← Сира

Сира · id 1693

سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي الشامي

Полный текст (5 757 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وقد سمعته العرب وتوقف عن الإيمان به أكثرهم، أنزل اللَّه سورة الجن إثر سورة نوح تبكيتا لقريش والعرب في كونهم تباطأوا عن الإيمان، إذ كانت الجن خيرا منهم وأقبل إلى الإيمان، هذا وهم من غير جنس رسول اللَّه ﷺ ومع ذلك فعند ما سمعوا القران استعظموه وآمنوا به للوقت وعرفوا كونه معجزا، وهم مع ذلك مكذبون له ولمن جاء به بغيا وحسدا أن ينزل اللَّه من فضله على من يشاء من عباده. وروى الإمام أحمد والبيهقي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إن الشياطين كانوا يصعدون إلى السماء فيستمعون الكلمة من الوحي فيهبطون إلى الأرض فيزيدون فلم يزالوا كذلك حتى بعث اللَّه تعالى محمدا ﷺ فمنعوا تلك المقاعد، فذكروا ذلك لإبليس فقال: لقد حدث في الأرض حدث، فبعثهم فوجدوا رسول اللَّه ﷺ يتلوا القرآن قالوا: هذا واللَّه الحدث. وإنهم ليرمون فإذا توارى النجم عنكم فقد أدركه لا يخطئ أبدا ولكنه لا يقتله، يحرق جنبه وجهة يده. وروى ابن سعد والبيهقي وأبو نعيم من وجه آخر عن سعيد عنه قال: كان لكل قبيل من الجن مقعد من السماء يستمعون منه الوحي فيخبرون به الكهنة فلما بعث اللَّه تعالى محمدا ﷺ دحروا منه، فقالت العرب حين لم تخبرهم الجن: هلك أهل السماء. فجعل صاحب الإبل ينحر كل يوم بعيرا وصاحب البقر ينحر كل يوم بقرة وصاحب الغنم ينحر كل يوم شاة، وقال إبليس: لقد حدث في الأرض حدث فأتوني من تربة كل أرض. فأتوه بها فجعل يشمها فلما شم تربة مكة قال: من هاهنا الحدث فنصتوا فإذا رسول اللَّه ﷺ قد بعث. وروى البيهقي من طريق العوفي عنه قال: لم تكن السماء تحرس في الفترة بين عيسى ومحمد ﷺ ، وكان يقعدون منها مقاعد للسمع، فلما بعث اللَّه تعالى محمدا ﷺ حدست السماء حرسا شديدا ورجمت الشياطين. وروى محمد بن عمر الأسلمي وأبو نعيم عن ابن عمرو قال: لما كان اليوم الذي تنبأ فيه رسول اللَّه ﷺ منعت الشياطين من خبر السماء ورموا بالشهب فذكروا ذلك لإبليس فقال: بعث نبي عليكم بالأرض المقدسة. فذهبوا ثم رجعوا فقالوا: ليس بها أحد. فخرج إبليس يطلبه بمكة فإذا رسول اللَّه ﷺ بحراء منحدرا معه جبريل فرجع إلى أصحابه فقال: قد بعث أحمد ومعه جبريل. وروى أيضا عن أبي بن كعب رضي اللَّه تعالى عنه قال: لم يرم بنجم منذ رفع عيسى حتى تنبأ رسول اللَّه ﷺ رمى بها، فلما رأت قريش أمرا لم تكن تراه فجعلوا يسيبون أنعامهم ويعتقون أرقاءهم يظنون أنه الفناء وفعلت ثقيف مثل ذلك، فبلغ عبد ياليل فقال: لا تعجلوا

стр. 772

وانظروا فإن تكن نجوما تعرف فهو عند فناء من الناس، وإن كانت نجوما لا تعرف فهو عند أمر قد حدث. فنظروا فإذا هي لا تعرف فأخبروه فقال: هذا عند ظهور نبي فما مكثوا إلا يسيرا حتى قدم الطائف أبو سفيان بن حرب فقال: ظهر محمد بن عبد الله يدعي أنه نبي مرسل. فقال عبد ياليل: فعند ذلك رمي بها. عبد ياليل- بمثناتين تحتيتين وكسر اللام الأولى، وذكره ابن إسحاق فيمن وفد على رسول اللَّه ﷺ في وفد ثقيف. وروى سعيد بن منصور والبيهقي عن الشعبي قال: كانت النجوم لا يرمى بها حتى بعث اللَّه تعالى محمدا ﷺ فرمي بها فسيبوا أنعامهم وأعتقوا رقيقهم، فقال عيد ياليل: انظروا. وذكر مثله. وروى ابن إسحاق وابن سعد عن يعقوب بن المغيرة بن الأخنس قال: إن أول العرب فزع لرمي النجوم ثقيف فأتوا عمرو بن أمية أحمد بني علاج فقالوا: ألم تر ما حدث؟ قال: بلى، فانظروا فإن كانت معالم النجوم التي يهتدى بها ويعرف بها أنواء الصيف والشتاء انتثرت فهي طي الدنيا وذهاب هذا الخلق، وإن كانت نجوما غيرها فأمر أراد اللَّه تعالى، ونبي يبعث في العرب. فقد تحدث بذلك عمرو بن أمية هذا. وروى ابن سعد وأبو نعيم عن الزهري قال: كان الوحي يستمع فلما كان الإسلام منعوا وكانت امرأة من بني أسد يقال لها سعير لها تابع من الجن فلما رأى الوحي لا يستطاع أتاها فدخل في صدرها وجعل يصيح: وضع العناق ورفع الشقاق وجاء أمر لا يطاق، أحمد حرم الزنا. وروى محمد بن عمر الأسلمي وأبو نعيم عن نافع بن جبير قال: كانت الشياطين في الفترة تسمع فلا ترمى فلما بعث محمد ﷺ رميت بالشهب. وروي أيضاً عن عطاء عن ابن عباس وعن مجاهد. وأبو نعيم عن حجاج الصواف، عن ثابت عن أنس. وأبو الشيخ عن عثمان بن مطر عن ثابت عن أنس قال ابن عباس: كانت الشياطين يستمعون الوحي قالوا: فلما بعث اللَّه محمدا ﷺ منعوا فشكوا ذلك إلى إبليس فقال: لقد حدث أمر. فرقى فوق أبي قبيس فرأى رسول اللَّه ﷺ يصلى خلف المقام فقال: أذهب فأكسر عنقه. فجاء وعنده جبريل فركضه برجله فألقاه بوادي الأردن. وروى الخرائطي في الهواتف عن سعيد بن جبير أن رجلا من بني تميم حدث عن بدء إسلامه فقال: إني لأسير برمل عالج ذات ليلة إذ غلبني النوم ونمت فنزلت عن راحلتي وأنختها ونمت وقد تعوذت قبل نومي. فقلت أعوذ بعظيم هذا الوادي من الجن. فرأيت في منامي رجلا بيده حربة يريد أن يضعها في نحر ناقتي، فانتبهت فزعا فنظرت يمينا وشمالا فلم أر شيئاً فقلت:

стр. 773

هذا حلم. ثم عدت فغفوت فرأيت مثل ذلك فانتبهت فدرت حول ناقتي فلم أر شيئاً وإذا ناقتي ترعد، ثم غفوت فرأيت مثل ذلك فانتبهت فرأيت ناقتي تضطرب والتفت فإذا أنا برجل شاب كالذي رأيته في منامي وبيده حربة ورجل شيخ ممسك بيده يرده عنها، فبينما هما يتنازعان إذ طلعت ثلاثة أثوار من الوحش فقال الشيخ للفتى: قم فخذ أيها شئت فداء لناقة جاري الإنسي. فقام الفتى فأخذ منها ثورا وانصرف ثم التفت إلي الشيخ وقال: يا فتى إذا نزلت واديا من الأودية فخفت هوله فقل: أعوذ باللَّه رب محمد من هول هذا الوادي. ولا تعذ بأحد من الجن فقد بطل أمرها. فقلت له: ومن محمد؟ قال: نبي عربي لا شرقي ولا غربي، بعث يوم الاثنين. قلت: أين مسكنه؟ قال: يثرب. ذات النخل. فركبت راحلتي حين برق لي الصبح وجديت السير حتى أتيت المدينة فرآني رسول اللَّه ﷺ فحدثني قبل أن أذكر له شيئاً ودعاني إلى الإسلام فأسلمت. وروى مسلم وابن إسحاق عن ابن عباس عن نفر من الأنصار، أن رسول اللَّه ﷺ قال لهم: «ما كنتم تقولون في هذا النجم الذي يرمى به في الجاهلية؟» قالوا: يا نبي اللَّه كنا نقول حين رأيناها يرمى بها: مات ملك، ملك ملك، ولد مولود مات مولود. فقال رسول اللَّه ﷺ : «ليس ذلك كذلك، ولكن اللَّه كان إذا قضى في خلقه أمرا سمعه [ (١) ] حملة العرش فسبح من تحتهم لتسبيحهم، فسبح من تحت ذلك، فلا يزال التسبيح يهبط حتى ينتهي إلى السماء الدنيا فيسبحوا. ثم يقول بعضهم لبعض: مم سبحتم؟ فيقولون: سبح من فوقنا فسبحنا لتسبيحهم فيقولون: ألا تسألون من فوقكم مم سبحوا؟ فيقولون مثل ذلك حتى ينتهوا إلى حملة العرش فيقال لهم: مم سبحتم؟ فيقولون: قضى اللَّه تعالى في خلقه كذا وكذا للأمر الذي كان فيهبط به الخبر من سماء إلى سماء حتى ينتهي إلى السماء الدنيا فيتحدثون به، فتسرقه فتسترقه الشياطين بالسمع على توهم واختلاف، ثم يأتون به الكهان فيحدثونهم فيخطئون بعضا ثم إن اللَّه تعالى حجب الشياطين بهذه النجوم التي يقذفون بها فانقطعت الكهانة اليوم فلا كهانة» . وروى عن لهيب بن مالك اللهبي قال: حضرت عند النبي ﷺ فقلت: بأبي أنت وأمي نحن أول من عرف حراسة السماء والشياطين ومنهم من استراق السمع عند قذف النجوم، وذلك أنا اجتمعنا إلى كاهن يقال له خطر بن مالك، وكان شيخا كبيرا قد أتت عليه مائتا سنة وثمانون سنة فقلنا: يا خطر هل عندك علم من علم هذه النجوم التي يرمى بها فإنا قد فزعنا لها وخفنا سوء عاقبتها. فقال: ائتوني بسحر، أخبركم الخبر، الخير أم الضرر والأمن أم الحذر.

стр. 774

قال: فانصرفنا عنه يومنا، فلما كان من غد في وجه السحر أتيناه فإذا هو قائم على قدميه شاخص ببصره إلى السماء، فناديناه: يا خطر يا خطر. فأومأ إلينا أن أمسكوا فأمسكنا، فانقض نجم عظيم من السماء، فصرخ الكاهن رافعا صوته. أصابه أصابه ... خامره عقابه عاجله عذابه ... أحرقه شهابه زايله جوابه يا ويحه ما حاله ... بلبله بلباله عاوده خباله ... تقطعت حباله وغيرت أحواله ثم أمسك طويلا وقال: يا معشر بني قحطان ... أخبركم بالحق والعيان أقسمت بالكعبة ذات الأركان ... [والبلد] المؤتمن السدان لقد منع السمع عناة الجان ... بثاقب بكف ذي سلطان من أجل مبعوث عظيم الشان ... يبعث بالتنزيل والقرآن وبالهدى وفاصل الفرقان ... تبطل به عبادة الأوثان فقلنا: يا خطر ما ترى لقومك؟ فقال: أرى لقومي ما أرى لنفسي ... أن يتبعوا خير بني الإنس برهانه مثل شعاع الشمس ... يبعث في مكة دار الحمس بمحكم التنزيل غير اللبس [ (١) ] فقلنا: يا خطر وممن هو؟ فقال: والحياة والعيش، إنه لمن قريش، ما في حكمه طيش، ولا في خلقه هيش، يكون في جيش وأي جيش، من آل قحطان وآل أيش. فقلنا: بين لنا من أي قريش هو؟ فقال: والبيت ذي الدعائم، إنه لمن نجل هاشم، من معشر أكارم، يبعث بالملاحم، وقتل كل ظالم.

