التي تهيج المحبة المطلقة التي لا تختص بأهل الإيمان بل يشترك فيها محب الرحمن ومحب الأوثان ومحب الصلبان .. وهؤلاء الذين يتبعون أذواقهم ومواجيدهم من غير اعتبار لذلك بالكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة (١).
فجميع البدع والمعاصي إنما تنشأ من تقديم هوى النفس على ما يحبه الله ورسوله عليه والصلاة والسلام.
والهوى من الأسباب التي لأجلها خالفت كثير من الأمم أنبياءها فاستكبروا ولم يقبلوا الحق والهدى والنور الذي جاءهم.
قال تعالى-: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [سورة البقرة, الآية: ٨٧]. وقال- تعالى-: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [سورة القصص, الآية: ٥٠]. فالهوى هو الدافع القوي لكل طغيان وكل تجاوز وكل معصية وهو أساس البلوى وينبوع الشر وقل أن يؤتى الإنسان إلا من قبل الهوى فالجهل سهل علاجه ولكن الهوى بعد العلم هو آفة النفس التي تحاج إلى جهاد شاق طويل الأمد لعلاجها (٢).
стр. 72
وكما جاء ذم الهوى في القرآن الكريم أيضاً في السنة المطهرة ففي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «ثلاث منجيات وذكرها ثم قال: وثلاث مهلكات هوى متبع وشح مطاع وإعجاب المرء بنفسه» (١).
وقال ﵊ «إن مما أخشى عليك من بعدي بطونكم وفروجكم ومضلات الأهواء» (٢).
إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة الدالة على خطر الهوى وضرر من اتبع هواه.
- قال الشيخ الغنيمان: ومتبع الهوى لابد أن يضل سواء عن علم أو عن جهل فإنه كثيراً ما يترك العلم اتباعاً لهواه ولايد أن يظلم إما بالقول أو بالفعل لأن هواه قد أعماه ولهذا حذر السلف من مجالسة من هذه صفته كما قال أبو قلابة لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم أو يلبسوا عليكم ما تعرفون (٣).
стр. 73
فاتباع الهوى هو أصل الضلال والكفر ومعلوم أن ذلك يتفاوت تفاوتا عظيما فمن اتباع الهوى ما يوصل إلى ما ذكر ومنه ما هو أقل من ذلك وكل من خالف الحق لا يخرج عن اتباعه للهوى أو الاعتماد على الظن الذي لا يغني من الحق شيئا (١).
ث - التقليد الأعمى:
التقليد هو قبول قول القائل من غير معرفة لدليله وكما قال ابن القيم: ولا خلاف بين الناس أن التقليد ليس بعلم وأن المقلد لا يطلق عليه اسم عالم (٢).
والتقليد في أصول الدين والتوحيد لا يجوز بل يجب فهم الدين كما جاءت به الرسل على وجهه الصحيح الملهب للضمائر والدافع لجميع القوى والجوارح إلى الأمام في سبيل الله أما في فروع الدين فيجوز تقليد أي مذهب من المذاهب السنية ولو لم يلتزم مذهبا معينا بشرط أن لا يتتبع الرخص (٣).
стр. 74
- وقال محمد صديق حسن: وتقليد الرجال واتباع القيل والقال ضلال وجهل ووبال ولا يجوز لأحد أن يقلد أحدا في شيء حتى يوافق قول الرسول المعصوم عن الخطأ.
فيكون اتباعه له في الحقيقة اتباع الدليل لا تقليد ذلك الإمام الجليل (١).
وعن ابن مسعود ﵁ قال: «من كان مستناً- أي يريد السلوك على الصراط السوي وسواء السبيل والطريق القويم والهدي المستقيم- فليستن بمن قد مات- أي يقتدي بالمائتين عن الدنيا على الإسلام والعلم والعمل فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة (٢)».
وقال أيضاً: ومن زعم من أسراء التقليد وعبيد الآراء أن القرآن والحديث لا يكفيان لذلك وأن الحاجة ماسة إلى الفقه المصطلح عليه اليوم من المقلدة ومن شابههم فقد أساء الظن بالله وبكتابه وبالرسول وبسنته وآية إكمال الدين تدفعه وترد عليه (٣).
