Полный текст (46 стр.). Показаны 36–46 · переход к 41.
стр. 36
ولكنا أخلاقك الغر نبهت ... بربعك في كانون نائمة الورد
كأنك قد أمطرتها ديمة المجد ... وأجريت في أغصانها كرم العهد
فلما وصل هذا النظم المستملح إلى زياد بن أفلح بعث إليه بوردة كان احتسبها لنفسه فكتب إليه ثانية بيتين وهما: [الكامل]
فاجأني كانون بالورد ... فزادني وجدا إلى وجد
ورد العلا أهدى لنا وردة ... يا حبذا الورد من الورد
ومن السري السني قول الوزير الكاتب أبي مروان الجزيري ﵀: [الكامل]
أهدى إليك تحية من عنده ... زمن الربيع الطلق باكر ورده
يحكي الحبيب سرى لوعد محبه ... في طيب نفحته وحمرة خده
وكتب أيضا أبو مروان إلى الوزير أبي مروان عبد الملك بن شهيد في أخريات أيام الورد بأبيات أنيقة الصفات وهي: [البسيط]
قل للوزير الذي جلت فضائله ... فسر لنا شرح معنى سال سائله
وأي وصليه موجودا ومفتقدا ... أولى وأجدر أن ترعى وسائله
وقد أتاك لتوديع على عجل ... خضرا مقانعه حمرا غلائله
فامنحه منك قبولا واقض نهمته ... من الوداع فقد شدت رواحله
وبلغني أن الوزير ابن شهيد جاوبه بأبيات لم تقع إلي ولا وردت علي. وأنشدني الوزير أبو عامر بن مسلمة للوزير أبيه_رحمة الله عليه_أبياتا مطبوعة كتب بها إلى الوزير عيسى بن سعيد يستدعيه إلى الفصد، تضمنت وصفا حسنا للورد [وهي] : [الخفيف]
ما يطيب التفجير دون صديق ... ممحض مخلص شقيق شفيق
وقد اخترته نهارا بهيا ... كمحياك مستنير الشرق
عندنا الورد قد تألق من لو ... نين لون المها ولون العقيق
كخدود تبرقعت بحياء ... فوق ديباجها الأنيق الدقيق
فتفضل وخف نحو صديق ... أنت في نفسه أجل صديق
ونزل أبو عمر يوسف بن هارون الرمادي على بني أرقم ب "وادي آش" فقدم إليه فيما أكرم به طبق ورد، وكان في فصل الشتاء فاستغربه، ثم أخذ منه وردة واحدة وقال [بديهة] : [الرمل]
يا خدود الحور في إخجالها ... قد علتها حمرة مكتسبه
اغتربنا أنت من بجانة ... وأنا مغترب من قرطبه
واجتمعنا عند إخوان صفا ... بالندى أموالهم منتهبه
عصبة إن سئلت عن نسبة ... فإلى أرقمها منتسبه
إن لثمي لك قدامهم ... ليس فيه فعلة مستغربه
لاجتماع في اغتراب بيننا ... قبل المغترب المغتربه
ومما يستحسن فيه، وتستملح معانيه، قطعة لأبي عمر أحمد بن دراج القسطلي، موصولة بمدح المظفر بن أبي عامر_رحمه الله_وهي: [الكامل]
ضحك الزمان لنا فهاك وهاته ... أوما رأيت الورد في شجراته؟
قد جاء بالتأريج من أغصانه ... وبخجلة المعشوق من وجناته
وكساه مولانا غلائل سيفه ... يوما يسربله دماء عدته
من بعد ما نفح الحيا من روحه ... فيه وعرف المسك من نفحاته
إن كان أبدع واصف في وصفه ... فلقد تقاصر عن بديع صفاته
كمديح سيف الدولة الأعلى الذي ... أعيا فأغيا في مدى غاياته
ملك ينم الجود في لحظاته ... واليمن والإيمان في عزماته
وحياته إن كان أبقى حاجة ... لمن ارتجاه غير طول حياته
ولبي القاسم بن شبراق في وردة لم تفتح وصف حسن مستملح: [المنسرح]
خجلت إذا تأملتها العيون ... خجلا في احمرارها يستبين
وردة وردت دموعي شوقا ... للتي خدها بها مقرون
بنت غصن يقر بالكرم الده ... ر لها في رياضها والغصون
واستسرت عن العيون حياء ... وعرا عرفها الذكي سكون
سترت وجهها ببرقعها واس ... تقبلتنا من الفتون فنون
كالفتاة الحية انتقبت كي ... لا يرى وجهها الجميل المصون
وكتب الوزير أبو عامر بن مسلمة إلى ذي الوزارتين أبو عمر عباد_أعزه الله وأحسن ذكراه_في زمن الورد يصفه فأحسن الوصف، وأبدع التشبيه [أنشدنيه وهو] : [مجزوء الرجز]
عباد يا خير الورى ... ومن به تزهى المدح
يا قمر الأرض ومن ... علا سماء ورجح
أما ترى الورد وقد ... رنا بطرف ولمح
كأنه دم جرى ... على طلى بيض وضح
أو خد غض عضه ... لحظ محب فانجرح
كأنما نسيمه ... عن خلق منك نفح
стр. 37
وبعث الفقيه أبو الحسن بن علي بورد مبكر في سباط إلى ذي الوزارتين القاضي _أعزه الله وأذل عداه_وكتب معه: [المتقارب]
ليهنك يا واحد المكرمات ... وأهدى الملوك لقصد الصراط
جني من الورد قد حثه ... إليك تودده في سباط
وما ذاك أيام إقباله ... ولا وقت تنضيده في البساط
أصاب بإسراعه فاحبه ... وغفرا لسائره فهو خاط
وقال أيضا الفقيه أبو الحسن يصفه في قطعة رائقة متضمنة لصفات فائقة موصولة بمدح ذي الوزارتين القاضي_أيد الله يده وحصد من حسده_: [الكامل]
للورد فضل السبق عند المفخر ... بالمنظر السامي وطيب المخبر
ورق من الياقوت نظم فوقه ... شذر من الذهب السبيك الأصفر
ونسيم فوح ليس يبلغ طيبه ... عبق العبير ولا دخان العنبر
نقص الزمان ضنانة من عمره ... وكذا النفيس القدر غير معمر
والنور غير الورد ليس لشخصه ... دون السباطة ذابلا من مقصر
والورد يرفع غضه ويبيسه ... رفع الأكف ظروف مسك أذفر
عمت منافعه كما عم الورى ... جود ابن عباد فريد الأعصر
وله أيضا في بيتان استوليا على غاية الإحسان وهما: [المنسرح]
انظر إلى الروض غير متئد ... تبصر جمالا يصوغه الدهر
كأنما الورد فيه أطباق يا ... قوت عليها مغالق صفر
