا إلى حيّ من أحياء العرب فنظر رسول الله ﷺ إلى بيت منتحيا فقصد إليه، فلما نزلنا لم يكن فيه إلا امرأة فقالت: يا عبدي الله إنما أنا امرأة وليس معي أحد فعليكما بعظيم الحيّ إن أردتم القرى. قال: فلم نجبها، وذلك عند المساء، فجاء ابن لها بأعنز له يسوقها. فقالت له: يا بني انطلق بهذه العنزة والشفرة إلى هذين الرجلين
стр. 1289
فقل لهما: تقول لكم أمّي: اذبحا هذه وأطعمانا. فلما جاء قال له النبي ﷺ : «انطلق بالشفرة وجئني بالقدح» . قال: إنها عازب وليس لها لبن. قال: «انطلق» . فانطلق فجاء بقدح فمسح النبي ﷺ ضرعها ثم حلب ملء القدح ثم قال: انطلق به إلى أمّك. فشربت ثم رويت ثم جاء به. فقال: انطلق بهذه وجئني بأخرى ففعل بها كذلك. ثم سقى أبا بكر، ثم جاء بأخرى ففعل بها كذلك ثم شرب النبي ﷺ .
«فلبثنا ليلتين ثم انطلقنا، وكانت تسميه المبارك، وكثرت غنمها حتى جلبت حلبا إلى المدينة فمر أبو بكر ﵁ فرآه ابنها فعرفه، فقال: يا أمه إن هذا الرجل الذي كان مع المبارك، فقامت إليه فقالت: يا عبد الله من الرجل الذي كان معك؟ قال: وما تدرين؟ قالت:
لا. قال: هو نبي الله ﷺ . قالت: فأدخلني عليه. قال: فأدخلها فأطعمها وأعطاها. وفي رواية:
فأهدت إليه شيئا من أقط ومتاع الأعراب، فكساها وأعطاها» ، قال- ولا أعلمه إلا قال:
«أسلمت» [ (١) ] .
قال البيهقي في الدلائل: «وهذه القصة وإن كانت تنقص عما روينا في قصة أم معبد وتزيد في بعضها، في قريبة منها ويشبه أن تكونا واحدة، وقد ذكر ابن إسحاق في قصة أم معبد شيئا يدل على أنها وهذه القصة واحدة.
ثم روى البيهقي من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: «فنزل رسول الله ﷺ بخيمة أم معبد وهي التي تمرّد بها الجنّ بأعلا مكة. واسم أم معبد عاتكة بنت خالد بن خليف بن منقذ بن ربيعة بن أصرم [الخزاعية] ، فأراد القرى فقالت: والله ما عندنا طعام ولا لنا منحة ولا لنا شاة إلا حائل، فدعا رسول الله ﷺ ببعض غنمها فمسح ضرعها بيده فدعا الله تعالى فحلب في العسّ حتى رغّى، وقال: «اشربي يا أم معبد» . قالت: اشرب أنت به أحق. فردّه عليها فشربت. ثم دعا بحائل أخرى ففعل بها مثل ذلك، فسقى دليله ثم دعا بحائل ففعل بها مثل ذلك فسقى عامر بن فهيرة، ثم استراح.
وطلبت قريش رسول الله ﷺ حتى بلغوا أم معبد فسألوها عنه فقالوا: «أرأيت محمدا من حليته كذا وكذا» ؟ فوصفوه لها، فقالت: «ما أدري ما تقولون فقد ضافني حالب الحائل» ؟
قالت قريش: «فذلك الذي أردنا» . قاله البيهقي: فيحتمل أولا أنه رأى التي في كسر الخيمة، كما روينا في حديث أم معبد، ثم رجع ابنها بأعنز كما روينا ثم لما أتى زوجها وصفته له، والله أعلم.
