مالي، لا أغني عنك من الله شيئا)) .
فتأملوا أيها الموحدون المتبعون لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ كيف أمر الله رسوله ﷺ أن ينذر أقرب الناس إليه نسباً وأن يحذرهم من عذاب الله، وكيف امتثل رسول الله ﷺ ما أمره الله به على أحسن الوجوه وأكملها، فأنذرهم بذلك التفصيل والبيان حتى انتهى إلى فاطمة ابنته سيدة نساء العالمين فقال لها: ((يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا)) .
وأخرج أحمد والشيخان والترمذي عن أبي هريرة قال: ((لما نزلت هذه الآية: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ دعا رسول الله ﷺ فعم وخص فقال: ((يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، فإني والله لا أملك لكم من الله شيئا، إلا أن لكم رحماً سأبلها ببلاها)) انتهى.
فما معنى قول النبي ﷺ لابنته التي هي بضعة منه: ((يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، لا أغني عنك من الله شيئا)) إذا كان أبناء المؤمنين يدخلون الجنة اعتماداً على
стр. 107
عمل آبائهم بلا إيمان ولا عمل، أليس قائل هذا القول مفترياً على الله الكذب، فإن كان يعلم هذا الحديث ومعنى الآية فقد كفر لتكذيبه بالقرآن والحديث، ورده ما جاء من الله ورسوله واضحاً – كالشمس في رابعة النهار – وما يتلى في القرآن ويقرأ في الصحيحين بتفسير سيد الأولين والآخرين، وإن كان يجهله فكيف نصب نفسه لدعوة الناس إلى الدين والأمر بالمعروف بزعمه وإنكار المنكر وهو في هذه الدركة من الجهل، ولا غرابة في ذلك فمن لم يعرف معنى (لا إله إلا الله) وأشرك بالله ودعا إلى عبادة غيره بلا حشمة ولا حياء كيف يرجى له أن يعرف معاني الكتاب والسنة، كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون، فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون.
ثم ذكر ((البوعصامي)) العمي كتباً أحال القارئ لهذيانه على مراجعتها على سبيل الإجمال تمويها وتضليلاً، ومنها ما سماه: كتاب ((الرد على الوهابية)) ولا يعرف كتاب بهذا الاسم يختص به، وقد لفق جماعة من المشركين المبتدعين عباد الأضرحة رسائل سموها بالرد على الوهابية ولا توجد فرقة على وجه الأرض تسمي نفسها (وهابية) ، ولكن المبتدعين والمشركين اخترعوا هذه التسمية ليطلقوها على كل من
стр. 108
يوحد الله ويتبع سنة رسول الله ﷺ ويتجنب البدع والمحدثات، كما كان المشركون يسمون رسول الله ﷺ مذمماً، بل المشركون الأولون أعقل من هؤلاء المتأخرين فإنهم سموا النبي ﷺ باسم يدل على الذم في لغتهم وهم المذمومون، والنبي ﷺ طاهر مطهر لا يلحق به شيء من ذمهم، وكذلك من اتبعه إلى يوم القيامة مسلمون حنفاء لا يضيرهم ما يقول فيهم أعداؤهم.
أما المشركون المتأخرون فهم جهال بالألفاظ والمعاني كالقارئ الذي قرأ ((فَخَرَّ عليهم السقف من تحتهم)) فقيل له: لا عقل عندك ولا قرآن، فتسمية أهل الحق بالوهابية نسبة إلى الوهاب من أحسن الأسامي.
قال تعالى حكاية عن إبراهيم أبي الحنفاء الموحدين في سورة مريم: ﴿فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب. وكلا جعلنا نبيا. ووهبنا لهم من رحمتنا لسان صدق عليا﴾ ، والحنفاء في كل زمان ومكان يقتدون بأبيهم إبراهيم فيعتزلون أهل الشرك وما يعبدون من دون الله، ويدعون الله وحده راجين فضله، فيسعدون ولا يشقون، فيهب لهم وهو الوهاب، من رحمته كل ما أملوه ويجعل لهم لسان صدق عليا، وقد انطق الله المشركين بكلمة الحق على رغم أنوفهم
стр. 109
فسموا أهل الحق نسبة إلى الكريم الوهاب، وسيأتي إن شاء الله في القصيدة البائية، وقد تجرأ هذا الدجال على الله وعلى عباده المؤمنين فنسبهم إلى الزندقة ﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا﴾ وقد علل ذلك بأنهم ينكرون ما سماه بـ ((أولياء الله)) يعني الأوثان، وتعالى الله أن تكون الأوثان له أولياء ﴿إن أولياؤه إلا المتقون ولكن المشركين لا يعلمون﴾ فما معنى هؤلاء الأولياء؟
أما نصوص القرآن والحديث فهي متفقة على أن أولياء الله هم المؤمنون الموحدون المتبعون لسنة رسول الله ﷺ ، ومن لم يكن منهم فهو من أعداء الله. قال تعالى في سورة البقرة: ﴿لا إكراه في الدين. قد تبين الرشد من الغي. فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى. لا انفصام لها والله سميع عليم. الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور. والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات. أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ ، فأنت ترى أيها القارئ الموفق لاتباع الحق وتجنب الباطل: أن الله قسم جميع الناس وجعلهم فريقين لا ثالث لهما: الكافرين بالطاغوت، والمؤمنين بالله المتمسكين بالعروة الوثقى التي لا تنفصم
стр. 110
وهم أولياء الله، لا يتخذون غيره ولياً أبداً، فهو الذي يخرجهم من الظلمات إلى النور، والفريق الثاني هم المشركون أعداء الله، أولياء الطاغوت، وهم شيوخ الضلال، ورئيسهم إبليس، يخرجونهم من النور إلى الظلمات، أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون.