стр. 775

ثم قال: هذا هو البيان أخبرني به رئيس الجان، ثم قال: اللَّه أكبر جاء الحق وظهر. وانقطع عن الجن الخبر، ثم سكت وأغمى عليه فما أفاق إلا بعد ثالثة فقال: لا إله إلا اللَّه. فقال رسول اللَّه ﷺ : «سبحان اللَّه لقد نطق عن مثل نبوة وإنه يبعث يوم القيامة أمة واحدة» . رواه أبو جعفر العقيلي في كتاب الصحابة. والآثار في هذا كثيرة وفيما ذكر كفاية. تنبيهات الأول: قال القرطبي: اختلف في الشهاب هل يقتل أم لا؟ فقال ابن عباس: إنه لا يخطئ ولكن يجرح ويحرق ويخبل ولا يقتل. وقال الحسن وطائفة: يقتل. فعلى هذا القول في قتلهم بالشهب قبل إلقائهم السمع إلى الجن قولان. أحدهما: أنهم يقتلون قبل إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم. فعلى هذا لا تصل أخبار السماء إلى غير الأنبياء وبذلك انقطعت الكهانة. والثاني: أنهم يقتلون بعد إلقائهم ما استرقوا من السمع إلى غيرهم من الجن ولذلك ما يعودون إلى استراقه ولو لم يصل لانقطع الاستراق وانقطع الإحراق [ (١) ] . ذكره الماوردي. قال القرطبي: والأول أصح. قلت: روى سعيد بن منصور والبخاري وأبو داود والترمذي وغيرهم عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: إذا قضى اللَّه تعالى الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الذي قال الحق وهو العليّ الكبير. فيسمعها مسترقوا السمع ومسترقوا السمع هكذا واحدا فوق آخر- وصف سفيان بيده وفرج بين أصابعه نصبها بعضها فوق بعض- فيسمع الكلمةُ فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل أن يدركه

стр. 776

فيكذب معها مائة كذبة فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا. فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء. انتهى [ (١) ] . ففي قوله «فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل أن يدركه» إلى آخره، ما يجمع بين القولين السابقين. وأما قول السهيلي رحمه اللَّه تعالى: لولا أن الشهاب قد يخطئ الشيطان لم يتعرض له، أي الاستماع، مرة أخرى. فجوابه- كما أشار إليه الحافظ في الفتح- أنه يجوز أن يقع التعرض مع تحقق الإصابة لرجاء اختلاف الكلمة وإلقائها قبل إصابة الشهاب ثم لا يبالي المختطف بالإصابة لما طبع عليه من الشر. وقال أبو عثمان الجاحظ [ (٢) ] : فإن قيل: كيف تعرض الجن لإحراق أنفسها بسبب سماع خبر بعد أن صار ذلك معلوما لهم؟ فالجواب: أن اللَّه تعالى ينسيهم ذلك حتى تعظم المحنة. الثاني: قال بعضهم: ظاهر القرآن والأحاديث يقتضي أن الرجم بالنجوم نفسها. وقال القرطبي: ليست الشهب التي يرجم بها من الكواكب الثوابت يدل على ذلك رؤية حركاتها، والثابتة لا تجرى ولا ترى حركاتها لبعدها. وقال في موضع آخر: قال العلماء نحن نرى انقضاض الكواكب فيجوز أن يكون ذلك كما نرى ثم يصير نارا إذا أدرك الشيطان، ويجوز أن يقال يرمون بشعلة من نار من الهواء فيخيل إلينا أنه نجم يرى. وقال في موضع آخر: الكواكب الراجمة هي التي يراها الناس تنقض. قال النقاش ومكي: وليست بالكواكب الجارية في السماء لأن تلك لا ترى حركتها، وهذا الراجمة ترى حركتها لأنها قريبة منا. وقال الإمام أبو عبد الله الحليمي في منهاجه: ليس فيما نتلوه من كلام ربنا أن الشيطان يرمى بالكواكب أو النجوم. ثم أطال الكلام في تقرير أن الرمي إنما هو بالشهب وهي شعل النار، وجعل المصابيح كناية عن الشعل لا النجوم. وقال الإمام شهاب الدين أبو شامة رحمه اللَّه تعالى: الشهاب في اللغة اسم للشعلة الساطعة من النار ثم أطلق على النجم المرصد لرجم الشياطين المسترقين للسمع لأنها لما عينت لرجم الشياطين وهي الشعل من النار، أطلق عليها لفظ الشهب لهذه الملابسة والمجاورة مجازا.

стр. 777

وهذا ظاهر كلام الشقراطيسي فإنه لما جعل ثواقب الشهب رامية بالشعل دل على أن الشهب عنده هي النجوم المرصدة لذلك. ثم قال: والمصابيح هي النجوم التي جعلها اللَّه تعالى راجمة للشياطين بالشهب، لأن النجوم تنقض بأنفسها خلف الشياطين. ثم نقل كلام الحليميّ ثم قال: لا خفاء أنه قد جاء الرمي بالنجوم مصرحا في الأحاديث وفي شعر العرب القديم. ففي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: أخبرني رجال من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار قالوا: بينما هم جلوس مع رسول اللَّه ﷺ رمي بنجم فاستنار [ (١) ] . الحديث. وذكر عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن الزهري أنه سئل عن هذا الرمي بالنجوم أكان في الجاهلية قال: نعم ولكنه إذا جاء الإسلام غلّظ وشدّد. ثم ذكر أبو شامة شاهدين من كلام العرب القدماء ثم قال: ففي الجمع بين هذين وما تقدم وجهان: أحدهما أن هذا جاء على حذف المضاف للعلم به وتقديره: رمي بنار نجم وانقض انقضاض نار الكواكب وهي الشعل المعبر عنها بالشهب. فقد أخبر اللَّه تعالى في كتابه أن الذي يتبع مسترق السمع شِهابٌ مُبِينٌ [الحجر ١٨] وقال في موضع آخر: شِهابٌ ثاقِبٌ [الصافات ١٠] والشهاب عبارة عن شعلة نار وبها يحصل إحراق الجنِّي. الوجه الثاني: أن يكونوا أطلقوا لفظ النجوم على الشهب تجوزا، كما أطلقوا لفظ الشهب على النجوم لملابسة كل واحد منهما الآخر على ما قدرناه من أن النجوم ترمي الجن بشعل النار. وقال شيخه الشيخ عز الدين بن عبد السلام في أماليه: إن الذي يرجم به شهب تخلق عند الرجم. ولذا قال أبو علي في قوله تعالى وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ [الملك ٥] الهاء عائدة على السماء، التقدير: وجعلنا شهبها. على حذف المضاف، فصار الضمير للمضاف إليه. انتهى. الثالث: قال الإمام أبو عبد اللَّه الحليمي رحمه اللَّه تعالى: فإن قيل هذا القذف كان لأجل النبوة، فلم دام بعد النبي ﷺ ؟ فالجواب: أنه دام بدوام النبوة فإن النبي ﷺ أخبر ببطلان الكهانة، فلو لم تحرس السماء بعد موته فعادت الجن إلى تسمعها وعادت الكهانة، ولا يجوز ذلك بعد أن بطل لأن قطع الحراسة عن السماء إذا وقع لأجل النبوة فعادت الكهانة دخلت الشبهة في ضعفاء المسلمين ولم يؤمن أن يظنوا أن الكهانة إنما عادت لتناهي النبوة، فصح أن الحكمة تقتضي دوام الحراسة في حياة النبي ﷺ وبعد وفاته.

стр. 778

وقال الحافظ رحمه اللَّه تعالى: فإن قيل: إذا كان الرمي بها غلظ وشدد بسبب نزول الوحي، فهلا انقطع بانقطاع الوحي بموت النبي ﷺ ونحن نشاهدها الآن يرمي بها؟. فالجواب: يؤخذ من حديث الزهري المتقدم، ففيه عند مسلم قالوا: كنا نقول ولد الليلة رجل عظيم ومات رجل عظيم فقال رسول اللَّه ﷺ : فإنها لا ترمي لموت أحد ولا حياته، ولكن ربنا إذا قضى أمرا أخبر أهل السموات بعضهم بعضا حتى يبلغ الخبر السماء الدنيا فتخطف الجن السمع فيقذفون به إلى أوليائهم [ (١) ] . فيؤخذ من ذلك أن سبب التغليظ والحفظ لم ينقطع لما يتجدد من الحوادث التي تلقى بأمره إلى الملائكة، وأن الشياطين مع شدة التغليظ عليهم في ذلك بعد المبعث لم ينقطع طمعهم من استراق السمع في زمن النبي ﷺ ، فكيف بما بعده؟ وقد قال عمر لغيلان لما طلق نساءه: إني أحسب أن الشياطين فيما تسترق من السمع سمعت بأنك ستموت فألقت إليك ذلك الحديث. رواه عبد الرزاق وغيره. فهذا ظاهر في أن استراقهم للسمع استمر بعد النبي ﷺ ، وكانوا يقصدون استماع الشيء مما يحدث فلا يصلون إلى ذلك إلا أن يخطف أحدهم بخفة حركته خطفة فيتبعه الشهاب فإن [ (٢) ] أصابه قبل أن يلقيها لأصحابه مات وإلا سمعوها وتداولوها. الرابع: هل كانت الشياطين تقذف بالشهب قبل المبعث أم حدث القذف بها بعده؟. اختلف العلماء رضي اللَّه تعالى عنهم في ذلك على قولين: نقل أبو عبد الله القرطبي رحمه اللَّه تعالى في تفسيره عن الأكثرين الأول. وبه جزم السهيلي والشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه اللَّه تعالى في أماليه وتلميذه الشيخ أبو شامة في شرح الشقراطيسية وغيرهم وصححه غير واحد واحتجوا بقوله تعالى: إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ. وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ [الصافات ٦: ٨] وبقوله ﵎: وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ [الحجر ١٧، ١٨] . قال الزركشي في شرح البردة: فهذه الآيات تدل على وجود الرجم قبل المبعث، لأنها خلقت لذلك. وكذا قوله تعالى وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً [الجن ٨] وهذا إخبار عن الجن أنه كان الرجم موجودا لكنه ليس يستأصل وأنه زيد في حرس السماء حتى امتلأت.

стр. 779

وقال الإمام العلامة شمس الدين الهروي في شرح مسلم: وفي هذه الآية دليل على أن الحادث هو الملأ والكثرة، وأنهم كانوا في الأول يقعدون من السماء مقاعد لاستراق السمع ويجدون بعض المقاعد غير خالية من الحرس والشهب، والآن ملئت المقاعد كلها ولم يبق مقعد من المقاعد خاليا. وأيضاً فإن اللَّه ذكر فائدتين في خلق الكواكب في قوله: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ [الملك ٥] وفي قوله تعالى: إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ. وروى عبد الرزاق في تفسيره عن معمر قال: قلت للزهري: أو كان يرمى به- أي النجم- في الجاهلية؟ قال نعم. قلت: يقول اللَّه وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً قال: غلظت وشدد أمرها حين بعث رسول اللَّه ﷺ . قال البيهقي: وهذا يوافق ظاهر القرآن لأنه خبرا عن الجن: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً: وأخبرت الجن أنه زيد في حراسة السماء وشهبها حتى امتلأت منها ومنهم. وفي ذلك دليل على أنه كان قبل ذلك فيها حرّاس وشهب معدّة معهم. واستدلوا أيضاً بما رواه مسلم عن ابن عباس قال: بينما النبي ﷺ جالس في نفر من الأنصار إذ رمي بنجم فاستنار، فقال ﷺ : «ما كنتم تقولون لمثل هذا في الجاهلية إذا رأيتموه؟» وتقدم بتمامه. واستدلوا أيضاً بما جاء في أشعار العرب القديمة من ذكر ذلك، كأوس بن حجر وعوف بن الجذع وبشر بن أبي خازم. ورجح جماعة الثاني وهو الذي صح عن ابن عباس وبه قال أبي بن كعب والشعبي ونافع بن جبير وصححه أبو عثمان الجاحظ ومال إليه أبن الجوزي وغيره، واستدلوا بأن ذلك ظاهر الأخبار لإنكار الشياطين للرمي وطلبهم بسببه ولهذا كانت الكهانة فاشية في العرب ومرجوعاً إليها حكمهم، حتى قطع سببها بأن حيل بين الشياطين وبين استراق السمع. وجمع المحققون بين الأخبار فقال القرطبي: يجمع بأنها لم يكن يرمى بها قبل المبعث رميا يقطع الشياطين عن استراق السمع، ولكن ترمى تارة ولا ترمى أخرى، وترمى من جانب ولا ترمى من جانب، ولا ترمى من جميع الجوانب. ولعل الإشارة إلى ذلك بقوله تعالى يُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ دُحُوراً. وقال في موضع آخر: لا يبعد أن يقال: انقضاض الكواكب كان في قديم الزمان، ولكنه لم يكن رجوماً للشياطين ثم صار رجوماً حين ولد النبي ﷺ انتهى وفي هذا نظر.

