Полный текст (5 077 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.
стр. 3221
كونها مؤداة، فلا شيء من العارية بمنفعة فلا شيء من المنفعة بعارية عارية، أما الأولى فلحديث أبي داود عن يعلى بن أمية قال: قال لي رسول الله ﷺ : "إذا أتاك رسولي فادفع إليهم ثلاثين درعا وثلاثين بعيرا، فقلت: يا رسول الله أعارية مضمونة أم عارية مؤداة، قال: بل مؤداة".
ولما أنشده الجوهري:
إنما أنفسنا عارية ... والعواري قصار أن ترد
والقصارى الغاية، وأما الثانية: فواضحة؛ لأن عين المنفعة لا ترد ولا يمكن ردها عادةً أو عقلًا عند غيرنا، والثالثة: النتيجة، والرابعة: عكسها حسبما تقرر في الأصول.
وفيها: من استعار دنانير أو دراهم أو فلوسًا أو طعامًا فذلك سلفٌ مضمونٌ لا عارية.
هذه ترد نقل المازري في السلم الأول: صحة فرض العين بشرط عدم استهلاكها، إلا أن يريد: ما قاله اللخمي لجواز عارية العين على بقاء عينها لصيرفي ليظهرها؛ لأن يقصد بالشراء أو من قل ماله ليظن ملاؤه.
قلت: هذا إن كان يتعامل بالنقد، وأما إلى أجل فغرور لا تجوز الإعانة عليه.
اللخمي: ولو قال: أتجر بها على أن الربح لك ولا خسارة عليك كانت كذلك وصدق فيما يشبه من الخسارة، وقاله ابن القاسم وأشهب وضمنه سحنون الخسارة.
ولما أجمع جل العلماء على انحصار حل وطء المرأة في نكاحها أو ملكها لزم حرمة عارية الأمة للوطء، وإلا لما كان لها جماع الثابت ثابتًا.
اللخمي: شرط عارية خدمة الإماء كونه لمن لا يخشى متعته بهن فتجوز للنساء ولغير بالغٍ ولذي محرمٍ منهن، فذو المحرم الجائز له ملكهن جائزٌ له استخدامهن، ومن لم يجز له ملكهن لم يكن له استخدامهن تلك المدة، وتكون خدمة ذلك العبد والأمة في تلك المدة لهما دون من وهبت له.
стр. 3222
وقال مالك فيمن عجل عتق عبده على أن يخدمه شهرًا: أن الخدمة ساقطة؛ لأنها بقية رق بخلاف أن يجعل عليه دراهم.
قلت: وفي استئجار الأمة للرضاع إيراد منافاته لهذا ويأتي فيه جوابه.
وتجوز هبة خدمتها لأجنبي منها مأمون له أهل وإلا لم تجز، فإن نزل ذلك بيعت له تلك الخدمة من امرأة أو مأمون إلا أن يكون قصد المعير نفس المعار له فترد الأمة له وتبطل العارية.
[باب في صيغة العارية]
الصيغة: ابن شاس: ما دل على معناها.
قلت: بحسب اللفظ والقرينة فيها.
قلت لابن القاسم: من استعار دابةً ليركبها حيث شاء ويحمل عليها ما شاء وهو بالفسطاط أيركبها إلى الشام، قال: إن كان وجه عاريته إلى الموضع الذي ركب إليه وإلا ضمنها، كمن قال: أسرج لي دابتك لأركبها في حاجة، فيقول اركبها حيث أحببت، فهذا يعلم الناس أنه لم يسرجها إليه إلى الشام.
قلت: أتحفظه عن مالك؟
قال: هو رأي اللخمي عن أشهب إن قال: اركبها حيث شئت فركبها إلى الشام، فإن كانت من أسفاره فلا شيء عليه، وإن كانت أسفاره معروفة بالقرب فإنما أعاره عليها، فحمل ابن حارث قوليهما على الخلاف وسكت اللخمي.
الشيخ: سمع ابن القاسم من قال لرجل: أعني بغلامك أو ثورك في حرثي يومًا أو يومين وأعينك بغلامي أو ثوري يومًا أو يومين، لا بأس بذلك من الرفق.
وسمع أشهب: لا بأس أن يقول عامل الآخر أعني خمسة أيام وأعينك خمسة أيام.
стр. 3223
ابن رشد: إنما يجوز فيما قرب، وسمع أصبغ إجازته.
أشهب: يجوز في عملي خياطٍ ونجارٍ، وكذا قول المرأة لأخرى انسجي لي اليوم وأغزل لك غدًا إذا وصفت الغزل، ولا خير في قوله احرث لي في المصيف وأحرث لك في الشتاء.
ابن حارث: اختلف فيمن استعار دواب رجلٍ لحرث على أن يعيره هو دوابه لمثل ذلك، فسمع ابن القاسم خفته؛ لأنه رفق، وقال أصبغ: لا يجوز ذلك وهي إجارة مجهولة.
قلت: ويأتي ذكره في الإجارة.
وضمان ما لا يغاب عليه من ربه ما لم يظهر كذب مستعيره، وتقدم في المبيع على خيار.
اللخمي: مشهور قول مالك وأصحابه لا ضمان على مستعير الحيوان، وروى ابن شعبان لا يصدق في ذهابه حتى يعلم ذهابه بنفسه، وقاله ابن القاسم في كتاب الشركة، ولا حاجة لتأويله بعضهم إذا كان أحد قولي مالك، وقيل: لا يصدق فيهما فيما صغر فقط.
الصقلي عن أشهب: يضمن الحيوان ولو قامت بينة بهلاكه بغير شببه.
قلت: ففي ضمانه مطلقًا، ثالثها: إن لم تقم بينة بهلاكه، ورابعها: إن صغر للصقلي عن أشهب والمعروف ورواية ابن شعبان ونقل اللخمي، قال: فعلى الأول لا يضمن الدابة ويضمن سرجها ولجامها ولا العبد ولا كسوته؛ لأن العبد حائز ما عليه.
قلت: قوله في الدابة هو نقل الشيخ عن محمد.
اللخمي: ويصدق في موت العبد، وفي كنفه فيما عليه لا في زيادة عليه إن ادعاها. وشرط ضمانه في رهونها ساقط.
أشهب: تنقلب إجازة فيغرم أجر مثلها، فعليه يفسخ قبل استعمالها، وثالثها: يتخرج تخيير المعير إن أسقطه وإلا ردت، فإن فاتت لم يغرم شيئًا؛ لأنه دخل على عدمه، كقوله في فوت حبس دار على ربها المحبس عليه، ورابعها: لزوم الشرط للقول
стр. 3224
بوجوبه، وعلى لغوه لو كان لخوفٍ نزل به ففي لزومه إن هلكت بما خيف قولا مطرف وأصبغ، والأول أصوب.
قلت: قال الشيخ: وبه أخذ ابن حبيب، وعزا ابن رشد الثاني لمالك وجميع أصحابه إلا مطرفا.
اللخمي عن ابن حبيب: من زعم في بازٍ استعاره للصيد أنه مات أو سرق أو طار فلم يرجع صدق مع يمينه.
وما يغاب عليه من مستعيره، ولو قامت بينة بتلفه ففي كونه من ربه أو كذلك، نقلا الصقلي قولي ابن القاسم وأشهب وحكاهما الجلاب روايتين، ولو شرط نفي ضمانه ففي لغوه وإعماله نقلا الجلاب عن المذهب مع سماعه أصبغ من ابن القاسم وأشهب، وتخريج ابن رشد من نقل الشيخ عن أشهب إعماله في شرط الصانع نفيه قائلًا هو في الصانع أحرى، وأخذه أيضًا من دليل تعليل مالك في سماع القرينين لغوه في الصناع بأنه لو أعمل لما عمل عامل إلا بشرطه، فيدخل على الناس الضرر.
قلت: وفي غير نسخة من اللخمي قال ابن القاسم وأشهب: إن شرط أنه مصدق في تلف الثياب وشبهها له شرطه ولا شيء عليه.
وقال سحنون: من أعطى رجلًا مالًا ليكون له ربحه ولا ضمان عليه أنه ضامن، فعليه يسقط شرطه في الثياب والأول أحسن.
قلت: ما نقله عن ابن القاسم وأشهب خلاف نقل غير واحد عنهما، والعجب من ابن رشد وشارحي ابن الحاجب من عدم التنبيه عليه.
اللخمي: إن جاء بالثوب باليا بلباسه فلا شيء عليه إلا فيما لا يحدث في مدة عاريته فيغرم الزائد على نفك ضمان لباسه إلا أن يكون ذلك شأن لباس المستعير، ويضمن ما به من خرقٍ وحرقٍ إلا أن يثبت أنه من غيره، ويضمن السوس والفأر؛ لأنهما لا يحدثان إلا عن غفلة لباسه أو عمل طعامٍ فيه.
وفيها مع الموازية لمالك: ما ثبت في ثوبٍ بيد صانعٍ أنه قرض فأرٍ دون تضييعٍ فهو من ربه، وإن جهل تضييعه وأنكره، ففي ضمانه حتى يثبت عدم تضييعه قولان للصقلي
стр. 3225
عن ظاهرها، وقول ابن حبيبٍ فيه: مع لحس السوس مع التونسي والصقلي عن قولها: إن أفسد السوس الرهن حلف المرتهن ما ضيعت ولا أردت فسادًا قائلين: وكذا ينبغي في قرض الفأر.
التونسي: وقد يقال مثله في النار أو يقال النار هو قادر على عملنا فيجب ضمانه حتى يثبت أنها من غير سببه.
زاد ابن رشد: والأشبه أنهما سواء.
قلت: وتقدم هذا في الرهون ونحوه في تضمين الصانع ويجري كله في العارية المضمونة.
وما أتى به مستعيره من فأسٍ ونحوه مكسورًا في ضمانه إياه حتى يقيم بينةً أنه انكسر فيما استعاره له وتصديقه فيما يشبه ذلك قولا ابن القاسم مع ابن وهب وعيسى بن دينارٍ مع مطرف وأصبغ وابن حبيب قائلًا من محاسن الأخلاق إصلاحه.
ابن رشد: وثالثها قولها في السيف لا يصدق إلا ببينة، أنه كان معه في اللقاء رابعها: لسحنون لا يصدق إلا ببينة أنه ضرب به في اللقاء ضربًا يجوز له، هذا أبعدها وأصوبها قول عيسى مع يمينه.
اللخمي: وكذا الرمح أو القوس، وأما الرحى يستعيرها للطحن فيأتي بها وقد حفيت فلا شيء عليه اتفاقًا.
... ضمان ما يضمن منها يوم العارية أو يوم ضاعت قياسها:
اللخمي/ على الخلاف في الرهن، فإن رأت البينة العارية عنده بالأمس كانت قيمتها يومئذٍ قلت أو كثرت، فإ، لم تر من يوم أعيرت وقيمتها يوم العارية عشرةٌ ويوم ضاعت ثمانيةٌ غرم عشرةً؛ لأن المعير يكذبه في بقائها اليوم ضياعها وإن كانت في يومين على العكس أخذه بعشرة؛ لأنه يصدقه في دعوى بقائها.
والقدر المضمون منهما جميعًا إن كان لا ينقصها استعمالها بحسب ذاتها أو قصر مدتها وما نقصها استعمالها يضمن باقيها بعد نقصها ذلك، ولو ثبت استهلاكه إياها قبل استعمالها؛ لأنه صار فيها به كشريك.
