← Акыда

Акыда · id 170

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية

ابن تيمية

Полный текст (2 831 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

الثَّانِي: قَوْلُهُ: «وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَنْ يَرَى رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ» فَبَيَّنَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ فِي الدُّنْيَا بِعَيْنَيْهِ، وَكُلُّ بَشَرٍ فَإِنَّهُ يُرَى فِي الدُّنْيَا بِالْعَيْنِ، فَعُلِمَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَتَّحِدُ بِبَشَرٍ. الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَدَلَائِلُ نَفْيِ الرُّبُوبِيَّةِ عَنْهُ كَثِيرَةٌ. لَكِنْ لَمَّا كَانَ حُلُولُ اللَّاهُوتِ فِي الْبَشَرِ وَاتِّخَاذُهُ بِهِ مَذْهَبًا ضَلَّ بِهِ طَوَائِفُ كَثِيرُونَ مِنْ بَنِي آدَمَ النَّصَارَى وَغَيْرُهُم، وَكَانَ الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ يَأْتِي بِخَوَارِقَ عَظِيمَةٍ، وَالنَّصَارَى احْتَجُّوا عَلَى إِلَهِيَّةِ الْمَسِيحِ بِمِثْلِ ذَلِكَ - ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ عَلَامَاتِ كَذِبِهِ أُمُورًا ظَاهِرَةً لَا يُحْتَاجُ فِيهَا إِلَى بَيَانِ مَوَارِدِ النِّزَاعِ الَّتِي ضَلَّ فِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْآدَمِيِّينَ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ، بَلْ أَكْثَرَهُم، تُدْهِشُهُمُ الْخَوَارِقُ حَتَّى يُصَدِّقُوا صَاحِبَهَا قَبْلَ النَّظَرِ فِي إِمْكَانِ دَعْوَاهُ، وَإِذَا صَدَّقُوهُ صَدَّقُوا النَّصَارَى فِي دَعْوَى إِلَهِيَّةِ الْمَسِيحِ، وَصَدَّقُوا أَيْضًا مَنِ ادَّعَى الْحُلُولَ

стр. 1157

وَالِاتِّحَادَ فِي بَعْضِ الْمَشَايِخِ، أَوْ بَعْضِ أَهْلِ الْبَيْتِ أَوْ غَيْرِهِمْ مَنْ أَهْلِ الْإِفْكِ وَالْفُجُورِ. وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْجَوَابُ عَمَّا يُورِدُهُ بَعْضُ أَهْلِ الْكَلَامِ كَالرَّازِيِّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ حَيْثُ قَالُوا: دَلَائِلُ كَوْنِ الدَّجَّالِ لَيْسَ هُوَ اللَّهَ - ظَاهِرَةٌ، فَكَيْفَ يَحْتَجُّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: «إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ» ؟ وَهَذَا السُّؤَالُ يَدُلُّ عَلَى جَهْلِ قَائِلِهِ بِمَا يَقَعُ فِيهِ بَنُو آدَمَ مِنَ الضَّلَالِ، وَبِالْأَدِلَّةِ الْبَيِّنَةِ الَّتِي تُبَيِّنُ فَسَادَ الْأَقْوَالِ الْبَاطِلَةِ، وَإِلَّا فَإِذَا كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي عَهْدِ مُوسَى ظَنُّوا أَنَّ الْعِجْلَ هُوَ إِلَهُ مُوسَى، فَقَالُوا: هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى، وَظَنُّوا أَنَّ مُوسَى نَسِيَهُ. وَالنَّصَارَى مَعَ كَثْرَتِهِمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْمَسِيحَ هُوَ اللَّهُ. وَفِي الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْقِبْلَةِ خَلْقٌ كَثِيرٌ يَقُولُونَ ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَشَايِخِ وَأَهْلِ الْبَيْتِ، حَتَّى إِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَكَابِرِ شُيُوخِ الْمَعْرِفَةِ وَالتَّصَوُّفِ يَجْعَلُونَ هَذَا نِهَايَةَ التَّحْقِيقِ وَالتَّوْحِيدِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُوَحِّدُ هُوَ الْمُوَحَّدَ، وَيُنْشِدُونَ: مَا وَحَّدَ الْوَاحِدَ مِنْ وَاحِدٍ ... إِذْ كُلُّ مَنْ وَحَّدَهُ جَاحِدُ تَوْحِيدُ مَنْ يُخْبِرُ عَنْ نَعْتِهِ ... عَارِيَةٌ أَبْطَلَهَا الْوَاحِدُ تَوْحِيدُهُ إِيَّاهُ تَوْحِيدُهُ ... وَنَعْتُ مَنْ يَنْعَتُهُ لَاحِدُ فَكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ مَعَ إِظْهَارِ الدَّجَّالِ هَذِهِ الْخَوَارِقَ الْعَظِيمَةَ أَنْ يُعْتَقَدَ فِيهِ أَنَّهُ اللَّهُ، وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا اللَّهُ، وَقَدِ اعْتُقِدَ ذَلِكَ فِيمَنْ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ مِثْلُ خَوَارِقِهِ مِنَ الْكَذَّابِينَ وَفِيمَنْ لَمْ يَقُل: أَنَا اللَّهُ، كَالْمَسِيحِ، وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ.

стр. 1158

الْوَجْهُ التَّاسِعُ: قَوْلُهُم: فَكَلِمَةُ اللَّهِ الَّتِي بِهَا خُلِقَتِ اللَّطَائِفُ تَظْهَرُ فِي غَيْرِ كَثِيفٍ كُلًّا، فَيُقَالُ لَهُم: كَلِمَةُ اللَّهِ الَّتِي يَدَّعُونَ ظُهُورَهَا فِي الْمَسِيحِ، أَهِيَ كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي هُوَ صِفَتُهُ، أَوْ ذَاتُ اللَّهِ الْمُتَكَلِّمَةُ أَوْ مَجْمُوعُهَا؟ فَإِنْ قُلْتُمُ: الظَّاهِرُ فِيهِ نَفْسُ الْكَلَامِ فَهَذَا يُرَادُ بِهِ شَيْئَانِ: إِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ كَلَامَهُ عَلَى الْمَسِيحِ، كَمَا أَنْزَلَهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ، فَهَذَا حَقٌّ اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْإِيمَانِ، وَنَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ. وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ فَارَقَ ذَاتَهُ وَحَلَّ فِي الْمَسِيحِ أَوْ غَيْرِهِ، فَهُوَ بَاطِلٌ مَعَ أَنَّ هَذَا لَا يَنْفَعُ النَّصَارَى، فَإِنَّ الْمَسِيحَ عِنْدَهُمْ إِلَهٌ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَهُوَ عِنْدَهُمُ ابْنُ آدَمَ وَخَالِقُ آدَمَ، وَابْنُ مَرْيَمَ وَخَالِقُ مَرْيَمَ، ابْنُهَا بِنَاسُوتِهِ وَخَالِقُهَا بِلَاهُوتِهِ. وَإِنْ أَرَادُوا بِظُهُورِ الْكَلِمَةِ ظُهُورَ ذَاتِ اللَّهِ أَوْ ظُهُورَ ذَاتِهِ وَكَلَامِهِ فِي الْكَثِيفِ الَّذِي هُوَ الْإِنْسَانُ، فَهَذَا أَيْضًا يُرَادُ بِهِ ظُهُورُ نُورِهِ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ [النور: ٣٥] الْآيَةَ. وَكَمَا ظَهَرَ اللَّهُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ وَأَشْرَقَ مِنْ سَاعِيرَ وَاسْتَعْلَنَ مِن

стр. 1159

جِبَالِ فَارَانَ، وَكَمَا تَجَلَّى لِإِبْرَاهِيمَ، كَمَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْرَاةِ، فَهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِالْمَسِيحِ، بَلْ هُوَ لِغَيْرِهِ كَمَا هُوَ لَهُ. وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّ ذَاتَ الرَّبِّ حَلَّتْ فِي الْمَسِيحِ، أَوْ فِي غَيْرِهِ فَهَذَا مَحَلُّ النِّزَاعِ، فَأَيْنَ دَلِيلُهُمْ عَلَى إِمْكَانِ ذَلِكَ ثُمَّ وُقُوعِهِ؟ مَعَ أَنَّ جَمَاهِيرَ الْعُقَلَاءِ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ وَغَيْرِهِمْ يَقُولُونَ: هَذَا غَيْرُ وَاقِعٍ، بَلْ هُوَ مُمْتَنِعٌ. الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: قَوْلُهُم: فَكَلِمَةُ اللَّهِ الَّتِي بِهَا خُلِقَتِ اللَّطَائِفُ تَظْهَرُ فِي غَيْرِ كَثِيفٍ كُلًّا - كَلَامٌ بَاطِلٌ. فَإِنَّ ظُهُورَ مَا يَظْهَرُ مِنَ الْأُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ إِذَا أَمْكَنَ ظُهُورُهُ فَظُهُورُهُ فِي اللَّطِيفِ أَوْلَى مِنْ ظُهُورِهِ فِي الْكَثِيفِ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَنْزِلُ بِالْوَحْيِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ ﵈، وَتَتَلَقَّى كَلَامَ اللَّهِ مِنَ اللَّهِ، وَتَنْزِلُ بِهِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ ﵈، فَيَكُونُ وُصُولُ كَلَامِ اللَّهِ إِلَى مَلَائِكَةٍ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَى الْبَشَرِ وَهُمُ الْوَسَائِطُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١]