ومثل ذلك قوله في سورة الأعراف: ﴿فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون﴾ فالمؤمنون هداهم الله لتوحيده واتباع ما أنزل من الله وما أمرهم به الرسول، والمشركون حقت عليهم الضلالة، فأخذوا الشياطين أولياء من دون الله وظنوا مع ذلك أنهم مهتدون.
هذا فيمن عبد الأوثان وسماها بأسمائها، فهؤلاء لم يعبدوا إلا الشياطين الذين أضلوا وزينوا لهم الشرك بالله وأوهموهم أن عباد الله الصالحين والأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين يرضون بعباداتهم ويشفعون لهم كما قال تعالى في سور الزمر: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار﴾ فسمى الله زعمهم اتخاذ أولئك الصالحين أولياء من دون الله وعبادتهم له وزعمهم أنهم يقربونهم إلى
стр. 111
الله سمى ذلك كله كذبا ومبالغة في الكفر فهم كاذبون كافرون ولن يهديهم أبداً ما داموا مصرين على ذلك، وقال تعالى في هذا المعنى في سورة الكهف: ﴿أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا اعتدنا جهنم للكافرين نزلا. قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا﴾ وقال تعالى في سورة الأنعام: ﴿قل أغير الله اتخذ ولياً فاطر السموات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين﴾ فالمشركون لفساد عقولهم يشركون بالله الذي يطعمهم، ويتخذون أولياء عاجزين جائعين محتاجين إلى من يطعمهم، فالمشركون يطعمونهم ويعبدونهم ﴿ألا ذلك هو الخسران المبين﴾ ، وقال تعالى في سورة الشورى: ﴿أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير﴾ ، فالمؤمن من يتخذ الله وحده ولياً وهو حسبه ونعم الوكيل، والمشركون يتخذون أولياء كثيراً عددهم، وقد عرفت الآن معنى ولي الله ومعنى عدو الله ومعنى اتخاذ الأولياء من دون الله، فالمؤمن الموحد المتبع
стр. 112
للسنة ولي الله، وإخوانه المؤمنون أولياء الله فلا يتصور أن ينكرهم فلو أنكرهم لأنكر نفسه وسائر فرق الهدى، وذلك محال.
أما النصارى فيقسمون الناس إلى ثلاثة أقسام، فالذي يسمونه الإله يشتمل على ثلاثة أقانيم: الأب وهو الله، والابن وهو عيسى، وروح القدس وهذا معنى قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة﴾ الآيات.
والقسم الثاني: يسمونهم القديسين، وعددهم كثير منهم رجال ومنهم نساء. كل واحد له يوم من أيام السنة يتخذونه موسماً ويتقربون إليه فيه بأنواع من العبادات، كالذبح والنذر والدعاء والاستغاثة، وقد يصورون تمثالاً يتخذونه ويسمونه باسمه ويركبون ويعتقدون أن هؤلاء يتصرفون في الكون وينفعون ويضرون ويصعدون إلى السماء ولكن رتبتهم دون القسم الأول.
والقسم الثالث: عامة النصارى، وهذه العقيدة هي التي اتخذها الجهال الذي يزعمون أنهم مسلمون، فالقسم الذي يسميه النصارى قديسين يسمونه هم أولياء الله، ويفعلون معه ما يفعله النصارى مع مقدسيهم ونحن نشهد بالله أن هذا القسم لا وجود له في الإسلام ولا في دين المسيح الحق غير
стр. 113
المبدل، فليس هناك إلا سيد واحد وغيره عبيد خاضعون لأمره مطيعون له، فالسيد هو الله والخلق كلهم عبيد، ولكن الأنبياء فضلهم الله وخصهم بالوحي والرسالة، فهم سادات لسائر العبيد ولا يبلغ مرتبتهم أحد غيرهم ولكنهم لا ينفعون ولا يضرون ولا يدعون ولا يستغاث بهم ومن دعاهم أو صرف لهم شيئاً من العبادة فهو كافر.
أما المؤمنين فهم أولياء الله وحزبه المفلحون، فأولهم عند أهل السنة في الفضل: أبو بكر الصديق ﵁ وآخرهم في الفضل رجل يخرج من النار بشفاعة النبي ﷺ كما هو مذهب أهل السنة والجماعة وكلهم أولياء الله، وبذلك تعلم فساد كلام ((البوعصامي)) وأنه جار على طريقة من ذكرنا من النصارى وسائر من يعتقد تعدد الآلهة، وقد تقدم الكلام على ذلك في الفصل الأول.
حقوق أهل البيت ما لهم وما عليهم
ثم قال ((البوعصامي)) العمي معترضاً: ((وينكرون أهل البيت الذين قال الله فيهم ﴿قل لا أسألكم عليه أجرا﴾ ... الخ وقال ﵇: ((أذكركم الله في أهل بيتي ثلاثاً)) رواه مسلم. قالوا: من أهل البيت؟ قال: ((ذرية فاطمة إلى يوم القيامة)) )) .
