← Акыда

Акыда · id 1702

الحسام الماحق لكل مشرك ومنافق

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (134 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أهل المدينة وأهل البيت الذين لهم من رسول الله ﷺ قرب النسب وقرب الدار، لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم فكانوا له أضبط)) انتهى. السابعة: عن ابن عباس قال: ((لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج)) رواه أهل السنن الثلاثة (أبو داود والترمذي وابن ماجة) ورواه أحمد والترمذي وصححه من حديث أبي هريرة، ورواه ابن ماجة من حديث عبد الرحمن بن حسان بن ثابت عن أبيه. وفيه مسائل: الأولى: لعن النبي ﷺ لزائرات القبور يقتضي تحريم زيارة القبور على النساء مطلقاً، وفي الباب أحاديث متعددة، وقد اختلف الأئمة في ذلك، والحق مع القائلين بالتحريم. الثانية: لعن النبي ﷺ لمن يبني مسجداً أو غيره على قبر كيفما كان ذلك القبر. وقد تقدمت الأحاديث في ذلك بما فيه الغنية. الثالثة: لعن النبي ﷺ لكل من يوقد سراجاً أو شمعة أو نحوهما على قبر تعظيماً له، وكذلك من يعظمه بإهداء الأموال إليه والتصدق لوجه صاحبه إلى غير ذلك مما يفعله المشركون لآلهتهم وأوليائهم الذين اتخذوهم من دون الله ولنقتصر على هذا القدر في الرد على ما جاء في رسالة المفتون من إباحة الشرك والترغيب فيه.

стр. 37

الفصل الثاني (في تحريم الإفتاء والقضاء بالتقليد وبيان أن التمذهب بدعة وأن من عجز عن أخذ الحكم من الكتاب والسنة يجوز له أن يقلد عالما من علماء زمانه يسأله مشافهة عما جاء عن الله ورسوله في تلك المسألة ولا يلتزم شخصا بعينه ولا جماعة بأعيانها) اعلم أيها الطالب للحق المتبرئ من الشرك والبدعة وأهلهما! أن الله أرسل رسوله محمداً ﷺ بالهدى ودين الحق بشيراً ونذيراً، لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين، فبلغ الرسالة ولم يخص بها أحداً دون أحد وأدى الأمانة على أكمل وجه، وجاهد في الله حق جهاده وعبد الله حتى أتاه اليقين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه العدول الثقات الذين هم أغزر هذه الأمة علماً، وأقومها سبيلاً، وأطهرها قلوباً وأتقاها لله، اختارهم الله لصحبة نبيه وقال فيهم: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ (١) ، وأمر كل من بعدهم

стр. 38

باتباعهم فقال تعالى في سورة التوبة: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم﴾ (١) . وقال تعالى حاثاً عباده على اتباع رسوله في سورة آل عمران: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم﴾ (٢) وقال تعالى في سورة الأعراف: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل﴾ إلى أن قال: ﴿فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون﴾ (٣) وقال تعالى في سورة الأعراف: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون﴾ (٤) والآيات في هذا المعنى أكثر من أن تحصى. ثم تحمل الرسالة بعد الصحابة الكرام التابعون، ورعوها

стр. 39

حق رعايتها وكانوا أحق بها وأهلها، ثم حملها تابعوهم من الأئمة المجتهدين والحفاظ المبرزين نفوا عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. ولم يكن في تلك القرون المفضلة تشدد في الدين، ولا تمذهب، ولا تحزب، ولا تعصب، بل كانوا عباد الله إخوانا، وعلى طاعته أعوانا، وكان العامي في تلك العصور إذا عنت له مسألة سأل من يصادفه من العلماء، فكان الواحد يسأل في مسألة أحد الخلفاء الراشدين، وفي الأخرى عبد الله بن عباس، وفي الثالثة عبد الله بن مسعود، وفي الرابعة عبد الله بن عمر وفي الخامسة جابر بن عبد الله. وهكذا ولم يتخذ أحد منهم رجلاً بعينه يخص بالسؤال والاتباع دون غيره كأنه نبي مرسل. حاشاهم من ذلك، وإنما حدث ذلك بعد القرون المفضلة أي في القرون المذمومة على لسان رسول الله ﷺ . وسأذكر هنا نبذة يسيرة من البراهين التي تثلج الصدور وترفع الحجب والستور، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور. الأول: كل من اتخذ رجلاً غير النبي ﷺ حجة يحلل به، ويحرم به، دون أن يسأله عن دليل ما أفتى به، تحسيناً للظن به، واعتقاداً منه أنه لا يخطئ حكم الله أبداً، فقد اتخذ ذلك الشخص رباً دون الله. وإليك برهانه: قال حافظ

стр. 40

المغرب الإمام أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري الذي شرح الموطأ ثلاثة شروح في كتابه جامع بيان العلم وفضله ما نصه: ((قد ذم الله ﵎ التقليد في غير موضع في كتابه فقال: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله﴾ (١)) ) وروى عن حذيفة وغيره قالوا: ((لم يعبدوهم من دون الله ولكن أحلوا وحرموا عليهم فاتبعوهم)) . قال عدي بن حاتم: ((أتيت رسول الله ﷺ وفي عنقي صليب فقال يا عدي ألق هذا الإثم من عنقك وانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة حتى أتى على هذه الآية: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله﴾ (٢) قال: قلت: يا رسول الله، إنا لم نتخذهم أرباباً. قال: بلى، أليس يحلون لكم ما حرم عليكم فتحلونه ويحرمون عليكم ما أحل الله لكم فتحرمونه فقلت: بلى فقال: تلك عبادتهم)) . قال محمد تقي الدين: وروى الإمام ابن عبد البر آثاراً في هذا المعنى، وبيان ذلك أن الحكم الشرعي لا يجوز أن يكون لأحد إلا لله فهو كالصلاة والصيام وسائر العبادات فمن جعله لغير الله فقد أشرك وقال تعالى في سورة الشورى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ (٣) وقال

стр. 41

تعالى في سورة المائدة: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيراً من الناس لفاسقون. أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون﴾ (١) وقال تعالى في سورة الشورى: ﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾ (٢) ولا حجة في قول أحد كائناً من كان إلا في كلام الله وكلام رسوله لأنه معصوم. قال تعالى في سورة النجم: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ (٣) . واعلم أن ما فرضه الله على أصحاب رسول الله ﷺ وسائر القرون المفضلة هو الذي فرضه الله على سائر المسلمين إلى يوم القيامة، وما ابتدع بعدهم في الدين فهو ضلال لا يقبله الله ولا يرضاه رسوله ﷺ أبداً، فالتفرق إلى مذاهب وطرائق وشيع أو فرق كله ضلال وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله. ثم قال الإمام ابن عبد البر في باب فساد التقليد ((وقال : ﴿وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون.