стр. 1160

وَاللَّهُ تَعَالَى أَيَّدَ رُسُلَهُ مِنَ الْبَشَرِ حَتَّى أَطَاقُوا التَّلَقِّيَ عَنِ الْمَلَائِكَةِ، وَكَانَتِ الْمَلَائِكَةُ تَأْتِيهِمْ أَحْيَانًا فِي غَيْرِ الصُّورَةِ الْبَشَرِيَّةِ، وَأَحْيَانًا فِي الصُّورَةِ الْبَشَرِيَّةِ، فَكَانَ ظُهُورُ الْأُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ بِاللَّطَائِفِ وَوُصُولُهَا إِلَيْهِمْ أَوْلَى مِنْهُ بِالْكَثَائِفِ، وَلَوْ جَازَ أَنْ يَتَّحِدَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ بِحَيٍّ مِنَ الْأَحْيَاءِ، وَيَحُلَّ فِيهِ، لَكَانَ حُلُولُهُ فِي مَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَاتِّحَادُهُ بِهِ أَوْلَى مِنْ حُلُولِهِ وَاتِّحَادِهِ بِوَاحِدٍ مِنَ الْبَشَرِ. الْوَجْهُ الْحَادِيَ عَشَرَ: أَنَّ النَّاسُوتَ الْمَسِيحِيَّ عِنْدَهُمُ الَّذِي اتَّحَدَ بِهِ هُوَ الْبَدَنُ وَالرُّوحُ مَعًا، فَإِنَّ الْمَسِيحَ كَانَ لَهُ بَدَنٌ وَرُوحٌ، كَمَا لِسَائِرِ الْبَشَرِ، وَاتَّحَدَ بِهِ عِنْدَهُمُ اللَّاهُوتُ، فَهُوَ عِنْدَهُمُ اسْمٌ يَقَعُ عَلَى بَدَنٍ وَرُوحٍ آدَمِيَّيْنِ وَعَلَى اللَّاهُوتِ، وَحِينَئِذٍ فَاللَّاهُوتُ عَلَى رَأْيِهِمْ إِنَّمَا اتَّحَدَ فِي لَطِيفٍ وَهُوَ الرُّوحُ، وَكَثِيفٍ وَهُوَ الْبَدَنُ، لَمْ يَظْهَرْ فِي كَثِيفٍ فَقَط، وَلَوْلَا اللَّطِيفُ الَّذِي كَانَ مَعَ الْكَثِيفِ، وَهُوَ الرُّوحُ - لَمْ يَكُنْ لِلْكَثِيفِ فَضِيلَةٌ وَلَا شَرَفٌ. الْوَجْهُ الثَّانِيَ عَشَرَ: أَنَّهُمْ يُشَبِّهُونَ اتِّحَادَ اللَّاهُوتِ بِالنَّاسُوتِ بِاتِّحَادِ الرُّوحِ بِالْبَدَنِ، كَمَا شَبَّهُوا هُنَا ظُهُورَهُ فِيهِ بِظُهُورِ الرُّوحِ فِي الْبَدَنِ، وَحِينَئِذٍ فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَا يُصِيبُ الْبَدَنَ مِنَ الْآلَامِ تَتَأَلَّمُ بِهِ الرُّوحُ، وَمَا تَتَأَلَّمُ بِهِ الرُّوحُ يَتَأَلَّمُ بِهِ الْبَدَنُ، فَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يَكُونَ النَّاسُوتُ لَمَّا صُلِبَ وَتَأَلَّمَ وَتَوَجَّعَ الْوَجَعَ الشَّدِيدَ كَانَ اللَّاهُوتُ أَيْضًا مُتَأَلِّمًا مُتَوَجِّعًا، وَقَدْ خَاطَبْتُ بِهَذَا بَعْضَ النَّصَارَى فَقَالَ لِي: الرُّوحُ بَسِيطَةٌ، أَيْ لَا يَلْحَقُهَا أَلَمٌ، فَقُلْتُ لَهُ: فَمَا تَقُولُ فِي أَرْوَاحِ الْكُفَّارِ بَعْدَ الْمَوْتِ، أَمُنَعَّمَةٌ أَوْ مُعَذَّبَةٌ؟ فَقَالَ: هِيَ فِي الْعَذَابِ، فَقُلْتُ: فَعُلِمَ أَنَّ الرُّوحَ الْمُفَارِقَةَ تُنَعَّمُ وَتُعَذَّبُ، فَإِذَا

стр. 1161

شَبَّهْتُمُ اللَّاهُوتَ فِي النَّاسُوتِ بِالرُّوحِ فِي الْبَدَنِ لَزِمَ أَنْ تَتَأَلَّمَ إِذَا تَأَلَّمَ النَّاسُوتُ كَمَا تَتَأَلَّمُ الرُّوحُ إِذَا تَأَلَّمَ الْبَدَنُ، فَاعْتَرَفَ هُوَ وَغَيْرُهُ بِلُزُومِ ذَلِكَ. الْوَجْهُ الثَّالِثَ عَشَرَ: أَنَّ قَوْلَهُم: وَإِذَا كَانَتِ اللَّطَائِفُ لَا تَظْهَرُ إِلَّا فِي الْكَثَائِفِ - فَكَلِمَةُ اللَّهِ لَا تَظْهَرُ إِلَّا فِي كَثِيفٍ كُلًّا. تَرْكِيبٌ فَاسِدٌ لَا دَلَالَةَ فِيهِ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ إِذَا بَيَّنُوا أَنَّ كُلَّ لَطِيفٍ يَظْهَرُ فِي كَثِيفٍ، وَلَا يَظْهَرُ فِي غَيْرِهِ حَتَّى يُقَالَ: فَلِهَذَا ظَهَرَ اللَّهُ فِي كَثِيفٍ وَلَمْ يَظْهَرْ فِي لَطِيفٍ، وَإِلَّا فَإِذَا قِيلَ: إِنَّهُ لَا يَحُلُّ لَا فِي لَطِيفٍ، وَلَا كَثِيفٍ، أَوْ قِيلَ إِنَّهُ يَحُلُّ فِيهِمَا - بَطَلَ قَوْلُهُمْ بِوُجُوبِ حُلُولِهِ فِي الْمَسِيحِ الْكَثِيفِ دُونَ اللَّطِيفِ، وَهُمْ لَمْ يُؤَلِّفُوا الْحُجَّةَ تَأْلِيفًا مُنْتِجًا، وَلَا دَلُّوا عَلَى مُقَدِّمَاتِهَا بِدَلِيلٍ، فَلَا أَتَوْا بِصُورَةِ الدَّلِيلِ، وَلَا مَادَّتِهِ،، بَلْ مَغَالِيطَ لَا تَرُوجُ إِلَّا عَلَى جَاهِلٍ يُقَلِّدُهُم. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حُلُولِ الرُّوحِ فِي الْبَدَنِ أَنْ يَحُلَّ كُلُّ شَيْءٍ فِي الْبَدَنِ، بَلْ هَذِهِ دَعْوَى مُجَرَّدَةٌ، فَأَرْوَاحُ بَنِي آدَمَ تَظْهَرُ فِي أَبْدَانِهِم، وَلَا تَظْهَرُ فِي أَبْدَانِ الْبَهَائِمِ، بَلْ وَلَا فِي الْجِنِّ، وَالْمَلَائِكَةُ تَتَصَوَّرُ فِي صُورَةِ الْآدَمِيِّينَ، وَكَذَلِكَ الْجِنُّ، وَالْإِنْسَانُ لَا يَظْهَرُ فِي غَيْرِ صُورَةِ الْإِنْسَانِ، فَأَيُّ دَلِيلٍ مِنْ كَلَامِهِمْ عَلَى أَنَّ الرَّبَّ يَحُلُّ فِي الْإِنْسَانِ الْكَثِيفِ، وَلَا يَحُلُّ فِي اللَّطِيفِ؟ وَالْقَوْمُ شَرَعُوا يَحْتَجُّونَ عَلَى تَجْسِيمِ كَلِمَةِ اللَّهِ الْخَالِقَةِ فَقَالُوا: وَأَمَّا تَجْسِيمُ كَلِمَةِ اللَّهِ الْخَالِقَةِ بِإِنْسَانٍ مَخْلُوقٍ وَوِلَادَتُهُمَا مَعًا، أَيِ الْكَلِمَةِ مَعَ

стр. 1162

النَّاسُوتِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرُوهُ قَطُّ دَلَالَةٌ لَا قَطْعِيَّةٌ وَلَا ظَنِّيَّةٌ عَلَى تَجْسِيمِ كَلِمَةِ اللَّهِ الْخَالِقَةِ وَوِلَادَتِهَا مَعَ النَّاسُوتِ. الْوَجْهُ الرَّابِعَ عَشَرَ: أَنَّهُمْ قَالُوا: وَأَمَّا تَجْسِيمُ كَلِمَةِ اللَّهِ الْخَالِقَةِ، ثُمَّ قَالُوا: فَكَلِمَةُ اللَّهِ الَّتِي بِهَا خُلِقَتِ اللَّطَائِفُ، فَتَارَةً يَجْعَلُونَهَا خَالِقَةً، وَتَارَةً يَجْعَلُونَهَا مَخْلُوقًا بِهَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْخَالِقَ لَيْسَ هُوَ الْمَخْلُوقَ بِهِ، وَالْمَخْلُوقَ بِهِ لَيْسَ هُوَ الْخَالِقَ، فَإِنْ كَانَتِ الْكَلِمَةُ خَالِقَةً، فَهِيَ خَلَقَتِ الْأَشْيَاءَ، وَلَمْ تُخْلَقِ الْأَشْيَاءُ بِهَا، وَإِنْ كَانَتِ الْأَشْيَاءُ خُلِقَتْ بِهَا، فَلَمْ تَخْلُقِ الْأَشْيَاءَ، بَلْ خُلِقَتِ الْأَشْيَاءُ بِهَا، وَلَوْ قَالُوا: إِنَّ الْأَشْيَاءَ خُلِقَتْ بِهَا بِمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ، لَكَانَ هَذَا حَقًّا، لَكِنَّهُمْ يَجْعَلُونَهَا خَالِقَةً، مَعَ قَوْلِهِمْ بِمَا يُنَاقِضُ ذَلِكَ. الْوَجْهُ الْخَامِسَ عَشَرَ: أَنْ يُقَالَ لَهُم: إِذَا كَانَ اللَّهُ لَمْ يُخَاطِبْ بَشَرًا إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ - فَتَكْلِيمُهُ لِلْبَشَرِ بِالْوَحْيِ وَمِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، كَمَا كَلَّمَ مُوسَى، وَبِإِرْسَالِ مَلَكٍ، كَمَا أَرْسَلَ الْمَلَائِكَةَ - إِمَّا أَنْ يَكُونَ كَافِيًا فِي حُصُولِ مُرَادِ الرَّبِّ مِنَ الرِّسَالَةِ إِلَى عِبَادِهِ، أَوْ لَيْسَ كَافِيًا، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ حُلُولِهِ نَفْسِهِ فِي بَشَرٍ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَافِيًا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ الْمَسِيحُ مِثْلَ غَيْرِهِ فَيُوحِيَ اللَّهُ إِلَيْهِ أَوْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ مَلَكًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِ اللَّهِ مَا يَشَاءُ، أَوْ يُكَلِّمَهُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ كَمَا كَلَّمَ

стр. 1163

مُوسَى، وَحِينَئِذٍ فَلَا حَاجَةَ بِهِ إِلَى اتِّحَادِهِ بِبَشَرٍ مَخْلُوقٍ، وَإِنْ كَانَ التَّكَلُّمُ لَيْسَ كَافِيًا وَجَبَ أَنْ يَتَّحِدَ بِسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، كَمَا اتَّحَدَ بِالْمَسِيحِ فَيَتَّحِدَ بِنُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَدَاوُدَ وَغَيْرِهِم، يُبَيَّنُ هَذَا: الْوَجْهُ السَّادِسَ عَشَرَ: وَهُوَ أَنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَ الْمَسِيحِ أَفْضَلُ مِنْ عَوَامِّ النَّصَارَى الَّذِينَ كَانُوا بَعْدَ الْمَسِيحِ، وَأَفْضَلُ مِنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ كَذَّبُوا الْمَسِيحَ فَإِذَا كَانَ الرَّبُّ قَدْ يُفَضَّلُ بِاتِّحَادِهِ فِي الْمَسِيحِ حَتَّى كَلَّمَ عِبَادَهُ بِنَفْسِهِ، فَيَتَّحِدُ بِالْمَسِيحِ مُحْتَجِبًا بِبَدَنِهِ الْكَثِيفِ، وَكَلَّمَ بِنَفْسِهِ الْيَهُودَ الْمُكَذِّبِينَ لِلْمَسِيحِ وَعَوَامَّ النَّصَارَى، وَسَائِرَ مَنْ كَلَّمَهُ الْمَسِيحُ، فَكَانَ أَنْ يُكَلِّمَ مَنْ هُمْ أَفْضَلُ مِنْ هَؤُلَاءِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ بِنَفْسِهِ أَوْلَى وَأَحْرَى، مِثْلَ أَنْ يَتَّحِدَ بِإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، فَيُكَلِّمَ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَلُوطًا مُحْتَجِبًا بِبَدَنِ الْخَلِيلِ، أَوْ يَتَّحِدَ بِيَعْقُوبَ فَيُكَلِّمَ أَوْلَادَهُ أَوْ غَيْرَهُمْ مُحْتَجِبًا بِبَدَنِ يَعْقُوبَ أَوْ يَتَّحِدَ بِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ فَيُكَلِّمَ هَارُونَ وَيُوشَعَ بْنَ نُونٍ وَغَيْرَهُمَا مُحْتَجِبًا بِبَدَنِ مُوسَى، فَإِذَا كَانَ هُوَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، إِمَّا لِامْتِنَاعِ ذَلِكَ، وَإِمَّا لِأَنَّ عِزَّتَهُ وَحِكْمَتَهُ أَعْلَى مِنْ ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ، عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْمَسِيحِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى. الْوَجْهُ السَّابِعَ عَشَرَ: أَنَّهُ إِذَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَتَّحِدَ بِبَشَرٍ فَاتِّحَادُهُ بِمَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَوْلَى وَأَحْرَى، وَحِينَئِذٍ فَقَدْ كَانَ اتِّحَادُهُ بِجِبْرِيلَ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ أَوْلَى مِنَ اتِّحَادِهِ بِبِشَرٍ يُخَاطِبُ الْيَهُودَ، وَعَوَامَّ النَّصَارَى.