стр. 114
لقد حرف هذا المشرك معنى الآية وزاد الحديث كذباً وافتراء منه ودونك تفسير الآية ومعنى الحديث على التحقيق:
قال القاسمي في تفسيره: (( ﴿قل لا أسألكم عليه أجراً﴾ أي لا أسألكم على دعايتكم إلى ما ادعوا إليه من الحق الذي جئتكم به والنصيحة التي أنصحكم ثواباً وجزاء وعوضاً من أموالكم تعطونه إلا المودة في القربى، أي أن تودوني في القرابة التي بيني وبينكم وتصلوا الرحم التي بيننا ولا يكن غيركم يا معشر قريش أولى بحفظي ونصرتي ومودتي منكم، قال الشهاب: المودة مصدر مقدر بأن والفعل، والقربى مصدر كالقرابة و ((في)) للسببية وهي بمعنى اللام لتقارب السبب والعلة، والخطاب إما لقريش وإما لجميع العرب لأنهم أقرباء في الجملة. انتهى، والاستثناء منقطع ومعناه نفي الأجر أصلاً؛ لأن ثمرة مودتهم عائدة إليهم لكونها سبب نجاتهم فلا تصلح أن تكون أجراً له، وقيل معنى أن تودوا قرابتي الذين هم قرابتكم ولا تؤذوهم، وقيل ((القربى)) التقرب إلى الله ، أي إلا أن تتوددوا إلى الله فيما يقربكم إليه، والمعنى الأول هو الذي عول عليه الأئمة ولم يرتض ابن عباس وغيره، ففي البخاري عنه ﵁ أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿إلا المودة في القربى﴾ ، قال
стр. 115
سعيد بن جبير: ((القربى آل محمد)) ، فقال ابن عباس: ((عجلت، إن النبي ﷺ لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة فقال إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة)) .
قال ابن كثير: ((انفرد به البخاري)) أي عن مسلم ورواه الإمام أحمد وهكذا روى الشعبي والضحاك وعلي بن أبي طلحة والعوفي ويوسف بن مهران وغير واحد عن ابن عباس مثله وبه قال مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي وأبو مالك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم، وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني عن ابن عباس قال: ((قال لهم رسول الله ﷺ لا أسألكم عليه أجراً إلا أن تودوني في نفسي لقرابتي منكم وتحفظوا القربة التي بيني وبينكم)) وروى الإمام أحمد عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال لا أسألكم على ما آتيتكم به من البينات والهدى أجراً إلا أن تودوا الله تعالى وأن تقربوا إليه بطاعته وهكذا روي عن قتادة والحسن البصري مثله.
وأما رواية أنها نزلت بالمدينة فيمن فاخر العباس من الأنصار فإسناده ضعيف على أن السورة مكية وليس يظهر بين الآية وتلك الرواية مناسبة، وكذا ما رواه ابن أبي حاتم أنه لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين أمر الله بمودتهم؟ قال: ((فاطمة وولدها ﵃) فإن
стр. 116
في إسناده مبهماً لا يعرف، من شيخ شيعي وهو ((حسين الأشقر)) فلا يقبل خبره في هذا المجال، وذكر نزول الآية في المدينة بعيد فإنها مكية ولم يكن إذ ذاك لفاطمة ﵂ أولاد بالكلية، فإنها لم تتزوج بعلي ﵁ إلا بعد بدر من السنة الثانية من الهجرة، والحق تفسير هذه الآية بما فسر به حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵁ كما رواه البخاري.
ولا ننكر الوصية لأهل البيت والأمر بالإحسان إليهم واحترامهم وإكرامهم، فإنهم من ذرية طاهرة من أشرف بيت وجد على وجه الأرض فخراً وحسباً ونسباً، خاصة إذا كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية كما كان عليه سلفهم كالعباس وبنيه، وعلى وأهل بيته وذريته ﵃ أجمعين، وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال في خطبته: ((إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي وأنهما لم يتفرقا حتى يردا على الحوض)) .
هذا ملخص ما أورده ابن كثير رحمه الله تعالى وسبقه في ذلك تقي الدين ابن تيمية في منهاج السنة من أوجه عديدة:
قال في الوجه الثالث: ((إن هذه الآية في سورة ((الشورى)) وهي مكية باتفاق أهل السنة بل جميع آل ((حم)) وكذلك
стр. 117
آل ((طسم)) ، ومن المعلوم أن علياً إنما تزوج فاطمة بالمدينة بعد غزوة بدر، والحسن ولد في السنة الثالثة من الهجرة والحسين في السنة الرابعة فتكون هذه الآية نزلت قبل الحسن والحسين بسنين متعددة فكيف فسر النبي ﷺ الآية بوجوب مودة قرابة لا تعرف ولم تخلق.