стр. 780

وقال الحافظ: قد وجدت عن وهب بن منبه ما يرفع الإشكال ويجمع بين مختلف الأخبار. قال: كان إبليس يصعد إلى السموات كلهن يتقلب فيهن كيف شاء لا يمنع منذ أخرج آدم إلى أن رفع عيسى ﵊ فحجب من أربع سموات، فلما بعث نبينا ﷺ حجب من ثلاث، فصار يسترق السمع هو وجنوده ويقذفون بالكواكب. ويؤيده ما روى الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس قال: لم تكن السماء تحرس في الفترة بين عيسى ومحمد، فلما بعث محمد ﷺ حرست حرسا شديدا ورجمت الشياطين فأنكروا ذلك. ومن طريق السدي قال: إن السماء لم تكن تحرس إلا أن يكون في الأرض نبي أو دين ظاهر، وكانت الشياطين قد اتخذت مقاعد يستمعون فيها ما يحدث، فلما بعث محمد رجموا. وقال الإمام زين الدين بن المنير رحمه اللَّه تعالى: ظاهر الخبر أن الشهب كانت يرمى بها، وليس كذلك لما دل عليه حديث مسلم. وأما قوله تعالى: فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً فمعناه أن الشهب كانت يرمى بها فتصيب تارة ولا تصيب أخرى وبعد البعثة أصابتهم إصابة مستمرة فوصفوها لذلك بالرصد، فإن الذي يرصد الشيء لا يخطئه، فيكون المتجدد دوام الإصابة لا أصلها. الخامس: في بيان غريب ما سبق: الشهاب: تقدم بيانه. علاء: بكسر العين المهملة والجيم. أنكرها: يروى بالنون وبالباء الموحدة، فمن رواه بالنون فمعناه: أدهاها رأيا من النكر بفتح النون وهو الدهاء. ومن رواه بالباء فمعناه: أشدهم ابتداء لرأي لم يسبق إليه، من البكور في الشيء. معالم النجوم: يعني النجوم المشهورة. الأنواء: جمع نوء وهو بفتح النون مهموز الآخر، وهو سقوط نجم من المنازل في المغرب من الفجر وطلوع رقيبه من المشرق يقابله من ساعته في كل ثلاثة عشر يوما. قال أبو عبيد: وهكذا كل نجم منها إلى انقضاء السنة ما خلا الجبهة فإن لها أربعة عشر يوما. قال أبو عبيد: ولم يسمع في الأنواء أنه السقوط إلا في هذا الموضع، وكانت العرب تضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط منها. وقال الأصمعي: إلى الطالع منها في سلطانه، فيقولون مطرنا بنوء كذا ونهى الشارع عن قول هذا اللفظ. خطر: بخاء معجمة فطاء مهملة.

стр. 781

الباب الرابع في بعض ما سمع من الهواتف وتنكس الأصنام روى ابن سعد عن تميم الدري قال: كنت بالشام حين بعث النبي ﷺ فخرجت إلى بعض حاجتي فأدركني الليل فقلت: أنا في جوار عظيم هذا الوادي فلما أخذت مضجعي إذا مناد يناديني لا أراه: عذ باللَّه فإن الجن لا تجير أحدا على اللَّه. فقلت: أيم تقول؟ فقال: قد خرج رسول الأميين رسول اللَّه وصلينا خلفه بالحجون وأسلمنا واتبعناه، وذهب كيد الجن ورميت بالشهب فانطلق إلى محمد وأسلم. فلما أصبحت ذهبت إلى دير أيوب فسألت راهبا وأخبرته الخبر فقال: صدق، نجده يخرج من الحرم ومهاجره الحرم، وهو خير الأنبياء فلا تسبق إليه. قال تميم: فتكلفت الشخوص حتى جئت رسول اللَّه ﷺ . تفسير الغريب مضجعي: بفتح الجيم، وحكي الكسر. أيم: قال في النور: وجدته بخط ابن قرقول مضبوطا بفتح الباء وإسكان الميم وأظنه وهما، والصواب بفتح الهمزة وتشديد الياء وإسكانها وهما لغتان. والميم مفتوحة. قال في النهاية: أصله أي ما. أي: أي شيء هو، فخفف الياء وحذف ألف ما. الحجون: بفتح الحاء وضم الجيم: جبل بمكة. دير أيوب: قرية بحوران. تسبق: بضم أوله وفتح الموحدة مبني للمفعول. الشخوص: بضم الشين والخاء المعجمتين فواو ساكنة فصاد مهملة: يقال شخص من البلد شخوصا إذا ذهب. غيره: أزعجه. وروى البخاري عن عبد الله بن عمر مختصرا، وابن إسحاق عن عبد الله بن كعب مولى عثمان بن عفان، وابن الجوزي عن محمد بن كعب القرظي، وأبو يعلى، والبيهقي والخرائطي عن سواد بن قارب مطولا قال ابن عمر ومحمد: إن عمر بينما هو جالس في الناس في مسجد رسول اللَّه ﷺ إذ أقبل رجل من العرب، قال الخشني: وهو سواد بن قارب. انتهى. داخل المسجد يريد عمر بن الخطاب، فلما نظر عمر إليه قال: إن الرجل لعلى شركه ما فارقه بعد أو لقد كان كاهنا في الجاهلية. فسلم الرجل ثم جلس فقال له عمر: هل أسلمت؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: فهل كنت كاهنا في الجاهلية؟ فقال له الرجل: سبحان اللَّه يا

стр. 782

أمير المؤمنين! لقد خلت في واستقبلتني بأمر ما أراك قلته لأحد من رعيتك منذ وليت ما وليت. فقال عمر: اللَّهم غفرا قد كنا في الجاهلية على شر من هذا، نعبد الأصنام والأوثان حتى أكرمنا اللَّه تعالى برسوله وبالإسلام. قال: نعم يا أمير المؤمنين كنت كاهنا في الجاهلية. قال: فأخبرني ما جاءك به صاحبك. قال: جاءني قبيل الإسلام بشهر أو شيعه. انتهى. وقال سواد بن قارب [ (١) ] : بينا أنا ذات ليلة بين النائم واليقظان إذ أتاني رئي فضربني برجله وقال: قم يا سواد بن قارب أتاك رسول من لؤي بن غالب، يدعو إلى اللَّه وإلى عبادته. فرفعت رأسي وجلست فأدبر وهو يقول: عجبت للجن وتطلابها ... وشدها العيس بأقتابها تهوي إلى مكة تبغي الهدي ... ما صادق الجن ككذابها فارحل إلى الصفوة من هاشم ... ليس قداماها كأدبارها [ (٢) ] قال: فقلت دعني أنام فإني أمسيت ناعسا. قال: فلما كانت الليلة الثانية أتاني فضربني برجله وقال: قم يا سواد بن قارب فاسمع مقالتي واعقل إن كنت تعقل، إنه قد بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو إلى اللَّه وإلى عبادته ثم أنشأ يقول: عجبت للجن وأخبارها ... ورحلها العيس بأكوارها تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ليس ذوو الشر كأخيارها فارحل إلى الصفوة من هاشم ... ما مؤمنو الجنّ ككفّارها [ (٣) ] .

стр. 783

قال: قلت دعني أنام فإني أمسيت ناعسا. فلما كانت الليلة الثالثة أتاني فضربني برجله وقال: قم يا سواد بن قارب فاسمع مقالتي واعقل إن كنت تعقل، إنه قد بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو إلى اللَّه وإلى عبادته ثم أنشأ يقول: عجبت للجن وتجساسها ... وشدها العيس بأحلاسها تهوي إلى مكة تبغي الهدي ... ما خير الجن كأنجاسها فارحل إلى الصفوة من هاشم ... وارم بعينيك إلى رأسها [ (١) ] فقمت وقلت: وقد امتحن اللَّه قلبي. فرحلت ناقتي ثم أتيت المدينة فإذا رسول اللَّه ﷺ وأصحابه حوله فدنوت منه فقلت: اسمع مقالتي يا رسول اللَّه. قال: هات. فأنشأت أقول: أتاني رئيي بعد هدء ورقدة ... ولم يك فيما قد بلوت بكاذب ثلاث ليال قوله كل ليلة ... أتاك رسول اللَّه من لؤي بن غالب فشمرت عن ذيل الإزار ووسطت ... بي الذعلب الوجناء بين السباسب فأشهد أن اللَّه لا رب غيره ... وأنك مأمون على كل غائب وأنك أدنى المرسلين وسيلة ... إلى اللَّه يا ابن الأكرمين الأطايب فمرنا بما يأتيك من وحي ربنا ... وإن كان فيما جاء شيب الذوائب وكن لي شفيعا حين لا ذو قرابة ... بمغن قتيلا عن سواد بن قارب [ (٢) ] قال: ففرح رسول اللَّه ﷺ وأصحابه بمقالتي فرحا شديدا حتى رئي الفرح في وجوههم. قال عبد الله: فقال عمر عند ذلك يحدث الناس: واللَّه إني لعند وثن من أوثان الجاهلية في نفر من قريش يقال لهم آل ذريح قد ذبح لهم رجل من العرب عجلا فنحن ننتظر قسمه ليقسم لنا منه إذ سمعت من جوف العجل صوتا ما سمعت قط أنفذ منه وذلك قبل الإسلام بشهر أو شيعه وهو يقول يا آل ذريح. وفي لفظ. يا جلبح، أمر نجيح، رجل فصيح يقول. لا إله إلا اللَّه.

стр. 784

وروى هشام بن محمد بن السائب عن عدي بن حاتم [ (١) ] قال: كان لي عسيف من كلب يقال له حابس بن دغنة فبينا أنا ذات يوم إذا به مروع الفؤاد فقال: دونك إبلك. فقلت: ما هاجك؟ فقال بينا أنا بالوادي إذا أنا بشيخ من شعب جبل تجاهي كأن رأسه رخمة فانحدر عما تزل عنه العقاب وهو مترسل غير منزعج حتى استقرت قدماه في الحضيض وأنا أعظم ما أرى فقال. يا حابس بن دغنة يا حابس ... لا تعرضن لفعلك الوساوس هذا سنا النور بكف قابس ... فاجنح إلى النور ولا تعابس قال: ثم غاب فروحت إبلي وسرحتها إلى غير ذلك الوادي، ثم اضطجعت فإذا راكب قد ركضني فاستيقظت فإذا هو صاحبي وهو يقول: يا حابس اسمع ما أقول ترشد ... ليس ضلول حائز كمهتد لا تتركن نهج الطريق الأقصد ... قد نسخ الدين بدين أحمد قال: فأغمي علي ثم أفقت. وروى ابن دريد في الأخبار المنثورة عن ابن الكلبي قال: كان خنافر بن التوأم كاهنا، فنزل واديا مخصبا وكان له رئي في الجاهلية ففقده في الإسلام قال: فبينا أنا ليلة في الوادي إذ هوى علي هوي العقاب قال خنافر: فقلت: شصار؟ قال: اسمع أقل. قلت: قل أسمع. قال: عه تغنم لكل ذي أمد نهاية، وكل ذي ابتداء إلى غاية. قلت: أجل. قال: كل دولة إلى أجل، ثم يتاح لها حول، وقد انتسخت النحل ورجعت إلى حقائقها الملل، إني آنست بالشام نفرا من آل العوام، حكاما على الحكام، يرددون ذا رونق من الكلام، ليس بالشعر المؤلف. ولا السجع المتكلف، فأصغيت فزجرت، فعاودت فظلعت، فقلت: بم تهينمون، وإلام تعتزون، فقالوا خطاب كبار. جاء من عند الملك الجبار، فاسمع يا شصار، لأصدق الأخبار، وأسلك واضح الأخيار، تنج من اوار النار. فقلت: وما هذا الكلام؟ قالوا: فرقان بين الكفر والإيمان. أتى به رسول الله من مضر، ثم من أهل المدر، ابتعث فظهر. فجاء بقول قد بهر، وأوضح نهجا قد دثر، فيه مواعظ لمن اعتبر.