ولصاحب الشرطة أبي بكر بن القوطية فيه قطعة سرية موصولة بمدح ذي الوزارتين أبي أيوب بن عباد أبقاه الله، وأسبغ عليه نعماه وهي: [البسيط]
نور الربا خول والورد سلطان ... بذا قضى قبل آذار ونيسان
سر طوته فصول العام حاسدة ... لفضله إذ له السلطان والشان
حتى إذا ما الربيع الطلق نم به ... بدا وقد ضاق عن مثواه كتمان
معالجا فتح أوراق تطبقه ... كما يعالج فتح العين وسنان
حتى تفتح من أكمام بردته ... كما تفتح بعد النوم أجفان
أما النسيم فطيب لا أكيفه ... واللون حسنا به الألوان تزدان
فما سوى الورد في النوار من ملك ... ولا كمثل أبي أيوب سلطان
ملك يريك اهتزاز الروض يتبعه ... حلم رسا منه فوق الأرض ثهلان
وللوزير الكاتب أبي حفص بن برد فيه أبيات بديعة [رفيعة] التشبيه، وهي: [الكامل]
هذا الربيع وكنت ترقبه ... فانظر بعيشك كيف تصحبه
قد نشرت حلل النبات به ... فبدا مفضضه ومذهبه
والورد قد سمت الغصون به ... تجلوه والأبصار تخطبه
والشمس قد ضرب الضحاء بها ... في صبغه فذكاء تلهبه
فكأن من يهواه مخجله ... وكأن رياه مطيبه
وكتب أبو جعفر بن الأبار إلى الوزير أبي عامر بن مسلمة في زمن الربيع يصف الورد ويحضه على إيثار الأنس، وجلاء صدأ النفس، فأحسن إحسانا يقرب على متأمليه، ويبعد على متناوليه، ووصف الورد بعد صدر متقدم من الشعر: [الكامل]
الورد ورد للعيون من الظما ... فاذكر أذمته الوكيدة واحفظ
في لبسة التقوى يروقك منظرا ... فامنحه بالإنصاف طرفك والحظ
وإذا الهجوع نأى فخير منوم ... وإذا السرور دنا فأحسن موقظ
يا ممطري بفعاله ومقاله ... ومحافظي بوداده لا محفظي
افطن إذا أبدى الزمان تبالها ... وإذا تواهن جفنه فاستيقظ
وبكل صرف فاستقد منصرفه ... وافظظ برقتها عليه وأغلظ
فالهم يفرق من لآليء فرقها ... والحزن يطفأ عن سناها الملتظي
صفراء صفر الكأس من جثمانها ... تتخطف الأبصار مهما يلحظ
لا زلت تسلم يا بن مسلمة الرضا ... معطي الأمان من الخطوب البهظ
قوله: "في لبسة التقوى" يعني الحياء، من قول الله تعالى: (وريشا ولباس التقوى) ، قيل: الحياء. وقوله: "محافظي". هو من الحفظ والمرعاة. و "محفظي": المفرق من الرأس. وقوله: "صفر الكأس من جثمانها":الصفر: الخالية، والجثمان: الجسم، وفيه لغتان: جثمان وجسمان. فجاوبه الوزير أبو عامر بن مسلمة بأبيات بديعة الصفات، بزيعة الكلمات وهي: [الكامل]
يا واحد الأدباء غير مدافع ... ومن اغتدى في الفهم نارا تلتظي
وافاني الشعر البديع نظامه ... فأزاح عني كل أمر محفظ
فخرا لورد الروض إذ حاز المدى ... ببدائع من ذهنك المتيقظ
стр. 38
الورد عندي في الخدود نفاسة ... ورياسة مهما يقس أو يلحظ
هو آخر وله التقدم أولا ... كم آخر قد حاز مفخر من حظي
وقد اعتمدت على الذي حبرته ... في نظمك الزاري بلفظ اللفظ
وفضضتها صفراء يعشي ضوؤها ... حدق العيون الرانيات اللحظ
قال أبو الوليد: وأهدى إلي صاحب الشرطة أبو بكر بن القوطية ثلاث وردات ليلة المهرجان، وكتب إلي معها أبياتا أنيقة المعنى [دقيقة المغزى] ، وهي: [الوافر]
بعثت بأغرب الأشياء طرا ... وأعجبها لمختبر ومخبر
بورد ناعم غض نضير ... يروقك ناسما طورا ومبصر
أتى في المهرجان فكان فوق ال ... بكير غرابة وهو المؤخر
وإغراب المؤخر عن أوان ... يجيء به كإغراب المبكر
ولما أن غشيت الروض منه ... بروض فيك من مدحي منور
وقلت له: استمع لحلى كريم الس ... سجايا منتقى من سر حمير
تفتح من كمائمه وأبدى ... من النفحات ما قد كان أضمر
فماء ثنائك العالي سقاه ... ومن أخلاقك العليا تفطر
فأوسعه القبول ودم عزيزا ... مكينا ما جرى نجم وغور
فلما وردت الورد الثلاث علي، ووصلت إلي، بعثت بها إلى أبي_وقاه الله بي_ وكتبت إليه معها أربعة أبيات بديهة وهي: [الكامل]
يا من تأزر بالمكارم وارتدى ... بالمجد والفضل الرفيع الفائق
انظر إلى خد الربيع مركبا ... في وجه هذا المهرجان الرائق
ورد تقدم إذ تأخر واغتدى ... في الحسن والإحسان أول سابق
وافاك مشتملا بثوب حيائه ... خجلا لأن حياك آخر لاحق
ولي أيضا فيه قطعة موصولة بمدح أبي_أبقى الله علي ظله، وقدمني إلى المنون قبله_ وهي: [الخفيف]
إنما الورد في ذرى شجراته ... كأجل الملوك في هيئاته
رائق منظرا وخبرا وفذ ... في حلاه التي حلت وصفاته
نفحة المسك من شذا نفحاته ... خجل الخد من سنا خجلاته
مزجت حمرة اليواقيت بالدر ... ر فجاءت به على حسب ذاته
مثلما جاء من سماح وبأس ... خلق الحميري سم عداته
إن يعد فالوفاء حتم عليه ... فرضه في صلاته كصلاته
ولي قطعة نثر كتبت بها إلى صاحب الشرطة [أبي الوليد بن العثماني] وبعثت معها وردا مبكرا: "بعثت بخدود المعشوقين قد أدمتها ألحاظ العاشقين، وأدمنت عليها ناظرة، فتساقطت هكذا ناضرة، فاحكم على العيون للخدود، على ألا تعود إلى الصدود، والسلام". قال أبو الوليد: وحين استوفيت ما حصل عندي من الوصف للورد أبدأ بذكر ما عثرت عليه من المستحسن في وصف السوسن فهو صاحب الورد في زمانه، ومشاركه في أوانه.