ثم قال:
الوجه الرابع: أن تفسير الآية الذي في الصحيحين عن ابن عباس يناقض ذلك، فهذا ابن عباس ترجمان القرآن أعلم أهل البيت بعد علي يقول ليس معناه مودة ذوي القربى، لكن معناه لا أسألكم يا معشر العرب ويا معشر قريش عليه أجراً لكن أسألكم أن تصلوا القرابة التي بيني وبينكم فهو سأل الناس الذين أرسل إليهم أولاً أن يصلوا رحمه فلا يعتدوا عليه حين يبلغ رسالة ربه.
الوجه الخامس: أنه قال: ﴿لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى﴾ ولو أراد المودة لذوي القربى لقال لذوي القربى كما قال: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه ولرسوله ولذي القربى﴾ وقال: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى﴾ وكذلك قوله: ﴿وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل﴾ وقوله:
стр. 118
﴿وآت المال على حبه ذوي القربى﴾ ، وكذلك في غير موضع فجميع ما في القرآن من التوصية بحقوق ذوي قرابة النبي ﷺ وذوي قربى الإنسان، إنما قيل فيه ((ذوي القربى)) ولم يقل ((في القربى)) فلما ذكر هنا المصدر دون الاسم دل على أنه لم يرد ذوي القربى.
الوجه السادس: أنه لو أريد المودة لهم لقال المودة لذوي القربى ولم يقل في القربى فإنه لا يقول من طلب المودة لغيره: أسألك المودة في فلان ولا في قربى فلان، ولكن أسألك المودة لفلان والمحبة لفلان فلما قال المودة في القربى علم أنه ليس المراد لذوي القربى.
الوجه السابع: أن يقال إن النبي ﷺ لا يسأل على تبليغ رسالة ربه أجراً البتة. بل أجره على الله كما قال: ﴿قل ما أسألكم عليه أجراً وما أنا من المتكلفين. أم تسألهم أجراً فهم من مغرم مثقلون﴾ وقوله: ﴿قل ما سألتكم عليه من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله﴾ ، ولكن الاستثناء هنا منقطع كما قال: ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا﴾ ، ولا ريب أن محبة أهل النبي ﷺ واجبة ولكن لم يثبت وجوبها بهذه الآية، ولا محبتهم أجر للنبي ﷺ بل هو مما أمرنا به الله كما أمرنا بسائر العبادات.
стр. 119
الوجه الثامن: أن القربى معرفة باللام فلا بد أن يكون معروفاً عند المخاطبين الذين أمر أن يقول لهم لا أسألكم عليه أجرا، وقد ذكر أنها لما نزلت لم يكن قد خلق الحسن والحسين، ولا تزوج علي بفاطمة، فالقربى التي كان المخاطبون يعرفونها يمتنع أن تكون هذه بخلاف القربى التي بينه وبينهم، فإنها معروفة عندهم كما تقول لا أسألك إلا المودة في الرحم التي بيننا وكما تقول لا أسألك إلا العدل بيننا وبينكم ولا أسألك إلا أن تتقي الله في هذا الأمر)) انتهى.
حديث: أذكركم الله في أهل بيتي
اعلم أيها القارئ الموفق لاتباع الحق أن هذا ((البوعصامي)) لم يرد برسالته وجه الله، ولا أخلص قصده لله، ولكن له غرض معين خسيس من حظوظ نفسه الأمارة بالسوء، والدليل على ذلك تناقضه وإيراده الأدلة مبتورة ومحرفة بالزيادة والنقصان، وارتكاب الكذب على الله ورسوله فقد أنكر على أهل ((أرفود)) وغيرهم العمل بالسنة الصحيحة الصريحة التي هي كالشمس في رابعة النهار: في وضع اليمنى على اليسرى، والجهر بالتأمين، وغير ذلك
стр. 120
زاعماً أن ذلك منكر لمخالفته لمذهب مالك، ولم يورد على ذلك أي حجة غير ذلك، ولما أراد أن يثبت انتفاع الميت بالحج عنه، وسقوط الصوم المنذور إذا صامه الحي عن الميت، وأباح لنفسه أن يخالف مذهب مالك بلا دليل، وحرم على غيره أن يخالفه بدليل في غاية الصحة، ونسب السدل إلى مالك وهو باطل كما بينه المحققون من أصحابه وكل ما بناه عباد القبور المبتدعون من بيوت الضلال فإنه بناء على شفا جرف هار ينهار بهم في نار جهنم، هذا إذا كانوا مخلصين معتقدين لما يقولون، فكيف إذا كانوا متناقضين يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون كما جاء في الحديث، والعجب من هذا المشرك المتناقض كيف أشرك بالله وجعل له أنداداً، ولو كان يحب الله ما أشرك به، ورد أحاديث رسول الله ﷺ وزعم أن العمل بها منكراً يجب تغييره، ثم أخذ يتظاهر بالتشيع الكاذب لآل البيت لذرية فاطمة ﵍، فهكذا يكون النفاق والوقاحة، وإنما وجبت محبة آل البيت تبعاً لمحبة النبي ﷺ فمن أشرك بالله وعصى رسوله ورد حديثه وسنته كيف تصح محبته لآل البيت؟ ودونك الحديث الذي ذكر أطرافه على وجهه الصحيح كما في صحيح مسلم.