стр. 1290
قصّة سراقة ﵁
روى الإمام أحمد ويعقوب بن سفيان والشيخان عن سراقة بن مالك ﵁، والإمام أحمد والشيخان ويعقوب عن أبي بكر ﵁ قال سراقة بن جعشم: جاءنا رسل كفّار قريش يجعلون في رسول الله ﷺ وأبي بكر دية كل واحد منهما مائة ناقة من الإبل لمن قتله أو أسره، فبينا أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج أقبل رجل منهم حتى قام علينا [ونحن جلوس] فقال: يا سراقة إني قد رأيت آنفا أسودة بالساحل- وفي لفظ: ركبة ثلاثة- أراها محمدا وأصحابه. قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فأومأت إليه بعيني أن اسكت، فسكت، ثم قلت له: إنهم ليسوا بهم ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا يبتغون ضالّة لهم. ثم لبثت في المجلس ثم قمت فدخلت بيتي فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي وهي من وراء أكمة فتحبسها عليّ، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت فحططت بزجّه الأرض وخفضت عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها، فرفعتها تقرّب بي حتى رأيت أسودتهما، فلما دنوت منهم عثرت بي فرسي فخررت عنها فقمت فأهويت بيدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها أضرّهم، أم لا أضرّهم، فخرج الذي أكره: أني لا أضرّهم، وكنت أرجو أن أردّه فآخذ المائة ناقة، فركبت فرسي وعصيت الأزلام فرفعتها تقرّب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغت الرّكبتين فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عثان ساطع في السماء مثل الدّخان فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره- ألا أضرّهم- قال: فعرفت حين رأيت ذلك أنه قد منع مني وأنه ظاهر، فناديتهم بالأمان وقلت:
أنظروني فوالله لا آذيتكم ولا يأتيكم مني شيء تكرهونه.
قال: فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر: «قل له وما تبتغي منا» ؟ فقلت: إن قومك قد جعلوا فيكما الدّية وأخبرتهما أخبار ما يريد الناس بهم وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآني شيئا ولم يسألاني إلا أن قال: «أخف عنا» فسألته أن يكتب لي كتاب موادعة آمن به، قال: «اكتب له يا أبا بكر» - وفي رواية: فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أديم، ثم مضى رسول الله ﷺ .
[ثم رجعت] فسكتّ فلم أذكر شيئاً مما كان حتى إذا كان فتح مكة على رسول الله ﷺ وفرغ من حنين والطائف خرجت لألقاه ومعي الكتاب الذي كتب لي [فلقيته بالجعرانة] . قال: «فبينا أنا عامد له دخلت بين ظهري كتيبة من كتائب الأنصار، فطفقوا يقرعونني بالرماح ويقولون: إليك إليك حتى إذا دنوت من رسول الله ﷺ وهو على ناقته،
стр. 1291
والله لكأني أنظر إلى ساقه في غرزه [ (١) ] كأنها جمّارة [ (٢) ] . قال: فرفعت يدي بالكتاب. ثم قلت:
يا رسول الله هذا كتابك لي وأنا سراقة بن مالك قال: فقال رسول الله ﷺ : «يوم وفاء وبرّ أدنه» ، فدنوت منه فأسلمت، ثم تذكرت شيئا أسأل رسول الله ﷺ عنه فما أذكره، إلا أني قلت: يا رسول الله الضّالة من الإبل تغشى حياضي وقد ملأتها لإبلي هل لي من أجر [في أن أسقيها] ؟ قال: «نعم في كل ذات كبد حرّى أجر» قال: ثم رجعت إلى قومي فسقت إلى رسول الله ﷺ صدقتي [ (٣) ] .