السوسن
قال أبو الوليد: يقال: سوسن وسوسان بالألف ودونها، وقد تكررت في الشعر اللغتان، وترددت التسميتان. فمن مليح ما جاء فيه، وشبه به، قول أبي عمر أحمد بن فرج الجياني وهو: [مجزوء الوافر]
بعثت بسوسن نضر ... ينم كجونة العطر
كأكؤس فضة فيها ... نفايا شهلة الخمر
أو الوجنات منك دنت ... إلى وجناتي الصفر
وللوزير الكاتب أبي مروان بن الجزيري فيه وصف مفضل له، مستحسن [منه وهو] : [الكامل]
وملسن الطاقات أبيض ناصع ... يزهي بأصفر من جناه فاقع
أعداد زهرته إذا حصلتها ... ست سوى عدد الرقيب السابع
سكنت قرارة حجره كلفا به ... كالأم تكلف بالصغير الراضع
صافي الأديم إذا تخلق صدره ... بخلوق أرؤسها الذكي المائع
أهدى الصبابة والهوى بنسيمه ... وبديع منظره الأنيق الرائع
سموه بالسوسان ظلما واسمه ... في ما خلا ساسان غير مدافع
لما استذاع بفارس كلفت به ... أملاكه فدعته باسم شائع
الرقيب: هو القائم في وسط السوسنة. وساسان: اسم ملك فارسي. أراد بهذا التمليح التنويه به، والترفيع من قدره. ومن [المستندر] المستحسن في وصف السوسن، قول أبي عمر الرمادي وهو: [الخفيف]
سوسن كالسوالف البيض لاحت ... لمحب متيم من حبيب
قد أعارت عيوننا كل حسن ... وأعارت أنوفنا كل طيب
بعضها عاشق لبعض فبعض ... لمحب والبعض للمحبوب
فالحبيب المبيض منها إذا اصفر ... ر سواه اصفرار صب كئيب
стр. 39
لهما ثالث أناف كواش ... قام يحكي هواهما كالخطيب
فهما وهو في جميع المعاني ... كحبيب وعاشق ورقيب
ولأبي بكر يحيى بن هذيل فيه تشبيه أنيق، وتمثيل دقيق وهو: [البسيط]
ورب سوسنة قبلتها كلفا ... ومالها غير نشر المسك منشوق
مصفرة الوسط مبيض جوانبها ... كأنها عاشق في حجر معشوق
ولأبي بكر هذا فيه قبل أن يتفتح وصف استحسن واستملح وهو: [الطويل]
فأول ما يبدو فخلق سبيكة ... مخلصة بيضاء أتقنتها السبك
بنت نفسها فوق الزمرد واقفا ... فلاحت كمثل الدر ضمنه السلك
جنى سوسن لولا سسنا بشراته ... لما زين الأفواه ثغر ولا ضحك
ولبعض شعراء الأندلس وقد دخل على المنصور بن أبي عامر_رحمه الله_وبين يديه ثلاث سوسنات إحداها لم تفتح، فسأله وصفها فقال بعد أبيات لم أحتج إلى ذكرها: [البسيط]
تبدو ثلاث من السوسان قائمة ... وما تشكى من الإعياء والكسل
فبعض نواره بالحسن منفتح ... والبعض منغلق عنهن في شغل
كأنها راحة ضمت أناملها ... ممدودة ملئت من جودك الخضل
وأختها بسطت منها أناملها ... ترجو نداك كما عودتها فصل
قال أبو عمر أحمد بن دراج القسطلي يصفه فأحسن وأبدع، وأغرب واخترع: [المنسرح]
إن كان وجه الربيع مبتسما ... فالسوسن المجتلى ثناياه
يا حسنه سن ضاحك عبق ... بطيب ريا الحبيب رياه
خاف عليه الحسود عاشقه ... فاشتق من ضده فسماه
وهو إذا مغرم تنسمه ... خلى على الأنف منه سيماه
كما يخلي الحبيب غالية ... في عارضي إلفه لذكراه
قوله: "خاف عليه الحسود." البيت، يعني أن سماه سوءا وهو حسن خوف العين والحسد، وهو تلميح مستحسن. ولأبي عمر أيضا فيه وصف ثان معدوم المثال موسوم بالجمال صح عندي أن عبادة بن ماء السماء كان يقول: "لم يخترع بالأندلس في معنى من المعاني كاختراع القسطلي في السوسان".وهو في قطعة مطولة كتب بها إلى المظفر ابن أبي عامر أنا ذاكر منها ما تشبث بذكر السوسان [من المستحسن وهو] : [الكامل]
جهز لنا في الروض غزوة محتسب ... واندب إليها من يساعد وانتدب
واهزز رماحا من تباشير المنى ... واسلل سيوفا من معتقة العنب
وانصب مجانيقا من النيم التي ... أحجارهن من الرواطم والنخب
لمعاقل من سوسن قد شيدت ... أيدي الربيع بناءها فوق القضب
شرفاتها من فضة وحماتها ... حول الأمير لهم سيوف من ذهب
مترقبين لأمره وقد ارتقى ... خلل البناء ومد صفحة مرتقب
كأمير "لونة" قد تطلع إذ دنا ... عبد المليك إليه في جيش لجب
فلئن غنمت هناك أمثال الدمى ... فهنا بيوت المسك فاغنم وانتهب
تحفا لشعبان جلا لك وجهه ... عوضا من الورد الذي أهدى رجب
واستوف بهجتها وطيب نسيمها ... فإذا دنا رمضان فاسجد واقترب
الشرفات: أوراق السوسن، والسيوف: النواوير المصفرة في أسفلها. والأمير القائم وسط السوسنة هو من الاختراعات الشريفة، والابتداعات البديعة. ولأبي بكر بن عبادة بن ماء السماء إلى صديق له يستهديه سوسنا أبيات وصفه فيها وصفا مستحسنا: [مجزوء البسيط]
دمت بإنعام وإحسان ... إن أنت أنعمت بسوسان
لو كان نفسا حيوانية ... ما كان إلا نفس إنسان
كأنه أنمل حسناء لم ... تخضب يديها خوف غيران
وأنشدني لنفسه فيه الوزير أبو عامر بن مسلمة أبياتا مطبوعة محكمة وهي: [البسيط]
وسوسن راق مرآه ومخبره ... وجل في أعين النظار منظره
كأنه أكؤس البلور قد صنعت ... مسدسات تعالى الله منظره
وبينها ألسن قد طرفت ذهبا ... من بينها قائم بالملك تؤثره
كأنه خلق ميم في تعقفه ... مداده ذوب عقيان يصفره
قال صاحب الشرطة أبو بكر بن القوطية يصفه بأوصاف سرية وهي: [مجزوء الرجز]
أما ترى الروض حسا ... بيا نحا إقليدسه
فصور السوسن من ... دائرة مسدسه
مدهنة من فضة ... بتبرها ملبسه
واضحة فاضحة ... صاحبها مدلسه
إن رام كتم لثمها ... وشمها انظر معطسه
تجد بقايا طيبه ... بأنفه محتبسه
стр. 40
وفوقها رقيبة ... منها لها محترسه
نابلة رامحة ... سائفة مترسه
كان اسمها نسوس لا ... كن قرئت منكسه
قوله: "وفوقها رقيبة" يعني القائمة وسط السوسنة. نابلة: ذات نبل، جعل التي تحدق بالرقيبة في أسفلها نبلا، وجعل أيضا منها رماحا في قوله: "رامحة". وسائفة: يحتمل أن يجعل الوشائع الصفر التي حول الرقيبة سيوفا، ويحتمل أن يكون السيوف الأوراق البيض. ومترسة ذات ترس. ولاشك أنه من الأوراق البيض. وقوله: "نسوس" أراد مستقبل فعل الساسة، وهو مليح فيه معنى التنويه به وللفقيه أبي الحسن بن علي فيه أوصاف حسنة، وتشبيهات جيدة فمنها قوله: [الطويل]
أرى صفرة السوسان فوق بياضه ... كصفو مدام في إناء مفضض
بدا مثل حق العاج في فرع غصنه ... بأكرم ملبوس وأجمل معرض
ولما دنا وقت النثار تشققت ... نواويره عن حلي حسن له نضي
كذلك حقاق الحلي صون لما حوت ... كفات له من خاتل متعرض
قولهك ["نضي" بمعنى: جرد. كفات له: أي ستر. قال الله ] : (ألم نجعل الأرض كفاتا) أي سترا. وخاتل: بمعنى خادع. وأنشدني أيضا لنفسه أحسن تشبيه موصولا بمدح ذي الوزارتين أبي عمرو عباد_حرس الله نفسه، كما قدس غرسه_وهو: [البسيط]
كأنما السوسن الدري ألسنة ... تمجد الله مجري التبر في غربه
أندى النواوير إن قبلت صفحته ... حباك من طيبه حظا ومن ذهبه
وما أرى غير عباد له شبها ... في الحسن والفوح والمأثور من أدبه
ومن المستندر المختار أبيات كتب بها أبو جعفر بن الأبار وهي: [الكامل]
أنعم فقد حسن الزمان وأحسنا ... وتباهلت عنك الخطوب لتفطنا
أوما ترى برد الربيع مفوفا ... يصبي العيون بمجتلى وبمجتنى
والسوسن العبق الجيوب تخاله ... من ناصع الكافور صور ألسنا
حفت قراضات النضار مجردا ... منه أقلتها قصيرات القنا
فكأنما أوراقه وكأنه ... بيض سللن لقتل جان قد جنى
المجد: هو القائم وسط السوسنة، والقراضات: هي النواوير الصفر في أسفلها، وكأنه في آخر بيت كناية راجعة إلى المجرد، وهو تشبيه قوي وتمثيل سري. ولأبي جعفر بن الأبار أيضا أبدع تشبيه وهو: [المجتث]
كأنما السوسن الغض ... ض منظرا حين يلحظ
فهر بهاؤون در ... مشطب قد تعظعظ
الفهر: القائم وسط السوسنة، والهاؤون: سائرها، وتعظعظ: مال وعدل. ولأبي علي إدريس بن اليمان فيه أوصاف مستطرفة، وتشبيهات مستظرفة منها [قوله] : [الوافر]
ممهى الحسن مشقوق الجيوب ... له وجه البريء من الذنوب
تفرج عن مناكبه قميص ... تفرج لوعة الدنف الكئيب
وقد علت عمامته بورس ... فقام لا خطاب كالخطيب
على أنبوب كافور يراع ... تضمن بطنه ينبوع طيب
الممهى: المرقق: يقال: أمهيت السيف أمهيه: إذا أرهفته وجلوته. وبنى القطعة كلها على وصف القائم وسط السوسنة. ولأبي إدريس بن اليمان أيضا قطعة بديعة التشبيه موافقة الوصف لكل ما فيه وهي: [مجزوء الرجز]
وضاحك كالفلق ... عن فلج في ورق
على حفافي مرود ... مذهب مندلق
كمنتج من غرق ... وخارج من نفق
بين اصفرار فاقع ... على ابضاض يقق
كأنما كلاهما ... في راحة أو طبق
برادة من ذهب ... في ورق من ورق
الفلج: الفرجة بين الأسنان، والروق: طولها. والحفافان: الجانبان. وعنى بالمرود القائم وسط السوسنة. والمندلق: الناتيء المندفع. قال أبو الوليد: ولي فيه قطعة فيها اختراع تشبيه وصلتها بمدح الحاجب_حجبه الله بي عن النوائب_وهي: [المجتث]
وسوسن يتهادى ... للأنس بالراحتين
نعم المواصل لو لم ... يعد بنأي وبين
كأنما خلقه الفذ ... ذ خسة من لجين
أو أنمل بضة ما ... تكبت في يدين
وبينها حارس لا ... ينام طرفه عين
علا وأشرف منها ... على جمال وزين
كما علا الحاجب المن ... تقى على الشعريين
ملك به حال دهري ... بين الخطوب وبيني
قال أبو الوليد: ووقعت إلي في السوسن الأزرق وهو الخرم صفات محكمة وتشبيهات متقدمة.
الخرم
فمن بديعها ورفيعها قول الوزير عامر بن مسلمة وهو: [المتقارب]
стр. 41
ألا حبذا السوسن الأزرق ... ويا حبذا حسنه المونق
حكى لونه لون فيروزج ... جرى وسطه ذهب مشرق
وللفقيه أبي الحسن بن علي فيه أبدع اختراع وأغرب تشبيه وهو: [الخفيف]
لا حلي خرم الصحارى فراق ال ... عين تدبيجه العجيب وورده
جاء كالزائر الموافي لوعده ... بعد أن طال بالأحبة عهده
أطلعت حلتاه وشيا وتبرا ... زان ذا رقمه وذا لا زورده
أي نصل يفري الحوادث لودا ... م لجانبيه ماؤه وفرنده
وله أيضا فيه قطعة موصولة بمدح أبي_وقاه الله بي_وهي: [الخفيف]
بز ثوب البهاء واللألاء ... زهر الروض خرم الصحراء
عاف ثوب البياض لون أخيه ... وتردى بحلة زرقاء
لتراه العيون في حلة يحك ... كي سنا نورها أديم السماء
لو حواها الطاووس أصبح لا شك ... كك منها بملك طير الهواء
عزة في طباعه وعلو ... قد أناف به على العلياء
كجيب بن عامر فهو فذ ... في اقتناء العلا وكسب الثناء
ومن التشبيه السني فيه والوصف السري له قول صاحب الشرطة أبي بكر بن القوطية وهو: [البسيط]
ومغرب اللون في مسلاخ طاووس ... فيروزجي بصنع الله مغروس
كأنما اختلست قطعة غلائله ... من الغمائم أو فضل الحناديس
شخت المآزر لاذي الظهائر قد ... أتاك يرفل في ثوب له سوسي
كأنه كسف أفق ماله حبك ... أو لازورد أو اذناب الطواويس
كأنم رشح سقيط الطل أوسطه ... نضح يمد على آثار تدنيس
لا زال في مجلسي آنا بهيئته ... ولا توخى اسمه شملي ولا كيسي
إنما عمى في البيت الآخر الخرم اسمه، دعا ألا يتوخى الخرم شمله ولا كيسه. قال أبو الوليد: ولي فيه تشبيه طابقه وهو: [مجزوء الرجز]
وخرم حلو الحلى ... يبدو لعيني من لمح
تلونا ومنظرا ... كأنه قوس قزح
قال أبو الوليد: لم يقع إلي في السوسنين غير ما أوردته. ومن النواوير المشاهير التي كثر القول فيها والوصف لها نور النيلوفر ، وأنا مودع بابه ما حصل عندي فيه من المستندر.
النيلوفر
من السابق في ميدان التفضيل الفائق عند أهل التحصيل قول ذي الوزارتين القاضي الجليل أمله علي وهو: [البسيط]
يا حسن بهجة ذا النيلوفر الأرج ... وطيب مخبره في الفوح والأرج
كأنه جام در في تألفه ... قد أحكموا وسطه فصا من السبج
وله_أعزه الله وأذل عداه_يصفه بوصفين غريبين، ويشبهه بتشبيهين، عجيبين في قطعة واحدة وهي: [مجزوء الرجز]
كأنما النيلوفر ال ... مستحسن الغض البهج
مقلة خود ملئت ملئت ... سحرا وغنجا ودعج
أو خاتم من فضة ... وفصه من السبج
شبه في البيت الثاني بالعين في السواد الذي بين بياضه وهو أولى بهذا التشبيه، وأحق أن يصاغ فيه من كل ما شبه بالعين من البهار وغيره الذي لا سواد فيه يؤيد حقيقة تشبيهه، وينصر صحة تمثيله. ومثل هذا التشبيه المعدوم الشبيه، والتمثيل المنقطع المثيل، لو وقع لمشتغل بصناعة الشعر، عاكف على صناعة النظم، مجهد نفسه فيها، معان لمعانيها لاستغرب غاية الاستغراب، واستعجب نهاية الاستعجاب، فكيف ترى فضله وتعاين نبله، وهو لا يعاني هذا ولا يتفرغ له، وإما هو عفو سجيته، وفيض بديهته_صان الله لنا حذقه كما أوجب علينا حقه_. وقال أبو عمر يوسف بن هارون الرمادي يصفه فأبدع بدعا في قطعة جمعت الجزالة والرقة معا وهي: [المنسرح]
إذا سقى الله روضة مطرا ... فخص بالسقي كل نيلوفر
تستر أوراقه زمرده ... ليلا وعند النهار لا تستر
خافت عليه اللصوص فاشتملت ... عليه ليلا من خوف أن يظهر
إذا الزنابير من مغالقه ... ام تتحفظ فبينها تقبر
كأن أجفانه جفون الذي ... أهواه لا تستطيع أن تسهر
كأنها كؤوس فضة فرشت ... قيعانها بالزمرد الأخضر
تنعم في حسنه ونكهته ... فأنت في منظر [وفي] مخبر
стр. 42
الزنابير: جمع زنبور، وهي النحل، وإنما عنى بالبيت انغلاق أوراقه ليلا، وقصد النحل دون غيرها لأن النيلوفر يسمى قاتل النحل لطلبها أبدا أكل ما داخل أوراقه فربما فعلت ذلك وقت انغلاقه فامتنعت من الخروج. ولم أر لكل من صنع فيه، وعني بوصفه ذكر أمر الزنابير إلا للفقيه أبي الحسن ابن علي في قطعة عجيبة أنشدنيها وهي: [الخفيف]
ما لنيلوفر الحدائق يقظا ... ن مع النور هاجعا في ظلامه
أشبه الأنس في تصرف حالي ... هـ ووقتي سهاده ومنامه
وتوقيه في الدياجي بإغلا ... ق نواويره وضم كمامه
لقبوه بقاتل النحل لما ... أبصروا النحل مقصدا لسهامه
لم يجر في القصاص إذ ذلك لص ... سارق بالنهار شهد ختامه
وللوزير الكاتب أبي الأصبغ بن عبد العزيز في انغلاقه تشبيه دقيق، وتمثيل أنيق وهو: [المتقارب]
ونيلوفر فاق في فضله ... صنوف النواوير من شكله
وفاتهم بالذي حازه ... كما قصر الكل عن نيله
يبيح نهارا لزواره ... محيا يرغب في وصله
ويمنع بالليل من وجهه ... ليأخذ بالحزم في فعله
كبائع عطر بحانوته ... ضياء النهار إلى ليله
فإن جاءه الليل أفضى به ... إلى سده وإلى قفله
وأنشدني لنفسه فيه الوزير أبو عامر بن مسلمة أبياتا رائقة تضمنت أوصافا رائعة موصولة بمدح الحاجب_لا أعد منا الله جاهه كما أعدمنا أشباهه_: [السريع]
يا حبذا النيلوفر الطالع ... ومجتلاه الناضر الناصع
كأنه مخزنة من مها ... في وسطها زمرد ساطع
وحوله ألسنة ستة ... من فضة أتقنها صانع
كل لسان أبيض ناصع ... والطرف منه أصفر فاقع
قام على خضراء من سوقه ... فكل إبريق له راكع
ركوع أملاك الورى للذي ... نداه دان والحيا شاسع
ذاك ابن عباد سليل العلا ... الحاجب المرتفع الرافع
دام دوام الدهر في عزة ... تبقى ويبقى الحاسد الخاضع
وللفقيه أبي الحسن بن علي في تشبيه لونيه وصف متناه ليس له مواز ولا مضاه وهو: [البسيط]
كأنما زهرة النيلوفر اختلست ... قطعا من الليل قد حف الصباح به
فالنور منقطع عن جزم عنصره ... والليل ممتنع من حكم غيهبه
فعل أشتهما من أصل طبعهما ... ماذا تألف من شمل الجمال به
ولصاحب الشرطة أبي بكر بن القوطية في جميع أحواله وصف أعرب عن كماله وهو: [مشطور الرجز]
وذات جسم كاللجين المنسبك
مبيضة الأثواب من نسج البرك
خضر سراويلاتها حصر التكك
كأنما العنبر فيها قد فرك
والمسك في قيعانها قد امتسك
ناسكة نهارها مع النسك
حتى إذا الليل تدانى واشترك
وآن أن يأتي المحب المنتهك
غلقت الباب وقالت: هيت لك
ومن [السحر المنتحل] ، والكلام المنتخل في حالاته كلها، وصفاته بأسرها، ما أنشدنيه [لنفسه] أبو جعفر بن الأبار موصولا بمدح ذي الوزارتين القاضي_أدام الله أيامه وأسبغ علينا إنعامه_وهو: [المنسرح]
وناصع اللون أسود الحدقه ... جفونه بالعشاء منطبقه
كذي دلال لم يستطع أرقا ... فنام والنور واصل أرقه
هام به الليل والنهار معا ... فصد عن ذا وخص ذامقه
لا تمتروا في الذي تضمنه ... تلك سويداء قلب من علقه
نيلوفر أحكمت بدائعه ... لا يحتوي خلقه ولا خلقه
طاهر ثوب كأن خالقه ... من عرض قاضي القضاة قد خلقه
سليل عباد الذي حشمت ... منه وجوه السحائب الغدقه
المجد أفق غدا له قمرا ... والحق حق حوى به طبقه
ومما يشاكل هذا براعة، ويشبهه بزاعة، قوله [أيضا فيه] موصولا بمدح ذي الوزارتين أبي عمرو عباد_أعزه اله وأحسن ذكراه_وهو: [المتقارب]
إذا النور خص بمدح فما ... لنيلوفر الروض لا يعبد
وأوراقه كعبة من لجين ... توسطها الحجر الأسود
توسط عباد المرتجى ... لظى الضرب والحرب إذ توقد
همام إذا هم أضحت له ... متون الظبى والقنا ترعد
إذا شئت وجدان أفضاله ... وجدت وشرواه لا يوجد
قوله: "وشرواه" الشروى: المثل. وأنشدني أيضا لنفسه في تشبيه خلقه وخلقه بيتين سريين وهما: [المنسرح]
стр. 43
كأن نيلوفر الرياض إذا ... ما الليل أدجى أو هم أن يدجى
رومية بضة منعمة ... تضم طفلا لها من الزنج
ومما شبه أيضا فيه أسوده بالزنجي قول أبي القاسم البلمي وهو تشبيه مفضل له، [مستحسن منه، وهو] : [الخفيف]
ونيلوفر غدا يخجل الرا ... ني إليه نفاسة وغرابة
كمليك الأحبوش في قبة بي ... ضاء يرنو الدجا فيغلق بابه
جنح ليل لما تجسم شخصا ... قد من صفحة الضحى جلبابه
الأحبوش: لغة في الحبش. قال أبو الوليد: ولي في لونيه وصف ربما طابق، وتمثيل عساه وافق، وهو: [المجتث]
وروضة رضيت عن ... صوب الحيا المسمر
فأظهرت نور نيلو ... فر منير أغر
كمحبر من لجين ... فيه بقية حبر
قال أبو الوليد: قد أكملت من النواوير ما وقع إلي فيه الوصف الكثير، وبقيت نواوير وقعت إلي فيها أوصاف يسيرة، وقطع قليلة، ولكني أذكرها على علاتها، وأورد منها ما حسنت تشبيهاتها، وجادت صفاتها فمنها نور اللوز .
نور اللوز
كاد أن يكون أبكر النواوير، وأول الأزاهير، ولم أعامله بالتأخير إلا لقلة الوصف له والقول، وذلك كل ما يأتي مما يبكر، وإنما له التأخير من أجل قلة القول فيه، والتشبيه له. فمن المستحسن في نور اللوز قطعة فائقة الوصف، رائقة الرصف أنشدنيها لنفسه صاحب الشرطة أبو بكر بن القوطية موصولة بمدح ذي الوزارتين أبو عمر عباد أعزه الله: [البسيط]
وأبيض اللون ذفلي غلائله ... عليه من نسج كانونين ابراد
يقول مبصره: سبحان فاطره ... كيف استقلت بهذا الحسن أفراد
يزور والنور لم تفتح كمائمه ... ولا تقدمه للوز ميعاد
كأنه رائد أو طالع نجدا ... أو قائد وصنوف النور أجناد
تشبه الخوخ في حسن النوار به ... يا قوم حتى من الأشجار حساد
نور حوى قصب المضمار منفردا ... كما حوى قصبات السبق عباد
الطاعن الخيل قدما والقنا قصد ... والسيف منقصف والرمح منآد
والموقد النار جودا للضيوف وقد ... جف المزاد وخف الرحل والزاد
وللوزير أبي عامر بن مسلمة فيه أبيات حسنة السبك، جيدة الحبك وهي: [السريع]
يا زهر اللوز لقد فقت في ال ... إحسان والحسن فأنت البديع
قد حزت حسنين وحازت نوا ... وير الربا حسنا فأنت الرفيع
تعلو بهار الروض حسنا فقد ... أصبحت مخصوصا بحب الربيع
قد أمك الوصاف إذ شبهوا ... غيرك بالخد وجار الجميع
فلونك المشرب في حمرة ... من يره أصبح لا يستطيع
دفعا لما قلت إذا عاينوا ... جمالك النورين عند الطلوع
فقت النواوير اعتلاء فما ... في زهرها غير سميع مطيع
قال أبو الوليد: ووقع إلي في نور الأقحوان تستولي على ميدان الإحسان أنا ذاكر جملتها ومورد جميعها.
الأقحوان
[قال أبو الوليد] : أنشدني [لنفسه] فيه الوزير أبو عامر بن مسلمة [بيتين بديعين في التمثيل، رفيعين في التشبيه وهما] : [السريع]
وأقحوان راقني نوره ... إذ ظل يرنو بعيون حسان
كأنه مدهنة من مها ... محكمة في وسطها زعفران
وللفقيه أبي الحسن بن علي فيه قطعة [معجبة تضمنت أوصافا مغربة] موصولة بمدح ذي الوزارتين القاضي_[أطال الله بقاءه وأدام في درج العز ارتقاءه_وهي] : [الطويل]
إذا ميزت أنوار كل خميلة ... فنور الأقاح الغض منها ثغور
تألفن درا فوق أغصان سندس ... ونكهة طيب بالصبا تستثيرها
شكت قضفا بين النواوير فاتقت ... وجاءت إلى غدرانها تستجيرها
بنور ابن عباد أضاءت وأشرقت ... ومن وجهه السامي تألف نورها
ولو أملته واستجارت بقربه ... لذل مناويها وعز نصيرها
قوله: "شكت قضفا" القضف: الرقة، وهوتمليح مليح في صحبتها الغدر، وربما كانت في غيرها. [ومن المستطرف المستظرف قوله] : [المجتث]
كأن نور الأقاحي ... در تضمن عسجد
أو لؤلؤ حول صفر ... من اليواقيت نضد
وقد بدا في غصون ... مخضرة كالزبرجد
تهدي لك المسك فوحا ... مع الأصائل والند
يزيده اللحظ حسنا ... والعين نورا مجدد
стр. 44
ومن السابغ برد كماله، السائغ ورد جماله، قول أبي جعفر بن الأبار في بركة على جوانبها أقحوان وهو: [المنسرح]
وبركة بالأقاح محدقة ... تخال ريح الصبا بها صبه
يحل فيها الحباب حبوته ... إذا جرت للصبا بها هبه
كأنها راحة بها غصن ... حفت من الدر حولها لبه
شبه تكسر الماء براحة: وهي الكف فيها غضن، والغضن: التشنج والتكسر وشبه ابيضاض الأقحوان واتصاله بالبركة بلبة در. واللبة: العقد العالي، سمي بموضعه من الصدر. ولأبي القاسم البلمي فيه تشبيه حسن [أنشدنيه، وهو] : [الخفيف]
راق عيني منظر الأقحوان ... بنفيس اللجين والعقيان
كفه بالحبيب سوك فاه ... بعد عود الأراك بالزعفران
قال أبو الوليد: ولي في بركة عليها أقحوان تشبيه تضمنه بيتان وهما: [المتقارب]
كأن الثرى صيرفي له ... نطوع من اللازورد البديع
يقلب فيه من الأقحوا ... ن درهم من ضرب كف الربيع
هذا ما عثرت عليه وانتهيت باجتهادي إليه في نور الأقحوان من التشبيهات الحسان. وحين أكملته أورد ما وقع إلي من المستندر في الشقر .
