Полный текст (277 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الْعَظِيمُ﴾ فالله له العلو كله، أي: العلو الحسيُّ والمعنوي، وهو العظيم الكامل في عظمته سبحانه.
خامساً: كيف عرَّفنا ربُّنا بنفسه في هذه الآية الكريمة
هذه الآية الكريمة عرفتنا بربِّنا جلَّ في علاه تعريفًا واسعًا، ومن النظر فيها بتمعن ندرك أن الله ﵎ هو:
١ - المعبود الذي لا يستحق أن يعبد معه أحد في السموات ولا في الأرض.
٢ - وهو الحي الذي حياته دائمة أبدة سرمدية، وهو قيوم، قائم بنفسه، مقيم لغيره.
٣ - ولتمام حياة الله وتمام قيوميته، لا تأخذه سنة، وهي أوائل النوم، وهو الذي يسميه الناس النعاس، ولا يأخذه نوم.
٤ - الله تعالى له السموات والأرض وما فيهما وما بينهما، لا يشركه في ذلك أحد، وكان مشركو العرب يقرون بهذه الحقيقة، ويكفرون بتوحيد الألوهية.
٥ - لا أحد يوم القيامة يشفع في إنجاء أحد من عذاب الله، ودخوله جنته إلا بإذن من الله .
٦ - الله - تعالى - محيط علمه بعباده من الملائكة والجن والإنس وغيرهم، يعلم ما بين أيديهم من أمر الدنيا وما خلفهم من أمر الآخرة، ولا يحيط العباد من علم الله تعالى إلا بما شاء.
стр. 37
٧ - لله تعالى كرسيُّ عظيم، لسعته وسع السموات والأرض.
٨ - الله حافظ للسموات والأرض، ولا يثقله حفظهما، ولا يشق عليه.
٩ - الله تعالى عليُّ في ذاته، فذاته أعظم ذات، وصفاته أعظم الصفات، وهو مستوٍ على عرشه فوق سماواته سبحانه، وهو العظيم، لا أحد أعظم منه.
* * *
стр. 38
الموضع القرآني [٩]
الله وليُّ الذين آمنوا
عرَّفنا ربُّنا - سبحانه - أنه ﴿وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧] والولي هو الذي يتولى أمورهم، وينصرهم، ويحفظهم، ويرعاهم، ومن آثار ولايته سبحانه أنه يخرج المؤمنين من ظلمات الكفر والشرك والجهل إلى النور، أي: إلى نور القرآن ونور الإسلام ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّور﴾ [البقرة: ٢٥٧].
وخير مثال يُضرب في هذا المجال تولي ربُّ العزَّة لصحابة رسوله ﷺ ، فقد كانوا كفارًا مشركين، فأخرجهم من الكفر والشرك إلى نور القرآن ونور الإسلام، فاستنارت قلوبهم وعقولهم، وصلحت أعمالهم، وكانوا خير أمة أخرجت للناس.
أما الذين كفروا فأولياؤهم الطاغوت ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا
стр. 39
خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧]. وأعلمنا ربُّنا أن الذين كفروا أنصارهم الطواغيت، والطاغوت كل ما عبد من دون الله تعالى، وأعظم الطواغيت الشيطان، ونشأ في كل عصر طواغيت تحاد الله تعالى ورسوله، وتحارب المؤمنين، وتحاول أن تضل عباد الله تعالى.
وهؤلاء الطواغيت في كل عصر ومصر يخرجون أتباعهم ومن يتولون أمرهم من النور إلى الظلمات، فترى طواغيت الفكر اليوم بما يطرحونه من نظريات فاسدة، وآراء جائزة، وعقائد ضالة، يخرجونهم من بقايا النور التي عندهم إلى الجهل والكفر والباطل.
ولك أن تتصور منطقتين إحداهما منيرة مضيئة، والأخرى مظلمة معتمة، ثمَّ ترى عمليتين دائبتين، ينتقل الناس في الأولى من الدائرة المظلمة إلى الدائرة المضيئة، أي: ينتقلون من الكفر إلى الإسلام، وفي الثانية ينتقلون من النور إلى الظلمة، أي: من الإسلام إلى الكفر.
* * *
стр. 40
الموضع القرآني [١٠]
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾
أولًا: تقديم
الله تعالى هو الذي يحيي ويميت، وقد احتج نبي الله إبراهيم على نمرود عصره بإحياء الله تعالى العباد وإماتتهم، والله يحيي الناس بعد موتهم في يوم القيامة، ولكنه أرى بعض خلقه مثل هذا الإحياء في الحياة الدنيا، فمن ذلك إحياؤه قتيل بني إسرائيل عندما ضربوه بجزء من البقرة المذبوحة، ومن ذلك إحياء الله ﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣].
ومن ذلك ما حدَّثنا الله تعالى في هذه الآيات عن ذلك الرجلَّ الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، فقال: أنى يحيي الله هذه بعد موتها، فأماته الله مائة عام، ثم بعثه، وبعث حماره.
стр. 41
وأعلمنا ربُّنا أن نبيَّه إبراهيم طلب منه أن يريه كيف يحيي الموتى، فأمره أن يأخذ أربعة من الطير، ثم يقطعهنَّ، ثم يفرقهن على عدَّة جبال، ثم أمرهن أن يجتمعن، فاجتمعن وأحياهنَّ الله تعالى.
* * *
ثانيًا: آيات هذا الموضع من سورة البقرة
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَاتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَاتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَاتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عزَّيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٨ - ٢٦٠].
ثالثًا: غريب الآيات
حاجَّ إبراهيم: خاصمه وحاوره.
فبهت، أي: سكت، وخصم ولم يحر جوابًا.
خاوية على عروشها، أي: ساقطة جدرانها على سقوفها.
стр. 42
لم يتسنه، لم يصبه أي فساد.
ننشرها، أي: كيف نكونها.
فصرهن إليك، أي: أمره أن يقطعهن بعد أن يذبحهن.