وقال أبو بكر ﵁: «وتبعنا سراقة بن مالك ونحن في جلد من الأرض فقلت:
يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا. قال: «لا تحزن إن الله معنا» . فلما دنا منّا وكان بيننا وبينه قدر رمح أو رمحين أو ثلاثة قلت: هذا الطلب قد لحقنا وبكيت. [قال ﷺ : «ما يبكيك» ؟] قلت: «أما والله ما على نفسي أبكي ولكني أبكي عليك» . فدعا عليه رسول الله ﷺ فقال:
«اللهم اكفناه بما شئت» . قال: فساخت به فرسه في الأرض إلى بطنها فوثب عنها، ثم قال: يا محمد قد علمت أن هذا عملك فادع الله أن ينجيني مما أنا فيه، فوالله لأعمين على من ورائي من الطلب وهذه كنانتي فخذ منها سهما فإنك ستمرّ على إبلي وغنمي بمكان كذا وكذا فخذ منها حاجتك، فقال رسول الله ﷺ : «لا حاجة لنا في إبلك وغنمك» ، ودعا له رسول الله ﷺ . فانطلق راجعا إلى أصحابه لا يلقى أحدا إلا قال: قد كفيتم ما ههنا، ولا يلقى أحدا إلا ردّه، ووفى لنا.
وعند ابن سعد أن سراقة لما رجع قال لقريش: قد عرفتم بصري بالطريق وقد استبرأت لكم فلم أر شيئاً، فرجعوا. وقال ابن سعد والبلاذري: عارضهم سراقة بقديد يوم الثلاثاء.
وروى ابن عساكر عن ابن إسحاق قال: قال أبو بكر الصديق ﵁ فيما يذكرون والله أعلم في دخوله الغار مع رسول الله ﷺ ، وفي مسيرهم وفي طلب سراقة إياهم:
قال النّبيّ ولم يجزع يوقّرني ... ونحن في شدّة من ظلمة الغار
لا تخش شيئا فإنّ الله ثالثنا ... وقد توكّل لي منه بإظهار
وإنّما كيد من تخشى بوادره ... كيد الشّياطين كادته لكفّار
والله مهلكهم طرّا بما كسبوا ... وجاعل المنتهي منها إلى النّار
стр. 1292
وأنت مرتحل عنهم وتاركهم ... إمّا عدوّا وإمّا مدلج ساري
وهاجر رضمهم حتّى يكون لنا ... قوم عليهم ذوو عزّ وأنصار
حتّى إذا اللّيل وارتنا جوانبه ... وسدّ من دون من تخشى بأستار
سار الأريقط يهدينا وأينقه [ (١) ] ... ينعبن بالقوم نعبا تحت أكوار
يعسفن عرض الثّنايا بعد أطولها ... وكلّ سهب رقاق التّرب موّار [ (٢) ]
حتّى إذا قلت قد أنجدن عارضها ... من مدلج فارس في منصب واري
يردي به مشرف الأقطار معتزم ... كالسيّد ذي اللّبدة المستأسد الضّاري
فقال: كرّوا فقلنا: إنّ كرّتنا ... من دونها لك نصر الخالق الباري
أن يخسف الأرض بالأحوى وفارسه ... فانظر إلى أربع في الأرض غوّار
فهيل لما رأى أرساغ مهرته ... قد سخن في الأرض لم تحفر بمحفار
فقال: هل لكم أن تطلقوا فرسي ... وتأخذوا موثقا في نصح أسرار
وأصرف الحيّ عنكم أن لقيتهم ... وأن أعوّر منهم عين عوّار
فادع الذي هو عنكم كفّ عورتنا ... يطلق جوادي وأنتم خير أبرار
فقال قولا رسول الله مبتهلا ... يا رب إن كان منه غير إخفار
فنجّه سالما من شرّ دعوتنا ... ومهره مطلقا من كلم آثار
فأظهر الله إذ يدعو حوافره ... وفاز فارسه من هول أخطار [ (٣) ]
وروى البخاري عن عروة والحاكم عنه عن أبيه إن رسول الله ﷺ لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجّارا قافلين من الشام فكسا الزبير رسول الله ﷺ ثيابا بيضا. وروى البيهقي عن موسى بن عقبة إن رسول الله ﷺ لما دنا من المدينة هو وأبو بكر وقدم طلحة بن عبيد الله من الشام خرج عامدا إلى مكة لما ذكر له رسول الله ﷺ وأبو بكر، خرج إما متلقّيا لهما وإما عامدا عمرة بمكة ومعه ثياب أهداها لأبي بكر من ثياب الشام، فلما لقيه أعطاه الثياب، فلبس رسول الله ﷺ منها وأبو بكر.
