← Сира

Сира · id 1693

سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي الشامي

Полный текст (5 757 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

بالأذان، فنزل به، فعلّمه بلالا، وفي سنده، طلحة بن زيد الرّقّي هالك. قال الحافظ أبو الفرج بن رجب: هذا حديث موضوع بهذا الإسناد بغير شك، قلت: وبغيره أيضا. ولابن شاهين عن علي بن أبي طالب: «علم رسول الله- ﷺ الأذان ليلة أسرى به وفرضت عليه الصلاة» ، وفي سنده حصين بن مخارق، وهو وضاع. وللدار قطني في الإفراد، وعن أنس ﵁ «أن جبريل أمر النبي- ﷺ بالأذان حين فرضت الصلاة» ، وسنده ضعيف. ولابن مردويه من حديث عائشة ﵂ مرفوعاً: «لما أسري بي أذّن جبريل، فظنّت الملائكة أنه يصلّي بهم، فقدّمني فصلّيت» ، وفي سنده من لا يعرف. وقال الذهبي في مختصر الإمام، أصل الإلمام لابن دقيق العيد [ (١) ] : «هذا حديث منكر بل موضوع» . وللبزّار وغيره من حديث قال: «لما أراد الله أن يعلم رسوله الأذان أتاه جبريل بدابة يقال لها البراق فركبها [حتى أتى الحجاب الذي يلي الرحمن، فبينما هو كذلك إذ خرج ملك من الحجاب، فقال: يا جبريل من هذا؟ قال: والذي بعثك بالحق إني لأقرب الخلق مكانا وأن هذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتي هذه فقال الملك: الله أكبر، الله أكبر، فقيل من وراء الحجاب، صدق عبدي، أنا أكبر، أنا أكبر] ، فذكر بقية الأذان، وفي آخره: «ثم أخذ الملك بيده فأمّ أهل السماء..» وفي إسناده زياد بن المنذر [ (٢) ] وهو متروك أيضاً. وقال ابن معين [ (٣) ] : عدو الله كذّاب. وقال الذهبي: «هذا من وضعه» . وقال ابن كثير: «هذا الحديث الذي زعم السهيلي أنه صحيح هو منكر، تفرّد به زياد بن المنذر الذي تنسب إليه الفرقة الجارودية من الرافضة وهو

стр. 1402

من المتهمين، ولو كان النبي- ﷺ سمعه ليلة الإسراء لأمر به بعد الهجرة» . ولابن شاهين من طريق زياد المذكور، قال: «قلت لابن الحنفية: كنا نتحدث أن الأذان كان رؤيا، فقال: هذا والله الباطل، لكن رسول الله- ﷺ لما عرج به بعث إليه ملك علّمه الأذان» . قال [الحافظ ابن حجر] : «هذا باطل ويمكن على تقدير صحته أن يحمل على تعدّد الإسراء، فيكون ذلك وقع بالمدينة، وأما قول القرطبي لا يلزم من كونه سمعه ليلة الإسراء إن يكون مشروعا في حقه، ففيه نظر لقوله في أوله: «لما أراد الله أن يعلم رسوله الأذان» ، وكذا قول المحب الطبري، يحمل الأذان ليلة الإسراء على المعنى اللغوي وهو الإعلام، [وهذا] فيه نظر أيضا لتصريحه بكيفيته المشروعة فيه» . ولابن شاهين من طريق زياد أيضا عن الباقر عن أبيه عن أبي رافع عن علي ﵁ أنه قال: قال رسول الله- ﷺ : «يا علي إن الله علّمني الصلاة والأذان، أتاني جبريل بالبراق» ، وزياد [راويه] كذّاب. ولأبي الشيخ عن ابن عباس ﵄ قال: «نزل الأذان على رسول الله ﷺ مع فرض الصلاة» ، وفي سنده عبد العزيز بن مروان [ (١) ] ، وهو تالف. قال الحافظ: «والحق أنه لا يصح شيء من هذه الأحاديث، وقد جزم ابن المنذر «أنه- ﷺ كان يصلّي بغير أذان، منذ فرضت الصلاة بمكة إلى أن هاجر إلى المدينة وإلى أن وقع التشاور في ذلك على ما جاء في حديث عبد الله بن عمر ثم في حديث عبد الله بن زيد» - انتهى كلام ابن المنذر. وقد حاول السهيلي الجمع بينهما فتكلف وتعسّف والأخذ بما صحّ أولى، فقال بانيا على صحته الحكم في مجيء الأذان على لسان الصحابي في المنام فقصّه فوافق ما كان النبي- ﷺ سمعه فقال: «إنها لرؤيا حقّ» ، وعلم حينئذ أن مراد الله بما أريه في السماء أن يكون سنّة في الأرض، وقوّى ذلك عنده موافقته رؤيا عمر للأنصاري لأن السكينة تنطق على لسان عمر» .. انتهى. ويؤخذ منه عدم الاكتفاء برؤيا عبد الله بن زيد حتى أضيف إليه عمر للتقوية التي ذكرها. ولكن قد يقال: فلم اقتصر على عمر؟ فيمكن أن يجاب ليصير في معنى الشهادة. وقد جاء في رواية ضعيفة سبقت ما ظاهره أن بلالا أيضا رأى، لكنها مؤوّلة، فإن لفظها: «سبقك بها عمر» ، يحمل المراد بالسّبق على مباشرة التأذين برؤيا عبد الله بن زيد. السابع: قال السهيلي: «اقتضت الحكمة الإلهية أن يكون الأذان على لسان غير النبي

стр. 1403

- ﷺ من المؤمنين لما فيه من التنويه من الله تعالى بعبده والرفع لذكره، فلأن يكون ذلك على لسان غيره أنوه به وأفخم لشأنه، وهذا معنى بيّن، فإن الله تعالى يقول: وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ [سورة الشرح، الآية: ٤] ، فمن رفع ذكره أن أشار به على لسان غيره» . انتهى كلام السهيلي- وهذا حسن بديع. الثامن: من أغرب ما وقع في بدء الأذان ما رواه أبو الشيخ من طريق عبد العزيز بن مروان- وهو تالف- عن عبد الله بن الزبير قال: «أخذ الأذان من أذان إبراهيم ﵇ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ [سورة الحج، الآية: ٢٧] الآية، قال: «فأذّن النبي- ﷺ » ، وما رواه أبو نعيم بسند فيه مجاهيل عن عبد الله بن الزبير ﵄: «أن جبريل نادى بالأذان لآدم ﵇ حين أهبط من الجنة» . التاسع: ذكر بعضهم مناسبة اختصاص بلال بالأذان دون غيره، كونه لما عذّب ليرجع عن الإسلام كان يقول: أحد أحد، فجوزي بولاية الأذان المشتمل على التوحيد من ابتدائه إلى انتهائه. العاشر: استشكل إثبات حكم الأذان برؤيا عبد الله بن زيد، ورؤيا غير الأنبياء لا ينبني عليها حكم شرعي. وأجيب باحتمال مقارنة الوحي لذلك بأنه- ﷺ أمر بمقتضاها لينظر أيقرّ على ذلك أم لا، ولا سيما لما رأى نظمها يبعد دخول الوسواس فيه، ويؤيد الأول حديث عبيد بن عمير، أحد كبار التابعين: «أن عمر لما رأى الأذان جاء ليخبر النبي- ﷺ : فوجد الوحي قد ورد بذلك فما راعه إلا أذان بلال» . فقال له النبي ﷺ : «سبقك بذلك الوحي» [ (١) ] . وهذا أصحّ كما حكاه الداودي عن ابن إسحاق «أن جبريل أتى النبي- ﷺ بالأذان قبل أن يخبره عبد الله بن زيد بثمانية أيام» . الحادي عشر: قيل أن الحكمة في تثنية الأذان وإفراد الإقامة أن الأذان إعلام للغائبين متكرّر ليكون أوصل إليهم، بخلاف الإقامة فإنها للحاضرين، ومن ثمّ استحبّ أن يكون الأذان في مكان عال بخلاف الإقامة، وأن يكون الصوت في الأذان أرفع منه في الإقامة. الثاني عشر: في بيان غريب ما سبق: «بدء» الأذان، بفتح الموحدة وسكون الدال [المهملة] وبالهمزة، أي ابتداؤه. «الحين» : الزمان قل أو كثر.

стр. 1404

«يتحيّنون» الصلاة: أي يطلبون حينها. «المواقيت» جمع ميقات: وهو الوقت المضروب للفعل. «الدّعوة» : بالفتح: الأذان. «القنع» [ (١) ] : بضم القاف وسكون النون هو البوق- بضم الموحدة- شيء مجوف ينفخ فيه. «الشّبّور» [ (٢) ] : بشين معجمة مفتوحة فموحدة مضمومة مشدّدة وهو البوق. «النّاقوس» : آلة من النحاس يضرب فيصوّت. «حي» على الصلاة: أقبلوا. «الفلاح» : أي الفوز، أي هلمّوا إلى طريق النجاة والفوز. «أندى [ (٣) ] » صوتا منك، أي أمدّ وأبعد وأرفع غاية، وقيل: أحسن وأعذب. «ألقه» عليه: أي علّمه إياه. فما «راع» عمر: أي ما شعر عمر أي ما أعلمه. «لديّ» : بفتح اللام وتشديد التحتية: أي عندي، وإليّ بذلك تابع. «التوقير» : التعظيم. «الحصاص» [ (٤) ] بحاء مضمومة فصادين مهملتين: الضراط، وقيل شدة العدو، ويفعل ذلك الشيطان لئلا يسمع الأذان فيضطر إلى الشهادة يوم القيامة. «الغيلان» : واحدها غول، والغيلان جنس من الجن كانت العرب تزعم أنها تتراءى للناس في الفلاة فتتمثّل في صور شتّى فتغولهم أي تضلّهم عن الطريق وتهلكهم، فنفاه ﷺ بقوله: «لا غول [ولا صفر] » [وقيل قوله: لا غول] ، ليس نفيا [لعين الغول] ووجوده وإنما فيه إبطال زعم العرب في تلوّنه بالصور المختلفة واغتياله، فيكون المعنى بقوله: لا غول أنّها لا تستطيع أن تضلّ أحدا. ومنه الحديث: «إذا تغوّلت الغيلان فبادروا بالأذان» ، أي ادفعوا شرّها بذكر الله، وهذا يدل على أنه لم يرد بنفيها عدمها.

стр. 1405

الباب الخامس في مؤاخاته ﷺ بين أصحابه ﵃ قال أبو عمر، وأقرّه في العيون، والفتح، ونقله في كتاب الصيام عن أصحاب المغازي: «كانت المؤاخاة مرّتين: الأولى: بين المهاجرين بعضهم بعضا قبل الهجرة على الحق والمواساة فآخى رسول الله- ﷺ بين أبي بكر وعمر، وبين حمزة وزيد بن حارثة. وروى أبو يعلى برجال الصحيح عن عبد الرحمن بن صالح الأسدي وهو ثقة عن زيد بن حارثة أنه قال: «إن رسول الله- ﷺ آخى بيني وبين حمزة بن عبد المطلب، وبين عثمان وعبد الرحمن بن عوف، وبين الزبير بن العوام وابن مسعود، وبين عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف وبلال، وبين مصعب بن عمير وسعد بن أبي وقاص، وبين عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة، وبين سعد بن أبي زيد [بن عمرو بن نفيل] وطلحة بن عبيد الله، وبين علي بن أبي طالب ونفسه ﷺ . وروى الحاكم والخلعي عن ابن عمر ﵄ قال: «آخى رسول الله- ﷺ بين أصحابه، فآخى بين أبي بكر وعمر، وفلانا، حتى بقي علي ﵁ تدمع عيناه، فقال: يا رسول الله آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد، فقال رسول الله- ﷺ «أما ترضى أن أكون أخاك» ؟ قال: بلى يا رسول الله رضيت. قال: «فأنت أخي في الدنيا والآخرة» . الثانية: قال أنس بن مالك ﵁: «حالف رسول الله- ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دارنا» رواه الإمام أحمد والشيخان وأبو داود. وروى الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والبخاري، وأبو داود [السجستاني] وأبو الشيخ، والطبراني عن ابن عباس مختصرا، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طريق عنه مطوّلا، وابن سعد والحاكم وصححه عن الزبير بن العوّام، وابن سعد عن الزهري، وإبراهيم التيمي، وضمرة بن سعيد، قالوا: لما قدم رسول الله- ﷺ المدينة آخى بين المهاجرين والأنصار، آخى بينهم على الحق والمواساة، ويتوارثون بعد الممات دون ذوي الأرحام. قال ابن عباس ﵄: «فآخى بينهم على الحق والمواساة، ويتوارثون بعد الممات دون ذوي الأرحام. قال ابن عباس ﵄: «فآخى رسول الله- ﷺ بين حمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة، وبين أبي بكر الصديق وخارجة بن زيد بن الحارث، وبين عمر بن الخطاب وعتبان بن مالك، وبين الزبير بن العوام وسلمة بن سلامة بن وقش- ويقال: بينه وبين عبد الله بن مسعود، وبين طلحة بن عبيد الله وكعب بن مالك، وبين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، وقال لسائر أصحابه: «تواخوا وهذا أخي» - يعني علي بن أبي طالب.