стр. 1164

[فَصْلٌ: تَفْنِيدُ مُرَادِ النَّصَارَى بِظُهُورِ اللَّهِ فِي عِيسَى] قَالُوا: وَلِذَلِكَ ظَهَرَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، إِذِ الْإِنْسَانُ أَجَلُّ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ، وَلِهَذَا خَاطَبَ الْخَلْقَ، وَشَاهَدُوا مِنْهُ مَا شَاهَدُوا. فَيُقَالُ: إِنِ ادَّعَيْتُمْ ظُهُورَهُ فِي عِيسَى كَمَا ظَهَرَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَمُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ، وَكَمَا يَظْهَرُ فِي بُيُوتِهِ الَّتِي أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ، وَذَلِكَ بِظُهُورِ نُورِهِ وَمَعْرِفَتِهِ، وَذِكْرِ أَسْمَائِهِ وَعِبَادَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، مِنْ غَيْرِ حُلُولِ ذَاتِهِ فِي الْبَشَرِ وَلَا اتِّحَادِهِ بِهِ، فَهَذَا أَمْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْمَسِيحِ وَغَيْرِهِ فَلَا اخْتِصَاصَ لِلْمَسِيحِ بِهَذَا، وَهَذَا أَيْضًا قَدْ يُسَمَّى حُلُولًا، وَعِنْدَهُمْ أَنَّ اللَّهَ يَحُلُّ فِي الصَّالِحِينَ، وَهَذَا مَذْكُورٌ عِنْدَهُمْ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ، كَمَا فِي كُتُبِهِمْ فِي الْمَزْمُورِ الرَّابِعِ مِنَ الزَّبُورِ، يَقُولُ دَاوُدُ ﵇ فِي مُنَاجَاتِهِ لِرَبِّهِ: وَلِيَفْرَحَ الْمُتَوَكِّلُونَ عَلَيْكَ إِلَى الْأَبَدِ، وَيَبْتَهِجُونَ، وَتَحُلُّ فِيهِمْ وَيَفْتَخِرُونَ. فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَحُلُّ فِي الصَّالِحِينَ الْمَذْكُورِينَ، فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا لَا اخْتِصَاصَ لِلْمَسِيحِ بِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَذَا - بِاتِّفَاقِهِمْ وَاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ - أَنَّ ذَاتَ اللَّهِ نَفْسِهِ تَتَّحِدُ بِالْبَشَرِ، وَيَصِيرُ اللَّاهُوتُ وَالنَّاسُوتُ كَالنَّارِ وَالْحَدِيدِ، وَالْمَاءِ وَاللَّبَنِ،

стр. 1165

وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُمَثِّلُونَ بِهِ الِاتِّحَادَ،، بَلْ هَذَا يُرَادُ بِهِ حُلُولُ الْإِيمَانِ بِهِ وَمَعْرِفَتُهُ، وَمَحَبَّتُهُ وَذِكْرُهُ وَعِبَادَتُهُ، وَنُورُهُ وَهُدَاهُ. وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْ ذَلِكَ بِحُلُولِ الْمِثَالِ الْعِلْمِيِّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣] . ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٧] . فَهُوَ سُبْحَانَهُ لَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي قُلُوبِ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَأَهْلِ الْأَرْضِ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ «مَا يَرْوِيهِ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ رَبِّهِ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ: أَنَا مَعَ عَبْدِي مَا ذَكَرَنِي، وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ» ، فَأَخْبَرَ أَنَّ شَفَتَيْهِ تَتَحَرَّكُ بِهِ أَيْ بِاسْمِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «عَبْدِي مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، فَيَقُولُ الْعَبْدُ: رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ ، فَيَقُولُ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ» .

стр. 1166

فَقَالَ: لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ وَلَمْ يَقُل: لَوَجَدْتَنِي إِيَّاهُ، وَهُوَ عِنْدَهُ أَيْ فِي قَلْبِهِ، وَالَّذِي فِي قَلْبِهِ الْمِثَالُ الْعِلْمِيُّ. «وَقَالَ تَعَالَى: عَبْدِي جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، فَيَقُولُ: وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا جَاعَ، فَلَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي» ، وَلَمْ يَقُلْ لَوَجَدْتَنِي قَدْ أَكَلْتُهُ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَن «عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا» . وَفِي رِوَايَةٍ: فَبِي يَسْمَعُ، وَبِي يُبْصِرُ، وَبِي يَبْطِشُ، وَبِي يَمْشِي، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ مُسَاءَتَهُ.

стр. 1167

وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ يَحْتَجُّ بِهِ الْقَائِلُونَ بِالْحُلُولِ الْعَامِّ، أَوْ الِاتِّحَادِ الْعَامِّ أَوْ وَحْدَةِ الْوُجُودِ، وَقَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَقُولُ بِالْخَاصِّ مِنْ ذَلِكَ، كَأَشْبَاهِ النَّصَارَى. وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ، فَإِنَّهُ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، فَأَثْبَتَ ثَلَاثَةً: وَلِيًّا لَهُ، وَعَدُوًّا يُعَادِي وَلِيَّهُ، وَمَيَّزَ بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ وَلِيِّهِ، وَعَدُوِّ وَلَيِّهِ، فَقَالَ: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ» ، وَلَكِنْ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ وَلِيَّهُ الَّذِي وَالَاهُ فَصَارَ يُحِبُّ مَا يُحِبُّ وَيُبْغِضُ مَا يُبْغِضُ، وَيُوَالِي مَنْ يُوَالِي وَيُعَادِي مَنْ يُعَادِي، فَيَكُونُ الرَّبُّ مُؤْذِنًا بِالْحَرْبِ لِمَنْ عَادَاهُ، بِأَنَّهُ مُعَادٍ لِلَّهِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ» ، فَفَرَّقَ بَيْنَ الْعَبْدِ الْمُتَقَرِّبِ، وَالرَّبِّ الْمُتَقَرَّبِ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ يُحِبُّهُ بَعْدَ تَقَرُّبِهِ بِالنَّوَافِلِ وَالْفَرَائِضِ. ثُمَّ قَالَ: فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَعِنْدَ أَهْلِ الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ الْعَامِّ أَوِ الْوَحْدَةِ: هُوَ صَدْرُهُ وَبَطْنُهُ وَظَهْرُهُ وَرَأْسُهُ وَشَعْرُهُ، وَهُوَ كُلُّ شَيْءٍ، أَوْ فِي كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ التَّقَرُّبِ وَبَعْدَهُ، وَعِنْدَ الْخَاصِّ وَأَهْلِ الْحُلُولِ صَارَ هُوَ، وَهُوَ كَالنَّارِ وَالْحَدِيدِ وَالْمَاءِ وَاللَّبَنِ، لَا يَخْتَصُّ بِذَلِكَ آلَةَ الْإِدْرَاكِ وَالْفِعْلِ.

стр. 1168

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: «فَبِي يَسْمَعُ، وَبِي يُبْصِرُ، وَبِي يَبْطِشُ، وَبِي يَمْشِي» ، وَعَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ - الرَّبُّ هُوَ الَّذِي يَسْمَعُ وَيُبْصِرُ وَيَبْطِشُ وَيَمْشِي، وَالرَّسُولُ إِنَّمَا قَالَ: فَبِي، ثُمَّ قَالَ: «وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» ، فَجَعَلَ الْعَبْدَ سَائِلًا مُسْتَعِيذًا، وَالرَّبَّ مَسْئُولًا مُسْتَعَاذًا بِهِ، وَهَذَا يُنَاقِضُ الِاتِّحَادَ، وَقَوْلُهُ: فَبِي يَسْمَعُ مِثْلُ قَوْلِهِ: مَا تَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ، يُرِيدُ بِهِ الْمِثَالَ الْعِلْمِيَّ. وَقَوْلُ اللَّهِ: فَيَكُونُ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ أَيْ مَعْرِفَتُهُ وَمَحَبَّتُهُ وَهُدَاهُ وَمُوَالَاتُهُ، وَهُوَ الْمَثَلُ الْعِلْمِيُّ، فَبِذَاكَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ يَسْمَعُ وَيُبْصِرُ وَيَبْطِشُ وَيَمْشِي. وَالْمَخْلُوقُ إِذَا أَحَبَّ الْمَخْلُوقَ أَوْ عَظَّمَهُ أَوْ أَطَاعَهُ يُعَبِّرُ عَنْهُ بِمِثْلِ هَذَا، فَيَقُولُ: أَنْتَ فِي قَلْبِي وَفِي فُؤَادِي، وَمَا زِلْتَ بَيْنَ عَيْنَيَّ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْقَائِلِ: مِثَالُكَ فِي عَيْنِي وَذِكْرُكَ فِي فَمِي ... وَمَثْوَاكَ فِي قَلْبِي فَأَيْنَ تَغِيبُ وَقَوْلُ الْآخَرِ: وَمِنْ عَجَبِي أَنِّي أَحِنُّ إِلَيْهِمُ ... وَأَسْأَلُ عَنْهُمْ مَنْ لَقِيتُ وَهُمْ مَعِي وَتَطْلُبُهُمْ عَيْنِي وَهُمْ فِي سَوَادِهَا ... وَيَشْتَاقُهُمْ قَلْبِي وَهُمْ بَيْنَ أَضْلُعِي