رابعًا: تفسير هذه الآيات
الله تعالى هو الذي يحيي الموتى، وقد حدَّثنا الله تعالى في هذه الآيات عن نبيه إبراهيم أنه احتج على نمرود عصره بذلك، وقص علينا ثلاث قصص أحيا فيها الموتى في الدنيا.
١ - الذي حاجَّ إبراهيم في ربِّه:
حدَّثنا ربُّنا مذكرًا إيانا بالملك الذي حاجَّ نبيَّه إبراهيم ﵇ في ربِّه، فقد كان هذ الملك منكرًا لوجود الله، فقال له نبيُّ الله إبراهيم ﵇ محتجًا عليه ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨].
قال له إبراهيم: ربِّي الذي أؤمن به يحيي النفوس بإدخال الروح فيها، فتصبح عاقلة مدركة، تذهب وتأتي، وتسمع وتبصر، فسارع ذلك الطاغية بالرد قائلًا: أنا أحيي وأميت، وذلك بأن يأتي برجلَّين من أحد سجونه، فيطلق أحدهما، ويقتل الآخر، سمى ذلك إحياءً للأول منهما، وسمى ذلك إماتةً للثاني منهما.
لقد كان همُّ ذلك الطاغية أن يجيب، ولو كان في إجابته خلل واضح، إن مراد إبراهيم بإحياء الله وإماتته أمرٌ مخالفٌ لما يفعله ذلك الطاغية، وتوضيح الأمر من قبل إبراهيم لذلك الملك سيدخله في مجادلةٍ مع ذلك الطاغية، فساق
стр. 43
إبراهيم دليلًا آخر بهت الخصم وحيره وأسكته، قال: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَاتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَاتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨].
قال له إبراهيم: إن الله ربِّي يأتي بالشمس من جهة المشرق، فإذا كنت ربًا كما تدعي، فائتِ بها من جهة المغرب، وبذلك تكون قد غلبت وقهرت.
لقد جاءه إبراهيم بجواب أعجزه وأسكته، وكشف حقيقة أمره، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، أي: لا يهديهم إلى الإجابة الحقَّة، ولكنه يهدي إلى الصواب والإجابة الحقة رسله وأنبياءه ومن سار على طريقهم كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣].
٢ - قصة الذي مرَّ على قرية وهي خاوية على عروشها:
وقص علينا ربُّنا قصة الذي مر على قريةٍ، فوجدها خاويةً على عروشها، ومعنى: خاويةً، أي ساقطةً، والعروش السقوف، أي: ساقطةٌ على سقوفها، سقطت السقوف، ثم وقعت عليها الحيطان، يشير إلى خرابها علوًا وسفلًا [عمدة الحفاظ: ٣/ ٦٥]. ومنه قوله تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [الحج: ٤٥]، وقال: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢].
فالقرية التي مرَّ عليها ذلك الرجلَّ كانت محطمةً مهدمةً خاليةً من الناس، فهي على ذلك ميتة، وهذه القصة معطوفةٌ في المعنى على قصة إبراهيم
стр. 44
التي سبق ذكرها بحرف العطف (أو)، قال تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩].
وكان عند هذا الرجلَّ الذي مرَّ على تلك القرية المهدمة الخاوية على عروشها علمٌ بأن الله سيحيي هذه القرية بعد موتها، أي: بعد خرابها وتدميرها، فلما رآها على تلك الصفة قال: ﴿قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩] أي: قال ذلك مستغربًا متعجبًا لشدة ما أصابها من الدمار والخراب.
عند ذلك أماته الله بقبض روحه مائة عام، وبعد تمام المائة أحياه، فسأله كم لبثت؟ فقال: لبثت يومًا أو بعض يوم، وكذلك قال أصحاب الكهف بعد أن ناموا في كهفهم ثلاثمائة وتسع سنين ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩].
فلما قال ذلك، قال الله له: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَام﴾ [البقرة: ٢٥٩] وقد تلاشى في هذه المدة لحمه، وفنيت عظامه، وتقطعت أوصاله، أما الطعام الذي كان معه والذي يفسد في العادة في يوم أو في عدة أيام، فقد حفظه الله فلم يفسد، ولم يتغيَّر، ولم يتبدَّل، وأما العظام فقد بليت.
وقد كان معه عند موته حماره أماته الله بموته، فأحياه هو أولًا، ثم أحيا حماره، وأراه كيف ينشيء عظامه ويكوِّنها، ثم يصل ما بينها، ثم يكسوها لحمًا، ثم ينفخ فيها الروح وتدب فيها الحياة، عند ذلك قال وقد امتلأ قلبه خوفًا وخشيةً من الله: أعلم أن الله على كلِّ شيءٍ قدير، وأنه لا يعجزه شيءٌ أراده
стр. 45
﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ [البقرة: ٢٥٩].
٣ - إحياء الله الموتى على يد نبيِّه إبراهيم ﵇:
قص علينا ربُّنا في آيات هذا النص قصة طلب فيها إبراهيم ﵇ من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] فسأله ربه قائلًا له: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ [البقرة: ٢٦٠] فأجاب قائلًا: بلى آمنت، ولكنني أريد مزيدًا في طمأنينة قلبي ﴿قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] عند ذلك أمره ربه أن يأخذ أربعة من الطير، ثم يصورهن إليه، أي: يقطعهن، أي: بعد أن يذبحهن، ثم يجعل على كل جبلٍ منهن جزءًا، أي: يفرق أجزاءهن على عدة جبال، ثم أمره أن ينادي عليهن طالبًا منهن أن يجتمعن، فتجمعت الأجزاء المقطعة، وتواصلت وتلاحمت، ونفخت فيها الحياة ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَاتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عزَّيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠] والعزَّيز: المنيع الذي لا يغلب ولا يعجزه شيءٌ، وهو ﴿حَكِيمٌ﴾ سبحانه فيما يدبره.
