← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 17064

التفسير والمفسرون في غرب أفريقيا

محمد بن رزق الطرهوني

Полный текст (907 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

التفسير والمفسرون في غرب أفريقيا تأليف د. محمد بن رزق بن طرهوني «الجزء الأول» دار ابن الجوزي

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ . أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار (١). إن نعم الله على عباده لا تحصى، وإن آلاءه وأفضاله لا تعد، قال تعالى ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار﴾ (٢) وإن من نعم الله سبحانه على العبد بعد هدايته للإسلام أن يوفقه إلى سلوك سبيل أهل العلم العاملين به، فذلك والله لهو الخير العميم والفضل العظيم قال تعالى ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون﴾ (٣). وإن مما أنعم الله علي: حبي للعلم وأهله، ورغبتي الجامحة في الانخراط في طلابه وخطابه، فكان أن أكرمني بإنهاء رسالة الماجستير في تخصص التفسير وعلوم القرآن، وتشوفت لإكمال المسيرة العلمية بالتقدم لإتمام الدكتوراه. وكغيري من طلبة العلم في تلك المرحلة تجاذبني موضوعات شتى، رغبت نفسي في البحث فيها فتقدمت ببعضها إلى قسم التفسير بجامعتنا

стр. 3

الكريمة إلا أنها لم تحظ بموافقة القسم عليها، وبعد مداولات ومشاورات مع أهل الخبرة والاختصاص؛ أشار علي أحد الفضلاء من أهل العلم بموضوع رسالتي الحالية وهو: (التفسير والمفسرون في غرب إفريقية) ولأول وهلة شعرت بأن الموضوع فيه شيء من الصعوبة بسبب قلة المصادر المغربية لدى المشارقة، وكذا وجود شيء من البعد بين المدرستين، بالإضافة للظروف المحيطة بالغرب الإفريقي مثل دخول الإسلام إليه مؤخرا، ثم تمكن الروافض منه فترة طويلة، ثم سقوط الدولة الإسلامية عدة مرات، ثم الاحتلال الذي أتى على الأخضر واليابس، إلا أنني وجدت خيوطا كثيرة لجمع مادته الغزيرة، وشعرت بأهميته التي تتمثل فيما يلي: أهمية البحث: أولا: أنه يتعلق بأشرف العلوم ألا وهو علم التفسير وسوف يأتي الحديث عن ذلك خلال التمهيد. ثانيا: عدم وجود بحث جامع للمفسرين في تلك المنطقة على الرغم من كثرتهم الكاثرة، وإنما الذي وقفت عليه بحوث مقتضبة أو مختلطة تتعلق بالمفسرين جملة، وفي ذات الوقت لم يحظ المغاربة فيها بالاستقصاء والتتبع ففات من تراجمهم الكثير، وسوف يأتي بيان ذلك في المدخل إلى الباب الأول. ثالثا: حاجة المكتبة الإسلامية لدراسة المزيد من مناهج المفسرين ولاسيما أصحاب الكتب المفقودة أو المخطوطة أو المطبوعة التي لم تحظ بعد بدراسة عن مناهجها. رابعا: وجود كم هائل من نتاج التفسير في تلك المدرسة العريقة تناثر ذكره في منوعات الكتب، ولم يحظ بجمع مستقل فيما أعلم مع الحاجة إلى ذلك لباحثي التفسير وغيرهم، لاسيما عند بيان مواضع مخطوطات تلك التفاسير.

стр. 4

فنما في نفسي الرغبة في خوض ذلكم البحث وذلك لعدة أسباب أذكر منها: أسباب اختيار الموضوع: أولا: طبيعة نفسي المتأصل فيها حب الإقدام على الصعوبات والمعضلات، فإن الوصول إلى المأمول بعد خوضها له لذة وأي لذة. ثانيا: معلوماتي الضحلة عن تلك المنطقة تاريخيا وعلميا، والشغف بالعلم بالمجهول هو غاية طالب العلم ومنتهى أمله. ثالثا: ارتباط هذا البحث بعلمين قد تعلق قلبي بهما وهما: علم التفسير وكفى به شرفا، وأي شرف لعلم يسمو عليه وهو العلم الذي يجلي لنا مراد الله منا ويكشف لنا عن رسالة ربنا إلينا؟ ثم علم تراجم العلماء وهو العلم الذي يوضح لنا نحن طلبة العلم المنهج التربوي الذي ينبغي أن نسلكه في حياتنا، فهم قدوتنا وأسوتنا بعد نبينا ﷺ وهم النبراس الذي يضيء لنا طريقنا فلا غرو أن الاشتغال بسيرتهم من ألزم ما يلزم طالب العلم. رابعا: أن عملي في رسالة الماجستير كان متعلقا بجانب مختلف عن هذا الجانب وهو دراسة التفسير بالمأثور، فالتنوع في الدراسات التفسيرية يثري الملكة العلمية لدى طالب العلم الذي ينشد التخصص في ذلك الفن وهو مقصد أساسي لديه. خامسا: شعوري بحاجة المشارقة بله المغاربة لهذا البحث وافتقار المكتبة الإسلامية إليه، مع أهميته وعظم فائدته لطلاب العلم على وجه الخصوص كما سبق أن قدمت، وكفى بسد ثغرة كهذه حافزا ودافعا. فشمرت عن ساعد الجد، ووضعت له خطة وتصورا بعد أن استشرت ذوي الخبرة، وتنقلت بين أفنان بعض الكتب المعنية، وتقدمت بذلك للقسم فحظي الموضوع بالقبول فتنفست الصعداء وبدأت البحث بعزم ونشاط وفق الخطة التالية:

стр. 5

خطة البحث: وتشتمل على مقدمة وتمهيد وبابين وخاتمة أما المقدمة فتشتمل على: - أهمية البحث. - أسباب اختيار الموضوع. - منهج البحث. - ثم شكر وتقدير. وأما التمهيد فيشتمل على: أ - نبذة عن علم التفسير وأهميته. ب - جغرافية هذه البلاد وتحديد أمكنتها. جـ - وصول الإسلام إلى هذه البلاد. د - اهتمام أهل هذه البلاد وتأثرهم بالعلوم الإسلامية. * ملحق بالخرائط. الباب الأول: المفسرون في غرب إفريقيا وفيه فصلان: الفصل الأول: تراجم المفسرين في غرب إفريقيا من أهل المنطقة. الفصل الثاني: تراجم المفسرين الذين وفدوا على المنطقة. الباب الثاني: التفسير في غرب إفريقية وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: دراسة عن التفسير في هذه البلاد وفيه مباحث: الأول: نبذة عن علم التفسير ونشأته في هذه البلاد. الثاني: تأثر التفسير في المنطقة بمدرسة المشرق. الثالث: تأثر التفسير في المنطقة بالتفسير عند أهل الأندلس وغيرها من الدول المجاورة.

стр. 6

الرابع: الفقه المالكي والظاهري وأثره في التفسير بالمنطقة. الخامس: القراءات وأثرها في التفسير بالمنطقة. الفصل الثاني: دراسة أمثلة لكتب التفسير بالمأثور في غرب إفريقية. الفصل الثالث: دراسة أمثلة لكتب التفسير بالرأي في غرب إفريقية: وفيه مبحثان: المبحث الأول: أمثلة الرأي المحمود. المبحث الثاني: أمثلة الرأي المذموم. الخاتمة: وتشتمل على أهم نتائج البحث. وقد حاولت في هذه الخطة الالتزام بمنهج محدد، فبذلت كل ما في وسعي لاختصار المراحل التاريخية التي مرت بها المنطقة مع ضخامة معلوماتها وكثرة التقلبات السياسية بها، وعمق تأثيرها على النتاج الفكري بها، وذلك من خلال أمهات المراجع التاريخية الخاصة بالمنطقة وغيرها، لكي لا أطيل على القارئ فيما ليس من صلب البحث. كما حرصت على إرفاق بعض الخرائط الجغرافية والسياسية للمنطقة لتساعد على تصور ماتم ذكره في التمهيد ومواقع بعض البلدان التي ينتمي إليها المفسرون. أما بالنسبة للمفسرين من أهل المنطقة ثم من الوافدين عليها فقمت بالتوطئة للحديث عنهم بمدخل بينت فيه بعض الضوابط التي التزمتها في سوق تراجمهم، ثم طفقت أجمع تراجمهم من أمهات كتب تراجم المفسرين على وجه الخصوص ثم كتب الأعلام جملة وكتب تراجم علماء المنطقة مثل كتب تراجم علماء تونس خاصة مثل العمر وتراجم المؤلفين التونسيين والحلل السندسية وغيرها، وكتب تراجم علماء الجزائر خاصة مثل معجم أعلام الجزائر والبستان وغيرهما، وكتب تراجم علماء المغرب مثل موسوعة أعلام المغرب وجذوة الاقتباس وسلوة الأنفاس وغيرها، وكتب تراجم علماء موريتانيا مثل فتح الشكور والوسيط وغيرهما، وكان عمدة الكتب في ترجمة المفسر طبقات المفسرين للداوودي فإذا وجدت الترجمة فيه جعلتها أصلا فاختصرت مايلزم اختصاره وزدت ماتلزم زيادته، ورجعت