وروى أبو نعيم عن أنس بن مالك عن ... الأوسي الأسلمي عن أبيه قال: «لما هاجر رسول الله ﷺ وأبو بكر مرّوا بإبل لنا بالجحفة فقال رسول الله ﷺ : «لمن هذه الإبل» ؟
стр. 1293
فقالوا: لرجل من أسلم فالتفت رسول الله ﷺ إلى أبي بكر فقال: «سلمنا إن شاء الله» . فأتاه أبي وحمله على فحل من إبله وبعث معه غلامه مسعود» . وروى أبو يعلى والطبراني والحاكم والبيهقي وأبو نعيم عن قيس بن النعمان قال: «لما انطلق رسول الله ﷺ وأبو بكر مستخفين مرّوا بعبد يرعى غنما فاستسقياه اللبن فقال: ما عندي شاة تحلب، غير أن ههنا عناقا حملت أوّل الشتاء وقد أخدجت وما بقي لها من لبن فقال: «ادع بها» ، فدعا بها، فاعتقلها النبي ﷺ ومسح ضرعها حتى أنزلت. ودعا أبو بكر بمجن، فحلب وسقى أبا بكر، ثم حلب فسقى الراعي، ثم حلب فشرب، فقال الراعي: من أنت؟ فوالله ما رأيت مثلك قط. قال: «أو تراك تكتم علي حتى أخبرك؟ قال: نعم. قال: «فإني محمد رسول الله» . قال: أنت الذي تزعم قريش أنك صابئ؟ قال: «إنهم ليقولون ذلك» . قال: فأشهد أنك نبيّ الله وأشهد أن ما جئت به حقّ، وأنه لا يفعل ما فعلت إلا نبيّ» .
وروى البيهقي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر مدخله المدينة: «أله عنّي الناس فإنه لا ينبغي لنبي أن يكذب» .
فكان أبو بكر إذا سئل: من أنت؟ قال:
باغ، وإذا قيل: من الذي معك؟ قال: هاد يهديني» . وروى البخاري عن أنس ﵁ قال:
«أقبل النبي ﷺ وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ، والنبي ﷺ شاب لا يعرف، فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: من هذا بين يديك؟ فيقول: هذا الذي يهديني السبيل فيحسب الحاسب إنما يعني الطريق وإنما يعني سبيل الخير» .
وروى الزبير بن بكار في الموفقيات، وأبو نعيم عن طريق شهر بن حوشب عن ابن عباس عن سعد بن عبادة قال: «لما بايعنا رسول الله ﷺ بيعة العقبة، خرجت إلى حضرموت لبعض الحاجة فقضيت حاجتي ثم رجعت حتى إذا كنت ببعض الأرض نمت ففزعت من الليل فإذا بصائح يقول:
أبا عمرو تأوّبني السّهود ... وراح النّوم وانقطع الهجود
ثم صاح آخر: «يا خرعب، ذهب بك اللّعب، إن أعجب العجب بين مكّة ويثرب» . قال:
وما ذاك يا شاهب؟ قال: «نبيّ السلام، بعث بخير الكلام، إلى جميع الأنام، فأخرج من البلد الحرام، إلى نخيل وآطام» ثم طلع الفجر فذهبت أتفكر فإذا عظاية [ (١) ] وثعبان ميتان، فما علمت إن النبي ﷺ هاجر إلا بهذا الحديث» .
ولما شارف رسول الله ﷺ المدينة لقيه أبو عبد الله بريدة بن الحصيب الأسلمي في
стр. 1294
سبعين من قومه من بني سهم، فقال نبي الله ﷺ : «من أنت» ؟ قال: بريدة، فقال لأبي بكر:
«برد أمرنا وصلح» . ثم قال: «ممّن» ؟ قال: من أسلم. فقال لأبي بكر: «سلمنا» . ثم قال: «من بني من» ؟ قال: من بني سهم. قال: «خرج سهمك [يا أبا بكر] » . فقال بريدة للنبي ﷺ : من أنت؟ قال: «أنا محمد بن عبد الله رسول الله» . فقال بريدة: أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. فأسلم بريدة وأسلم من كان معه جميعا. قال بريدة: الحمد لله الذي أسلم بنو سهم طائعين غير مكرهين، فلما أصبح قال بريدة للنبي ﷺ : «يا رسول الله لا تدخل المدينة إلا ومعك لواء» .