خامساً: كيف عرَّفنا ربُّنا ﵎ بنفسه في هذه الآيات
عرَّفنا ربُّنا ﵎ في هذه الآيات أنه يحيي الموتى، وبين ذلك بما يأتي:
١ - احتجَّ نبيُّ الله إبراهيم ﵇ على نمرود عصره بأن ربه يحيي الموتى.
стр. 46
٢ - تعجَّب رجلَّ ممن كان قبلنا من إحياء الله لقريةٍ خاويةٍ على عروشها، فأماته الله تعالى مائة عام، ثم بعثه، وأمات معه حماره، ثم بعثه.
٣ - طلب نبيُّ الله إبراهيم ﵇ من ربِّه أن يريه كيف يحيي الموتى، فطلب الله تعالى منه أن يذبح أربعة طيور، ثم يقطعها، ويوزِّع أجزاءها على الجبال، ثم يدعوها فتأتيه سعيًا، أي: مسرعات، بعد أن نفخت فيها الروح.
* * *
стр. 47
الموضع القرآني [١١]
حكمة الله تعالى في التشريع
أولًا: تقديم
عرَّفنا ربُّنا ﵎ في هذه الآية التي ختم بها هذه السورة العظيمة سورة البقرة أنه سبحانه لا يكلِّف في تشريعه نفسًا إلا ما في وسعها، فلا يكلف أحدًا فوق ذلك، وعلَّم الله تعالى صحابة رسوله ﷺ أن يدعوه في بقية الآية بما ذكر فيها، وأعلمنا رسولنا ﷺ في الأحاديث أن الله قال عندما دعوه: نعم، أي: قد استجبت لكم، وهذه الآية تعرَّفنا بالمنهج الذي أظهر الله حكمته في التشريع الذي شرعه لهذه الأمة.
وقد أخبرنا رسولنا ﷺ أن آية هذا الموضع والآية التي قبلها فيهما فضلٌ عظيم وثوابٌ جزيل، فمن ذلك:
١ - ما أخبرنا رسولنا ﷺ أن نورهما أحد نورين أوتيهما رسولنا ﷺ لم يؤتهما نبيٌّ قبله، فعن ابن عباس قال: «بينما جبريل قاعدٌ عند النبي ﷺ سمع
стр. 48
نقيضًا من فوقه، فرفع رأسه، فقال: هذا بابٌ من السماء فتح اليوم، لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملكٌ، فقال: هذا ملكٌ نزل إلى الأرض، لم ينزل قط إلا اليوم، فسلَّم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبيٌّ قبلك، فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرفٍ منهما إلا أعطيته» [مسلم: ٨٠٦].
٢ - أخبرنا رسولنا ﷺ أن من قرأ بالآيتين الأخيرتين من سورة البقرة في ليلةٍ كفتاه، فعن أبي مسعود قال: قال النبيُّ ﷺ : «من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلةٍ كفتاه» [البخاري: ٥٠٠٩، مسلم: ٨٠٧، ٨٠٨].
٣ - هاتان الآيتان أنزلهما الله من كتابٍ كتبه قبل خلقه السموات والأرض بألفي عامٍ، فعن النعمان بن بشير عن النبي ﷺ قال: «إنَّ الله كتب كتابًا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام، أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرةن ولا يقرآن في دارٍ ثلاث ليالٍ فيقربها شيطان» [الترمذي: ٢٨٨٢، وقال فيه: هذا حديث حسن غريب، صحيح الترمذي للألباني: ٢٣١١].
ثانيًا: آية هذا الموضع من سورة البقرة
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ربُّنا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَانَا ربُّنا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ربُّنا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
ثالثًا: تفسير مفردات هذه الآية
لا يكلِّف: التكاليف ما أمرنا الله تعالى به، ونهانا عنه.
وسعها: طاقتها.
стр. 49
لها ما كسبت، أي: من خير.
وعليها ما اكتسبت، أي: من الشرِّ.
نسينا، أي: ما تركناه أو فعلناه من عملٍ من غير قصدٍ.
إصرًا: الآصار الأثقال التي كلف الله بعض الأمم من قبلنا بها.
ولا تحمِّلنا، أي: لا تكلِّفنا بما لا نطيقه.
مولانا: إلهنا وناصرنا ومؤيدنا.
رابعًا: شرح هذه الآية التي عرَّفنا فيها ربُّنا بنفسه
عرَّفنا ربُّنا في هذه الآية أنه ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ أي: لا يكلف نفسًا فوق طاقتها، وهذا من رحمته سبحانه بعباده، ولطفه بهم، وقرَّر - سبحانه - في هذه الآية أنَّ لكلِّ نفس ما كسبته من خير، وعليها ما اكتسبته من شرٍّ، وهذا في الأعمال الظاهرة التي يطيق العباد التحكم بها كالصلاة والصوم والزكاة والحج والجهاد، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾.
وأعلمنا ربنا بما يقوله عباده في دعائهم ربَّهم، فقد أعلمنا أنهم يقولون في دعائهم: ﴿ربُّنا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَانَا ربُّنا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ربُّنا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾.
стр. 50
أي: يقولون: يا رَبَّنا لا تؤاخذنا إن نسينا شيئًا مما فرضته علينا، كالذي ينسى صلاةً، أو ركعةً من الصلاة، أو طوافًا بالبيت أو شوطًا في السعي، أو نحو ذلك، ولا تؤاخذنا إن أخطأنا، كالذي لا يهتدي إلى وجه الصواب فيما كلف به من أعمال، دعا الرسول ﷺ وأصحابه بهذا الدعاء فقال الله: «نعم» أي: لا أؤاخذكم بذلك، ومن دعائهم قولهم: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ أي: «لا تحمل علينا إصرًا يثقلُ علينا كما حملته على الذين من قبلنا، نحو أمر نبي إسرائيل بقتل أنفسهم، أي: لا تمتحنا بما يثقل» [معاني القرآن، للزجاج: ١/ ٣٧١] والإصر: الأثقال التي تثبط عن الخيرات.