стр. 1169

وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ مَعَ عِلْمِ الْعُقَلَاءِ أَنَّ نَفْسَ الْمَحْبُوبِ الْمُعَظَّمِ هُوَ فِي نَفْسِهِ لَيْسَتْ ذَاتَهُ فِي عَيْنِ مُحِبِّهِ وَلَا فِي قَلْبِهِ، وَلَكِنْ قَدْ يَشْتَبِهُ هَذَا بِهَذَا حَتَّى يَظُنَّ الْغَالِطُونَ أَنَّ نَفْسَ الْمَحْبُوبِ الْمَعْبُودِ فِي ذَاتِ الْمُحِبِّ الْعَابِدِ. وَلِذَلِكَ غَلِطَ بَعْضُ الْفَلَاسِفَةِ حَتَّى ظَنُّوا أَنَّ ذَاتَ الْمَعْلُومِ الْمَعْقُولِ يَتَّحِدُ بِالْعَالِمِ الْعَاقِلِ، فَجَعَلُوا الْمَعْقُولَ وَالْعَقْلَ وَالْعَاقِلَ شَيْئًا وَاحِدًا، وَلَمْ يُمَيِّزُوا بَيْنَ حُلُولِ مِثَالِ الْمَعْلُومِ، وَبَيْنَ حُلُولِ ذَاتِهِ، وَهَذَا يَكُونُ لِضَعْفِ الْعَقْلِ وَقُوَّةِ سُلْطَانِ الْمَحَبَّةِ وَالْمَعْرِفَةِ، فَيَغِيبُ الْإِنْسَانُ بِمَعْبُودِهِ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَبِمَحْبُوبِهِ عَنْ مَحَبَّتِهِ، وَبِمَشْهُودِهِ عَنْ شَهَادَتِهِ، وَبِمَعْرُوفِهِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، فَيَفْنَى مَنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ شُهُودِ الْعَبْدِ، لَا أَنَّهُ نَفْسَهُ يَعْدَمُ وَيَفْنَى فِي مَنْ لَمْ يَزَلْ فِي شُهُودِهِ، وَمِنْ هَذَا الْمَقَامِ إِذَا غَلِطَ قَدْ يَقُولُ مِثْلَ مَا يُحْكَى عَن أَبِي يَزِيدَ الْبَسْطَامِيِّ: سُبْحَانِي، أَوْ مَا فِي الْجُبَّةِ

стр. 1170

إِلَّا اللَّهُ، وَفِي هَذَا تُذْكَرُ حِكَايَةٌ، وَهُوَ أَنَّ شَخْصًا كَانَ يُحِبُّ آخَرَ فَأَلْقَى الْمَحْبُوبُ نَفْسَهُ فِي مَاءٍ، فَأَلْقَى الْمُحِبُّ نَفْسَهُ خَلْفَهُ، فَقَالَ: أَنَا وَقَعْتُ فَلِمَ وَقَعْتَ أَنْتَ؟ فَقَالَ: غِبْتُ بِكَ عَنِّي، فَظَنَنْتُ أَنَّكَ أَنِّي، فَهَذَا الْعَبْدُ الْمُحِبُّ لَمَّا اسْتَوْلَى عَلَى قَلْبِهِ سُلْطَانُ الْمَحَبَّةِ صَارَ قَلْبُهُ مُسْتَغْرِقًا فِي مَحْبُوبِهِ، لَا يَشْهَدُ قَلْبُهُ غَيْرَ مَا فِي قَلْبِهِ وَغَابَ عَنْ شُهُودِ نَفْسِهِ وَأَفْعَالِهِ، فَظَنَّ أَنَّهُ هُوَ نَفْسُ الْمَحْبُوبِ، وَهَذَا أَهْوَنُ مِنْ أَنْ يُظَنَّ أَنَّ ذَاتَ الْمَحْبُوبِ نَفْسُهُ. فَهَذَا الظَّنُّ لِاتِّحَادِ الذَّاتِ أَوْ لِحُلُولِهَا ظَنٌّ غَالِطٌ وَقَعَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَالَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ الْمَسِيحَ أَوْ غَيْرَهُ مِنَ الْبَشَرِ هُوَ اللَّهُ، أَوْ إِنَّ اللَّهَ حَالٌّ فِيهِ قَدْ يَكُونُ غَلَطُهُمْ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، لَمَّا سَمِعُوا كَلَامًا يَقْتَضِي أَنَّ اللَّهَ فِي ذَاتِ الشَّخْصِ، وَجَعَلُوا فِعْلَ هَذَا فِعْلَ هَذَا، ظَنُّوا ذَاكَ اتِّحَادَ الذَّاتِ وَحُلُولَهَا. وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ فِيهِ، وَاتِّحَادَ الْمَأْمُورِ بِهِ وَالْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَالْمُوَالِي وَالْمُعَادِي، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] . وَقَوْلِهِ: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] . وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَنَّ الرَّسُولَ هُوَ اللَّهُ، وَلَا لِأَنَّ نَفْسَهُ حَالٌّ فِي

стр. 1171

الرَّسُولِ،، بَلْ لِأَنَّ الرَّسُولَ يَأْمُرُ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَيَنْهَى عَمَّا يَنْهَى اللَّهُ عَنْهُ، وَيُحِبُّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ، وَيُبْغِضُ مَا يُبْغِضُهُ اللَّهُ، وَيُوَالِي أَوْلِيَاءَ اللَّهِ، وَيُعَادِي أَعْدَاءَ اللَّهِ. فَمَنْ بَايَعَهُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَإِنَّمَا بَايَعَ اللَّهَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَمَنْ أَطَاعَهُ فَإِنَّمَا أَطَاعَ اللَّهَ. وَكَذَلِكَ الْمَسِيحُ وَسَائِرُ الرُّسُلِ؛ إِنَّمَا يَأْمُرُونَ بِمَا يَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ، وَيَنْهَوْنَ عَمَّا يَنْهَى اللَّهُ عَنْهُ وَيُوَالُونَ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ، وَيُعَادُونَ أَعْدَاءَ اللَّهِ، فَمَنْ أَطَاعَهُمْ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ صَدَّقَهُمْ فَقَبِلَ مِنْهُمْ مَا أَخْبَرُوا بِهِ، فَقَدْ قَبِلَ عَنِ اللَّهِ، وَمَنْ وَالَاهُمْ فَقَدْ وَالَى اللَّهَ، وَمَنْ عَادَاهُمْ وَحَارَبَهُمْ فَقَدْ عَادَى اللَّهَ وَحَارَبَ اللَّهَ، وَمَنْ تَصَوَّرَ هَذِهِ الْأُمُورَ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ لَفْظَ الْحُلُولِ قَدْ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ مَعْنًى صَحِيحٍ، وَقَدْ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ مَعْنًى فَاسِدٍ. وَكَذَلِكَ حُلُولُ كَلَامِهِ فِي الْقُلُوبِ، وَلِذَلِكَ كَرِهَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ

стр. 1172

الْكَلَامَ فِي لَفْظِ حُلُولِ الْقُرْآنِ فِي الْقُلُوبِ، كَمَا قَدْ ذُكِرَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَمِمَّا يُوَضِّحُ هَذَا أَنَّ الشَّيْءَ لَهُ وُجُودٌ فِي نَفْسِهِ هُوَ، وَلَهُ وُجُودٌ فِي الْمَعْلُومِ وَالْأَذْهَانِ، وَوُجُودٌ فِي اللَّفْظِ وَاللِّسَانِ، وَوُجُودٌ فِي الْخَطِّ وَالْبَيَانِ، وَوُجُودٌ عَيْنِيٌّ شَخْصِيٌّ، وَعِلْمِيٌّ وَلَفْظِيٌّ، وَرَسْمِيٌّ، وَذَلِكَ كَالشَّمْسِ مَثَلًا فَلَهَا تَحَقُّقٌ فِي نَفْسِهَا، وَهِيَ الشَّمْسُ الَّتِي فِي السَّمَاءِ، ثُمَّ يُتَصَوَّرُ بِالْقَلْبِ الشَّمْسُ، ثُمَّ يَنْطِقُ اللِّسَانُ بِلَفْظِ الشَّمْسِ، وَيُكْتَبُ بِالْقَلَمِ الشَّمْسُ. وَالْمَقْصُودُ بِالْكِتَابَةِ مُطَابَقَةُ اللَّفْظِ، وَبِاللَّفْظِ مُطَابَقَةُ الْعِلْمِ، وَبِالْعِلْمِ مُطَابَقَةُ الْمَعْلُومِ، فَإِذَا رَأَى الْإِنْسَانُ فِي كِتَابٍ خَطَّ الشَّمْسِ، أَوْ سَمِعَ قَائِلًا يَذْكُرُ قَالَ: هَذِهِ الشَّمْسُ قَدْ جَعَلَهَا اللَّهُ سِرَاجًا وَهَّاجًا، وَهَذِهِ الشَّمْسُ تَطْلُعُ مِنَ الْمَشْرِقِ وَتَغْرُبُ فِي الْمَغْرِبِ، فَهُوَ يُشِيرُ إِلَى مَا سَمِعَهُ مِنَ اللَّفْظِ وَرَآهُ مِنَ الْخَطِّ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ نَفْسَ اللَّفْظِ وَالْخَطِّ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ الشَّمْسَ الَّتِي تَطْلُعُ وَتَغْرُبُ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ مَا يُقْصَدُ بِالْخَطِّ وَاللَّفْظِ وَيُرَادُ بِهِمَا، وَهُوَ الْمَدْلُولُ الْمُطَابِقُ لَهُمَا، وَكَذَلِكَ قَدْ يُرَى اسْمُ اللَّهِ مَكْتُوبًا فِي كِتَابٍ، وَمَعَهُ اسْمُ صَنَمٍ، فَيَقُولُ: آمَنْتُ بِهَذَا، وَكَفَرْتُ بِهَذَا، وَمُرَادُهُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ كَافِرٌ بِالصَّنَمِ، فَيُشِيرُ إِلَى اسْمِهِ الْمَكْتُوبِ وَمُرَادِهِ الْمُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ، وَكَذَلِكَ إِذَا سَمِعَ مَنْ يَذْكُرُ أَسْمَاءَ اللَّهِ الْحُسْنَى قَالَ: هَذَا رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَمُرَادُهُ: الْمُسَمَّى بِتِلْكَ الْأَسْمَاءِ، وَمِنْ هَذَا «قَوْلُ أَنَسِ بْنِ

стр. 1173

مَالِكٍ: كَانَ نَقْشُ خَاتَمِ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثَةَ أَسْطُرٍ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، مُحَمَّدٌ سَطْرٌ، وَرَسُولٌ سَطْرٌ، وَاللَّهُ سَطْرٌ» . وَمُرَادُهُ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ الْخَطُّ لِهَذَا وَهَذَا وَهَذَا، لَا اللَّفْظُ وَلَا الْمُسَمَّى. وَمِمَّا يُشْبِهُ هَذَا مَا يُرَى فِي الْمِرْآةِ أَوِ الْمَاءِ، مِثْلُ أَنْ يُرَى الشَّمْسُ أَوْ غَيْرُهَا فِي مَاءٍ أَوْ مِرْآةٍ، فَيُشَارُ إِلَى الْمَرْئِيِّ فَيُقَالُ: هَذَا الشَّمْسُ، وَهَذَا وَجْهِي أَوْ وَجْهُ فُلَانٍ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّ نَفْسَ الشَّمْسِ أَوْ وَجْهَهُ أَوْ وَجْهَ فُلَانٍ حَلَّ فِي الْمَاءِ أَوِ الْمِرْآةِ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ بِتِلْكَ الرُّؤْيَةِ هُوَ الشَّمْسَ وَهُوَ الْوَجْهَ - ذَكَرَهُ، ثُمَّ قَدْ يُقَالُ: رَآهُ رُؤْيَةً مُقَيَّدَةً فِي الْمَاءِ، أَوِ الْمِرْآةِ، وَقَدْ يُقَالُ: رَآهُ بِوَاسِطَةِ الْمَاءِ وَالْمِرْآةِ، وَقَدْ يُقَالُ: رَأَى مِثَالَهُ وَخَيَالَهُ الْمُحَاكِيَ لَهُ، وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ بِالرُّؤْيَةِ هُوَ نَفْسُهُ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا فِي الْقُلُوبِ مِنَ الْمِثَالِ الْعِلْمِيِّ الْمُطَابِقِ لِلْمَعْلُومِ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنَ اللَّفْظِ، وَاللَّفْظُ أَقْرَبُ مِنَ الْخَطِّ، فَإِذَا كَانَ قَدْ يُشَارُ إِلَى اللَّفْظِ وَالْخَطِّ، وَالْمُرَادُ هُوَ نَفْسُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْخَطُّ وَاللَّفْظُ هُوَ ذَاتَهُ، بَلْ بِهِ ظَهَرَ وَعُرِفَ، فَلَأَنْ يُشَارَ إِلَى مَا فِي الْقَلْبِ، وَيُرَادَ بِهِ الْمَعْرُوفُ الَّذِي ظَهَرَ لِلْقَلْبِ وَتَجَلَّى لِلْقَلْبِ، وَصَارَ نُورُهُ فِي الْقَلْبِ - بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.