стр. 7

كل معلومة مقتبسة لمصدرها، ثم ذكرت في الحاشية كل ماوقفت عليه من مصادر قد ترجمت لذلك المفسر، فإن لم توجد الترجمة في طبقات الداوودي كان المرجع التالي له كأصل كتاب العمر لحسن حسني عبد الوهاب وإلا فالأعلام للزركلي وإلا فمعجم المؤلفين لكحالة وإلا فمعجم المفسرين لنويهض، وإلا فنيل الابتهاج للتنبكتي أو شجرة النور لمخلوف، وإلا فأقوم أنا بصياغة ترجمة له ابتداء من خلال المصادر الأخرى. وقد تطلب البحث مني تصفح كتب بأكملها للبحث عن تراجم المفسرين بها أذكر منها على سبيل المثال سوى الكتب المعنية بتراجم المفسرين: الأعلام، فتح الشكور في معرفة أعيان علماء تكرور، إسعاف الإخوان الراغبين بتراجم ثلة من علماء المغرب المعاصرين، علماء ومفكرون عرفتهم، الوسيط في تراجم أدباء شنقيط، العمر، رياض النفوس، الفهرس الشامل، كشف الظنون، السلفية في موريتانيا، سلوة الأنفاس فيمن قبر من العلماء والصالحين بمدينة فاس وغير ذلك، وهذا الأخير لم أقف عليه مطبوعا في بداية البحث فتصفحت مخطوطته الواقعة في مجلدين كبيرين. كما لم أستطع الحصول على معلومات لجماعة من المعاصرين إلا بعد محاولات كثيرة تمكنت بعدها من الاتصال بهم شخصيا. والتزمت في ذكر مصادر الترجمة الابتداء بالمصادر المتخصصة في المفسرين كطبقات المفسرين للسيوطي والداوودي والأدنوي ومعجم المفسرين والتفسير والمفسرون ونيل السائرين والمدرسة القرآنية ونحوها ثم ذكرت غيرها بدون التزام بنسق معين. وكان منهجي في كل ترجمة ذكر الاسم كاملا والكنية واللقب والنسبة، والتنبيه على كونه من المفسرين بتسويد مايدل على ذلك في الترجمة وتكبير الحرف، مع الاهتمام بمايدل على كونه من أهل المنطقة أو الوافدين عليها، وتحديد تاريخ ولادته وتاريخ وفاته وختم الترجمة بمؤلفاته مبتدئا بالتفاسير ومايتعلق بها - إن وجدت - مع تسويدها وتكبير خطها وبيان المخطوط منها وأماكن وجود نسخه في الحاشية ثم مثنيا بجملة من مؤلفاته الأخرى، كما اهتممت بأن تتضمن الترجمة ثناء العلماء عليه ونبذا من أخباره في طلب العلم وشيئا عن رحلاته وأعماله إن أمكن ذلك.

стр. 8

كما أنني التزمت بذكر الشيوخ والتلاميذ للمفسرين من أهل المنطقة لتأثير ذلك في بيان التطور المرحلي للتفسير فيها بخلاف غيرهم من الوافدين عليها. وربما ذكرت شيئا من أقواله المتعلقة بالتفسير أو من مقدمة تفسيره أو نقلت إحدى النقول منه، لإعطاء تصور عنه. وقد توخيت ضبط الأنساب وتحريرها ما أمكن، والتعريف بالمناطق التي ينتمي إليها المفسرون، وضبط أسمائها بقدر الاستطاعة، لصعوبة ذلك كما بينت في مدخل الباب الأول. واعتبرت الترتيب الهجائي الألف بائي في سوق التراجم في اسم المترجم وأبيه وجده وهكذا بحيث يكون محمد بن أحمد بن علي سابقا لمحمد بن أحمد بن محمد مثلا، وجعلت الكنى وتراجم النساء في الأخير ليحصل من ذلك فهرسة ضمنية للتراجم، تغني عن إعادة ذلك في الفهارس الآتي ذكرها. كما قمت بترقيم التراجم ترقيما تسلسليا فكانت حصيلة المفسرين من أهل المنطقة: ٢٥٥ ترجمة، ومن الوافدين عليها: ١٠٥ ترجمة، فأصبح مجموع المفسرين المترجم لهم على هذا النحو ٣٦٠ مفسرا مما يعتبر رسالة مستقلة. وأما بالنسبة للتفاسير المدروسة كنماذج لتفاسير المنطقة فحرصت على أن تستوعب المناهج الفكرية التي سادت فيها فذكرت أمثلة للتفسير بالمأثور وللتفسير بالرأي المحمود كالتفسير الفقهي واللغوي والبياني، وللتفسير بالرأي المذموم كتفسير الشيعة الإسماعيلية والخوارج والصوفية الإشارية والصوفية الاتحادية، كما حرصت على أن يكون ضمن النماذج ماهو مفقود وماهو موجود، وماهو مخطوط وماهو مطبوع وماهو من تفاسير المتقدمين وماهو من تفاسير المتأخرين، وماهو من تفاسير أبناء المنطقة وماهو من تفاسير الوافدين عليها، كما توخيت جمع المادة التفسيرية للمفسر من كتابه في التفسير ومن غيره - إن أمكن - ليساعد ذلك على استيعاب منهجه، وذلك كله حرصا على بيان معطيات تلك المدرسة في شتى صورها. وقد شملت دراسة كل تفسير التقديم بنبذة عن المدرسة التابع لها إن اقتضى الأمر وذلك في الخوارج والشيعة والصوفية، ثم التعريف بمؤلفه والإحالة على ترجمته، ثم التعريف بالكتاب وبيان هل هو مطبوع أم مخطوط،

стр. 9

ثم إعطاء نبذة عن الباعث على تأليف ذلك التفسير إن وجد، وذكر شيء من مقدمته إن أمكن، ثم بيان المنهج العام للمؤلف في ذلك التفسير ثم المنهج التفصيلي له ويتضمن اهتمامه بأسماء السور وعد الآي وأماكن الوقوف وبيان المناسبات بين السور وبين الآيات ثم محاولة دراسة موقفه من النقاط التالية حسب الاستطاعة: ١ - موقفه من العقيدة. ٢ - موقفه من تفسير القرآن بالقرآن. ٣ - موقفه من تفسير القرآن بالسنة (ويتضمن ذلك موقفه من فضائل السور والآيات ومن أسباب النزول ومن الروايات الضعيفة والموضوعة). ٤ - موقفه من تفسير القرآن بأقوال السلف. ٥ - موقفه من تفسير القرآن بروايات السيرة والتاريخ. ٦ - موقفه من الإسرائليات. ٧ - موقفه من اللغة (ويتضمن الشعر والمسائل النحوية والبيان والمعاني وإعجاز القرآن). ٨ - موقفه من القراءات (ويتضمن القراءة المعتمدة في تفسيره إن أمكن ثم ذكره للقراءات المتواترة وغيرها وتوجيهها). ٩ - موقفه من الفقه وأصوله. ١٠ - موقفه من العلوم الحديثة والرياضة والفلسفة والمعجزات الكونية. ١١ - موقفه من المواعظ والآداب والتوجيه الاجتماعي. وتتخلف بعض تلك النقاط ويظهر غيرها في دراسة التفاسير المنحرفة كتفاسير الخوارج والشيعة والصوفية كما سوف يتبين في موضعه إن شاء الله. وقد حاولت إبراز إيجابيات وسلبيات كل تفسير من خلال تلك النقاط، بطريقة مقتضبة خشية الإطالة والملال وترسما لخطى من سبقني بدراسة مناهج المفسرين (١)، وربما ناقشت المفسر في بعض القضايا، وقمت بعزو الآيات

стр. 10

وتخريج ما تيسر من الأحاديث المذكورة في الدراسة باختصار يليق بالمقام. وقد كان في النفس القيام برحلة إلى المنطقة تساعد على صقل الموضوع وإبرازه في صورة أكمل، إلا أنه حال دون ذلك عوائق عدة أهمها الأحوال السياسية التي تمر بها المنطقة فقد علمت عن طريق الثقات من طلاب العلم الذين حاولوا دخول تونس بعد أن وصلوا حدودها أنه لم يسمح لهم بذلك ورجعوا بخفي حنين، وأما الجزائر فأخبارها لا تخفى على أحد، وتسلط الخوارج على كثير من المناطق ومايحدثونه من إرهاب غدا واضحا للجميع، وأما المغرب فمع بعدها الشاسع فقد تمكنت من تطويق معظم ماأريده بالرحلة عن طريق الزملاء المغاربة وفهارس المخطوطات والموسوعات الصادرة عنها، وأما موريتانيا فلم تنضج الحركة العلمية فيها كما ينبغي بحيث يمكن الاستفادة من الرحلة إليها بالقدر المطلوب، وقد تمكنت عن طريق طلاب العلم والمشايخ الموريتانيين من الحصول على جل مرادي والحمد لله. هذا مع ما تتطلبه الرحلة من مبالغ ضخمة وتفرغ كامل لوقت طويل، ونشاط جسماني أليق بمرحلة الشباب، حال دون ذلك الأسرة الكبيرة وإرهاق العمل وتقدم السن، مع عدم وجود تسهيلات في السفر من الجهات المعنية التي غلب عليها مايسمى بالروتين القاتل. إلى غير ذلك من الموانع ولكنني أرجو من الله أن أكون قد وفقت في بحثي وربما ظهر مابذل فيه من مجهود إذا قورن بأعمال أهل المنطقة أنفسهم في بعض جزئياته وسوف يأتي الإشارة لشيء من ذلك في المدخل للباب الأول. وقد ذيلت البحث بعدة فهارس تسهل الاستفادة منه وهي كالتالي: ١ - فهرس الآيات الكريمة. ٢ - فهرس الأحاديث الشريفة. ٣ - فهرس المفسرين المترجمين رتبته حسب الطبقات والوفيات، حيث إنني قد رتبت المفسرين في سوق تراجمهم ترتيبا هجائيا أغنى عن الفهرس

стр. 11

الهجائي، وهو قسمان قسم لمفسري المنطقة وآخر للوافدين عليها. ٤ - فهرس كتب التفسير ومايتعلق به الواردة في تراجم المفسرين. ٥ - فهرس البلدان والأنساب والكلمات الغريبة المعرّف بها. ٦ - فهرس الشعر. ٧ - فهرس المصادر والمراجع. ٨ - فهرس مواضيع الكتاب. مصطلحات ت: توفي هـ: هجرية م: ميلادية ق: ورقة ص: صفحة وربما ذكرت كلمة من اسم المرجع إشارة للاسم كاملاً من باب الاختصار مثل: الشجرة: شجرة النور. المعالم: معالم الإيمان. السير: سير أعلام النبلاء. الجذوة: جذوة الاقتباس. المدارك: ترتيب المدارك. وهكذا

стр. 12

شكر وتقدير وفي ختام تلك المقدمة الموجزة واتباعا لقوله ﷺ : "لا يشكر الله من لا يشكر الناس" (١) لا يسعني إلا أن أتقدم بالشكر وجزيل الامتنان إلى كل من كان له يد علي في إنهاء تلك المرحلة، وأخص منهم بالذكر جامعة الأزهر متمثلة في إدارتها وكلية أصول الدين وقسم التفسير وعلوم القرآن حيث أتاحت لي هذه الفرصة الغالية لكي أنهل من العلم تحت رعايتها وفي كنفها. ثم أتقدم بالشكر لأساتذتي الفضلاء ومشايخي الأجلاء وفي مقدمتهم أستاذي وشيخي الأستاذ الدكتور عبد الغفور محمود مصطفى الذي لمست منه روح الأبوة ووجدت منه كل تعاون وتقدير لظروفي، وبذل لي من وقته وجهده وإرشاداته وتوجيهاته ما الله به عليم، فلا أملك له إلا الدعاء كما قال رسول الله ﷺ : " من صنع إليكم معروفًا فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه " (٢). فجزاه الله خير الجزاء عني وعن إخواني من طلبة العلم الذين أفادوا منه ونهلوا من علمه. كما أشكر الأستاذين الفاضلين والعلمين الجليلين: فضيلة الأستاذ الدكتور: جمعة علي عبد القادر فضيلة الأستاذ الدكتور: إبراهيم توفيق الديب على تفضلهما بقراءة الرسالة ومناقشتها وبذلهما الوقت والجهد في تقويمها وتوجيهها، جعل الله ذلك في ميزان أعمالهما الصالحة.