стр. 1406

قام المسلمون على ذلك حتى نزلت سورة الأنفال، وكان مما شدّ الله عقد نبيه قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال ٧٢: ٧٤] فأحكم الله بهذه الآيات العقد الذي عقد رسول الله- ﷺ بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، يتوارث الذين آخوا دون من كان مقيما بمكة من ذوي الأرحام والقرابات. فمكث الناس على ذلك العقد ما شاء الله. فلما كان بعد بدر أنزل الله تعالى الآية الأخرى فنسخت ما كان قبلها، فقال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنفال ٧٥] وانقطعت المؤاخاة في الميراث ورجع كل إنسان إلى نسبه وورثه ذوو رحمه. وروى الخرائطي عن أنس بن مالك ﵁ قال: «قال المهاجرون: «يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل ولا أحسن بذلا من كثير، لقد كفونا المؤونة، وأشركونا في المهنأ حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كلّه» . قال: «لا ما أثنيتم عليهم ودعوتم [الله] لهم» [ (١) ] . وروى مسلم والنسائي والخرائطي عن ابن عمر ﵄ قال: «لقد رأيتنا وما الرجل المسلم بأحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم» . قال الزهري، وإبراهيم التيمي، وحمزة بن سعيد، كما رواه ابن سعد عنهم: «كانوا تسعين رجلا: خمسة وأربعون رجلاً من المهاجرين وخمسة وأربعون من الأنصار» . ويقال: «كانوا مائة: خمسون من المهاجرين وخمسون من الأنصار» . قال ابن إسحاق، وسنيد بن داود، وأبو عمر، وأبو الفرج: «آخى رسول الله- ﷺ بين علي بن أبي طالب ﵁ وبين نفسه- ﷺ » ، قال أبو عمر: «وقال له: «أنت أخي في الدنيا والآخرة» . وروى أبو بكر الشافعي عن أبي أمامة ﵁ قال: «لما آخى رسول الله ﷺ بين الناس آخى بينه وبين عليّ، وبين حمزة بن عبد المطلب وأسيد- بضم الهمزة وفتح السين- ابن

стр. 1407

حضير- بضم الحاء المهملة وفتح الضاد المعجمة- وبين جعفر بن أبي طالب وهو بأرض الحبشة ومعاذ بن جبل» . واستشكل ذلك ويأتي جوابه في ثالث التنبيهات إن شاء الله، «وبين أبي بكر وخارجة- بالخاء والجيم المعجمة- ابن زيد، وبين عمر بن الخطاب وعتبان بن مالك- بعين مهملة مكسورة ففوقية ساكنة فموحدة وقد تضمّ العين- وبين عثمان بن عفان وأوس بن ثابت بن المنذر أخي حسان بن ثابت، وبين طلحة بن عبيد الله وكعب بن مالك» ، وذكر أبو الفرج بدل كعب بن مالك، أبي بن كعب، وقيل أبي بن كعب وسعيد بن زيد، وبين الزبير بن العوام وسلمة بن سلامة بن وقش- بفتح الواو وسكون القاف وبالشين المعجمة- كما ذكروا في حديث الزبير السابق أنه واخى بين سعد بن أبي وقّاص ومحمد بن مسلمة، وبين سعيد بن زيد وأبي بن كعب، وبين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع» . وروى البخاري في أوائل كتاب البيوع بسند وعلّقه في باب: كيف آخى رسول الله ﷺ بين أصحابه، والإمام أحمد والشيخان عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ واخى بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، فعرض سعد على عبد الرحمن أن يناصفه أهله وماله. قال سعد: أنا أكثر أهل المدينة مالا فأقسم لك نصف مالي وانظر أيّ زوجتيّ هويت، نزلت لك عنها، فإذا حلّت تزوّجتها. فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك دلّوني على السوق، فاشترى وباع [ (١) ] ، وسيأتي الحديث في المعجزات إن شاء الله تعالى. وواخى بين أبي عبيدة بن الجراح وأبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري النجاري، فهذا أصحّ مما ذكره ابن إسحاق وأبو عمر إلا أن يكون آخى بين أبي عبيدة وسعد بن معاذ. وذكر سنيد أنه واخى بين سعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة بن خالد بن عدي الأوسي وبين سعد بن زيد وأبي بن كعب، وبين مصعب بن عمير وأبي أيوب، وبين عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان، وقيل: بين عمّار وثابت بن قيس بن الشّمّاس لأن حذيفة إنما أسلم زمان أحد، وبين أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة وعبّاد- بموحدة ودال مهملة- ابن بشر- بكسر الموحدة وبالشين المعجمة- ابن وقش، وبين أبي ذر الغفاري والمنذر بن عمر المعنق ليموت. وأنكر ذلك محمد بن عمر الأسلمي لأن أبا ذرّ إنما قدم المدينة بعد بدر وأحد، وعنده طليب- بالتصغير- ابن عمير والمنذر بن عمرو، وسيأتي الجواب عن ذلك في ثالث التنبيهات إن شاء الله تعالى. وواخى بين عبد الله بن مسعود وسهل بن حنيف، وبين سلمان الفارسي وأبي الدرداء عويمر بن ثعلبة كما في صحيح البخاري عن أبي جحيفة [وهب بن عبد الله]

стр. 1408

رضي الله عنه، وأنكر ذلك محمد بن عمر لأن سلمان إنما أسلم بعد وقعة أحد، وأول مشاهده الخندق، ويأتي الجواب عن ذلك. [وواخى] بين بلال [بن رباح مولى أبي بكر] وأبي رويحة- بضم الراء وفتح الواو وبعدها تحتية ساكنة فحاء مهملة- واسمه عبد الله بن عبد الرحمن الخثعمي، وبين حاطب بن أبي بلتعة- بموحدة فلام ساكنة ففوقية فعين مهملة- وعويم- بلفظ تصغير عام- ابن ساعدة، وبين عبد الله بن جحش وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح- بفتح الهمزة وسكون القاف فلام فحاء مهملة، وبين عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف وعمير بن الحمام- بضم الحاء المهملة-، وبين الطفيل بن الحارث أخي عبيدة، وسفيان بن نسر- بفتح النون وسكون المهملة- كما ضبطه الأمير، وقيل بالتصغير- ابن زيد بن الحارث الخزرجي، وبين الحصين بن الحارث أخي عبيدة وعبد الله بن جبير- بلفظ تصغير جبر- « [ابن النعمان الأوسي] ، وبين عثمان بن مظعون- بالظاء المعجمة المشالة-[ابن حبيب بن وهب القرشي الجمحيّ] والعباس بن [عبادة بن] نضلة- بالنون والضاد المعجمة، وذكر سنيد بدل العباس أبا الهيثم بن التيهان- بفتح الفوقية وكسر التحتية المشددة، وبين عتبة بن غزوان- بغين مفتوحة فزاي ساكنة معجمتين- ومعاذ بن ماعص- بعين فصاد مهملتين ويقال فيه ناعص-[ابن قيس بن خلدة بن عامر بن زريق] ، وبين صفوان [بن وهب بن ربيعة القرشي الفهري وهو المعروف] بابن بيضاء ورافع بن المعلّى- بلفظ اسم المفعول من العلوّ بالعين المهملة-[ابن لوذان بن حارثة] ، وبين المقداد بن عمرو وعبد الله بن رواحة، وبين ذي الشمالين [بن عبد عمرو بن نضلة بن غبشان] ويزيد بن الحارث وبين أبي سلمة بن عبد الأسد- بالمهملة- وسعد بن خيثمة- بخاء معجمة فتحتية فثاء مثلثة، وبين عامر بن أبي وقاص وخبيب- بخاء معجمة مضمومة فموحدة مفتوحة- ابن عديّ، وبين عبد الله بن مظعون وقطبة- بلفظ تأنيث قطب- ابن عامر، وبين شمّاس- بشين معجمة مفتوحة فميم مشددة فألف فسين مهملة- ابن عثمان وحنظلة بن أبي عامر [ (١) ] ، وبين الأرقم بن أبي الأرقم وطلحة بن زيد الأنصاري، وبين زيد بن الخطاب ومعن بن عدي، وبين عمرو بن سراقة وسعد بن زيد الأشهلي، وبين عاقل

стр. 1409

- بعين مهملة وبعد الآلف قاف- ابن البكير- بموحدة تصغير بكر- ومبشّر بن عبد المنذر، وبين عبد الله بن مخرمة وفروة بن عمرو البياضي، وبين خنيس- بخاء معجمة مضمومة ونون مفتوحة فتحتية ساكنة فسين مهملة- ابن حذافة، والمنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة- بمهملتين- تصغير أحّة، وبين أبي سبرة- بسين مهملة مفتوحة فموحدة ساكنة- ابن أبي رهم- وهو بضم الراء وسكون الهاء، وعبادة بن الخشخاش- بخاءين الأولى مفتوحة وشينين الأولى ساكنة معجمات، كما ذكره الأمير، وبين مسطح- بميم مكسورة فسين مهملة فطاء مفتوحة وحاء مهملتين- ابن أثاثة- بالضم ومثلثتين مخفّفة- وزيد بن المزين- ضبطه الدارقطني والأمير بضم الميم وفتح الزاي وآخره نون مصغّر، وشدّد أبو عمر بخطّه التحتية- والله أعلم، وبين أبي مرثد- بفتح الميم وسكون الراء فثاء مثلثة- الغنوي- بالغين المعجمة المفتوحة والنون- وعبادة بن الصامت، وبين عكّاشة بعين مهملة مضمومة فكاف تشديدها أفصح من تخفيفها- ابن محصن- بكسر الميم، - والمجذّر- بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الذال المعجمة المفتوحة ثم راء- ابن ذياد- بكسر الذال المعجمة وتخفيف التحتية في آخره دال مهملة، وقيل إنه بفتح أوله وتشديد ثانيه-، وبين عامر بن فهيرة- بالتصغير- والحارث بن الصّمّة- بكسر الصاد المهملة وتشديد الميم، - وبين مهجع- بكسر الميم وسكون الهاء وفتح الجيم- مولى عمر، وسراقة بن عمرو بن عطية. تنبيهات الأول: قال في الروض: «آخى رسول الله ﷺ بين أصحابه حين نزلوا المدينة لتذهب عنهم وحشة الغربة ويؤنسهم من مفارقة الأهل والعشيرة ويشد أزر بعضهم ببعض، فلما عزّ الإسلام واجتمع الشّمل وذهبت الوحشة أنزل الله سبحانه: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ [الأنفال ٧٥] أعني في الميراث، ثم جعل المؤمنين كلهم إخوة يعني في التواد وشمول الدعوة» . الثاني: اختلف في ابتدائها فقيل بعد الهجرة بخمسة أشهر، وقيل بتسعة، وقيل وهو يبني المسجد، وقيل قبل بنائه، وقيل بسنة، وقيل بثلاثة أشهر وقيل بدر، وتقدم عن أنس بن مالك أن ذلك كان في داره، وذكر أبو سعد النيسابوري في الشرف أن ذلك كان في المسجد. فالله أعلم. الثالث: أنكر الواقدي مؤاخاة سلمان لأبي الدرداء لأن سلمان إنما أسلم بعد وقعة أحد، وأول مشاهده الخندق. وأجاب الحافظ بأن التاريخ المذكور [هو] للأخوة الثانية وهو ابتداء الأخوة، واستمر ﷺ يجدّدها بحسب من يدخل في الإسلام ويحضر إلى المدينة،

стр. 1410

وليس باللازم أن تكون المؤاخاة وقعت وقعة واحدة حتى يرد هذا التعقيب. وبما أجاب به الحافظ يجاب به عن مؤاخاة أبي ذرّ والمنذر بن عمرو، وعن مؤاخاة حذيفة وعمّار، وعن مؤاخاة جعفر ومعاذ بن جبل، ويقال بأن معاذ أرصد لمؤاخاة جعفر حتى يقدم. الرابع: نقل محمد بن عمر، عن الزهري أنه أنكر كلّ مؤاخاة وقعت بعد بدر، ويقول: قطعت بدر المواريث. قال الحافظ رحمه الله تعالى: وهذا لا يدفع المؤاخاة من أصلها، وإنما يدفع المؤاخاة المخصوصة التي كانت عقدت بينهم ليتوارثوا بها. الخامس: أنكر الحافظ أبو العباس بن تيمية المؤاخاة بين المهاجرين وخصوصا مؤاخاة النبي ﷺ لعلي ﵁. قال: لأن المؤاخاة شرعت لإرفاق بعضهم بعضا ولتتألّف قلوب بعضهم على بعض، فلا معنى لمؤاخاته لأحد ولا لمؤاخاة مهاجري لمهاجري. قال الحافظ: «وهذا ردّ للنّصّ بالقياس وإغفال عن حكمة المؤاخاة لأن بعض المهاجرين كان أقوى من بعض بالمال والعشيرة والقوة، فواخى بين الأعلى والأدنى ليرتفق الأدنى بالأعلى ويستعين الأعلى بالأدنى، وبهذا تظهر حكمة مؤاخاته ﷺ لعلي ﵁، لأنه هو الذي كان يقوم بعليّ من عهد الصّبا قبل البعثة واستمرّ، وكذلك مؤاخاة حمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة لأن زيدا مولاهم، فقد ثبتت إخوتهما وهما من المهاجرين، وفي الصحيح في عمرة القضاء أن زيدا قال: «إن ابنة حمزة ابنة أخي» . وأخرج الحاكم وابن عبد البر بسند حسن عن أبي الشعثاء [ (١) ] عن ابن عباس ﵄ قال: آخى النبي ﷺ بين الزبير بن العوام وعبد الله بن مسعود، وهما من المهاجرين، وأخرجه الضياء المقدسي في المختارة، وابن تيمية يصرّح بأن أحاديث المختارة أصحّ وأقوى من أحاديث المستدرك، قلت: يأتي الكلام مبسوطا على أخوة النبي ﷺ في ترجمة علي ﵁ عند ذكر تراجم العشرة إن شاء الله تعالى. السادس: روى الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن حبان عن شعبة بن التوأم- بفتح الفوقية والهمزة- إن رسول الله ﷺ قال: «لا حلف في الإسلام» [ (٢) ] ، زاد شعبة بن التوأم: «ولكن تمسّكوا بحلف الجاهلية» . انتهى. «وأيما- وفي لفظ: كل- حلف كان في

стр. 1411

الجاهلية لم يزده الإسلام إلا حدّة وشدّة، وما يسرني أن لي حمر النعم وأني نقضت الحلف الذي كان في دار الندوة» . وروى البخاري في الكفالة وفي الاعتصام، ومسلم في الفضائل، وأبو داود في الفرائض عن عاصم بن سليمان الأحول قال: «قلت لأنس بن مالك: أبلغك إن النبي ﷺ قال: لا حلف في الإسلام؟ قال: قد حالف النبي ﷺ بين قريش والأنصار في داري» [ (١) ] . قال الطبراني: ما استدلّ به أنس على إثبات الحلف لا ينافي الأحاديث السابقة في نفيه، فإن الإخاء المذكور كان في أول الهجرة، وكانوا يتوارثون به، ثم نسخ من ذلك الميراث، وبقي ما لم يبطله القرآن وهو التعاون على الحق والنصر والأخذ على يد الظالم، كما قال ابن عباس: «إلا النصر والنصيحة» ، ويوصي به فقد ذهب الميراث. وقال الخطّابي: قال ابن عيينة: حالف بينهم: أي آخى بينهم، يريد أن معنى الحلف في الجاهلية معنى الحلف في الإسلام جار على أحكام الدين وحدوده، وحلف الجاهلية جار على ما كانوا يتواضعونه بينهم، فبطل منه ما خالف حكم الإسلام وبقي ما عدا ذلك على حاله. والحلف- بكسر الحاء المهملة وسكون اللام بعدها فاء، قال في النهاية: أصله المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق، فما كان منه في الجاهلية على الفتن والقتال بين القبائل والغارات، فذلك الذي ورد النهي عنه في الإسلام بقوله ﷺ : «لا حلف في الإسلام» . وما كان منه في الجاهلية على نصر المظلوم وصلة الأرحام كحلف المطيّبين وما جرى مجراه فذلك الذي قال فيه ﷺ : «وأيّما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدّة» ، يريد من المعاقدة على الخير ونصرة الحق [وبذلك يجتمع الحديثان وهذا هو الحلف الذي يقتضيه الإسلام والممنوع منه ما خالف حكم الإسلام] والله أعلم.

стр. 1412

الباب السادس في قصة تحويل القبلة روى ابن إسحاق وابن سعد، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والستة، وأبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والدارقطني، والبيهقي عن البراء بن عازب، وابن إسحاق وابن أبي شيبة، وأبو داود والنحاس في ناسخهما، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄، وأبو داود في ناسخه عن أبي العالية مرسلا، ويحيى بن الحسن العلوي في أخبار المدينة عن رافع بن خديج ﵁، والإمام مالك، وعبد بن حميد والشيخان، وأبو داود في ناسخه، والنسائي، ويحيى بن الحسن، عن عثمان بن محمد بن الأخنس، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة، والزبير بن بكار عن عثمان بن عبد الرحمن، وابن سعد عن محمد بن عبد الله بن جحش، وابن جرير عن مجاهد، يزيد بعضهم على بعض: «أن أول ما نسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله ﷺ كان يصلي وهو بمكة نحو بيت المقدس، والكعبة بين يديه» . وقال ابن جريج، كما عند ابن جرير: «صلّى النبي ﷺ أول من صلى إلى الكعبة ثم صرف إلى بيت المقدس وهو بمكة فصلّى ثلاث حجج ثم هاجر» . ولما هاجر إلى المدينة وكان أكثر أهلها اليهود أمره الله أن يستقبل صخرة بيت المقدس، فعرّض اليهود بذلك، وكان رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس. وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، لأن اليهود قالوا: «خالفنا محمد ويتبع قبلتنا» . وقال ﷺ لجبريل: «وددت أن الله صرفني عن قبلة يهود إلى غيرها» ، فقال جبريل ﵇: «إنما أنا عبد مثلك لا أملك لك شيئاً إلا ما أمرت به، فادع الله تعالى» . فكان رسول الله ﷺ يدعو الله تعالى ويكثر النظر إلى السماء ينتظر أمر الله تعالى، وخرج رسول الله ﷺ زائرا أم بشر بن البراء بن معرور، في بني سلمة- بكسر اللام- فصنعت له طعاما، وحانت صلاة الظهر، فصلى رسول الله ﷺ بأصحابه في مسجد هناك الظهر، فلما صلى ركعتين نزل جبريل فأشار إليه أن صل إلى البيت، وصلى جبريل إلى البيت فاستدار رسول الله ﷺ إلى الكعبة، واستقبل الميزاب. فتحوّل النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء، فهي القبلة التي قال الله تعالى فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها [البقرة ١٤٤] فسمى ذلك المسجد مسجد القبلتين. وكان الظهر يومئذ أربعا: اثنتان إلى بيت المقدس واثنتان إلى الكعبة، فخرج عباد بن بشر ﵁، وكان صلى مع رسول الله ﷺ ، فمر على قوم من الأنصار ببني حارثة- بالحاء المهملة والثاء المثلثة- وهم راكعون في صلاة العصر، فقال: «أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله ﷺ قبل البيت» . فاستداروا.

стр. 1413

قال رافع بن خديج: «وأتانا آت ونحن نصلي في بني عبد الأشهل فقال: إن رسول الله ﷺ قد أمر أن يوجه إلى الكعبة، فأدارنا إمامنا إلى الكعبة ودرنا معه» . قال ابن عمر: «وبينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت- قال ابن طاهر المقدسي: هو عباد بن بشر أيضا- فقال: «إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة» . وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان رسول الله ﷺ يصلي قبل بيت المقدس وأهل الكتاب فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك. وقال المنافقون: «خرّ محمد إلى أرضه» . وقال المشركون: «أراد محمد أن يجعلنا قبلة له ووسيلة، وعرف أن ديننا أهدى من دينه، ويوشك أن يكون على ديننا» . وقال اليهود للمؤمنين: ما صرفكم عن قبلة موسى ويعقوب وقبلة الأنبياء؟ والله إن أنتم إلا قوم تفتنون. وقال المؤمنون: لقد ذهب منّا قوم ماتوا وما ندري أكنّا نحن وهم على قبلة أو لا. وأتى رسول الله ﷺ رفاعة بن قيس، وكردم بن عمرو، وكعب بن الأشرف، ورافع بن أبي رافع، والحجاج بن عمرو حليف كعب بن الأشرف، والربيع وكنانة ابنا الربيع بن أبي الحقيق- بلفظ تصغير حق- فقالوا: «يا محمد ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها وأنت تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه؟ ارجع إلى قبلتك التي كنت عليها نتبعك ونصدقك» . وإنما يريدون بذلك فتنته عن دينه، فأنزل الله : سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ- الجهّال واليهود والمشركون والمنافقون ما وَلَّاهُمْ- أي صرفهم- عَنْ قِبْلَتِهِمُ- التي كانوا على استقبالها في الصلاة وهي بيت المقدس، والإتيان بالسين الدّالّة على الاستقبال من الإخبار بالغيب- الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ- أي الجهات كلها، فيأمر بالتوجه إلى أية جهة شاء لا اعتراض عليه- يَهْدِي مَنْ يَشاءُ- هدايته- إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة ١٤٢]- دين الإسلام، أي ومنهم أنتم، دل على هذا وَكَذلِكَ أي كما هديناكم إليه جَعَلْناكُمْ يا أمة محمد أُمَّةً وَسَطاً خيارا عدولا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ يوم القيامة أن رسلهم بلغتهم وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً أنه بلّغكم وَما جَعَلْنَا صيّرنا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها أولا وهي جهة بيت المقدس وكان رسول الله ﷺ يصلّي إليها تألّفا لليهود فصلّى إليها ستة أو سبعة عشر شهرا ثم حوّل إِلَّا لِنَعْلَمَ علم ظهور مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ فيصدّقه مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ أي يرجع إلى الكفر شكّا في الدين وظنّا أن النبيّ في حيرة من أمره، وقد ارتدّ لذلك جماعة وَإِنْ مخفّفة من الثقيلة واسمها محذوف، أي وإنّها كانَتْ التولية إليها- لَكَبِيرَةً شاقّة على الناس إِلَّا

стр. 1414

عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ منهم وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ أي صلاتكم إلى بيت المقدس بل يثيبكم عليها لأن سبب نزولها السؤال عمن مات قبل التحويل إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ المؤمنين لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ [البقرة ١٤٣] في عدم إضاعة أعمالهم، والرأفة شدة الرحمة وقدّم الأبلغ للفاصلة. قَدْ للتحقيق نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ أي تصرّف وجهك في جهة السماء تطلّعا إلى الوحي، وتشوّقا للأمر باستقبال الكعبة وكان يود ذلك لأنها قبلة إبراهيم ولأنه أدعى إلى إسلام العرب فَلَنُوَلِّيَنَّكَ نحوّلنّك قِبْلَةً تَرْضاها تحبّها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ استقبل في الصلاة ناحية المسجد الحرام أي الكعبة وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ خطابا للأمة فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ في الصلاة شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ أي التّولي إلى الكعبة الْحَقُّ الثابت مِنْ رَبِّهِمْ لما في كتبهم من نعت النبي ﷺ من أنه يتحوّل إليها وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [البقرة ١٤٤] [قرئت] بالتاء أي أيها المؤمنون من امتثال أمره، وبالياء أي اليهود من إنكار القبلة. وَلَئِنْ لام قسم أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ على صدقك في أمر القبلة ما تَبِعُوا أي لم يتبعوا قِبْلَتَكَ عنادا وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ قطع لطمعه في إسلامهم وطمعهم في عوده إليها وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ أي اليهود قبلة النصارى وبالعكس وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ التي يدعونك إليها مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ الوحي إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة ١٤٥] أي إن اتّبعتهم فرضا. تنبيهات الأول: تصوير ما ذكر من تحويل الرجال مكان النساء وتحويل النساء مكان الرجال أن الإمام يتحول من مكانه في مقدّم المسجد إلى مؤخّره، لأن من استقبل الكعبة بالمدينة فقد استدبر بيت المقدس، وهو لو دار كما هو مكانه لم يكن خلفه مكان يسع الصفوف، فلما تحوّل الإمام تحولت الرجال حتى صاروا خلفه، وتحولت النساء حتى صرن خلف الرجال. وهذا يستدعي عملا كثيرا في الصلاة. ويحتمل أن ذلك وقع قبل تحريم العمل الكثير، كما كان قبل تحريم الكلام، ويحتمل أن يكون اغتفر العمل المذكور لأجل المصلحة المذكورة، أو لم يتوال الخطأ عند التحويل بل وقعت متفرقة. الثاني: اختلف في تاريخ تحويل القبلة، فقال البراء بن عازب كما عند البخاري: كان على رأس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً. وقال ابن عباس كما عند ابن إسحاق، وأبي داود في ناسخه سبعة عشر شهرا. وكذا قال عمرو بن عوف كما عند البزار والطبراني. وقال ابن عباس