стр. 121
أخرج مسلم في كتاب فضائل الصحابة من صحيحه عن يزيد بن حبان قال: ((انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمرو بن مسلم إلى زيد بن أرقم ﵁، فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقيت يا زيد خيراً كثيرا، رأيت رسول الله ﷺ وسمعت حديثه وغزوت معه، وصليت خلفه؛ لقد لقيت يا زيد خيراً كثيرا. حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله ﷺ قال: يا ابن أخي والله لقد كبرت سني وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله ﷺ فما حدثتكم فاقبلوا وما لا فلا تكلفونيه، ثم قال: قام رسول الله ﷺ يوماً فينا خطيبا بما يدعى ((خما)) بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر ثم قال أما بعد: ((ألا أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به)) .
فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: ((وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، وأذكركم الله في أهل بيتي)) ، فقال حصين: ومن أهل بيته؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ . قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن بيته من حرم الصدقة بعده وقال: من هم؟ قال: آل علي وآل جعفر وآل
стр. 122
عباس، قال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ ، قال: نعم)) انتهى.
وقد زاد فيه القبوري زيادة مفتراة فقال: ((هم ذرية فاطمة إلى يوم القيامة)) ، فليبشر بأن يتبوأ مقعده من النار، وتأمل أيها الطالب للحق قول النبي ﷺ في الوصية بكتاب الله وعترته أهل بيته، ولن يفترقا حتى يردا على الحوض، يعني أن أهل بيته الذي أوصى بإكرامهم لن يتفرقوا مع كتاب الله، ولن يخالفوه أبداً، تعلم يقيناً أن المعني أولاً وبالذات هم الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض كعمه العباس وفاطمة وعلي وأولادهما لصلبهما الحسن والحسين وعبد الله والفضل ابني عمه وآل جعفر وآل عقيل (١) ، فهؤلاء لم يفترقوا مع كتاب الله حتى ماتوا على عهد الله ورسوله ولا يعقل أن ذريتهم ما تناسلوا إلى يوم القيامة يكونون معصومين من مخالفة الكتاب ومن ارتكاب الكبائر التي توجب لصاحبها دخول النار، كيف وقد تقدم حديث أبي هريرة المتفق عليه وفيه: يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، وكذلك قال لعمه ولعمته ولسائر بني هاشم ومعنى ذلك أن من خالف الكتاب منهم بكفر وكبيرة لا تغني عنه قرابته من رسول الله ﷺ فتيلا.
ولا ينبغي لأحد أن يفهم من كلامي التهاون بآل البيت فإن
стр. 123
محبتهم تابعة لمحبة رسول الله ﷺ وإكرامهم إكرام لرسول الله ﷺ بشرط أن يكونوا مؤمنين متمسكين بسنة النبي ﷺ ، فإن خالفوا ذلك فهم أحق بالذم واللوم والعقاب من غيرهم، فقد قال تعالى في سورة الأحزاب: ﴿يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض﴾ فشرط في فضلهن على غيرهن: التقوى، وفي صحيح البخاري عن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: ((إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالحوا المؤمنين، ولكن لهم رحم أبلها ببلاها، ولا شك أن أهل البيت الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، هم من أصلح صالحي المؤمنين قد اشتركوا مع المؤمنين في الإيمان والصلاح، وزادوا عليهم بفضل القرابة، والفضل المتقدم خاص بأعيانهم، وكلن ذريتهم المؤمنة الصالحة لها نصيب وافر من الفضل بقوله تعالى في سورة غافر: ﴿ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم، إنك أنت العزيز الحكيم﴾ فشرط الله في التحاقهم الصلاح، وقال تعالى في سورة الطور: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء، كل امرئ بما كسب رهين﴾ .
стр. 124
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: ((روى ابن أبي حاتم بسنده إلى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم﴾ قال: هم ذرية المؤمن يموتون على الإيمان، فإن كان منازل آبائهم أرفع من منازلهم الحقوا بآبائهم ولم ينقصوا من أعمالهم التي عملوها شيئا)) انتهى.
وقال تعالى في سور البقرة: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين﴾ يعني أن الله امتحن إبراهيم بأوامر أمره بها فامتثل أمر ربه وعمل بما أمره به على سبيل الوفاء والتمام، فشكر الله له ذلك وجعله إماماً للأنبياء من بعده يقتدون به وجعل في ذريته النبوة والكتاب وآتاه أجره في الدنيا، فلما رأى هذه الكرامة إبراهيم سأل الله لذريته أن يمنحهم مثل ذلك من النبوة والإمامة في الدين، فاستجاب الله دعاءه وأخبره أن من ارتكب الظلم الأكبر وهو الشرك بالله أو الظلم الأصغر وهو التعدي لا تناله تلك الكرامة وهي الإمامة، كما قال تعالى في سورة الصافات: ﴿وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين﴾ . قال البيضاوي: (( ﴿وباركنا عليه﴾ وعلى إبراهيم في أولاده
стр. 125
﴿وعلى إسحاق﴾ بأن أخرجنا من صلبه أنبياء بني إسرائيل وغيرهم كأيوب وشعيب، وأفضنا عليهما بركات الدين والدنيا ﴿ومن ذريتهما محسن﴾ في عمله أو إلى نفسه بالإيمان والطاعة ﴿وظالم لنفسه﴾ بالكفر والمعاصي ﴿مبين﴾ ظاهر ظلمه وفي ذلك تنبيه على أن النسب لا أثر له في الهدى والضلال، وأن الظلم في أعقابهما لا يعود عليهما بنقيصة وعيب، وقال البيضاوي في تفسير آية سورة البقرة مثل ما فسرته ونصه: ((قال: ((لا ينال عهدي الظالمين)) إجابة إلى ملتمسه، وتنبيه على أنه قد يكون من ذريته ظلمة وأنهم لا ينالون الإمامة، لأنها أمانة الله وعهده والظالم لا يصلح لها وإنما ينالها البررة الأتقياء منهم، وفيه دليل على عصمة الأنبياء من الكبائر قبل البعثة، وأن الفاسق لا يصلح للإمامة)) انتهى.