стр. 13

كما أتقدم بالشكر لأهل العلم الذين أمدوني بالفوائد العلمية والمراجع التي كنت في أمس الحاجة إليها وأخص منهم بالذكر: فضيلة الأستاذ الدكتور حكمت بشير ياسين الموصلي والدكتور صالح الرفاعي اليماني والشيخ هاني أحمد فقيه المدني والإخوة الفضلاء المشايخ: سي العلوي حسن من المغرب والدكتور حسين شواط من تونس، وكل من أفدت منه من أهل شنقيط والجزائر، بارك الله فيهم وفي علمهم ونفع بهم الإسلام والمسلمين. ولا يفوتني أن أشكر والدتي الحنون التي لم تفتأ تغمرني بدعواتها المباركة التي هي سبب أساسي في كل توفيق لي في حياتي، أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجزل لها العطاء بالمكيال الأوفى بغير حساب، وليس بأقل منها خالتي التي هي أمي الثانية حيث بذلت معي جهدا كبيرا في تلك المرحلة بعد مابذلته معي في مرحلة الماجستير فهي جندي مجهول تعب كثيرا لأجلي فلها مني مثل ما لأمي. وأخيرا أشكر أهل بيتي الذين تحملوا مني الكثير وصبروا على التضييق في جل أمور حياتهم بسبب تفرغي لهذا العمل العلمي، وساعدوني بما يملكون لإنجازه فجزاهم الله خيرا وجمعني وإياهم في روضات جناته وأدخلنا برحمته في أهل قوله سبحانه ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء﴾ (١). سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 14

التمهيد ويشتمل على: - نبذة عن علم التفسير وأهميته. - جغرافية هذه البلاد وتحديد أمكنتها. - وصول الإسلام إلى هذه البلاد. - اهتمام أهل هذه البلاد وتأثرهم بالعلوم الإسلامية. - ملحق الخرائط.

стр. 15

المبحث الأول: نبذة عن علم التفسير وأهميته المطلب الأول: التفسير لغة واصطلاحا: التفسير لغة: الإيضاح والتبيين من الفسر وهو الإبانة وكشف المغطى (١). وقيل: هو مقلوب السفر يقال: أسفر الصبح إذا أضاء إضاءة لا شبهة فيه، وسفرت المرأة عن وجهها إذا كشفت نقابها ولهذا سمي: السفر سفرا لأنه يسفر عن أخلاق الرجال. وقيل: مأخوذ من التفسرة وهو اسم لما يعرف به الطبيب المرض وبني على التفعيل للمبالغة ذكرهما الكافييجي (٢) وقال أبو حيان: يطلق التفسير أيضا على التعرية للانطلاق قال ثعلب: تقول فسرت الفرس: عريته لينطلق في حصره وهو راجع لمعنى الكشف فكأنه كشف ظهره لهذا الذي يريده منه من الجري (٣). والتفسير اصطلاحا: علم يفهم به كتاب الله المنزل على نبيه محمد ﷺ وبيان معانيه واستخراج أحكامه وحكمه، وهو تعريف الزركشي له (٤). وقال الكافييجي: هو كشف معاني القرآن وبيان المراد (٥). وقيل: هو علم نزول الآية وسورتها وأقاصيصها والإشارات النازلة فيها، ثم ترتيب مكيها ومدنيها، ومحكمها ومتشابهها، وناسخها ومنسوخها، وخاصها وعامها، ومطلقها

стр. 16

ومقيدها، ومجملها ومفسرها، وزاد بعضهم: حلالها وحرامها، ووعدها ووعيدها، وأمرها ونهيها، وعبرها وأمثالها (١). وعرفه بعض المتأخرين بأنه علم يبحث عن أحوال القرآن المجيد من حيث دلالته، على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية (٢). والتعريف الأول شامل لمابعده، وسوق أنواع علوم القرآن في تعريف التفسير إطالة في محل الإيجاز، والتعريف يشمل في مضمونه علم القراءات والرسم لارتباط بيان المعنى بهما وقد نص على ذلك أبو حيان حيث عرف التفسير بقوله: علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن ومدلولاتها وأحكامها الإفرادية والتركيبية ومعانيها التي تحمل عليها حالة التركيب وتتمات لذلك (٣). هذا؛ ويكثر في كلام المفسرين التعبير بلفظ التأويل قاصدين به التفسير أو مايقاربه (٤). والتأويل في اللغة مأخوذ من الأول وهو: الرجوع، يقال: أول الكلام وتأوله: دبره وقدره، وأوله وتأوله: فسره (٥). وقيل: مأخوذ من الإيالة وهي السياسة، فكأن المؤول يسوس الكلام ويضعه في موضعه (٦). والتأويل اصطلاحا عند السلف مرادف للتفسير في الأغلب وبه قال أبو عبيدة وغيره وقد فرق بينهما جماعة، وعرفه المتأخرون بتعريفات عديدة منها: قول الكافييجي: صرف اللفظ إلى بعض الوجوه ليكون ذلك موافقا للأصول (٧). والفروق التي فرق بينهما بها كثيرة (٨) وأقرب الفروق هو ماقيل: إن التفسير إنما هو كشف المعنى بحسب الطاقة البشرية، وأما التأويل فهو معرفة مايؤول إليه المعنى على وجه الحقيقة ومراد الله وهذا الفرق يدل عليه الأدلة من الكتاب والسنة، التي استخدمت فيها مادة التأويل. والله أعلم (٩).

стр. 17

المطلب الثاني: نشأة التفسير ومدارسه: انطلاقا من قول الله جل في علاه: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس مانزل إليهم﴾ (١) كانت نشأة التفسير على يد معلم البشرية محمد ﷺ الذي لاينطق عن الهوى، وقد انقسم التفسير المروي عنه ﷺ إلى قسمين: الأول: عبارة عن تفسير لبعض المفردات، أو الألفاظ المجملة وهذا قليل لكون القرآن نزل بلسان عربي مبين في قوم سليقتهم العربية فلم يكن ثم حاجة ماسة للإغراق في مثل هذا النوع من التفسير عن رسول الله ﷺ (٢) الثاني: التفسير الإجمالي والموضوعي لجميع مقاصد القرآن، وهذا في الحقيقة قد بينه النبي ﷺ أيما بيان فالمتأمل لكتاب الله يجد أنه تكلم عن العقيدة في الله والملائكة والأنبياء والكتب المنزلة واليوم الآخر والقدر، وهذه المباحث قد أخذت جانبا عظيما من أحاديث النبي ﷺ القولية والفعلية مفسرة لمضمونها وشارحة لمقصودها، كما تحدثت آيات أخرى عن العبادات: من صلاة وزكاة وصوم وحج ونذر وغير ذلك، وهذه جل الأحاديث النبوية تفسرها وتوضح مجملها، وتحدثت آيات القرآن عن أحكام شرعية في المعاملات وغيرها: من نكاح وطلاق وبيع وشراء وطعام وشراب وقصاص وحدود وميراث ونحو ذلك، وهذه أيضا أخذت جانبا كبيرا من السنة النبوية التي لم تدعها إلا واضحة جلية، ولم يبق إلا آيات تتعلق بسيرة النبي ﷺ ومغازيه وعلاقاته بالمشركين والكتابيين، وهذه لا مفسر لها إلا ماأثر عنه ﷺ من تلك الأحوال، وآيات تتعلق بقصص الأنبياء السابقين، وهذه تلاوتها تغني عن تفسيرها، وبعض مااحتيج فيه إلى تفسير بينه النبي ﷺ ، وماكان فضلا تركه ﷺ ورخص في الحديث عن بني إسرائيل.

стр. 18

وبناء على ماتقدم فجل القرآن الكريم قد فسره النبي ﷺ ، ومن خالف ذلك فقد أتي من قبل نظرته للنوع الأول من التفسير المروي عنه ﷺ فقط، ولم يتنبه للنوع الثاني والله أعلم. وقد قال ابن تيمية ﵀: يجب أن يعلم أن النبي ﷺ بين لأصحابه معاني القرآن كما بين لهم ألفاظه (١). وعن رسول الله ﷺ أخذ التفسير أصحابه الكرام. قال أبو عبد الله الحاكم: إن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل حديث مسند، يعني به ما كان من سبب نزول ونحوه (٢). وقد اعتمد الصحابة في تفسيرهم على أربعة مصادر: القرآن الكريم، النبي ﷺ ، الاجتهاد بمالديهم من لغة عربية وفهم ثاقب، أهل الكتاب، ولكل مجاله (٣). وعن طريق الصحابة ﵃: انتشر التفسير وظهرت مدرسة التفسير بالمأثور متمثلة أظهر ماتكون في حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس، ثم غيره من مفسري الصحابة، مثل: عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، وعلي بن أبي طالب، وبقية الخلفاء الأربعة، وعبد الله بن الزبير، وغيرهم (٤). وتطورت مدرسة التفسير في عصر التابعين، فتولد منها مدارس حسب انتشار الصحابة في البلدان، فأشهر مدارس التفسير بالمأثور مدرسة التفسير بمكة، لأنهم أصحاب ابن عباس، كمجاهد وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة، وطاووس، وسعيد ابن جبير، ثم مدرسة التفسير بالمدينة، وقد أخذ أصحابها عن أبي بن كعب، واشتهر منهم أبو العالية، ومحمد بن كعب القرظي، وقد أخذ الأول عن أبي مباشرة، والثاني بواسطة، واشتهر من مفسري المدينة أيضا: زيد بن أسلم العدوي مولى عمر بن الخطاب، ومدرسة التفسير بالعراق، وقد أخذ أصحابها عن ابن مسعود، واشتهر منهم: علقمة بن قيس، ومسروق، ومرة الهمداني، والشعبي، وقد أخذ الأخير عنه بواسطة، واشتهر منهم أيضا: الحسن البصري، وقتادة (٥).