стр. 1415

أيضا كما عند ابن أبي شيبة وأبي داود في ناسخه، والطبراني والزهري كما عند البيهقي، وسعيد بن المسيب كما عند الإمام مالك وأبي داود فيه، وابن جرير وقتادة كما عند عبد بن حميد، وابن المنذر «على رأس ستة عشر شهراً» . وقال أنس بن مالك كما عند البزار، وابن جرير تسعة عشر شهراً. قال الحافظ: «فطريق الجمع بين رواية ستة عشر وسبعة عشر شهرا، ورواية الشك في ذلك: أن من جزم بستة عشر لفق من شهر القدوم وشهر التحويل وشهرا وألغى الأيام الزائدة، ومن جزم بسبعة عشر عدهما معا، ومن شك تردد في ذلك، وذلك أن القدوم كان في شهر ربيع الأول بلا خلاف وكان التحويل بعد الزوال في نصف شهر رجب من السنة الثانية على الصحيح، وبه جزم الجمهور، ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس. وقول ابن حبّان: سبعة عشر شهرا وثلاثة أيام مبني على أن القدوم كان في ثاني ربيع الأول، وأسانيد رواية ثلاثة عشر وثمانية عشر وتسعة عشر شهرا، وعشرة أشهر، ورواية شهرين، ورواية سنتين هي أسانيد ضعيفة، والاعتماد على الثلاثة الأول. الثالث: اختلف في أي شهر كان تحويل القبلة. فقال محمد بن حبيب: في نصف شعبان، وهو الذي ذكره النووي في الروضة وأقرّه، مع كونه رجّح في شرحه على صحيح مسلم رواية ستة عشر شهراً لكونها مجزوما بها عند مسلم. ولا يستقيم أن يكون ذلك في شعبان إلا بإلغاء شهري القدوم والتحويل. وجزم موسى بن عقبة بأن التحويل كان في جمادى الآخرة. الرابع: اختلف في أي صلاة كان التحويل، ففي الصحيح عن البراء بن عازب أن أول صلاة صلاها رسول الله ﷺ هي صلاة العصر، والأكثر على أنها صلاة الظهر. قال الحافظ: والتحقيق أن أول صلاة صلاها في بني سلمة- بكسر اللام- الظهر، وأول صلاة صلاها بالمسجد النبوي العصر، وأما الصبح فهو لأهل قباء. الخامس: اختلف في صلاة النبي ﷺ إلى بيت المقدس وهو بمكة، فروى ابن ماجة عن طريق أبي بكر بن عياش عن البراء أنه قال: «صلّينا مع رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس ثمانية عشر شهرا، وصرفت القبلة إلى الكعبة بعد دخول المدينة بشهرين» . وظاهره أنه كان يصلي بمكة إلى بيت المقدس محضا. وحكى الزهري خلافا في أنه جعل الكعبة خلف ظهره أو أنه جعلها بينه وبين بيت المقدس، وعلى الأول فكان يجعل الميزاب خلفه، وعلى الثاني كان يصلي بين الرّكنين اليمانيّين. وزعم ناس أنه لم يزل يستقبل الكعبة بمكة، فلما قدم المدينة استقبل بيت المقدس، ثم نسخ. قال الحافظ: «وهذا ضعيف ويلزم منه دعوى النّسخ مرّتين، والأول أصحّ لأنه يجمع بين القولين. وقد صحّحه الحاكم وغيره. وحمل أبو عمر هذا

стр. 1416

القول على الثاني ويؤيده في حمله على ظاهره إمامة جبريل، ففي بعض طرقه أن ذلك كان عند البيت. وروى ابن جرير وغيره بسند جيد قوي عن ابن عباس قال: «لما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة وأمره الله تعالى أن يستقبل بيت المقدس» إلى آخره، وظاهره أن استقبال بيت المقدس إنما وقع بعد الهجرة إلى المدينة، لكن روى الإمام أحمد من وجه آخر عن ابن عباس قال: «كان النبي ﷺ يصلي وهو بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه» [ (١) ] . ورواه ابن سعد أيضا وسنده جيّد قويّ والجمع بينهما ممكن بأن يكون أمر لما هاجر أن يستمر على الصلاة إلى بيت المقدس. وقوله في حديث ابن عباس الأول: «أمره الله» يردّ قول من قال: «أنه ﷺ صلى إلى بيت المقدس باجتهاد» ، كما رواه ابن جرير عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف. وعن أبي العالية أنه صلّى إلى بيت المقدس يتألّف بذلك أهل الكتاب، وهذا لا ينبغي إلا بتوقيف. السادس: الذين ماتوا قبل فرض الصلاة وقبل تحويل القبلة من المسلمين عشر أنفس: بمكة من قريش ١ عبد الله بن شهاب ٢ والمطلب بن أزهر، الزّهريّان، ٣ والسكران بن عمرو العامري. وبأرض الحبشة منهم: ٤ حطّاب بن الحارث الجمحيّ- حطّاب بالحاء المهملة- ٥ وعمرو بن أمية الأسدي، ٦ وعبد الله بن الحارث السهمي. ٧ وعروة بن عبد العزى، ٨ وعديّ بن نضلة- بالنون والضاد المعجمة- العدويّان- ومن الأنصار بالمدينة: ٩ البراء بن معرور- بمهملات، ١٠ وأسعد بن زرارة. فهؤلاء العشرة متّفق عليهم، ومات في المدة أيضا إياس بن معاد الأشهلي لكنه مختلف في إسلامه. السابع: وقع في رواية زهير بن معاوية في حديث البراء بن عازب ﵁ في صحيح البخاري وغيره: أنه مات على القبلة- أي قبلة بيت المقدس من قبل أن تحوّل [قبل البيت]- رجال قتلوا [فلم ندر ما نقول فيهم] . قال الحافظ: «ذكر القتل لم أره إلا في رواية الزهري وباقي الروايات إنما فيها ذكر الموت فقط، ولم أجد في شيء من الأخبار أن أحدا من المسلمين قتل قبل تحويل القبلة، لكن لا يلزم من عدم الذكر عدم الوقوع، فإن كانت هذه اللفظة محفوظة فتحمل على أن بعض المسلمين ممّن لم يشتهر قتل في تلك المدة في غير الجهاد ولم يضبط لقلة الاعتناء بالتاريخ إذ ذاك» . قال: «ثم وجدت في التاريخ ذكر رجل

стр. 1417

اختلف في إسلامه وهو سويد بن الصامت» [ (١) ] فذكر ما تقدم في بدء إسلام الأنصار. ثم قال الحافظ: «فيحتمل أن يكون هو المراد» قال: وذكر لي بعض الفضلاء أنه يجوز أن يراد من قتل بمكة من المستضعفين كأبوي عمّار فقلت: يحتاج إلى ثبوت أن قتلهما بعد الإسراء. الثامن: في بيان غريب ما سبق: «حجج» ، بكسر الحاء المهملة وفتح الجيم الأولى وكسر الثانية [أي سنين] . «قبل» البيت- بكسر القاف وفتح الموحدة-: أي جهته. «معرور» [ (٢) ] بعين مهملة. «حانت» الصلاة: دنا وقتها.

стр. 1418

جماع أبواب بعض أمور دارت بين رسول الله ﷺ وبين اليهود والمنافقين ونزول صدر من سورة البقرة وغيره من القرآن في ذلك الباب الأول في أخذ الله العهد عليهم في كتبهم أن يؤمنوا بمحمد ﷺ ، إذا جاءهم، واعتراف جماعة منهم بنبوته، ثم كفر كثير منهم بغيا وعنادا فذكرت أحاديث كثيرة في أول الكتاب وأذكر ما لم أذكر هناك. قال الله يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [البقرة ٤٠] روى ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﵄، وابن المنذر عن ابن مسعود ﵁ في الآية، قال الله تعالى للأحبار من يهود: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ أي من بلائي عندكم وعند آبائكم لما كان نجاهم به من فرعون وقومه: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي الذي أخذت في أعناقكم للنبي محمد ﷺ إذا جاءكم أُوفِ بِعَهْدِكُمْ يقول: أرض عنكم وأدخلكم الجنة. وروى ابن جرير عن أبي العالية في الآية قال: يقول: يا معشر أهل الكتاب، آمنوا بما أنزلت على محمد مصدّقاً لما معكم لأنهم يجدونه عندهم مكتوبا في التوراة والإنجيل، ولا تكونوا أوّل كافر به، وبمحمد ﷺ . وروى ابن جرير عن ابن عباس ﵄ أنه قال: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ [البقرة ٤٢] أي لا تخلطوا الصّدق بالكذب وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة ٤٢] أي لا تكتموا الحقّ وأنتم قد علمتم أن محمدا ﷺ رسول الله. وروى عبد بن حميد عن قتادة قال: «لا تلبسوا اليهودية والنصرانية بالإسلام وأنتم تعلمون أن دين الله الإسلام، وأن اليهودية والنصرانية بدعة ليست من الله تعالى: وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنه رسول الله يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ، يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ [الأعراف ١٥٧] وروى ابن جرير عن السدي في قوله «وتكتموا الحقّ» قال: هو محمد ﷺ . وروى البيهقي عن ابن عباس ﵄ قال: وصف الله محمداً في التوراة، أكحل العين، ربعة، جعد الشعر، حسن الوجه، فلما قدم رسول الله ﷺ حسده أحبار يهود، فغيّروا صفته في كتابهم وقالوا: لا نجد نعته عندنا، وقالوا: نجد النبيّ الأمّيّ طويلا أزرق سبط الشعر، وقالوا للسّفلة: «ليس هذا نعت النبي الذي يحرّم كذا

стр. 1419

وكذا» كما كتبوه، وغيّروا نعت هذا كما وصف، فلبّسوا بذلك على الناس. وإنما فعلوا ذلك لأن الأحبار كانت لهم مأكلة يطعمهم إياها السّفلة لقيامهم على التوراة، فخافوا أن يؤمن السّفلة فتقطع تلك المأكلة. وروى البيهقي عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة ﵃ قالوا: «كانت العرب تمرّ باليهود فيؤذونهم، وكانوا يجدون محمدا ﷺ في التوراة فيسألون الله تعالى أن يبعثه فيقاتلون معه العرب، فلما جاءهم كفروا به حين لم يكن من بني إسرائيل» . وروى ابن إسحاق وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄، وأبو نعيم عنه من طرق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وأبو نعيم عن قتادة: أن يهود أهل المدينة قبل قدوم رسول الله ﷺ ، كانوا إذا قاتلوا من يليهم من مشركي العرب من أسد وغطفان وجهينة وعذرة يستفتحون يدعون الله على الذين كفروا ويقولون: «اللهمّ إنا نستنصر بحق محمد النبي الأمي إلا نصرتنا عليهم» ، فينصرون. وكانوا يقولون: «اللهمّ ابعث النبي الأمي الذي نجده في التوراة الذي وعدتنا أنك باعثه في آخر الزمان» . فلمّا جاءهم ما عرفوا، كفروا به حسدا للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله ﷺ . فقال لهم معاذ بن جبل، وبشر بن البراء أخو بني سلمة: يا معشر يهود اتّقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل شرك وتخبروننا أنه مبعوث وتصفونه لنا بصفته. وروى ابن جرير، وابن المنذر عن ابن جريج عن بعض من أسلم من أهل الكتاب، قال: «والله لنحن أعرف برسول الله منا بأبنائنا من أجل الصفة والنّعت الذي نجده في كتابنا، أما أبناؤنا فلا ندري ما أحدث النساء» وروى ابن إسحاق، والبيهقي، وأبو نعيم عن أم المؤمنين صفية بنت حيي ﵂ أنها قالت: «لم يكن أحد من ولد أبي وعمّي أبي ياسر أحبّ إليهما منّي، لم ألقهما قطّ مع ولد لهما إلا أخذاني دونه. فلما قدم رسول الله- ﷺ قباء قرية بني عمرو بن عوف غدا إليه أبي، حيي بن اخطب وعمّي أبو ياسر بن أخطب مغلّسين، فو الله ما جاءانا إلا مع مغيب الشمس، فجاءانا بأمر أبي كبشة [كالّين كسلانين] ساقطين يمشيان الهوينى فهششت إليهما كما كنت أصنع، فوالله ما نظر إلى واحد منهما، فسمعت عمّي أبا ياسر وهو يقول لأبي حيي بن اخطب: أهو هو؟ قال: نعم. قال: أتعرفه بنعته وصفته؟ قال: نعم والله. قال: فما في نفسك منه؟ قال: عداوته والله ما بقيت» . وذكر ابن عقبة عن الزهري قال: «إن أبا ياسر بن أخطب حين قدم رسول الله- ﷺ المدينة ذهب إليه فسمع منه وحادثه ثم رجع إلى قومه فقال: يا قوم اطيعوني فإن الله تعالى قد جاءكم بالذي تنتظرونه فاتّبعوه ولا تخالفوه. فانطلق أخوه حيي بن اخطب، وهو يومئذ سيّد