فحلّ عمامته ثم شدّها في رمح ثم مشى بين يديه حتى دخلوا المدينة [ (١) ] .
تنبيهات
الأول: قال الحافظ: كان بين ابتداء هجرة الصحابة وبين العقبة الأولى والثانية وبين هجرته ﷺ شهران وبعض شهر على التحرير.
الثاني: قول عائشة ﵂: «ما كنت أرى أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي من الفرح» . قال في الروض: «قالت ذلك لصغر سنّها وأنها لم تكن علمت بذلك» وقد تطرقت الشعراء لهذا المعنى فأخذته استحسانا له فقال الطائي يصف السحاب:
دهم إذا وكفت في روضة طفقت ... عيون أزهارها تبكي من الفرح
وذكر لأبي الطيب وزاد على هذا المعنى:
فلا تنكرنّ لها صرعة ... فمن فرح النّفس ما يقتل
وقال بعض المحدثين:
ورد الكتاب من الحبيب بأنّه ... سيزورني فاستعبرت أجفاني
غلب السّرور عليّ حتّى أنّه ... من فرط ما قد سرّني أبكاني
يا عين صار الدّمع عندك عادة ... تبكين في فرح وفي أحزان
قال في الزهر: «وفيه من عدم التّثبّت ما ترى، أيجوز أن يحتجّ على عائشة بقول محدث؟ إنما كان يحتجّ عليها لو كانت العرب قالته، أما إذا لم تقله العرب فلا حجّة عليها والله أعلم. قلت: السهيلي لم يحتج بذلك على عائشة ﵂، وإنما ذكره استطرادا للفائدة.
الثالث: نقل في الروض عن بعض شيوخ أهل المغرب أنه سئل عن امتناعه من أخذ الراحلة مع أن أبا بكر أنفق عليه ماله، فقال: أحبّ ألّا تكون هجرته إلا من مال نفسه.
стр. 1295
الرابع: كانت هجرته ﷺ في شهر ربيع الأول سنة ثلاث عشرة من النبوة وذلك يوم الاثنين. روى الإمام أحمد عن ابن عباس أنه قال: «ولد نبيكم ﷺ يوم الاثنين وخرج من مكة يوم الاثنين ودخل المدينة يوم الاثنين وتوفي يوم الاثنين» . قال الحاكم: «تواترت الأخبار أن خروجه كان يوم الاثنين ودخوله المدينة كان يوم الاثنين، إلا إن محمد بن موسى الخوارزمي قال: أنه خرج من مكة يوم الخميس» . قال الحافظ «يجمع بينهما بأن خروجه من مكة كان يوم الخميس وخروجه من الغار كان ليلة الاثنين لأنه أقام فيه ثلاث ليال: هي ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد وخرج في أثناء ليلة الاثنين» .
الخامس: ذكر بعض أهل السير أن أبا بكر لما رأى المشركين وهو في الغار، ذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: «لو جاءونا من ههنا خرجنا من ههنا» . فنظر أبو بكر إلى الغار وقد انفرج من الجانب الآخر، وإذا البحر قد اتصل به وسفينة مشدودة إلى جانبه» . قال الحافظ ابن كثير:
وهذا ليس بمنكر من حيث القدرة العظيمة ولكن لم يرد ذلك بإسناد قوي ولا ضعيف، ولسنا نثبت شيئا من تلقاء أنفسنا ولكن ما صحّ أو حسن قلنا به والله أعلم.
السادس: السّرّ في اتخاذ رافضة العجم اللّبد المقصّصة على رؤوسهم التعظيم للحيّات للدغهنّ أبا بكر ليلة الغار.