стр. 19

وأما مدرسة التفسير بالمأثور في المغرب، فهي تابعة للمدارس الأنف ذكرها كما سيأتي بيانه في الباب الثاني عند الحديث عن نشأة التفسير في المنطقة المدروسة. وبالله التوفيق. ثم ظهرت بعد ذلك مدرسة التفسير بالرأي والمراد به تفسير القرآن بالاجتهاد، بعد اكتمال المفسر للأدوات التي يحتاج إليها في ذلك، واختلف في جوازه فطائفة تحرمه وطائفة تجيزه ولكل أدلته وإن كانت أدلة المانعين أكثر وأوضح وقد جزم الحافظ ابن كثير تبعا لشيخ الإسلام ابن تيمية بتحريم تفسير القرآن بمجرد الرأي ولاشك في جوازه عند الحاجة إليه (١). وممن ذهب إلى المنع من المغاربة يحيى بن سلام حيث قال: سمعت أبا قلابة يقول لأيوب: ياأيوب، احفظ مني ثلاثا: لاتقاعد أهل الأهواء، ولا تستمع منهم، ولاتفسرن القرآن برأيك، فإنك لست من ذلك في شيء (٢). وبين ابن عطية الأندلسي الرأي الممنوع الذي جاء الوعيد لصاحبه في الحديث، بأن يتبوأ مقعده من النار بقوله: ومعنى هذا أن يسأل الرجل عن معنى في كتاب الله ، فيتسور عليه برأيه دون نظر فيما قاله العلماء، واقتضته قوانين العلم كالنحو والأصول، وليس يدخل في هذا الحديث أن يفسر اللغويون لغته والنحويون نحوه والفقهاء معانيه ويقول كل واحد باجتهاده المبني على قوانين علم ونظر، فإن القائل على هذه الصفة ليس قائلا بمجرد رأيه (٣). وقد انقسمت مدرسة التفسير بالرأي بدورها إلى مدرستين، تمثلان وجهتي النظر في التحليل والتحريم: الأولى: مدرسة التفسير بالرأي المحمود والمراد به التفسير الموافق لكلام العرب مع موافقة الكتاب والسنة، ومراعاة الشروط التي يجب توافرها للمفسر ومنها: علوم اللغة والنحو، والصرف والاشتقاق، والبلاغة والقراءات، والتوحيد والعقيدة، وأصول الفقه وأسباب النزول، والقصص، والناسخ والمنسوخ، والأحاديث المبينة للمجمل والمبهم، وغير ذلك وقد

стр. 20

انتشرت هذه المدرسة وكثرت التفاسير المبنية عليها، من تفاسير لغوية وتفاسير فقهية ونحوها، وقد وقع أصحابها في مزالق ليس هذا مجال تفصيلها، إلا أنه من خلال تلكم الدراسة لتفاسير المغاربة سوف يتضح الكثير من ذلك إن شاء الله تعالى. الثانية: مدرسة التفسير بالرأي المذموم، وقد تولى كبرها طوائف متعددة من المبتدعة والمتزندقة، مثل: الحلولية والشيعة، والخوارج والمعتزلة ونحوهم، من الفرق الضالة، التي حرفت كتاب الله وخرجت به عن مقاييس اللغة، فضلا عن تفسير السلف الصالح، بل عن العقل جملة في كثير من الأحيان، وسوف يتضح كثير من ذلك بإذن الله تعالى عند الحديث، عن التفاسير التي سلكت هذا السبيل في منطقتنا المدروسة، في أمثلة تفاسير الشيعة والخوارج، وغيرها (١). المطلب الثالث: أهمية علم التفسير: إن علم التفسير من الأهمية بمكان، ولذا قال إياس بن معاوية: مثل من يقرأ القرآن ومن يعلم تفسيره أو لايعلم؛ مثل قوم جاءهم كتاب من صاحب لهم ليلا وليس عندهم مصباح فتداخلهم لمجيء الكتاب روعة لايدرون مافيه، فإذا جاءهم المصباح عرفوا مافيه (٢). وقال السيوطي: وأما شرفه فلايخفى قال تعالى: ﴿يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا﴾ (٣) وأخرج ابن أبي حاتم وغيره من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: يؤت الحكمة قال: المعرفة بالقرآن، ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله.

стр. 21

وأخرج ابن مردويه من طريق جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس مرفوعا: يؤت الحكمة قال: القرآن. قال ابن عباس: يعني تفسيره فإنه قد قرأه البر والفاجر. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء: يؤت الحكمة قال: قراءة القرآن والفكرة فيه، وأخرج ابن جرير مثله، عن مجاهد، وأبي العالية، وقتادة، وقال تعالى: ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس ومايعقلها إلا العالمون﴾ (١) وأخرجة ابن أبي حاتم، عن عمرو بن مرة، قال: مامررت بآية في كتاب الله لاأعرفها إلا أحزنتني لأني سمعت الله يقول: ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس ومايعقلها إلا العالمون﴾ وأخرج أبو عبيدة عن الحسن قال: ماأنزل الله آية إلا وهو يحب أن تعلم فيم أنزلت وماأراد بها، وأخرج أبو ذر الهروي في فضائل القرآن، من طريق سعيد بن جبر، عن ابن عباس قال: الذي يقرأ القرآن ولا يحسن تفسيره كالأعرابي يهذ الشعر هذًّا. ثم ذكر ﵀ آثارا في الحث على إعراب القرآن، ورجح أن المراد به تفسيره قال: لأن إطلاق الإعراب على الحكم النحوي، اصطلاح حادث ولأنه كان في سليقتهم لايحتاجون إلى تعلمه، ثم قال: وقد أجمع العلماء أن التفسير من فروض الكفايات، وأجل العلوم الثلاثة الشرعية، وقال الأصبهاني: أشرف صناعة يتعاطاها الإنسان تفسير القرآن؛ بيان ذلك: أن شرف الصناعة إما بشرف موضوعها مثل: الصياغة فإنها أشرف من الدباغة، لأن موضوع الصياغة الذهب والفضة: وهما أشرف من موضوع الدباغة الذي هو جلد الميتة، وإما بشرف غرضها، مثل: صناعة الطب، فإنها أشرف من صناعة الكناسة، لأن غرض الطب إفادة الصحة، وغرض الكناسة تنظيف المستراح، وإما بشدة الحاجة إليها كالفقه فإن الحاجة إليه أشد من الحاجة إلى الطب، إذ ما من واقعة في الكون في أحد من الخلق إلا وهي مفتقرة إلى الفقه، لأن به انتظام صلاح أحوال الدنيا والدين بخلاف الطب، فإنه يحتاج إليه بعض الناس في بعض الأوقات. إذا عرف ذلك، فصناعة التفسير قد حازت الشرف من الجهات الثلاثة، أما من جهة الموضوع فلأن موضوعه كلام الله تعالى الذي هو ينبوع كل حكمة، ومعدن كل فضيلة، فيه نبأ ماقبلكم، وخبر مابعدكم، وحكم مابينكم، لايخلق على كثرة الرد، ولاتنقضي عجائبه، وأما من جهة الغرض

стр. 22

فلأن الغرض منه هو الاعتصام بالعروة الوثقى، والوصول إلى السعادة الحقيقية التي لاتفنى، وأما من جهة شدة الحاجة فلأن كل كمال ديني أودنيوي عاجلي أو آجلي مفتقر إلى العلوم الشرعية، والمعارف الدينية، وهي متوقفة على العلم بكتاب الله تعالى (١). وقال الكافييجي: إن علم التفسير محتاج إليه، لأن الناس يحتاجون في الاطلاع على الشرائع والأحكام إلى معرفة معاني القرآن، التي لايطلع عليها - على ماينبغي - إلا بهذا العلم الشريف، على أن معانيه لاتكاد تنحصر إلا بقواعد، وهي: علم التفسير (٢). وقال: إن علم التفسير أشرف العلوم، لأن موضوعه أساس علوم الإسلام، ومدار الأحكام، وحبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم، ولأن غايته هي الاعتصام بالعروة الوثقى، التي لاانفصام لها، والوصول إلى السعادة الحقيقية، التي لاتفنى، وهما أشرف الغايات وأجداها نفعا (٣).

стр. 23

المبحث الثاني: جغرافية هذه البلاد وتحديد أمكنتها هذا المبحث يعتبر توضيحا وتفسيرا لعنوان البحث بطريق غير مباشر، وفيه أتعرض لحصر المنطقة المعنية بالدراسة والمعبر عنها بغرب إفريقية، وبادىء ذي بدء أقول: المطلب الأول: إفريقية وأصل تسميتها: إفريقية: المشهور فيها كسر الهمزة في أولها والنسبة إليها إفريقي (١) وقيل: بفتحها (٢)، وسميت بإفريقيس بن أبرهة، وقيل: إفريقيس بن صيفي بن سبأبن يشجب بن يعرب بن قحطان، وهو الذي اختطها وذكروا أنه لما غزا المغرب، انتهى إلى موضع واسع رحيب، كثير الماء، فأمر أن تبنى هناك مدينة، فبنيت وسماها إفريقية، اشتق اسمها من اسمه، ثم نقل إليها الناس، ثم نسبت تلك الولاية بأسرها إلى هذه المدينة، وقال ابن لهيعة وغيره: إن أهل إفريقية من ولد فارق بن بيصر، وكان فارق قد حاز لنفسه من الأرض، مابين برقة إلى إفريقية فبالأفارقة سميت إفريقية (٣)، وقال القضاعي: سميت بفارق بن بيصر ابن حام بن نوح، وقال الحميري: وقيل: سميت بإفريق بن إبراهيم ﵇، من زوجه قطورا (٤).