стр. 1420

يهود، وهما من بني النضير، فجلس إلى رسول الله- ﷺ وسمع منه، ثم رجع إلى قومه، وكان فيهم مطاعا. فقال: أتيت من عند رجل والله لا أزال له عدوا. فقال له أخوه أبو ياسر: يا ابن أم أطعني في هذا الأمر واعصني فيما شئت بعد لأمهلك. فقال: والله لا أطيعك. فاستحوذ عليه الشيطان، وتبعه قومه على رأيه» . وروى عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند عن جابر بن سمرة ﵁، أنه قد جاء جرمقانيّ [ (١) ] إلى أصحاب محمد- ﷺ فقال: أين صاحبكم هذا الذي يزعم أنه نبيّ، لئن سألته لأعلمني نبيّ هو أو غير نبي. ثم قال الجرمقانيّ: «هذا والله الذي جاء به موسى» ، الجرمقانيّ بجيم مفتوحة فراء ساكنة فميم مفتوحة فقاف فألف فنون، منسوب إلى الجرامقة. قال في الصحاح: قوم بالموصل أصلهم من العجم، وقال غيره: وجرامقة الشام أنباطها. وروى البيهقي عن ابن عباس ﵄ أن حبرا من أحبار اليهود دخل على رسول الله- ﷺ فواقفه يقرأ سورة يوسف فقال: «يا محمد من علّمكها» ؟ قال: «الله علّمنيها» ، فعجب الحبر لما سمع منه. فرجع إلى اليهود فقال: «إن محمدا ليقرأ القرآن، كما أنزل في التوراة» . فانطلق جماعة منهم حتى دخلوا عليه فعرفوه بالصفة، ونظروا إلى خاتم النبوة بين كتفيه، فجعلوا يستمعون إلى قراءته لسورة يوسف، فتعجبوا منه وأسلموا عند ذلك [ (٢) ] . وذكر محمد بن عمر الأسلمي أن النّعمان السّبئيّ وكان من أحبار يهود اليمن فلما سمعوا برسول الله- ﷺ قدم عليه فسأله عن أشياء، ثم قال له: «إن أبي كان يختم على سفر ويقول: «لا تقرأه على يهود حتى تسمع بنبيّ قد خرج بيثرب، فإذا سمعت به فافتحه» . قال النعمان: «فلما سمعت به فتحت السّفر فإذا فيه صفتك كما أراك الساعة، وإذا فيه ما تحلّ وما تحرّم، وإذا فيه أنك آخر الأنبياء، وأمّتك آخر الأمم، واسمك أحمد، وأمّتك قربانهم دماؤهم، وأناجيلهم صدورهم، لا يحضرون قتالا إلا وجبريل معهم، ويتحنّن الله تعالى عليهم كتحنّن الطّير على أفراخه، ثم قال لي: إذا سمعت به فاخرج إليه وصدّقه» . وكان رسول الله- ﷺ يحبّ أن يسمع أصحابه حديثه. فأتاه يوما فقال: «يا نعمان حدّثنا» ، فابتدأ الحديث من أوّله، فرأى رسول الله- ﷺ يبتسم، ثم قال: «أشهد أني رسول الله» . ويقال إن النعمان هذا هو الذي قتله الأسود العنسيّ الكذّاب وقطّعه عضوا عضوا، والنعمان يقول: «أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، وأنك كذّاب مفتر على الله » . ثم حرّقه بالنار، والآثار في هذا كثيرة لا تحصى.

стр. 1421

الباب الثاني في إسلام عبد الله بن سلام بن الحارث أبي يوسف وهو من ذرية سيدنا يوسف الصّدّيق ﵇ حليف القواقل من الخزرج، الإسرائيلي ثم الأنصاري ﵁. كان اسمه الحصين فغيره النبي- ﷺ وكان عالم أهل الكتاب، وكان إسلامه في اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ دار أبي أيوب أول ما قدم، كما في رواية عبد العزيز بن صهيب عند البيهقي. وروى ابن إسحاق عن رجل من آل عبد الله بن سلام ﵁ قال: «لما قدم رسول الله- ﷺ نزل بقباء في بني عمرو بن عوف. فأقبل رجل حتى أخبر بقدومه..» الحديث. وفيه: «فخرجت إلى رسول الله ﷺ فأسلمت ورجعت إلى أهل بيتي. قال الحافظ عماد الدين بن كثير: «فلعلّه رآه أول ما رآه بقباء واجتمع به بعد ما صار إلى دار بني النّجّار والله أعلم» . وروى البخاري والبيهقي عن أنس، وابن إسحاق عن رجل من آل عبد الله بن سلام، والإمام أحمد، ويعقوب بن سفيان عن عبد الله بن سلام، والبيهقي عن موسى بن عقبة وعن ابن شهاب، قال: لما سمعت برسول الله- ﷺ وعرفت صفته واسمه وهيئته وزمانه الذي كنا نتوكّف له [ (١) ] ، فكنت مسرّا بذلك صامتا عليه حتى قدم رسول الله- ﷺ المدينة، فلما قدم نزل بقباء في بني عمرو بن عوف، فأقبل رجل حتى أخبر بقدومه، وأنا في رأس نخلة لي أعمل فيها، وعمّتي حين سمعت تكبيري: «لو كنت سمعت بموسى بن عمران ما زدت» . كبّرت. فقالت عمّتي حين سمعت تكبيري: «لو كنت سمعت بموسى بن عمران ما زدت» . قلت لها: «أي عمّة وهو، الله أخو موسى بن عمران، وعلى دينه، بعث بما بعث به» . فقالت له: «يا ابن أخي، أهو النبي الذي كنّا نخبر أنه يبعث مع نفس الساعة» ؟ [ (٢) ] قلت لها: «نعم» . قالت: «فذاك إذا» . قال: «فخرجت إلى رسول الله- ﷺ فلما تبيّنت وجهه عرفت أنه ليس بوجه كذّاب، فكان أول شيء سمعته يقول: «أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» [ (٣) ] . وعند البيهقي عن أنس قال: سمع عبد الله بن سلام بقدوم النبي- ﷺ فأتى

стр. 1422

النبي فقال: «إني سائلك عن خلال لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة، وما أول طعام أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ وما هذا السواد الذي في القمر؟» قال: «أخبرني بهنّ جبريل آنفا. قال: «جبريل» ؟ قال: «نعم» . قال «عدو اليهود من الملائكة» . «ثم قرأ: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ [البقرة ٩٧] قال: «أما أول أشراط الساعة: فنار تخرج علي الناس من المشرق [تسوقهم] إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة: فزيادة كبد حوت، وأما الولد: فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت الولد، وأما السواد الذي في القمر: فإنهما كانا شمسين. قال الله تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ [الإسراء ١٢] فالسواد الذي رأيت هو المحو» . فقال: «أشهد ألا إله إلا الله وأنك رسول الله» . ثم رجع إلى أهل بيته فأمرهم فأسلموا وكتم إسلامه. ثم خرج إلى رسول الله- ﷺ فقال: «يا رسول الله، إن اليهود قد علمت أني سيدهم وابن سيدهم، وأعلمهم وابن أعلمهم، وأنهم قوم بهت، وأنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني، وقالوا فيّ ما ليس في، فأحب أن تدخلني بعض بيوتك» . فأدخله رسول الله بعض بيوته، وأرسل إلى اليهود فدخلوا عليه فقال: «يا معشر يهود يا ويلكم اتقوا الله فو الله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون إني رسول الله قد جئتكم بالحق فأسلموا» . فقالوا: ما نعلمه. فقال: «أي رجل فيكم الحصين بن سلام» ؟ قالوا: «خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا» . فقال: «أرأيتم إن أسلم» قالوا: «أعاذه الله من ذلك» . فقال: «يا بن سلام اخرج إليهم» فخرج عبد الله فقال: «أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، يا معشر يهود اتقوا الله واقبلوا ما جاءكم به، فوالله إنكم لتعلمون أنه لرسول الله حقا، تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة: اسمه وصفته، فإني أشهد أنه رسول الله وأومن به وأصدقه وأعرفه. قالوا: «كذبت أنت شرنا وابن شرّنا» ، وانتقصوه. قال: «هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله، ألم أخبرك أنهم قوم بهت، أهل غدر وكذب وفجور» ؟ قال: «وأظهرت إسلامي وإسلام أهل بيتي، وأسلمت عمّتي خالدة بنت الحارث وحسن إسلامها» . بيان غريب ما سبق: «نفس الساعة» بفتح النون والفاء، أي بعثت وقد حان وقت قيامها وقرب، ألا إن الله أخّرها قليلا، فبعثني في ذلك النّفس، فأطلق النّفس على القرب. وقيل معناه: أنه جعل للساعة

стр. 1423

نفسا كنفس الإنسان أراد: إني بعثت في وقت قريب منها أحسّ فيه بنفسها كما يحسّ بنفس الإنسان إذا قرب [المرء] منه. يعني بعثت في وقت بانت أشراطها فيه وظهرت علاماتها. «نزع» [ (١) ] إلى أبيه في الشّبه: أي ذهب. «بهت» : [ (٢) ] جمع بهوت من بناء المبالغة في البهت مثل صبور وصبر، ثم سكّن تخفيفا، والبهت [ (٣) ] الكذب [والافتراء] .

стр. 1424

الباب الثالث في موادعته ﷺ اليهود، وكتبه بينه وبينهم كتاباً بذلك، ونصبهم العداوة له ولأصحابه حسداً وعدواناً، ونقضهم للعهد قال ابن إسحاق: «وكتب رسول الله- ﷺ كتابا بين المهاجرين والأنصار وادع فيه يهود وعاهدهم وأقرّهم على دينهم وأموالهم واشترط عليهم وشرط لهم» . أي لمّا امتنعوا من إتباعه، وذلك قبل الإذن بالقتال وأخذ الجزية ممن أبى الإسلام، وذكر ابن إسحاق نسخة الكتاب وهو نحو ورقتين بغير إسناد، ورواه أبو عبيد في كتاب الأموال [ (١) ] بسند جيد عن الزّهري، ولعليّ أذكره في أبواب مكاتباته- ﷺ .

стр. 1425

وروى ابن عائذ عن عروة بن الزبير: إن أول من أتى رسول الله- ﷺ من اليهود أبو ياسر بن أخطب أخو حيي بن اخطب، فسمع منه، فلما رجع قال لقومه: «أطيعوني فإن هذا هو النبي الذي كنّا ننتظره» فعصاه أخوه، وكان مطاعا فيهم، فاستحوذ عليهم الشيطان فأطاعوه. وروى أبو سعيد النيسابوري في الشرف عن سعيد بن جبير قال: «جاء ميمون بن يامين، وكان رأس يهود، إلى رسول الله- ﷺ فقال: «يا رسول الله ابعث إليهم واجعلني حكما بينهم فإنهم يرجعون لي» فأدخله داخلا، ثم أرسل إليهم، فأتوه، فخاطبوه، فقال: «اختاروا رجلا يكون حكما بيني وبينكم» . قالوا: «قد رضينا ميمون بن يامين» . فلما خرج إليهم قال: «أشهد أنه رسول الله» . فأبوا أن يصدّقوه. وروى الإمام أحمد والشيخان عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: «قال رسول الله- ﷺ : «لو آمن بي عشرة من أحبار يهود لآمن بي كل يهودي على وجه الأرض» [ (١) ] . وروى ابن أبي حاتم وأبو سعيد النيسابوري وزاد في آخره قال: «وقال كعب: اثني عشر» ، وتصديق ذلك في [سورة المائدة] : وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً [المائدة ١٢] قال الحافظ: فعلى هذا فالمراد عشرة مختصة، وإلّا فقد آمن به ﷺ أكثر من عشرة، وقيل

стр. 1426

المعنى: «لو آمن في الزمان الماضي كالزمن الذي قبل قدوم النبي- ﷺ المدينة أو حال قدومه» . قال الحافظ: «والذي يظهر أنهم وهم الذين كانوا حينئذ رؤساء في يهود، ومن عداهم كان تبعا لهم، فلم يسلم منهم إلا القليل كعبد الله بن سلام، وكان من المشهورين بالرياسة في يهود بني قينقاع عند قدوم النبي ﷺ . ومن بني النّضير: أبو ياسر- بتحتية وسين فراء مهملتين- ابن أخطب- بخاء معجمة فطاء مهملة فموحّدة- وأخوه حيي بن اخطب، وكعب بن الأشرف وأبو رافع سلام بن الربيع بن أبي الحقيق- بقافين مصغّر. ومن بني قينقاع: سعد بن حنيف، وفنحاص- بفاء مكسورة فنون ساكنة فحاء مهملة فألف فصاد مهملة- ورفاعة بن زيد [ابن التابوت] . ومن بني قريظة: الزبير- بفتح الزاي- ابن باطى بن وهب، وكعب بن أسد وهو صاحب عقد بني قريظة الذي نقض عام الأحزاب وشمويل بن زيد، فهؤلاء لم يثبت أحد منهم، وكان كل منهم رئيسا في اليهود، لو أسلم لتبعه جماعة، فيحتمل أن يكونوا المراد. وروى أبو نعيم في الدلائل من وجه آخر عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: «لو آمن بي الزّبير بن باطى وذووه من رؤساء لأسلموا كلهم» [ (١) ] . وأغرب السهيلي فقال: لم يسلم من أحبار اليهود إلّا اثنان: عبد الله بن سلام، وعبد الله بن صوري. قال الحافظ: كذا قال، ولم أر لعبد الله بن صوري إسلاما من طريق صحيحة، فإنما نسبه السهيلي في موضع آخر لتفسير النّقّاش. قال ابن إسحاق: «ونصبت بعد ذلك أحبار يهود لرسول الله- ﷺ العداوة بغيا وحسدا وضغنا لما خص الله تعالى به العرب من اصطفاء رسوله منهم. وكانت أحبار يهود، هم الذين يسألون رسول الله ﷺ ويتعنّتونه ويأتونه باللّبس ليلبسوا الحقّ بالباطل، وكان القرآن ينزل فيهم وفيما يسألون عنه، إلا قليلا من المسائل في الحلال والحرام كان المسلمون يسألون عنها» . وذكر ابن إسحاق وغيره أسماء اليهود، ولا حاجة بي هنا إلى ذكرهم، بل من جاء ذكره في كتابي تكلمت عليه، وكانوا ثلاث قبائل: قينقاع- بفتح القاف وتثليث النون وبالعين المهملة، ويجوز صرفه على إرادة الحيّ وترك صرفه على إرادة القبيلة أو الطائفة- وهم الوسط من يهود المدينة. وإذا قلت: بنو قينقاع فالوجه الصّرف، وقريظة- بقاف مضمومة فظاء معجمة مشالة، وهو أخو النضير والوسط من يهود المدينة، والنّضير- بضاد معجمة ساقطة وزن كريم. وحاربته الثلاثة، ونقضوا العهد الذي بينه وبينهم، فمنّ على بني قينقاع، وأجلى بني النضير، وقتل بني قريظة، وسبى ذريتهم، ونزلت سورة الحشر في بني النضير، وسورة الأحزاب في بني قريظة، وسيأتي بيان ذلك مفصّلا في المغازي إن شاء الله تعالى.