стр. 1174

وَالْعُقَلَاءُ إِنَّمَا تَتَوَجَّهُ قُلُوبُهُمْ إِلَى الْمَقْصُودِ الْمُرَادِ دُونَ الْوَسَائِلِ، وَيُعَبِّرُونَ بِعِبَارَاتٍ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لِظُهُورِ مُرَادِهِمْ بِهَا، كَمَا يَقُولُونَ لِمَنْ يَعْرِفُ عِلْمَ غَيْرِهِ، أَوْ لِمَنْ يَأْمُرُ بِأَمْرِهِ، وَيُخْبِرُ بِخَبَرِهِ، هَذَا فُلَانٌ، فَإِذَا كَانَ مَطْلُوبُهُمْ عِلْمَ عَالِمٍ أَوْ طَاعَةَ أَمِيرٍ، فَجَاءَ نَائِبُهُ الْقَائِمُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ، قَالُوا: هَذَا فُلَانٌ، أَيِ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ هُوَ مَعَ هَذَا، فَالِاتِّحَادُ الْمَقْصُودُ بِهِمَا يُعَبِّرُونَ عَنْ أَحَدِهِمَا بِلَفْظِ الْآخَرِ. كَمَا يُقَالُ: عِكْرِمَةُ هُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو يُوسُفَ هُوَ

стр. 1175

أَبُو حَنِيفَةَ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا يُذْكَرُ عَنِ الْمَسِيحِ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: أَنَا وَأَبِي وَاحِدٌ، مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى أَبِي. «وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِيمَا حَكَاهُ عَنْ رَسُولِهِ: عَبْدِي مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، عَبْدِي جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمْنِي» ، وَيُشْبِهُهُ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] . فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الْكَلَامِ، فَإِنَّهُ تَنْحَلُّ بِهِ إِشْكَالَاتٌ كَثِيرَةٌ، فَإِنَّ هَذَا مَوْجُودٌ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَكَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ، فِي عَامَّةِ الطَّوَائِفِ مَعَ ظُهُورِ الْمَعْنَى وَمَعْرِفَةِ الْمُتَكَلِّمِ وَالْمُخَاطَبِ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ ذَاتَ أَحَدِهُمَا اتَّحَدَتْ بِذَاتِ الْآخَرِ. ، بَلْ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ يُطْلَقُ لَفْظُ الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ، وَيُرَادُ بِهِ مَعْنًى صَحِيحٌ، كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ بَيْنَهُمَا اتِّحَادٌ، إِذَا كَانَا مُتَّفِقَيْنِ فِيمَا يُحِبَّانِ وَيُبْغِضَانِ، وَيُوَالِيَانِ وَيُعَادِيَانِ، فَلَمَّا اتَّحَدَ مُرَادُهُمَا وَمَقْصُودُهُمَا صَارَ يُقَالُ هُمَا مُتَّحِدَانِ، وَبَيْنَهُمَا اتِّحَادٌ، وَلَا يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ ذَاتَ هَذَا اتَّحَدَتْ بِذَاتِ الْآخَرِ، كَاتِّحَادِ النَّارِ وَالْحَدِيدِ، وَالْمَاءِ وَاللَّبَنِ، أَوِ النَّفْسِ وَالْبَدَنِ، وَكَذَلِكَ لَفْظُ الْحُلُولِ، وَالسُّكْنَى، وَالتَّخَلُّلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، كَمَا قِيلَ:

стр. 1176

قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي ... وَبِذَا سُمِّيَ الْخَلِيلُ خَلِيلًا وَالْمُتَخَلِّلُ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنْهُ هُوَ مَحَبَّتُهُ لَهُ وَشُعُورُهُ بِهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، لَا نَفْسُ ذَاتِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْآخَرِ: سَاكِنٌ فِي الْقَلْبِ يَعْمُرُهُ ... لَسْتُ أَنْسَاهُ فَأَذْكُرُهُ وَالسَّاكِنُ فِي الْقَلْبِ هُوَ مِثَالُهُ الْعِلْمِيُّ وَمَحَبَّتُهُ وَمَعْرِفَتُهُ، فَتَسْكُنُ فِي الْقَلْبِ مَعْرِفَتُهُ وَمَحَبَّتُهُ لَا عَيْنُ ذَاتِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْآخَرِ: إِذَا سَكَنَ الْغَدِيرُ عَلَى صَفَاءٍ ... وَجُنِّبَ أَنْ يُحَرِّكَهُ النَّسِيمُ بَدَتْ فِيهِ السَّمَاءُ بِلَا امْتِرَاءٍ ... كَذَاكَ الشَّمْسُ تَبْدُو وَالنُّجُومُ كَذَاكَ قُلُوبُ أَرْبَابِ التَّجَلِّي ... يُرَى فِي صَفْوِهَا اللَّهُ الْعَظِيمُ وَقَدْ يُقَالُ: فُلَانٌ مَا فِي قَلْبِهِ إِلَّا اللَّهُ، وَمَا عِنْدَهُ إِلَّا اللَّهُ، يُرَادُ بِذَلِكَ: إِلَّا ذِكْرُهُ وَمَعْرِفَتُهُ وَمَحَبَّتُهُ وَخَشْيَتُهُ وَطَاعَتُهُ، وَمَا يُشْبِهُ ذَلِكَ، أَيْ لَيْسَ فِي قَلْبِهِ مَا فِي قَلْبِ غَيْرِهِ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، بَلْ مَا فِي قَلْبِهِ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، وَيُقَالُ: فُلَانٌ مَا عِنْدَهُ إِلَّا فُلَانٌ، إِذَا كَانَ يَلْهَجُ بِذِكْرِهِ، وَيُفَضِّلُهُ عَلَى غَيْرِهِ. وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ، مَعَ عِلْمِ الْمُتَكَلِّمِ وَالْمُسْتَمِعِ أَنَّ ذَاتَ فُلَانٍ لَمْ تَحُلَّ فِي هَذَا، فَضْلًا عَنْ أَنْ تَتَّحِدَ بِهِ، وَهُوَ كَمَا يُقَالُ عَنِ الْمِرْآةِ إِذَا

стр. 1177

لَمْ تُقَابِلْ إِلَّا الشَّمْسَ: مَا فِيهَا إِلَّا الشَّمْسُ، أَيْ لَمْ يَظْهَرْ فِيهَا غَيْرُ الشَّمْسِ. وَأَيْضًا فَلَفْظُ الْحُلُولِ يُرَادُ بِهِ حُلُولُ ذَاتِ الشَّيْءِ تَارَةً، وَحُلُولُ مَعْرِفَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَمِثَالِهِ الْعِلْمِيِّ تَارَةً كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَعِنْدَهُمْ فِي النُّبُوَّاتِ أَنَّ اللَّهَ حَلَّ فِي غَيْرِ الْمَسِيحِ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ ذَاتَ الرَّبِّ حَلَّتْ فِيهِ، بَلْ يُقَالُ فُلَانٌ سَاكِنٌ فِي قَلْبِي وَحَالٌّ فِي قَلْبِي وَهُوَ فِي سِرِّي، وَسُوَيْدَاءِ قَلْبِي، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا حَلَّ فِيهِ مِثَالُهُ الْعِلْمِيُّ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَكَانَ إِذَا خَلَا مِمَّنْ يَعْرِفُ اللَّهَ وَيَعْبُدُهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ ذِكْرُ اللَّهِ وَلَا حَلَّتْ فِيهِ عِبَادَتُهُ وَمَعْرِفَتُهُ، فَإِذَا صَارَ فِي الْمَكَانِ مَنْ يَعْرِفُ اللَّهَ وَيَعْبُدُهُ وَيَذْكُرُهُ ظَهَرَ فِيهِ ذِكْرُهُ وَالْإِيمَانُ بِهِ وَحَلَّ فِيهِ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَعِبَادَتُهُ وَذِكْرُهُ، وَهُوَ بَيْتُ اللَّهِ فَيُقَالُ: إِنَّ اللَّهَ فِيهِ، وَهُوَ حَالٌّ فِيهِ. كَمَا يُقَالُ: إِنَّ اللَّهَ فِي قُلُوبِ الْعَارِفِينَ، وَحَالٌّ فِيهِم، وَالْمُرَادُ بِهِ حُلُولُ مَعْرِفَتِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ وَمَحَبَّتِهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَوَاهِدُ ذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ الرَّبُّ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، أَيْ نُورُهُ وَمَعْرِفَتُهُ، وَعُبِّرَ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ حَالٌّ فِيهِمْ وَهُمْ حَالُّونَ فِي الْمَسْجِدِ - قِيلَ: إِنَّ اللَّهَ فِي الْمَسْجِدِ، وَحَالٌّ فِيهِ، بِهَذَا الْمَعْنَى، كَمَا يُقَالُ: اللَّهُ فِي قَلْبِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، مَا عِنْدَهُ إِلَّا اللَّهُ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ» . وَمِمَّا يَزِيدُ ذَلِكَ إِيضَاحًا مَا يَرَاهُ النَّائِمُ مِنْ بَعْضِ الْأَشْخَاصِ فِي