السابع:
روى الإمام أحمد والحاكم إن النبي ﷺ قال: لقد لبثت مع صاحبي- يعني أبا بكر- ليلة الغار بضعة عشر يوما ما لنا طعام إلا البرير»
قال الحاكم «معناه: مكثنا مختفين من المشركين في الغار وفي الطريق بضعة عشر يوما» .
قال الحافظ: «لم يقع في رواية أحمد ذكر الغار، وهي زيادة في الخبر من بعض رواته، ولا يصحّ حمله على حالة الهجرة لما في الصحيح من أن عامر بن فهيرة كان يروح عليهما في الغار باللبن، ولما وقع لهما في الطريق من لقاء الراعي ومن النزول بخيمة أم معبد وغير ذلك، ويظهر أنها قصة أخرى» .
الثامن: قال السهيلي: «انتبه أيها العبد المأمور بتدبّر كتاب الله تعالى لقوله: إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [التوبة ٤٠] الآية، كيف كان معهما بالمعنى وباللفظ؟ أما المعنى: فكان معهما بالنصر والإرفاد، والهداية والإرشاد. وأما اللفظ: فإن اسم الله ﵎ كان يذكر إذا ذكر رسوله وإذا دعي فقيل يا رسول الله أو فعل رسول الله. ثم كان لصاحبه كذلك، يقال: يا خليفة رسول الله، وفعل خليفة رسول الله، فكان يذكر معهما بالرسالة والخلافة ثم ارتفع ذلك فلم يكن لأحد من الخلفاء ولا يكون» .
стр. 1296
التاسع: قال المهلب بن أبي صفرة [ (١) ] ﵀: «أنما شرب النبي ﷺ من لبن الغنم لأنه حينئذ كان في زمن المكارمة ولا يعارضه: «لا يحلبنّ أحد شاة إلا بإذنه» [ (٢) ] لأن ذلك وقع في زمن التّشاحّ، أو الثاني محمول على التّسوّر، والأول لم يقع فيه ذلك، بل قدّم أبو بكر سؤال الرّاعي: هل أنت حالب؟ فقال: نعم، كأنه سأله: هل أذن صاحب الغنم في حلبها لمن يرد عليه؟ فقال: نعم، أو جرى على العادة المألوفة للعرب في إباحة ذلك والإذن في الحلب للمارّ وابن السبيل، فكان كلّ راع مأذونا له في ذلك» .
وقال الداودي: «إنما شرب من ذلك على أنه ابن سبيل، وله شرب ذلك إذا احتاج ولا سيما النبي ﷺ ، وأبعد من قال: «إنما استجازه لأنه مال حربي لأن القتال لم يكن فرض بعد ولا أبيحت الغنائم» وقال الحافظ: «قول أبي بكر: أفي غنمك لبن؟ الظاهر أن مراده بهذا الاستفهام: أمعك إذن في الحلب لمن يمرّ بك على سبيل الضّيافة؟ ويحتمل أن أبا بكر لما عرف مالك الغنم عرف رضاءه بذلك لصداقته له أو إذنه العام بذلك» .
العاشر: ذكر أبو نعيم هنا قصة إسلام ابن مسعود، لما وقع في بعض طرقه، قال: «كنت غلاما يافعا أرعى غنما لعقبة بن أبي معيط بمكة فأتى رسول الله ﷺ وأبو بكر، وقد فراّ من المشركين، فقالا: «يا غلام هل معك من لبن» ؟ فذكر الحديث، ويأتي بتمامه في المعجزات.
قال في البداية والفتح: «قوله في هذا السياق: «وقد فرّا من المشركين» ، ليس المراد به وقت الهجرة، وإنما ذلك في بعض الأحوال قبل الهجرة، لأن ابن مسعود كان ممن أسلم قديما وهاجر إلى الحبشة كما تقدم ذلك، وقصته ثابتة في الصحاح.
الحادي عشر: ذكر في «العيون» قصة سراقة قبل قصة أم معبد والتزم في أولها أنه يرتّب الوقائع. وذكر في «الإشارة» قصتها قبل قصة سراقة، وتبعته في ذلك وهو الصحيح الذي صرّح جماعة.