وقد ألفت في حقوق آل البيت ما لهم وما عليهم جزءاً لطيفاً نشرته صحيفة ((الميثاق)) موزعاً على أجزاء، وهي لسان حال جماعة العلماء المغاربة المتوقفة، ونشرته مجلة ((الهدي النبوي)) التي تصدر من القاهرة، وهي لسان حال جماعة أنصار السنة المحمدية، ولا بأس أن أنقل منه شيئاً قليلاً، ونص ما ذكرت فيه:
стр. 126
((تأمل حديث زيد بن أرقم تجد فيه مسائل:
الأولى: أن النبي ﷺ كان يستفتح خطبته بحمد الله والثناء عليه وكذلك خلفاؤه ومن بعدهم في زمان العز والإقبال والسيادة والاستقلال حتى جاء زمان الذل والاستعمار فتركت هذه السنة واستبدلت بسنة المستعمر ((سيداتي آنساتي سادتي)) ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه﴾ .
ثانيها: إخبار النبي ﷺ أنه لا بد أن ينتقل من هذه الدار الفانية وأنه تارك في أمته كتاب الله وأخبر أن هداهم ونورهم في الأخذ بكتاب الله والتمسك به تعلماً وتعليماً واتخاذه إماماً وحكما وتحليل حلاله وتحريم حرامه.
وفي الرواية الأخرى أن القرآن حبل الله المتين أي عهده ومن اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة، فمن ترك كتاب الله واستبدله بقوانين البشر فهو على ضلالة في ظلمة مدلهمة يخبط كالعشواء ولا يستقيم له أمر أبداً.
ثالثها: الوصية لأهل بيته والتأكيد فيها ولا شك أن الله أطلعه على ما سيلقاه أهل بيته من أعدائهم بعده، ومع توكيد تلك الوصية فقد ضيعها المضيعون، اتخذوا أهل بيته غرضاً من بعده ونصبوا لهم العداوة ولم يراعوا فيهم إلا ولا ذمة،
стр. 127
فقتلوهم تقتيلا، وطاردوهم وسيلقون جزاءهم في الآخرة بعد ما لقوه في الدنيا، وقوله ((ثقلين)) الثقل هو متاع المسافر ليتركه وديعة حتى يعود من سفره، والمقصود هنا أن النبي ﷺ ترك أمرين وديعة عند أمته، أحدهما: يتبع ويقتدى به ويحكم وهو القول الفصل وهو كتاب الله، والثاني: يكرم ويراقب فيه عهده بعد وفاته كما كان يراقب فيه في حياته وهم أهل بيته.
رابعها: بيان أهل بيته من هم؟ وقد تقدم الكلام في هذا المعنى مستوفى، وفي رواية لمسلم بعد قوله ((وعترتي أهل بيتي)) ولن يفترقا حتى يردا على الحوض، فقول ﵇ ((ولن يفترقا حتى يردا على الحوض)) نص صريح في الخصوصية والمزية وعلم من أعلام نبوته، فإن أهل البيت الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، هم عباس وأهل بيته، وعلي وأهل بيته، وعقيل وأهل بيته، وجعفر وأهل بيته كلهم كانوا على الهدى المستقيم، عاشوا عليه وماتوا عليه ولم يحدث منهم شيء ينكر، ولا ندعي أنهم معصومون، فإن العصمة خاصة برسول الله ﷺ خلافاً للإمامية الذين قالوا بعصمة أئمتهم.
وقد اختلف الناس في ((علي)) ، وهلكت فيه طائفتان. طائفة
стр. 128
غلت فيه حتى جعلته إلهاً، وهي طائفة عبد الله بن سبأ اليهودي، وقد أنكر عليهم قولهم، وبالغ في عقابهم فأحرقهم بالنار ليكونوا عبرة للعالمين، ولا يزال لهم اتباع إلى هذا الزمان لا يقول أحد بإسلامهم لا من أهل السنة ولا من غير أهل السنة.
أما الطائفة الأخرى التي هلكت في علي، فهم الخوارج والنواصب، وقد تقدم الكلام في تقسيم هؤلاء والحكم عليهم، فإن قلت ما هو دليل الخصوصية في هذه المزية، أفلا تشمل ذريتهم إلى يوم القيامة؟ فالجواب أن قوله ﵇: ((ولن يفترقا حتى يردا على الحوض)) جواب شافٍ عن هذا السؤال.
وهذه الفضيلة وإن كانت خاصة بأعيانهم وهم الذين كانوا على عهد النبي ﷺ فلا شك أن من صلح من ذرياتهم، ولم يفارق الكتاب والسنة له نصيب منها، ومحبة هؤلاء وإكرامهم فرض على كل مسلم، وقد تقدم مثل هذا)) انتهى.