стр. 3226
قلت: الأظهر أنه يغرم قيمتها كاملة إن كانت لا ينقصها الاستعمال على مذهب ابن القاسم في استهلاكها أجنبي حسبما يذكر بعد هذا.
قال: وإن أهلكها المعير بعد قبضها المستعير ففي غرمه قيمتها يستأجر بها للمستعير مثل الأولى، أو يشتري له منها مثلها، ثالثها: يغرم قيمة المنفعة قياسًا على هذه الأقوال فيمن أولد أمةً بعد أن أخدمها رجلًا.
ولو أهلكها قبل قبضها مستعيرها، ففي كونه لو قبضها أو لا يغرم له شيئًا قولان على قولي ابن القاسم وأشهب فيمن باع ما وهبه قبل قبضه الموهوب له.
وإن أهلك الثوب أجنبي كانا شريكين في القيمة؛ لأنه مما ينقصه الاستعمال، ويختلف إن كان مما لا ينقصه الاستعمال كعبد يقتل، فقال ابن القاسم: لا شيء للمخدم وجميع القيمة لسيده.
وقال أشهب: من أوصى بخدمة عبده لرجلٍ وبرقبته لآخر إن قتل جعلت قيمته في مثله فيخدم بقية خدمة الأول، ثم يعود للآخر؛ يريد: إن كانت لا ينقصها الاستعمال كعبد يقتل فقال ابن القاسم: لا شيء للمخدم، وجميع القيمة لسيد الخدمة لأجل فيخدم بقيته، وإن كانت حياة المخدم خدمة العبد الثاني حتى يموت المخدم، وإن كانت حياة العبد خدم الأخر قدر حياة العبد الأول، فقد يكون الأول شيخًا والثاني شابًا.
ولمحمد: من أوصى له بغلة دار أو سكناها فيهدمها رجلٌ بعد موت الموصي، فعلى الهادم ما بين قيمتها قائمة ومهدومة تبنى بها تلك الدار، وإن أتى من بنائها مثل الأول أو أقل يكون ذلك للموصي له بحاله.
ابن رشد: إن وجب ضمان العارية، فإنما يضمن قيمة الرقبة يوم انقضاء أجل العارية على ما ينقصها الاستعمال المأذون فيه بعد يمينه، لقد ضاعت ضياعًا لا يقدر على ردها لتهمته على أخذها بغير رضى ربها.
ويتقيد الانتفاع بالعارية بما خصه به معيرها لفظًا أو عرفًا، والأخف من المأذون فيه مثله.
فيها: من استعار دابةً ليحمل عليها بزًا فحمل عليها حجارةً فكلما حمل ما هو أضر
стр. 3227
مما استعار له فعطبت به فهو ضامنٌ؛ وإن كان مثله في الضرر لم يضمن كحمله عدسًا مكان حنطةٍ أو كتانًا أو قطنًا مكان بز.
وفي سماع سحنون قال: وروى علي بن زياد: من استعار دابةً إلى بلدٍ فركبها إلى غيره فعطبت، فغن كان ما ركبها إليه مثل الأول في السهولة لم يضمنها.
ابن رشد: هذا يدل على أنه غير متعدٍ بذلك، وأن له أن يفعله ولابن القاسم في المبسوطة أنه ضامنٌ بركوبها لغير ما استعارها إليه، وهو الآتي على قولها في الرواحل من أكرى دابةً لبلدٍ ليس له أن يركبها إلى غيره، وله في آخر رسم سماع ابن القاسم من الجعل والإجارة: اختلف فيمن استعار دابةً لموضعٍ فركبها إلى مثله في الحزونة والسهولة والبعد فهلكت فروى علي لا ضمان عليه، وقاله عيسى بن دينارٍ في المبسوطة، وقال ابن القاسم فيها: أنها ضامنٌ.
وظاهر لفظ المدونة: إذا حمل ما هو أضر أنه يضمنها مطلقًا، وهو ظاهر كلام عبد الحق: إذا أعاره ليحمل عليها شيئًا فحمل ما هو أضر واختار ربها تضمينه الكراء، فإن كان كراء مثل ما إذن له فيه عشرة وكراء مثل ما حمل عليها خمسة عشر غرم خمسة.
قلت: فظاهر قوله فاختار أنه مخير في تضمينه قيمتها سواء كان هو أضر مما تعطب في مثله أم لا.
وقال الصقلي: إن كانت مما تعطب في مثله فعطبت، خير رب الدابة في تضمينه قيمتها يوم تعديه ولا شيء له غير ذلك وفي أخذ كراء فضل الضرر، ثم ذكر في تقدير فضل الضرر ما تقدم لعبد الحق قال: وإن كان ما حمل عليها لا تعطب في مثله فليس له إلا كراء الزيادة.
قلت: ظاهر كلام عبد الحق وغير واحد من الشيوخ خلافه وأنه ضامنٌ وإن كان ما حمل عليها لا تعطب في مثله.
وفي النكث أيضًا في كتاب الرواحل: إن جاوز المكتري المسافة بقليل أو كثير ضمن بخلاف زيادة على الحمل فإنه يفرق فيها بين كون الزيادة مما تعطب في مثلها أو لا؛ لأن منابه التعدي في المسافة ممتاز من المأذون فيه، والزيادة في الحمل غير ممتازة.
стр. 3228
قلت: وما به التعدي في العارية ممتاز عن المأذون فيه ضرورة أنه خلافه.
ولابن رشد في مقدماته: إن استعملها في غير ما أذن له فيه فنقصها استعماله أكثر من الاستعمال المأذون فيه ضمن نقصها الزائد على نقص المأذون فيه، فإن أنهكها ذلك دون أن أعطبها ضمن قيمتها يوم انقضاء أجل العارية على ما ينقصها الاستعمال المأذون فيه، فإن أراد ربها أخذ قيمة ما استعملها فيه بعد طرح قيمة المأذون فيه لم يكن ذلك له في قول إن كانت أكثر من قيمتها وله ذلك في قول، وإن كانت أقل من قيمتها لم يمنع من ذلك.
قلت: يحتمل أن يريد بقوله: وفي قول يكون له ذلك أنه على القول بتضمين الغاصب أعلى القيمة، ولم يفرق في هلاكها في غير المأذون فيه بين كونه مما تعطب في مثله أم لا.
وللشيخ في كتاب ابن سحنون عن ابن القاسم وأشهب: من استعار دابة إلى موضع فتعداه بميل ونحوه، ثم ردها إلى الموضع الذي استعارها إليه، ثم رجع يريد: ردها لربها فعطبت ضمنها بتعديه.
قلت: ظاهره ولو كان الزائد مما لا تعطب بمثله ونحوه.
قولها: من استعار دابة إلى مسافة فجاوزها بميل ونحوه، ثم رجع إلى ما استعارها إليه، ثم رجع ليردها إلى ربها فعطبت بالطريق الذي أذن له فيه، هل يضمن؟
قال: قال مالك: من تكارى دابة لذي الحليفة فجاوزها ثم ردها فعطبت بعد أن رجع إلى ذي الحليفة، فإن كان تعدى لمثل منازل الناس فلا شيء عليه، وإن جاوز ذلك بمثل الميل ضمن.
الصقلي: وقال ابن الماجشون: لا يضمن في هذا.
قال ابن حبيب: كقول مالك: فيمن تسلف من وديعة ثم رد فيها ما تسلف، ثم سرقت لا ضمان عليه.
قلت: فلم يقيد الزيادة بكونها مما تعطب في مثلها، وفي آخر رهونها: من ارتهن عبدًا فأعاره لرجل بغير أمر الراهن فهلك عند المعار بأمر من الله لم يضمن هو ولا
стр. 3229
المستعير، وكذا إن استودعه رجلًا إلا أن يستعمله المودع أو المستعير عملًا أو يبعثه مبعثًا يعطب في مثله فيضمن.
وفيها قبل هذه: من أعرته سلعةً ليرهنها في دراهم مسماةٍ فرهنها في طعامٍ فقد خالف وأراه ضامنًا.
قلت: وهذا لا أثر له في العطف، ولعياض في كتاب الجعل وافجارة ما حاصله: ما هلك في استعماله فيما لم يأذن فيه ربه بغير سبب العمل الذي لا يعطب في مثله كالحراسة ونفش الصوف في ضمانه مستعمله قولا سحنون في بعض رواياتها، وابن القاسم بناء على أنه بالعداء كغاصب، واعتبار غالب السلامة، وما هلك بسبب العمل الذي يتوقع فيه الهلاك نادرًا في ضمانه بتأويل بعضهم عن ابن القاسم وظاهر قوله مع مالك وهو الصحيح، وفيما يتوقع فيه الهلاك غالبًا وهلك بسببه الضمان اتفاقًا، وما هلك فيه بغير سببه كالأول فيه قولا سحنون وابن القاسم.
وفي كون استعمال الإعانة فيما فيه الإجارة واستعمال الإجارة سواء في تقييد الضمان بأنه يعطب في مثله، والفرق في الاستعمال فيما فيه الإجارة ولو كان لا يعطب في مثله وتقييده في الإجارة فيما يعطب في مثله تأويلا التونسي مع غيره وغيرهم، وتقدم القول فيها: إن وقعت مطلقة في فصل الصيغة.
وزاد اللخمي: من استعار دابة ليركبها حيث شاء، فإن كان شأن الناس التصرف بذلك البلد راكبًا حملت عاريته على التصرف بها فيه حتى يقول أسافر بها وإن لم يكن ذلك شأنهم حمل على الخروج بها، ولا يبعد إلا أن يكون ذلك شأن المستعير.
قلت: انظر إن كانت عادة المعير بخلاف عادة المستعير، والأظهر اعتبار عادة المعير، والوفاء بها لازم؛ لأنه معروف.
وفيها: من ألزم نفسه معروفًا لزمه، ويدخلها الشاذ في عدم لزوم الهبة بالقول.
اللخمي: إن أجلت العارية بزمن أو انقضاء عمل لزمت إليه، وإن لم تؤجل كقوله أعيرك هذه الأرض أو الدابة أو الدار أو هذا العبد أو الثوب، ففي صحة ردها ولو بقرب قبضها ولزوم قدر ما تعار له، ثالثها: إن أعاره ليبني ويسكن فالثاني وإلا فالأول
стр. 3230
لابن القاسم فيها مع أشهب وغيرهما وابن القاسم في الدمياطية.
ابن القصار: إن أعاره ليبني أو ليغرس لزمه بالقول مدة انتفاع مثل ما استعار له، ولم يبين حكم من لم يذكر بناء ولا غرسا، وأرى أنه إن بنى أو غرس بعلمه ولم ينكر عليه، أن يكون له مدة يرى أنه يترك لمثلها وإن لم يعلم ودل دليل لما فعله كمن أعار أرضًا بين ديار فبنى بها دارًا لزمه، ولو كانت بين حوانيت فبناها حوانيت لم يلزمه، وكذا أرض بين بساتين غرسها لصحة الانتفاع بالبيع فيها قاعة بين الحوانيت ومزرعة بين البساتين، ومحمل عاريتها للزرع مدة واحدة.
ولابن حبيب عن الأخوين وروايتهما: من أعار جاره جداره لحمل خشبةٍ فليس له نزعها ولو طال واحتاج بجداره، ولو مات أو باع إلا أن يهدم الجدار فتسقط عاريته إن أعاره.