وقد أخبرنا رسولنا ﷺ أنَّ ربَّنا استجابَ دعاء رسوله ﷺ ودعاء أصحابه، فلم يحمل علينا الآصار والأغلال التي حملها على الذين من قبلنا، ودعوا ربهم أن لا يحملهم ما لا طاقة لهم به، ودعوه أن يعفو عنهم ويغفر لهم، وقالوا في ختام هذا الدعاء الطيب المبارك: ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ أي: ناصرنا، ومتولي أمورنا، فانصرنا على الكفرة المشركين الذين رفضوا دينك، وأعرضوا عن كتباك، وحاربوا رسولك.
وقد جاءت أحاديث كثيرة تدلُّ على ما تضمنته هاتان الآيتان الكريمتان، من صفة التكاليف التي كلف الله بها عباده:
أ - فعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به» [مسلم: ١٢٧].
стр. 51
ب - وعن أبي هريرة أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله : إذا أراد عبدي أن يعمل سيئةً، فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها من أجلَّي فاكتبوها له حسنة، وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة، فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف» [البخاري: ٧٥٠١، مسلم: ١٢٨].
ج - عن أبي هريرة قال: جاء ناسٌ من أصحاب النبي ﷺ فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: «وقد وجدتموه؟» قالوا: نعم، قال: «ذلك صريح الإيمان» [مسلم: ١٣٢].
د - وعن عبد الله قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوسوسة، قال: «تلك محض الإيمان» [مسلم: ١٣٣].
هـ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يأتي الشيطان أحدكم، فيقول: من خلق كذا، من خلق كذا، حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته» [البخاري: ٣٢٧٦، مسلم: ١٣٤].
وهذه الأحاديث تدلُّ على عدم مؤاخذة الله إيانا بما حدثتنا به أنفسنا ما لم نتكلم أو نعمل، وأنه لا يؤاخذ المؤمنين بما وسوست به الشياطين، وسمَّى دفع هذه الوسوسة: صريح الإيمان ومحض الإيمان.
خامساً: كيف عرَّفنا ربُّنا بنفسه في هذه الآية الكريمة
عرَّفنا ربُّنا في هذه الآية أنه سبحانه:
١ - رحيمٌ بعباده، شفيقٌ بهم، لا يكلفهم فوق ما يطيقون، ولا يحاسبهم إلا على ما عملوه، من خيرٍ أو شرٍّ.
стр. 52
٢ - شرع الله هذا الدين الذي أنزله الله على محمد ﷺ ليس فيه شيء من الآصار والأغلال التي حملها اليهود من قبلنا، فقاعدة الحلال والحرام في ديننا: إحلال الطيبات وتحريم الخبائث.
٣ - لا يكلف عباده بما نسوه أو أخطئوا بفعله.
٤ - عفو من عباده المؤمنين، يغفر لهم ذنوبهم، ويرحمهم.
* * * *
стр. 53
الموضع القرآني [١٢]
الله ﵎ لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء
عرَّفنا ربُّنا ﵎ عن نفسه في آيتين قصيرتين في فاتحة سورة آل عمران، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ * هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعزَّيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٥ - ٦].
وقد تناولت هاتان الآيتان ثلاث قضايا مما عرف الله تعالى به نفسه:
الأولى: أنه لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، والأرض والسماء مخلوقان عظيمان فيهما ما لا يحصيه إلا رب العزَّة سبحانه من المخلوقات، ففي السماء الملائكة وما لا ندريه من مخلوقات الله تعالى، وفيها ما أبدعه الله تعالى من المجرات، وفي كل مجرةٍ ما لا يعلمه ولا يدريه إلا الله تعالى من الشموس والأقمار والنجوم، وكل ذلك لا يغيب عن الله لحظةً، ولا يخفى عليه منه خافية.
стр. 54
وفي الأرض ما لا يعلمه إلا الله تعالى من البحار والأنهار والعيون، وفيها الجبال والتلول والروابي، وفيها المرتفعات والوديان، وفيها الصحاري والأراضي الخصبة، وفيها الإنسان والحيوان والطيور، وفيها الأشجار والمعادن، وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله تعالى، ولا يغيب من ذلك عن رب العزَّة سبحانه شيءٌ.
الثانية: أن الله تعالى هو الذي يصوِّرنا في أرحام أمهاتنا كيف يشاء، فالله خلق كل واحد منا في رحم أمه، ثم صوره - سبحانه - كما يشاء، ولكل واحد من بني الإنسان صورة تختلف عن صورة الآخرين، مع كثرة تعداد البشر، ولذا فإن من أسماء الله التي يمدح بها نفسه اسم المصور.
الثالثة: الله تعالى هو المعبود الذي لا يستحق العبادة غيره سبحانه وتعال، وغيره مخلوق مربوب معبد، وقد ذم الله العباد الذين اتخذوا من دون الله أندادًا، وقد سمَّى ربُّ العزَّة نفسه في هذه الآية باسمين عظيمين هما: العزيز الحكيم، والعزيز الغالب الذي لا يعجزه أحد من خلقه، والحكيم، أي: في شرعه وفعله.
* * *
стр. 55
الموضع القرآني [١٣]
شهد الله أنه لا إله إلا هو
قال ﷻ : ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعزَّيزُ الْحَكِيم﴾ [آل عمران: ١٨].
عرَّفنا ربُّنا ﵎ أنَّه شهد لنفسه بالوحدانية، وأنه هو المعبود الذي لا يستحقُّ العبادة أحدٌ غيره، والشهادة تقوم على العلم، وهو سبحانه هو الأعلم بنفسه، فلا أحد أعلم منه بذاته ولا بأفعاله وصفاته، وقرن الله بشهادته لنفسهه بالوحدانية شهادة ملائكته وشهادة أولي العلم ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعزَّيزُ الْحَكِيم﴾ [آل عمران: ١٨].