стр. 42

قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم﴾ فمنعهم الاقتداء بآبائهم من قبول الاهتداء: ﴿فقالوا إنا بما أرسلتم به كافرون﴾ (١) وفي هؤلاء ومثلهم قال الله : ﴿إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون﴾ (٢) وقال: ﴿إذ تبرأ الذين اتُبعوا من الذين اتَبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار﴾ (٣) وقال عائباً لأهل الكفر وذاماً لهم: ﴿ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين﴾ (٤) وقال: ﴿إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل﴾ (٥) ومثل هذا في القرآن كثير من ذم تقليد الآباء والرؤساء. وقد احتج العلماء بهذه الآيات في إبطال التقليد ولم يمنعهم كفر أولئك من الاحتجاج بها، لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر وإنما وقع التشبيه بين التقليدين بغير حجة للمقلد كما لو قلد رجل رجلاً فكفر وقلد آخر فأذنب، فقلد آخر

стр. 43

في مسألة دنياه فأخطأ، وجهها كان كل واحد ملوماً على التقليد بغير حجة لأن كل ذلك تقليد يشبه بعضه بعضاً وإن اختلفت الأنام فيه)) . ثم قال: ((وقد ثبت الاحتجاج بما قدمنا في الباب قبل هذا، وفي ثبوت إبطال التقليد أيضاً. فإذا بطل التقليد بكل ما ذكرنا وجب التسليم للأصول التي يجب التسليم لها وهي الكتاب والسنة، أو ما كان في معناهما بدليل جامع بين ذلك. أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو بكر بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إني لأخاف عليكم من زلة العالم، ومن حكم جائر ومن هوى متبع)) . وبهذا الإسناد عن النبي ﷺ أنه قال: ((تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله)) )) . ثم روى بسنده إلى عمر بن الخطاب قال: ((ثلاث يهدمن الدين: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون)) ، ثم روى بسنده إلى معاذ بن جبل قال: ((الله حكم قسط، هلك المرتابون، إن وراءكم فتنا: يكثر المال ويفتح القرآن حتى يقرأه المؤمن والمنافق، والمرأة والصبي، والأسود والأحمر، فيوشك أحدهم أن يقول: قد قرأت القرآن فيما أظن أن يتبعوني حتى ابتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع فإن كل بدعة ضلالة، وإياكم وزيغة

стр. 44

الحكيم؟ قال: هي الكلمة تروعكم وتنكرونها وتقولون ما هذه؟ فاحذروا زيغته ولا تصدنكم عنه، فإنه يوشك أن يفئ وأن يراجع الحق، وأن العلم والإيمان مكانهما إلى يوم القيامة. فحسن ابتغاؤهما ووجودهما)) . ثم بعد ذكر آثار عديدة عن الصحابة في هذا المعنى، قال الإمام أبو عمر ما نصه: ((وإذا صح وثبت أن العالم يزل ويخطئ لم يجز لأحد أن يفتي أو يدين بقول لا يعرف وجهه)) . قال محمد تقي الدين: ((المراد بالوجه، الدليل من كتاب الله وسنة رسوله، فجميع المسائل التي موه بذكرها المفتون ((البوعصامي)) باطلة، لأنه لا يعرف دليلاً ولا يهتدي سبيلاً، ولا يحل له الإفتاء أبداً وإلا كان داخلاً في قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ (١) . ثم أنشد أبو عمر للحسين بن علي من أئمة آل البيت رضوان الله عليهم قال:

стр. 45

تريد تنام على ذي الشبه وعلك إن نمت لم تنتبه فجاهد وقلد كتاب الإله لتلقى الإله إذا مت به فقد قلد الناس رهبانهم وكل يجادل عن راهبه وللحق مستنبط واحد وكل يرى الحق في مذهبه ففيما أرى عجب غير أن بيان التفرق من أعجبه ثم قال أبو عمر: ((وثبت عن النبي ﷺ ما ذكرناه في كتابنا هذا أنه قال: تذهب العلماء ثم يتخذ الناس رؤساء جهالا، يسألون فيفتون بغير علم فيضلون ويضلون، وهذا كله نفي للتقليد لمن فهمه وهدي لرشده. حدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا أحمد بن مطرف قال حدثنا سعيد ابن عثمان وسعيد بن حمير قال حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال حدثنا سفيان بن عيينة قال: ((اضطجع ربيعة مقنعاً رأسه وبكى فقيل له ما يبكيك؟ فقال: رياء ظاهر وشهوة خفية، والناس عند علمائهم كالصبيان في حجور أمهاتهم ما نهوهم عنه انتهوا، وما أمروهم ائتمروا وقالوا لا تعرف خطأ معلمك حتى تجالس غيره. وقال عبد الله بن المعتز: ((لا فرق بين بهيمة تنقاد وبين إنسان يقلد)) وهذا كله لغير العامة، فإن العامة لا بد لها من تقليد علمائها عند النازلة تنزل بها لا تتبين موقع الحجة لعدم الفهم لأن العلم درجات لا سبيل إلى أعلاها إلا بنيل أسفلها، وهذا الحائل بين العامة وبين طلب الحجة والله أعلم.

стр. 46

ولم تختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها، وأنهم المرادون بقول الله تعالى: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ (١) وأجمعوا أن الأعمى لابد له من تقليد غيره ممن يثق بمعرفته بالقبلة – إذا أشكلت عليه – فكذلك من لا علم ولا بصر له بمعنى ما يدين به، لا بد له من تقليد غيره، وكذلك لم يختلف العلماء أن العامة لا يجوز لها الفتيا، وذلك – والله أعلم – لجهلها بالمعاني التي فيها يجوز التحليل والتحريم، والقول في العلم. وقد نظمت في التقليد وموضعه أبياتا رجوت في ذلك جزيل الأجر لما علمت أن من الناس من يسرع إلى حفظ المنظوم ويتعذر عليه المنثور وهي من قصيدة لي: يا سائلي عن موضع التقليد خذ واصغ إلى قولي ودن بنصيحتي لا فرق بين مقلد وبهيمة تبا لقاض أو لمفت لا يرى فإذا اقتديت فبالكتاب وسنة الـ ثم الصحابة عند عدمك سنة وكذلك إجماع الذين يلونهم إجماع أمتنا وقول نبينا وكذا المدينة حجة إن أجمعوا وإذا الخلاف أتى فدونك فاجتهد وعلى الأصول فقس فروعك لا تقس والشر ما فيه فديتك أسوة من الجواب بفهم لب حاضر واحفظ علي بوادري ونوادري تنقاد بين جنادل ودعائر عللا ومعنى للمقال السائر مبعوث بالدين الحنيف الطاهر فأولاك أهل نهى وأهل بصائر من تابعيهم كابرا عن كابر مثل النصوص لدى الكتاب الزاهر متتابعين أوائلا بأواخر ومع الدليل فمل بفهم وافر فرعا بفرع كالجهول الحائر فانظر ولا تحفل بزلة ماهر