стр. 24

المطلب الثاني: تحديد منطقة إفريقية جغرافيا: وقد قيل في تحديدها جغرافيا أقوال: الأول: هي الأرض الواقعة بين برقة وطنجة أي: معظم ليبيا وتونس والجزائر والمغرب، يعني ولاية المغرب جميعها (١). الثاني: هي مابين برقة وتاهرت وهو موافق للقول السابق بحذف المغرب (٢). الثالث: هي من طرابلس إلى بجاية أي بعض ليبيا وتونس وبعض الجزائر (٣). الرابع: هي مابين طرابلس وقسنطينة يعني جمهورية تونس (٤). الخامس: مدينة القيروان (٥). السادس: وهو المعني ببحثنا وهو التعريف العصري المشهور في زماننا: قارة إفريقية وهي: إحدى القارات الثلاث في العالم القديم. وهي قارة آسيا، وقارة إفريقية، وقارة أوربا، وإحدى القارات الست في العالم الحديث. بعد اكتشاف الأمريكتين وأستراليا، بغض النظر عن القارتين المتجمدتين. ويحد قارة إفريقية - ويقال فيها إفريقيا بالمد - من جهة الشرق البحر الأحمر - وهو بحر القلزم قديما - والمحيط الهندي، ومن الجنوب المحيط الهندي، ومن الغرب المحيط الأطلسي، ومن الشمال البحر الأبيض المتوسط، وتقع إفريقية القديمة في الجزء الشمالي إلى الغرب من القارة الإفريقية، بعد مصر وليبيا على الاختلاف المذكور آنفا في تحديدها، وكأن القارة كلها سميت باسم الولاية بعد ماتقدم من تسمية الولاية باسم المدينة.

стр. 25

المطلب الثالث: تحديد الأمكنة المعنية بالدراسة وجغرافيتها: والمنطقة المعنية بالدراسة هي المنطقة الإسلامية، التي انتشر فيها الإسلام وبث فيها العلم الشرعي من البلدان الواقعة في غرب القارة الإفريقية، وهي المنطقة الشمالية الغربية والمنحصرة حاليا في تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا، وكلها بلاد إسلامية معروفة الآن بهذه الأسماء، بعد أن فصل الاستعمار بين بلدان المسلمين بحدود وهمية كان لها كبير الأثر في إضعاف قوتهم. ويحد المنطقة المعنية بالدراسة من الشرق ليبيا، ومن الشمال البحر الأبيض المتوسط، ومن الغرب المحيط الأطلسي، ومن الجنوب النيجر ومالي والسنغال. وهي تشتمل على: مساحة صحراوية واسعة، تسمى الصحراء الغربية الكبرى، وهي تمثل فيها أغلب المنطقة الوسطى والجنوبية، وأما المنطقة الحيوية فتقع في الشمال ويتخللها سلسلة جبال طويلة تسمى سلسلة جبال أطلس التل، وسلسلة أخرى نحوها تسمى جبال أطلس الصحراء، كما يوجد بها بعض الهضاب والأودية (١).

стр. 26

المبحث الثالث: وصول الإسلام إلى هذه البلاد المطلب الأول: الفتح الإسلامي للمنطقة (٢٧ هـ - ٩٥ ه ـ) (١): لما توفي رسول الله ﷺ كان الإسلام قد عم جزيرة العرب ثم انتشرت جحافل جيوش الصحابة في الأمصار فاتحين وناشرين لدعوة الإسلام وفي أقل من ربع قرن أتموا فتح كل من العراق (بين ١٦ هـ - ٢١ هـ) وجميع بلاد الشام (بين ١٣ هـ - ١٥ هـ) ومصر (سنة ٢٠ هـ) وما إن أتم المسلمون الفتح النهائي لمصر بعد معاهدة الإسكندرية سنة ٢١ هـ حتى سارع عمرو بن العاص ففتح برقة سنة ٢٢ هـ وطرابلس سنة ٢٣ هـ وترك في تلك النواحي جزءا من جيشه للحفاظ على البلاد المفتوحة ونشر الإسلام بين أهلها وللتوسع في عمق الصحراء وكان ضمن هذه الحامية عقبة بن نافع الفهري الذي كان له بعد ذلك شأن عظيم في تاريخ إفريقية والمغرب وقد لاحظ عمرو بن العاص حسن انقياد أهل تلك الناحية للإسلام فقوي عزمه على التوغل في إفريقية وأخذ يرسل السرايا فتغير على أطراف إفريقية، وتعود مظفرة مما شجعه على التفكير في غزوها.

стр. 27

أصل البربر واستيطانهم المنطقة: كان البربر بفلسطين، وكان ملكهم جالوت، فلما قتله داوود ﵇ خرج البربر متوجهين إلى المغرب حتى انتهوا إلى لوبية ومراقية - وهما كورتان من كور مصر الغربية مما يشرب من السماء ولاينالهما النيل - فتفرقوا هناك، فتقدمت زناتة ومغيلة إلى المغرب وسكنوا الجبال، وتقدمت لواتة فسكنت أرض أنطابلس وهي برقة، وتفرقت في هذا المغرب وانتشروا فيه، حتى بلغوا السوس، ونزلت هوارة مدينة لبدة ونزلت نفوسة إلى مدينة سبرت وجلا من كان بها من الروم من أجل ذلك وأقام الأفارقة. ويزعم البربر أنهم من ولد بر بن قيس، ورد ذلك عبد الله بن صالح فقال: ما جعل الله لقيس ولداً يقال له بر، وإنما هم من الجبارين الذين قاتلهم داود ﵇، وكانت منازلهم على أيادي الدهر فلسطين، وهم أهل عمود فأتوا المغرب فتناسلوا به (١). وكان يسكن غرب إفريقية أيضا الروم البيزنطيون، وهم الفرنجة وكانوا قد استولوا على البلاد وأذلوا أهلها والأفارقة، وهم الذين وفدوا إليها من مختلف البلاد (٢). فتح برقة وزويلة: سار عمرو بن العاص بعد فتح الإسكندرية في الخيل يريد المغرب، حتى قدم برقة وهي إنطابلس فصالح أهلها بعد أن قاتلهم وحاربهم على ثلاثة عشر ألف دينار يؤدونها إليه جزية على أن يبيعوا من أحبوا من أبنائهم في جزيتهم وكتب لهم في ذلك كتابا. وكتب عمرو بن العاص على لواتة من البربر في شرطه عليهم أن عليكم أن تبيعوا أبناءكم وبناتكم فيما عليكم من الجزية. وخالفه عمر بن عبد العزيز لما ولي فكتب في اللواتيات: أن من كانت عنده لواتية فليخطبها إلى أبيها أو فليرددها إلى أهلها. وقد فتحت بعهد من عمرو بن العاص، وكان يقول على المنبر: لأهل أنطابلس عهد يوفى به. ولم يكن يدخل برقة يومئذ جابي خراج

стр. 28

إنما كانوا يبعثون الجزية إذا جاء وقتها إلى والي مصر من غير أن يأتيهم حاث أو مستحث، فكانوا أخصب قوم بالمغرب. ووجه عمرو بن العاص عقبة بن نافع حتى بلغ زويلة، وصار مابين برقة وزويلة للمسلمين. وكتب إلى عمر بن الخطاب يعلمه أنه قد ولى عقبة بن نافع الفهرى المغرب فبلغ زويلة، وأن من بين زويلة وبرقة سلم كلهم حسنة طاعتهم قد أدى مسلمهم الصدقة، وأقر معاهدهم بالجزية، وأنه قد وضع على أهل زويلة ومن بينه وبينها مارأى أنهم يطيقونه، وأمر عماله جميعا أن يأخذوا الصدقة من الأغنياء ويردوها في الفقراء ويأخذوا الجزية من الذمة فتحمل إليه بمصر وأن يؤخذ من أرض المسلمين العشر ونصف العشر ومن أهل الصلح صلحهم. فتح طرابلس: ثم غزا عمرو بن العاص طرابلس في سنة ثلاث وعشرين، فنزل على القبة التي على الشرف من شرقيها فحاصرها شهرا لايقدر على شيء، فخرج رجل من بني مدلج ذات يوم من عسكر عمرو متصيدا في سبعة نفر، فمضوا غربي المدينة حتى أمعنوا عن العسكر، ثم رجعوا فأصابهم الحر فأخذوا على ضفة البحر وكان البحر لاصقا بسور المدينة، ولم يكن فيما بين المدينة والبحر سور، وكانت سفن الروم شارعة في مرساها إلى بيوتهم فنظر المدلجي وأصحابه فإذا البحر قد غاض من ناحية المدينة ووجدوا مسلكا إليها من الموضع الذي غاض منه البحر فدخلوا منه حتى أتوا من ناحية الكنيسة فلم يكن للروم مفزع إلا سفنهم وأبصر عمرو وأصحابه السلة في جوف المدينة، فأقبل بجيشه حتى دخل عليهم فلم تفلت الروم إلا بما خف لهم من مراكبهم، وغنم عمرو ما كان في المدينة، وكان من بسبرت متحصنين واسمها نبارة، وسبرت السوق القديم وإنما نقله إلى نبارة عبدالرحمن بن حبيب سنة إحدى وثلاثين، فلما بلغهم محاصرة عمرو مدينة أطرابلس وأنهم لم يصنع فيهم شيئا ولا طاقة له بهم أمنوا فلما ظفر عمرو بن العاص بمدينة أطرابلس جرد خيلا كثيفة من ليلته، وأمرهم بسرعة السير، فصبحت خيله مدينة سبرت وقد غفلوا