والملائكة أعلم الخلق بالله تعالى، فهم أعظم اطلاعًا على آيات الله من البشر، وإيمانهم بالله أعظم من إيمان كثير من الناس، والراسخون في العلم الذين يعلمون آيات الله عندهم من المعرفة والعلم ما استحقوا به أن يقرن الله شهادتهم بشهادته، وتلك منقبةٌ عظيمةٌ وميزةٌ فاضلةٌ.
стр. 56
وقد شهد الله لنفسه بالتوحيد في حال قيامه بالقسط، أي: بالعدل، والقسط وضع الشيء موضعه، وأعظم العدل التوحيد، كما أن أعظم الظلم الشرك، ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨].
وقد أكد التوحيد الذي شهد لنفسه به بقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُو﴾ [آل عمران: ١٨]، وختم الآية باسمين عظيمين هما ﴿الْعزَّيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨]، والعزَّيز القوي الغالب، و ﴿الْحَكِيم﴾ في أقواله وأفعاله سبحانه.
وشهادة الله تعالى لنفسه بالوحدانية دل عليها القرآن الكريم، في آيات كثيرة، وقد صرف الله تعالى القول في هذا الموضع تفصيلًا لا مزيد عليه، وأقام على بيان هذه الحقيقة من الآيات في الأرض والسموات الكثير الكثير، وقد تقدم العلم اليوم، فكشف من العلم الذي تجلَّى في آيات القرآن ما حارت به العقول، وأعجز الألباب، بل أقام الله تعالى في مخلوقاته عجائب لم يزل البشر يرونها ويشاهدونها، وفيها دلائل تدلُّ على شهادة الله لنفسه بالوحدانية، .
стр. 57
الموضع القرآني [١٤]
الله تعالى مالك الملك يؤتي الملك من يشاء
أولًا: تقديم
عرَّفنا ربُّنا نفسه في هاتين الآيتين في صورة دعاءٍ أمر الله رسوله ﷺ أن يدعو به، وهو دعاء لطيف موفق معجب، لا يمل المرء من الدعاء به، وترديد عباراته، والتأمل في معانيه.
وهو يُعرِّفنا بربِّنا سبحانه، فيرينا إيَّاه ويده تعمل في المجتمع الإنساني على مرِّ الدهور والأزمان، يذلُّ أقوامًا، ويقهرهم، ويعلي شأن آخرين ويعزَّهم، وكما يصرف الله أمور عباده على هذا النحو، يصرف أمر هذا الكون الواسع العريض، فيولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، ويخرج الحيَّ من الميت ويخرج الميت من الحيِّ ويرزق من يشاء بغير حساب، إنه الله سبحانه.
стр. 58
ثانيًا: آيات هذا الموضع من القرآن من سورة آل عمران
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعزَّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٢٦ - ٢٧].
ثالثًا: تفسير آيات هذا الموضع من القرآن
اللهم: يا الله.
تنزع، أي: تقبضه وتخلعه.
تُعِزُّ من تشاء: ترفعه وتعلي شأنه.
رابعًا: شرح آيات هذا الموضوع من كتاب الله تعالى
عرَّفنا ربُّنا ﵎ بنفسه في هاتين الآيتين في هذا الموضع، فهو الذي يصرف الملك في عباده، وكما يصرف الملك في عباده فهو الذي يصرف الأمر في كونه ﵎.
قال تعالى معرفًا عباده أنه يصرف الملك فيهم: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعزَّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: أن الملك بيده سبحانه في الدنيا، يصرفه في عباده كيف يشاء، فيؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعزَّ من يشاء، ويذل من يشاء، ومن تصفح كتب التاريخ في القديم والحديث رأى مصداق ما حدَّثنا الله به في
стр. 59
هذه الآية، فالدول كالأفراد، تنشأ وليدةً، ثم ترتقي شيئًا فشئيًا، ثم تصبح في غاية القوة والعنفوان، ثم تتلاشى وتزول، وقد جاء الله بالإسلام، فأزال المسلمون عروش الأكاسرة والقياصرة، وامتدت الدولة الإسلامية، وانهارت عروشٌ كثيرة، وحكم الخلفاء الراشدون، ثم جاء الأمويون والعباسيون، وأخيرًا جاء العثمانيون، وزال العثمانيون، وجرت بعد ذلك خطوب وأهوال، وقدر الله ماضٍ في عباده.
وكما يصرف الله الملك في عباده، فهو وحده مصرف الأمر في كونه، ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٢٧].
ومن تصريف الله كونه بإرادته أنه يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، فهما من جهة متعاقبان، ومن جهة أخرى متقارضان يأخذ الليل من النهار، ثم يأخذ النهار من الليل، وقد يتعادلان.
وهو سبحانه يخرج الحيَّ من الميت، ويخرج الميت من الحي، فهو سبحانه ينزل الماء من السماء، فيحيي الأرض بعد موتها ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [فاطر: ٩] ونحن نشاهد الماء ينزل على الحب والنوى في باطن الأرض، فتتشقَّق الأرض، وينبت الحبُّ، ويورق، ويخضرُّ ويثمر ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام: ٩٥] وهذا النبات الحيُّ يخرج من الحبِّ الميت، وصور
стр. 60
الإحياء والإماتة في الأرض كثيرةٌ، فمن النطفة والبويضة يخلق الإنسان، ومن البيضة الميتة تتكون الطيور، ومن الطيور الحية تكون البيضة.
ومن ألوان التصريف في الخلق أنه سبحانه يرزق من يشاء بغير حساب، فيمدُّ بعض عباده بالمال الكثير، الذي لا يعدُّ، ولا يحصى، وقد يضيِّق على آخرين، كل ذلك وفق مشيئته وحكمته وتقديره.
خامساً: كيف عرَّفنا ربُّنا ﵎ بنفسه
عرَّفنا ربُّنا في هاتين الآيتين بنفسه فذكر:
١ - أنَّه يؤتي الملك من يشاء إيتاءه إيَّاه، ويقبضه وينزعه ممن يشاء نزعه منه، وقد رأينا في أيامنا التي عشناها مثل هذا، رأينا الدول القويَّة تسنَّمت قمة الملك في أيامنا، ورأيناها وقد زالت وضعفت، ورأينا من الأفراد من آتاه الله الملك، ورأينا من الأفراد والأسر من زال عرشه وزال ملكه.
٢ - وكما يصرِّف الله - تعالى - الملك في عباده، فإنه يصرف الأمر في كونه، فإنه هو سبحانه الذي يدخل الليل في النهار، ويدخل النهار في الليل، فهما يتعاقبان ويتقارضان.
٣ - الله تعالى يخرج الحيَّ من الميت، ويخرج الميت من الحيِّ، فمن الحبَّة الصماء تخرج النبتة الخضراء، ومن البيضة الجامدة يخرج العصفور المغرِّد، ويخرج من النبتة الخضراء الحبوب الميتة، ويخرج من الدجاجة الحية البيضة الميتة.
٤ - الله ﵎ يرزق من يشاء رزقه بغير حساب، فينزل على أقوام المطر، فينبت لهم النبات، ويخرج لهم الأشجار، ويرزق أقوامًا المال حتى تفيض به خزائنهم.
* * *
стр. 61
الموضع القرآني [١٥]
نصرُ الله تعالى رسوله ﷺ وأصحابه في غزوة بدر
أولًا: تقديم
عرَّفنا الله ربُّنا في هذه الآيات الكريمات عن فعله في نصرة عباده في غزوة بدر الكبرى، وقد كانوا قليلي العدد، وقليلي الخيول والسلاح، فأنزل عليهم الملائكة من عنده، ونصرهم وأعلى كلمتهم، وكبت الكافرين وأذَّلهم وشردهم.
ثانيًا: أيات هذا الموضع من سورة آل عمران
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَاتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ
стр. 62
اللَّهِ الْعزَّيزِ الْحَكِيمِ * لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ * لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ * وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيم﴾ [آل عمران: ١٢٣ - ١٢٩].
ثالثًا: تفسير مفردات هذا الموضع من الآيات
بدرٌ: هي اليوم مدينة على ساحل البحر الأحمر بين مكة والمدينة، وكانت قديمًا بئرًا يستقى منها الماء.
اتقوا الله، أي: خافوه، واعملوا بطاعته بفعل أمره واجتناب نهيه.
منزلين، أي: منزلين من عند الله تعالى.
مسوِّمين، أي: معلمين، أي: أعلموا أنفسهم وخيولهم بعلامات واضحات.
ليقطع طرفًا: جزءًا أو جانبًا منهم، والقطع القتل أو الأسر.
يكبتهم، أي: يهزمهم، ويغلبهم، ويصرعهم.
رابعًا: شرح الآيات التي عرَّفنا فيها ربُّنا بنفسه
هذه الآيات الكريمات عرَّفنا ربُّنا ﵎ فيها بنصره لرسوله ﷺ ولأصحابه في غزوة بدر، وكيف أمدهم بالملائكة، وقد جعل الله تعالى إمدادهم بالملائكة بشرى للمؤمنين، ولتطمئن قلوبهم به، وإلا فإنه سبحانه قادر على نصر المؤمنين بكلمة واحدة منه، فهو على كل شيءٍ قدير.
стр. 63
وقد أعلمنا ربُّنا أنَّ رسوله ﷺ قال لأصحابه في أول المعركة أن الله سيمدهم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين من عند الله تعالى وعقَّب الله - تعالى - على ذلك بأنهم إن صبروا في ميدان القتال، واتقوا الله ربهم فإنه سيمدهم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين، ولا شك أن الله قد أمدهم بما وعدهم به، فإن الله لا يخلف الميعاد.
وعرَّفنا ربُّنا في آيات هذا الموضع أنَّ له سبحانه ما في السموات وما في الأرض، وأنه يغفر ذنوب من يشاء من عباده، ويعذِّب من يشاء منهم، فالله يملكهم، وهو يتصرف فيهم كما يشاء، بما شاء سبحانه.
خامساً: كيف عرَّفنا ربُّنا بنفسه في هذا الموضع من الآيات
عرَّفنا ربُّنا في هذه الآيات بنفسه، وعرَّفنا أنَّه سبحانه:
١ - نصر رسوله ﷺ وصحابته - رضوان الله عليهم - في غزوة بدر، وكان عددهم قليلًا، وركابهم وسلاحهم قليلًا أيضًا.
٢ - أمد الله تعالى المؤمنين في غزوة بدر بالملائكة، فجبر كسرهم، وكثر جمعهم، وأدالهم على عدوهم، وجعلهم من المنصورين.
٣ - الله ﵎ له ملك السموات والأرض، وهو غفار الذنوب، يغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء.
* * *
стр. 64
الموضع القرآني [١٦]
لله ملك السموات والأرض
أولًا: تقديم
هاتان الآيتان من آخر سورة آل عمران اللتان عرَّفنا فيهما ربُّنا بنفسه، كانتا محلَّ عناية الرسول ﷺ ، فإنه كان إذا قام يتهجدُ من الليل أخذ يمسح وجهه من النوم، وهو يقرأ العشر الآيات الأخيرة من خاتمة آل عمران وهاتان الآيتان فيهما [البخاري: ٤٥٧٠. ومسلم: ٧٦٣].
ثانيًا: الموضع القرآني الذي عرَّفنا فيه ربُّنا بنفسه
في سورة آل عمران
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ربُّنا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٨٩ - ١٩١].
стр. 65
ثالثًا: تفسير المفردات في هذا الموضع من الآيات
اختلاف الليل والنهار: تعاقب الليل والنهار.
الآيات: العلامات الدالاّت على الله.
أولي الألباب: أصحاب العقول.
رابعًا: شرح آيات هذا الموضع
عرَّفنا ربُّنا ﵎ في هذه الآيات بنفسه، وعرَّفنا - سبحانه - بأنَّ له وحده ملك السموات ولأرض لا يشركه في ذلك أحد ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وأعلمنا ربُّنا أنه سبحانه على كل شيء قدير ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾.
وأخبرنا ربُّنا العزيزُ العليمُ أنَّه أبدع السموات والأرض على غير مثال سابق، وأحكم خلقهما، وخلق ما فيهما على نحو بديع لا مثيل له، انظر إلى ما حدَّثنا الله به عن السموات في قوتها وارتفاعها واتساعها، وجعلها سبعًا طباقًا، وزينها بالنجوم النيرات، وانظر إلى ما حدَّثنا به عن الأرض، وسهولها وجبالها، وبحارها وأنهارها، وحيواناتها وأشجارها ونباتها، وانظر كيف يتعاور عليها الليل والنهار، وكيف يأخذ كلُّ واحد منهما من الآخر، فهما يتعاقبان، ويتقارضان، وقال في هذا الموضع: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠].
وما من شيءٍ تقعُ عليه العينُ في هذا الوجود إلا وفيه آيةٌ تشهد لخالقه بالإبداع.
стр. 66
وفي كلِّ شيءٍ لَهُ آيةٌ. . . تدلُّ على أنَّه واحدُ
وقد أخبرنا أنَّ الذي يدركُ هذه الآياتِ الدالةِ على بديعِ صنع الله هم أولو الألباب، أي: أصحابُ العقول الزاكية الوافية، أمَّا الكفرة الفجرة فإنهم يمرون على هذه الآيات، ولا يعتبرون بها، ولا يتعظون ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥].
وأخبرنا ربُّنا - سبحانه - أنَّ أولي الألباب هم ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ويقولون: ﴿ربُّنا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار﴾ [آل عمران: ١٩١].
فأصحاب العقول الزاكية الوافية يدركون آيات الله التي بثَّها في الكون، ويشغلون ألسنتهم بذكر الله من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير في كل أحوالهم، فالإنسان في دنياه إمَّا أن يكون قائمًا أو قاعدًا أو مضطجعًا، وهم يذكرون الله في هذه الأحوال الثلاث، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣].
ومع إدراك أولي الألباب لآيات الكون، وذكرهم لله بألسنتهم، يتفكرون في خلق السموات والأرض فينظرونَ ﴿إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ١٧ - ٢٠]. وانظر إلى ما أمرنا الله سبحانه بالنظر إلى السموات والأرض لنتعرف على آياته في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا
стр. 67
وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ * وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق: ٦ - ١٠].
وهذا التفكيرُ في خلق السموات والأرض الذي هدى الله إليه أُولي الألباب، أوصلهم إلى نتيجةٍ عظيمة، فهذا الخلقُ للسموات والأرض المبدَع المحكم لابدَّ أن يكون لغايةٍ محمودةٍ، ولا يمكن أن يكون الله قد خلقهما عبثًا، ولهوًا ولعبًا، وقد أبان الله في أكثر من آيةٍ أنَّه خلقهما لتكون الأرض معبداً لله وحدَه، فإياه نعبدُ، وله نُصلِّي ونسجدُ، ولذلك فإن أولي الألباب يقولون: سبحانَك، أي: ننزهك، ونقدِّسك عن كلِّ سوء يا ربَّنا، فقنا عذابَ النار، أي: جنبنا عذاب النار، وإنَّما يكون ذلك بعبادةِ الله وطاعته.
خامساً: كيف عرَّفنا ربُّنا بنفسه في هذه الآيات
عرَّفنا ربُّنا ﵎ بنفسه في هذه الآيات، وأعلمنا أنَّه سبحانه:
١ - له ملك السمواتِ والأرض، فليس لأحدٍ من ملكهما شيءٌ، وما يدَّعيه المشركون أنَّه آلهةٌ من دون الله تعالى هو في الحقيقة مخلوقٌ مملوك لله من الأصنام والأوثان والشمس والقمر وغيرها.
٢ - الله - تعالى - على كلِّ شيءٍ قدير، لا يعجزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، قولُه القولُ، وأمره الأمر.
٣ - وأعلمنا ربُّنا ﵎ أنَّ في خلق السموات والأرض آياتٌ لا تعدُّ ولا تحصى وكلها تدل على ربِّ العزَّة.
стр. 68
٤ - وأعلمنا ربُّنا ﵎ أنَّ أصحاب العقول، وهم أولو الألباب هم الذين يهتدون من خلال تفكرهم في السموات والأرض إلى أنَّ هذا الكون حقٌّ، وأن الله لم يخلق هذا الكون باطلًا، بل خلقه ربٌّ العباد لنعبده فيه، ولذلك يتوجهون إلى ربِّهم قائلين: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
* * *
стр. 69
الموضع القرآني [١٧]
اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة
نادى ربُّ العزَّة ﵎ الناس جميعًا في الآية الأولى من سورة النساء آمرًا إياهم أن يتقوا ربَّهم ﵎ وذلك بمخافته، وفعل ما أمرهم به، وترك ما نهاهم عنه ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء: ١].
ثم عرَّف الله - سبحانه - عباده بنفسِهِ، فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١] قال الله ﵎: الربُّ الذي أمرتكم بعبادته، هو الذي خلقكم من نفسٍ واحدةٍ هي آدمُ ﵇، وخلق من آدم زوجه حواء، وبثَّ من آدم وحواء كلَّ البشر الذين خلقهم.
وقد بيَّن لنا رسولنا ﷺ كيف خلقت حواء من آدم، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «استوصوا بالنساء خيرًا، فإنَّ المرأة خُلِقت من
стр. 70
ضِلَع، وإنَّ أعوجَ شيءٍ في الضِّلَعِ أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنِّساء» [البخاري: ٣٣٣١. ومسلم: ١٤٦٨].