стр. 47

)) . ثم روى بسنده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أفتى بفتيا عن غير تثبت فإنما إثمها على من أفتاه)) . أقول: وهذا المفتون قد أفتى في صحيفته الكاذبة الخاطئة في مسائل كثيرة بدون تثبت ولا دليل فهو يتحمل إثمها. وقد احتج جماعة من الفقهاء وأهل النظر على من أجاز التقليد بحجج نظرية عقلية، فأحسن ما رأيت من ذلك قول المزني رحمه الله تعالى: ((يقال لمن حكم بالتقليد: هل لك حجة فيما حكمت به؟ فإن قال: نعم. أبطل التقليد، لأن الحجة أوجبت ذلك عنده لا التقليد وإن قال: حكمت فيه بغير حجة قيل له: فلم أرقت الدماء وأبحت الفروج وأتلفت الأموال، وقد حرم الله ذلك إلا بحجة؟ قال : ﴿إن عندكم من سلطان بهذا﴾ (١) أي من حجة بهذا قال: فإن قال: أنا أعلم أني قد أصبت وإن لم أعرف الحجة لأني قلدت كبيراً من العلماء، وهو لا يقول إلا بحجة خفيت علي، قيل له: إذا جاز لك تقليد معلمك لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت عليك وجب عليك أن تقلد معلم معلمك لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت على معلمك، فإن قال: نعم، ترك تقليد معلمه إلى تقليد معلم

стр. 48

معلمه وكذلك من هو أعلى حتى ينتهي الأمر إلى أصحاب رسول الله ﷺ وإن أبى ذلك نقض قوله، وقيل له: كيف تجوز تقليد من هو أصغر وأقل علماً ولا تجوز تقليد من هو أكبر وأكثر علماً؟ وهذا متناقض. فإن قال: لأن معلمي وإن كان أصغر فقد جمع علم من هو فوقه إلى علمه فهو أبصر بما أخذ وأعلم بما ترك، قيل له: وكذلك من تعلم من معلمك فقد جمع علم معلمك وعلم من فوقه إلى علمه، فيلزمك تقليده وترك تقليد معلمك. ومن جهة أخرى أنت أولى أن تقلد نفسك من معلمك لأنك جمعت علم معلمك وعلم من فوقه إلى علمك ومقتضى هذا جعل الأصغر ومن يحدث صغار العلماء أولى بالتقليد من أصحاب رسول الله ﷺ وكذلك الصحابي عنده يلزمه تقليد التابعي والتابعي لمن هو دونه، وكفى بقول يؤول إلى هذا قبحاً وفساداً)) . قال أبو عمر: ((وقال أهل العلم والنظر: حد العلم: التبيين وإدراك المعلوم على ما هو عليه، فمن بان له الشيء فقد علمه، قالوا: والمقلد لا علم له ولم يختلفوا في ذلك. ومن ها هنا قال البحتري: عرف العالمون فضلك بالعلـ ... ـم وقال الجهال بالتقليد وقال أبو عبد الله بن خويز منداد البصري المالكي: ((التقليد معناه في الشرع الرجوع إلى قول لا حجة لقائله

стр. 49

عليه، وذلك ممنوع منه في الشريعة، والاتباع ما ثبتت عليه حجة)) وقال في وضع آخر من كتابه: ((كل من اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قوله لدليل يوجب ذلك فأنت مقلده، والتقليد في دين الله غير صحيح وكل من أوجب عليك الدليل اتباع قوله فأنت متبعه، والاتباع في الدين مسوغ والتقليد ممنوع)) )) . تبرؤ الإمام مالك ﵀ من المقلدين المفترين عليه قال الإمام ابن عبد البر في كتابه المذكور: ((حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا أبو عبد الله ابن محمد بن أحمد القاضي المالكي، حدثنا موسى بن إسحق، قال حدثنا إبراهيم بن المنذر قال أخبرنا معن بن عيسى قال سمعت مالك بن أنس يقول: ((إنما أنا بشر أصيب وأخطئ فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه)) انتهى. وقد كتب الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن قيم الجوزية في هذا المعنى، وهو الرد على المقلدين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، الكثير الطيب في كتابه ((إعلام الموقعين)) ومن أهم ذلك المناظرة العظيمة التي عقدها في المجلد الثاني بثمانين وجهاً. يكفي المؤمن الصادق إذا كان من أهل العلم وجه واحد

стр. 50

ليتوب إلى الله من تمذهبه وتعصبه، ويتبع كتاب الله وسنة رسوله، ولا يتسع المجال في هذه الرسالة المختصرة لذكر شئ من ذلك، غير أني أذكر عبارة من ذلك قليلة الألفاظ كثيرة المعاني. قال ﵀ وأجزل ثوابه: ((يا لله العجب! ماتت مذاهب أصحاب رسول الله ﷺ ومذاهب التابعين وتابعيهم إلا أربعة أنفس وهذه بدعة قبيحة)) أ. هـ. وقال الإمام صالح بن محمد بن نوح الفلاني في كتابه ((إيقاظ همم أولي الأبصار للاقتداء بسيد المهاجرين والأنصار وتحذيرهم عن الابتداع الشائع في القرى والأمصار من تقليد المذاهب مع الحمية والعصبية بين فقهاء الأعصار)) بعد نقله ما مر من كلام ابن عبد البر وأكثر منه كلاما، ما نقله عن ((سند بن عنان)) شارح مدونة سحنون جاء فيه: ((وأما التقليد فلا يرضاه رجل رشيد، ولسنا نقول إنه حرام على كل فرد بل نوجب معرفة الدليل، وأقاويل الرجال، ونوجب على العامي تقليد العالم)) ثم قال ((سند)) بعد ذكره الخلاف في تقليد الميت ما نصه: ((وإنما نقول نفس المقلد ليست على بصيرة، ولا يتصف من العلم بحقيقة، إذ ليس التقليد بطريق إلى العلم بوفاق أهل الآفاق، وإن نازعنا في ذلك برهانه فنقول: قال الله