وفي العتبية: له أن يزيله إن احتاج إلى حائطه، وقال محمد بن عبد الحكم: له الرجوع في حائطه ويرمي بها.
وسمع ابن القاسم في الأقضية: ليس لمن أذن في غرز خشبة في حائطها نزعها إلا لحاجة في هدمه أو الانتفاع به.
ابن رشد: مثله سمع أشهب في العارية.
قلت: زاد فيها: فإن أراد البيع فطلب نزع الخشبة ليزيده المشتري في الثمن.
قال: يبيعها على حالها وفيها الخشبة، أرأيت إن كان المشتري عدوًا له فأراد ضرره ما أرى ذلك له.
قال ابن رشد: وفي المدونة: لمن أذن لغيره أن يبني في أرضه أو يغرس فبنى وغرس إخراجه بإعطائه قيمة ما أنفق، فقال ابن لبابة وابن أيمن وغيره من الشيوخ: هذا خلاف قول، وللعتبي عن سحنون فرقٌ بينهما لقوله ﷺ : "لا يمنعن أحدكم جاره خشبة يغرزها في جداره"؛ يريد: لقول ابن كنانة وغيره من أصحاب مالك محمل
стр. 3231
الحديث على ظاهره من وجوب ذلك وإن لم يأذن فكيف إذا أذن.
ولابن حبيب عن رواية الأخوين: من أرفق جاره بوضع خشبة لزمه ذلك ولو طال واحتاج أو مات أو باع إلى أن ينهدم، وكذا كل ما أذن فيه مما فيه العمل والإنفاق من البناء والإرفاق بالماء من العيون والآبار لمن ينشئ عليه غرسًا أو يبتدئ عليه عملًا وهو كالعطية.
ولو شرط رجوعه متى شاء بطل الإذن وعلى هذا الشرط قبل العمل، وبطل الشرط بعده لما فيه من الضرر بالعامل، وما لا كلفة عملٍ فيه كبير نفقةٍ كفتح بابٍ أو فتح طريقٍ إلى مختلف فيه فناء الآذن، أو أرضه، أو إرفاق ماءٍ لشفة أو سقي شجر قد غرست قبل ذلك نضب ماؤها، أو غارت آبارها للآذن فيه الرجوع، إلا أن يكون وقت ذلك وقتًا قيلزمه إليه أو يبيع المأذون إليه، وشرطه لمشتريه ما أذن له فيه بعلم الآذن فيلزمه ذلك، إلا أنهم قالوا: من أذن لمن يسوق على أرضه ماءه، أو ماء من النهر، أو من ماء الآذن إلى أرض المأذون له فلا رجوع له، وإن لم يتكلف المأذون له في كبير نفقة رعيا لإلزام عمر بن الخطاب محمد بن مسلمة لعبد الرحمن بن عوف بغير إذنه وطوعه، وإن كان العمل ليس عليه، واختاره ابن حبيب، وله عن أصبغ ما فيه كلفة عمل وإنفاق غير سواء للآذن الرجوع فيه إذا أتى عليه من الزمان ما يكون إلى مثله عارية في مثل هذا إلا فيمن أذن لرجل أن يغرس غرسًا على مائه، فلما غرسه أراد قطع مائه عنه فليس له ذلك.
قال: وهو على مذهب ابن القاسم.
قلت: ما عزاه لأصبغ عزاه الشيخ للدمياطي عن ابن القاسم.
قال ابن رشد: فيتحصل فيها ستة أقوال: منع الرجوع في كل ذلك إلا أن يحتاج للآتي على تأويل ابن لبابة وابن أيمن، ومنع رجوعه ولو احتاج، ورجوعه ولو لم يحتج ويغرم للمأذون له فيما كان له فيه عمل قيمة نفقته، ورابعها: له الرجوع بعد مضي ما يعار لمثله، وخامسها: الفرق بين الإذن في وضع الخشب على الجدار وبين سائر ذلك للحديث بالنهي عن المنع من ذلك، وسادسها: الفرق بين ما تكلف المأذون له فيه نفقة
стр. 3232
وما لم يتكلفها فيه، وهذا الخلاف إنما هو فيما لم يصرح فيه بلفظ هبة ولا عارية، فمن حمله على الهبة لم ير فيه رجوعًا، ومن حمله على العارية رأى فيه الرجوع بمضي أمد ما تعار إليه، ومنهم من جعله من ناحية العدة التي لا تلزم فيجعل له الرجوع متى شاء، ومنهم من حمل ما فيه النفقة على الهبة، وما لا نفقة فيه على العارية على اختلافهم في العارية إذا لم يسم لها أجلًا هل تلزم أم لا، ويختلف إذا غرس على مائه وهو ساكتٌ، ثم أراد قطعه عنه، فقيل: له ذلك بعد أن يحلف أن سكوته لم يكن رضا، وقيل سكوته كالإذن فيجري الأمر فيه على الاختلاف الذي ذكرنا في الإذن.
قلت: ثاني الأقوال الستة لم يعزه ولا يصح عزوه للأخوين وروايتهما بل قولهما وروايتهما هو السادس، وذكره الصقلي غير معزو، والثالث: قولها، ورابعها: لأصبغ وخامسها: لسحنون، وأما السادس: فهو قول الأخوين
وقال ابن عبد السلام: حصل بعض شيوخنا في هذه المسألة مع مسألة عارية الجدار لغرز الخشبة ستة أقوال.
قول مالك وابن القاسم: ليس للآذن رجوع إلا أن يحتاج.
الثاني: قول الأخوين: ليس له ذلك وإن احتاج.
الثالث: قولها: له الرجوع وإن لم يحتج.
الرابع: قول أصبغ: له الرجوع لمن مضى ما يعار له.
الخامس: قول أشهب وابن نافع: الفرق بين ما تكلف فيه نفقة وما لم يتكلف فيه.
السادس: قول سحنون: الفرق بين مسألة غرز الخشب في الدار وبين الإذن في بناء العرصة.
قال: وينبغي أن تتأمل هذه الأقوال بعضها لا يشك في مناقضته للأول، وبعضها يغلب على الظن أن يكون قيدًا في الأول فلا يكون مخالفًا له.
قلت: ما عزاه من التحصيل هو تحصيل ابن زرقون، وما عزاه للأخوين وهمٌ، إنما قولهما هو ما عزاه لأشهب حسبما تقدم من لفظ ابن رشد في غير نسخة من البيان، وما عزاه لأشهب وابن نافع لا أعرفه لغير الباجي.
стр. 3233
وفي النوادر: ذكر أشهب في كتابه أن المستعير إذا فرغ من بنائه وغرسه فلرب الأرض إخراجه فيما قرب أو بعد؛ لأنه أعاره لغير أجل وهو فرط إذ لم يضرب أجلًا، وللدمياطي عنه له إخراجه متى شاء إن كان لحاجته إلى عرصته أو إلى بيعها تقدم لهما شرط أم لا، وإن كان لا لحاجة بل لشيء بينهما فليس له ذلك، وقال في كتابه: من قال: أعرتك دابتي إلى موضع كذا أو كذا يومًا أو حياتك فلا رجوع له إلا إلى الأجل، وإن لم يزد على أن قال: أعرتك فله الرجوع متى شاء.
قلت: وهذا كله يرد ما عزاه لأشهب.
وكل بانٍ أو غارسٍ في غير ملكه عمدًا بغير إذن رب الأرض، ولا شبهة ملك، ولا معار إلى أجل أخرج لتمام أجله، فلرب الأرض أمره بإخراجه من أرضه، أو أخذه مجانًا إنلم يكن له ثمن بعد قلعه، فإن كان له ثمن فلربها أخذه بقيمته، في المدونة مع غيرها منقوضًا مقلوعًا.
الصقلي عن محمد: بعد طرح أجر القلع، وعزاه ابن رشد في غصب المقدمات إلى ابن شعبان، وقال: هذا إن كان الباني ممن لا يتولى ذلك بنفسه ولا عبيده، وإنما يستأجر عليه، وقيل: لا يحط من ذلك أجر القلع على مذهب ابن القاسم في المدونة، وإليه ذهب ابن دحونٍ واعتل بأن الغاصب لو هدمه لم يكن للمغصوب منه أخذه بالقيمة بعد الهدم.
قلت: فأحرى أن يكون كذلك في غير الغاصب، وتمام هذا في الغصب والاستحقاق.
عياض: حكى ابن حبيب عن شيوخه أن قيمة ذلك كله قائمًا على كل حال.
ابن رشد: قال في سماع يحيى من الاستحقاق لابن حبيب من رواية الأخويين: من بنى أو غرس بأرض قوم بإذنهم أو بعملهم ولم يمنعوه فله قيمة ذلك قائمًا.
قال: وكذا من تكارى أرضًا أو منحها لأجل أو لغير أجل أو بنى بأرض له فيها شرك فعلم شريكه.
قال الأخوان: ما اختلف فيه قول مالك ولا أحد من أصحابه، وبه القضاء
стр. 3234
بالمدينة، وقاله ابن كنانة وابن نافع وابن مسعود وشريح، وروى ابن وهب فيه حديثا.
وفيها: من أذنت له أن يبني في أرضك أو يغرس فلما فعل أردت إخراجه بقرب إذنك مما لا يشبه أن تعيره إلى مثله، فليس لك إخراجه إلا أن تعطيه ما أنفق، وقال في بابٍ بعد هذا قيمة ما أنفق وإلا تركته إلى مثل ما يرى الناس أنك أعرته إلى مثله من الأمد.
عياض: قوله: قيمة ما أنفق كذا في كتب شيوخنا، وهي رواية أصبغ وسقط لفظ قيمته في رواية، وزاد في بعض النسخ: حيًا قائمًا، وكذا في كتاب ابن المرابط، وفي موضع آخر من الكتاب: يعطيه ما أنفق وهي رواية الدمياطي، وتكلم الناس في اختلاف اللفظين واتفاقهما بما لا يحتاج إلى تكريره.
وفي مختصر حمديس: إن أعطاه ما أنفق يعطيه أجر مثله في كفايته ليس على قيامه؛ لأن رب الأرض قد يجد ما أنفق ويعجز عن القيام، ولولا ذلك لم يشأ من عجز عن القيام أن يعير أرضه، فإذا استوى البناء والغرس أخرجه، وقال: هذه نفقتك وسلم ذلك.
ولابن رشد في آخر سماع أشهب من الاستحقاق فيما يجب به الرجوع فيما عمره وبناه تفصيل، واختلاف إن كان ذلك بحدثانه قبل بنائه ففيه قولان:
قوله: في هذه الرواية له النفقة، والثاني: له قيمة النفقة، والقولان في المدونة على اختلاف في الرواية، وقيل: ليس ذلك باختلاف فله النفقة إن كان لم يغبن فيها وقيمتها إن كان غبن، فيرجع إلى أن له الأقل من النفقة أو قيمتها، وإن كان ذلك بعد أن طال الأمر وبلي البناء، فليس فيه إلا قيمة البناء قائمًا على حالته من البلا اتفاقًا.
ومعرفة ذلك أن يقول كم قيمة الدار اليوم على ما هي عليه من هذا البناء القديم وكم كانت تكون قيمتها اليوم لو كان هذا البناء الذي فيها جديدًا فينقص ما بين القيمتين من النفقة التي أنفق، أو من ثمنها على الاختلاف المذكور فيما بقي كان هو الواجب به الرجوع.
قلت: وتمامه في الاستحقاق.
стр. 3235
عبد الحق: قوله يعطيه ما أنفق، وفي باب آخر قيمة ما أنفق يحتمل ثلاثة أوجه: القيمة فيما أخرج من عنده من آجر وجيارٍ ونحوه، وما أنفق إذا أخرج ثمنًا اشترى به هذه الأشياء.
الثاني: القيمة فيما طال أمده؛ لأنه تغير بانتفاعه، وما أنفق فيما قرب جدًا فلا يكون اختلاف قول.
الثالث: أن ما أنفق يعطيه فيه عدد الدنانير التي أنفق إن كان لم يغبن أو غبن يسيرًا وقيمة ما أنفق يعطي القيمة بالعدل لا يحسب ما يتغابن الناس بمثله، وعلى هذا يكون اختلاف قول، وكل هذه الوجوه تأول فيها الصقلي هذا التأويل.
والأول محتملان، وأما الآخر فخطأ؛ لأنه إنما يعطيه قيمة ما أنفق يوم البناء، ولا يراعى تغير أو لم يتغير، ولو عكس هذا كان أولى؛ لأن ما تقادم وتغير القيمة فيه يوم البناء متعذرة لتغيره، ولا يتحقق كيف حاله يوم البناء، فيجب أن يعطيه ما أنفق نقدًا، وما كان بالقرب لم يتغير فالقيمة فيه متحصلة، فإذا أعطيها لم يظلم؛ لأنها متوسطة بين ما غبن أو غبن كيف، وهو إذا طال الأمد ينقص فيه فهو يخرجه ويعطيه قيمته مقلوعًا.
وفيها: من ركب دابة رجل إلى بلد وادعى أنه أعاره إياها، وقال ربها بل أكريتها مني، قبل قول ربها إلا أن يكون مثله لا يكري الدواب لشرفه وقدره.
وفي الجعل والإجارة منها: إن ادعى رب المتاع أن الصنع عمله له باطلًا، وقال الصانع: بل بأجر كذا، صدق الصانع فيما يشبه من الأجر، وإلا رد لأجر مثله.
قال غيره: يحلف ويأخذ الأقل مما ادعى أو من أجر مثله.
عبد الحق: على قول ابن القاسم إن ادعى الصانع ما يشبه فلا يمين على رب المتاع، وإن ادعى ما لا يشبه حلف رب المتاع ليسقط ما ادعى الصانع من التسمية على أجر المثل وعلى قول غيره، ويأخذ الأقل مما ادعى رب المتاع إن فضلت التسمية على أجر المثل لم ليسقط الفضل، وإن ادعى الصانع مثل أجر المثل فأقل فلا حلف على رب المتاع إنما يحلف الصانع وحده.
وفي أكرية الدور منها: ومن أسكنته دارك ثم سألته الكراء، فادعى أنك أسكنته
стр. 3236
بغير كراء، فالقول قولك فيما يشبه من الكراء مع يمينك.
قال غيره: على الساكن الأقل من دعواك وكراء المثل بعد أيمانكما، وتناقض ما في العارية لعدم تقييد هذه بقولها في العارية إلا أن يكون رب الدابة ممن لا يكري الدواب لشرفه.
ويجاب باقتضاء العرف أن كراء الدواب نقص في بعض الناء، وكراء الرباع ليس نقصًا في أحد من الناس، وهذا في سكنى الرباع استغلالًا، ولو أسكنه بيتًا في دار معه لكان ذلك كمسألة الدابة، وكذا الثياب والآنية.
الصقلي: قوله: بعد أيمانهما هو إن كان كراء المثل أقل من دعوى رب الدار، وإلا فلا معنى ليمين الساكن.
وقال بعض فقهاء القرويين: يلزم على قول ابن القاسم لو قال: بعتك هذه السلعة بعشرة، وقال: من هي بيده وهبتما لي وفاتت وقيمتها تسعة، أن يأخذ ربها عشرة بيمينه والآخر ما أقر بوضع يده عليها بشراء قط.
وفي الموازية: من قال: بعت منك هذه السلعة، وقال الآخر: وكلتني على ببيعها فبعتها، يحلفان وترجع السلعة، وفيه نظر؛ لأنهما مقران أن بيع الوكيل لا ينقض؛ لأن ربها يقول بعتها منه فبيعه لا ينقض، والوكيل يقول أمرتني ببيعها فلا ينقض، فإن فاتت لم يصدق أحدهما على صاحبه وغرم الوكيل قيمة السلعة ما لم تزد على الثمن الذي ادعاه ربها، فإن زاد فالزائد لربها إن رجع بالقرب، وإلا تصدق به على من هو الذي ادعاه ربها، فإن زاد فالزائد لربها إن رجع بالقرب، وإلا تصدق به على من هو له، وليس هذا الشرح من كتاب محمد وإنما نزلته على أصولهم، وأفادت المسألة أنه لم يجعل القول قول من قال: بعت منك، وكذا يجب إذا قال: أسكنتك بكذا، وقال الآخر: أسكنتني بغير شيء.
قلت: قوله وكذا يجب إن قال: أسكنتك أسكنتني بغير شيء كلام واضح لغوه لمن تأمله، وهذا؛ لأنه أراد بقوله هذا أنه لا يلزم الساكن شيء بحال فباطل لزومه لما ذكر في مسألة الوكيل؛ لأنه فيها قد غرم الوكيل القيمة في الفوت، وإن أراد أنه لا يلزمه العدد الذي ادعاه عليه مالك الدار فهو المنصوص، فقوله: وكذا يجب لغوه؛ لأنه
стр. 3237
تحصيل الحاصل.
وسمع ابن القاسم: من استعار دابة وقال أعرتنيها لبلد كذا وكذا، وقال ربها بل إلى بلد كذا وكذا فإن أشبه ما قال المستعير فعليه اليمين.
ابن القاسم: هذا إن ركب المستعير ورجع، وإن لم يركبها فالقول قول صاحب الدابة، وكذا ابن رشد: من أخدم رجلًا خادمًا أو أسكنه منزلًا.
ابن راشد: لا خلاف أن القول قول المعير إن اختلفا قبل الركوب أو بعد الوصول لما أقر به المعير.
اللخمي: إن اختلفا قبل الركوب فالقول قول المعير مع يمينه كان اختلافهما في ناحيتين أو في زيادة مسافة، ثم المستعير بالخيار في ركوبها إلى ما حلف عليه المعير أو يترك إلا أن يخشى منه التعدي بها حيث ادعى فلا تسلم له إلا بتوثق منه لئلا يتعدى، وإن اختلفا بعد الركوب ففيها مع سماع ابن القاسم: القول قول المستعير إن أشبه.
زاد ابن القاسم في العتبية: عطبت أو اعتلت.
اللخمي عن أشهب: يقبل قوله في نفي الضمان وقول المعير في الكراء، ويتخرج فيها قبول قوله فيهما من أحد القولين أن القول قول الآمر فيما اشترى المأمور خلافه أحرويًا؛ لأن المستعير يجر نفعًا لنفسه بخلاف الوكيل.
قلت: عزا هذا القول ابن رشد في السماع المذكور لابن القاسم في الدمياطية، ونصها: من استعار ثوبًا فحبسه شهرًا وجاء به، وقد تغير فقال ربه: إنما أعرتك اليوم واليومين، وقال المستعير: بل إلى أن أقدم من سفري إن كان ربه حاضرًا معه لا يسأله عنه، فالقول قول المستعير ويحلف، وأما السفر فهو متعدٍ إن حلف صاحب الثوب، والخلاف في المسألة إنما هو إن غاب المستعير عن المعير بالدابة أو الثوب ثم قدم بهما.
قلت: لا يخفى على منصف ضعف أخذ ابن رشد القول الذي خرجه اللخمي من مسألة الدمياطية، وهذا؛ لأنه لا خلاف أنه لا يكون القول قول المستعير إلا بقيد الشبه.
وقوله في مسألة الدمياطية: إنما قاله ابن القاسم؛ لأنه رأى أن دعواه السفر غير شبهة؛ ولذا فرق بين الحضر والسفر.
стр. 3238
الصقلي: مقتضى قول ابن القاسم أن القول قول المستعير في سقوط الضمان والكراء.
في مختصر الشيخ: قال لسحنون: القول قوله في رفع الضمان وفي الكراء قول رب الدابة.
ابن حارث: أنكر سحنون ضمان المستعير، وقال: القول قوله مع يمينه، قاله عنه يحيى بن عمر، ولهم فيها مناقضة وجواب ذكرناه في الأكرية بعد هذا.
الشيخ لأشهب في كتابه من بعث رسولًا إلى رجل يعيره دابةً إلى برقة، فقال الرسول للرجل يسلك فلان، فأعاره وركبها إلى برقة فعطبت، فقال المعير: إنما أعرته إلى فلسطين، وقال الرسول: إلى برقة فشهادته ساقطة؛ لأنها على فعل نفسه، ويحلف المستعير على دعواه ويسقط عنه الضمان، ويحلف المعير على دعواه، ويكون له ما بين كراء برقة إلى فلسطين.
وفيها: من بعث رسولًا إلى رجل يعيره دابةً إلى برقة، فقال الرسول للرجل: يسألك فلان أن تعيره دابتك إلى فلسطين، فأعاره فركبها المستعير إلى برقة ولا يدري فعطبت، فإن أقر الرسول بالكذب ضمن، وإن قال: بذلك أمرتني وأكذبه المستعير فلا يكون الرسول شاهدًا؛ لأنه خصم والمستعير ضامنٌ إلا أن يأتي ببينةٍ أنه ما أمره إلا إلى برقة.
فضل- في اختصار الواضحة-: قول ابن القاسم: يضمن المستعير؛ يريد: إذا حلف الرسول.
عياض: قوله والمستعير ضامن إلا أن يأتي ببينة على ما زعم ثبتت هذه الزيادة في كثير من روايات الأندلسيين والقرويين لا في رواية سليمان بن سالم، ولا يزيد بن أيوب وصحت في رواية يحيى بن عمر.
وقال ابن القاسم اللبيدي: سقطت في رواية جبلة، وأسقطها البراذعي وغيره وقال بعضهم: وأدخلها الشيخ وغيره من المختصرين، وقال أشهب: لا يضمن المستعير ويحلف ما أمره إلا إلى برقة.
стр. 3239
قال بعضهم: وكذا يجب على قول ابن القاسم كما في مسألة عبد الرحيم، وقال غيره: إنما ضمنه في هذه؛ لأنه لا يقطع بكذب المعير إذ لا حقيقة عنده مما قاله الرسول، وفي مسألة عبد الرحيم هو مكذب للمعير.
قلت: عزا الصقلي هذا الجواب لبعض أصحابنا عن بعض شيوخنا وقال: لو عكس كان أولى؛ لأن مسألة عبد الرحيم المعير فيها يحقق تكذيب المستعير، وفي هذه لا يحقق تكذيبه فهو أحرى أن يقبل قول المستعير ولا يضمنه بالشك، ألا ترى أنهم قالوا في المودع يدعي رد الوديعة أن القول قوله مع حلفه، وإن لم يتهم لدعوى رب الوديعة تكذيبه، ولو قال ضاعت صدق إن كان غير متهم بغير يمين؛ لأن ربه لا يدعي تكذيبه، فبان أن من ادعى تكذيبه أشد.
وأيضًا من أصلنا إذا استوت دعوى الخصمين فالقول قول من ادعى عليه الضمان، وهو المستعير، وفي هذه المسألة استوت من دعواهما؛ لأن كلا منهما لا يدعي تكذيب صاحبه.
اللخمي: وعلى الرسول اليمين لهما أن الباعث أمره إلى فلسطين، فإن نكل غرم قيمة الدابة لربها، فيرد ربها للراكب ما أخذ منه إذ لا يجتمع له أخذ القيمة والكراء، ولأن نكوله لرب الدابة نكول عن دعوى الآمر أنه لم يأمره إلا إلى برقة؛ لأن الراكب يقول للرسول لو اعترفت لي بالتعدي غرمت القيمة ولم يكن علي شيء، وإن صدق الرسول الآمر حلف لرب الدابة أنه لم يقل للرسول إلا إلى برقة، فإن نكل حلف رب الدابة أنه لم يقل له إلا إلى فلسطين وأغرمه قيمة الدابة ورد الكراء للراكب.
الصقلي عن ابن حبيب: من استعار دابة لحمل أو ركوب فردها مع عبده أو أجيره فعطبت أو ضلت لم يضمنها؛ لأن شأن الناس هذا، وإن لم يعلم ضياعها إلا بقول الرسول وهو مأمون أو غير مأمون ذلك سواء.
زاد في الواضحة: وكذا مبتاع الدابة على خيارٍ يبعث بها إلى بائعها.
الشيخ: لابن حبيب عن مطرف لا يقبل دعوى المستعير رد العارية التي يغاب عليها إلا ببينة ولو قبضها بغير بينة، وكذا ما لا يغاب عليه إن أخذه ببينة، وإن أخذه
стр. 3240
دونها صدق مع يمينه أدعى هو ردها أو رسوله، وقال أَصْبَغ إلا في دعوى ردها مع رسوله لا يصدق, ولو كان أخذها بغير بينة، وقول مطرف: أقول: اللخمي على قول عبد الملك في القانع: القول قوله في الرد إن كان أحذها بغير بينة بخلاف التلف يقبل قوله في العارية، وإن اختلاف في صفة العارية وقد تلفت قبل قول المستعير مع يمينه ما لم يأت بما لا يشبه.
ابن رُشْد: من حق المستعير أن يشهد على المعير في رد العارية، وإن كان دفعها له بغير إشهاد بخلاف الوديعة؛ لأن العارية تضمن والوديعة والعرية لا تضمن، وأجرة حمل العارية على مستعيرها لقوله ﷺ لصفوان في السلاح التي أعاره إياها أكفنا حملها واختلاف في أجرة ردها.
قبل: على المستعير وهو الأظهر، وقيل: على المعير.
[باب المخدم]
المخدم: ذو رق وهب ملك خدمته إياها لغيره، فيدخل المدبر والجزء من العبد
стр. 3241
لا المكاتب ولا أم الولد إذا لا خدمة لمالكهما فيهما، وهما أحد أنواع العارية إذا لم يخرج ربه عن ملك رقبته لعتقٍ أو ملكٍ في وصاياها الأولى نفقة الموصى بخدمته في الخدمة على المخدم.
أن العطار: يحتمل أن يكون بفتح الدال وكسرها، والذى تأولناه أنه بفتحها.
قال غيره: هذا خلاف قوله في الزكاة: أن زكاة الفطر عنه على سيده، وقال في باب بعده: ولا يؤديها الرجل إلا عن من يحكم عليه بنفقته من المسلمين خلاف المكاتب.
وسمع أَصْبَغ ابن القاسم: من أخدم عبده رجلاً سنةً، ثم هو للآخر بتلاً فمات العبد قبل السنة عن مال فهو لسيده؛ أَصْبَغ: لأنه مات قبل أن يجب للرجل، وفي سماعه يحيى خلافه، ففي بقاء ملك المخدم المبتل بعد الخدمة للمخدم أو غيره على ملك ربه أو ينتقل لمن بتت له قولان ورويا.
قُلتُ: وعليها لو أعمر ذو جنة ولده أو أجنبيا مدة، ثم هي له ملك بعد المدة، ثم مات المعير والمعمر قبل مضي المدة في كونها لورثة المعمر أو المعمر القولان والروايتان، وفي وصاياها الأول: ولد المخدمة والمخدم من أمته بمنزلته يخدم معه.
стр. 3242
[كتاب الغصب]
الغصب: أخذ مالٍ غيرٍ منفعةٍ ظاماً قهراً لا بخوف قتالٍ، فيخرج أخذه غيلةً، إذ لا قهر فيه؛ لأنه بموت مالكه حرابته.
стр. 3243
وقول ابن الحاجب مختصراً كلام ابن شاسٍ: أخذ المال عدواناً قهراً من غير حرابةٍ يبطل طرده بأخذ المنافع كذلك، كسكنى ربعٍ وحرثه وليس غصباً، بل تعدياً، وتعقب بتركيبه، وهو وقف معرفته على معرفة حقيقةٍ أخرى ليست أعم منه ولا أخص من أعمه.
وقول ابن عبد السلام: ذكر القيود في الرسم بحرف السلب لا يحصل بها تمييزً؛ بل توجب إجمالاً، فإنك لا تشاء أن تقول مثل ذلك في حدً أو رسمٍ إلاً قلته.
يرد بأن العدم الإضافي يفيد نفي ما كان محتمل الثبوت، إفادة ظاهرة، ولذا صح وروده في النعوت في كلام العرب والقرآن، كقوله تعالى ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، والخاصة في الماهيات الجعلية الاصطلاحية يصح كونها عدميةً؛ ولذا لم يتعقب الأشياخ حد القاضي القيا بقوله: حمل معلومٍ أو صفةٍ أو نفيهما باشتماله على قيدين عدميين، مع كثرة إيراد الأسئلة عليه.
ومعرفة حرمته في الدين ضروريةً؛ لأن حفظ المال أحد الكليات الخمس التي أجمعت المال عليها، ويؤدب فاعله؛ لأنه ظلمً.
ابن رُشْد واللخمي وابن شعبان وغيرهم: فيه حق الله تعالى الأدب والسجن بقدر اجتهاد الحاكم، فإن كان العاصب صغيراً لم يبلغ ففي سقوط أدبه لرفع الإثم عنه وثبوته كما يؤدب في المكتب قولان، والغصب بين الكافرين كالغصب بين المسلمين.
ابن شعبان: وكذا بين الزوجين وبين الوالد وولده، وفي اغتصاب الوالد من ولده خلافً، وبهذا أقول ومتعلق حق المعصوب منه بمال الصبي المميز في حمالتها، ويلزم الصبي ما كسره من متاعٍ أو أفسده أو اختلسه وما فعله من ذلك ضمنه.
وفيها: من أودعته حنطةً فخلطها صبي أجنبي بشعيرٍ للمودع ضمن الصبي ذلك في ماله، فإن لم يكن له مال ففي ذمته.
وفي دياتها: وإذا جنى الصبي أو المجنون عمداً أو خطأً بسيف أو غيره فهو كله خطأ تحمله العاقلة إن بلغ الثلث، وإن لم يبلغه ففي ماله يتبع به ديناً في عدمه.
стр. 3244
ابن رُشْد: إن كان الصغير لا يعقل ففي إهدار جنايته في الدم والمال كالعجماء أو كالمميز، ثالثها: إهدار ما أصاب من مالٍ واعتبار ما أصاب من الدم.
وتقدم حكم ما باعه أو ابتاعه، والخلاف في إغرامه ما صون به في البيوع والوديعه.
ابن الحاجب: وأما غير المميز قليل: المال في ماله، والدم على عاقلته، وقيل: المال هدر، وقيل: كلاهما، ابن عبد السلام: هذا حسن في الفقه، والروايات لا تساعده.
قُلتُ: قوله: (والروايات لا تساعده) يرد بنقل ابن رُشْد في ثاني مسألة من رسم العشور من سماع عيسى من الجنايات.
قال: لا خلاف أن الصبي الذي لا يعقل ابن سنة ونصف ونحوها أنه في جنايته في المال والدماء كالمجنون، وفيهما ثلاثة أقوال الذكورة، وعزا الثالث لهذه الرواية.
قال: والصبي المميز ضامن المال في ذمته، والدماء على حكم الخطأ، والكبير المولى عليه في جنايته كالمالك أمر نفسه، ومجرد حصول المغصوب في حوز الغاصب يوجب ضمانه بسماوي أو جناية غيره عليه.
فيها: ما مات من الحيوان، أو انهدم من ربع بيد غاصبه بقرب غصبه، أو بغير قربه بغير شبهة، ضمن قيمته يوم الغصب، ولو قتل الأمة المغصوبة أجنبي وقيمتها يومئذ أقل من قيمتها يوم الغصب غرم الغاصب تمام قيمتها.
ابن الحاجب: ويكون التفويت بالمباشرة أو بإثبات اليد العادية بالمباشرة؛ كالقتل، والأكل، والإحراق، وإثبات اليد العادية في المنقول بالنقل، وفي العقار بالاستيلاء وإن لم يسكن.
قُلتُ: قالوا ضمير (يكون) عائد على الضمان.
وقال ابن عبد السلام: قوله: وإثبات اليد العادية في المنقول بالنقل، هذا الوجه من وجهي إثبات اليد العادية سبب اتفاقاً، وهو نقل ما يمكن نقله كالحيوان والثياب ينقلها الغاصب فتهلك تحت يده بأمر من الله.
قال: وقوله: وفي العقار بالاستيلاء وإن لم يسكن، هذا مذهب مالكٍ والشافعي
стр. 3245
خلاف مذهب أبي حنيفة.
قُلتُ: فحاصل كلام ابن الحاجب وشارحة أن غير العقار لا يتقرر فيه الضمان بمجرد الاستيلاء، وليس المذهب كذلك؛ بل مجرد الاستيلاء وهو مجرد حقيقة الغصب توجب الضمان.
لو غصب أمة كائنة ببقعةٍ أو غيرها من الممتلكات فاستولى عليها بالتمكن من التصرف فيها دون ربها ضمنها، روايات المذهب واضحة بهذا لمن تأملها، من ذلك قول الباجي: روى ابن وَهْب في المجموعة: من غصب عبداً فمات من وقته بغير سببه ضمنه، وقال ابن القاسم فيمن غصب داراً فلم يسكنها حتي انهدمت ضمن قيمتها.
قُلتُ: كذا في النوادر قال: ومثله في الموازية.
قال ابن عبدوس: وقاله أشهب، وذلك كله في العروض وغيرها.
стр. 3246
[كتاب التعدي]
التعدي: قال المازري: هو غير الغصب أحسن ما ميز به عنه أن التعدي الانتفاع بملك الغير بغير حق دون قصد تملك الرقبة أو إتلافه أو بعضه دون قصد تملكه.
стр. 3247
قُلتُ: وحاصل مسائل التعدي الانتفاع بمال الغير دون حق فيه خطؤه كعمده، أو التصرف فيه بغير إذنه ولا إذن قاضي أو من يقوم مقامه لفقدهما، فيدخل تعدي المقارض وسائر الأجراء والأجانب.
ابن الحاجب: فإن غصب السكنى فانهدمت الدار لم يضمن إلا قيمة السكنى.