وختم ((البوعصامي)) هذيانه بقوله: ((أنشدك الله يا إمام ((أرفود)) أن تشرح دين الله ولا تخاف في الله لومة لائم: التأمين بعد الفاتحة لا يكون إلا سراً، والجهر به مخالفة لسنة رسول الله ﷺ وقد قال العلماء: ((الراتب إذا كان
стр. 129
يرى المنكر ولم ينهى (كذا) فهو يحاسب. حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا)) انتهى.
ويا عجباً من جاهل باللغة العربية إلى حد أنه لا يعرف الفعل المجزوم، كيف يجزم ولا يميز بين المعرب والإعراب، ولا المرفوع من المنصوب ولا المذكر من المؤنث فقد أخطأ في المثل المشهور الذي يعرفه صبيان النحويين وهو ((ومن استراب فالعرب بالباب)) كتبها ((فالأعراب)) .
وقال: ((إن في زيارة قبور الصالحين الثواب)) ، ويريد بالزيارة هنا الزيارة الشركية وقد صدق، قال تعالى في سور الحج: ﴿فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار، يصب من فوق رؤوسهم الحميم﴾ فهنيئاً له بهذه الثياب الجهنمية، وقال في آية ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ ((فهي منسوخ)) ، ولا يقع في مثل هذا الخطأ إلا العجم المبتدءون في تعليم اللغة العربية وقال: ((ولا تخاف في الله لومة لائم)) فأثبت الألف مع التقاء الساكنين، ولو كان يحفظ القرآن لاستحضر قوله تعالى: ﴿لا تخف إنك أنت الأعلى﴾ إذا كان جاهلا بعلم الصرف وقال ((ولم ينهى عنه)) بإثبات الألف مع الجازم بغير ضرورة، فشخص هذه حاله في الجهل بالعربية والتخبط في ظلمات الشرك والبدعة والتقليد الأعمى، كيف يتصدى لإصدار الأحكام والأمر بالمعروف والنهي عن
стр. 130
المنكر، وقد أحاط به المنكر من كل جانب.
وقوله ((التأمين بعد الفاتحة لا يكون إلا سرا والجهر به مخالف لسنة النبي)) غاية في الوقاحة وقد علمت أن الإسرار بالتأمين هو المخالف لسنة النبي ﷺ فمن كان من أهل الاجتهاد كمالك والمجتهدين من أصحابه ﵏، ولم يبلغه الحديث فلا إثم عليه، وله أجر في الاجتهاد، ومن لم يكن كذلك وبلغه الحديث فرده واتبع هواه فهو مبتدع آثم، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، كما جاء في الحديث، وقد أخرج مسلم من حديث عائشة أم المؤمنين أن رسول الله ﷺ قال: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) والصلاة التي يسر فيها بالتأمين فما يجهر به عمل ليس عليه أمر النبي ﷺ فهو مردود على فاعله إلا إذا بذل جهده في طلب السنة ولم يقف عليها فنرجوا الله أن يغفر له.
قال محمد تقي الدين: هذا ما يسر الله في الرد على ذلك الداعية إلى البدعة والشرك، وقد بدا لي أن أذيله ببعض قصيدة قلتها في مبتدع آخر مثل ((البوعصامي)) في الشرك والبدعة، وقد قضى نحبه ولقي ربه وأفضى إلى ما قدم منذ زمان، وتليها قصيدة أخرى نظمتها منذ شهر في الرد على عباد القبور والزنادقة والملحدين الذين يدعون بدعوى
стр. 131
الجاهلية، والله أسأل أن يؤيدني بروح منه ويعينني على جهادهم أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
((القصيدة الأولى))
لكن ذا زمن به البغاث غدا ... مستنسراً صائلاً في زي عقبان
والذئب أصبح مثل الضأن مرتدياً ... ليبتغي الصيد من أغرار خرفان
وأصبح الدين للدنيا تعلمه ... وقد تمول منه كل خوان
لو كان يجدي البكا يوماً بكيت على ... علم الحديث وتفسير وقرآن
لم يبق منها سوى الأسماء خالية ... من كل معنى، سوى تحريف كهان
وكم أهبت بقومي صارخاً أبداً ... أوبوا لهدي نبي الله إخواني
دعوا دجاجلة يبغونها عوجاً ... فلن يقودوكم إلا لخسران
أسلافنا ارتفعوا، أسلافنا سعدوا ... بقفوهم أحمد الهادي بإحسان
قد اقتفوا سنة المختار خالصة ... من غير شوب يزيد أو بنقصان
ومنذ بدل قوم هديه سقطوا ... إلى الحضيض ونالوا كل حرمان
والله لن يسعدوا إلا بما سعدوا ... فلا يغرنكم وسواس شيطان
أوطانهم بهم والله قد شقيت ... والأرض تسعد أو تشقى بسكان
ومن يرد حديث المصطفى سفهاً ... يا رب فالعنه من جن وإنسان