стр. 51

تعالى: ﴿فاحكم بين الناس بالحق﴾ (١) وقال: ﴿لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ (٢) وقال: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ (٣) وقال: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ (٤) ومعلوم أن العلم هو معرفة المعلوم على ما هو به، فنقول للمقلد: إذا اختلفت الأقوال وتشعبت المذاهب من أين تعلم صحة قول من قلدته دون غيره، أو صحة قولة له على قولة أخرى، ولن يبدي كلاماً في قول إلا انعكس عليه في نقيضه، خاصة إذا عرض له ذلك في قولة لإمام مذهبه الذي قلده، وقولة تخالفها لبعض أئمة الصحابة)) . وقال الإمام الشاطبي في الاعتصام من جملة كلام طويل في رد التقليد ما نصه (ج٣، ص ٣٠١) : ((ومن معنى كلام مالك: ما كان كلامي موافقاً للكتاب والسنة فخذوا به، وما لم يوافق فاتركوه، هذا معنى كلامه دون لفظه)) . قال محمد تقي الدين: يرحم الله أبا إسحق ما أعظم ورعه فإنه لما لم يذكر لفظ مالك نبه على أنه رواه بالمعنى، ونص كلام مالك هو ما تقدم مسنداً من رواية ابن عبد البر، وعندي من النقول عن الأئمة ونصوص الكتاب والسنة في إبطال التقليد والتمذهب ما يضيق عنه الوقت فلذلك اكتفي بهذا القدر.

стр. 52

الفصل الثالث (في بيان أن كل بدعة ضلالة) اعلم أن الإمام أبا إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي رحمة الله عليه ألف كتاباً سماه ((الاعتصام)) أقام فيه الحجج الدامغة والبراهين القاطعة على أن البدع - كلها - إذا كانت في الدين ضلالة، وهي شر من أكبر الكبائر، وبَيَّن انقسامها إلى إضافية وحقيقية وبين أن حكمها واحد، فكل من قرأه وتمسك بعد ذلك ببدعة، فلا يخلو: إما يكون جاهلاً بفهم معناه، أو منافقاً يبغض ما جاء به الرسول ﷺ ويدعي الإسلام، تستراً لأغراض دنيوية خسيسة، ولا يتسع وقتي لنقل كثير منه وإنما أقتصر على قليل، ولكنه كاف شاف لكل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. قال الشاطبي في الرد على القرافي وشيخه ابن عبد السلام اللذين زعما أن البدع تعتريها الأحكام الخمسة (ج١، ص ١٤٧) فمثلا للواجب: بتدوين القرآن والشرائع إذا خيف عليها الضياع، ومثلا للندوب: بصلاة

стр. 53

التراويح، ومثلا للمكروه: بتخصيص الأيام الفاضلة بنوع من العبادة، ومثلا للمباح: باتخاذ المناخل للدقيق. قال الشاطبي في الرد عليها: ((والجواب أن هذا التقسيم أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعي، بل هو في نفسه متدافع لأن من حقيقة البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعي لا من نصوص الشرع ولا من قواعده إذ لو كان هناك ما يدل من الشرع على وجوب أو ندب أو إباحة لما كان ثم بدعة، ولكان العمل داخلاً في عموم الأعمال المأمور بها أو المخير فيها، فالجمع بين تلك الأشياء المبتدعة وبين الأدلة التي تدل على وجوبها أو ندبها أو إباحتها جمع بين متنافيين. أما المكروه منها والمحرم فمسلم من جهة كونها بدعة لا من جهة أخرى، إذ لو دل دليل على منع أمر أو كراهته لم يثبت ذلك كونه بدعة لإمكان أن يكون معصية كالقتل والسرقة وشرب الخمر ونحوها فلا بدعة يتصور فيها التقسيم البتة، إلا الكراهية والتحريم حسبما ذكر في بابه، فما ذكره القرافي عن الأصحاب من الاتفاق على إنكار البدع فصحيح. وما قسمه فيها غير صحيح، ومن العجب حكاية الاتفاق مع المصادمة بالخلاف، ومع معرفته بما يلزمه في خرق الإجماع، وكأنه إنما اتبع في هذا التقسيم شيخه من غير تأمل، فإن ابن عبد السلام ظاهر منه أنه سمى المصالح

стр. 54

المرسلة بدعاً، لأنها لم تدخل بأعيانها تحت النصوص المعينة، ولكنها تلائم قواعد الشرع. فمن هنالك جعل القواعد هي الدالة على استحسانها مع تسميته لها بلفظ البدع؛ واستحسانها من حيث دخولها تحت القواعد، ولما بني على اعتماد تلك القواعد استوت عنده مع الأعمال الداخلة تحت النصوص المعينة، وصار من القائلين بالمصالح المرسلة وسماها بدعاً في اللفظ كما سمى عمر الجمع في قيام رمضان في المسجد بدعة، وكما سيأتي إن شاء الله. أما القرافي فلا عذر له في نقل تلك الأقسام على غير مراد شيخه وعلى غير مراد العلماء لأنه خالف الكل في ذلك التقسيم فصار مخالفاً للإجماع)) . ثم قال أبو إسحاق: ((وأما قسم المندوب فليس من البدع بحال وتبيين ذلك بالنظر في الأمثلة التي مثل لها بصلاة التراويح في رمضان جماعة في المسجد، فقد قام بها رسول الله ﷺ في المسجد واجتمع الناس خلفه. فخرجه أبو داود عن أبي ذر قال: ((ضمنا مع رسول الله ﷺ رمضان فلم يقم بنا شيئاً من الشهر حتى ذهب ثلث الليل، فلما كانت السادسة لم يقم بنا، فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل، فقلنا: يا رسول الله لو نفلتنا قيام هذه الليلة،

стр. 55

قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حُسب له قيام الليل)) قال: فلما كانت الرابعة لم يقم فلما كانت الثالثة جمع أهله ونساءه والناس، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح قلت: وما الفلاح! قال: السحور، ثم لم يقم بنا بقية الشهر)) ونحوه في الترمذي وقال فيه حسن صحيح. لكنه ﷺ لما خاف افتراضه على الأمة أمسك عن ذلك. ففي الصحيح عن عائشة: ((أن رسول الله ﷺ صلى في المسجد ذات ليلة فصلى بصلاته ناس ثم صلى القابلة فكثر الناس ثم اجتمعوا الليلة الثالثة والرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ فلما أصبح قال: ((قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إلا أني خشيت أن يفرض عليكم)) وذلك في رمضان)) . وخرجه مالك في الموطأ. فتأملوا! ففي هذا الحديث ما يدل على أنها سنة، فإن قيامه أولاً بهم دليل على صحة القيام في المسجد في رمضان، وامتناعه بعد ذلك من الخروج خشية الافتراض لا يدل على امتناعه مطلقاً، لأن زمانه كان زمان تشريع ووحي، فيمكن أن يوحى إليه إذا عمل به الناس الإلزام، فلما زالت علة التشريع بموت رسول الله ﷺ رجع الأمر إلى أصله وقد ثبت الجواز فلا ناسخ له، وإنما لم يقم بذلك أبو بكر لأحد أمرين، إما لأنه رأى قيام الناس آخر الليل وما هم به عليه كان أفضل