стр. 1427

الباب الرابع في سؤال اليهود رسول الله ﷺ عن الروح روى الإمام أحمد والشيخان والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وغيرهم عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «كنت أمشي مع رسول الله- ﷺ في حرث المدينة- وفي لفظ: حرث الأنصار وفي لفظ: في نخل- وهو متوكّئ على عسيب- وفي لفظ: ومعه جريدة- إذ مرّ اليهود- وفي لفظ: إذ مرّ بنفر من اليهود- فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه، لا يسمعكم ما تكرهون- وفي لفظ: لا يستقبلكم بشيء تكرهونه- فقال بعضهم لبعض: لنسألنّه، فقام إليه رجل- وفي لفظ: فقاموا إليه فقالوا: «يا محمد» - وفي لفظ: «يا أبا القاسم ما الروح» ؟ - وفي لفظ: «فأخبرنا عن الروح، كيف تعذّب الروح الذي في الجسد؟ وإنما الروح من الله » فسكت- وفي لفظ: فما زال متّكئا على العسيب، فعلمت أنه يوحى إليه، فتأخرت فلما نزل الوحي قال: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [ (١) ] . [الإسراء: ٨٥] وفي رواية عند ابن جرير بسند رجاله ثقات عن مغيرة عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود ﵁: فقالوا: «هكذا نجده في كتابنا» . فقال بعضهم لبعض: «وقد قلنا لكم: لا تسألوه» . تنبيهات الأول: دلّ حديث ابن مسعود على أن نزول هذه الآية كان بالمدينة وروى الإمام أحمد والترمذي وصحّحه، والنسائي وابن حبان عن ابن عباس قال: قالت قريش ليهود: أعطونا شيئا نسأل عنه هذا الرجل. فقالوا: سلوه عن الروح. فنزلت: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا. قالوا: «أوتينا علما كثيرا. أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا» . فأنزل الله قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً [الكهف ١٠٩] سند رجاله رجال صحيح مسلم، ورواه ابن إسحاق من وجه آخر نحوه، وسبق في باب امتحان المشركين رسول الله- ﷺ بأشياء لا يعرفها إلا نبي. وروى ابن إسحاق وابن جرير عن عطاء بن يسار قال: نزلت بمكة: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا، فلما هاجر رسول الله- ﷺ إلى المدينة أتاه أحبار يهود فقالوا: يا محمد، بلغنا أنك تقول: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا أفعنيتنا أم عنيت قومك؟ قال: «لا بل

стр. 1428

عنيتكم» . فقالوا: «إنك تتلو أنّا أوتينا التوراة وفيها تبيان كل شيء» . فقال رسول الله- ﷺ : «هي في علم الله قليل وقد آتاكم الله ما إن عملتم به انتفعتم» ، وأنزل الله : وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ. [لقمان ٢٧، ٢٨] ودلّ حديث ابن مسعود، وأثر عطاء إن الآية نزلت بمكة، وجمع بينهما وبين حديث ابن مسعود ﵁ بتعدد النزول، ويحمل سكوته في المرة الثانية على توقع مزيد بيان في ذلك إن ساغ ذلك، وإلا فما في الصحيح أصحّ. وقال الشيخ رحمه الله تعالى في الإتقان: «إذا استوى الإسنادان في الصحة فيرجح أحدهما بكون راويه حاضر القصة أو نحو ذلك من وجوه الترجيحات» ، ثم ذكر [مثالا له] حديث ابن مسعود وحديث ابن عباس المذكورين. ثم قال: «فهذا- أي حديث ابن عباس- يقتضي إن الآية نزلت بمكة، والحديث الأول خلافه» . وقد رجح أن ما رواه البخاري أصح من غيره، وبأن ابن مسعود كان حاضر القصة. الثاني: قال أبو نعيم: «قيل من علامات نبوة سيدنا محمد- ﷺ في الكتب المنزّلة أنه إذا سئل عن الروح فوّض العلم بحقيقتها إلى منشئها وبارئها، وأمسك عما خاضت فيه الفلاسفة وأهل المنطق القائلون بالحدس والتخمين، فامتحنه اليهود بالسؤال عنها ليقفوا منه على نعته المثبت عندهم في كتابهم، فوافق كتابه ما ثبت في كتبهم» . الثالث: قال ابن التين: «اختلف في الروح المسؤول عنها في هذا الخبر على أقوال: الأول: روح الإنسان، الثاني: روح الحيوان. الثالث: جبريل. الرابع: عيسى. الخامس: القرآن. السادس: الوحي. السابع: ملك يقوم وحده صفا يوم القيامة. الثامن: ملك له سبعون ألف وجه لكل وجه منها سبعون ألف لسان لكل لسان منها سبعون ألف لغة يسبح الله تعالى [بتلك اللغات كلها] ويخلق الله من كل تسبيحة ملكا يطير مع الملائكة، وقيل: ملك رجلاه في الأرض السفلى ورأسه عند قائمة العرش. التاسع: خلق كخلق بني آدم يأكلون ويشربون، لا ينزل ملك من السماء إلا نزل معه ملك منهم. وقيل: هو صنف من الملائكة يأكلون ويشربون» . قال الحافظ: «وهذا إنما يجمع من كلام أهل التفسير في معنى لفظ «الروح» الوارد في القرآن لا خصوص هذه الآية، فمن الذي في القرآن: ١ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ [الشعراء ١٩٣] ، ٢ وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا- إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا [الشورى ٥٢] ، ٣ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ [غافر: ١٥] ، ٤ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [المجادلة ٢٢] ، ٥ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا [النبأ ٣٨] ، ٦ يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ [النحل ٢] ؟ فالأول: جبريل، والثاني: القرآن، والثالث: الوحي، والرابع: القوة، والخامس والسادس: محتمل لجبريل أو غيره، ووقع إطلاق الروح على عيسى.

стр. 1429

وروى إسحاق بن راهويه بسند صحيح عن ابن عباس قال: «الروح من الله، وخلق من خلق الله، وصور كبني آدم، لا ينزل ملك إلا ومعه أحد من الروح» . وقال الخطّابي: «حكوا في المراد بالروح في الآية أقوالا، وقال الأكثرون: سألوه عن الروح التي تكون بها الحياة في الجسد. وقال أهل النظر: «سألوه عن مسلك الروح وامتزاجها بالجسد، وهذا هو الذي استأثر الله بعلمه. وقال القرطبي: «الراجح أنهم سألوه عن روح الإنسان: لأن اليهود لا تعترف بأن عيسى روح الله، ولا نجهل أن جبريل ملك وأن الملائكة أرواح» . وقال الإمام فخر الدين: «المختار أنهم سألوه عن الروح الذي هو سبب الحياة، وأن الجواب وقع على أحسن الوجوه، وبيانه: أن السؤال عن الروح يحتمل أن يكون عن ماهيّتها، وهل هي متحيّزة أم لا، وهل هي حالّة في متحيّز أم لا، وهل هي قديمة أو حادثة، وهل تبقى بعد انفصالها من الجسد أو تفنى، وما حقيقة تعذيبها وتنعيمها وغير ذلك من تعلّقاتها» ؟ قال: «وليس في السؤال ما يخصّص أحد هذه المعاني إلا أن الأظهر أنهم سألوه عن الماهيّة، وهل الروح قديمة أو حادثة؟ والجواب يدل على أنها شيء موجود مغاير للطبائع والأخلاط وتركيبها، فهي جوهر بسيط مجرّد لا يحدث إلا بمحدث، وهو قوله تعالى: «كن فكان» . قال: هي موجودة محدثة بأمر الله ، وتكوينه، ولها تأثير في إفادة الحياة للجسد، ولا يلزم من عدم العلم بكيفيتها المخصوصة نفيها. الرابع: تنطّع قوم «فتباينت أقوالهم في الروح، فقيل: هي النّفس الداخل الخارج، وقيل الحياة، وقيل: جسم لطيف يحل في جميع البدن، وقيل: هي الدم، وقيل: هي عرض، حتى قيل: إن الأقوال بلغت المائة، ونقل ابن منده عن بعض المتكلمين إن لكل نبي خمس أرواح، وأن لكل مؤمن ثلاثا، ولكل حيّ واحدة. الخامس: قال القاضي أبو بكر بن العربي: «اختلفوا في الروح والنفس، فقيل متغايران وهو الحق، وقيل: هما شيء واحد، وقد يعبّر بالروح عن النفس وبالعكس، كما يعبّر عن الروح وعن النفس بالقلب وبالعكس، وقد يعبّر عن الروح بالحياة حتى يتعدى ذلك إلى غير العقلاء بل إلى الجهّال مجازا. قال تلميذه السّهيلي: يعني على مغايرة الروح والنفس قوله تعالى: فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [الحجر: ٢٩] ، وقوله تعالى: تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ [المائدة ١١٦] فإنه لا يصح جعل أحدهما موضع الآخر، ولولا التغاير لساغ ذلك. السادس: في قوله تعالى: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي، قال الإمام فخر الدين الرازي: «يحتمل أن يكون المراد بالأمر هنا الفعل كقوله تعالى: وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ [هود ٩٧]

стр. 1430

أي فعله فيكون الجواب: الروح من فعل ربّي، إن كان السؤال: هل هي قديمة أو حادثة؟ فيكون الجواب: أنها حادثة» .. إلى أن قال: «ولهذا سكت السلف عن البحث في هذه الأشياء والتّعمّق فيها» . وقال الإسماعيلي: «يحتمل أن يكون جوابا وأن الروح من جملة أمر الله وأن يكون المراد: اختص الله بعلمه ولا سؤال لأحد عنه» . وقال السهيلي بعد أن حكى ما المراد في الآية: «وقالت طائفة: الروح الذي سألت عنه اليهود هو روح الإنسان. ثم اختلف أصحاب هذا القول، فمنهم من قال: لم يجبهم رسول الله ﷺ على سؤالهم، لأنهم سألوه تعنّتا واستهزاء، فقال الله : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي، ولم يأمره أن يبيّنه لهم. وقالت طائفة: بل أخبرهم وأجابهم بما سألوه، لأنه قال لنبيه ﷺ : (قل الرّوح من أمر ربّي) ، وأمر الرّبّ هو الشرع والكتاب الذي جاء به، فمن دخل في الشّرع وتفقّه في الكتاب والسنة عرف الروح، فكان معنى الكلام: ادخلوا في الدين تعرفوا ما سألتم عنه، فإنه من أمر ربّي أي من الأمر الذي جئت به مبلّغا عن الرّب، وذلك أن الروح لا سبيل إلى معرفتها من جهة الطبيعة ولا من جهة الفلسفة ولا من جهة الرأي والمعرفة، وإنما تعرف من جهة الشّرع. فإذا نظرت إلى ما في الكتاب والسنة من ذكرها نحو قوله تعالى: ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ [السجدة ٩] أي من روح الحياة، والحياة من صفات الله ، وإلى ما أخبر به رسول الله ﷺ بأن «الأرواح جنود مجنّدة» ، وأنها تتعارف وتتشامّ في الهواء، وأنها تقبض من الأجساد بعد الموت، وأنها تسأل في القبر فتفهم السؤال وتسمع وترى، وتنعم وتعذّب، وتلتذ وتتألم، وهذه كلها من صفات الأجسام، فإنك تعرف أنّها أجسام بهذه الدلائل، لكنها ليست كالأجسام في كثافتها وثقلها وإظلامها، إذ الأجسام خلقت من طين وحمأ مسنون، فهو أصلها، والأرواح خلقت من ماء كما قال الله ، ويكون النّفخ المتقدم المضاف إلى الملك، والملائكة خلقت من النور كما جاء في الصحيح وإن كان قد أضاف النّفخ إلى نفسه وكذلك أضاف قبض الأرواح إلى نفسه فقال: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها [الزمر ٤٢] ، وأضاف ذلك إلى الملك أيضا فقال: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ [السجدة ١١] ، والفعل مضاف إلى الملك مجازا وإلى الرّبّ حقيقة. فالروح إذا جسم ولكنه من جنس الريح، ولذلك سمّي روحا من لفظ الريح، ونفخة الملك في معنى الرّيح، غير أنه ضمّ أوله لأنه نوراني، والريح هواء متحرّك. وإذا كان الشّرع قد عرّفنا من معاني الروح وصفاتها هذا القدر، فقد عرّف من جهة أمرها كما قال : وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء ٨٥] ، وقوله: «من أمر ربّي» ، أيضا، ولم يقل من