الشقر
ويسمى شقائق النعمان، وسأذكر مارأيت من التشبيه في هذا الباب إن شاء الله. فمن جيد التشبيه فيه وحسن التمثيل له قول الفقيه أبي الحسن بن علي موصولا بمدح ذي الوزارتين القاضي_كبت الله أعداءه، وأدام عليهم إعداءه_وهو: [البسيط]
إن الشقائق من حمر الخدود قد اش ... تقت ومسودها من حالك اللمم
كأنها في المروج الخضر أبنية ... حمر قد اصطملحت من قانيء الأدم
يا بن الذي قد حماها في منابتها ... فلم تزل في حمى منه وفي حرم
معروفة باسمه في كل مطلع ... محفوظة المنتهى مرعية الذمم
جدد لها من وكيد العهد حرمتها ... وصل لها محدث الإكرام بالقدم
قوله: "يابن الذي قد حماها" يخاطب ذا الوزارتين القاضي_ أعزه الله_لأنه ابن النعمان الملك الذي نسبت إليه الشقائق، وجاء في الخبر قال: خرج النعمان يوما فمشى حتى انتهى إلى الظهر، وقد اعتم بنبته من أحمر وأصفر، وإذا فيه من هذه الشقائق شيء لم ير مثله، فقال: احموها. فحموها. فسميت شقائق النعمان بذلك. حكى هذا أبو حنيفة ورفعه إلى أعشى بكر وذكر أنه كان حاضر النعمان يومئذ. وله أيضا فيه أبيات عجيبة ضمنها هذا المعنى وهي: [الخفيف]
أصبحت طلع الشقائق نهبا ... لجناه الورى بكل طريق
لو أعيد النعمان حيا لراعى ... غير وان لها مضاع الحقوق
وكأن السواد فيها غوال ... بسطت في مداهن من عقيق
أو نثير من طيب المسك محض ... صب بالعمد في كؤوس الرحيق
ومن الصفات المستحسنة قول الوزير أبي عامر بن مسلمة وهو: [الخفيف]
يا نديمي قم اصطبح ... وعلى العود فاقترح
إنما العيش بالسما ... ع وبالناي وبالقدح
وتأمل حسن الشقا ... ئق تنشط إلى المدح
مثل كأس العقيق في ... قاعه المسك يلتمح
ومن الصفات السنية المحكمة فيه قول صاحب الشرطة أبي بكر بن القوطية وهي: [الرجز]
وحالك اللون كلون المسك
كأنما أحداقه من سلك
مدرع ثوبا دقيق السلك
كأنما صباغه باللك
أزرى بلون الورد لو ما يحكي
نسيمه كان بغير شك
ما بين أنوار الربا كالملك
قال أبو الوليد: ولي فيه بيتان ربما انفرد بتشبيه وهما: [الطويل]
رياض يحييها الحيا بانسكابه ... فتسفر للنظار عن منظر نضر
إذا ما بدت فيها الشقائق خلتها ... شعور العذارى لحن في الخمر والحمر
لم أعثر في الشقائق على غير ما أوردت، ولا وجدت في وصفها سوى ما ذكرت. ووقعت إلي في نور الباقلاء صفات جيدة وتشبيهات حسنة أذكرها بأسرها وأورد جميعها.
نور الباقلاء
فمن بديع ما قيل فيه، ورفيع ما شبه به قول صاحب الشرطة أبي بكر بن القوطية وهو: [الخفيف]
وبنات للباقلاء تبدت ... كعيون تفتحت من رقاد
فبياض منها مكان بياض ... وسواد منها مكان سواد
وقال أبو جعفر بن الأبار يصفه في قطعة موصولة بمدح أبي_أطال الله لي عمره، ورزقني بره_فاستكمل الصفات بأبدع تشبيهات وأرفع تمثيلات [والقطعة] : [مجزوء الرجز]
стр. 45
وباقلاء باقل ... يعجب حسنا من رمق
كأنما نواره ... إذ رق خلقا وخلق
أذقان بيض غلفت ... لمبصر ومنتشق
أوأعين حور جرت ... إلى مآقيها الحدق
وهدبها مستبطن ... في ورق من الورق
أو جنح ليل بقيت ... منه بقايا من فلق
أو سبج من درر ... أو ثنن بها بلق
كأن للمسك بها ... مشقا بنيات طرق
وعرفه معرف ... بأنه فيه فتق
كأن نجل عامر ... من خلقه طيبا خلق
ملك إذا صال عفا ... حلما وإن سيل اندفق
إن بخل الغيث سخا ... أو عنف الدهر رفق
قوله: "جرت إلى مآقيها الحدق" بديع غريب لأن السواد الذي جعله حدقة العين هو في ناحية من النور، وليس متوسطا له، فكأن الحدقة قد جرت إلى المأق وهو طرف العين ممايلي الأنف. "وهدبها مستبطن.." البيت وهو مما أكمل به الوصف وتمم التشبيه، لأن في الورقة التي ظاهرها تلك الصفة المتقدمة خطوطا سودا جعلها هدبا لتلك العيون، وهي التي عنى بقوله:
كأن للمسك بها ... مشقا بنيات طرق
قوله: "أو ثنن بها بلق" جمع ثنة وهي الشعر الذي يكون على مؤخر الرسغ. قال أبو الوليد: ولي فيه تشبيه ربما يوافق، وتمثيل كأنه يطابق وهو: [الطويل]
أرى الباقلاء الباقل اللون لابسا ... برود سماء من سحائبها غذي
ترى نوره يلتاح في ورقاته ... كبلق جياد في جلال زمرذ
ودخلت بستانا لي مع الفقيه أبي الحسن بن علي وكان به باقلاء قد نور، فأخذ من نوره وصنع مصارعا وسألني إجازته، ففعلت وزدت بيتا آخر. ومصراعه: [الرمل]
سبج في كأس در ... ..........................