ابن عبد السلام: معناه: أنه غير غاصب للذات؛ لأنه لم يقصد ملك رقبتها فهو متعدٍ، وقد علم الفرق في المذهب بين المتعدي والغاصب وهو حسن لو طردوه، ولكنهم جعلوا المتعدي على الدابة في الكراء والعارية ضامناً للرقبة. فإن قلت: المتعدي على الدابة ناقل لها وفي الدار غير ناقل لها.
قُلتُ: أسقط أهل المذهب وصف النقل في المعصوب عن درجة الاعتبار في ضمان الغاصب، وكذا ينبغي في التعدي.
قُلتُ: ظاهر لفظ ابن الحاجب وشارحه أنه لا يضمن الدار ولا شيئاً منها، سكن جميعها أو بعضها، وهو خلاف نقل ابن شاس عن المذهب.
قال: لو غصب السكنى فقط فانهدمت الدار إلا موضع سكناه لم يضمن، ولو انهدم مسكنه لضمن قيمته، والتحقيق في ذلك إجراء المسألة على حكم هلاك المتعدي فيه مدة التعدي، بأمر سماوي، ولا سبب فيه للمتعدي، وتقدم تحصيله في العارية، فنقل ابن الحاجب بناءً على لغو ضمانه بذلك، ونقل ابن شاس بناءً على ضمانه بذلك فتأمله، وبهذا يتبين لك ضعف مناقضة ابن عبد السلام بين مسألة التعدي بالسكنى ومسألة التعدي بالركوب؛ لأن الهلاك في زمن التعدي بالركوب لا يعلم كونه بغير سبب المتعدي بحال، والهدم يعلم كونه لا بسببه، وقياسه في آخر كلامه التعدي على الغصب واضح رده بما فرق به أهل المذهب بين التعدي والغصب، من ذلك اعتبار لازمي ذاتيهما لازم ذات الغصب قصد تملك الرقبة، فلم يفتقر معه في الضمان إلي نقل، ولازم ذات التعدي البراءة من قصد تملك الذات، فناسب وقف ضمانها على التصرف فيها
стр. 3248
بالنقل.
ابن الحاجب: ويكفي الركوب في الدابة والجحد في الوديعة.
ابن عبد السلام: يعني يكفيان في ضمان الغاصب والمتعدي، ومسألة الركوب ظاهرة باعتبار الغصب؛ لأن وضع اليد وحده كاف.
قُلتُ: ما علل به ظهور مسألة الغصب موجب إشكالها في كلام ابن الحاجب؛ لأن ظاهر قوله: (يكفي الركوب في الضمان) يقتضي نفيه بنفيه، والعلة المذكورة تناقضه وهى الحق، وقول ابن عبد السلام بها يناقض ظاهر ما تقدم له في تفسير قول ابن الحاجب، وإثبات اليد العادية في المنقول بالنقل فتأمله منصفاً.
والسبب الموجب سبب غصب مثله.
في نوازل سَحنون: إن أكره عامل رجلاً على أن يخرج له متاع رجل من بيته فدفعه له، فللمغصوب منه طلب ماله ممن شاء منهما، فإن أخذه من المباشر فله الرجوع به على من أكرهه، وله طلبه بغرمه له قبل غرمه في غيبة ربه خوف طلبه به إذا قدم.
ابن رُشْد: وهذا؛ لأن الإكراه على الأفعال التي يتعلق بها حق لمخلوق كالقتل والغصب لا يصح بإجماع، وقوله: (يقضى له بغرمه له قبل غرمه به) فيه نظر، ومقتضى النظر عدم تمكينه منه، ووقفه لربه.
قُلتُ: الأظهر تمكينه منه؛ لأنه لو هلك في الوقت لضمنه؛ لأنه على حكم الغصب باقي، وذكر الشيخ مسألة نوازل سَحنون في كتاب الغصب، ولم يزد فيها شيئاً.
وقال في كتاب الإكراه: ولابن سَحنون عنه من أكره على رمي مال رجل في مهلكة ففعل ذلك بإذن ربه من غير إكراه فلا شيء عليه ولا على من أكرهه، وإن أكره ربه على الإذن فالفاعل ضامن، فإن كان عديما فالضمان على الذي أكرهه، ولا رجوع له على الفاعل إذا أيسر.
قُلتُ: مفهوم قوله: (إن كان عديماً) أنه لا غرم على الآمر المكره وهو خلاف قوله في نوازله: ويفرق بينهما أن المال الكره على أخذه قبضه الأمر المكره في مسألة نوازل، فناسب كونه أحد الغريمين على السوية، والمال المكره على أخذه في مسألة ابن سَحنون
стр. 3249
ليس ماله؛ لانتفاع الآمر به يناسب كونه مشروطاً بعسر الفاعل.
فإن قُلتُ: في ضمان الفاعل مع استناده لإذن المالك المكره على إذنه نظر؛ لأن كلا من فعل الفاعل وإذن المالك مسبب عن إكراه المالك لهما، فإن كان فعل المكره لغواً فلا ضمان على الفاعل، وإن كان معتبراً كان إذن المالك معتبراً، وكل ما كان معتبراً لم يكن الفاعل متعدياً فلا يكون ضامناً.
قُلتُ: يجاب بأن المكره عليه إن كان قولاً كان لغواً، وإن كان فعلاً كان معتبراً حسبما تقدم في طلاق المكره، ويأتي إن شاء الله في الزنى والمكره عليه في حق الفاعل فعل يوجب اعتباره، وفي حق المالك قول يوجب لغوه فكأنه لم يكن منه إذن.
قال الشيخ: وقال في باب آخر قولهم الكفر والقذف لم يبح له في الضرورة كما أبيحت له الميتة.
فيها: قال محمد: أفسدوا هذه العلة بإجماعهم هنا على من أكره بتهديد بقتلٍ أو قطع عضو أو ضرب يخاف منه تلفه على أخذ مال فلان يدفعه لمن أمره وأكرهه أنه في سعة من مال الرجل ودفعه إليه ويضمن الآمر ولا يضمن المأمور.
قال من خالفها: وإنما يسعه هذا ما دام حاضراً عند الآمر، ولو أرسله ليفعل ذلك فخاف إن ظفر به أن يفعل به ما هدده به فلا يسعه فعل ذلك إلا أن يكون معه رسول الآمر، يخاف أن يرده إليه إن لم يفعل فيكون كالحاضر.
محمد: رجا المكره الخلاص إن لم يفعل فلا يسعه الفعل كان معه رسول أم لا، وإن لم يأمن نزول العقل به ويسعه أن يفعل كان معه رسول أم لا، وإن هدده على أن يأخذ مال مسلم يدفعه له فأبى حتي قتله كان عندنا في سعة، وإن أخذه كان في سعة.
وفيها مع غيرها: من حفر بئراً أو غيرها حيث لا يجوز له أو حيث يجوز له لما لا يجوز له؛ ضمن ما هلك بذلك.
الشيخ: روى محمد في ماله إلي الثلث ما بلغه على العاقلة.
محمد: ما هلك من عبد أو دابة أو غير الديات في ماله وتمامه في موجبات الجراح.
قال ابن الحاجب تابعاً لابن شاس: فإن ألقاه فيه غير الحافر ضمنه دونه
стр. 3250
تقديمًا للمباشر.
قُلتُ: وكذا نقله الطرطوشي في مسألة حل القفص الآتية، وعارضها ابن عبدالسلام بتسوية سَحنون بين المكره غير على أن يخرج له مال رجل من بيته ويدفعه له، مع أن الآمر المكره متسببٌ والمأمور مباشر.
وأجاب بأن التسبب بالإكراه أشد من التسبب بالحفر.
قُلتُ: الحق انهما سواء في مسألة سَحنون مباشران معًا ضرورة مباشرة الآمر المكره أخذ المال من مخرجه واستقراره بيده، والآخذ من الغاضب العالم بالغصب غاصبٌ.
وقال المازي: في حل رباط زق مملوء زيتًا لرجل، وأبقاه مستندًا كما وجده فأسقطه رجل، فقال أصحاب الشافعي: لا ضمان على من حله سقط بفعل آدمي أو ربح وضمنوا من أسقطه غير قاصد إتلاف ما فيه، لأنه المباشر إتلافه، وفيه نظر، والأولى اشتراكهما في ضمانه إذا علم أنه لو سقط مربوطًا لم يذهب ما فيه، ولو بقي محلولًا لم يسقطه أحد لم يذهب ما فيه، لأن التلف إنما حصل بمجموع فعليهما، ول أنفرد أحدهما لم يحصل فهما كرجلين أخرجا شيئًا ثقيلًا من حرز، لو انفرد أحدهما به لم يقدر على إخراجه فإنهما يضمنانه معًا.
الصقلي: لابن حبيب عن الأخوين: من جلس على ثوب رجل في الصلاة فقام ربه، وهو تحت الجالس فتقطع لا ضمان على الجالس، لا يجد الناس من هذا بدا في صلاتهم.
قُلتُ: وأخذ من قولها ضمان موت فرس أحد المصطدمين في مال الآخر، وحده ضمان الجالس على الثوب وحده، وقاله بعض الموثقين من عند نفسه لا بالأخذ منهما.
قُلتُ: والأظهر كونه منهما كمحرم حبس صيدًا لمحرم قتله.
وفي لقطتها: من فتح باب قفص فيه طير فذهب الطير ضمن، ومن حل عبدًا من قيد قيد به خوف إباقه فذهب العبد ضمن، ومن حل دواب من مرابطها فذهبت ضمنها كالسارق يدع باب الحانوت مفتوحًا، وليس فيه ربه فيذهب ما في الحانوت فالسارق يضمنه.
стр. 3251
ومن فتح باب دار فيها دواب فذهبت، فإن كانت الدار مسكونة فيها أهلها لم يضمن، وإن لم يكن فيها أربابها ضمن، ولو كان ربها فيها نائمًا لم يضمن، وكذا السارق يدع الباب مفتوحا، أهل الدار فيها نيام لا يضمن ما ذهب بعد ذلك.
وسمع ابن القاسم في السرقة: من سرق ركاب دابة واقفة بباب المسجد عليها صبي قطع إن كان منتبهًا، وأن كان نائمًا فلا، كدابة ليس معها أحد.
فعارض ابن رُشْد جعله الصبي بنومه كالعدم بجعله في كتاب اللقطة رب الدار فيها نائمًا ككونه مستيقظًا في طرح الضمان عن تارك باب داره محلولًا.
وأجاب بأن ذلك جعله في مسألة القطع لدرء الحد بالشبهة، فلا يتخرج قولها في مسألة اللقطه لذلك، وأخذ من قولها ضمان موت أحد فرس المصطدمين في مال الآخر وحده ضمان الجالس على الثوب وحده، وقاله بعض الموثقين من عند نفسه لا بالأخذ منها ويشبه أن يتخرج قولها في مسألة اللقطة فيضمن تارك الباب مفتوحًا إن كان رب الدار نائمًا فيها، فجعله كالعدم كالصبي النائم على الدابة.
الصقلي عن أشهب: إن كان الدواب مسرحية في الدار ضمن، وإن كان أربابها بها، والقياس ضمانه، وإن كان أهلها فيها إن لم يعلموا بفتح الباب، وإنما أسقط ضمانه خوف أن يكون أربابها علموا فتحها.