стр. 1431

أمر الله، ولا من أمر ربكم، يدل على خصوص، وعلى ما قدّمنا من أنه لا يعلمه إلا من أخذ معناه من قول الله تعالى وقول رسوله ﷺ ، بعد الإيمان بالله ورسوله واليقين الصادق والفقه في الدين، فإن كان لم يخبر اليهود حين سألوا عنها، فقد أحالهم على موضع العلم بها. السابع: قال ابن القيم: ليس المراد بالأمر هنا الطلب اتفاقا، وإنما المراد به المأمور، والأمر يطلق على المأمور، كالخلق على المخلوق، ومنه لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ [هود ١٠١] الآية. الثامن: قال ابن بطال: «معرفة حقيقة الروح مما استأثر الله بعلمه بدليل هذا الخبر» ، قال: «والحكمة في إبهامه اختبار الخلق ليعرّفهم عجزهم عن علم ما لا يدركونه حتى يضطرهم إلى ردّ العلم إليه» . وقال القرطبي: «الحكمة في ذلك إظهار عجز المرء، لأنه إذا لم يعلم حقيقة نفسه مع القطع بوجوده كان عجزه عن إدراك حقيقة الحقّ من باب أولى» . التاسع: ثبت عن ابن عباس ﵄ أنه كان لا يفسّر الروح أي لا يعيّن المراد بها في الآية. وممن رأى الإمساك عن الكلام في الروح أستاذ الطائفة أبو القاسم الجنيد رحمه الله تعالى، كما في عوارف المعارف عنه بعد أن نقل كلام الناس في الروح، وكان الأولى الإمساك عن ذلك، والتّأدّب بأدب النبي ﷺ . ثم نقل عن الجنيد أنه قال: «الروح شيء استأثر الله بعلمه، ولم يطلع عليه أحدا من خلقه فلا تجوز العبارة عنه بأكثر من موجود» . وعلى ذلك جرى ابن عطية وجمع من أهل التفسير، وأجاب من خاض في ذلك بأن اليهود سألوا عنها سؤال تعجيز وتغليظ لكونه يطلق على أشياء، فأضمروا بأنه بأي شيء أجاب؟ قالوا: ليس هذا المراد، فردّ الله كيدهم وأجابهم جوابا مجملا مطابقا لسؤالهم المجمل. وقال في العوارف: «ويجوز أن يكون كلامهم في ذلك بمثابة التأويل لكلام الله تعالى والآيات المنزّلة حيث حرّم تفسيره وجوّز تأويله، إذ لا يسوغ التفسير إلا نقلا، وأما التأويل فتمتد العقول إليه بالباع الطويل وهو ذكر ما تتحمل الآية (من المعنى من غير القطع بأنه المراد) . وإذا كان الأمر كذلك فللقول فيه وجه ومحمل. قال: وظاهر الآية المنع من القول فيها، فختم الآية بقوله: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا أي اجعلوا حكم الروح من الكثير الذي لم تؤتوه فلا تسألوا عنه فإنه من الأسرار. العاشر: نقل ابن منده في كتاب الروح له عن الإمام الحافظ المطلع على اختلاف الأحكام من عهد الصحابة إلى عهد فقهاء الأمصار محمد بن نصر المروزيّ أنه نقل الإجماع على أن الروح مخلوقة، وإنما نقل القول بقدمها عن بعض غلاة الرافضة والمتصوّفة.

стр. 1432

الحادي عشر: اختلف هل تفنى عند فناء العالم قبل البعث أو تستمر باقية؟ على قولين أرجحهما الثاني عند الجمهور. الثاني عشر: ذكر بعض المفسرين أن الحكمة في سؤال اليهود عن الروح أن عندهم في التّوراة أن روح بني آدم لا يعلمها إلا الله ، فقالوا: نسأله فإن فسرّها فهو نبي، وهو معنى قولهم: لا يجيء بشيء تكرهونه. الثالث عشر: جنح ابن القيم في كتاب الروح إلى ترجيح أن المراد بالروح المسؤول عنها في الآية ما وقع في قوله تعالى يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا [النبأ: ٣٨] وأما أرواح بني آدم فلم يقع تسميتها في القرآن إلا نفسا. قال الحافظ: «كذا قال ولا دلالة في ذلك لما رجّحه، بل الراجح الأوّل: فقد روى ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس ﵄ في هذه القصة أنهم قالوا: أخبرنا عن الروح، وكيف يعذّب الروح الذي في الجسد؟ إلى آخره [ما قالوا وقد] تقدم بتمامه. الرابع عشر: قال بعضهم: ليس في الآية دلالة علي إن الله لم يطلع نبيّه على حقيقة الروح، بل يحتمل أن يكون أطلعه، ولم يأمره أن يطلعهم، وقد قال في علم الساعة نحو هذا كما سيأتي مبسوطا في الخصائص أن شاء الله تعالى. الخامس عشر: وقع في الصحيح في العلم والاعتصام والتوحيد، وكذا عند مسلم: إذ مرّ بنفر، عند ابن حجر من وجه آخر: إذ مررنا على يهود، ووقع في التفسير: إذ مرّ اليهود، بالرفع على الفاعلية، ويحتمل هذا الاختلاف على أن الفريقين تلاقوا فيصدق أن كلّا مرّ بالآخر. السادس عشر: في بيان غريب ما سبق: «حرث» : بفتح الحاء المهملة وسكون الراء بعدها مثلثة، ووقع عند البخاري في كتاب العلم خرب [ (١) ] بخاء معجمة مفتوحة فراء مكسورة. «يتوكّأ» : يعتمد. «عسيب» : بعين فسين مهملتين وآخره موحدة بوزن عظيم وهو جريدة [النخل] التي لا خوص عليها. قال ابن فارس: العسبان من النخل كالقضبان من غيرها. «يهود» : هذا اللفظ معرفة تدخله الألف واللام تارة وتارة يتجرّد، وحذفوا منه ياء النّسبة تفرقة بينه وبين مفرده، كما قالوا: زنج وزنجيّ.

стр. 1433

الباب الخامس في تحيّرهم في مدة مكث هذه الأمة لمّا سمعوا الحروف المقطعة في أوائل السور قال ابن إسحاق- فيما ذكر لي عن عبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله بن رئاب- «أن أبا ياسر بن أخطب مر برسول الله ﷺ ، وهو يتلو فاتحة البقرة الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة ١، ٢] ، فأتى أخاه حيي بن اخطب في رجال من يهود، فقال: تعلّموا، والله لقد سمعت محمدا يتلو فيما أنزل عليه: الم ذلِكَ الْكِتابُ فقالوا: أنت سمعته؟ قال: نعم. فمشى حيي بن اخطب في أولئك النفر من يهود إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا له: «يا محمد، ألم يذكر لنا أنك تتلو فيما أنزل عليك الم ذلِكَ الْكِتابُ؟ فقال رسول الله ﷺ : «بلى» . قالوا: «أجاءك بها جبريل من عند الله؟ قال: «نعم» . قالوا: «لقد بعث الله قبلك أنبياء أنبياء ما نعلمه بيّن لنبيّ منهم ما مدّة ملكه وما أجل أمّته غيرك» . فقام حيي بن اخطب، وأقبل على من معه فقال لهم: «الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون فهذه إحدى وسبعون سنة، أفتدخلون في دين [نبيّ] إنما مدة ملكه وأجل أمّته إحدى وسبعون سنة» ؟ ثم أقبل علي رسول الله ﷺ فقال: «يا محمد هل مع هذا غيره» ؟ قال: «نعم» قال: ماذا؟ قال: المص [الأعراف ١] قال: هذا أثقل وأطول: الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون والصاد تسعون فهذه إحدى وستون ومائة سنة، هل مع هذا يا محمد غيره» ؟ قال: «نعم» . [قال: وما ذاك؟] قال: الر [يوسف: ١] قال: «هذه أثقل وأطول: الألف واحدة واللام ثلاثون والراء مائتان، فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة فهل مع هذا غيره يا محمد» ؟ قال: «نعم» المر [الرعد ١] . قال: «هذه والله أثقل وأطول: الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون والراء مائتان، فهذه إحدى وسبعون ومائتا سنة» . ثم قال: «لقد لبّس علينا أمرك يا محمد حتى ما ندري أقليلا أعطيت أم كثيرا» . ثم قاموا عنه، فقال أبو ياسر لأخيه ولمن معه من الأحبار: «ما يدريكم لعلّه قد جمع هذا كله لمحمد: إحدى وسبعون [وإحدى وستون ومائة] ، وإحدى وثلاثون ومائتان، وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبعمائة وأربع وثلاثون» . فقالوا: لقد تشابه علينا أمره. فيزعمون أن هذه الآيات نزلت فيهم: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ [آل عمران ٧] . [قال ابن إسحاق] : «وقد سمعت من لا أتهم من أهل العلم يذكر أن هؤلاء الآيات أنزلت في أهل نجران حين قدموا على رسول الله ﷺ ليسألوه عن عيسى بن مريم. وقد حدثني

стр. 1434

محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أنه سمع أن هؤلاء الآيات إنما أنزلن في نفر من يهود ولم يفسّر ذلك لي، فالله أعلم أي ذلك كان» . تنبيهات الأول: روى البخاري في تاريخه وابن جرير من طريق ابن إسحاق عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن جابر بن عبد الله فذكر الحديث السابق، فبان سند ابن إسحاق بذلك. ورواه يونس بن بكير عن ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، عن أبي سعيد. ورواه ابن المنذر من وجه آخر عن ابن جرير مفصّلا. الثاني: قال السهيلي: «وهذا القول من أخبار يهود، وما تأوّلوه من معاني هذه الحروف محتمل حتى الآن أن يكون من بعض ما دلت عليه هذه الحروف المقطّعة، فإن رسول الله ﷺ لم يكذّبهم، فيما قالوا من ذلك ولا صدّقهم. وقال في حديث آخر: «لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم، وقولوا آمنّا بالله وبرسوله» [ (١) ] . وإذا كان في حدّ الاحتمال وجب أي يفحص عنه في الشريعة، هل يشير إلى كتاب أو سنّة؟ فوجدنا في التنزيل وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج ٤٧] ووجدنا في حديث زمل الخزاعي حين قصّ على رسول الله ﷺ رؤيا قال فيها: «رأيتك يا رسول الله على منبر له سبع درجات، وإلى جنبك ناقة عجفاء كأنك تبعثها» . ففسّر له النبي ﷺ الناقة بقيام الساعة التي أنذر بها وقال في المنبر ودرجاته: «الدنيا سبعة آلاف سنة بعثت في آخرها ألفا» [ (٢) ] والحديث وإن كان ضعيف الاسناد فقد روي موقوفا عن ابن عباس من طرق صحاح أنه قال: «الدنيا سبعة أيام كل يوم منها ألف سنة» [ (٣) ] ، وبعث رسول الله ﷺ في آخر يوم منها، وقد مضت [منه] سنون أو قال مئون: [قال السهيلي] : ولكن إذا قلنا: أنه ﵊ بعث في الألف الأخيرة بعد ما مضت منه سنون، ونظرنا بعد إلى الحروف المقطعة في أوائل السور وجدناها أربعة عشر حرفا يجمعها قولك: «ألم يسطع نصّ حق كره» ، ثم نأخذ العدد على حساب أبي جاد، فنجد «ق» مائة و «ر» مائتين و «س» ثلاثمائة فهذه ستمائة و «ع» سبعين، و «ص» ستين، فهذه سبعمائة وثلاثون، و «ن» خمسين و «ك» عشرين، فهذه ثمانمائة و «م» أربعين و «ل» ثلاثين، فهذه ثمانمائة وسبعون، و «ي» عشرة و «ط» تسعة و «ا» واحد، فهذه ثمانمائة وتسعون، و «ح» ثمانية و «هـ-» خمسة، فهذه تسعمائة وثلاثة. ولم يسمّ الله في أوائل السور إلا هذه