стр. 1178

مَنَامِهِ، فَيُخَاطِبُهُ وَيَأْمُرُهُ وَيَنْهَاهُ وَيُخْبِرُهُ بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ، وَهُوَ يَقُولُ: رَأَيْتُ فُلَانًا فِي مَنَامِي فَقَالَ لِي: كَذَا، وَقُلْتُ لَهُ: كَذَا، وَفَعَلَ كَذَا، وَفَعَلْتُ كَذَا، وَيَذْكُرُ أَنْوَاعًا مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ. وَقَدْ يَكُونُ فِيهَا عُلُومٌ وَحِكَمٌ وَآدَابٌ يُنْتَفَعُ بِهَا غَايَةَ الْمَنْفَعَةِ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ الشَّخْصُ الَّذِي رَأَى فِي الْمَنَامِ حَيًّا، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِأَنَّ ذَاكَ رَآهُ فِي مَنَامِهِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ شَاعِرًا بِأَنَّهُ قَالَ أَوْ فَعَلَ، وَقَدْ يَقُصُّ الرَّائِي عَلَيْهِ رُؤْيَاهُ، وَيَقُولُ لَهُ الرَّائِي: يَا سَيِّدِي رَأَيْتُكَ فِي الْمَنَامِ فَقُلْتَ لِي: كَذَا، وَأَمَرْتَنِي بِكَذَا، وَنَهَيْتَنِي عَنْ كَذَا، وَالْمَرْئِيُّ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ، وَلَا يَشْعُرُ بِهِ، لِأَنَّ الْمَرْئِيَّ الَّذِي حَلَّ فِي قَلْبِ الرَّائِي هُوَ الْمِثَالُ الْعِلْمِيُّ الْمُطَابِقُ لِلْعَيْنِيِّ، كَمَا يَرَى الرَّائِي فِي الْمِرْآةِ أَوِ الْمَاءِ الشَّخْصَ الْمَوْجُودَ فِي الْخَارِجِ، فَهُوَ الْمَقْصُودُ، وَبَعْضُ الْمَرْئِيِّينَ فِي الْمَنَامِ قَدْ يَدْرِي بِأَنَّهُ رُئِيَ فِي الْمَنَامِ وَيُكَاشِفُ بِذَلِكَ الرَّائِيَ كَمَا قَدْ يُكَاشِفُهُ بِأُمُورٍ أُخْرَى، لَا لِأَنَّهُ نَفْسَهُ حَلَّ فِيهِ. وَالرُّؤْيَا إِذَا كَانَتْ صَادِقَةً كَانَ ذَلِكَ الْقَوْلُ وَالْعَمَلُ مُنَاسِبًا لِحَالِ الْمَرْئِيِّ، مِمَّا هُوَ عَادَتُهُ يَقُولُهُ وَيَفْعَلُهُ بِنَفْسِهِ، فَمَثَّلَ لِلرَّائِي مِثَالَهُ قَائِلًا لَهُ وَفَاعِلًا؛ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ نَفْسَهُ يَقُولُهُ وَيَفْعَلُهُ فَيَنْتَفِعُ بِذَلِكَ الرَّائِي، كَمَا يُحْكَى لِلْإِنْسَانِ قَوْلُ غَيْرِهِ وَعَمَلُهُ لِيَعْرِفَ بِذَلِكَ نَفْسَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ الْمَحْكِيِّ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَشْيَاءِ لَا يَعْرِفُهُ النَّاسُ أَوْ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا بِالْمَثَلِ الْمَضْرُوبِ لَهُ، إِمَّا فِي الْيَقَظَةِ وَإِمَّا فِي الْمَنَامِ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ عَيْنَ هَذَا لَيْسَ عَيْنَ هَذَا،

стр. 1179

وَمَنْ تَوَهَّمَ أَنَّهُ إِذَا رَأَى شَخْصًا فِي مَنَامِهِ بِأَنَّ ذَاتَهُ نَفْسَهَا حَلَّتْ فِيهِ دَلَّ عَلَى جَهْلِهِ؛ فَإِنَّ الْمَرْئِيَّ كَثِيرًا مَا يَكُونُ حَيًّا وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِمَنْ رَآهُ، ذَلِكَ لَا رُوحُهُ تَشْعُرُ وَلَا جِسْمُهُ، فَلَا يَتَوَهَّمُ أَنَّ ذَاتَ رُوحِهِ تَمَثَّلَتْ فِي صُورَتِهِ الْجِسْمِيَّةِ لِلنَّائِمِ، بَلِ الْمُمَثَّلُ فِي نَفْسِ الرَّائِي مِثْالٌ مُطَابِقٌ لَهُ وَجِسْمُهُ وَرُوحُهُ حَيْثُ هُمَا. ثُمَّ الرُّؤْيَا قَدْ تَكُونُ مِنَ اللَّهِ، فَتَكُونُ حَقًّا، وَقَدْ تَكُونُ مِنَ الشَّيْطَانِ، كَمَا ثَبَتَ تَقْسِيمُهَا إِلَى هَذَيْنِ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَالشَّيْطَانُ كَمَا قَدْ يَتَمَثَّلُ فِي الْمَنَامِ بِصُورَةِ شَخْصٍ فَقَدْ يَتَمَثَّلُ أَيْضًا فِي الْيَقَظَةِ بِصُورَةِ شَخْصٍ يَرَاهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، يُضِلُّ بِذَلِكَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ، كَمَا يَجْرِي لِكَثِيرٍ مِنْ مُشْرِكِي الْهِنْدِ وَغَيْرِهِمْ إِذَا مَاتَ مَيِّتُهُمْ يَرَوْنَهُ قَدْ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَضَى دُيُونًا، وَرَدَّ وَدَائِعَ وَأَخْبَرَهُمْ بِأُمُورٍ عَنْ مَوْتَاهُم، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ تَصَوَّرَ فِي صُورَتِهِ، وَقَدْ يَأْتِيهِمْ فِي صُورَةِ مَنْ يُعَظِّمُونَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَيَقُولُ: أَنَا فُلَانٌ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ. وَقَدْ يَقُومُ شَيْخٌ مِنَ الشُّيُوخِ، وَيُخْلِفُ مَوْضِعَهُ شَخْصًا فِي صُورَتِهِ يُسَمُّونَهُ رُوحَانِيَّةَ الشَّيْخِ وَرَفِيقَهُ، وَهُوَ جِنِّيُّ تَصَوَّرَ فِي صُورَتِهِ، وَهَذَا

стр. 1180

يَقَعُ لِكَثِيرٍ مِنَ الرُّهْبَانِ وَغَيْرِ الرُّهْبَانِ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَقَدْ يَرَى أَحَدُهُمْ فِي الْيَقَظَةِ مَنْ يَقُولُ لَهُ: أَنَا الْخَلِيلُ، أَوْ أَنَا مُوسَى، أَوْ أَنَا الْمَسِيحُ، أَو مُحَمَّدٌ، أَوْ أَنَا فُلَانٌ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ، أَوِ الْحَوَارِيِّينَ، وَيَرَاهُ طَائِرًا فِي الْهَوَاءِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الشَّيَاطِينِ، وَلَا تَكُونُ تِلْكَ الصُّورَةُ مِثْلَ صُورَةِ ذَلِكَ الشَّخْصِ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي حَقًّا فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي» ، فَرُؤْيَتُهُ فِي الْمَنَامِ حَقٌّ، وَأَمَّا فِي الْيَقَظَةِ فَلَا يُرَى بِالْعَيْنِ هُوَ، وَلَا أَحَدٌ مِنَ الْمَوْتَى، مَعَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ قَدْ يَرَى فِي الْيَقَظَةِ مَنْ يَظُنُّهُ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، إِمَّا عِنْدَ قَبْرِهِ وَإِمَّا عِنْدَ غَيْرِ قَبْرِهِ. وَقَدْ يَرَى الْقَبْرَ انْشَقَّ، وَخَرَجَ مِنْهُ صُورَةُ إِنْسَانٍ، فَيَظُنُّ أَنَّ الْمَيِّتَ نَفْسَهُ خَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ، أَوْ أَنَّ رُوحَهُ تَجَسَّدَتْ وَخَرَجَتْ مِنَ الْقَبْرِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ جِنِّيٌّ تَصَوَّرَ فِي صُورَتِهِ لِيُضِلَّ ذَلِكَ الرَّائِيَ، فَإِنَّ الرُّوحَ لَيْسَتْ مِمَّا

стр. 1181

تَكُونُ تَحْتَ التُّرَابِ وَيَنْشَقُّ عَنْهَا التُّرَابُ، فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَتَّصِلُ بِالْبَدَنِ، فَلَا يُحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إِلَى شَقِّ التُّرَابِ، وَالْبَدَنُ لَمْ يَنْشَقَّ عَنْهُ التُّرَابُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ تَخْيِيلٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَقَدْ جَرَى مِثْلُ هَذَا لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ. وَيَظُنُّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّ هَذَا مِنْ كَرَامَاتِ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، وَيَكُونُ مِنْ إِضْلَالِ الشَّيَاطِينِ، كَمَا قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ فِي هَذَا الْبَابِ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ، مِثْلِ الْفُرْقَانِ بَيْنَ أَوْلِيَاءِ الرَّحْمَنِ، وَأَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

стр. 1182

[فَصْلٌ: الرَّدُّ عَلَى قَوْلِهِم ظَهَرَ فِي عِيسَى حُلُولُ ذَاتِهِ وَاتِّحَادُهُ بِالْمَسِيحِ أَوْ غَيْرِهِ] وَإِذَا أَرَدْتُمْ بِقَوْلِكُم: ظَهَرَ فِي عِيسَى حُلُولُ ذَاتِهِ وَاتِّحَادُهُ بِالْمَسِيحِ أَوْ غَيْرِهِ - فَهَذِهِ دَعْوَى مُجَرَّدَةٌ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ مُتَقَدِّمٍ وَلَا مُتَأَخِّرٍ، وَكَوْنُ الْإِنْسَانِ أَجَلَّ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ - لَوْ كَانَ مُنَاسِبًا لِحُلُولِهِ فِيهِ - أَمْرٌ لَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمَسِيحُ، بَلْ قَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ غَيْرَ عِيسَى ﵇ أَفْضَلُ مِنْهُ مِثْلَ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ، وَهَذَانِ اتَّخَذَهُمَا اللَّهُ خَلِيلَيْنِ، وَلَيْسَ فَوْقَ الْخُلَّةِ مَرْتَبَةٌ، فَلَوْ كَانَ يَحُلُّ فِي أَجَلِّ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ مِنَ الْإِنْسَانِ لِكَوْنِهِ أَجَلَّ مَخْلُوقَاتِهِ لَحَلَّ فِي أَجْلِ هَذَا النَّوْعِ، وَهُوَ الْخَلِيلُ، وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ قَطُّ حُجَّةٌ عَلَى أَنَّ الْجَسَدَ الْمَأْخُوذَ مِن مَرْيَمَ إِذَا لَمْ يَتَّحِدْ بِاللَّاهُوتِ عَلَى أَصْلِهِم - أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنَ الْخَلِيلِ وَمُوسَى. وَإِذَا قَالُوا: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَطِيئَةً، فَيَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا لَمْ يَعْمَلْ خَطِيئَةً، وَمَنْ عَمِلَ خَطِيئَةً وَتَابَ مِنْهَا فَقَدْ يَصِيرُ بِالتَّوْبَةِ أَفْضَلَ مِمَّا كَانَ قَبْلَ الْخَطِيئَةِ، وَأَفْضَلَ مِمَّنْ لَمْ يَعْمَلْ تِلْكَ الْخَطِيئَةَ، وَالْخَلِيلُ وَمُوسَى أَفْضَلُ مِن يَحْيَى الَّذِي يُسَمُّونَهُ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِيَّ. وَأَمَّا قَوْلُهُم: وَلِهَذَا خَاطَبَ الْخَلْقَ، فَالَّذِي خَاطَبَ الْخَلْقَ هُوَ