стр. 56

عنده من جمعهم على إمام أول الليل، ذكره الطرطوشي، وإما لضيق زمانه عن النظر في هذه الفروع، مع شغله بأهل الردة وغير ذلك مما هو أوكد من صلاة التراويح. فلما تمهد الإسلام في زمان عمر ورأى الناس في المسجد أوزاعاً كما جاء في الخبر قال: لو جمعت الناس على قارئ واحد لكان أمثل، فلما تم له ذلك نبه على أن قيامهم آخر الليل أفضل، ولقد اتفق السلف على صحة ذلك وإقراره، والأمة لا تجمع على ضلالة، وقد نص الأصوليون أن الإجماع لا يكون إلا عن دليل شرعي. فإن قيل: فقد سماها عمر بدعة وحسنها بقوله: ((نعمت البدعة هذه)) وإذا ثبتت بدعة مستحسنة في الشرع ثبت مطلق الاستحسان في البدع. فالجواب: إنما سماها بدعة باعتبار ظاهر الحال من حيث تركها رسول الله ﷺ واتفق أنها لم تقع في زمن أبي بكر، لا لأنها بدعة حقيقية فمن سماها بدعة بهذا الاعتبار فلا مشاحة في الأسامي، وعند ذلك لا يجوز أن يستدل بها على جواز الابتداع بالمعنى المتكلم عنه، لأنه نوع من تحريف الكلام عن مواضعه، فقد قالت عائشة: ((إن كان رسول الله ﷺ ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم)) )) . ثم قال أبو إسحاق في القسم الخامس وهو المباح: ((وذكر

стр. 57

في قسم المباح مسألة المناخل وليست في الحقيقة من البدع، بل هي من باب التنعم، ولا يقال فيمن تنعم بمباح إنه قد ابتدع)) . وفي حاشية الاعتصام قال بعض العلماء: ((البدعة اللغوية تعتريها الأحكام الخمسة، وتنقسم إلى حسنة وسيئة، وأما البدعة الشرعية فلا تكون إلا سيئة)) . قال محمد تقي الدين: والعجب من القرافي كيف نقل إجماع المالكية وغيرهم من أئمة السلف على أن البدعة كلها ضلالة ثم خرق إجماعهم واستحسن بعضها، وقد رأيت الرد المفحم الذي رد به الإمام الشاطبي وأزيد ذلك وضوحاً فأقول: قال الشاطبي في الاعتصام: ((قال مالك ﵀: ((من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً ﷺ خان الرسالة لأن الله يقول: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ (١) وما لم يكن يومئذ ديناً لا يكون اليوم دينا)) )) . وهذا الكلام المحكم يقطع دابر المبتدعين فقد تضمن الاحتجاج بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فكما قال مالك ﵀: لم ينتقل الرسول الكريم من هذه الدار الفانية حتى أكمل الله الدين وبلغه الرسول البلاغ المبين،

стр. 58

فمن استحسن شيئاً من البدع فإما يزعم أن النبي ﷺ انتقل إلى الرفيق الأعلى قبل أن يكمل الله الدين ويتم النعمة أو يزعم أن النبي ﷺ خان الرسالة بكتمان بعض ما أمر بتبليغه، مع أنه لو زعم ذلك واقعاً لا ينفعه زعمه. أما الأول: فإذا لم يكمل الله الدين فمن ذا الذي يكمله؟ قال تعالى: ﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال﴾ (١) وكل شيء من الدين ليس من الله فهو من الشيطان، ولا يدين به إلا من يعبد الشيطان. قال تعالى في سورة يس: ﴿ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلاً كثيراً أفلم تكونوا تعقلون﴾ (٢) . أما الثاني: فمن زعم أن محمداً ﷺ كتم شيئاً أمره الله بتبليغه فهو كافر إجماعاً. وإذا كتم الرسول ﷺ شيئاً من الدين، حاشاه من ذلك، فمن ذا الذي يستطيع أن يتلقى وحياً ويبلغه بعده، وقد ختم الله الرسالة به صلوات الله وسلامه عليه، وهكذا تدحض حجة المبتدعين، فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين. وقد بدا لي أن أرد على القرافي ومن تبعه بطريقتي

стр. 59

الخاصة فأقول: زعمه أن جمع القرآن بدعة واجبة باطل لأنه كان مجموعاً في زمان النبي ﷺ في العسب واللخاف، أي الحجارة البيض المصفحة، وفي صدور الرجال، وكان النبي ﷺ إذا نزلت عليه الآية والآيات دعا أحد كتاب الوحي فأمره أن يكتبها في موضعها، فلما توفي صلوات الله وسلامه عليه بقي القرآن مجموعاً في بيت عائشة، فأخذه أبو بكر الصديق منها، وأمر بجمعه في كتاب واحد. ولا فرق بين الجمعين ولا بين الكتابين فأين الإحداث وأين الابتداع؟ . أما الشاطبي فجعل هذا من المصالح المرسلة التي فهمها أصحاب رسول الله ﷺ من نصوص القرآن والسنة، ولو فرضنا أن أصحاب رسول الله ﷺ برئاسة أبي بكر الصديق أحدثوا في الدين أمراً – وحاشاهم من ذلك – فهل يستطيع المبتدع أن يبعثهم من مراقدهم ويأمرهم أن يجمعوا على بدعته حتى يتم له الاحتجاج؟ أم يريد أن يقيس برأيه الفاسد بدعه الخبيثة على ما فعله أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فيقال له: بفيك الحصى والجنادل (١) . إن القياس لا يكون إلا على أمر ثبت بنص من نصوص الكتاب والسنة، ونصوصها كلها تغبر في وجهك، ولا يقيس إلا مجتهد وأنت مقلد أعمى، بل بهيمة تقاد، كما تقدم من كلام أبي عمر بن عبد البر.

стр. 60

أما تمثيلهم للقسم الثاني، وهو المحرم بأخذ المكوس فهو عجيب، لأن البدعة هي أن يتقرب المبتدع إلى الله بزعمه بأمر محدث حقيقة أو شكلاً، ولم يوجد أحد في الإسلام، وإن كان أجهل الجاهلين وأظلم الظالمين، يدعي أن الغصب وأخذ المكوس قربة إلى الله، كيف وهو محرم بالنصوص القاطعة وهو من أكبر الكبائر بالإجماع، فهذا يكون الإفلاس. أما تمثيلهم للثالث بصلاة التراويح، فقد أثبت الشاطبي أنها سنة فعلها النبي ﷺ ثم تركها خوف أن تفرض، فلما توفي وتم التشريع جمع عمر الناس على قارئ واحد، وتسمية ذلك بدعة هي تسمية لغوية ويقال فيه ما تقدم من نفي القياس ويزاد عليه أن القياس لا يكون في العبادات أصلاً كما حققه الإمام الشاطبي، وبرهان ذلك حديث عائشة في الصحيحين مرفوعاً: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) فدخل في ذلك البدع الحقيقية، كالتقرب إلى الله بالرقص، وقرع الطبول ونحو ذلك، والبدع الإضافية كالاجتماع على الذكر بلسان واحد، وقراءة القرآن كذلك، وما أشبه ذلك وهو كثير. وتمثيلهم للرابع بتخصيص الأيام الفاضلة بعبادة من أوضح ما دلت عليه النصوص فهو بدعة إضافية. وتمثيلهم للخامس باتخاذ المناخل، فهو عجيب أيضاً إذ لا ينوي أحد التقرب إلى الله تعالى بطحن الحب ولا بنخله

стр. 61

وخبزه ولا أكله، وإنما ذلك أمر أباحه الله فمن شاء أن يأكله منخولاً أو غير منخول فلا حرج في ذلك. قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة﴾ (١) وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ لما قدم المدينة وجدهم يلقحون النخل فقال: ((ما هذا؟)) فقالوا شيء نأخذه من الذكر ونجعله في الأنثى يصلح عليه التمر فقال: ((ما أراه ينفع)) ، فتركوا التلقيح ففسد التمر وصار شيصاً فأخبروه بذلك فقال: ((إذا حدثتكم عن الله فخذوا به فإني لا أكذب على الله، وأنتم أعلم بأمور دنياكم)) أو كما قال ﵊ فأمور الدنيا ليست فيها بدعة. ((وعن أبي ثعلبة الخشني عن النبي ﷺ قال: ((إن الله فرض فرائض فلا تعتدوا، وحد حدوداً فلا تقربوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها)) . حديث حسن رواه الدارقطني)) انتهى من كتاب الأربعين للنووي. وأخرج البزار في مسنده والحاكم من حديث أبي الدرداء أن النبي ﷺ قال: ((ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه

стр. 62

فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً. ثم تلا هذه الآية: ﴿وما كان ربك نسيا﴾ (١) وقال الحاكم صحيح الإسناد. وقال البزار إسناده صالح. قال محمد تقي الدين: لو أن المبتدعين تأملوا هذا الحديث وأخلصوا لله لم يبتدعوا في دين الله، ولكن طبع الله على قلوبهم وأصمهم وأعمى أبصارهم. والمقصود هنا أن كل شيء لم ينص الكتاب والسنة على تحريمه ولا على تحليله فقد عفا الله عنه وهو مباح لأن الله لا ينسى شيئاً ورسوله ﷺ لا يكتم شيئاً.

стр. 63

الفصل الرابع في مسائل فرعية جاءت في رسالة البوعصامي العامي قال محمد تقي الدين: ليس علينا أن نجيب عن المسائل الفرعية التي ذكرها المفتون الفتان، لأنه لا يجوز له الإفتاء والانتقاد لأنه: عامي، جاهل، مقلد، كما تقدم في الفصل الثاني. ولكننا نتبرع بالجواب عن تلك المسائل رغبة في إفادة من يقرأ هذا الكتاب. المسألة الأولى: وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة . قال مالك في الموطأ: (( ((وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة)) حدثني يحيى عن عبد الله بن أبي المخارق البصري أنه قال: ((من كلام النبوة إذا لم تستح فاصنع ما شئت، ووضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة، يضع اليمنى على اليسرى، وتعجيل الفطر، وتأخير السحور)) . وحدثني عن مالك عن أبي حازم بن دينار عن سهيل بن

стр. 64

سعد أنه قال: ((كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة. قال أبو حازم: لا أعلم إلا أنه ينهى عن ذلك)) )) . انتهى. قال محمد تقي الدين: ألف الإمام مالك ﵀ كتاب الموطأ ودرسه ستين سنة وتواتر عنه كل ما فيه. فكل قول ينسب إليه خلاف ما في الموطأ فإما أن يتفق الرواة عنه لذلك القول وإما أن يختلفوا عنه، فإن اتفقوا وذلك محال فرواية الموطأ مقدمة على اتفاقهم، لأن رواته أكثر وأحفظ ولأنه كتبه بيده، وهو متواتر عنه. فيرد كل ما خالفه وأما إذا اختلفوا فلا يحل لأحد أن ينسب إليه شيئاً مما اختلفوا فيه إلا إذا عرف التاريخ. فحينئذ يمكنه أن ينسب إليه آخر القولين أو الأقوال وحينئذ تتعارض تلك الرواية مع ما في الموطأ إن كانت مخالفة له فتسقط، ويقدم عليها ما في الموطأ. والآن نذكر ما قال الأئمة في المسألة: عن وائل بن حجر أنه رأى النبي ﷺ ((رفع يديه حين دخل في الصلاة وكبر ثم التحف بثوبه، ثم وضع اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه ثم رفعهما وكبر فركع، فلما قال سمع الله لمن حمده رفع يديه، فلما سجد سجد بين كفيه)) . رواه أحمد ومسلم. وفي رواية لأحمد وأبي داود: ((ثم وضع يده اليمنى على كفه اليسرى والرسغ

стр. 65

والساعد)) . وعن ابن مسعود أنه ((كان يصلي فوضع يده اليسرى على اليمنى، فرآه النبي ﷺ فوضع يده اليمنى على اليسرى)) . رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة. قال الشوكاني في النيل: ((جاء عن النبي ﷺ في وضع اليمنى على اليسرى عشرون حديثاً عن ثمانية عشر صحابياً وتابعياً)) . وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: ((قال أبو عمر: ((لم يرد فيه خلاف عن النبي ﷺ يعني لم يرو أحد عن النبي ﷺ سدل اليدين لا في حديث صحيح ولا ضعيف)) . قال صاحب كتاب ((المتوني والبتار)) : ((فإن وضع اليمين على الشمال في الصلوات كلها فرضاً ونفلاً هو مذهب مالك وقوله الذي لم يقل غيره ولا نقل أحد عنه سواه وهو المذكور في الموطأ الذي ألفه بيده وقرئ عليه طول عمره ورواه عنه الآلاف من تلامذته وأصحابه، واستدل عليه بالحديث الصحيح الذي نقله عنه رواة الفقه وحملته من أصحابه المدنيين كمطرف بن عبد الله وعبد الملك ابن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشوني وعبد الله بن نافع المخزومي وأصحابه المصريين كأشهب بن عبد العزيز وعبد الله بن عبد الحكم وأصحابه العراقيين كمحمد بن عمر الواقدي وغيره، وهو مقتضى رواية على بن زياد التونسي عن أصحابه القيروانيين وهو الذي نقله ابن المنذر الإمام

стр. 66

الحافظ الذي تصدر لنقل المذاهب بالأسانيد الصحيحة والطرق المتعددة عن الأئمة المجتهدين، وهو الذي لم ترد السنة المطهرة والأحاديث النبوية إلا به عن سيد المرسلين ﷺ وعلى آله الطاهرين)) أ. هـ. قال محمد تقي الدين: قد تبين لك أن مذهب النبي ﷺ ومذهب مالك هو وضع اليمنى على اليسرى بلا شك، وليس مقصودنا أن ثبوت هذه السنة ومشروعيتها لجميع المسلمين يتوقف على رواية مالك لها أو عمله بها فإن الذي أوجب الله على جميع المسلمين قبل وجود مالك وفي زمان صباه وجهله وفي زمان علمه وإمامته هو اتباع رسول الله ﷺ وهو الواجب على جميع المسلمين إلى يوم القيامة ولم يجعل الله حجة على أحد من الناس – رجلاً بعينه – إلا رجلاً واحداً، هو محمد رسول الله، فمن اتبعه نجا وإن لم يسمع بمذهب أصلاً، ومن خالفه هلك وشقي ولا ينقذه زعمه أنه يتمسك بمذهب مالك لأن مالكاً قد تبرأ منه كما تقدم في كلام ابن عبد البر. ومالك وغيره من أئمة أهل السنة ينقلون لنا سنة رسول الله ﷺ فنقلناها منهم إذا صحت بالقبول ونعمل بها ونترحم عليهم ولا نفضل أحداً منهم على أحد، والذي نسأل عنه في قبورنا وفي الحشر هو محمد رسول الله ﷺ وإنما سقنا

стр. 67

رواية وضع اليمنى على اليسرى عن مالك وأصحابه ليتبين جهل المفتون وجهل متبوعه ((الجكني)) المبتدع. والعجب من ((البوعصامي)) العامي، بل العمي، كيف تجرأ وزعم أن الحديث الثاني من حديث الموطأ منسوخ، فهذا افتراء لم يسبقه إليه أحد إلا ((الجكني)) وهما كاذبان خاطئان فلعنة الله على الكاذبين. قال الحافظ ابن حجر في الفتح في شرح الحديث المشار إليه ((كان الناس يؤمرون)) : ((هذا حكمه حكم الحديث المرفوع لأنه محمول على أن الآمر لهم بذلك هو النبي ﷺ ، قال البيهقي: لا خلاف في ذلك بين أهل النقل، قال النووي في شرح مسلم: وهذا حديث صحيح مرفوع)) . وصدق رسول الله ﷺ إذ قال: ((إذا لم تستح فافعل ما شئت)) وما أحسن قول الشاعر: إذا لم تخش عاقبة الليالي فلا والله ما في العيش خير ولم تستح فاصنع ما تشاء ولا الدنيا إذا ذهب الحياء ولو أن هذا العامي العمي رجع إلى حاشية ابن الحاج على ((ميارة الصغير)) لوجد فيها بعد حكاياه الفاسدة الكاسدة المتناقضة التي تكره العمل بسنة النبي ﷺ وهي المكروهة، لوجد فيها ما نصه: وفي القبض ثلاثة أقوال أخر:

стр. 68

أحدها: الاستجابة مطلقاً وهو قول مالك في رواية مطرف وابن الماجشون عنه في ((الواضحة)) وقول المدنيين من أصحابنا واختاره غير واحد من المحققين كاللخمي وابن العربي وابن عبد البر وابن رشد وابن عبد السلام، وعده ابن رشد في المقدمات من فضائل الصلاة، وتبعه عياض في قواعده ونسبه في الإكمال للجمهور، وبه قال أئمة المذاهب: الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وسفيان الثوري وإسحاق بن راهوية وأبو ثور وداود بن علي وأبو جعفر الطبري وغيرهم. الثاني: إباحة القبض فيهما، وهو قول مالك في سماع العرينيين وقول أشهب في رسم شك في طوافه من سماع ابن ابن القاسم من جامع العتبية. الثالث: منعه فيهما حكاه الباجي، وتبعه ابن عرفة وهو من الشذوذ بمكان، قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد المسناوي في رسالة في القبض: ((وإذا تقرر الخلاف في أصل القبض كما ترى وجب الرجوع إلى الكتاب والسنة كما قال تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ وقد وجدنا سنة رسول الله ﷺ قد حكمت

стр. 69

بمطلوبية القبض في الصلاة بشهادة ما في الموطأ والصحيحين وغيرهما من الأحاديث السالمة من الطعن، فالواجب الانتهاء إليها والوقوف عندها والقول بمقتضاها)) أ. هـ. المسألة الثانية: قراءة البسملة في أول سورة الفاتحة وأول كل سورة في الصلاة . أنقل الجواب من كتابي ((المنح السانحة في تفسير سورة الفاتحة)) : ((القول الصحيح الراجح الذي ينبغي لكل مسلم يحتاط لدينه ويتبع الرسول ﷺ بريئاً من العصبية الجاهلية، وهي الاحتجاج بعمل الآباء والأجداد، أن يقرأ البسملة مع الفاتحة في كل ركعة، يجهر بها في الجهرية ويسر بها في السرية. وسأقتصر على ما يشفي ويكفي من الأدلة لأنها كثيرة جداً يضيق الوقت عن استيفائها. البسملة آية من الفاتحة، ومن كل سورة في القرآن على الراجح أخرج أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان لا يعرف فصل السورة، وفي رواية انقضاء السورة، حتى ينزل عليه ((بسم الله الرحمن الرحيم)) وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط الشيخين، وأخرج ابن خزيمة في صحيحه عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قرأ البسملة في أول الفاتحة في الصلاة وعدها آية وفي إسناده عمر بن هروة البلخي وفيه

стр. 70

ضعف، وروى الدارقطني من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا قرأتم الحمد لله رب العالمين، فاقرؤوا ((بسم الله الرحمن الرحيم)) فإنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المساني، وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها)) (١) ، وقال إسناد رجاله كلهم ثقات، ورواه البخاري في التاريخ. قال البيهقي: ((أحسن ما احتج به أصحابنا في أن البسملة من القرآن وأنها من فواتح السور سوى براءة ما رويناه من جمع الصحابة كتاب الله في المصاحف وأنهم كتبوا فيها البسملة على رأس كل سورة سوى براءة، فكيف يتوهم متوهم أنهم كتبوا مائة وثلاث عشرة آية ليست من القرآن، وقد علمنا بالروايات الصحيحة عن ابن عباس أنه كان يعد البسملة آية من الفاتحة ويقول: ((انتزع الشيطان منهم خير آية في القرآن)) ، رواه الشافعي. الاختلاف في الجهر بها في الصلاة كما وقع الخلاف في إثباتها وقع الخلاف في الجهر بها في الصلاة، وقد أخرج النسائي في سننه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة أنه صلى فجهر في قراءته بالبسملة وقال بعد أن فرغ: ((إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ ) ، وصححه الدارقطني

стр. 71

والخطيب والبيهقي وغيرهم، وروى أبو داود والترمذي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يفتتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم. قال الترمذي: وليس إسناده بذلك، وقد أخرجه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس بلفظ كان رسول الله ﷺ يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، ثم قال صحيح، وأخرجه البخاري في صحيحه عن أنس أنه سئل عن قراءة رسول الله ﷺ فقال: ((كانت قراءته مداً، ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، يمد بسم الله، ويمد الرحمن، ويمد الرحيم)) . وأخرج أحمد في المسند وأبو داود في السنن وابن خزيمة في صحيحه والحاكم في مستدركه عن أم سلمة أنها قالت: ((كان رسول الله ﷺ يقطع قراءته بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين)) وقال الدارقطني: ((إسناده صحيح وبهذا قال من الصحابة أبو هريرة وابن عباس وابن عمر وابن الزبير، ومن التابعين فمن بعدهم سعيد بن جبير وأبو قلابة والزهري وعكرمة وعطاء وطاووس ومجاهد وعلي بن الحسين وسالم بن عبد الله ومحمد بن كعب القرظي وابن سيرين وابن المنكدر ونافع مولى ابن عمر وزيد بن أسلم ومكحول وغيرهم)) . انتهى من فتح البيان للإمام صديق حسن القنوجي.

стр. 72

قال محمد الطالب بن حمدون بن الحجاج (١) في حاشيته على شرح ((ميارة الصغير)) على منظومة ابن عاشر: ((وذكر ابن عرفة في البسملة أربعة أقوال، فقال: ((وفي كراهة البسملة واستحبابها في الفرض ووجوبها أربع لا بأس بها، (٢) وابن رشد عن ابن مسلمة والمازري عن ابن نافع مع عياض عن ابن مسلمة وأبي عمرو عن نافع والورع قراءتها للخروج من الخلاف قاله القرافي وغيره، وكان المازري يبسمل سراً فقيل له في ذلك فقال: مذهب مالك قولاً واحداً على أن من يبسمل بطلت صلاته وصلاة يتفقان على صحتها خير من صلاة يقول أحدهما ببطلانها. أقول: ومثل هذا يقال في الفاتحة بالنسبة للمأموم، فإن مذهب الشافعي والبخاري وجماعة من التابعين قولاً واحداً على أن من ترك ولو حرفاً منها ولو في ركعة واحدة بطلت صلاته، ومذهب مالك قولاً واحداً على أن من قرأها خلف الإمام لم تبطل صلاته، وصلاة يتفق الأئمة على صحتها خير من صلاة يقول بعضهم ببطلانها، وإلى مشروعية قراءتها خلف الإمام ذهب بعض المالكية)) .

стр. 73

المسألة الثالثة: قراءة القرآن وإهداء ثوابه إلى الموتى بدعة . قال الحافظ عماد الدين ابن كثير في تفسير قوله تعالى في سورة النجم: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى. وأن سعيه سوف يرى﴾ (١) ((ثم شرع تعالى يبين ما كان أوحاه في صحف إبراهيم وموسى فقال: ﴿أن لا تزر وازرة وزر أخرى﴾ (٢) أي كل نفس ظلمت نفسها بكفر أو شيء من الذنوب فإنما عليها وزرها لا يحمله منها أحد كما قال: ﴿وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى﴾ (٣) و ﴿أن ليس للإنسان إلى ما سعى﴾ أي كما لا يحمل عليها وزر غيرها كذلك لا يحصل له من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه. ومن هذه الآية استنبط الشافعي ﵀ ومن تبعه أن القراءة لا يحصل ثواب إهدائها إلى الموتى لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم، ولهذا لم يندب إليه رسول الله ﷺ أمته ولا حثهم عليه ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة ولو كان خيراً لسبقونا إليه، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص ولا يتصرف فيه بأنواع

стр. 74

الأقيسة والآراء. فأما الدعاء والصدقة فمجمع على وصولهما ومنصوص من الشارع عليهما. وأما الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده، أو علم ينتفع به)) ، فهذه الثلاثة في الحقيقة هي من سعيه وكده وعمله كما جاء في الحديث: ((إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وأن ولده من كسبه)) ، والصدقة الجارية كالوقف ونحوه هي من آثار عمله ووقفه، وقد قال تعالى: ﴿إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم﴾ (١) الآية. والعلم الذي نشره في الناس فاقتدى به الناس بعده هو أيضاً من سعيه وعمله وثبت في الصحيح ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء)) ، وقوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى. وأن سعيه سوف يرى﴾ أي يوم القيامة كقوله تعالى: ﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون﴾ (٢) أي فيخبركم به ويجزيكم عليه الجزاء الأوفى أي الأوفر)) انتهى.

стр. 75

قال محمد تقي الدين: ومن ذلك تعلم أن ما زعمه ((البوعصامي)) العامي من أن عمر ﵁ أوصى بقراءة الفاتحة وخاتمة البقرة (كذا) وعزاه إلى ((المشارق)) (١) كذب وافتراء على عمر، وحقه أن يعزى إلى المغارب لا إلى المشارق لبطلانه فهو غارب وليس بشارق. فمن رواه؟ وأين إسناده؟ ومن صححه أو حسنه؟ ، وهل كتاب المشارق على فرض صحة نسبته إليه قرآن لا يحتاج إلى سنده، أو أحد الصحيحين، أو أحد الكتب الستة وما يقاربها؟ ، فهذا يكون الإفلاس والالتجاء إلى بنيان الطريق. فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم ------------------ يقولون أقوالاً ولا يعلمونها ... إذا قيل هاتوا حققوا ولم يحققوا ﴿فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ليضل الناس بغير علم. إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ (٢) ثم وقفت على الأثر الذي عزاه ((البوعصامي)) إلى عمر بن الخطاب جهلاً منه أو ممن نقل عنه، وجدته مروياً عن عبد الله بن عمر، رواه الخلال في جامعه بإسنادين كلاهما يدور على عبد الرحمن
следующие страницы →