وقوله تعالى: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ أعلمنا الله تعالى في هذه الآية أن جميع من خلقهم من الرجال والنساء المبثوثين في هذه الأرض هم من آدم وحواء.
* * *
стр. 71
الموضع القرآني [١٨]
الله تعالى لا يغفر أن يشرك به
عرَّفنا ربُّنا ﵎ أنَّه لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦] وهذا النصُّ ورد في آيتين من سورة واحدةٍ هي سورة النساء.
والشركُ أن يعتقدَ الإنسانُ وجود آلهةٍ أخرى تستحقُّ العبادة مع الله، كالذين يعبدون الشمس والقمر والنجوم، أو يعبدون معه الأصنام والأوثان، أو يعبدون القبور من دون الله، أو الذين عبدوا عيسى أو العزَّيز، كلُّ هؤلاء ضالُّون مشركون، فالعبادة لله وحده، لا يستحقُّها أحدٌ من دون الله، وقد جاءت أحاديث كثيرةٌ تدلُّ على أنَّ مصير من مات على التوحيد الجنَّة، وإن لم يتب من الكبائر التي ارتكبها فمن ذلك:
١ - ما رواه أبو ذرٍّ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من عبد قال: لا إله إلاَّ الله، ثمَّ مات على ذلك إلاَّ دخل الجنة» قال أبو ذرٍّ: وإن زنى وإن سرق؟ قال:
стр. 72
«وإن زنى وإن سرق» قلت: وإن زنى وأن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق». قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذرٍّ» [البخاري: ٥٨٢٧، ومسلم: ٩٤].
٢ - وعن أبي ذرٍّ أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : أتاني جبريل، فقال: «من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنَّة» [البخاري: ٢٣٨٨، مسلم: ٩٤].
٣ - وفي رواية عن أبي ذرٍّ قال: قال رسول الله: ﷺ : «ذلك جبريل ﵇ عرض لي في جانب الحرَّة، قال: بشر أمَّتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنَّة. قلت: يا جبريل، وإن سرق، وإن زنى؟ قال: نعم. قال: قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم، وإن شرب الخمر» [البخاري: ٦٤٤٣، ومسلم: ٩٤].
٤ - وعن جابر بن عبد الله، قال: أتى النبيَّ ﷺ رجلٌ، فقال: يا رسول الله، ما الموجبتان؟ قال: «من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنَّة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النَّار» [مسلم: ٩٣]. وهذه الآيةٌ صريحةٌ في أنَّ الذي لا يقبل الغفران هو الشرك، أما ما دونه من الزنا والسرقة والربا، إن لم يستحلَّها فهي إلى الله تعالى إن شاء عفا عن الذنب، وإن شاء عذب به، ثمَّ أخرجه من النَّار.
وختم الله - تعالى - الآية رقم (٤٨) بقوله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ أي: من أشرك بالله تعالى فقد افترى على الله إثمًا عظيمًا، والافتراء أعظم الكذب، ولا أعظم كذبًا على الله من دعوى من ادَّعى أنَّ الله - سبحانه - شريك.
стр. 73
وقد أخبر الله ﵎ في خاتمةِ هذه الآية - الآية رقم (١١٦) - أنَّ ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦] وإنِّما كان ضلال المشرك بعيدًا، لأنَّ الشِّرك أعظم أنواع الضلال، وأبعده عن الاستقامة والصلاح.
* * *
стр. 74
الموضع القرآني [١٩]
جعل الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس
أولًا: تقديم
كان الله تعالى قد شرع فيما مضى على لسان نبيه إبراهيم وابنه النبيِّ إسماعيل تشريعات بقيت قائمة في الجزيرة العربية إلى بعثة نبينا محمدٍ ﷺ ، وقد أقامت هذه التشريعات كثيرًا من مصالح العباد، وحفظت لهم نسبةً عاليةً من الأمن في الوقت الذي لم يكن للعرب فيه مَلِكٌ يقيم لهم الأمن كما هو الحال عند الأمم الأخرى، وهذا يدل على أنَّ الله - تعالى - عليمٌ بكل شيءٍ، ويشرِّع من التشريع ما يقيم به مصالح العباد، وكلُّ ما شرعه الله لرسولنا ﷺ داخل في هذا الباب.
ثانيًا: آيات هذا الموضع من سورة المائدة
﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ
стр. 75
عَلِيمٌ (٩٧) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨) مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [المائدة: ٩٧ - ٩٩].
ثالثًا: تفسير مفردات هذا الموضع من الآيات
الكعبة: هي البنية التي بناها نبيُّ الله إبراهيم وابنه إسماعيل، والتي يحجُّ الناس إليها في مكَّة، سمِّيت بذلك لأنها مربَّعة، وكلُّ بناءٍ مربعٍ عند العرب فهو كعبةٌ.
البيت الحرام: البيت الحرام الكعبة، سمِّيت بيتًا لأنَّ لها سقفًا وجدرًا.
وجعل الله الكعبة حرمًا، لأنه لا يجوز الاقتتال والعدوان عندها، ويحرم أن يصاد في الحرم، كما يحرم قطع شجره.
قيامًا للناس، أي: جعل الكعبة بما تحفظه من أمنٍ وما تقيمه من أمورهم الدينية مقيمةً لمصالحهم الدنيوية.
الشهر الحرام: المراد به جنس الشهر الحرام، والأشهر التي حرَّم الله تعالى القتال فيها أربعةٌ: رجب الذي بين جمادى وشعبان، وذو الحجة ذو القعدة، وشهر الله المحرم.
والهدي: ما يُهدى إلى الحرم من إبلٍ وبقرٍ وغنمٍ.
والقلائد: الأكاليل التي كانت العرب تحيط به أنفسها أو أنعامها إذا ما أرادت حجَّة أو عمرة.
следующие страницы →