وفي الموازية: من دفع عبده لرجل وقال له قيده فتركه لم يقيد ضمنه، ولو قال له صب لي هذا الزيت في هذه الخابية إن كانت صحيحة فصبه وهي مكسورة ناسيًا ضمن، ولو قال أجعل هذا الطير في القفص وأغلق عليه فترك بابه مفتوحًا نسيانًا لم يضمن.
الصقلي: هذا والأول سواء، وهو اختلاف قول كالقولين في ضمان من أذن له في المشي بموضوع فمشى على إناء كسره، وكذا مسألة الطير والصب في الجرة، وقد يفرق بأن الصب في الجرة شرطة كونها صحيحة، والفرق بين مسألة الطير والعبد، أن العبد دفعه له على أن يقيده، والطير لم يدفعه له، إنما قال أغلق عليه.
وفي حريم البئر منها: من أرسل في أرضه نارًا أو ماء فوصل لأرض جاره فأفسد
стр. 3252
زرعه، فإن كانت أرض جاره بعيدة يؤمن أن يصل ذلك إليها، فتحاملت النار بريح أو غيره فأحرقته فلا شيء عليه، وإن لم يؤمن ذلك لقربها فهو ضامن، وكذا الماء، وما قتلت النار من نفس فعلى عاقله مرسلها، ومثله للشيخ عن ابن القاسم في المجموعة.
المازري: وقولها من نصب شبكة لحرز غنمه من الذئب فمات بها إنسان ضمنه، معناه: أنه علم أنه لا يكاد يسلم من المرور عليها آدمي، وأجاب ابن رشد فيمن أسند جرة له بزيت لباب دار رجل ففتح رب الدار بابه فهلكت الجرة بذلك بقوله: (لا أذكر في ذلك نصًا لأحد)، ويجري فيها على أصولهم قولان: تضمين رب الدار وعدمه وبه كنت أقضي.
قُلتُ: ونقل ابن سهل في مسألة إحداث فرن قرب فرن عن ابن ابي زعبل ما نصه: روى عن مالك في رجل وضع جرة من زيت حذاء باب رجل ففتح الرجل بابه ولا علم له بالجرة، وقد كان مباحا له وغيره ممنوع أن يفتح بابه، ويتصرف فيه فانكسرت الجرة فضمنه.
مالك: ليس هو نفس مسألة ابن رُشْد، لأن قوله: (حذاء باب رجل) مع قوله أخيرًا: (أن يفتح بابه ويتصرف فيه) ظاهر في ان الجرة لم توضع على خشب الباب، بل بقربه، ولذا قال ابن رُشْد: لا أعرف فيها نصًا فتأمله.
وفرق بعض الشيوخ بين: فتحه الباب المعهود فتحه فلا يضمن، وبين فتحه المعهود عدم فتحه فيضمن.
قُلتُ: ولا يتخرج على موت الصيد من رؤية المحرم، لأنه حق لله.
الشعبي: من أفتى بغرم ما لايجب فقضى به غرمه، قاله أصبغ بن خليل.
ومن طارت حصاة تحت حافر دابة هو ركبها فكسرت آنية، ففي ضمانه ذلك قولا الإشبيلي وابن زَرْب.
قُلتُ: وقال بعضهم بالأول إن طارت بطرد حافرها، وبالثاني: إن طارت من تحته.
وقول ابن الحاجب: ومن أتلف مغصوبًا ضمن.
ندرج تحت أقوال أهل المذهب قديمًا وحديثًا الخطأ في أموال الناس كالعمد.
стр. 3253
وفيها: من سرق من سارق ما سرقه قطعًا معًا.
قال مع ابن شاس: ولو قدمه الغاصب لضيفه فأكله غير عالم ضمن.
قُلتُ: طاهرة أنه مبدى في ضمانه عن الغاصب، ومقتضى المذهب انه كمن وهبه غاصب ما غصبه، ويأتي حكمه، ولا أعلم نفس هذه المسألة لغير ابن شاس من أهل المذهب.
قالا: ولو قدم الغاصب المغصوب للمغصوب منه فأكله برئ، وكذا لو أكرهه على أكله.
قُلتُ: أما أكله طوعًا فلا أعرفه لغيره، والجاري على المذهب أن لا يحاسب المغصوب من ذلك إلا بما يقضي به عليه، إن لو أطعمه من ماله مما ليس بسرف في حق الآكل، وأما أكله مكرهًا فهو كمن أكره رجلًا على إتلاف مال، وقد تقدم وما أدري من أين نقلا هذين الفرعين.
المازري: في ضمان المتسبب في إتلاف بقول كصيرفي يقول فيما علمه زائفًا طيب، وكمخير من أردا صب زيت في إناء علمه مكسورًا أنه صحيح، وكال ظالم على مال أخفاه ربه عنه عليه قولان، وعزاهما الشيخ للمتأخرين.
المازري: كقولي أشهب وابن القاسم في لزوم الجزاء على من يدل محرمًا على صيد فقتله بدلالته، ولو شكا رجل رجلا لظالم يعلم أنه يتجاوز الحق في المشكو ويغرمه مالًا، والمظلوم لا تباعة للشاكي عليه، في ضمان الشاكي ما غرمه المشكو قولان، وثالثها: لبعض أصحابنا لا ضمان عليه إن كان مظلومًا.
ابن رُشْد: ويجب على الغاصب رد المغصوب بعينه إن كان قائمّا، وإلا فمثله إن كان مثليًا.
قُلتُ: ظاهره ولو كان عينا رد وفي الجلاب: لو امتنع غاصب عين من ردها فرد مثلها، ففي جبر ربها على مثلها قولا ابن القاسم والأبهري قال: لا حتجاج ربها بسوء كسب الغاصب، وقول ابن القاسم: إنما أخذ له في البيع ولو خلط زيتا بمثله ففي جبر ربه الغاصب على إعطائه منه، وتخييره فيه، وفي مثله من غيره نقل المارزي عن أشهب
стр. 3254
والشافعي.
قُلتُ: وهو الجاري على قولها في العين.
ابن رُشْد: والمثلي المكيل والموزون والمعدود الذي لا تختلف أعيان عدده كالجواز والبيض، وقيمته إن لم يكن مثليًا، وهو ما عداه.
قُلتُ: وحكى الباجي عن مالك قوله بأن جميع المثليات مثلية كقول أبي حنيفة والشافعي.
المازري: في كذا في نسخ من المنتقى وأراه وهمًا
قُلتُ: حكاه عن ابن زرقون ولم يتعقبه ولا نقل كلام المازري مع أنه نقل في كتابه عنه في غير موضوع.
قُلتُ: واللؤلؤ الصغير القدر جدًا الذي لا يباع إلا وزنًا مثلى، وما فوقه مما هو عندي من ذوات القيم قال، ولذا قال في المكاتب: لا تجوز الكتابة على اللؤلؤ غير موصوف لتفاوت الإحاطة بصفته، يريد: بصفة الوسط منه.
وفي الهبه للخمي: فيه كلام يذكر إن شاء الله تعالى.
اللخمي: غاصب الطعام يغرم مثله صفة وقدرًا إن لم يتغير سوقه، ويختلف إن غصبه في شدة ثم صار إلى رخاء هل يغرم مثله، أو قيمته على القول الذي يغرم أعلى القيم، وإن كان جزافًا جهل كيله غرم قيمته يوم غصبه، واختلف إن قال المغصوب منه: أغرمه من الكيل مالا يشك أنه كان فيه، وأن له ذلك أحق.
قُلتُ: وانظر لو قال الغاصب: أغرم ما لا شك أنه يفي بالقدر المغصوب هل يقبل منه اتفاقًا أو يختلف فيه بعدم جبر المغصوب منه على أكل أكثر من حقه ولو فقد المثل حين طلبه فقال ابن القاسنم: ليس عليه إلا مثله.
اللخمي: يريد أنه يصير حتى يوجد.
أشهب: يخير الطالب في الصبر أو القيمة.
الصقلي عن ابن عبدوس: اختلفا في هذا كما اختلفا في السلم، في الفاكهة يفرغ إبانها، فالصبر حتى يأتي بالطعام من بلد آخر كالصبر حتى يأتي إبان الثمرة.
стр. 3255
قال ابن القاسم: بالصبر فيهما.
وقال أشهب: يرد رأس ماله في السلم، ولا يجوز أن يؤجره وحيزه في الطعام هو فسخ دين في دين على أصله، فلا يجوز أن يؤخره بالطعام إذا كان له أخذه بالقيمة، وإنما ينظر فإن كان قرب الموضع الذي يوجد فيه مثل الطعام على يومين أو ثلاثة فليس له إلا مثل الطعام، وإن بعد فما عليه في تأخيره ضرر، واستهلكه في لجج بحر أو فيافي بعيدة من العراق غرم قيمته يوم استهلكه مثل الطعام، وإن بعد مما عليه في تأخيره ضرر يأخذ بها حيث لقيه.
ويجاب عن مناقضة أشهب بأن المغصوب منه ظلم يتقدم غصبه، فلو جبر على التأخير عظم ضرره، والمسلم لم يتقدم ظلمه بحال، بل هو كالمختار، في تراخيه بطلبه.
ومن نقي من غضبه طعامًا بغير بلد غصبه والطعام معه، ففي كون الواجب مثله في بلد غصبه، وتخييره في أخذه أو مثله بالبد، ثالثها: إن لقيه ببلد بعيد عن بلد غصبه فالأول وإلا فالثاني لأبن رُشْد عن ابن القاسم مع سماعه وسماع أصبغ أشهب وقوله.
اللخمي: أرى له أخذ الطعام إن كان الغاصب مستغرق الذمة، أو لم يكن سعره في بلد الغصب أقل منه في بلد النقل، أو قال به: ادفع الاقل من نقله وزيادة سوقه.
قُلتُ: قال الشيخ عن أشهب في المجموعة ومحمد: يحال بين الغاصب، وبين ما نقل حتى يوفي المغصوب حقه.
قال سَحنون: لا أعرف قول أشهب هذا من قول الرواة أن يأخذ الطعام وإنما له أخذه بمثله في موضع غصبه، وكذا لأصبغ عن أشهب في العتبية، وذكر الصقلي قول أصبغ بلفظ: ويتوثق لرب الطعام، وعبر عنه ابن الحاجب بقوله: لا خلاف أن الغاصب يمنع منه حتى يتوثق منه.
قال ابن عبدالسلام: هذا صحيح في النظر، ولا يبعد وجود الخلاف فيه أو ما يدل عليه في فروعهم، وأظن أني وقفت على ما يقتضي ذلك.
قُلتُ: قوله: (وجود الخلاف فيه) يقتضي وجود القول عنده بأنه لا يحال بينه وبينه مع عدم التوثق منه، وهذا خلاف الاجماع على منع الحكام من الحكم بما يقتضي تضييع
стр. 3256
الأموال على أربابها فتأمله.
الشَّيخ في الموازيَّة عن ابن القاسم: لو أتفقنا على أن يأخذ منه فيه ثمنًا نقًا جاز كبيع طعام القرض قبل قبضه، وقال أصبغ وروى ابن القاسم في المجموعة وفي العتبية: لا يجوز أخذه منه طعامًا يخالفه في جنس أو وصفه، لأنه طعام بطعام مؤخر.
الصقلي عن ابن القاسم: لو اتفقنا على أخذه بقيمته، أو مثله حيث نقله، أو يأخذ فيه ثمنًا جاز كبيع طعام القرض قبل قبضه، وقاله أصبغ.