الثاني عشر: ذكر رزين أن قريشا أقامت أياما لا يدرون أين أخذ رسول الله ﷺ ، فسمعوا صوتا على أبي قبيس وهو يقول:
стр. 1297
فإن يسلم السّعدان يصبح محمّد ... بمكّة لا يخشى خلاف المخالف
كما سمعوا أيضا البيتين السابقين في إسلام سعد بن معاذ وسعد بن عبادة:
فيا سعد سعد الأوس كن أنت ناصرا ... ويا سعد سعد الخزرجيّين الغطارف
أجيبا إلى داعي الهدى وتمنّيا ... على الله في الفردوس منية عارف
قال السيد: والأقرب ما تقدم من إنشاد هذه الأبيات قبل ذلك لأن السّعدين كانا قد أسلما قبل ذلك.
الثالث عشر: في بيان غريب ما سبق:
«قبل المدينة» ، بكسر القاف وفتح الموحدة: أي جهتها.
«على رسلك» [ (١) ] بكسر أوله: أي على مهلك والرّسل السير الرقيق.
«بأبي أنت» : أنت مبتدأ وخبره: بأبي أي: مفيدا بأبي، ويحتمل أن يكون أنت تأكيدا للفاعل يرجو وبأبي قسم.
«حبس نفسه» : منعها من الهجرة.
«السّمر» : بسين مهملة مفتوحة وضم الميم: وهو الخبط بفتح المعجمة والموحدة وبالطاء المهملة، هذا المدرج في تفسير الزهري. ويقال: السّمرة اسم شجرة أم غيلان، وقيل ورق الطّلح، والخبط ما يخبط بالعصا فيسقط من ورق الشجر.
«نحر الظهيرة» : أي أول الزوال وهو أشد ما يكون من حرارة النهار، والغالب في الحرّ القيلولة.
«متقنّعا» [ (٢) ] : أي متطيلسا وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى في أبواب لباسه ﷺ .
«فدى» : بكسر الفاء والقصر وفي رواية فداء بالمدّ.
стр. 1298
«الصحابة» : بالنّصب أي أريد أو أسألك المصحابة ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف.
«أمنّاه» : بكسر الميم.
«أحثّ» : بحاء مهملة فمثلثة أفعل تفضيل من الحثّ وهو الإسراع وفي رواية: أحبّ بالموحدة والأول أصحّ.
«الجهاز» [ (١) ] : بفتح الجيم أفصح من كسرها، وهو ما يحتاج إليه المسافر.
«ذات النّطاق» : وفي رواية: ذات النّطاقين- بكسر النون- وهو ما يشد به الوسط، وقيل هو ثوب تلبسه المرأة، ثم تشدّ وسطها بحبل، ثم ترسل الأعلى على الأسفل. والمحفوظ في هذا الحديث أن أسماء شقّت نطاقها نصفين فشدّت بأحدهما الزاد واقتصرت على الآخر، ثم قيل لها: ذات النطاق وذات النطاقين، فالتثنية والإفراد بهذين الاعتبارين. وعند ابن سعد أنها شقّت نطاقها فأوكت بقطعة منه الجراب وشدّت فم القربة بالباقي فسميت ذات النطاقين.
«الخوخة» [ (٢) ] : بخاءين معجمتين مفتوحتين بينهما واو ساكنة: باب صغير.
«ثور» : بالمثلثة.
«الرّصد» : بفتحتين جمع راصد كخادم وخدم.
«استبرأه» : يقال: استبرأت الشيء طلبت آخره لقطع الشبهة عني.
«ألقمه الجحر» : الجحر بجيم فحاء مهملة: أي أدخله فيه.
«العقب» [ (٣) ] : بعين مهملة مفتوحة فقاف مكسورة فموحدة: مؤخّر الرّجل.
«لدغه» : بالدال المهملة والغين المعجمة: عضّه.