стр. 1183

عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَإِنَّمَا سَمِعَ النَّاسُ صَوْتَهُ لَمْ يَسْمَعُوا غَيْرَ صَوْتِهِ، وَالْجِنِّيُّ إِذَا حَلَّ فِي الْإِنْسَانِ وَتَكَلَّمَ عَلَى لِسَانِهِ يَظْهَرُ لِلسَّامِعِينَ أَنَّ هَذَا الصَّوْتَ لَيْسَ هُوَ صَوْتَ الْآدَمِيِّ، وَيَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ يَعْلَمُ الْحَاضِرُونَ أَنَّهُ لَيْسَ كَلَامَ الْآدَمِيِّ. وَالْمَسِيحُ ﵇ لَمْ يَكُنْ يُسْمَعُ مِنْهُ إِلَّا مَا يُسْمَعُ مِنْ مِثْلِهِ مِنَ الرُّسُلِ، وَلَوْ كَانَ الْمُتَكَلِّمُ عَلَى لِسَانِ النَّاسُوتِ هُوَ جِنِّيًّا أَوْ مَلَكًا لَظَهَرَ ذَلِكَ، وَعُرِفَ أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ الْبَشَرَ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ الْمُتَكَلِّمُ هُوَ رَبَّ الْعَالَمِينَ؟ فَإِنَّ هَذَا لَوْ كَانَ حَقًّا لَظَهَرَ ظُهُورًا أَعْظَمَ مِنْ ظُهُورِ كَلَامِ الْمَلَكِ وَالْجِنِّيِّ عَلَى لِسَانِ الْبَشَرِ بِكَثِيرٍ كَثِيرٍ. وَأَمَّا مَا شَاهَدُوهُ مِنْ مُعْجِزَاتِ الْمَسِيحِ ﵊، فَقَدْ شَاهَدُوا مِنْ غَيْرِهِ مَا هُوَ مِثْلُهَا وَأَعْظَمُ مِنْهَا، وَقَدْ أَحْيَا غَيْرُهُ الْمَيِّتَ وَأَخْبَرَهُ بِالْغُيُوبِ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَمُعْجِزَاتُ مُوسَى أَعْظَمُ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ أَوْ أَكْثَرُ، وَظُهُورُ الْمُعْجِزَاتِ عَلَى يَدَيْهِ يَدُلُّ عَلَى نُبُوَّتِهِ وَرِسَالَتِهِ، كَمَا دَلَّتِ الْمُعْجِزَاتُ عَلَى نُبُوَّةِ غَيْرِهِ، وَرِسَالَتِهِم، لَا تَدُلُّ عَلَى الْإِلَهِيَّةِ. وَالدَّجَّالُ لَمَّا ادَّعَى الْإِلَهِيَّةَ لَمْ يَكُنْ مَا يَظْهَرُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْخَوَارِقِ دَلِيلًا عَلَيْهَا، لِأَنَّ دَعْوَى الْإِلَهِيَّةِ مُمْتَنِعَةٌ، فَلَا يَكُونُ فِي ظُهُورِ الْعَجَائِبِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْأَمْرِ الْمُمْتَنِعِ.

стр. 1184

[فَصْلٌ: مَا تَنَبَّأَتْ بِهِ الْكُتُبُ السَّابِقَةُ بِشَأْنِ الْمَسِيحِ] قَالُوا: وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَلَى أَفْوَاهِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، الَّذِينَ تَنَبَّوْا عَلَى وِلَادَتِهِ مِنَ الْعَذْرَاءِ الطَّاهِرَةِ مَرْيَمَ، وَعَلَى جَمِيعِ أَفْعَالِهِ الَّتِي فَعَلَهَا فِي الْأَرْضِ، وَصُعُودِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَهَذِهِ النُّبُوَّاتُ جَمِيعُهَا عِنْدَ الْيَهُودِ مُقِرِّينَ وَمُعْتَرِفِينَ بِهَا وَيَقْرَؤُنَهَا فِي كَنَائِسِهِم، وَلَمْ يُنْكِرُوا مِنْهَا كَلِمَةً وَاحِدَةً. فَيُقَالُ: هَذَا كُلُّهُ مِمَّا لَا يُنَازِعُ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ، فَإِنَّهُ لَا رَيْبَ أَنَّهُ وُلِدَ مِن مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ الَّتِي لَمْ يَمَسَّهَا بَشَرٌ قَطُّ، وَأَنَّ اللَّهَ أَظْهَرَ عَلَى يَدَيْهِ الْآيَاتِ، وَأَنَّهُ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِذَلِكَ فِي كِتَابِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَإِذَا كَانَ هَذَا مِمَّا أَخْبَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ فِي النُّبُوَّاتِ الَّتِي عِنْدَ الْيَهُودِ لَمْ يُنْكِرُوا ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْيَهُودُ يَتَأَوَّلُونَ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ الْمَسِيحِ، كَمَا فِي النُّبُوَّاتِ مِنَ الْبِشَارَةِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، فَهُوَ حَقٌّ، وَإِنْ كَانَ الْكَافِرُونَ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يَتَأَوَّلُونَ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ.

стр. 1185

[فَصْلٌ: مُنَاقَشَتُهُمْ فِيمَا نَقَلُوهُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ حَوْلَ مَجِيءِ الْمَسِيحِ ﵇ وَبَيَانُ وَجْهِ الدَّلَالَةِ فِيهَا] [ قَوْلُ عِزْرَا يَأْتِي الْمَسِيحُ وَيُخَلِّصُ الشُّعُوبَ وَالْأُمَمَ] قَالُوا: وَسَبِيلُنَا أَنْ نَذْكُرَ مِنْ بَعْضِ قَوْلِ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ تَنَبَّوْا عَلَى السَّيِّدِ الْمَسِيحِ، وَنُزُولِهِ إِلَى الْأَرْضِ، قَالَ عِزْرَا الْكَاهِنُ حَيْثُ سَبَاهُم بُخْتَنَصَّرُ الْفَرِيدِيُّ إِلَى أَرْضِ بَابِلَ إِلَى أَرْبَعِمِائَةٍ وَاثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ سَنَةً: يَأْتِي الْمَسِيحُ وَيُخَلِّصُ الشُّعُوبَ وَالْأُمَمَ، وَفِي كَمَالِ هَذِهِ الْمُدَّةِ أَتَى السَّيِّدُ الْمَسِيحُ. وَقَالَ أَرْمِيَا النَّبِيُّ عَنْ وِلَادَتِهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ:

стр. 1186

يَقُومُ لِدَاوُدَ ابْنٌ هُوَ ضَوْءُ النُّورِ يَمْلِكُ الْمُلْكَ وَيُعَلِّمُ وَيُفَهِّمُ وَيُقِيمُ الْحَقَّ وَالْعَدْلَ فِي الْأَرْضِ وَيُخَلِّصُ مَنْ آمَنَ بِهِ مِنَ الْيَهُودِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرِهِم، وَيَبْقَى بَيْتُ الْمَقْدِسِ بِغَيْرِ مُقَاتِلٍ وَيُسَمَّى الْإِلَهَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ابْنٌ لِدَاوُدَ لِأَنَّ مَرْيَمَ كَانَتْ مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ وَلِأَجْلِ ذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ: يَقُومُ لِدَاوُدَ ابْنٌ. فَيُقَالُ: أَمَّا قَوْلُ عِزْرَا الْكَاهِنِ فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا إِخْبَارُهُ بِأَنَّهُ يَأْتِي الْمَسِيحُ وَيُخَلِّصُ الشُّعُوبَ وَالْأُمَمَ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُنَازِعُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ، فَإِنَّهُمْ يُقِرُّونَ بِمَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ مِنْ إِتْيَانِ الْمَسِيحِ ﵇، وَتَخْلِيصِ اللَّهِ بِهِ كُلَّ مَنْ آمَنَ بِهِ مِنَ الشُّعُوبِ وَالْأُمَمِ إِلَى أَنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ . فَكُلُّ مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا بِالْمَسِيحِ، مُتَّبِعًا لِمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَبْدِيلٍ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَّصَهُ بِالْمَسِيحِ مِنْ شَرِّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، كَمَا خَلَّصَ اللَّهُ تَعَالَى بِمُوسَى مَنِ اتَّبَعَهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ.

стр. 1187

وَمَنْ حَرَّفَ وَبَدَّلَ فَلَمْ يَتَّبِعِ الْمَسِيحَ، وَمَنْ كَذَّبَ مُحَمَّدًا ﷺ فَهُوَ كَمَنْ كَذَّبَ الْمَسِيحَ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُقِرًّا بِمُوسَى ﵇. وَلَكِنَّ هَذَا النَّصَّ وَأَمْثَالَهُ حُجَّةٌ عَلَى الْيَهُودِ الَّذِينَ يَتَأَوَّلُونَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ هُوَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، وَإِنَّمَا هُوَ مَسِيحٌ يُنْتَظَرُ، وَإِنَّمَا يَنْتَظِرُونَ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ مَسِيحَ الضَّلَالَةِ، فَإِنَّ الْيَهُودَ يَتَّبِعُونَهُ وَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ مَعَهُ ( «حَتَّى يَقُولَ الشَّجَرُ وَالْحَجَرُ: يَا مُسْلِمُ هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي تَعَالَ فَاقْتُلْهُ» ) وَهَكَذَا يُقَالُ فِي النُّبُوَّةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي ذَكَرُوهَا عَن أَرْمِيَا النَّبِيِّ ﵇.

стр. 1188

[فَصْلٌ: قَوْلُ أَرْمِيَا النَّبِيِّ عَنْ وِلَادَتِهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ] قَالُوا: وَقَالَ أَرْمِيَا النَّبِيُّ عَنْ وِلَادَتِهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ: يَقُومُ لِدَاوُدَ ابْنٌ، وَهُوَ ضَوْءُ النُّورِ يَمْلِكُ الْمُلْكَ، وَيُعَلِّمُ وَيُفَهِّمُ وَيُقِيمُ الْحَقَّ وَالْعَدْلَ فِي الْأَرْضِ، وَيُخَلِّصُ مَنْ آمَنَ بِهِ مِنَ الْيَهُودِ، مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرِهِمْ وَيَبْقَى بَيْتُ الْمَقْدِسِ بِغَيْرِ مُقَاتِلٍ، وَيُسَمَّى الْإِلَهَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: ابْنٌ لِدَاوُدَ لِأَنَّ مَرْيَمَ كَانَتْ مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ قَالَ: (وَيَقُومُ لِدَاوُدَ ابْنٌ) . وَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: قَدْ قَالَ فِيهِ: وَيُخَلِّصُ مَنْ آمَنَ بِهِ مِنَ الْيَهُودِ، وَمِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَهُوَ كَمَا فَسَّرْنَا بِهِ التَّخْلِيصَ الَّذِي نَقَلَهُ عَن عِزْرَا الْكَاهِنِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَاسْمُهُ الْإِلَهُ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَإِنَّمَا لَفْظُ الْإِلَهِ اسْمٌ سُمِّيَ بِهِ كَمَا سُمِّيَ مُوسَى إِلَهًا