стр. 29

وقد فتحوا أبوابهم لتسرح ماشيتهم، فدخلوها فلم ينج منهم أحد واحتوى عمرو على مافيها ورجعوا إلى عمرو (١). وكان فتح أطرابلس بعد قتال وافتتحها عمرو بن العاص عنوة وقال الليث بن سعد حدثني مشيختنا أن أطرابلس فتحت بعهد من عمرو بن العاص، وأصاب عمرو بها أحمالا كثيرة مع تجار من تجارها فباعه وقسم ثمنه بين المسلمين، وكتب إلى عمر ابن الخطاب أنا قد بلغنا أطرابلس وليس بينها وبين إفريقية إلا تسعة أيام، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لنا في غزوها ويفتحها الله على يديه فعل، فكتب إليه ينهاه عنها ويقول: ماهي بإفريقية ولكنها مفرقة غادرة مغدوربها، لايغزوها أحد مابقيت، وقال مرة المعافري: سمعت عمر بن الخطاب يقول: إفريقية المفرقة ثلاث مرات لاأوجه إليها أحدا مامقلت عيني الماء. وذلك أن أهلها كانوا يؤدون إلى ملك الروم شيئاً فكانوا يغدرون به كثيراً، وكان ملك الأندلس صالحهم ثم غدر بهم وكان خبرهم قد بلغ عمر (٢). وكذلك فإن عمر كان يخشى أن ينفرد بالمسلمين عدوهم، مع صعوبة نجدتهم لبعدهم عن مركز الخلافة، فلم يجد عمرو بدا من العودة إلى مصر، وبقي الأمر كذلك إلى زمن عثمان ﵁، فولى على مصر عبدالله بن سعد بن أبي سرح. فتح إفريقية: فلما عزل عثمان عمرو بن العاص عن مصر، وأمّر عبد الله بن سعد بن أبي سرح، كان يبعث المسلمين في جرائد الخيل، كما كانوا يفعلون أيام عمرو فيصيبون من أطراف إفريقية، ويغنمون فكتب في ذلك عبد الله بن سعد إلى عثمان، وأخبره بقربهم من حرز المسلمين، ويستأذنه في غزوها فندب عثمان الناس لغزوها بعد المشورة منه في ذلك، فلما اجتمع الناس - ولم يخالف في

стр. 30

غزوها إلا سعيد بن زيد العدوي الذي استمسك برأي عمر - (١) أمر عليهم عثمان الحارث بن الحكم إلى أن يقدموا على عبد الله بن سعد مصر فيكون إليه الأمر فخرج عبد الله بن سعد إليها، وكان مستقر سلطان إفريقية يومئذ بمدينة يقال لها قرطاجنة، وكان عليها ملك يقال له جرجيركان هرقل قد استخلفه، فخلع هرقل، وضرب الدنانير على وجهه، وكان سلطانه مابين أطرابلس إلى طنجة، قال: فلقيه جرجير فقاتله فقتله الله وكان الذي ولي قتله عبدالله بن الزبير، وهرب جيش جرجير فبث عبد الله بن سعد السرايا وفرقها فأصابوا غنائم كثيرة، فلما رأى ذلك عظماء إفريقية اجتمعوا فطلبوا إلى عبدالله بن سعد أن يأخذ منه ثلاثمائة قنطار من ذهب على أن يكف عنهم ويخرج من بلادهم، فقبل ذلك ورجع إلى مصر، ولم يول عليهم أحدا، ولم يتخذ بها قيروانا، فأصاب الفارس يومئذ ثلاثة آلاف دينار والراجل ألف دينار وكان جيش عبد الله بن سعد ذلك عشرين ألفا. وكان مع عبدالله بن سعد في تلك الغزوة أيضا: عبدالله بن عباس، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، والحسن والحسين ابنا علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر ابن الخطاب، وعبدالله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن أنيس، وعمرو بن عوف المزني، وبلال بن الحارث المزني، وغيرهم، وانضم لهم عقبة ومن معه ببرقة، وذلك سنة سبع وعشرين، وهي الغزوة المعروفة بغزوة العبادلة لكثرة من اشترك فيها ممن اسمه عبدالله من الصحابة، ولم يكن هناك بد من القتال لأن جرجير قد رفض الإسلام والجزية ورغم ضخامة جيش العدو (بين ١٠٠ و ١٢٠ ألفا) فقد انتهت المعارك العديدة التي دارت بين الطرفين على مشارف مدينة سبيطلة بانتصار المسلمين، وقتل جرجير وكبار قادته وكثير من جيشه وغنم المسلمون أموالا عظيمة (٢). ولايمكن التقليل من شأن هذه الغزوة بسبب عدم بناء مدينة يستقر بها المسلمون، ويكفي أنها أذلت الروم بإفريقية، بحيث لم يتمكنوا من استرجاع

стр. 31

قوتهم بعد ذلك، كما أنها عرفت أهل البلاد - ولو جزئيا - بالإسلام حتى اعتنقه بعضهم، ومن ناحية أخرى فقد وقف المسلمون على حالة البربر وعرفوا طبائعهم وعاداتهم عن قرب، كما أن المنطقة المفتوحة لايستهان بحجمها. وفي سنة ٣٣ هـ خرج المسلمون بقيادة عبدالله بن سعد أيضا حين نقض أهل إفريقية العهد، فجاهدوهم حتى دخل بعضهم في الإسلام، ورضي الباقون بالجزية (١). ثم كانت سنة ٣٤ هـ فخرج إلى المغرب معاوية بن حديج التجيبي، وكان معه في جيشه عامئذ عبدالملك بن مروان، فافتتح قصورا وغنم غنائم عظيمة. وعن سليمان بن يسار قال: غزونا إفريقية مع ابن حديج ومعنا من المهاجرين والأنصار بشر كثير فنفلنا ابن حديج النصف بعد الخمس، فلم أر أحدا أنكر ذلك، إلا جبلة بن عمرو الأنصاري. فانتهى معاوية بن حديج إلى قونية ثم مضى إلى جبل يقال له القرن، فعسكر بجانبه، وبعث عبدالملك بن مروان إلى مدينة يقال لها جلولاء في ألف رجل، فحاصرها أياما، فلم يصنع شيئا فانصرف راجعا فلم يسر إلا يسيرا حتى رأى في ساقة الناس غبارا شديدا، فظن أن العدو قد طلبهم فكر جماعة من الناس لذلك وبقي من بقي على مصافهم وتسرع سرعان الناس، فإذا مدينة جلولاء قد وقع حائطها فدخلها المسلمون، وغنموا مافيها وانصرف عبدالملك إلى معاوية بن حديج فاختلف الناس في الغنيمة، فكتب في ذلك إلى معاوية بن أبي سفيان فكتب إن العسكر ردء للسرية، فقسم ذلك بينهم، فأصاب كل رجل منهم لنفسه مائتي دينار، وضرب للفرس بسهمين ولصاحبه بسهم. ويقال: بل غزاها معاوية بن حديج بنفسه، فحاصرها فلم يقدر عليهم، فانصرف آيسا منها وقد جرح عامة أصحابه، وقتل منهم ففتحها الله بعد انصرافه بغير خيل ولا رجال فرجع إليها ومن معه وفيها السبي، ولم يردهم أحد، فغنموا وانصرف منها راجعا إلى مصر (٢). ثم اشتغل المسلمون في

стр. 32

المشرق بما أهمهم عن شأن المغرب، حتى اعتدل الأمر لمعاوية ﵁ سنة ٤١ هـ، فأرسل إليها معاوية بن حديج، وفي سنة ٤٢ هـ غزاها عقبة ابن نافع ويبدو أن هاتين الغزوتين لم تتوغلا داخل أرض إفريقية، أما الغزوة الموالية فكانت ذات شأن، وقد قادها معاوية بن حديج سنة ٤٥ هـ، وكانت ردا على المحاولة التي قامت بها الدولة البيزنطية لإعادة إفريقية إلى نفوذها، فهزم معاوية جيوش البيزنطيين، وأعاد فتح إفريقية مدينة مدينة حتى وصل جبل القرن فعسكر هناك وبنى مساكن للجيوش، واتخذ ذلك الموقع قيروانا (١) وجه منه سراياه إلى البلاد، ففتح سوسة وجلولاء والجم وبنزرت، ولا شك أنه قد سيطر على جميع تلك الجهات لأنه تمكن سنة ٤٥ هـ من غزو صقلية لأول مرة في التاريخ الإسلامي، كما أغزى جيشه جزيرة جربة، ففتحت سنة ٤٥ هـ بقيادة رويفع بن ثابت الأنصاري، وقد آتت هذه الغزوة أكلها حيث ظهر الإسلام في البربر، وتمكن الجيش الإسلامي من التوغل في أراضيهم، وكسر شوكتهم (٢). فغزا معاوية بن حديج إفريقية ثلاث غزوات، أما الأولى فسنة أربع وثلاثين، قبل قتل عثمان وهي غزوة لايعرفها كثير من الناس، والثانية سنة أربعين، والثالثة سنة خمس وأربعين (٣). ولما قتل عثمان وولي أمر مصر محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة لم يوجه إليها أحداً، فلما ولي معاوية بن أبي سفيان ولى معاوية بن حديج السكونى مصر، وهو الذي بعث عقبة بن نافع لغزوها (٤).