قُلتُ: نحوه للشيخ، وزاد من ابتاع طعامًا في بيت أو مطمر ببلد فلا خير في أخذه مثله ببلد آخر، لأنه طعام بطعام مؤخر، ولو نقله البائع إلى بلد فتراضيا بأخذه بها جاز، وقد ضمنه بنقله، وقال غيره: لا بأس به في الوجهين، لأن الأول معروف.
قُلتُ: قوله: (ولو نقله ... إلخ) مثله سمع سَحنون.
ابن رُشْد قوله: (وقال غيره: لا بأس به) هو عبدالعزيز ابن أبي سلمة، والأول أظهر، لأن الطعام إذا تلف انتقض البيع، ولو حمل البائع جميع الطعام الذي باع منه المائة إلى بلد جاز أخذ ما اشترى منه حيث نقله، وقيل: يخير في أخذه وفي أخذ ثمنه، وهو أظهر من قول ابن القاسم في المدونة، إذ لم ير له في ذلك خيارًا إذا استهلك البائع الطعام أو باعه، لأنه بيع الخيار في ذلك خوف أن يكون البائع غاب عن الطعام ولم يستهلكه، وهذه تيقن فيها حمل الطعام.
ولو لقى المغصول منه الغاصب بغير بلد الغصب، والطعام ببلد الغصب، فاللخمي عن ابن القاسم: يصبر لقدومه بلد الغصب ليغرم مثله، وعند أشهب: يغرمه مثله إن لم يكن سعره ببلد الغصب أكثر منه حيث لقيه، أو قيمته الأن ببلد الغصب إن بعد ما بين البلدين كقوله: إن كان معه ببلد الغصب وتعذر وجود المثل ورجي وجوده بعد، وأن يكون له ذلك في المسألتين معًا أحسن، لأنه لا ضرر فيه على الغاصب وللمغصوب منه حق في استعجال حقه.
وفي غير الطعام طريقان: ابن رُشْد: في كون نقله من بلد لآخر فوتًا فيخير ربه في أخذه واخذ قيمته يوم الغصب أو غير فوت فليس لربه إلا أخذه، ثالثها: هو في
стр. 3257
العروض والرقيق فوت لا في الحيوان، غيره لأصبغ مع ظاهر سماع أشهب، وسَحنون وسماع ابن القاسم.
والباجي: روى ابن القاسم: ليس له إلا أخذ العبيد والدواب، وبخير في البز والعروض في أخذها بعينها وقيمتها يوم الغصب.
أشهب: يخير في الحيوان كالعروض.
سَحنون: البز والرقيق سواء ليس له إلا أخذه.
ابن زرقون: لابن القاسم في الموازية قول رابع هو أخذ القيمة الأن.
اللخمي: إن نقل العرض أو الحيوان ولقيه ربه ببلد نقله، ففي لزوم قيمته فلا يأخذه وتخييره فيه.
***** قولا ابن القاسم ومحمد: قائلًا: تفرقة البلدان البعيدة كتغير الابدان مع أشهب، وقال سَحنون: ليس له إلا عين شيئه في البز والرقيق، وروى ابن عبدوس: ليس له إلا عين شيئة في العبيد والدواب.
اللخمي: ما لا حمل له والطريق آمنة، القول فيه قول من دعا لأخذه، وإلا لم يجبر ربه على أخذه، وله أخذه دون غرم نقله على قول أشهب، وعلى قول ابن القاسم بعد غرمه أجر نقله.
ومعروف المذهب أن ليس لربه جبر الغاصب على رده لبلد الغصب، وللمغيرة: لمن نقلت خشبته من عدن إلى جدة اعديًا بمائة دينار، جبر ناقلها لمحلها.
قال: ولابن القاسم: إن أخطا مستأجر على حمل شيء لبلد يحمله غيره إليه، خير ربه في قيمته بالبد الذي نقل منه، واخذه بغرم كرائه.
أشهب: وأخذه دون غرم.
أصبغ: لربه جبره على رده لمأمنه أو أخذه مجانًا، إلا أن يعلم أن ربه كان راغبًا في وصوله فيلزمه كراء المثل.
وأجاب ابن رُشْد: فيمن أكرى ملاحًا على حمل تين من إشبيلية إلى سبته فحمله إلى
стр. 3258
سلاح، يغرم الملاح مثل التين بإشبيلية وحمله إلى سبتة، فقيل له، أفتى غيرك بوجوب رده الملاح إلى سبتة وهو في ضمانه حتى يصل إليها، فقال: ذكر هذا ابن حبيب، وما قلته هو قول ابن القاسم.
ومن غصب حليا فاستهلكه ففي غرم وجوب غرم قيمته أو مثله قولها، ونقل الصقلي عن أشهب كقولي ابن القاسم وغيره في الغزل في تضمين الصناع منها بناء على اعتبار الصنعة أو الأصل، ولو كسرهما ففي وجوب ما نقصهما أو قيمتها، ثالثًا: قيمة الصياغة، ورابعًا: صوغها اللخمي عن ابن القاسم وعما رجع إليه، وعن قولها في كتاب الغصب ورواية أشهب.
قُلتُ: عزاه الشيخ لأشهب لا لروايته.
وفي كون الواجب في هدم البناء قيمته أو مثله قول استحقاقها، ونقل الشيخ مع الباجي: عن أشهب، وعلى الأول قال المازري: خير شيخنا رب البناء في أخذ قيمة الجدار قائمًا على بقاء النقض للهادم أو قيمة التلفيق وهو قيمة ما أتلف على بقاء النقض لرب البناء، وهذا على أصل ابن القاسم أن لمن ملك تضمين الغاصب قيمة جملة ما غصب لنقض حدث فيه انه إن اختار أخذ شيئه فله طلبه ما نقص على بقاء النقص البناء وهذا على أصل ابن القاسم طلب ما نقص.
اللخمي: في الموازية لو أعاد الغاصب الحلي بعد كسره على غير صفته فعليه قيمته، وعلى صفته يأخذه ربه مجانًا هذا قولها.
محمد: لاشيء له إلا قيمته ولو أعادهما بحاله، لأن الغاصب ضمن القيمة، ولو لم يكن غاصبًا إلا متعديًا لكان له أخذه إن صاغه على حاله مجانًا ولو أعاده بعد كسره من اشتراه من غاصب لم يأخذه ربه إلا بدفعه للمشتري في قيمة الصياغة إذ يتعد بالكسر.
قُلتُ: واختصر ابن الحاجب فقال: لو اشتراه غير عالم بغصبه فكسره، ورده على حاله لم يأخذه ربه، إلا بقيمة صياغته إذ لم يتعد.
قال ابن عبدالسلام: هذا المنصوص في الفرع بعينه وفي الدار يهدمها، بخلاف الشاة يذبحها، والثوب يقطعه، والعصا يكسرها، وشبهه وهو مشكل.
стр. 3259
وأصل المذهب أن كل ما أتلفه المشتري متعمداً ضمنه سواء انتفع به أو لم ينتفع به، وما تلف بأمر الله لم يضمنه، وفيما أتلفه خطأ فولا أشهرهما ضمانه.
قلت: قوله: (وهو مشكل ..... إلخ) ظاهره أنه المبتدئ يذكر إشكاله، لم يذكر له جواباً.
ويرد بنقل الشيخ فى نوادره ما نصه: والجناية الكثيرة كذبح الشاة وكسر العصا وشق الثوب.
قال محمد: وكذا المشتري يقطع الثوب لمستحقه تضمينه جميع قيمته، وقاله مالك.
وفرق بينه وبين هدم الدار، وكسر الحلي، لأن هذا تمكن إعادته، ولا يمكن ذلك فى الثوب ونقله الصقلي، وزاد: وهذه مسائل أتبع فيها النص إذا لم أجد خلافه، ولو قال قائل: أن الهدم والذبح وكسر الحلي وركوب الدابة وبعث العبد سواء لم أعبه ولكان قياساً، لأنه مال تبين أن للغير، والخطأ والعمد في أموال الناس سواء، وهدم الدار أشد من الذبح، لا تعاد الدار لما كانت عليه، إلا بمثل قيمتها الصحيحة أو أكثر، وقد يشتري بثمن الشاة مذبوحة مثلها حية، وقوله: (هذه تعود وهذه لا تعود) ضعيف، ونحوه قول اللخمي: فرق محمد ضعيف، وعلله بمثل ما تقدم.
ابن الحارث: فيمن غصب قمحاً فطحنه أن لربه تضمينه مثله، ثم اختلف فقال ابن القاسم: إنما له المثل، وقال أِهب: له أخذ دقيقه مجاناً، لأن الذي صار للغاصب فيه لا يقدر على انتزاعه منه فهو كالتزين، ومثله قول المازري: إنما الخلاف فى تمكين رب القمح من أخذ عين الدقيق، ولو أراد تضمين الغاصب مكيلة القمح لم يضمن من ذلك عند ابن القاسم وأشهب.
المازري: وذكرنا اختلاف قول مالك: إذا غضبه قمحاً فطحنه.
الباجي: اتفق ابن القاسم وأشهب على أنه لو طحن الحنطة سويقاً ولته أن ليس لربه أخذها ذلك، ويباع السويق فى عدم الغاصب، ويشترى بثمنه مثل الحنطة وما فضل أو نقص للغاصب وعليه.
ابن زرقون: لو تراضيا فأخذه ملتوتا عن الحنطة جاز، لجواز بيع الحنطة بالسويق
стр. 3260
متفاضلاً، ولو غصبه سويقاً فلته فإنما له مثله، لأنه لته لا يبيح التفاضل.
الباحى: لابن حبيب عن ابن الماجشون: لرب الحنطة أخذها إن طحنها سويقا أو يضمنه مثلها، ولا حجة للغاصب لما روي: "ليس لعرق ظالم حق".
ابن زرقون: يريد: طحنه سويقاً، ولم يلته وهو مثل قول أشهب.
قلت: طحنه سويقًا يبيح التفاضل بينه وبين القمح حسبما تقدم في البيوع، وهو نص سلمها الثالث، فلا فرق بين لته وعدمه، وقول أشهب في طحن القمح إنما قاله، لأن الدقيق والقمح جنس واحد فتأمله.
وفي التعقيب لعبد الحق: قال أبو سعيد: ومن سرق حنطة فطحنها سويقًا، ولتها ثم قطع ولا مال له غير ذلك، فأبي رب الحنطة أخذ السويق فهو مثل ما وصفنا، يباع السويق ويشترى له من ثمنه مثل حنطته.
قال عبدالحق: وقع في نقل أبي سعيد فأبي رب الحنطة أخذ السويق، فهذا يوهم أن له أخذها وليس له ذلك بالحكم وكذا قيمة اللتات أو لا، إلا أن يتفق هو والسارق على ذلك فيجوز.
وأما في لفظ الأمهات: وقال رب الحنطة أنا آخذ هذا السويق، هو مثل ما وصفت لك، يباع ويعطى حنطة مثل حنطته تشتري له من ثمن السويق.
ومن غصب غزلاً فنسجه ففي وجوب غرمه مثله، أو قيمته يوم استهلكه نقلا الباجي عن أشهب وابن القاسم في الموازية.
قلت: قما قولا المغيرة وابن القاسم في تضمين الصناع منها، كالقولين في هدم الحائط.
следующие страницы →