стр. 785

قلت: ومن هذا المبعوث بالآي الكبر. قال: أحمد خير البشر، فإن آمنت أعطيت الشبر، وإن خالفت أصليت سقر، فآمنت يا خنافر وأقبلت إليك أبادر فجانب كل نجس كافر، وشايع كل مؤمن طاهر، وإلا فهو الفراق. قال: فاحتملت حتى أتيت معاذ بن جبل بصنعاء فبايعته على الإسلام وفى ذلك أقول: ألم تر أن اللَّه عاد بفضله ... وأنقذ من لفح الجحيم خنافرا دعاني صار للتي لو دفعتها ... لأصليت جمراً من لظى الهول جائرا وروى محمد بن عمر الأسلمي وأبو نعيم وابن عساكر عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه أن قوما من خثعم كانوا عند صنم لهم جلوسا وكانوا يتحاكمون إلى أصنامهم، فبينما هم عند صنمهم إذ سمعوا هاتفا يقول: يا أيها الناس ذوو الأجسام ... ومسندو الحكم إلى الأصنام أكلكم أوره كالنعام ... ألا ترون ما أرى أمامي من ساطع يجلو دجى الظلام ... ذاك نبي سيد الأنام أعدل في حكم من الأحكام ... يصدع بالنور وبالإسلام من هاشم في ذروة السنام ... مستعلن بالبلد الحرام جاء بهدم الكفر بالإسلام ... أكرمه الرحمان من إمام قال أبو هريرة: فأمسكوا ساعة حتى حفظوا ذلك ثم تفرقوا، فلم يمض بهم ثلاث حتى فجأهم خبر رسول اللَّه ﷺ أنه قد ظهر بمكة. وروى ابن شاهين عن أبي خيثمة عبد الرحمن بن أبي سبرة قال: كان لسعد العشيرة صنم يقال له قراض يعظمونه وكان سادنه رجلا منهم يقال له ابن وقشة قال عبد الرحمن فحدثني ذباب بن الحارث قال: كان لابن وقشة رئي من الجن يخبر بما يكون فأتاه ذات ليلة فأخبره بشيء فنظر إلي فقال: يا ذباب اسمع العجب العجاب، بعث محمد بالكتاب يدعو بمكة فلا يجاب. فقلت له ما هذا؟ قال: لا أدري كذا قيل لي. فلم يكن إلا قليل حتى سمعنا بمخرج النبي ﷺ فأسلمت وثرت إلى الصنم فكسرته ثم أتيت النبي ﷺ فأسلمت وقلت في ذلك: تبعت رسول اللَّه إذ جاء بالهدى ... وخلفت قراضا بدار هوان ولما رأيت اللَّه أظهر دينه ... أجبت رسول اللَّه حين دعاني وروى الخرائطي عن سفيان الهذلي قال: خرجنا في عير لنا إلى الشام، فلما كان بين

стр. 786

الزرقاء ومعان وقد عرسنا إذا بفارس يقول وهو بين السماء والأرض: أيها النيام هبوا فليس هذا بحين رقاد، وقد خرج أحمد وطردت الجن كل مطرد. ففزعنا ونحن رفقة حزاورة كلهم قد سمع بهذا، فرجعنا إلى أهلنا فإذا هم يذكرون خروج النبي ﷺ . وروى الطبراني وأبو نعيم والبيهقي عن عبد الله العماني أن مازنا الطائي كان بأرض عمان، وكان يسدن الأصنام لأهله، وكان له صنم يقال له بادر. قال مازن: فعترت ذات يوم عتيرة، وهي الذبيحة، فسمعت صوتا من الصنم يقول: يا مازن أقبل إلي أقبل، تسمع ما لا يجهل، هذا نبي مرسل، جاء بحق منزل، فآمن به كي تعدل، عن حر نار تشعل، وقودها بالجندل. قال مازن: فقلت واللَّه إن هذا لعجب. ثم عترت بعد أيام عتيرة أخرى فسمعت صوتا أبين من الأول وهو يقول: يا مازن اسمع تسر، ... ظهر خير وبطن شر بعث نبي من مضر، ... بدين اللَّه الكبر فدع نحيتا من حجر، ... تسلم من حر سقر قال مازن: فقلت واللَّه إن لهذا لعجب وإنه لخير يراد بي. وقدم علينا رجل من الحجاز فقلت: ما الخبر وراءك؟ قال: خرج رجل بتهامة يقول لمن أتاه: أجيبوا داعي اللَّه يقال له أحمد. فقلت: هذا واللَّه نبأ ما سمعت. فرحلت حتى أتيت رسول اللَّه ﷺ فشرح لي الإسلام فأسلمت وقلت: كسرت بادر أجذاذا أو كان لنا ... ربا نطيف به ضلا بتضلال بالهاشمي هدانا من ضلالتنا ... ولم يكن دينه مني على بال يا راكبا بلغن عمرا وإخوتها ... أني لمن قال ربي بادر قالي قال مازن: فقلت: يا رسول اللَّه إني امرؤ مولع بالشراب والطرب وشرب الخمر والهلوك من النساء وألحت علينا السنون فأذهبن الأموال وأهزلن الذراري والرجال وليس لي ولد، فادع اللَّه أن يذهب عني ما أجد ويأتيني بالحيا ويهب لي ولدا. فقال رسول اللَّه ﷺ : «اللهم أبدله بالطرب قراءة القرآن وبالحرام الحلال وأته بالحيا، وهب له ولدا [ (١) ] . قال مازن: فأذهب اللَّه عني كل ما كنت أجد، وأخصب عمان وتزوجت أربع حرائر ووهب لي حيان بن

стр. 787

مازن وأنشأت أقول: إليك رسول اللَّه سقت مطيتي ... تجوب الفيافي من عمان إلى العرج لتشفع لي يا خير من وطئ الثرى ... فيغفر لي ربي فأرجع بالفلج إلى معشر خالفت في اللَّه دينهم ... فلا رأيهم رأيي ولا شرجهم شرجي وكنت امرأ بالزغب والخمر مولعا ... شبابي حتى آذن الجسم بالنهج فبدلني بالخمر خوفا وخشية ... وبالعهر إحصانا فحصن لي فرجي فأصبحت همي في الجهاد ونيتي ... فلله ما صومي ولله ما حجي وروى ابن سعد وأبو نعيم عن نفيل بن عمرو الهذلي قال: ذبحت ذبيحة على صنم فسمعت من جوفه: العجب كل العجب، خرج نبي من بني عبد المطلب، يحرم الزنا ويحرم الذبح للأصنام، وحرست السماء ورمينا بالشهب. فتفرقنا فقدمنا مكة فلم نجد من يخبرنا بخروج محمد ﷺ ، حتى لقينا أبا بكر الصديق فقلنا يا أبا بكر خرج بمكة أحد يدعو إلى اللَّه تعالى يقال له أحمد؟ قال: وما ذاك؟ فأخبرته الخبر، قال: نعم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وهو رسول اللَّه. وروى أبو سعد النيسابوري في الشرف عن جندل بن نضلة أنه أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: كان لي صاحب من الجن فأتاني فدهمني وقال: هب فقد لاح سراج الدين ... بصادق مهذب أمين فارحل على ناجية أمون ... تمشي على الصحصح والحزون فانتبهت مذعورا فقلت: ماذا؟ فقال: وساطح الأرض، وفارض الفرض لقد بعث محمد في الطول والعرض، نشأ في الحرمات العظام، وهاجر إلى طيبة الأمينة، فسرت وإذا بهاتف يقول: يا أيها الراكب المزجي مطيته ... نحو الرسول لقد وفقت للرشد وروى البيهقي وابن عساكر عن ابن عباس أن رجلا قال: يا رسول اللَّه خرجت في الجاهلية أطلب بعيرا لي شرد فهتف لي هاتف في الصبح يقول: يا أيها الراقد في الليل الأجم ... قد بعث اللَّه نبيا في الحرم من هاشم أهل الوفاء والكرم ... يجلو دجنات الدياجي والظلم فأدرت طرفي فما رأيت له شخصا فقلت:

стр. 788

يا أيها الهاتف في داجي الظلم ... أهلا وسهلا بك من طيف ألم بين هداك اللَّه في لحن الكلم ... ماذا الذي تدعو إليه تغتنم وإذا أنا بنحنحة قائل يقول: ظهر النور وبطل الزور وبعث محمد بالحبور ثم أنشأ يقول: الحمد للَّه الذي ... لم يخلق الخلق عبث أرسل فينا أحمدا ... خير نبي قد بعث صلى عليه اللَّه ما ... حج له ركب وحث ثم لاح الصباح فوجدت البعير. وروى أبو سعد النيسابوري في الشرف عن الجعد بن قيس قال: خرجنا أربعة أنفس نريد الحج في الجاهلية، فمررنا بواد من أودية اليمن، فلما أقبل الليل استعذنا بعظيم الوادي وعقلنا رواحلنا فلما هدأ الليل ونام أصحابي إذا هاتف من بعض أرجاء الوادي يقول: ألا أيها الركب المعرس بلغوا ... إذا ما وقفتم بالحطيم وزمزما محمدا المبعوث منا تحية ... تشيعه من حيث سار ويمما وقولوا له إنا لدينك شيعة ... بذلك أوصانا المسيح ابن مريما وروى أبو نعيم عن خويلد الضمري قال: كنا عند صنم جلوسا إذ سمعنا من جوفه صائحا يصيح: ذهب استراق السمع ورمي بالشهب لنبي بمكة اسمه أحمد ومهاجره إلى يثرب يأمر بالصلاة والصيام والبر وصلة الأرحام فقمنا من عند الصنم فسألنا فقالوا: خرج نبي بمكة اسمه أحمد. وروى ابن جرير والطبراني وابن أبي الدنيا وأبو نعيم والخرائطي عن العباس بن مرداس السلمي رضي اللَّه تعالى عنه قال: كان أول إسلامي أن أبي لما حضرته الوفاة أوصاني بصنم له يقال له ضمار فجعلته في بيت وجعلت آتيه كل يوم، فلما ظهر النبي ﷺ كنت في لقاح لي نصف النهار إذا طلعت علي نعامة بيضاء مثل القطن عليها راكب أبيض عليه ثياب بيض فقال: يا عباس بن مرداس ألم تر أن السماء كفت حراسها، وأن الحرب جرعت أنفاسها، وأن الخيل وضعت أحلاسها، وأن الذي جاء بالبر والتقى يوم الاثنين في ليلة الثلاثاء صاحب الناقة القصواء. فخرجت مرعوبا قد راعني ما سمعت وما رأيت، حتى جئت وثنا ضمار وكنا نعبده ونكلم من جوفه، فدخلت فكنست ما حوله ثم تمسحت به وقبلته فإذا صائح من جوف الصنم بالليل وهو يقول:

стр. 789

قل للقبائل من سليم كلها ... هلك الأنيس وعاش أهل المسجد أودى ضمار وكان يعبد مرة ... قبل الكتاب إلى النبي محمد إن الذي ورث النبوة والهدى ... بعد ابن مريم من قريش مهتدي قال: فكتمته الناس فلم أحدث به أحدا فلما رجع الناس من غزوة الأحزاب، فبينا أنا في إبلي بطريق العقيق من ذات عرق راقد سمعت صوتا شديدا فرفعت رأسي فإذا رجل على جناح نعامة وهو يقول: النور الذي وقع يوم الاثنين ليلة الثلاثاء مع صاحب الناقة العضباء في دار بني أخي العنقاء. فأجابه هاتف على شماله أبصره: بشر الجن وأبلاسها، أن المطي قد وضعت أحلاسها، وكلأت السماء حراسها. قال: فوثبت مذعورا وعلمت أن محمدا مرسل. وقدمت على النبي ﷺ فأسلمت وأنشدته شعرا قلته وهو: لعمرك إني يوم أجعل جاهلا ... ضمارا لرب العالمين مشاركا وتركي رسول اللَّه والأوس حوله ... أولئك أنصار له ما أولائكا كتارك سهل الأرض والحزن يبتغي ... ليهلك في كل الأمور المهالكا فآمنت باللَّه الذي أنا عبده ... وخالفت من أمسى يريد المهالكا ووجهت وجهي نحو مكة قاصدا ... أبايع بين الأخشبين المباركا نبي أتى من بعد عيسى بناطقٍ ... من الحق فيه الفضل فيه كذلكا أمين على الفرقان أول شافع ... وأول مبعوث يجيب الملائكا تلاقي عرى الإيمان بعد انتفاضها ... فأحكمها حتى أقام المناسكا وروى أبو نعيم عن راشد بن عبد ربه قال: كان الصنم الذي يقال له سواع بالمعلاة تدين له هذيل وبنو ظفر من سليم فأرسلت بنو ظفر راشد بن عبد ربه بهدية بني سليم إلى سواع، قال: فأتيته فألفيت مع الفجر إلى صنم قبل سواع فإذا صارخ يصرخ من جوفه: العجب كل العجب، خروج نبي من بني عبد المطلب يحرم الزنا والربا والذبح للأصنام، وحرست السماء ورمينا بالشهب ثم هتف صنم آخر من جوفه: ترك الضمار وكان يعبد، وخرج نبي اسمه أحمد، نبي يصلي الصلاة ويأمر بالزكاة والصيام والصلة للأرحام. ثم هتف من جوف صنم آخر هاتف: إن الذي ورث النبوة والهدى ... بعد ابن مريم من قريش مهتدي قال راشد: فألفيت عند سواع مع الفجر ثعلبين يلحسان ما حوله ويأكلان ما يهدى إليه

стр. 790

ثم يعرجان عليه ببولهما فعند ذلك يقول راشد: أرب يبول الثعلبان برأسه ... لقد ذل من بالت عليه الثعالب وذلك عند مخرج النبي ﷺ . وروى ابن الجوزي عن بشير الهذلي قال: خرجنا من عيراتنا إلى الشام فلما كنا بين الزرقاء ومعان وقد عرسنا من الليل إذا نحن بفارس يقول: أيها الناس هبوا فليس هذا بحين رقاد، قد خرج أحمد وطرد الجن كل مطرد، ففزعنا ونحن رفقة حزاورة كلهم قد سمع هذا فرجعنا إلى أهلينا فإذا هم يذكرون اختلافا بمكة بين قريش بسبب نبي قد خرج من بني عبد المطلب اسمه أحمد. وروى الروياني وابن عساكر عن خريم بن فاتك [ (١) ] ، والطبراني وابن عساكر من طريق آخر عنه، قال: بينا أنا في طلب نعم لي إذ جنني الليل بأبرق العذيب فناديت بأعلى صوتي: أعوذ بعزيز هذا الوادي من شر سفهائه، وإذا هاتف يقول: ويحك عذ باللَّه ذي الجلال ... منزل الحرام والحلال ووحد اللَّه ولا تبالي ... ما كيد ذي الجن من الأهوال إن تذكر اللَّه على الأميال ... وفي سهول الأرض والجبال قد صار كيد الجن في سفال ... إلا التقى وصالح الأعمال فقلت له: يا أيها الهاتف ما تقول ... أرشد عندك أم تضليل فقال: هذا رسول اللَّه ذو الخيرات ... جاء بياسين وحاميمات وسور بعد مفصلات ... يأمر بالصلاة والزّكاة ويزجر الأقوام عن هنات ... قد كن في الأنام منكرات فقلت: من أنت؟ فقال: أنا مالك بن مالك الجني. وفي رواية الروياني عن عمرو بن أثال قال: بعثني رسول اللَّه ﷺ على جن نجد فانبعثت راحلتي فقلت:

стр. 791

أرشدني راشد هديت ... لا جعت ولا عريت ولا برحت سيدا مقيتا قال فاتبعني وهو يقول: صاحبك اللَّه وسلم نفسكا ... وبلغ الأهل وأدى حلكا آمن به أفلح ربي حقكا ... وانصره أعز ربي نصركا فقلت: لو كان لي من يكفيني إبلي هذه لأتيته حتى أومن به. قال: أنا أكفيكها حتى أؤديها إلى أهلك سالمة. فاعتقلت بعيرا منها ثم أتيت المدينة فوافيت الناس يوم الجمعة وهم في الصلاة فقلت: يقضون الصلاة ثم أدخل، فبينا أنا أنيخ راحلتي إذ خرج إلي أبو ذر. وعند الروياني: أبو بكر الصديق- فقال: ادخل فقد بلغنا إسلامك. قلت: لا أحسن الطهور فعلمني فدخلت المسجد ورسول اللَّه ﷺ يخطب على المنبر كأنه البدر وهو يقول: «ما من مسلم توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى صلاة يحفظها ويعقلها إلا دخل الجنة» [ (١) ] . فلما رآني رسول اللَّه ﷺ قال: ما فعل الشيخ الذي ضمن لك أن يؤدي إبلك إلى أهلك سالمة؟ أما إنه قد أداها إلى أهلك سالمة. قلت: ﵀. قال: أجل رحمه اللَّه تعالى [ (٢) ] . وروى الأموي والفاكهي وأبو نعيم عن ابن عباس وعبد الرحمن بن عوف رضي اللَّه تعالى عنهما قالا: لما ظهر أمر رسول اللَّه ﷺ قام رجل من الجن على أبي قبيس فقال: قبح اللَّه رأي كعب بن فهر ... ما أرق العقول والأحلام دينها أنها تعنف فيها ... دين آبائها الحماة الكرام حالف الجن جن بصرى عليكم ... ورجال النخيل والآطام توشك الخيل أن تروها تهادى ... تقتل القوم في حرام بهام هل كريم منكم له نفس حر ... ماجد الوالدين والأعمام ضارب ضربة تكون نكالا ... ورواحا من كربة واغتمام فأصبح هذا الحديث قد شاع بمكة، وأصبح المشركون يتناشدونه بينهم وقالوا:

стр. 792

توانيتم حتى حرضتكم الجن وهموا بالمؤمنين فقال رسول اللَّه ﷺ : هذا شيطان يكلم الناس يقال له مشعر ولم يعلن شيطان بتحريض نبي إلا قتله اللَّه تعالى. فمكثوا ثلاثة أيام فإذا هاتف على الجبل يقول: نحن قتلنا مسعرا* لما طغى واستكبرا وسفه الحق وسن المنكرا* بشتمه نبينا المطهرا قنعته سيفا جروفا أبترا* إنا نذود من أراد البطرا فقال رسول اللَّه ﷺ ذاكم عفريت من الجن يقال له سمحج وقد سميته عبد الله آمن بي فأخبرني أنه في طلبه منذ أيام حتى قتله [ (١) ] . وروى ابن عساكر عن زميل ويقال زمل بن عمرو العذري، قال: كان لبني عذرة صنم يقال له خمام، وكانوا يعظمونه وكان سادنه يقال له طارق وكانوا يعترون عنده، فلما ظهر النبي ﷺ سمعنا صوتا يقول: يا طارق يا طارق، بعث النبي الصادق، بوحي ناطق، صدع صدعته بأرض تهامة، لناصرية السلامة ولخاذلية الندامة، هذا الوداع مني إلى يوم القيامة. قال زمل: فوقع الصنم لوجهه. قال زمل: فابتعت راحلة ورحلت عليها حتى أتيت رسول اللَّه ﷺ مع نفر من قومي فأنشدته شعرا قلته: إليك رسول اللَّه أعملت نصها ... أكلفها نصا وقوزا من الرمل لأنصر خير الخلق نصرا مؤزرا ... وأعقد حبلا من حبالك في حبلي وأشهد أن اللَّه لا شي غيره ... أدين له ما أثقلت قدمي نعلي وروى أبو نعيم عن أبي هريرة قال: لما بعث اللَّه تعالى رسوله ﷺ أصبح كل صنم منكسا فأتت الشياطين إبليس فأخبروه قال: هذا نبي قد بعث فالتمسوه. فقالوا: لم نجده فقال: أنا صاحبه. فخرج إبليس فوجده بمكة فرجع إلى الشياطين فقال: قد وجد ومعه جبريل. وروى أيضاً عن مجاهد قال: رن إبليس أربع مرات: حين لعن وحين أهبط وحين بعث النبي ﷺ وحين أنزلت الحمد للَّه رب العالمين. والآثار في هذا الباب كثيرة. تفسير الغريب سواد: بفتح السين المهملة وواو مخففة فألف فدال مهملة.

стр. 793

قارب: بقاف فألف فراء مكسورة فموحدة. الكاهن: الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان ويدعي معرفة الأسرار. شهر أو شيعة: بشين معجمة مفتوحة فمثناة تحتية ساكنة. فعين مهملة مكسورة يعني أو دونه بقليل. يا سواد بن قارب: يجوز فتح سواد وضمه ونصب ابن وضمه وهو قليل. تطلابها: بفتح المثناة الفوقية. العيس: بعين مهملة مكسورة فمثناة تحتية ساكنة فسين مهملة، وهي الإبل البيض مع شقرة واحدها أعيس وعيساء وهي منصوبة على أنها مفعول المصدر وهو الشد. الصفوة: بتثليث الصاد، وهو خلاصة الشيء، وخياره، والمراد النبي ﷺ . أنام: هذا جائز في جواب الأمر والأكثر أنم وكذا التي بعدها. اعقل: بكسر القاف، وكذا يعقل الثانية، والوصل. لؤي: بالهمز وتركه. تخبارها: بمثناة فوقية مفتوحة. ككفارها: بضم الكاف. تجساسها: بتاء مفتوحة فوقية فجيم فسين فألف فسين أخرى مهملتين والتجسس: التفتيش عن بواطن الأمور. الأحلاس [ (١) ] : بحاء وسين مهملتين جمع حلس وهو الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القتب. ما خير: بتشديد الياء وتخفيفها، ولا يجوز هنا للوزن. رحلت ناقتي: بتخفيف الحاء أي جعلت عليها رحلها. ثم أتيت المدينة: كذا في رواية. وفي رواية: حتى أتيت مكة. قال البيهقي: وهذه الثانية أقرب إلى الصحة من الأولى. هات: بكسر التاء أي أعطني. أنشأت: ابتدأت.

стр. 794

هدى: بهاء مفتوحة فدال مهملة ساكنة فهمزة. والهدى والهدأة بمعنى، تقول: جاءني بعد هدى وبعد هدأة. أي بعد ثلث من الليل أو ربعه وبعد ما هدأ الناس أي ناموا. بلوت: اختبرت. الذعلب: بذال معجمة مكسورة فعين مهملة ساكنة فلام مكسورة فموحدة وهي الناقة السريعة وكذا الذعلبة. الوجناء: بواو مفتوحة فجيم ساكنة فنون فألف ممدودة وهي الغليظة الصلبة وقيل العظيمة الوجنتين. السباسب [ (١) ] : بسينين مهملتين الأولى مفتوحة والثانية مكسورة وبعد كل سين باء موحدة وهي المفازة أو الأرض المستوية. أدنى: أقرب. الوسيلة: ما يتقرب به إلى الغير. آل ذريح: بذال معجمة مفتوحة فراء مكسورة فمثناة تحتية فحاء مهملة. قال السهيلي: وكأنه نداء للعجل المذبوح كقولهم: أحمر ذريحي أي شديد الحمرة فصار وصفا للعجل الذبيح من أجل الدم. ومن رواه: «يا جليح» فمآله إلى هذا المعنى لأن العجل قد جلح أي كشف عنه الجلد. وذكر قبله: يا جليح ونقل عن بعض أشياخنا أنه اسم شيطان، والجليح في اللغة: ما تطاير من رؤوس النبات وخف، كالقطن وشبهه، الواحدة جلحة، ثم ذكر ما تقدم. وقال ابن الأثير في النهاية: جليح اسم رجل قد ناداه. العسيف: الأجير. دغنة: بدال مهملة فغين معجمة فنون فهاء. مروع الفؤاد: خائف القلب. هاجك: فزعك وأثارك من مكانك. الحضيض: القرار. من الأرض عند منقطع الجبل. القابس: طالب النار. خنافر: بخاء معجمة فنون فألف ففاء فراء. شصار: بشين معجمة فصاد مهملة مخففة.

стр. 795

يتاح: يقدر. حول: تحول. انتسخت: زالت. النحل: بكسر النون وفتح الحاء: الملل. آنست: بمد الهمزة. أبصرت. العدام.... الخفي. الرونق: الحسن. أصغيت: استمعت. زجرت: بضم أوله من الزجر. تهينمون: الهينمة: الصوت الخفي. إلام تعتزون: تنتسبون. كبار: بضم الكاف يقال كبير وكبار بالتخفيف أي عظيم، فإذا أفرط في العظم قيل: كبار. بالتشديد. أوار النار [ (١) ] : بضم الهمزة: حرها. المدر هنا: القرى والأمصار. ابتعث: بباء موحدة ساكنة فمثناة فوقية مضمومة من البعث. بهر: غلب غيره وفضله. النهج: الطريق الواضح. دثر: درس. الشبر: بشين معجمة فباء موحدة مفتوحات فراء: العطية. شايع: فعل أمر: تابع وانصر. الأورة: بهمزة مفتوحة فواو ساكنة فراء مفتوحة فهاء لا تاء: هو الحمق وقيل الخرق ورجل أوره وامرأة ورهاء، وقد ورهت توره. الكهام: بكاف مفتوحة فهاء مخففة: السيف الكليل. ولسان كهام أي عيي أو كليل لم يغن شيئاً. وفرس كهام: أي بطيء- وكأن ذا في الأصل- واللَّه تعالى أعلم- مأخوذ من هذا، فيكون معنى الكلام: أكلكم أحمق أو أخرق عيي أو كليل لم يغن شيئاً، أو بطيء عن الحق. الدجا: بدال مهملة مضمومة فجيم فألف الليل المظلم.

стр. 796

الذروة: بضم الذال المعجمة وكسرها أعلى الشيء. بهد: بفتح الهاء وتشديد الدال. فجأهم بغتة: بجيم مكسورة فهمزة مفتوحة أي جاءهم بغتة. قراض: بقاف فراء مشددة فألف فضاد معجمة ساقطة. ذباب: بلفظ الطائر المعروف. مازن: بميم فألف فزاي فنون. الغضوبة: بغين مفتوحة فضاد معجمة فواو ساكنة فموحدة مفتوحة فتاء تأنيث. السادن: الخادم. العتيرة: بعين مهملة مفتوحة فمثناة فوقية فتحتية ساكنة فراء فتاء تأنيث وهي شاة كانوا يذبحونها في رجب لأصنامهم. تسر: بضم المثناة الفوقية وفتح السين المهملة مبنى المفعول. الكبر: بضم الكاف وفتح الموحدة جمع كبرى، وفي الكلام حذف مضاف محذوف تقديره شرائع دين اللَّه الكبر. أقبل إلي أقبل: بفتح الهمزة وكسر الموحدة فيهما. ما لا يجهل: بالبناء للمفعول. فآمن به: بمد الهمزة وكسر الميم، من الإيمان. يعدل: بالبناء للمفعول. وكذا تشعل. وقودها: بفتح الواو ما توقد به النار كالحطب. الجندل [ (١) ] : بجيم مفتوحة فنون ساكنة فدال مهملة: الحجارة. الجذاذ [ (٢) ] : بجيم مضمومة وتكسر وذالين معجمتين: أي قطعا وكسرا. بادر: بباء موحدة وبعد الألف دال مهملة مكسورة ثم راء. قال في النور: كذا أحفظه. ضلا [ (٣) ] : بضم الضاد المعجمة الساقطة. يقال للباطل ضل بتضلال. عمرا: أراد به بني الصامت وإخوتها.

стр. 797

قال: مبغض وإثبات الياء فيه للوزن. مولع: بفتح اللام أي مغرم به. الهلوك [ (١) ] : بفتح الهاء وضم اللام المخففة وآخره كاف. قال في الصحاح: الهلوك من النساء الفاجرة المتساقطة على الرجال فلا يقال رجل هلوك. ألحت علينا السنون: أي دامت أيام الجدب. الذراري: بفتح الياء وتشديدها. الحيا: بفتح الحاء والقصر: المطر والخصب. ريا. بكسر الراء وتفتح. العهر: بفتح العين المهملة وإسكان الهاء: الزنا. حيان: بفتح الهاء المهملة وتشديد المثناة التحتية. خبّت: بخاء معجمة مفتوحة فباء موحدة مشددة فمثناة فوقية كما في عدة نسخ من العيون: من السير الخبب وهو دون الإسراع. تجوب: بالجيم والموحدة: تقطع. الفيافي: بفتح الفاء الأولى وكسر الثانية: الصحارى الملس واحدها فيفاء. الفلج: بضم الفاء وإسكان اللام وهو الفوز والظفر. الشرج [ (٢) ] : بشين معجمة فراء ساكنة فجيم، يقال ليس هو من شرجه: أي ليس من طبيعته وشكله. الرغب [ (٣) ] : بضم الراء وإسكان الغين المعجمة ثم موحدة سعة البطن وكثرة الأكل، ويروى بالزاي المفتوحة فعين مهملة ساكنة فموحدة: يعني الجماع: قال في النهاية: وفيه نظر. يقال رغب المرأة إذا جامعها فملأها منيا، يزغبها كمنع يمنع. آذن: بمد الهمزة: أعلم. النهج: بفتح النون وإسكان الهاء وبالجيم: قال في النور: أي البلاء. فلله ما صومي: ما في البيت مكررة زائدة في الموضعين، وتقديره فلله صومي وحجي. ناجية: سريعة. أمون: أي مأمون. الحزون جمع حزن: ما غلظ من الأرض.

стр. 798

المزجي: السائق. المطية: البعير، فعيلة بمعنى مفعولة لأنه يركب مطاه أي ظهره، ذكرا كان أو أنثى. الليل الأجم: الطويل. دجنات الظلم: بضم الدال المهملة والجيم وتشديد النون جمع دجنة، وهي الظلمة والدياجي: الليالي المظلمة. الحبور: السرور. السلمي: بضم السين المهملة. ضمار: بضاد ساقطة معجمة مكسورة فميم مخففة فألف فراء مكسورة، ووقع في بعض نسخ السيرة بضم الضاد. أودى: بدال مهملة: هلك. زميل: بالتصغير ويقال زمل بكسر الزاي وإسكان الميم وباللام. العذري: بعين مهملة مضمومة فذال معجمة فراء فياء نسب. خمام: بخاء معجمة مضمومة فميم مخففة. الشرك: بالنصب مفعول والإسلام فاعل. هالنا: أفزعنا. أعمل الناقة: حثها وساقها. نصها [ (١) ] : بنون مفتوحة وصاد مهملة مشددة يقال نص في سيره: دفع وأسرع. والنص: منتهى الغاية. الحزن: بحاء مهملة مفتوحة فزاي ساكنة فنون وهو ما غلظ من الأرض. قوزا [ (٢) ] : بقاف مفتوحة فواو ساكنة فزاي وهو الكثيب الصغير، عند أبي عبيدة، والجمع أقواز وقيزان. وفي النهاية: القوز بالفتح: العالي من الرمل كأنه جبل. حبلا: بالحاء المهملة واحد الحبال قال في النور: والظاهر أن مراده العهد والميثاق فإنهما يقال لهما حبل. أدين له: بفتح الهمزة وكسر الدال: أطيع وأخضع.

стр. 799

الباب الخامس في قدر عمر النبي ﷺ وقت بعثته وتاريخها قال الإمام النووي رحمه اللَّه تعالى في شرح مسلم: الصواب أنه ﷺ بعث على رأس الأربعين سنة، هذا هو المشهور الذي أطبق عليه العلماء. وقال السهيلي رحمه اللَّه تعالى: إنه الصحيح عند أهل السير والعلم بالأثر. وحكى القاضي عن ابن عباس وسعيد بن المسيب رواية شاذة أنه بعث على رأس ثلاث وأربعين سنة والصواب الأول. وقال شيخ الإسلام البلقيني رحمه اللَّه تعالى: كان سن رسول اللَّه ﷺ حين جاءه جبريل في غار حراء أربعين سنة على المشهور. وقيل ويوما. وقيل وعشرة أيام. وقيل وشهرين وقيل وسنتين وقيل وثلاثة. وقيل وخمس. قال: وكان ذلك يوم الاثنين نهارا. واختلف في الشهر. فقيل شهر رمضان في سابع عشره وقيل سابعه. وقيل رابع عشره. وقال الحافظ: ورمضان هو الراجح لما سيأتي من أنه الشهر الذي جاور فيه في حراء فجاءه الملك. وعلى هذا يكون سنه حينئذ أربعين سنة وستة أشهر. وقيل في سابع عشر شهر رجب. وقيل في أول شهر ربيع الأول. وقيل في ثامنه. وعند أبي داود الطيالسي ما يقتضي أن مجيء جبريل لرسول اللَّه عليهما الصلاة والسلام في حراء كان في آخر شهر رمضان. قال الحافظ: ولعله الراجح. وروى الإمام أحمد والشيخان عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما قال: أنزل على رسول اللَّه ﷺ وهو ابن أربعين سنة [ (١) ] . تنبيهات الأول: قال العلامة ابن القيم في زاد المعاد: بعثه اللَّه تعالى على رأس الأربعين وهي سن الكمال. قيل: ولها تبعث الرسل. وأما ما يذكر عن المسيح أنه رفع إلى السماء وله ثلاث وثلاثون فهذا لا يعرف به أثر متصل يجب المصير إليه. انتهى. والأمر كما قال: فإن ذلك يروى عن وهب بن منبه قال: إن النصارى تزعم. فذكر الحديث إلى أن قال: وإنه رفع وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة رواه الحاكم. وفي سنده

стр. 800

عبد المنعم بن إدريس كذبوه، ولو صح سنده فإنه عن النصارى كما ترى. وعن الحسن رواه ابن عساكر من طريق إسحاق بن بشر وهو كذاب يضع [ (١) ] ، لكنه قال ابن أربع وثلاثين. ورواه الحاكم عن سعيد بن المسيب وفي سنده علي بن زيد وهو ضعيف. ويأتي في الوفاة النبوية أحاديث صحيحة تدل على أنه رفع وهو أبن مائة وعشرين سنة. الثاني: قال ابن الجوزي: حديث: «ما من نبي نبئ إلا بعد الأربعين» [ (٢) ] موضوع. لأن عيسى ﵊ نبئ ورفع إلى السماء وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة فاشتراط الأربعين في حق الأنبياء ليس بشيء. انتهى. وما ذكره في قدر عمر عيسى لما رفع يرده ما سبق عن ابن القيم وسيأتي في أبواب الوفاة حديث عائشة إن رسول اللَّه ﷺ قال في مرضه الذي توفي فيه لفاطمة إن جبريل كان يعارضني القرآن في كل عام مرة، وإنه عارضني بالقرآن العام مرتين وأخبرني أنه لم يكن نبي إلا عاش نصف عمر الذي كان قبله وأخبرني أن عيسى ابن مريم عاش عشرين ومائة سنة ولا أراني إلا ذاهبا على رأس الستين. رواه الطبراني ورجاله ثقات وله طرق تأتي في الوفاة. والمشهور عند الجمهور كما قال الحافظان ابن كثير وابن حجر أنه ﷺ بعث في شهر رمضان. وصححه الإمام علاء الدين علي بن محمد الخازن. زاد الحافظ: لما تقدم أنه الشهر الذي جاء فيه إلى حراء فجاءه الملك. وعكس ابن القيم فقال في زاد المعاد: قيل إنه بعث لثمان مضين من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من عام الفيل. وهذا قول الأكثرين. ثم حكى أنه كان في رمضان. وجمع بعضهم بين القولين بأنه ﷺ نبئ بالرؤيا في شهر مولده ثم كانت مدتها ستة أشهر ثم أوحي إليه في اليقظة. ولهذا مزيد بيان في التنبيه السابع من الباب الثامن. وكان ذلك يوم الاثنين. وروى مسلم عن أبي قتادة رضي اللَّه تعالى عنه أن رسول اللَّه ﷺ سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: «ذاك يوم ولدت فيه وفيه بعثت أو قال أنزل على فيه» [ (٣) ] .

стр. 801

وروى محمد بن عمر الأسلمي، عن أبي جعفر الباقر قال: كان ابتداء الوحي إلى رسول اللَّه ﷺ يوم الاثنين لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان. وروى الإمام أحمد وابن جرير والطبراني والبيهقي في الشعب عن واثلة بن الأسقع رضي اللَّه تعالى عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «أنزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان وأنزل الزبور لثمان عشرة خلت من رمضان، وأنزل اللَّه القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان» [ (١) ] .

стр. 802

الباب السادس في ابتدائه ﷺ بالرؤيا الصادقة وسلام الحجر والشجر عليه، زاده الله فضلا وشرفا لديه قالت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها: أول ما بدئ به رسول اللَّه ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح [ (١) ] . رواه البخاري. وروى أبو نعيم عن علي بن الحسين رضي اللَّه تعالى عنه وعن آبائه قال: إن أول ما أتى رسول اللَّه ﷺ الرؤيا الصالحة، فكان لا يرى شيئاً في المنام إلا كان كما رأى. وروى أيضاً عن علقمة بن قيس قال: أن أول ما يؤتى به الأنبياء في المنام حتى تهدأ قلوبهم ثم ينزل الوحي. وروى أيضاً البيهقي عن الزهري رحمه اللَّه تعالى قال: بلغنا أن أول ما رأى رسول اللَّه ﷺ إن اللَّه تعالى أراه رؤيا فشق ذلك عليه فذكرها لخديجة فقالت أبشر فإن اللَّه لن يصنع بك إلا خيرا. وروى ابن سعد عن برة بنت أبي تجراة- بكسر الفوقانية وسكون الجيم- قالت: إن رسول اللَّه ﷺ حين أراد اللَّه كرامته وابتدأه بالنبوة كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى لا يرى بيتا ويفضي إلى الشعاب وبطون الأودية فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول اللَّه. وكان يلتفت عن يمينه وشماله وخلفه فلا يرى أحدا. وروى الإمام أحمد ومسلم عن جابر بن سمرة رضي اللَّه تعالى عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «إني لأعرف حجرا كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن» [ (٢) ] . وقال عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان العلاء بن جارية- بجيم وراء- الثقفي، وكان واعية، عن بعض أهل العلم، أن رسول اللَّه ﷺ حين أراد اللَّه تعالى كرامته وابتدأه بالنبوة كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى تحسر عنه البيوت ويفضي إلى شعاب مكة وأوديتها فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول اللَّه. فيلتفت رسول اللَّه ﷺ خلفه وعن يمينه وعن شماله فلا يرى إلا الشجر وما حوله من الحجارة وهي تحييه بتحية النبوة: السلام عليك يا رسول اللَّه.

стр. 803

رواه ابن إسحاق. وروى ابن سعد عن هشام بن عروة عن أبيه رحمهما اللَّه تعالى إن رسول اللَّه ﷺ قال: يا خديجة إني أرى ضوءا وأسمع صوتا لقد خشيت أن أكون كاهنا. قالت: أن اللَّه تعالى لا يفعل ذلك بك إنك تصدق الحديث وتؤدي الأمانة وتصل الرحم. وروى ابن الجوزي عن ابن عباس قال: أقام رسول اللَّه ﷺ بمكة خمس عشرة سنة: سبعا يرى الضوء والنور ويسمع الصوت، وثماني سنين يوحى إليه. وقال الخازن [ (١) ] : وهذا إن صح فيحمل على سنتين قبل النبوة فيما كان رسول اللَّه ﷺ يراه من تباشير النبوة، وثلاث سنين بعد النبوة قبل إظهار الدعوة وعشر سنين معلنا بالدعوة بمكة. تنبيهان الأول: قال السهيلي في بعض السمندات: إن هذا الحجر الذي كان يسلم على النبي ﷺ هو الحجر الأسود. وهذا التسليم الأظهر فيه أن يكون حقيقة ويكون اللَّه تعالى أنطقه إنطاقا، كما خلق الحنين في الجذع. ولهذا مزيد بيان في المعجزات. الثاني: قال القاضي وغيره رحمهم اللَّه تعالى: وإنما ابتدئ رسول اللَّه ﷺ بالرؤيا لئلا يفجأه الملك ويأتيه بصريح النبوة بغتة فلا تحملها القوى البشرية، فبدئ بأوائل خصال النبوة وتباشير الكرامة ومن صدق الرؤيا وما جاء في الحديث الآخر من رؤية الضوءة وسماع الصوت وتسليم الحجر والشجر عليه بالنبوة حتى استشعر عظيم ما يراد به واستعد لما ينتظره فلم يأته الملك إلا بأمر عنده مقدماته. واللَّه أعلم.

стр. 804

الباب السابع فيما ذكر أن إسرافيل قرن به قبل جبريل ﷺ روى الإمام أحمد في تاريخه بسند صحيح عن عامر الشعبي قال: إن رسول اللَّه ﷺ نزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين، فكان يعلمه الكلمة والشيء، ولم ينزل القرآن على لسانه، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل، فنزل القرآن على لسانه عشرين سنة، عشرا بمكة وعشرا بالمدينة، فمات وهو ابن ثلاث وستين سنة. وهذا يقتضي أن إسرافيل قرن معه بعد الأربعين ثلاث سنين، ثم جاءه جبريل. قال الإمام أبو شامة [ (١) ] رحمه اللَّه تعالى: وحديث عائشة- أي الآتي في الباب بعده- لا ينافي هذا فإنه يجوز أن يكون أول أمره الرؤيا، ثم وكل به إسرافيل في تلك المدة التي كان يخلو فيها بحراء فكان يلقي إليه الكلمة بسرعة ولا يقيم معه تدريجا وتمرينا، إلى أن جاءه جبريل فعلمه بعد ما غطه ثلاث مرات. فحكت عائشة ما جرى له مع جبريل ولم تحك ما جرى له مع إسرافيل اختصارا للحديث، أو لم تكن وقفت على قصة إسرافيل. انتهى. وذكر بعض العلماء في حكمة مجيء إسرافيل إليه أنه الموكل بالنفخ في الصور، والنبي ﷺ بعث قرب الساعة وكانت بعثته من أشراطها، فبعث إسرافيل لهذه المناسبة ولم يبعث إلى نبي قبله. وقد أنكر الواقدي رحمه اللَّه تعالى خبر الشعبي وقال: لم يقرن به من الملائكة إلا جبريل. قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه، فإن المثبت مقدم على النافي إلا إن صحب النافي دليل نفيه فيقدم. انتهى. قال الشيخ رحمه اللَّه تعالى في فتاويه: قد ورد ما يوهي أثر الشعبي، وهو ما رواه مسلم عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما قال: بينا النبي ﷺ جالس وعنده جبريل إذ سمع نقيضا من السماء من فوق فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال: يا محمد هذا ملك قد نزل لم ينزل إلى الأرض قط. قال فأتى النبي ﷺ فقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة

стр. 805

الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ حرفا منها إلا أوتيته [ (١) ] . قال جماعة من العلماء إن هذا الملك إسرافيل. انتهى كلام الشيخ. وروى الطبراني والبيهقي في الزهد بسند حسن عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما قال: كان رسول اللَّه ﷺ ذات يوم وجبريل على الصفا فقال رسول اللَّه ﷺ : يا جبريل والذي بعثك بالحق ما أمسى لآل محمد سفه دقيق ولا كف من سويق. فلم يكن كلامه بأسرع من أن سمع هدة من السماء أفزعته فقال رسول اللَّه ﷺ : أمر اللَّه القيامة أن تقوم؟ فقال: لا ولكن أمر إسرافيل فنزل إليك حتى يسمع كلامك فأتاه إسرافيل فقال: إن اللَّه تعالى بعثني إليك بمفاتيح خزائن الأرض وأمرني أن أعرض إليك أسير معك جبال تهامة زمردا وياقوتا وذهبا وفضة. فقلت: فإن شئت نبيا ملكا وإن شئت نبيا عبدا؟ فأومأ إليه جبريل: أن تواضع. فقال بل نبياً عبداً. ثلاثاً [ (٢) ] . ورواه ابن حبان في صحيحه مختصرا من حديث أبي هريرة ولفظه: جلس رسول اللَّه ﷺ فنظر إلي السماء فإذا ملك ينزل فقال له جبريل: هذا الملك ما نزل منذ خلق قبل الساعة. وذكر الحديث. فظهر أن المعتمد ما مشى عليه الواقدي رحمه اللَّه تعالى.

стр. 806

الباب الثامن في كيفية بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ قد ورد ذلك من حديث: خديجة رضي اللَّه تعالى عنها. رواه البيهقي. وعائشة رضي اللَّه تعالى عنها. رواه الشيخان. وعبيد بن عمير الليثي [ (١) ] . رواه ابن إسحاق. وابن الجوزي في الوفا. وسعيد بن المسيب. رواه موسى بن عقبة. وسليمان بن طرخان التيمي [ (٢) ] . رواه أبو نعيم وابن عساكر. وعمرو بن شرحبيل. رواه البيهقي وأبو نعيم. وابن شهاب. رواه أبو نعيم والبيهقي. وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم رواه الدولابي: أن أول ما بدئ به رسول اللَّه ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة- وفي رواية: الصادقة- في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، فرأى وهو بمكة أن آت أتاه ومعه صاحبان له فنظروا إليه فقالوا: هو هو ولم يأن له بعد. فهاله ذلك وذكره لعمه فقال: يا بن أخي ليس بشيء، حلمت. ثم رجع إليه بعد ذلك فقال: يا عم سطا بي الرجل الذي ذكرت لك فأدخل يده في جوفي حتى أجد بردها. فخرج به عمه إلى رجل من أهل الكتاب يتطيب بمكة فحدثه حديثه وقال عالجه فصوب به وصعد وكشف عن قدميه ونظر بين كتفيه وقال: يا عبد مناف ابنك هذا طيب طيب، للخير فيه علامات، إن ظفرت به يهود قتلته، وليس الرئي من الشيطان ولكنه من النواميس الذين يتحسسون القلوب للنبوة. فرجع به. ثم رأى في منامه أن سقف بيته نزعت منه خشبة وأدخل فيه سلم من فضة ثم نزل إليه رجلان، فأراد أن يستغيث فمنع الكلام فقعد أحدهما إليه والآخر إلى جنبه، فأدخل أحدهما يده في جنبه فنزع ضلعين منه، فأدخل يده في جوفه ورسول اللَّه ﷺ يجد بردها فأخرج قلبه