стр. 33

فخرج عقبة بن نافع الفهري سنة ست وأربعين، ومعه بسر بن أرطأة، وشريك ابن سمي المرادي، فأقبل حتى نزل بمغمداش من سرت - وكان توجه بسر إليها سنة ست وعشرين - فأدركه الشتاء، وكان مضعفا وبلغه أن أهل ودان قد نقضوا عهدهم، ومنعوا ما كان بسر بن أبي أرطأة فرض عليهم - وكان عمرو بن العاص قد بعث إليها بسرا قبل ذلك، وهو محاصر لأهل أطرابلس فافتتحها - فخلف عقبة بن نافع جيشه هنالك، واستخلف عليهم عمر بن علي القرشي، وزهير بن قيس البلوي، ثم سار بنفسه وبمن خلف معه أربعمائة فارس، وأربعمائة بعير، وثمانمائة قربة، حتى قدم ودان فافتتحها، وأخذ ملكهم فجدع أذنه فقال: لم فعلت هذا بي وقد عاهدتني؛ فقال عقبة: فعلت هذا بك أدبا لك إذا مسست أذنك ذكرته فلم تحارب العرب، واستخرج منهم ما كان بسر فرضه عليهم ثلاثمائة وستين رأسا، ثم سألهم عقبة: هل من ورائكم أحد؟ فقيل له جرمه وهي مدينة فزان العظمى فسار إليها ثماني ليال من ودان، فلما دنا منها أرسل فدعاهم إلى الإسلام، فأجابوا. فنزل منها على ستة أميال، وخرج ملكهم يريد عقبة، وأرسل عقبة خيلا، فحالت بين ملكهم وبين موكبه، فأمشوه راجلا حتى أتى عقبة، وقد لغب وكان ناعما فجعل يبصق الدم فقال له: لم فعلت هذا بي وقد أتيتك طائعا؟ فقال عقبة أدبا لك إذا ذكرته لم تحارب العرب، وفرض عليه ثلاثمائة عبد وستين عبدا، ووجه عقبة الرحل من يومه إلى المشرق، ثم مضى على جهته من فوره ذلك إلى قصور فزان فافتتحها قصرا قصرا، حتى انتهى إلى أقصاها، فسألهم هل من ورائكم أحد؟ قالوا نعم: أهل خاوار وهو قصر عظيم على رأس المفازة في وعورة على ظهر جبل، وهو قصبة كوار فسار إليهم خمسة عشر ليلة، فلما انتهى تحصنوا فحاصرهم شهرا، فلم يستطع لهم شيئا فمضى أمامه على قصوركورا فافتتحها، حتى انتهى إلى أقصاها وفيه ملكها فأخذه فقطع أصبعه، فقال: لم فعلت هذا بي؟ قال: أدبا لك إذا أنت نظرت إلى اصبعك لم تحارب العرب، وفرض عليه ثلاثمائة عبد وستين عبدا، فسألهم: هل من ورائكم أحد؟ فقال الدليل: ليس عندي بذلك معرفة ولادلالة، فانصرف عقبة راجعا. فمر بقصر خاوار، فلم يعرض له ولم ينزل بهم، وسار ثلاثة أيام، فأمنوا وفتحوا مدينتهم، وأقام عقبة بماء اسمه

стр. 34

اليوم ماء فرس، ولم يكن به ماء فأصابهم عطش شديد أشفى منه عقبة وأصحابه على الموت، فصلى عقبة ركعتين ودعا الله، وجعل فرس عقبة يبحث بيديه في الأرض، حتى كشف عن صفاة فانفجر منها ماء، فجعل الفرس يمص ذلك الماء، فأبصره عقبة فنادى في الناس أن احتفروا فاحتفروا سبعين حسيا، فشربوا واستقوا فسمي لذلك ماء فرس، ثم رجع عقبة إلى خاوار من غير طريقه التي كان أقبل منها فلم يشعروا به، حتى طرقهم ليلا قد تمهدوا في أسرابهم، فاستباح مافي المدينة من ذرياتهم وأموالهم وقتل مقاتلتهم، ثم انصرف راجعا، فسار حتى نزل بموضع زويلة ... ثم ارتحل، حتى قدم على عسكره بعد خمسة أشهر، وقد جمعت خيولهم وظهرهم، فسار متوجها إلى المغرب، وجانب الطريق الأعظم وأخذ إلى ... مزاتة فافتتح كل قصر بهاإلى ... ، ثم بعث خيلا إلى غدامس فافتتحت غدامس فلما انصرف ... سار إلى قفصة فافتتحها وافتتح قصطيليه ثم انصرف إلى القيروان فلم يعجب بالقيروان الذي كان معاوية بن حديج بناه قبله فركب والناس معه، حتى أتى موضع القيروان اليوم وكان واديا كثير الشجركثير القطف تأوي إليه الوحوش والسباع والهوام، ثم نادى ياأهل الوادي ارتحلوا رحمكم الله فإنا نازلون نادى بذلك ثلاثة أيام فلم يبق من السباع ولا الوحوش ولاالهوام إلا خرج، وأمر الناس بالتنقية والخطط ونقل الناس من الموضع الذي كان معاوية بن حديج نزله، إلى مكان القيروان اليوم وركز رمحه وقال هذا قيروانكم. وقال زياد بن العجلان: إن أهل إفريقية أقاموا بعد ذلك أربعين سنة ولو التمست حية أو عقرب بألف دينار ماوجدت (١). وكان ذلك سنة ٥٠ هـ حيث بدأت إفريقية الإسلامية عهدا جديدا مع عقبة بن نافع المتمرس بشؤون إفريقية منذ حداثة سنه فقد لاحظ كثرة ارتداد البربر، ونقضهم العهود، وعلم أن السبيل الوحيد للمحافظة على إفريقية ونشر الإسلام بين أهلها هو إنشاء مدينة تكون محط رحال المسلمين ومنها تنطلق جيوشهم، فأسس مدينة القيروان وبنى جامعها وافتتح كثيرا من البلدان، وعمل على نشر الإسلام بين البربر وشرد

стр. 35

من بقي على الكفر. وقال لأصحابه حين أراد تأسيسها: إن إفريقية إذا دخلها إمام أجابوه إلى الإسلام فإذا خرج منها رجع من كان أجابه منهم لدين الله إلى الكفر، فأرى لكم يامعشر المسلمين أن تتخذوا بها مدينة تكون عزا للإسلام إلى آخر الدهر (١). وقال موسى بن علي: أول من بنى القيروان عقبة بن نافع الفهرى اختطها ثم بنى وبنى الناس معه الدور والمساكن، وبنى المسجد الجامع بها (٢). ولما أراد عقبة تمصير القيروان فكر في موضع المسجد منه فأري في منامه كأن رجلاً أذن في الموضع الذي جعل فيه مئذنته، فلما أصبح بنى المنبر في موقف الرجل ثم بنى المسجد (٣). ثم عزل معاوية بن أبي سفيان معاوية بن حديج وولى مصر والمغرب مسلمة بن مخلد الأنصاري، وهو أول من جمعت له، فولى المغرب أبا المهاجر مولاه وأوصاه حين ولاه أن يعزل عقبة أحسن العزل، فخالفه أبو المهاجر فأساء عزله وسجنه وأوقره حديدا حتى أتاه الكتاب من الخليفة بتخلية سبيله وإشخاصه إليه، فخرج عقبة حتى أتى قصر الماء، فصلى ثم دعا وقال اللهم لاتمتني حتى تمكني من أبي المهاجر دينار بن أم دينار، فبلغ ذلك أبا المهاجر فلم يزل خائفا منذ بلغته دعوته فلما قدم عقبة مصر ركب إليه مسلمة بن مخلد فأقسم بالله لقد خالفه ماصنع أبو المهاجر ولقد أوصيته بك خاصة، وقد كان قيل لمسلمة لو أقررت عقبة فإن له جزالة وفضلا، فقال مسلمة: إن أبا المهاجر صبر علينا في غير ولاية ولاكبير نيل فأحببنا أن نكافئه، فلما قدم أبوالمهاجر إفريقية كره أن ينزل في الموضع الذي اختطه عقبة بن نافع، ومضى حتى خلفه بميلين فابتنى مدينة تيكروان ونزل، وكان الناس قبل أبي المهاجر يغزون إفريقية، ثم يقفلون منها إلى الفسطاط،

стр. 36

وأول ما أقام بها حين غزاها أبو المهاجر مولى الأنصار أقام بها الشتاء والصيف واتخذها منزلا وكان مسلمة بن مخلد الذي عقد له على الجيش الذين خرجوا معه إليها، فلم يزالوا بها حتى قتل ابن الزبير، فخرجوا منها (١). وكانت لأبي المهاجر مع البربر سياسة حسنة، فقد تألف قادتهم وعلى رأسهم كسيلة البربري فانقادوا للإسلام وازدادت رقعة البلاد المفتوحة حتى بلغت تلمسان من بلاد الجزائر، وطالت مدة إقامة أبي المهاجر ومن معه من الصحابة والتابعين. ثم قدم عقبة على معاوية بن أبي سفيان فقال له فتحت البلاد وبنيت المنازل ومسجد الجماعة ودانت لي ثم أرسلت عبد الأنصار فأساء عزلي فاعتذر إليه معاوية، وقال: قد عرفت مكان مسلمة بن مخلد من الإمام المظلوم وتقديمه إياه وقيامه بدمه وبذل مهجته، وقد رددتك على عملك، ويقال: إن معاوية ليس هو الذي رد عقبة بن نافع ولكنه قدم على يزيد بن معاوية بعد موت أبيه، فرده واليا على إفريقية وذلك أصح لأن معاوية توفي سنة ستين (٢). فعاد عقبة ثانية إلى القيروان سنة ٦٢ هـ بأمر من يزيد بن معاوية، فأعاد عمارة المدينة ودعا لها ومن معه من الصحابة، وقد بلغوا خمسة وعشرين صحابيا، وكان مما قال في دعائه وهم يؤمنون: اللهم املأها علما وفقها وأعمرها بالمطيعين والعابدين، واجعلها عزا لدينك وذلا لمن كفر بك، وأعز بها الإسلام وامنعها من جبابرة الأرض (٣). وخرج عقبة للغزو بعد ماأوثق أبا المهاجر في وثاق شديد وأساء عزله، فغزا به معه إلى السوس وهو في حديد وأصل السوس بطن من البربر يقال لهم: أنبيه، فجول في بلادهم لايعرض له أحد، ولايقاتله فانصرف إلى إفريقية، ففتح جميع بلاد المغربين الأوسط والأقصى، أي مايعرف الآن بالجزائر والمغرب، حتى وصل إلى البحر المحيط، فأدخل فيه قوائم فرسه، وقال كلمته المشهورة: اللهم اشهد أني قد بلغت المجهود ولولا هذا البحر لمضيت في