وزيادتي........ ... أو كسوف وسط بدر
أو غوال في لآل ... أو غشاء بين فجر
ووقعت إي أيضا في الباقلاء بعينه قطع مستطرفة وأوصاف مستظرفة تشبهت بالنور فرأيت ذكرها، فمنها وصف الوزير أبي عامر بن شهيد_رحمه الله_في قطعة بديعة [بزيعة] مطبوعة مصنوعة وهي: [المنسرح]
إن لآليك أحدثت صلفا ... فاتخذت من زمرد صدفا
تسكن ضراتها البحور وذي ... تسكن للحسن روضة أنفا
هامت بلحف الجنان فاتاخذت ... من سندس في جنانها لحفا
تثقبها بالثغور من لطف ... حسبك منا ببر من لطفا
أكل ظريف وطعم ذي أدب ... والفول يهواه كل من ظرفا
وقال لي الفقيه أبو الحسن بن علي: رأيت في يد صديق حبة باقلاء شديدة سواد القشر، وكلفني وصفها فقلت بديهة: [المنسرح]
فص من العاج حقه سبج ... ممتزج بالجمال مزدوج
فيه سواد يزين غرته ... كأنه مقلة بها دعج
يؤثر رطبا ويابسا أبدا ... ويستبي النفس فوحه الأرج
وأخبرني أيضا قال: طالعت بستانا لي بغربة قرطبة، وكان فيه باقلاء فجعل بعض الغلمان ينقي منه ويناولني فقلت: [المنسرح]
ريم سبى مقلتي تورده ... يسل سيف الهوى ويغمده
جار على جرجر فخربه ... وظل من قشره يجرده
وكلما ابتز ثوب واحدة ... منها حبتي بحبها يده
فقلت مستطرفا لفعلته ... وزاد في نبله تعمده
كلاكما لاعدمت حسنكما ... ينشق عن لؤلؤ زبرجده
فارتاب بي وانثنى على خجل ... وحبه ساقط يبدده
قوله: (جار على جرجر" الجرجر لغة في الباقلاء. وقوله: ينشق عن لؤلؤ زبرجده" فاللؤلؤان من هذا وهذا الحب والثغر. والزبرجدان منهما: القشر والشارب الأخضران. وفي هذه القطعة من جيد الصناعة، وحسن الصياغة ما يعجب الناظر، ويعجز الخاطر قال أبو الوليد: وفي بزر الكتان أوصاف موسومة بالإحسان أنا ذاكرها إن شاء الله تعالى.
نور الكتان
قال أبو جعفر بن الأبار يصفه [بوصف نادر مختار وهو] : [المجتث]
وبزر كتان أوفى ... بكل وهد ونجد
كأنه حين يبدو ... مداهن اللازورد
إذا السماء رأته ... تقول: ذا من فرندي
قال أبو الوليد: ولي فيه قطعة أخرى. [المنسرح]
كأن نور الكتان حين بدا ... وقد جلا حسنه صدا الأنفس
أكف فيروزج معاصمها ... قد سترتهن خضرة الملبس
أولا فزرق الياقوت قد وضعت ... على بساط يروق من سندس
ووقع إلي في نور الغلبة وصف حسن الذكر أذكره لئلا أدع مستحسنا أجده.
стр. 46
نور الغالبة
قال الوزير الكاتب أبو القاسم بن الخراز يصفه فأحسن وأغرب، وأبدع وأعجب وهو: [البسيط]
ورختجي سحابي قوائمه ... خضر حكى ياسمينا في تفتحه
تميس قضبانه والريح تعطفها ... مشي النزيف تهادى في ترنحه
كأن أوراقه في حسن خضرتها ... من الزمرد أسناه وأملحه
تخير الشط في الأنهار منبته ... ففاز بالعرف في معنى تبطحه
وغالب النور حتى قيل غالبة ... فحسبه غالبا كافي مرشحه
قال أبو الوليد: ووقع إلي في نور الرمان قطعتان حسنتان ولم يتأخر عن غيره إلا بتأخر وقته وإبطائه عن أوان نظرائه.
نور الرمان
فمن التشبيهات العقم فيه قول أبي القاسم بن هانئ الأندلسي في كمامة نوارة سقطت منه وهو: [الرجز]
وبنت أيك كالشباب النضر
كأنها بين الغصون الخضر
جنان باز أو جنان صقر
قد خلفته لقوة بوكر
كأنما مجت دما من نحر
أو سقيت بجدول من خمر
أو نبتت في تربة من جمر
لو كف عنها الدهر صرف الدهر
جاءت بمثل النهد فوق الصدر
تفتر عن مثل اللثات الحمر
في مثل طعم الوصل بعد الهجر
ومن التشبيهات الأنيقة، والتمثيلات الدقيقة قول أبي جعفر بن الأبار في كمائم هذا النور وهو: [المنسرح]
أعجب بأيك الرمان حين بدا ... نواره المحتوي مدى السبق
مثل أكف الدمى محنأة ... أو كبنان الحمائم الورق
أو كحقاق تفتحت فبدت ... غلائل وسطها من البرق
الجلنار
وللوزير أبي عامر بن مسلمة في وصف الجلنار أبيات بديعة رفيعة المقدار وهي: [المنسرح]
وجلنار بنوره يزهر ... أوراقه فتنة لمن أبصر
قد شبه الورد في تضاعفه ... وقارب اللون حلة العصفر
مثل ثمار الرمان زاهرة ... لكنه منظر بلا مخبر
قال أبو الوليد: ولي فيه قطعة ربما وافقت صفته وطابقت هيئته وهي: [المجتث]
وجلنار تبدى ... يختال في جل نار
أحلى حلى من جميع ال ... أنوار والأزهار
حكى خدود العذارى ... قد شربت باحمرار
وخمشت بأكف ال ... ألحاظ والأبصار
جل نار في القافية مفصول، وإنما هو جل من نار واتفق فيه تشبيه وتجنيس.
قال أبو الوليد: [إسماعيل بن عامر] : هذا ما عثرت عليه، وانتهيت بكثرة البحث إليه، وإن وقع إلي بعد وصف رائق أو معنى فائق ألحقته في هذا الكتاب، ووضعته في موضعه من كل باب، والبشر غير معصوم، ومن بذل جهد نفسه فليس بمذموم. وحسبي: أني قد جمعت من غرائب الأندلسيين ونوادرهم، وأوردت من فضائلهم ومآثرهم ما يمكن أن يتغمد به، ويصفح من أجله عما عرض من زلل، أو وقع من خطل، فربما أدخلت لأهل عصري ما يقرب من البديع، ولا يبعد عن الربيع، فمن نقد ذلك فليعلم أني لم أجهله، وإنما تحفظت من ناظميه، وأغضيت لهم على ما فيه، وليس ذلك إلا في أبيات يسيرة، وصفات غير كثيرة، والله المستعان على التوفيق والهادي إلى سواء الطريق.
[تم كتاب البديع في وصف الربيع بحمد الله وعونه، وصلى الله على محمد خيرته من خلقه وعلى أهله وسلم تسليما]