يا رب صل على المختار سيدنا ... ما غنت الورق في دوح بألحان
والآل والصحب ثم التابعين له ... واجعل محبته روحي وريحاني
فرج بها كربي واجمع بها شعثي ... واصلح الحال في سري وإعلاني
وانصر بها حزبنا طول الحياة وفي ... يوم الجزا جد لنا طرا بغفران
стр. 132
((القصيدة الثانية))
الأبيات التسعة الأولى هي التي بقيت في حفظي من قصيدة للشيخ عمران اللنجي (١) رحمة الله عليه وتكملتها من نظمي:
إن كان تابع أحمد متوهباً ... فأنا المقر بأنني وهابي
أنفي الشريك عن الإله فليس لي ... رب سوى المتفرد الوهاب
لا قبة ترجى ولا وثن ولا ... قبر له سبب من الأسباب
أيضاً ولست معلقاً لتميمة ... أو حلقة أو ودعة أو ناب
لرجاء نفع أو لدفع مضرة ... الله ينفعني ويدفع ما بي
والابتداع وكل أمر محدث ... في الدين ينكره ذوو الألباب
أرجو بأني لا أقاربه ولا ... أرضاه دينا وهو غير صواب
كالشافعي ومالك وأبي حنيفـ ... ـة ثم آحاد التقى الأواب
هذا الصحيح ومن يقول بمثله ... صاحوا عليه مجسم وهابي
نسبوا إلى الوهاب خير عباده ... يا حبذا نسبي إلى الوهابي
الله أنطقهم بحق واضح ... وهم أهالي فرية وكذاب
أكرم بها من فرقة سلفية ... سلكت محجة سنة وكتاب
وهي التي قصد النبي بقوله ... هي ما عليه أنا وكل صحاب
قد غاظ عباد القبور ورهطهم ... توحيدنا لله دون تحاب
عجزوا عن البرهان أن يجدوه إذ ... فزعوا لسرد شتائم وسباب
وكذاك أسلاف لهم من قبلكم ... نسبوا لأهل الحق من ألقاب
سموا رسول الله قبل مذمماً ... ومن اقتفاه قيل هذا صاب
الله طهرهم وأعلى قدرهم ... عن نبز كل معطل كذاب
стр. 133
الله سماهم بنص كتابه ... حنفاء رغم الفاجر المرتاب
ما عابهم إلا المعطل والكفو ... ر ومن غوي بعبادة الأرباب
ودعا لهم خير الورى بنضارة ... ضمنت لهم نصراً مدى الأحقاب
هم حزب رب العالمين وجنده ... والله يرزقهم بغير حساب
وينيلهم نصراً على أعدائهم ... فهو المهيمن هازم الأحزاب
إن عابهم نذل لئيم فاجر ... فإليه يرجع كل ذاك العاب
ما ضارهم عيب العدو وهل يضيـ ... ـر البدر في العلياء نبح الكلاب
يا سالكاً نهج النبي وصحبه ... أبشر بمغفرة وحسن مآب
وهزيمة لعدوك الخب اللئيـ ... ـم وإن يكن في العد مثل تراب
يا معشر الإسلام أوبوا للهدى ... واقفوا سبيل المصطفى الأواب
أحيوا شريعته التي سادت بها الأ ... سلاف فهي شفاء كل مصاب
ودعوا التحزب والتفرق والهوى ... وعقائداً جاءت من الأذناب
فيمينها لا يمن فيه ترونه ... ويسارها يأتيكم بتباب
إن الهدى في قفو شرعة أحمد ... وخلافها ردا على الأعقاب
جربتم طرق الضلال فلم تروا ... لصداكم إلا بريق سراب
والله لو جربتم نهج الهدى ... سنة لفقتم جملة الأتراب
ولهابكم أعداؤكم وتوقعوا ... منكم إعادة سائر الأسلاب
أما إذا دمتم على تقليدهم ... فتوقعوا منهم مزيد عذاب
وتوقعوا من ربكم خسراً على ... خسر وسوء مذلة وعقاب
هذي نصيحة مشفق متعتب ... هل عندكم يا قوم من إعتاب
ومن البلية عذل من لا يرعوي ... ولدى الغوي يضيع كل عتاب
وزعمتم أن العروبة شرعة ... وعقيدة تبنى على الأسباب
لا فرق بين مصدق لمحمد ... ومكذب فالكل ذو أحساب
فيصير عندكم أبو جهل ومن ... والاه من حضر ومن أعراب
стр. 134
مثل النبي محمد وصحابه ... بئس الجزاء لسادة أقطاب
بل صار بعضكم يرجح جانب الـ ... ـكفار من سف ومن أوشاب
ماذا بنى لكم أبو جهل من المجد ... المخلد في مدى الأحقاب
إلا عبادته لأصنام وإلا ... وأدهم لبناتهم بتراب
وجهالة وضروب خزي يستحي ... من ذكر أدناها ذوو الألباب
أفتعلون ذوي المفاخر والعلى ... بحثالة كثعالب وذئاب
اللؤلؤ المكنون يعدل بالحصى ... والند والهندي بالأخشاب
بدلتم نهج الهدى بضلالة ... وقصور مجد شامخ بخراب
ولقد أتيتكم بنصح خالص ... يشفيكم من جملة الأوصاب
وإخالكم لا تقبلون نصيحتي ... بل تتبعون وساوس الخراب
وكان الفراغ منه بمدينة مكناس طهرها الله من الأدناس وصانها من كل بأس لعشر خلون من ربيع الأول ١٣٨٥هـ خمس وثمانين وثلاث مائة بعد الألف.