стр. 37

البلاد أقاتل من كفر بك حتى لايعبد أحد دونك، ثم كر راجعا وفتح في طريقه بعض بلاد السودان، فلما اقترب من مدينة تهودة صرف أصحابه إلى منازلهم ثقة بما دوخ من البلاد، فعرض له كسيلة بن لمزم في جمع كثير من الروم والبربر وقد كان بلغه افتراق الناس عن عقبة وكان قد دار بين عقبة وكسيلة مواقف جعلت كسيلة يضمر حقدا شديدا على عقبة لأنه أذله في تلك المواقف ولم يسمع نصيحة أبي المهاجر في تألفه وإعزازه (١)، فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل عقبة ومن كان معه، وقتل أبو المهاجر وهو موثق في الحديد، ثم سار كسيلة ومن معه حتى نزلوا الموضع الذي كان عقبة اختطه فأقام به وقهر من قرب من باب قابس ومايليه، وجعل يبعث أصحابه في كل وجه ويقال: بل خرج عقبة بن نافع إلي السوس واستخلف على القيروان عمر بن علي القرشي وزهير بن قبس البلوي وكانت إفريقية يومئذ تدعى مزاق، فتقدم عقبة إلي السوس وخالفه رجل من العجم في ثلاثين ألفا إلى عمر بن علي وزهير بن قيس وهما في ستة الاف، فهزمه الله وخرج ابن الكاهنة البربري على أثر عقبة كلما رحل عقبة من منهل دفنه ابن الكاهنة فلم يزل كذلك حتى انتهى عقبة إلى السوس، ولا يشعر بما صنع البربري، فلما انتهى عقبة إلى البحر أقحم فرسه فيه حتى بلغ نحره، ثم قال: اللهم إني أشهدك أن لامجاز ولو وجدت مجازا لجزت وانصرف راجعا والمياه قد غورت وتعاونت عليه البربر، فلم يزل يقاتل وأبو المهاجر معه في الحديد فلما استحر الأمر أمر عقبة بفتح الحديد عنه، فأبى أبو المهاجر فقال: ألقى الله في حديدي، فقتل عقبة وأبو المهاجر ومن معهما (٢). وكان لهذه الحادثة أثر عميق في نفوس المسلمين. وأما زهير بن قيس البلوي خليفة عقبة على القيروان فقد اضطر للسير نحو المشرق، فأقام ببرقة إلى أن جاءه المدد من عبدالملك بن مروان سنة ٦٩ هـ، فسار إلى القيروان واستنقذها من يد كسيلة الذي اضطربت صفوفه لأن المسلمين البربر قد تنازعوا

стр. 38

معه ولم تذكر المصادر أن كسيلة قد أساء إلى المسلمين في الفترة التي حكم فيها القيروان، وقد دامت مدة خمس سنوات. ويقال إن عبد العزيز بن مروان لما ولي مصر كتب إلى زهير بن قيس وزهير يومئذ ببرقة، يأمره بغزو إفريقية فخرج في جمع كثير فلما دنا من قونية وبها عسكر كسيلة بن لمزم عبأ زهير لقتاله، وخرج إليه فاقتتلا فقتل كسيلة ومن معه ثم انصرف زهير قافلا إلى برقة. وفي هذه الموقعة قتل كسيلة ومن معه من الروم وملوك البربر وأشرافهم وفرسانهم وخلد أهل إفريقية إلى الطاعة وتمهدت البلاد لزهير بن قيس البلوي فخاف على نفسه الفتنة، لما رأى من عظمة الملك وكان من رؤساء العابدين وكبار الزاهدين، وقرر الرحيل إلى المشرق بينما أقام معظم أصحابه بالقيروان، لكنه استشهد في قلة من أصحابه على يد الروم الذين أغاروا على برقة، وكانت المصيبة بزهير وأصحابه ﵃ مثل المصيبة بعقبة بن نافع وأصحابه ﵃ أجمعين، وبموت زهير اختلت الأمور في إفريقية من جديد إلا أن الوضع بالمشرق لم يكن يسمح بإرسال من يعيد الأمور إلى نصابها (١). ثم قدم حسان بن النعمان واليا على المغرب أمره عليها عبدالملك بن مروان في سنة ثلاث وسبعين، وذلك بعد أربع سنوات، فمضى في جيش كبير، حتي نزل أطرابلس، واجتمع إليه بها من كان خرج من إفريقية وأطرابلس، وانضم إليه كثير من أهل مصر وممن أسلم من بربر إفريقية، فوجه على مقدمته محمد بن أبي بكيرة، وهلال بن ثروان اللواتي، وزهير بن قيس، ففتح البلاد، وأصاب غنائم كثيرة، وخرج إلى مدينة قرطاجنة، ففتحها واضطر إلى هدمها لأن أهلها غدروا به، وفرض سيطرته على كامل تلك المنطقة، وأثخن في الروم والبربر بالقتل. ثم توجه حسان لمحاربة الكاهنة، لأنها هي الخطر الوحيد الذي بقي يهدد الكيان الإسلامي في إفريقية والمغرب، وقد قال له البربر المسلمون: إن قتلتها دان لك المغرب كله ولم يبق لك مضاد ولا معاند، فغزا الكاهنة وهي

стр. 39

إذ ذاك ملكة البربر، وقد غلبت على جل إفريقية فلقيها على نهر يسمى نهر البلاء، فاقتتلوا قتالا شديدا فهزمته، وقتلت من أصحابه وأسرت منهم ثمانين رجلا، وأفلت حسان ونفذ من مكانه إلى أنطابلس فنزل قصورا من حيز برقة فسميت قصور حسان، واستخلف على إفريقية أبا صالح، وقامت الكاهنة بتخريب إفريقية ظنا منها أن ذلك هو غاية مطلب المسلمين من إفريقية، وقد أثار عملها نقمة كثير من سكان تلك المدن فاستجاروا بالمسلمين (١). وكانت أنطابلس ولوبيا ومراقية إلى حد أجدابية من عمل حسان، فأحسنت الكاهنة أسارى من أسرته من أصحابه إلى أن سار إليها حسان ومن معه في جيش لم يدخل إفريقية مثله قط، فلقي الكاهنة في أصل جبل فقتلت وعامة من معها، فسميت بئر الكاهنة. وطلب الباقون الأمان، فاشرط عليهم حسان أن يعطوه من قبائلهم اثني عشر ألفا يجاهدون مع العرب، فأجابوه؛ وأسلموا على يديه، وبذلك انكسرت شوكة الروم والبربر بإفريقية نهائيا (٢). ثم انصرف حسان فنزل موضع قيروان إفريقية، وبنى مسجد جماعتها ودون الدواوين، واتجه إلى ناحية قرطاجنة، فبنى مدينة تونس، وأنشأ بها دارا لصناعة السفن، وحفر إليها البحر فأصبحت ميناء هاما، وبنى جامع الزيتونة، ووضع الخراج على عجم إفريقية، وعلى من أقام معهم على النصرانية من البربر، وعامتهم من البرانس إلا قليلاً من البتر، وأقام حسان بموضعه حتى استقامت له البلاد، ثم توجه إلى عبد الملك بغنائمه في جمادى الآخرة سنة ست وسبعين، وولى على الصدقات حنشا الصنعاني، وبذلك تمهدت إفريقية وأصبحت دار إسلام وحسنت طاعة أهلها، وأقام بها حسان لايغزو أحدا ولاينازعه أحد لأن جميع من بها إما مسلم مطيع، أوكافر خاضع مستكين، ووجه حسان عناية كاملة لنشر الدين الإسلامي واللغة العربية، فدخل البربر في دين الله أفواجا، خاصة وأن حسانا كان إلى جانب ذلك يقسم الفيء والأرض بينهم واستمر حسان في تركيز مباديء الإسلام لدى أهل إفريقية وإعادة تعمير ماخربته الكاهنة

стр. 40

حتى رجع إلى المشرق سنة ٨٥ هـ، ويمكن أن نعتبر أن فتح إفريقية قد تم نهائيا في هذه المرحلة، لولا وجود بعض البؤر التي لم تفتح وبقيت تشكل خطرا على الإسلام مثل قلعة زغوان الواقعة بين القيروان وتونس، وبعض المدن الواقعة في أطراف إفريقية (١). ولما مر حسان ببرقة أمر على خراجها إبراهيم بن النصراني، ثم مضى فمر بعبد العزيز بن مروان وهو بمصر، ثم نفذ إلى عبد الملك فسر عبد الملك بما أورد عليه حسان من فتوحه وغنائمه، ويقال بل أخذ منه عبدالعزيزكل ما كان معه من السبى، وكان قد قدم معه من وصائف البربر بشيء لم ير مثله جمالاً، فكان نصيب الشاعر يقول: حضرت السبى الذي كان عبد العزيز أخذه من حسان مائتى جارية منها مايقام بألف دينار. ثم أغارت الروم بعد حسان على أنطابلس فهرب إبراهيم بن النصراني، وخلى أهل أنطابلس وأهل ذمتها في أيدي الروم، فرأسوها أربعين ليلة حتى أسرعوا فيها الفساد، وبلغ ذلك عبد العزيز بن مروان، فأرسل إلى زهير بن قيس، وكان خرج مع حسان، فلما بلغ مصر أقام بها فأمره عبد العزيز بالنهوض إلى الروم، ولم يجتمع لزهير من أصحابه إلا سبعون رجلا ... ، وكان عبد العزيز عاتبا على زهير بن قيس، لأنه كان قاتله حين وجهه أبوه مروان بن الحكم من ناحية أيلة من قبل أن يدخل مصر، فقال له: ماعلمتك يازهير إلاجلفا جافيا، فقال له زهير: ماكنت أرى ياابن ليلى أن رجلا جمع ماأنزل الله على محمد ﷺ من قبل أن يجتمع أبواك جلف جاف، ماهو بالجلف ولا الجاف، أنا منطلق فلا ردني الله إليك، فخرج حتى إذا كان بدرنة من طبرقة من أرض أطرابلس لقي الروم وهو في سبعين رجلا، فتوقف ليلحق به الناس، فقال له فتى شاب كان معه: جبنت يازهير، فقال: ماجبنت يا ابن أخي، ولكن قتلتني وقتلت نفسك! فلقيهم فاستشهد زهير وأصحابه جميعا، فقبورهم هنالك معروفة إلى اليوم، وكان مقتل زهير وأصحابه في سنة ست وسبعين (٢).
следующие страницы →