стр. 1189

لِفِرْعَوْنَ عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ، إِذْ لَوْ كَانَ هُوَ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ لَكَانَ أَجَلَّ مِنْ أَنْ يُقَالَ وَيُسَمَّى الْإِلَهَ، فَإِنَّ اللَّهَ ﵎ لَا يُعْرَفُ بِمِثْلِ هَذَا، وَيُقَالُ فِيهِ: إِنَّ اللَّهَ يُسَمَّى الْإِلَهَ، وَلَقَالَ: يَأْتِي اللَّهُ بِنَفْسِهِ فَيَظْهَرُ. وَقَالَ: يَمْلِكُ الْمُلْكَ، وَرَبُّ الْعَالَمِينَ مَا زَالَ وَلَا يَزَالُ مَالِكًا لِلْمُلْكِ سُبْحَانَهُ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ: يَقُومُ لِدَاوُدَ ابْنٌ هُوَ ضَوْءُ النُّورِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الِابْنَ الَّذِي مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ الَّذِي اسْمُ أُمِّهِ مَرْيَمُ هُوَ النَّاسُوتُ فَقَط، فَإِنَّ اللَّاهُوتَ لَيْسَ هُوَ مِنْ نَسْلِ الْبَشَرِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا النَّاسُوتَ الَّذِي هُوَ ابْنُ دَاوُدَ، يُسَمَّى الْإِلَهَ، فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا اسْمٌ لِلنَّاسُوتِ الْمَخْلُوقِ لَا لِلْإِلَهِ الْخَالِقِ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ: وَهُوَ ضَوْءُ النُّورِ لَمْ يَجْعَلْهُ النُّورَ نَفْسَهُ،، بَلْ جَعَلَهُ ضَوْءَ النُّورِ، وَاللَّهُ تَعَالَى مُنَوِّرُ كُلِّ نُورٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ هُوَ ضَوْءَ النُّورِ، وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ سَمَّى مُحَمَّدًا ﷺ سِرَاجًا مُنِيرًا، وَلَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ خَالِقًا، فَكَيْفَ إِذَا سُمِّيَ ضَوْءَ النُّورِ؟ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَمْ يَجْعَلِ الْقَائِمَ إِلَّا ابْنَ دَاوُدَ، وَابْنُ دَاوُدَ مَخْلُوقٌ،

стр. 1190

وَأَضَافَ الْفِعْلَ إِلَى هَذَا الْمَخْلُوقِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا هُوَ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ قَدِ اتَّحَدَ بِالنَّاسُوتِ الْبَشَرِيِّ لَبَيَّنَ أَرْمِيَا، وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ذَلِكَ بَيَانًا قَاطِعًا لِلْعُذْرِ، وَلَمْ يَكْتَفُوا بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي هِيَ إِمَّا صَرِيحَةٌ أَوْ ظَاهِرَةٌ فِي نَقِيضِ ذَلِكَ، أَوْ مُجْمَلَةٌ لَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ إِخْبَارَهُمْ بِإِتْيَانِ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَمْرٌ مُعْتَادٌ مُمْكِنٌ، وَمَعَ هَذَا يَذْكُرُونَ فِيهِ مِنَ الْبِشَارَاتِ وَالدَّلَائِلِ الْوَاضِحَةِ مَا يُزِيلُ الشُّبْهَةَ. وَأَمَّا الْإِخْبَارُ بِمَجِيءِ الرَّبِّ نَفْسِهِ وَحُلُولِهِ أَوِ اتِّحَادِهِ بِنَاسُوتٍ بَشَرِيٍّ فَهُوَ: إِمَّا مُمْتَنِعٌ غَيْرُ مُمْكِنٍ كَمَا يَقُولُهُ أَكْثَرُ الْعُقَلَاءِ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَيَقُولُونَ: يُعْلَمُ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ أَنَّ هَذَا مُمْتَنِعٌ. وَإِمَّا مُمْكِنٌ كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ، وَحِينَئِذٍ فَإِمْكَانُهُ خَفِيَ عَلَى أَكْثَرِ الْعُقَلَاءِ وَهُوَ أَمْرٌ غَيْرُ مُعْتَادٍ، وَإِتْيَانُ الرَّبِّ بِنَفْسِهِ أَعْظَمُ مِنْ إِتْيَانِ كُلِّ رَسُولٍ وَنَبِيٍّ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ إِتْيَانُهُ بِاتِّحَادِهِ بِبَشَرٍ لَمْ يَظْهَرْ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْآيَاتِ مَا يَخْتَصُّ بِالْإِلَهِيَّةِ، بَلْ لَمْ يَظْهَرْ عَلَى يَدَيْهِ إِلَّا مَا ظَهَرَ عَلَى يَدِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَا هُوَ مِثْلُهُ أَوْ أَعْظَمُ مِنْهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى لَمَّا كَانَ يُكَلِّمُ مُوسَى وَلَمْ يَكُن مُوسَى يَرَاهُ، وَلَا يَتَّحِدُ لَا بِمُوسَى وَلَا بِغَيْرِهِ، وَمَعَ هَذَا فَقَدْ أَظْهَرَ مِنَ الْآيَاتِ عَلَى ذَلِكَ، وَعَلَى نُبُوَّةِ مُوسَى مَا لَمْ يَظْهَرْ مِثْلُهُ وَلَا قَرِيبٌ مِنْهُ عَلَى يَدِ الْمَسِيحِ. فَلَوْ كَانَ هُوَ بِذَاتِهِ مُتَّحِدًا بِنَاسُوتٍ بَشَرِيٍّ لَكَانَ الْأَنْبِيَاءُ يُخْبِرُونَ بِذَلِكَ إِخْبَارًا صَرِيحًا بَيِّنًا لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَاتِ، وَلَكَانَ الرَّبُّ يُظْهِرُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ مَا لَمْ يُظْهِرْ عَلَى يَدِ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ، فَكَيْفَ وَالْأَنْبِيَاءُ

стр. 1191

لَمْ يَنْطِقُوا فِي ذَلِكَ بِلَفْظٍ صَرِيحٍ، بَلِ النُّصُوصُ الصَّرِيحَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ مَخْلُوقٌ وَلَمْ تَأْتِ آيَةٌ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، بَلْ إِنَّمَا تَدُلُّ الْآيَاتُ عَلَى نُبُوَّةِ الْمَسِيحِ.

стр. 1192

[فَصْلٌ: قَوْلُ أَشْعِيَا النَّبِيِّ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي وَيُخَلِّصُ الشُّعُوبَ] قَالُوا: وَقَالَ أَشْعِيَا النَّبِيُّ: قُلْ لِصِهْيُونَ هُنَا تَفْرَحُ وَتَتَهَلَّلُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي وَيُخَلِّصُ الشُّعُوبَ، وَيُخَلِّصُ مَنْ آمَنَ بِهِ وَبِشَعْبِهِ وَيُخَلِّصُ مَدِينَةَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَيُظْهِرُ اللَّهُ ذِرَاعَهُ الطَّاهِرَ فِيهَا لِجَمِيعِ الْأُمَمِ الْمُبَدَّدِينَ وَيَجْعَلُهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً، وَيُبَصِّرُونَ جَمِيعَ أَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ خَلَاصِ اللَّهِ، لِأَنَّهُ يَمْشِي مَعَهُمْ وَبَيْنَ يَدَيْهِم، وَيَجْمَعُهُمْ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ. فَيُقَالُ: هَذَا مُحْتَاجٌ أَوَّلًا أَنْ يُعْلَمَ مِنْ هَذِهِ النُّبُوَّةِ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ نُقِلَ بِلَا تَحْرِيفٍ لِلَفْظِهِ، وَلَا غَلَطٍ فِي التَّرْجَمَةِ، وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ،

стр. 1193

وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ هُوَ نَظِيرُ مَا فِي التَّوْرَاةِ مِنْ قَوْلِهِ: (جَاءَ اللَّهُ مِن طُورِ سَيْنَا، وَأَشْرَفَ مِنْ سَاعِيرَ، وَاسْتَعْلَنَ مِن جِبَالِ فَارَانَ) . وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ حَالٌّ فِي مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَمُتَّحِدٌ بِهِ، وَلَا أَنَّهُ حَالٌّ فِي جَبَلِ فَارَانَ، وَلَا أَنَّهُ مُتَّحِدٌ بِشَيْءٍ مِنْ طُورِ سَيْنَا، وَلَا سَاعِيرَ. وَكَذَلِكَ هَذَا اللَّفْظُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَالٌّ فِي الْمَسِيحِ وَمُتَّحِدٌ بِهِ، إِذْ كِلَاهُمَا سَوَاءٌ، وَإِذَا قِيلَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ قُرْبُهُ وَدُنُوُّهُ كَتَكْلِيمِ مُوسَى، وَظُهُورِ نُورِهِ وَهُدَاهُ وَكِتَابِهِ وَدِينِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي وَقَعَت، قِيلَ: وَهَكَذَا فِي الْمَسِيحِ ﵇. وَقَوْلُهُ: وَيُظْهِرُ اللَّهُ ذِرَاعَهُ الطَّاهِرَ لِجَمِيعِ الْأُمَمِ الْمُبَدَّدِينَ، قَدْ قَالَ فِي التَّوْرَاةِ مِثْلَ هَذَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَلَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى اتِّحَادِهِ بِمُوسَى ﵇. وَأَمَّا قَوْلُهُ عَنِ الْأُمَمِ الْمُبَدَّدِينَ: فَيَجْعَلُهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً، فَهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا الْمَسِيحَ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا مُتَفَرِّقِينَ مُبَدَّدِينَ فَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَيُبَصِّرُونَ جَمِيعَ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلَاصَ اللَّهِ، لِأَنَّهُ يَمْشِي مَعَهُمْ وَبَيْنَ يَدَيْهِم، وَيَجْمَعُهُمْ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ، فَمِثْلُ هَذَا فِي التَّوْرَاةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَلَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى اتِّحَادِهِ بِمُوسَى وَلَا حُلُولِهِ فِيهِ، كَقَوْلِهِ فِي السِّفْرِ الْخَامِسِ مِنَ التَّوْرَاةِ: يَقُولُ مُوسَى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: لَا تَهَابُوهُم

стр. 1194

وَلَا تَخَافُوهُم، لِأَنَّ اللَّهَ رَبَّكُمُ السَّائِرَ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ هُوَ يُحَارِبُ عَنْكُم. وَفِي مَوْضِعٍ قَالَ مُوسَى: إِنَّ الشَّعْبَ هُوَ شَعْبُكَ، فَقَالَ: أَنَا أَمْضِي أَمَامَكَ فَارْتَحِل، فَقَالَ: إِنْ لَمْ تَمْضِ أَنْتَ أَمَامَنَا وَإِلَّا فَلَا تُصْعِدْنَا مِنْ هَاهُنَا، وَكَيْفَ أَعْلَمُ أَنَا وَهَذَا الشَّعْبُ أَنِّي وَجَدْتُ أَمَامَكَ نِعْمَةَ كَذَا إِلَّا بِسَيْرِكَ مَعَنَا. وَفِي السِّفْرِ الرَّابِعِ مِنَ الْفَصْلِ الثَّالِثَ عَشَرَ: إِنْ أَصْعَدْتَ هَؤُلَاءِ مِنْ بَيْنِهِمْ بِقُدْرَتِكَ، فَيَقُولُونَ لِأَهْلِ هَذِهِ الْأَرْضِ الَّذِينَ سَمِعُوا أَنَّكَ اللَّهُ فِيمَا بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، يَرَوْنَهُ عَيْنًا بِعَيْنٍ، وَغَمَامُكَ يُقِيمُ عَلَيْهِم، وَبِعَمُودِ غَمَامٍ يَسِيرُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ نَهَارًا، وَبِعَمُودِ نَارٍ لَيْلًا.

стр. 1195

وَفِي التَّوْرَاةِ أَيْضًا: يَقُولُ اللَّهُ لِمُوسَى: (إِنِّي آتٍ إِلَيْكَ فِي غِلَظِ الْغَمَامِ لِكَيْ يَسْمَعَ الْقَوْمُ مُخَاطَبَتِي لَكَ) . ثُمَّ قَوْلُهُ: اجْمَعْ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ شُيُوخِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخُذْهُمْ إِلَى خِبَاءِ الْعَرَبِ يَقِفُونَ مَعَكَ حَتَّى أُخَاطِبَهُم.
следующие страницы →