«الرّاءة» : وهي شجرة معروفة قال أبو حنيفة الدينوري: هي من أعلاث الشّجر- بفتح الهمزة وسكون العين المهملة وتعجم- وتكون مثل قامة الإنسان ولها خيطان وزهر أبيض تحشى به المخاد فيكون كالرّيش. لخفته ولينه لأنه كالقطن. قال في النور: وغالب ظني أن هذه الشجرة التي وصف أبو حنيفة أنها العشر كذا رأيتها بأرض بركة الحاج خارج القاهرة وهي تنفتق عن مثل قطن يشبه الريش في الخفّة ورأيت من يجعله في اللحف في القاهرة.
стр. 1299
«فتيان» : جمع كثرة لفتى وهو الشابّ الحدث.
«الهراوى» بفتح الهاء: جمع هراوة بكسرها.
«ذرأ» [ (١) ] : بمعجمة فمهملة فهمزة: أي دفع.
«أثر» : محرّكة والأثر بقية الشيء أو الخبر، وخرج في أثره بعده.
«الأرب» بالفتح: الحاجة.
«ينشب» : يلبث.
«حوّ» بالحاء المهملة والواو: جمع.
«الغار» : نقب في الجبل.
«الطّرف» : بفتح الطاء [المهملة] وسكون الراء.
«فالصّدق» : أي ذو الصّدق وهو النبي ﷺ .
«لم يرما» بفتح أوله وكسر ثانيه: أي لم يبرحا.
«من أرم» : أي أحد.
«ظنّوا» : حسبوا.
«الحمام» : اسم جنس جمعى واحده حمامة يقع على الذّكر والأنثى.
«البريّة» : بتخفيف الراء: الخلق.
«النّسج» : بالجيم الحياكة.
«الحوم» [ (٢) ] : الطّواف.
«الوقاية» : بكسر الواو: الحفظ.
«أغنت» : أجزأت.
«الدروع المضاعفة» : المنسوجة حلقتين حلقتين تلبس للحفظ من العدوّ.
«الأطم» بضمتين: الحصون.
«المنيف» : العالي.
стр. 1300
«حب» [ (١) ] رسول الله ﷺ : أي محبوبه.
نواجذه» [ (٢) ] : بفتح النون وكسر الجيم وضمّ الذال المعجمة: جمع ناجذ وهو السّنّ من الأضراس ويأتي الكلام على ذلك في باب ضحكه وتبسّمه.
«كمنا» : بفتح الكاف والميم ويجوز كسرها أي اختفيا فيه.
«ثقف» : بثاء مثلّثة مفتوحة فقاف مكسورة ويجوز إسكانها وضمّها ففاء: أي فطن يدرك حاجته بسرعة.
«لقف» [ (٣) ] : بفتح اللام وكسر القاف ويجوز سكونها: أي سريع الفهم.
«يدّلج» بتشديد الدال المهملة بعدها جيم: أي يخرج بسحر.
«يكادان» : وفي رواية يكتادان: أي يطلب لهما فيه المكروه وهو الكيد.
«منحة» : بكسر الميم وسكون النون فحاء مهملة.
«رسل» بكسر الراء بعدها مهملة ساكنة: اللّبن.
«الرّضيف» : براء فضاد معجمة ففاء وزن رغيف: اللّبن المرضوف الذي رضفت فيه الحجارة المحماة بالشمس أو النار لينعقد وتزول رخاوته، وهو بالرفع ويجوز الجرّ.
«ينعق» : بكسر العين المهملة أي يصيح بغنمه، والنّعق هو صوت الراعي إذا زجر الغنم، وفي رواية: ينعق بهما بالتثنية أي يسمعهما صوته إذا زجر غنمه.
«الدّيل» : بكسر الدال المهملة وسكون التحتية.
«الخرّيت» : بكسر الخاء المعجمة وتشديد الراء فمثناة تحتية ساكنة فمثناة فوقية، وهو الماهر بهداية الطريق.
«العتبى» : بضم العين المهملة الرّضا.
«بوائق الدّهر» [ (٤) ] : غوائله وشروره واحدها بائقة وهي الداهية.