стр. 807

فوضعه على كفه فقال لصاحبه: نعم القلب قلب رجل صالح. فطهر قلبه وغسله ثم أدخل القلب مكانه ورد الضلعين، ثم ارتفعا ورفعا سلمهما فإذا السقف كما هو، فذكر لخديجة بنت خويلد فقالت له: أبشر فإن اللَّه لا يصنع بك إلا خيرا هذا خير فأبشر. وفي حديث عبيد بن عمير أنه ﷺ رأى في منامه أيضاً جبريل ومعه نمط من ديباج فيه كتاب فقال له اقرأ. فقال له: ما أقرأ. فغته به حتى ظن رسول اللَّه ﷺ أنه الموت، ثم أرسله فقال: اقرأ. قال: ما أقرأ. فغته به حتى ظن رسول اللَّه ﷺ أنه الموت، ثم أرسله فقال له اقرأ. قال: ماذا أقرأ- ما قال ذلك إلا افتداء منه أن يعود إليه بمثل ما صنع- قال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [العلق: ١] فقرأها رسول اللَّه ﷺ ثم انتهى فانصرف جبريل وهب رسول اللَّه ﷺ من نومه، قال: فكأنما كتب في قلبي كتابا، فذكر ذلك الخديجة فقالت: أبشر فإن اللَّه لا يصنع بك إلا خيرا. ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو شهر رمضان بغار حراء- وفي لفظ يلحق- ومعه أهله فيتحنث- وفي لفظ: فيتحنف- فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل إن ينزع- وفي لفظ: يرجع- إلى أهله ويتزود لذلك ويطعم من جاءه من المساكين، فإذا رجع من جواره كان أول ما يبدأ به إذا انصرف قبل أن يدخل بيته الكعبة، فيطوف بها سبعا أو ما شاء اللَّه، ثم يرجع إلى بيته فيتزود لمثلها. فقال لخديجة يوما: لما قضيت جواري هبطت فنوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئاً فنظرت عن شمالي فلم أر شيئاً فرفعت رأسي فرأيت شيئاً بين السماء والأرض فقلت: دثروني دثروني وصبوا علي ماء باردا. وفي رواية أبي الأسود عن عروة عن عائشة قالت: كان أول شأنه يرى في المنام، وكان أول ما رأى جبريل بأجياد وصرخ جبريل: يا محمد أنا جبريل. فنظر يمينا وشمالا فلم يرى شيئاً فرفع بصره فإذا هو على أفق السماء فقال: يا محمد أنا جبريل. فهرب فدخل في الناس فلم ير شيئاً، ثم خرج عنهم فناداه ثم هرب ثم استعلن جبريل من قبل حراء. انتهى. وفي رواية: إني إذا خلوت وحدي أرى ضوءا وأسمع نداء: يا محمد أنا جبريل. وقد واللَّه خشيت أن يكون هذا أمرا. فقالت: معاذ اللَّه ما كان اللَّه ليفعل ذلك بك، إنك لتؤدي الأمانة وتصل الرحم وتصدق الحديث. فلما دخل أبو بكر ذكرت خديجة حديثه له وقالت: اذهب مع محمد إلى ورقة بن نوفل فإنه رجل يقرأ الكتب فيذكر له ما يسمع. فانطلقا إليه فقصا عليه فقال: إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي: يا محمد أنا جبريل. فأنطلق هاربا،

стр. 808

فقال ورقة: سبوح سبوح! وما لجبريل يذكر في هذه الأرض التي يعبد فيها الأوثان، جبريل أمين اللَّه تعالى على وحيه بينه وبين رسله، لا تفعل إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول ثم ائتني فأخبرني. فخرج ذات ليلة فسمع: السلام عليكم قال فظنها فجأة الجن، فجاء مسرعا حتى دخل على خديجة فقالت: ما شأنك فأخبرها، فقالت: أبشر فإن السلام خير. فخرج مرة أخرى إلى حراء. قال: فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد أنت رسول اللَّه وأنا جبريل. فرفعت رأسي إلى السماء أنظر فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء فرفعت أنظر إليه فما أتقدم وما أتأخر وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك، فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي وما أتأخر ورائي حتى بعثت خديحة رسلها في طلبي فبلغوا مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني ذلك ثم انصرفت راجعا إلى أهلي حتى أتيت خديجة فجلست إليها فقالت: يا أبا القاسم أين كنت؟ فو اللَّه لقد بعثت رسلي في طلبك فبلغوا مكة ورجعوا إلي. ثم حدثتها بالذي رأيت فقالت: أبشر يا بن عم واثبت، فوالذي نفسي بيده إني أرجو أن تكون نبي هذه الأمة. ثم قامت فجمعت عليها ثيابها ثم انطلقت إلى ورقة فأخبرته بما أخبرها به فقال ورقة: قدوس قدوس! والذي نفسي بيده لئن كنت صدقتيني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، وإنه لنبي هذه الأمة، فقولي له فليثبت. فرجعت خديجة إلى رسول اللَّه ﷺ فأخبرته بقول ورقة، فلما قضى رسول اللَّه ﷺ جواره وانصرف صنع كما كان يصنع، بدأ بالكعبة فطاف فلقيه ورقة فقال له: يا بن أخي أخبرني بما رأيت وسمعت. فأخبره فقال له ورقة: والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى ولتكذبنه ولتقاتلنه ولتؤذينه، ولئن أدركت ذلك لأنصرنَّ اللَّه نصرا يعلمه. ثم أدنى رأسه منه فقبل يافوخه [ (١) ] . وقالت خديجة لرسول اللَّه ﷺ : يا بن عم أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي نفسي بيده إذا جاءك؟ قال: نعم. قالت: فإذا جاءك فأخبرني به. فجاءه جبريل فقال رسول الله ﷺ : يا خديجة هذا جبريل قد جاءني فقالت: قم يا بن عمي فاجلس على فخذي اليسرى. فقام رسول اللَّه ﷺ فجلس عليها، فقالت: هل تراه؟ قال: نعم. قالت: فتحول فاقعد على فخذي اليمنى فتحول رسول اللَّه ﷺ فجلس على فخذها اليمنى فقالت: هل تراه؟ قال نعم. فحسرت فألقت خمارها ورسول اللَّه ﷺ جالس في حجرها ثم قالت: هل تراه؟ قال: لا. قالت يا بن عم اثبت وأبشر فواللَّه إنه لملك ما هذا شيطان.

стр. 809

قال البراء بن عازب رضي اللَّه تعالى عنه: عرض جبريل للنبي ﷺ ليلة السبت وليلة الأحد، ثم أتاه بالرسالة ليلة الاثنين ففجأه الحق- وفي لفظ: فجاءه الحق- وهو في غار حراء وفي رواية: فأتاه جبريل وميكائيل، فنزل جبريل وبقي ميكائيل واقفا بين السماء والأرض، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: هو هو. قال: فزنه برجل. فوزنه به فرجحه رسول اللَّه ﷺ . قال: زنه بعشرة فوزنه فرجحهم. قال: زنة بمائة. فوزنه فرجحهم. قال: زنة بألف. فوزنه فرجحهم. ثم جعلوا يتساقطون عليه من كفة الميزان فقال ميكائيل: تبعته أمته ورب الكعبة. ثم أجلس على بساط كهيئة الدرنوك، فيه الياقوت واللؤلؤ، فقال أحدهما لصاحبه: شق بطنه. فشقه فأخرج منه مغمز الشيطان وعلق الدم فطرحها فقال أحدهما لصاحبه: اغسل بطنه غسل الإناء واغسل قلبه غسل الملاء. ثم قال أحدهما لصاحبه: خط بطنه. فخاطه. ثم أجلساه فبشره جبريل برسالة ربه حتى اطمأن النبي ﷺ فقال له جبريل: اقرأ فقال: ما أنا بقارئ. فغطه حتى بلغ منه الجهد، ثم أرسله فقال له اقرأ قال: ما أنا بقارئ. فغطه حتى بلغ منه الجهد، ثم أرسله فقال له اقرأ قال: ما أنا بقارئ فغطه حتى بلغ منه الجهد. ثم أرسله فقال: اقْرَأْ أوجد القراءة. مبتدئا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ الخلائق خَلَقَ الْإِنْسانَ الجنس مِنْ عَلَقٍ جمع عَلَقة وهي القطعة اليسيرة من الدم الغليظ وجمعها لأن الإنسان في معنى الجمع اقْرَأْ تأكيد للأول. وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الذي لا يوازيه كريم. الَّذِي عَلَّمَ الخط بِالْقَلَمِ وأول من خط إدريس ﷺ . ثم أفرد ما هو أشرف وأظهر صنيعا وتدبيرا وأدل على وجوب العبادة المقصودة من القراءة فقال: عَلَّمَ الْإِنْسانَ الجنس ما لَمْ يَعْلَمْ قبل تعليمه من الهدى والكتابة والصناعة وغيرها. وهذا القدر من هذه السورة هو الذي نزل أولا بخلاف بقية السورة فإنما نزل بعد ذلك فرجع بها رسول اللَّه ﷺ إلى أهله ترجف بوادره. وفي لفظ: فؤاده. لا يلقاه حجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول اللَّه. فرجع إلى بيته وهو موقن قد فاز فوزا عظيما فدخل على خديجة فقال: «زملوني زملوني» . فزملوه حتى ذهب عنه الروع. قال أرأيتك الذي كنت أخبرتك أني رأيته في المنام؟ فإنه جبريل استعلن لي أرسله إلي ربي. وأخبرها الخبر. وقال: لقد خشيت على نفسي. فقالت خديجة: كلا أبشر فو اللَّه لا يخزيك اللَّه أبدا إنك لتصل الرحم وتقري الضيف وتصدق الحديث وتؤدي الأمانة وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق، فاقبل الذي جاءك من اللَّه فإنه حق، وأبشر فإنك رسول اللَّه حقا. ثم انطلقت حتى أتت غلاما لعتبة بن ربيعة بن عبد شمس نصرانيا من أهل نينوى يقال

стр. 810

له عداس، فقالت له يا عداس أذكرك اللَّه إلا ما أخبرتني هل عندكم علم من جبريل؟ فقال عداس: قدوس قدوس ما شأن جبريل يذكر بهذه الأرض التي أهلها أهل الأوثان. فقالت: أخبرني بعلمك فيه. قال: هو أمين اللَّه بينه وبين النبيين، وهو صاحب موسى وعيسى. فرجعت من عنده فانطلقت برسول اللَّه ﷺ إلى ورقة بن نوفل بن أسد ابن عم خديجة وكان امرءاً قد تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العربيّ فيكتب من الإنجيل ما شاء اللَّه أن يكتب، وكان شيخا قد عمي، فقالت له خديجة: يا بن عم اسمع من ابن أخيك فقال له ورقة: يا بن أخي ماذا ترى. فأخبره رسول اللَّه ﷺ خبر ما رأى فقال له ورقة: أبشر فأنا أشهد أنك الذي بشر به ابن مريم. هذا الناموس الذي أنزل اللَّه على موسى. وفي لفظ: وإنك على مثل ناموس موسى، وإنك لنبي مرسل وستؤمر بالجهاد بعد يومك هذا، ولئن أدركني ذلك لأجاهدن معك، يا ليتني فيها جذعا. وفي لفظ جذع. ليتني أكون حياً إذا يخرجك قومك ... فقال رسول اللَّه ﷺ أو مخرجي هم؟ فقال: نعم. لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي. وفي لفظ: أوذي. وفي رواية: لتكذبنه ولتؤذينه ولتقاتلنه، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم أدنى رأسه منه فقبل يافوخه، ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي. وقال ورقة في ذلك أشعاراً منها قوله: يا للرجال وصرف الدهر والقدر ... وما لشيء قضاه اللَّه من غير حتى خديجة تدعوني لأخبرها ... أمرا أراه سيأتي الناس من أخر وخبرتني بأمر قد سمعت به ... فيما مضى من قديم الدهر والعصر بأن أحمد يأتيه ويخبره ... جبريل أنك مبعوث إلى البشر فقلت عل الذي ترجين ينجزه ... لك الإله فرجى الخير وانتظري وأرسليه إلينا كي نسائله ... عن أمره ما يرى في النوم والسهر فقال حين أتانا منطقا عجبا ... يقف منه أعالي الجلد والشعر إني رأيت أمين اللَّه واجهني ... في صورة أكملت من أعظم الصور ثم استمر فكاد الخوف يذعرني ... مما يسلم من حولي من الشجر فقلت ظني وما أدري أيصدقني ... أن سوف تبعث تتلو منزل السور وسوف أنبيك إن أعلنت دعوتهم ... من الجهاد بلاد من ولا كدر [ (١) ] . وقوله:
следующие страницы →