стр. 75
- قال السفاريني:
وكل ما يطلب فيه الجزم ... فمنع تقليد بذاك حكم
لأنه لا يكتفي بالظن ... لذي الحجى في قول أهل الفن
وقال: قال علماؤنا وغيرهم: يحرم التقليد في معرفة الله وفي التوحيد والرسالة وكذا في أركان الإسلام الخمس ونحوها مما تواتر واشتهر (١).
- وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب:
والشيخ تقي الدين وتلميذه- رحمهما الله تعالى- بل وغيرهما إنما يحرمون التقليد في توحيد الله ورسالة النبي, ﵊ وما علم كونه من الدين ضرورة كأركان الإسلام ويدعيان الإجماع وعبارتهما: التقليد السائغ في المسائل المستفتى فيها وهي الاجتهادية, وأما العقلية كوجود الباري- تعالى- وتوحيده والرسالة فلا تقليد فيها (٢).
стр. 76
- قال شيخ الإسلام: وكل من يخالف الرسل هو مقلد متبع لمن لا يجوز له إتباعه وكذلك من اتبع الرسول بغير بصيرة ولا تبين وهو الذي يسلم بظاهرة من غير أن يدخل الإيمان إلى قلبه (١) وقد جاء في ذم التقليد في القرآن قوله- تعالى-: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [سورة المائدة, الآية: ١٠٤].
فالتقليد الأعمى والتعصب يؤديان إلى مهاوي الردى ويقودان صاحبهما إلى مسالك الغواية والضلال ويصدان عن إتباع النور والهدى فتكون النتيجة تخبطا وانتكاسكًا في الدنيا وهلاكًا وخسرانًا في الآخرة.
* * *
стр. 77
المراجع
حسب وردوها في البحث:
١ - التوحيد أولاً, د. ناصر العمر, دار الوطن, الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ.
٢ - الحجة في بيان المحجة لأبي القاسم إسماعيل التيمي الأصبهاني, تحقيق محمد ربيع المدخلي, دار الراية, الطبعة الأولى ١٤١١ هـ.
٣ - لسان العرب, لمحمد بن مكرم ابن منظور, دار صادر, بيروت.
٤ - جوهرة التوحيد, لإبراهيم اللقاني, مطبعة الاستقامة بالقاهرة.
٥ - حاشية كتاب التوحيد لعبد الرحمن بن قاسم النجدي, الطبعة الثالثة ١٤٠٨ هـ.
٦ - مجموع الفتاوي لأحمد بن تيمية, مؤسسة قرطبة بمصر.
٧ - التنبيهات السنية على العقيدة الواسطية لعبد العزيز الرشيد, دار الرشيد بالرياض.
٨ - دعوة التوحيد لمحمد خليل هراس, دار الكتب العلمية, الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ.
٩ - مجموع فتاوي لمحمد الصالح العثيمين, دار الوطن, الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ.
١٠ - درء تعارض العقل والنقل لأحمد بن تيمية, تحقيق محمد رشاد سالم, طبعة جامعة الإمام, الطبعة الأولي ١٣٩٩ هـ.
١١ - مجموعة الرسائل النجدية, إشراف عبد السلام آل عبد الكريم, دار العاصمة, الطبعة الثانية ١٤٠٩ هـ.
١٢ - أصول الدين الإسلامي, محمد سليمان التميمي, طبعة الجامعة الإسلامية, الطبعة الثالثة.
١٣ - شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري, عبد الله الغنيمان, مكتبة الدار, الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.
١٤ - التدمرية لأحمد بن تيمية, تحقيق محمد السعودي, الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.
١٥ - مدارج السالكين لابن قيم الجوزية, دار الكتب العلمية, الطبعة الأولى.
стр. 78
١٦ - توضيح المقاصد وتصحيح القواعد في شرح قصيدة ابن القيم لأحمد بن عيسى, تحقيق زهير الشاويش, المكتب الإسلامي, الطبعة الثالثة ١٤٠٦ هـ.
١٧ - لوامع الأنوار البهية لمحمد السفاريني, مكتتبة الخافقين, الطبعة الثانية ١٤٠٢ هـ.