стр. 1435

الحروف، فليس يبعد أن يكون من بعض مقتضياتها وبعض فوائدها الإشارة إلى هذا العدد من السنين لما قدمناه في حديث الألف السابع الذي بعث فيه رسول الله ﷺ . غير أن الحساب يحتمل أن يكون من مبعثه أو من وفاته أو من هجرته، وكلّ قريب بعضه من بعض، فقد جاءت أشراط الساعة ولكن لا تأتيكم إلا بغتة. وقد روى أن المتوكل العباسي سأل جعفر بن عبد الواحد القاضي، وهو عباسي أيضا، عمّا بقي من الدنيا فحدّثه بحديث رفعه إلى رسول الله ﷺ أنه قال: «إن أحسنت أمتي فبقاؤها يوم من أيام الآخرة وذلك ألف سنة، وإن أساءت فنصف يوم» ، ففي هذا الحديث تتميم للحديث المتقدّم وبيان له، إذ قد انقضت الخمسمائة والأمة باقية والحمد لله» . هذا آخر كلام السهيلي، وفيه مناقشات من الزهر والفتح مع زيادتها من غيرها. الأولى: قوله: وجدنا في حديث زمل الخزاعي إلخ صوابه: ابن زمل، وسمّاه بعضهم: عبد الله، وبعضهم: الضّحّاك، وبعضهم: عبد الرحمن، وصوّب الحافظ في الإصابة الأول، وقوله الخزاعي صوابه الجهني كما ذكره في الزهر. الثانية: قوله: وإن كان إسناد هذا الحديث ضعيفا. إلخ، اقتصر على ضعفه، قال [ابن حجر] في الفتح: إسناده ضعيف جدا، وقال في الإصابة: «تفرّد برواية [حديثه] سليمان بن عطاء القرشي الحرّاني عن مسلم بن عبد الله الجهنيّ» . انتهى. قلت: وسليمان بن عطاء. قال الذهبي في المغني: «هالك اتّهم بالوضع» . وقال الحافظ في التقريب: «منكر الحديث» . وأورده ابن الجوزي في الأحاديث الواهية، ووصف بعض رجاله بوضع الحديث. وقال ابن الأثير: «ألفاظه مصنوعة ملفّقة» . وروى ابن عدي عن أنس مرفوعاً: «عمر الدنيا سبعة أيام من أيام الآخرة» . وفي سنده «العلاء بن زيدل» وهو المتهم به. ورواه ابن عساكر من طريق أبي علي الحسين بن داود البلخي، قال الخطيب: «ليس بثقة، حديثه موضوع» . وقال الحاكم: «روى عن جماعة لا يحتمل سنّة السماع منهم، وله عندهم العجائب يستدل بها على حاله» . وفي سنده أيضا أبو هاشم الأيلي. ورواه الحاكم، والترمذي الحكيم في نوادره، عن أبي هريرة ﵁، وفي سنده صالح ابن محمد، عن يعلى بن هلال، عن ليث بن مجاهد. الثالثة: قوله: «فقد روي موقوفا عن ابن عباس من طرق صحاح» ، قلت: لم أقف له إلا من طريق واحد غير صحيح، رواه ابن جرير في مقدمة تاريخه، ومنه أخذ السهيلي من طريق يحيى بن يعقوب وهو أبو طالب القاصّ الأنصاري، قال البخاري: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: محلّه الصدق. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطئ.

стр. 1436

الرابعة: ما ذكره في عدد الحروف مبني على طريقة المغاربة: السين بثلاثمائة، والصاد بستين، وعند المشارقة: السين ستّون والصاد تسعون. فيكون المقدار عندهم ستمائة وثلاثة وتسعون، وقد مضت وزيادة عليها فإنه في سنة خمس وثلاثين وتسعمائة فالجملة على ذلك من هذه الحيثية باطلة. الخامسة: ثبت عن ابن عباس الزّجر عن عدد أبي جاد، والإشارة إلى أن ذلك من جملة السّحر. قال الحافظ: «وليس ببعيد فإنه لا أصل له في الشريعة» . السادسة: قال القاضي أبو بكر بن العربي شيخ السهيلي في قوله ﷺ : «بعثت أنا والساعة كهاتين» ، وأشار بالسّبّابة والوسطى. قيل: الوسطى تزيد على السّبّابة بنصف سبع إصبع، وكذلك الباقي من البعثة إلى قيام الساعة» . قال «وهذا بعيد، ولا يعلم مقدار الدنيا، فكيف يتحصّل لنا نصف سبع أمد مجهول؟ فالصواب الإعراض عن ذلك» . وقال القاضي في الإكمال: «حاول بعضهم في تأويله أن نسبة ما بين الإصبعين كنسبة ما بقي من الدنيا إلى ما مضى، وأن جملتها سبعة آلاف سنة، واستند إلى أخبار لا تصحّ، وذكر ما أخرجه أبو داود في تأخّر هذه الأمة نصف يوم وفسّره بخمسمائة سنة، فيؤخذ من ذلك نصف سبع، وهو قريب مما يلي السّبابة، والوسطى في الطول» . قال: «وقد ظهر عدم صحة ذلك لوقوع خلافه ومجاوزة هذا المقدار ولو كان ذلك ثابتا لم يقع خلافه» . انتهى. وقد انضاف إلى ذلك منذ عهد القاضي إلى هذا الحين نحو الأربعمائة سنة. وقال ابن العربي أيضا في فوائد رحلته: «ومن الباطل علم الحروف المقطعة في أوائل السّور، وقد تحصّل لي فيها عشرون قولا وأزيد، ولا أعرف أحدا يحكم عليها بعلم ولا يصل فيها إلى فهم» إلى آخر ما ذكره. وقد ذكرته مع فوائد أخرى في الكلام على هذه الحروف في كتابي. «القول الجامع الوجيز الخادم للقرآن العزيز» . لا توجد مجموعة في غيره. السابعة: قال الحافظ: «وأما عدد الحروف فإنما جاء عن بعض اليهود، وعلى تقدير أن يكون ما ذكر في عدد الحروف فليحمل على جميع الحروف الواردة ولا يحذف المكرّر فإنه ما من حرف إلا وله سرّ يخصّه، أو يقتصر على حذف المكرر من أسماء السّور ولو تكررت الحروف فيها، فإن السور التي ابتدئت بذلك تسع وعشرون سورة، وعدد حروف الجميع ثمان وستون حرفا وهي: الم: ستة، وحم: سبعة، والر: خمسة، وطسم: اثنتان والمص وكهيعص وطه وطس ويس وص وق ون. فإذا حذف ما كرّر من السّور وهي خمس من الم وست من حم، وأربع من الر وواحدة من طسم، بقي أربع عشرة سورة عدد حروفها ثمان وثلاثون حرفا.

стр. 1437

فإذا حسبت عددها بالجمّل المغربي بلغت ألفين وستمائة وأربعة وعشرين، وأما بالجمّل المشرقي فتبلغ ألفا وسبعمائة وأربعة وخمسين. قال الحافظ: «ولم أذكر ليعتمد عليه وإنما ليتبيّن أن الذي جنح إليه السهيلي لا ينبغي الاعتماد عليه لشدة التخالف فيه» . الثامنة: في جامع معمر عن مجاهد وعكرمة في قوله تعالى: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج ٤] لا يدري كم مضى ولا كم بقي إلا الله . التاسعة: ما نقله عن جعفر بن عبد الواحد، فهو شيء موضوع لا أصل له، ولا يعرف إلا من جهته، وهو مشهور بوضع الحديث عند الأئمة، مع أنه لم يسبق له سند بذلك، والعجب من السهيلي كيف سكت عليه مع علمه بحاله.

стр. 1438

الباب السادس في سبب نزول سورة الإخلاص روى أبو الشيخ في العظمة عن أنس بن مالك، وابن أبي حاتم، وابن عدي، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس والطبراني في السنة عن الضّحّاك، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة، أن رهطا من اليهود منهم كعب بن الأشرف وحييّ بن أخطب، جاءوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: «يا محمد، هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله» ؟ فغضب النبي ﷺ حتى انتقع لونه، ثم ساورهم غضبا لربّه، فجاء جبريل فسكّنه وقال: «خفّض عليك يا محمد» ، وجاءه من الله بجواب ما سألوه [عنه] فانزل الله تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص ١] [ (١) ] ، أصل أحد هنا واحد، لأنه بمعنى الواحد، قلبت الواو همزة، وهو دالّ على جميع صفات الجلال، كما دلّ الله على جميع صفات الكمال، إذ الواحد الحقيقي ما يكون منزّه الذات عن اتحاد التركيب والتعدّد، وما يستلزمه أحدهما كالجسمية والتّحيّز (الله الصّمد) : المقصود في الحوائج على الدوام، أو هو الذي قد انتهى في سؤدده، فيصمد الناس إليه في حوائجهم، والخلائق يفتقرون إلى رحمته، أو هو من لا جوف له، أو هو الكامل في جميع صفاته، أو الذي لا يطعم ولا يخرج منه شيء، أو الباقي بعد فناء خلقه، والله تعالى هو الموصوف بهذا على الإطلاق، فإنه مستغن عن غيره مطلقا، وكل ما عداه يحتاج إليه في جميع جهاته، وتعريفه بصمديته بخلاف أحديته. وتكرر الاسم الكريم للإشعار بأنه من لم يتصف به

стр. 1439

لم يستحق الألوهية، وإخلاء الجملة من العاطف، لأنها كالنتيجة للأولى أو الدليل عليها. (لم يلد) : المفعول محذوف أي لم يلد أحدا، والأصل يولد، حذفت الواو لوقوعها بين ياء مفتوحة ولام مكسورة فصار مثل «يعد» . (ولم يولد) : النائب عن الفاعل محذوف أي لم يلده أحد، وثبتت الواو في يولد لأنها لم تقع بين ياء مفتوحة وكسرة. ولما كان الرّبّ واجب الوجود لذاته قديما، موجودا قبل وجود الأشياء، وكان كل مولود محدثا انتفت عنه الوالدية، ولما كان لا يشبهه أحد من خلقه ولا يجانسه حتى يكون له من جنسه صاحبة فيتوالد، انتفت عنه الوالدية، ومن هذا قوله تعالى: أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ [الأنعام ١٠١] ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ: أي لم يكن له أحد يكافئه أي يماثله من صاحبة وغيرها «وله» متعلق ب- «كفوا» وقدّم عليه لأنه محطّ القصد، وأخّر «أحد» وهو اسم «يكن» عن خبرها رعاية للفاصلة. ولاشتمال هذه السورة مع قصرها على جميع المعارف الإلهية والرّدّ على من الحد فيها، جاء في الحديث أنها تعدل ثلث القرآن فإن مقاصده محصورة في بيان الأحكام والقصص، ومن عدلها اعتبر المقصود بالذات [ (١) ] . قال ابن إسحاق: «فلما تلاها عليهم، قالوا: «فصف لنا يا محمد ربّك كيف خلقه، كيف ذرعه، كيف عضده» ؟ فغضب النبي ﷺ أشد من غضبه الأول، وساورهم غضبا لربّه. فأتاه جبريل، فقال له مثل مقالته وجاءه من الله تعالى بجواب ما سألوه عنه. وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر ٦٧] ، أي ما عرفوه حقّ معرفته وما عظّموه حق عظمته حين أشركوا به وشبّهوه بخلقه. وَالْأَرْضُ جَمِيعاً، جميعا: حال، أي السّبع، قَبْضَتُهُ أي مقبوضة له أي في ملكه وتصرّفه يوم القيامة، وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ أي مجموعات، «بيمينه» أي بقدرته سبحانه وتعالى عما يشركون معه. تنبيه: كذا ذكر ابن إسحاق سبب نزول هذه الآية. وروى الشيخان وغيرهما عن ابن مسعود ﵁ في سبب نزولها غير ذلك والله أعلم.

стр. 1440

الباب السابع في إرادة شأس بن قيس إيقاع الفتنة بين الأوس والخزرج لما رأى كلمتهم مجتمعة روى ابن إسحق وابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن زيد بن أسلم مطوّلا، والفريابي وابن جرير وغيرهما عن ابن عباس مختصرا، وابن المنذر عن عكرمة، وابن جرير وابن أبي حاتم عن السّدّي كذلك واللفظ للأول، قال: كان شأس بن قيس شيخا قد عسا، عظيم الكفر، شديد الضّغن على المسلمين، شديد الحسد لهم، فمرّ على نفر من أصحاب رسول الله ﷺ من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدّثون فيه، فغاظه ما رأى من ألفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية. فلما أن جاء الإسلام اصطلحوا وألف الله بين قلوبهم. فقال: «لقد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، لا والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار» . فأمر فتى شابّا من يهود كان معه فقال: «اعمد إليهم فاجلس معهم، ثم اذكر يوم بعاث وما كان قبله وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار. ففعل، فأنشدهم بعض ما قاله أحد الحيّين في حربهم، فكأنهم دخلهم من ذلك [شيء] فقال الحيّ الآخرون: وقد قال شاعرنا في يوم كذا: كذا وكذا [فقال الآخرون: وقد قال شاعرنا في يوم كذا: كذا وكذا. فتكلّم القوم عند ذلك، وتنازعوا وتفاخروا، حتى تواثب رجلان من الحيّين: أوس بن قيظي [أحد بني حارثة بن الحارث] من الأوس، وجبّار بن صخر [أحد بني سلمة] من الخزرج، فتقاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه: «ان شئتم رددناها الآن جذعة» . فغضب الفريقان جميعا، وقالوا: «قد فعلنا، موعدكم الظاهرة- والظاهرة الحرّة- السّلاح السّلاح» . فخرجوا إليها. [فانضمّت الأوس والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية] . فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم فقال: «يا معشر المسلمين: الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألّف به بينكم، فترجعون إلى ما كنتم عليه كفّارا» ؟ [ (١) ] فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوّهم، فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا، وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول الله ﷺ سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيد عدوّهم: عدوّ الله شأس بن
следующие страницы →