١٨ - شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الدمشقي عبد الله التركي وشعيب الأرناؤوط, مؤسسة الرسالة ١٤٠٨ هـ الطبعة الأولى.
١٩ - عقيدة المسلمين لصالح البليهي, الطبعة الثانية ١٤٠٤ هـ.
٢٠ - سؤال وجواب في أهم المهمات لعبد الرحمن السعدي, دار العاصمة, الطبعة الرابعة ١٤١٠ هـ.
٢١ - مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لعبد العزيز بن باز, الطبعة الثانية ١٤٠٩ هـ.
٢٢ - معارج القبول بشرح سلم الوصول لحافظ حكمي, دار ابن القيم الطبعة الأولي ١٤١٠ هـ.
٢٣ - الدرر السنية, جمع عبد الرحمن القاسم, الطبعة الثانية ١٤٠٢ هـ.
٢٤ - فتح الباري لابن حجر العسقلاني, تعليق ابن باز دار المعرفة.
٢٥ - التوكيد في وجوب الاعتناء بالتوحيد لسليمان العلوان, دار المنار بالخرج, الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ.
٢٦ - حكم الانتماء لبكر أبو زيد, دار الراية, الطبعة الثانية ١٤١٠ هـ.
٢٧ - الدين الخالص السيد محمد صديق خان, دار التراث بمصر.
٢٨ - الصواعق المرسلة لابن القيم الجوزية, تحقيق علي الدخيل الله, دار العاصمة, الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ.
٢٩ - صحيح مسلم بشرح النووي مؤسسة قرطبة, الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ.
٣٠ - الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية لعبيد الله بن بطة, تحقيق رضا بن نعسان, دار الراية, الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ.
٣١ - شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لهبة الله اللالكائي, تحقيق أحمد الحمدان, طبعة دار طيبة بالرياض.
٣٢ - صحيح ابن حبان, تحقيق أحمد شاكر, مكتبة ابن تيمية.
٣٣ - كتاب التوحيد لأبي بكر محمد بن خزيمة, تحقيق عبد العزيز الشهوان, مكتبة الرشد, الطبعة الثانية ١٤١١ هـ.
стр. 79
٣٤ - المصباح المنير لأحمد الفيومي, المكتبة العلمية.
٣٥ - تيسير العزيز الحميد لسليمان بن عبد الله بن محمد, المكتب الإسلامي, الطبعة الرابعة ١٤٠٠ هـ.
٣٦ - أعلام السنة المنشورة لحافظ حكمي, دار النور, الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ.
٣٧ - رسالة مهمة لعبد العزيز بن محمد بن سعود, دار الوطن, الطبعة الثالثة ١٤١٠ هـ.
٣٨ - أول واجب على المكلف, عبد الله الغنيمان, كتبة لينة, الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ.
٣٩ - الأجوبة المفيدة لمهمات العقيدة, عبد الرحمن الدوسري, مكتبة الرشد, الطبعة الثانية ١٤٠٣ هـ.
٤٠ - التفسير القيم لابن القيم, تحقيق محمد الفقي, دار الكتب العلمية.
٤١ - وجوب لزوم الجماعة, جمال بن بشير بادي, دار الوطن, الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ.
٤٢ - التوحيد وواقعنا المعاصر, لعدنان النحوي, دار النحوي, الطبعة الأولى ١٤١١ هـ.
٤٣ - منهاج السنة النبوية لابن تيمية, تحقيق محمد رشاد سالم, طبعة جامعة الإمام, الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ.
٤٤ - الحوادث والبدع لمحمد الطرطوشي, ضبط علي حسن عبد الحميد, دار ابن الجوزي, الطبعة الأولى ١٤١١ هـ.
٤٥ - البدعة, لسليم الهلالي, دار الهجرة, الطبعة الثالثة ١٤٠٩ هـ.
٤٦ - في ظلال القرآن لسيد قطب, دار العلم, الطبعة الثانية عشر ١٤٠٦ هـ.
٤٧ - الهوى لعبد الله الغنيمان, دار الوطن, الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ.
٤٨ - اعلام الموقعين لابن قيم الجوزية, تعليق طه عبد الرؤوف, دار الجيل.
٤٩ - التوضيح عن التوحيد الخلاق لسليمان بن عبد الله, دار طيبة, الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ.