← Акыда

Акыда · id 170

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية

ابن تيمية

Полный текст (2 831 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَغَيْرِهِمَا لَمْ تَحُلَّا لَا فِي الْمِرْآةِ وَلَا فِي الْمَاءِ، وَلَكِنَّ هَذِهِ رُؤْيَةٌ مُقَيَّدَةٌ رَآهَا بِوَاسِطَةِ الْمِثَالِ الَّذِي تَمَثَّلَ فِي الْمِرْآةِ أَوِ الْمَاءِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ شُعَاعًا مُنْعَكِسًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ الْقَائِلِ: إِذَا ظَهَرَ الْغَدِيرُ عَلَى صَفَاءٍ ، وَجُنِّبَ أَنْ يُحَرِّكَهُ النَّسِيمُ تَرَى فِيهِ السَّمَاءَ، بِلَا امْتِرَاءٍ كَذَاكَ الشَّمْسُ تَبْدُو وَالنُّجُومُ كَذَاكَ قُلُوبُ أَرْبَابِ التَّجَلِّي يُرَى فِي صَفْوِهَا اللَّهُ الْعَظِيمُ فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ اللَّهَ يُرَى فِي قُلُوبِ الْعَارِفِينَ، كَمَا تُرَى الشَّمْسُ وَالنُّجُومُ فِي الْمَاءِ الصَّافِي، بَلْ يَتَصَوَّرُ أَحَدُهُمْ صُورَةَ مَنْ يَعْرِفُهُ بِحُمْرَةٍ أَوْ خُضْرَةٍ أَوْ سَوَادٍ، فَيَقُولُ: وَاللَّهِ هَذَا هُوَ فُلَانٌ بِعَيْنِهِ، مَعَ عِلْمِهِ وَعِلْمِ كُلِّ مَنْ سَمِعَهُ أَنَّهُ مِثَالُهُ الْمُطَابِقُ لِصُورَتِهِ لَا عَيْنُهُ، وَذَلِكَ لِمُمَاثَلَةِ تِلْكَ الصُّورَةِ لِصُورَتِهِ، يُرِيدُ أَنَّ هَذَا تَمْثِيلٌ مُطَابِقٌ لَهُ لَا مُخَالِفٌ. وَمِنْ هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : " «مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي حَقًّا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي» " لَمْ يُرِدْ أَنَّهُ رَأَى جَسَدِيِ الَّذِي فِي الْقَبْرِ، وَرُوحِي الَّتِي فِي الْجَنَّةِ - حَالَّةً فِي ذَاتِهِ، فَإِنَّ هَذَا مُمْتَنِعٌ لِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، فَلِهَذَا قَالَ: " «فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي» ".

стр. 1227

وَلَمَّا دَخَلَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَى الْمُقَوْقِسِ مَلِكِ النَّصَارَى بِمِصْرَ، وَاسْتَخْبَرَهُمْ عَنْ دِينِهِمْ فَأَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ، فَإِذَا عِنْدَهُ شِبْهُ الرَّبْعَةِ الْعَظِيمَةِ مُذَهَّبَةٌ، وَإِذَا فِيهَا أَبْوَابٌ صِغَارٌ فَفَتَحَ مِنْهَا بَابًا فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ خِرْقَةَ حَرِيرٍ سَوْدَاءَ فِيهَا صُورَةٌ بَيْضَاءُ، فَإِذَا رَجُلٌ طُوَالٌ أَكْثَرُ النَّاسِ شَعْرًا، فَقَالَ: أَتَعْرِفُونَ هَذَا؟ قَالُوا: قُلْنَا لَا، فَقَالَ: هَذَا آدَمُ. ثُمَّ أَعَادَ، وَفَتَحَ بَابًا آخَرَ، فَاسْتَخْرَجَ حَرِيرَةً سَوْدَاءَ فِيهَا صُورَةٌ بَيْضَاءُ، فَإِذَا رَجُلٌ ضَخْمُ الرَّأْسِ عَظِيمٌ لَهُ شَعْرٌ كَشَعْرِ النَّبَطِ أَحْمَرُ الْعَيْنِ، فَقَالَ: أَتَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَقُلْنَا: لَا، فَقَالَ: هَذَا نُوحٌ. ثُمَّ أَعَادَ، وَفَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ حَرِيرَةً سَوْدَاءَ فِيهَا صُورَةٌ بَيْضَاءُ، فَإِذَا رَجُلٌ أَبْيَضُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، كَأَنَّهُ يَبْتَسِمُ فَقَالَ أَتَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَقُلْنَا: لَا. فَقَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ. ثُمَّ أَعَادَ، وَفَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ حَرِيرَةً سَوْدَاءَ فِيهَا صُورَةٌ بَيْضَاءُ، قَالَ: أَتَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: النَّبِيُّ ﷺ ،

стр. 1228

قَالَ: هَذَا وَاللَّهِ مُحَمَّدٌ ﷺ رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ قَامَ ثُمَّ قَعَدَ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ بِدِينِكُمْ إِنَّهُ نَبِيُّكُم؟ قُلْنَا: اللَّهُ بِدِينِنَا إِنَّهُ نَبِيُّنَا كَأَنَّمَا نَنْظُرُ إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ كَانَ آخِرَ الْأَبْوَابِ، وَلَكِنِّي عَجَّلْتُهُ لَكُمْ لِأَنْظُرَ مَا عِنْدَكُم. ثُمَّ أَعَادَ، وَفَتَحَ بَابًا بَابًا، وَهُوَ يَقُولُ: هَذَا مُوسَى، هَذَا هَارُونُ، هَذَا دَاوُدُ، هَذَا سُلَيْمَانُ، هَذَا عِيسَى. وَهَذَا كُلُّهُ لِظُهُورِ الْمُرَادِ بِهِ، وَمَعْرِفَةِ النَّاسِ بِمَقْصُودِ الْمُتَكَلِّمِ، كَمَا يُقَالُ لِمَنْ كَتَبَ اسْمَهُ فِي كِتَابٍ: هَذَا فُلَانٌ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَوْجُودَ فِي الْكِتَابِ اسْمُهُ الْمَكْتُوبُ لَا ذَاتُهُ الْمَوْجُودَةُ فِي الْخَارِجِ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر: ٥٢] . وَإِنَّمَا فِي الزُّبُرِ ذِكْرُ أَعْمَالِهِم، وَكِتَابَةُ ذَلِكَ، وَيُقَالُ فِي كِتَابَةِ الْوَثَائِقِ: هَذَا مَا أَصْدَقَ فُلَانٌ، وَهَذَا مَا يُقَاضِي عَلَيْهِ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَيُقَالُ: هَذَا ذِكْرُ مَا أَصْدَقَ فُلَانٌ أَوْ يُقَاضِي عَلَيْهِ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَيُشَارُ إِلَى الْمَوْجُودِ تَارَةً، وَإِلَى ذِكْرِهِ تَارَةً.

стр. 1229

وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَوْجُودَ فِي الْكِتَابِ ذِكْرُهُ لَا عَيْنُهُ، بَلْ ذَلِكَ وُجُودُ الْخَطِّ فِي الْأَذْهَانِ الْمُطَابِقِ لِذِكْرِهِ بِاللَّفْظِ. وَالشَّيْءُ لَهُ وُجُودٌ فِي الْأَعْيَانِ، وَوُجُودٌ فِي الْأَذْهَانِ، وَوُجُودٌ فِي اللِّسَانِ، وَوُجُودٌ فِي الْبَنَانِ، وَوُجُودٌ عَيْنِيٌّ، وَعِلْمِيٌّ، وَرَسْمِيٌّ، وَلَفْظِيٌّ، وَفِي كُلٍّ مِنَ الْأَرْبَعَةِ يُذْكَرُ، وَيُشَارُ إِلَيْهِ مَعَ الْقَرَائِنِ وَالضَّمَائِرِ الَّتِي تُبَيِّنُ تَارَةً أَنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِ هُوَ الْخَطُّ الْمُطَابِقُ لِلَّفْظِ، وَتَارَةً تَكُونُ الْإِشَارَةُ إِلَى اللَّفْظِ الْمُطَابِقِ لِلْمَعْنَى. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي فِي الْقَلْبِ أَقْرَبُ إِلَى الْمَوْجُودِ فِي الْخَارِجِ مِنَ اللَّفْظِ وَالْخَطِّ، فَإِذَا أُشِيرَ إِلَى مَا فِي قَلْبِ الْعَارِفِ بِعَيْنِ الْمُحِبِّ لَهُ الذَّاكِرِ لَهُ، بِأَنَّهُ الْمَعْرُوفُ الْمَحْبُوبُ، كَانَ أَقْرَبَ لَا سِيَّمَا، وَقَدْ يَغْلِبُ الذِّكْرُ وَالْمَعْرِفَةُ وَالْمَحَبَّةُ عَلَى الْقَلْبِ حَتَّى يَغِيبَ بِمَوْجُودِهِ عَنْ وُجُودِهِ، وَبِمَعْرُوفِهِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، وَبِمَذْكُورِهِ عَنْ ذِكْرِهِ حَتَّى يَقُولَ أَحَدُهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالِ: سُبْحَانِي، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الْجُبَّةِ إِلَّا اللَّهُ. وَمَعْلُومٌ أَنْ ذَاتَ اللَّهِ ﵎ لَيْسَتِ الَّذِي فِي قَلْبِهِ، بَلْ فِي قَلْبِهِ مِثَالُهُ الْعِلْمِيُّ، وَمَعْرِفَتُهُ، وَمَحَبَّتُهُ، فَغَابَ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، هَذَا وَإِنْ كَانَ يَقُولُهُ الْغَالِطُ، فَيَقُولُ مَنْ لَيْسَ بِغَالِطٍ: اللَّهُ فِي قَلْبِ فُلَانٍ، وَفُلَانٌ مَا عِنْدَهُ إِلَّا اللَّهُ، وَمَنْ أَرَادَ اللَّهَ فَلْيَذْهَبْ إِلَى فُلَانٍ، وَلَيْسَ مُرَادُهُمْ أَنَّ

стр. 1230

ذَاتَ اللَّهِ فِي قَلْبِهِ، بَلْ مِثَالَهُ الْعِلْمِيَّ وَمَعْرِفَتَهُ وَذِكْرَهُ وَمَحَبَّتَهُ، وَأَنَّهُ لَا يَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ، وَلَا يَرْجُو إِلَّا إِيَّاهُ، وَلَا يَخَافُ إِلَّا إِيَّاهُ، وَلَا يَعْمَلُ إِلَّا لِلَّهِ، وَلَا يَأْمُرُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ فَيَفْنَى بِعِبَادَتِهِ عَنْ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ، وَبِطَاعَتِهِ عَنْ طَاعَةِ مَا سِوَاهُ، وَبِمَحَبَّتِهِ عَنْ مَحَبَّةِ مَا سِوَاهُ. فَمَا قِيلَ فِي الْمَسِيحِ ﵇، وَأَمْثَالِهِ مِنْ هَذَا فَهُوَ حَقٌّ، لَكِنْ لَا اخْتِصَاصَ لِلْمَسِيحِ بِهَذَا. وَإِذَا كَانَ مِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ كَثِيرًا مَوْجُودًا فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِم، بَلْ هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي كَلَامِهِم، وَلَا يُوجَدُ قَطُّ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُ جَعَلَ ذَاتَ اللَّهِ فِي قَلْبِ أَحَدٍ مِنَ الْبَشَرِ - عُلِمَ أَنَّ النَّصَارَى تَرَكُوا الْمُحْكَمَ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈، وَتَمَسَّكُوا بِالْمُتَشَابِهِ كَأَمْثَالِهِمْ مِنَ الضُّلَّالِ، فَاشْتَبَهَ عَلَيْهِمُ الْمَعْلُومُ بِالْقُلُوبِ الْمَذْكُورُ بِالْأَلْسُنِ بِالْمَوْجُودِ فِي نَفْسِهِ، فَظَنُّوا أَنَّ نَفْسَ الْمِثَالِ الْعِلْمِيِّ هُوَ الْمَوْجُودُ الْعَيْنِيُّ، كَمَا يَظُنُّ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الْغَالِطِينَ، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ بِالْحُلُولِ تَارَةً، وَبِالِاتِّحَادِ أُخْرَى، وَلَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ حُلُولِ الْإِيمَانِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْمِثَالِ الْعِلْمِيِّ فِي الْقَلْبِ، وَبَيْنَ حُلُولِ الذَّاتِ الْمَعْلُومَةِ الْمَحْبُوبَةِ. وَلِهَذَا يَعْتَقِدُ كَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ أَنَّهُمْ يُكَلِّمُونَ اللَّهَ، وَيُكَلِّمُهُم، وَيَقُولُ أَحَدُهُم: أَوْقَفَنِي، وَقَالَ لِي، وَقُلْتُ لَهُ. وَتَكُونُ مُخَاطَبَتُهُ وَمُنَاجَاتُهُ مَعَ

стр. 1231

هَذَا الْمِثَالِ الْعِلْمِيِّ بِحَسَبِ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ الِاعْتِقَادِ فِي اللَّهِ تَعَالَى، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يَتَمَثَّلُ لَهُ الشَّيْطَانُ وَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكَ، فَيُخَاطِبُهُ وَيَظُنُّهُ رَبَّهُ، وَإِنَّمَا هُوَ الشَّيْطَانُ. وَمِنْهُم: مَنْ يَرَى عَرْشًا عَلَيْهِ نُورٌ، أَوْ يَرَى مَا يَظُنُّهُ الْمَلَائِكَةَ وَهُمْ شَيَاطِينُ، وَذَلِكَ شَيْطَانٌ. وَكَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يَظُنُّ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّهُ يَدْخُلُ إِلَى اللَّهِ بِلَا إِذْنٍ، خِلَافَ الْأَنْبِيَاءِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ الْإِلَهُ الَّذِي يَعْتَقِدُهُ هُوَ الشَّيْطَانَ، وَالَّذِينَ لَا يَتَمَثَّلُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ يُخَاطِبُ أَحَدُهُمْ مَنْ فِي قَلْبِهِ، فَتُخَاطِبُهُ تِلْكَ الصُّورَةُ الْعِلْمِيَّةُ، وَيُقَدِّرُ أَنَّهَا تُخَاطِبُهُ، وَيَظُنُّ ذَلِكَ مُخَاطَبَةَ الْحَقِّ لَهُ. وَهَذَا كَالرَّجُلِ يَذْكُرُ بَعْضَ أَصْحَابِهِ فَيُمَثِّلُهُ فِي قَلْبِهِ وَيُخَاطِبُهُ مُخَاطَبَةَ مَنْ يُعَاتِبُهُ أَوْ يَعْتَذِرُ إِلَيْهِ، وَيُقَدِّرُ خِطَابَ تِلْكَ الصُّورَةِ، وَيَقُولُ: قُلْتُ لَكَ كَذَا، وَقُلْتَ لِي كَذَا. وَنَفْسُ الشَّخْصِ لَا يُكَلِّمُهُ وَلَا يَسْمَعُ كَلَامَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ الْمِثَالُ، كَمَا قَدْ يُصَوِّرُ صُورَةَ الْإِنْسَانِ وَيُخَاطِبُهَا الْإِنْسَانُ، وَيُقَدِّرُ ذَلِكَ مُخَاطَبَةً لِصَاحِبِ الصُّورَةِ. وَالنَّصَارَى أَدْخَلُ فِي هَذَا مِنْ غَيْرِهِم، فَإِنَّهُمْ يُخَاطِبُونَ الصُّوَرَ الْمُمَثَّلَةَ فِي الْكَنَائِسِ كَصُورَةِ مَرْيَمَ، وَالْمَسِيحِ وَالْقِدِّيسِينَ، وَيَقُولُونَ: إِنَّمَا

стр. 1232

نَقْصِدُ خِطَابَ أَصْحَابِ تِلْكَ الصُّوَرِ نَسْتَشْفِعُ بِهِم. وَهَذَا مِمَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى أَلْسُنِ جَمِيعِ النَّبِيِّينَ، وَلَمْ يَشْرَعْ لِأَحَدٍ أَنْ يَدْعُوَ الْمَلَائِكَةَ، وَلَا الْأَنْبِيَاءَ وَلَا الصَّالِحِينَ الْأَمْوَاتَ، فَكَيْفَ بِالصُّوَرِ الْمُمَثِّلَةِ لَهُم، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهُ كَثِيرًا مَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ النَّاسِ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ ذِكْرِ ظُهُورِ اللَّهِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ ظُهُورُهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ بِالْمَعْرِفَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالذِّكْرِ. وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ يُقْصَدُ بِذِكْرِ اسْمِهِ ذِكْرُ الْمُسَمَّى صَارَ يَقُولُ - مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الِاسْمَ هُوَ الْمُسَمَّى -: إِنَّ الْمُرَادَ الْمَقْصُودَ مِنْ الِاسْمِ هُوَ الْمُسَمَّى، لَا أَنَّ نَفْسَ اللَّفْظِ هُوَ الْمُسَمَّى، فَإِنَّ هَذَا لَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ، وَتَنْزِيهُ الِاسْمِ وَتَسْبِيحُهُ تَنْزِيهٌ لِلْمُسَمَّى وَتَسْبِيحٌ لَهُ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] ، وَقَالَ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] .

стр. 1233

وَقَالَ: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] . وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: " «لَا تَقُومُ الْقِيَامَةُ حَتَّى لَا يُعْبَدَ لِلَّهِ اسْمٌ» "، أَيْ لَا يُعْبَدَ اللَّهُ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا قِيلَ: دَعَوْتُ اللَّهَ وَعَبَدْتُهُ، فَإِنَّمَا فِي اللَّفْظِ الِاسْمُ، وَالْمَقْصُودُ هُوَ الْمُسَمَّى. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَفْسِيرِ ظُهُورِ اللَّاهُوتِ فِي الْمَسِيحِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّ الْمُرَادَ ظُهُورُ مَا فِي الْقُلُوبِ مِنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَذِكْرِهِ وَنُورِهِ وَهُدَاهُ وَرُوحِهِ - هُوَ مِمَّا يُفَسِّرُ بِهِ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ النَّصَارَى، فَإِنَّهُمْ يُفَسِّرُونَ اتِّحَادَ اللَّاهُوتِ بِالنَّاسُوتِ بِظُهُورِ اللَّاهُوتِ فِيهِ كَظُهُورِ نَقْشِ الْخَاتَمِ فِي الشَّمْعِ وَالطِّينِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحَالَّ فِي الشَّمْعِ وَالطِّينِ هُوَ مِثَالُ نَقْشِ الْخَاتَمِ لَا أَنَّ فِي الشَّمْعِ وَالطِّينِ شَيْئًا مِنَ الْخَاتَمِ، بَلْ ظَهَرَ فِيهِ نَقْشُ الْخَاتَمِ. وَكَذَلِكَ يَظْهَرُ نُورُ اللَّهِ وَرُوحُهُ فِي الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمَسِيحُ ﵇، بَلْ يَشْتَرِكُ هُوَ فِيهِ وَسَائِرُ الرُّسُلِ، بَلْ وَكُلُّ مُؤْمِنٍ لَهُ مِنْ هَذَا نَصِيبٌ بِحَسَبِ إِيمَانِهِ.

стр. 1234

[فَصْلٌ: قَوْلُ أَشْعِيَا النَّبِيِّ هَا هِيَ الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَيُدْعَى اسْمُهُ عِمَّانُوِيلَ] قَالُوا: وَقَالَ أَشْعِيَا النَّبِيُّ: (هَا هِيَ الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَيُدْعَى اسْمُهُ عِمَّانُوِيلَ) . وَعِمَّانُوِيلُ: كَلِمَةٌ عِبْرَانِيَّةٌ تَفْسِيرُهَا بِالْعَرَبِيِّ (إِلَهُنَا مَعَنَا) فَقَدْ شَهِدَ النَّبِيُّ أَنَّ مَرْيَمَ، وَلَدَتِ اللَّاهُوتَ الْمُتَّحِدَ بِالنَّاسُوتِ كِلَاهُمَا. (فَيُقَالُ: لَيْسَ فِي هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ اللَّاهُوتَ الْمُتَّحِدَ بِالنَّاسُوتِ) ، وَأَنَّهَا وَلَدَتْ خَالِقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، بَلْ هَذَا الْكَلَامُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَوْلُودَ لَيْسَ هُوَ خَالِقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَإِنَّهُ قَالَ: تَلِدُ ابْنًا. وَهَذَا نَكِرَةٌ فِي الْإِثْبَاتِ كَمَا يُقَالُ فِي سَائِرِ النِّسَاءِ: إِنَّ فُلَانَةً وَلَدَتِ ابْنًا، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ ابْنٌ مِنَ الْبَنِينَ، لَيْسَ هُوَ خَالِقَ السَّمَاوَاتِ

стр. 1235

وَالْأَرَضِينَ، ثُمَّ قَالَ: وَيُدْعَى اسْمُهُ (عِمَّانُوِيلَ) فَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ هَذَا اسْمٌ يُوضَعُ لَهُ، وَيُسَمَّى بِهِ كَمَا يُسَمِّي النَّاسُ أَبْنَاءَهُمْ بِأَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ، أَوِ الصِّفَاتِ الَّتِي يُسَمُّونَهُمْ بِهَا. وَمِنْ تِلْكَ الْأَسْمَاءِ مَا يَكُونُ مُرْتَجَلًا ارْتَجَلُوهُ. وَمِنْهَا مَا يَكُونُ جُمْلَةً يَحْكُونَهَا، وَلِهَذَا كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يُسَمِّي ابْنَهُ عِمَّانُوِيلَ، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْعَذْرَاءُ الْمُرَادُ بِهَا غَيْرُ مَرْيَمَ، وَيَذْكُرُونَ فِي ذَلِكَ قِصَّةً جَرَت. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلِ الْمُرَادُ بِهَا مَرْيَمُ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ أَحَدَ مَعْنَيَيْنِ: إِمَّا أَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّ إِلَهَنَا مَعَنَا بِالنَّصْرِ وَالْإِعَانَةِ، فَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا قَدْ خُذِلُوا بِسَبَبِ تَبْدِيلِهِم، فَلَمَّا بُعِثَ الْمَسِيحُ ﵇ بِالْحَقِّ كَانَ اللَّهُ مَعَ مَنِ اتَّبَعَ الْمَسِيحَ، وَالْمَسِيحُ نَفْسُهُ لَمْ يَبْقَ مَعَهُم، بَلْ رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ وَلَكِنَّ اللَّهَ كَانَ مَعَ مَنِ اتَّبَعَهُ بِالنَّصْرِ وَالْإِعَانَةِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٥٥]

стр. 1236

وَهَذَا أَظْهَرُ، وَإِمَّا أَن (يَكُونَ) يُسَمَّى الْمَسِيحُ إِلَهًا، كَمَا يَقُولُونَ: إِنَّهُ يُسَمَّى مُوسَى إِلَهَ فِرْعَوْنَ، أَيْ هُوَ الْآمِرُ النَّاهِي لَهُ الْمُسَلَّطُ عَلَيْهِ. وَقَدْ حَرَّفَ بَعْضُهُمْ مَعْنَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ، فَقَالَ: مَعْنَاهَا: اللَّهُ مَعَنَا، فَقَالَ: مَنْ رَدَّ عَلَيْهِمْ مِنْ عُلَمَائِهِمْ يُقَالُ لَهُم: أَهَذَا هُوَ الْقَائِلُ: أَنَا الرَّبُّ لَا إِلَهَ غَيْرِي، أَنَا أُمِيتُ وَأَنَا أُحْيِي، أَمْ هُوَ الْقَائِلُ لِلَّهِ: إِنَّكَ أَنْتَ الْإِلَهُ الْحَقُّ وَحْدَكَ وَالَّذِي أَرْسَلْتَ يَسُوعَ الْمَسِيحَ؟ وَإِذَا كَانَ الْأَوَّلُ بَاطِلًا، وَالثَّانِي هُوَ الَّذِي شَهِدَ بِهِ الْإِنْجِيلُ، وَجَبَ تَصْدِيقُ الْإِنْجِيلِ، وَتَكْذِيبُ مَنْ كَتَبَ فِي الْإِنْجِيلِ أَنَّ (عِمَّانُوِيلَ) وَتَأْوِيلَهُ - (اللَّهُ مَعَنَا) ، بَلْ تَأْوِيلُ عِمَّانُوِيلَ (مَعَنَا إِلَهٌ) ، وَلَيْسَ الْمَسِيحُ مَخْصُوصًا بِهَذَا الِاسْمِ، بَلْ عِمَّانُوِيلُ اسْمٌ يُسَمَّى بِهِ النَّصَارَى، وَالْيَهُودُ مِنْ قَبْلِ النَّصَارَى. وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي عَصْرِنَا هَذَا، فِي أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ سَمَّاهُ أَبُوهُ عِمَّانُوِيلَ يَعْنِي (شَرِيفَ الْقَدْرِ) وَكَذَلِكَ السُّرْيَانُ أَكْثَرُهُمْ يُسَمُّونَ أَوْلَادَهُمْ عِمَّانُوِيلَ.

стр. 1237

قُلْتُ: وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ وَالْمُحْسِنِينَ وَالْمُقْسِطِينَ بِالْهِدَايَةِ، وَالنَّصْرِ، وَالْإِعَانَةِ، وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ فِي الدُّعَاءِ: اللَّهُ مَعَكَ، فَإِذَا سُمِّيَ الرَّجُلُ بِقَوْلِ: (اللَّهُ مَعَكَ) كَانَ هَذَا تَبَرُّكًا بِمَعْنَى هَذَا الِاسْمِ، وَإِذَا قِيلَ إِنَّ الْمَسِيحَ سُمِّيَ اللَّهَ مَعَنَا أَوْ إِلَهَنَا مَعَنَا وَنَحْوَ ذَلِكَ - كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ اللَّهَ مَعَ مَنِ اتَّبَعَ الْمَسِيحَ وَآمَنَ بِهِ، فَيَكُونُ اللَّهُ هَادِيَهُ وَنَاصِرَهُ وَمُعِينَهُ.

стр. 1238

[فَصْلٌ: فِي كَلَامِ أَشْعِيَا بِشَارَةٌ بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ ] قَالُوا: وَقَالَ أَشْعِيَا أَيْضًا: إِنَّ غُلَامًا وُلِدَ لَنَا، وَابْنًا أُعْطِيَنَاهُ، الَّذِي رِيَاسَتُهُ عَلَى عَاتِقَيْهِ وَبَيْنَ مَنْكِبَيْهِ، وَيُدْعَى: اسْمُهُ مَلِكًا، عَظِيمَ الْمِشْيَةِ مُسَيِّرًا عَجِيبًا، إِلَهًا قَوِيًّا مُسَلَّطًا رَئِيسَ السَّلَامَةِ فِي كُلِّ الدُّهُورِ، وَسُلْطَانُهُ كَامِلٌ لَيْسَ لَهُ فَنَاءٌ. فَيُقَالُ: لَيْسَ فِي هَذِهِ الْبِشَارَةِ دَلَالَةٌ بَيِّنَةٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَسِيحُ ﵇، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْمَسِيحَ لَمْ يَدُلَّ عَلَى مَطْلُوبِهِم، بَلْ قَدْ يُقَالُ الْمُرَادُ بِهَا مُحَمَّدٌ ﷺ فَإِنَّهُ الَّذِي رِيَاسَتُهُ عَلَى عَاتِقَيْهِ، وَبَيْنَ مَنْكِبَيْهِ مِنْ جِهَتَيْنِ: مِنْ جِهَةِ خَاتَمِ النُّبُوَّةِ عَلَى بَعْضِ كَتِفَيْهِ، وَهُوَ عَلَامَةٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ الَّذِي أَخْبَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ، وَعَلَامَةُ خَتْمِهِم.

стр. 1239

وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ بُعِثَ بِالسَّيْفِ الَّذِي يَتَقَلَّدُ بِهِ عَلَى عَاتِقِهِ وَيَرْفَعُهُ، إِذَا ضَرَبَ بِهِ عَلَى عَاتِقِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (مُسَلَّطٌ رَئِيسٌ قَوِيُّ السَّلَامَةِ) . وَهَذِهِ صِفَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ الْمُؤَيَّدِ الْمَنْصُورِ الْمُسَلَّطِ رَئِيسِ السَّلَامَةِ، فَإِنَّ دِينَهُ الْإِسْلَامُ، وَمَنِ اتَّبَعَهُ سَلِمَ مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْآخِرَةِ، وَمِنَ اسْتِيلَاءِ عَدُوِّهُ عَلَيْهِ. وَالْمَسِيحُ ﵇ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَى أَعْدَائِهِ، كَمَا سُلِّطَ مُحَمَّدٌ ﷺ ، بَلْ كَانَ أَعْدَاؤُهُ بِحَيْثُ يَقْدِرُونَ عَلَى صَلْبِهِ، وَعِنْدَ النَّصَارَى قَدْ صَلَبُوهُ، وَعِنْدَ الْمُسْلِمِينَ أَلْقَى اللَّهُ شَبَهَهُ عَلَى غَيْرِهِ، فَصُلِبَ ذَاكَ الْمُشَبَّهُ، فَبِهَذِهِ الطَّرِيقِ دَفَعَ اللَّهُ الصَّلْبَ عَنْهُ لَا بِقَهْرِ أَعْدَائِهِ، وَإِهْلَاكِهِمْ وَذُلِّهِمْ لَهُ، كَمَا نَصَرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ عَلَى أَعْدَائِهِ. وَقَالَ: (فِي كُلِّ الدُّهُورِ سُلْطَانُهُ كَامِلٌ لَيْسَ لَهُ فَنَاءٌ) ، وَهَذَا صِفَةُ خَاتَمِ الرُّسُلِ الَّذِي لَا يَأْتِي بَعْدَهُ نَبِيٌّ يَنْسَخُ شَرْعَهُ، وَسُلْطَانُهُ بِالْحُجَّةِ وَالْيَدِ، كَامِلٌ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الِاسْتِعَانَةِ بِشَرْعٍ آخَرَ، وَشَرْعُهُ ثَابِتٌ بَاقٍ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ.

стр. 1240

[فَصْلٌ: قَوْلُ أَشْعِيَا وَيَحُلُّ فِيهِ رُوحُ الْقُدُسِ رُوحُ اللَّهِ رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ رُوحُ الْحِيَلِ وَالْقُوَّةِ رَوْحُ الْعِلْمِ وَخَوْفِ اللَّهِ] قَالُوا: وَقَالَ أَشْعِيَا أَيْضًا: يَخْرُجُ عَصَاهُ مِنْ بَيْتِ يَسِّي يَنْبُتُ نُورٌ مِنْهَا، وَيَحُلُّ فِيهِ رُوحُ الْقُدُسِ رُوحُ اللَّهِ، رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ، رُوحُ الْحِيَلِ وَالْقُوَّةِ، رَوْحُ الْعِلْمِ وَخَوْفِ اللَّهِ. وَفِي تِلْكَ الْأَيَّامِ يَكُونُ أَصْلُ يَسِّي آيَةً لِلْأُمَمِ، وَبِهِ يُؤْمِنُونَ وَعَلَيْهِ يَتَوَكَّلُونَ، وَيَكُونُ لَهُمُ التَّاجُ وَالْكَرَامَةُ إِلَى دَهْرِ الدَّاهِرِينَ) .

стр. 1241

وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ بِصِحَّةِ نَقْلِهِ عَنِ النَّبِيِّ، وَصِحَّةِ التَّرْجَمَةِ لَهُ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ - هُوَ حُجَّةٌ عَلَى النَّصَارَى لَا لَهُم، فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى مِثْلِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ مِنْ أَنَّ الْمَسِيحَ ﵇ أُيِّدَ بِرُوحِ الْقُدُسِ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَيَحُلُّ فِيهِ رُوحُ الْقُدُسِ، وَرُوحُ اللَّهِ، وَرُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ، وَرُوحُ الْحِيَلِ وَالْقُوَّةِ، رَوْحُ الْعِلْمِ وَخَوْفِ اللَّهِ) ، وَلَمْ يَقُلْ تَحُلُّ فِيهِ حَيَاةُ اللَّهِ - فَضْلًا عَنْ أَنْ يَقُولَ حَلَّ فِيهِ اللَّهُ أَوِ اتَّحَدَ بِهِ، وَلَكِنْ جَعَلَ رُوحَ الْقُدُسِ هِيَ رُوحَ اللَّهِ، وَهِيَ رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ وَالْعِلْمِ، وَهِيَ رُوحُ الْحِيَلِ وَالْقُوَّةِ. كَمَا أَنَّ عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ (أَنَّ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ فِي قُبَّةِ الزَّمَانِ حَلَّتْ فِيهِمْ رُوحُ الْحِكْمَةِ رُوحُ الْفَهْمِ، رُوحُ الْعِلْمِ) .

стр. 1242

فَهِيَ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْهُدَى وَالنَّصْرُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥] . فَقَالَ: هِيَ رُوحُ اللَّهِ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [النحل: ٢] . فَمَا أَنْزَلَهُ يُسَمَّى هُدَى اللَّهِ، وَرُوحَ اللَّهِ، وَوَحْيَ اللَّهِ، وَنُورَ اللَّهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَقَالَ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ أَنْبِيَاءَهُ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأنعام: ٨٤] (٨٤) ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنعام: ٨٥] (٨٥) ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٦] (٨٦) ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٨٧] (٨٧) ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ٨٨] .

стр. 1243

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣] . وَسَمَّاهُ نُورَ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥] . فَهَذَا هُدَى اللَّهِ، وَنُورُ اللَّهِ هُوَ رُوحُ اللَّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] .

стр. 1244

[فَصْلٌ: قَوْلُ أَشْعِيَا مِنْ أَعْجَبِ الْأَعَاجِيبِ أَنَّ رَبَّ الْمَلَائِكَةِ سَيُولَدُ مِنَ الْبَشَرِ] قَالُوا: وَقَالَ أَشْعِيَا أَيْضًا: " مِنْ أَعْجَبِ الْأَعَاجِيبِ أَنَّ رَبَّ الْمَلَائِكَةِ سَيُولَدُ مِنَ الْبَشَرِ ". فَيُقَالُ: مِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَبْلَهُ كَلَامٌ وَبَعْدَهُ كَلَامٌ، وَهُوَ مَنْقُولٌ مِنْ لُغَةٍ إِلَى لُغَةٍ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ يُولَدُ مِنَ الْبَشَرِ، وَلَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَمْ يَقُلْ رَبَّ الْمَلَائِكَةِ فَقَط، فَإِنَّ اللَّهَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ، لَكِنْ قَدْ يُرِيدُ أَنَّهُ يُولَدُ مِنَ الْبَشَرِ مَنْ سَيَكُونُ سَيِّدَ الْمَلَائِكَةِ تَخْدُمُهُ وَتُكْرِمُهُ، كَمَا سَجَدَتِ الْمَلَائِكَةُ لِأَبِي الْبَشَرِ آدَمَ. وَالنَّصَارَى يُسَلِّمُونَ أَنَّ اللَّاهُوتَ مَا هُوَ مُتَوَلِّدٌ مِنَ الْبَشَرِ، وَإِنَّمَا الْمُتَوَلِّدُ مِنَ الْبَشَرِ هُوَ النَّاسُوتُ، وَلَيْسَ هُوَ رَبَّ الْعَالَمِينَ بِالِاتِّفَاقِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي ظَاهِرِ اللَّفْظِ إِنْ قُدِّرَ سَلَامَتُهُ مِنَ التَّغْيِيرِ. وَنَظِيرُ هَذَا مَا عِنْدَهُمْ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى: (أَنَّ ابْنَ الْإِنْسَانِ يُرْسِلُ مَلَائِكَتَهُ، وَيَجْمَعُونَ كُلَّ الْمُلُوكِ رُبًا عَلَى الْأُمَمِ فَيُلْقُونَهُمْ فِي أَتُونِ النَّارِ) قَالَ بَعْضُ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ: لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ رَبُّ

стр. 1245

الْأَرْبَابِ، وَلَا أَنَّهُ خَالِقُ الْمَلَائِكَةِ، بَلْ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ أَوْصَى الْمَلَائِكَةَ بِحِفْظِ الْمَسِيحِ بِشَهَادَةِ النَّبِيِّ الْقَائِلِ: (إِنَّ اللَّهَ يُوصِي مَلَائِكَتَهُ بِكَ لِيَحْفَظُوكَ) . ثُمَّ شَهَادَةِ (لُوقَا) أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ لَهُ مَلَكًا مِنَ السَّمَاءِ لِيُقَوِّيَهُ، قَالَ: " وَإِذَا شَهِدَ الْإِنْجِيلُ بِاتِّفَاقِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ بِأَنَّ اللَّهَ يُوصِي مَلَائِكَتَهُ بِالْمَسِيحِ فَيَحْفَظُونَهُ، عُلِمَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تُطِيعُ لِلْمَسِيحِ بِالْأَمْرِ، وَهُوَ وَالْمَلَائِكَةُ فِي خِدْمَةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ". وَقَالَ الْمَسِيحُ لِتَلَامِيذِهِ: " مَنْ قَبِلَكُمْ فَقَدْ قَبِلَنِي، وَمَنْ قَبِلَنِي فَقَدْ قَبِلَ مَنْ أَرْسَلَنِي ". وَقَالَ الْمَسِيحُ: " مَنْ أَنْكَرَنِي قُدَّامَ النَّاسِ أَنْكَرْتُهُ قُدَّامَ مَلَائِكَةِ اللَّهِ ".

стр. 1246

وَقَالَ لِلَّذِي ضَرَبَ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ: " أَغْمِدْ سَيْفَكَ، وَلَا تَظُنَّ أَنْ لَا أَسْتَطِيعَ أَنْ أَدْعُوَ اللَّهَ الْأَبَ فَيُقَدِّمَ لِي أَكْثَرَ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ جَوْقًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ ".

стр. 1247

[فَصْلٌ: الرَّدُّ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِم وَمِثْلُ هَذَا الْقَوْلِ فِي كُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى أَفْوَاهِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ شَيْءٌ كَثِيرٌ] قَالُوا: وَمِثْلُ هَذَا الْقَوْلِ فِي كُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى أَفْوَاهِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ - شَيْءٌ كَثِيرٌ عِنْدَ النَّصَارَى جَمِيعِهِمُ الْمُخْتَلِفَةِ أَلْسِنَتُهُمُ الْمُفَرَّقِينَ فِي سَبْعَةِ أَقَالِيمِ الْعَالَمِ الْمُتَمَسِّكِينَ بِدِينِ النَّصْرَانِيَّةِ - قَوْلٌ وَاحِدٌ وَنَصٌّ وَاحِدٌ، عَلَى مَا تَسَلَّمُوهُ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ حِينَ أَنْذَرُوهُمْ وَرَدُّوهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ إِلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، سَلَّمُوهَا إِلَيْهِم، كُلُّ أُمَّةٍ بِلِسَانِهَا، وَهِيَ عَلَى هَيْئَتِهَا إِلَى يَوْمِنَا هَذَا. وَالْجَوَابُ عَلَى هَذَا مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْقَوْلَ فِي سَائِرِ مَا يَذْكُرُونَهُ مِنَ النُّصُوصِ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَدْ تَكَلَّمَ عَلَى هَذَا مَنْ تَكَلَّمَ عَلَيْهِ مِنْ عُلَمَاءِ النَّصَارَى الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ، وَبَيَّنُوا مَا وَقَعَ فِي ذَلِكَ مِنْ تَحْرِيفِهِمْ لِمَعَانِي الْكُتُبِ الَّتِي عِنْدَهُم، وَذَكَرُوا مِمَّا عِنْدَهُمْ مِنَ النُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ بِأَنَّ الْمَسِيحَ عَبْدُ اللَّهِ لَيْسَ هُوَ اللَّهَ - مَا يَتَبَيَّنُ بِهِ بُطْلَانُ قَوْلِهِم، وَأَنَّهُمْ مِمَّنْ تَرَكُوا الْمُحْكَمَ مِنَ الْآيَاتِ وَاتَّبَعُوا الْمُتَشَابِهَ، وَلِهَذَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِم: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] .

стр. 1248

وَهَذَا كَقَوْلِ الْمَسِيحِ ﵇ لَمَّا سُئِلَ عَنْ عِلْمِ السَّاعَةِ فَقَالَ: (لَا يَعْلَمُهَا إِنْسَانٌ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ وَلَا الِابْنُ إِلَّا الْأَبُ فَقَط) فَنَفَى عَنْ نَفْسِهِ عِلْمَ السَّاعَةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى شَيْئَيْنِ: عَلَى أَنَّ اسْمَ الِابْنِ إِنَّمَا يَقَعُ عَلَى النَّاسُوتِ دُونَ اللَّاهُوتِ، فَإِنَّ اللَّاهُوتَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْفَى عَنْهُ عِلْمُ السَّاعَةِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِابْنَ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مَا يَعْلَمُهُ اللَّهُ، وَهَذَا يُبْطِلُ قَوْلَهُمْ بِالِاتِّحَادِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ الِاتِّحَادُ حَقًّا كَمَا يَزْعُمُونَ لَكَانَ الِابْنُ يَعْلَمُ مَا يَعْلَمُهُ اللَّهُ، وَيَقْدِرُ عَلَى مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ هُوَ اللَّهُ عِنْدَهُم، وَالنَّاسُوتُ لَا يَتَمَيَّزُ عِنْدَهُمْ عَنِ اللَّاهُوتِ فِيمَا يُوصَفُ بِهِ الْمَسِيحُ مِنْ كَوْنِهِ عَالِمًا قَادِرًا يُحْيِي وَيُمِيتُ. وَقَالَ الْمَسِيحُ لِتَلَامِيذِهِ: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَآمِنُوا بِي) وَقَالَ أَيْضًا: (مَنْ يُؤْمِنْ بِي فَلَيْسَ يُؤْمِنُ بِي فَقَطْ بَلْ وَبِالَّذِي أَرْسَلَنِي) ، وَهُمْ يَذْكُرُونَ أَنَّ الْمَسِيحَ ﵇ اسْتَصْرَخَ اللَّهَ قَائِلًا: (إِلَهِي إِلَهِي

стр. 1249

انْظُرْ لِمَاذَا تَرَكْتَنِي وَتَبَاعَدْتَ عَنْ خَلَاصِي) . الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُم: إِنَّ هَذِهِ الْكُتُبَ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَسَائِرِ النُّبُوَّاتِ؛ تَسَلَّمُوهَا مِنَ الْحَوَارِيِّينَ كُلُّ أُمَّةٍ بِلِسَانِهَا، وَهِيَ عَلَى هَيْئَتِهَا - قَوْلٌ لَمْ يُقِيمُوا عَلَى صِحَّتِهِ دَلِيلًا، بَلِ ادَّعَوْا ذَلِكَ دَعْوَى مُجَرَّدَةً. وَمِثْلُ هَذَا النَّقْلِ إِنْ لَمْ يَثْبُتْ بِالتَّوَاتُرِ لَمْ يُحْتَجَّ بِهِ فِي الْمَسَائِلِ الْعِلْمِيَّةِ، لَا سِيَّمَا إِذْ قِيلَ فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ: إِنَّ هَذَا كَذِبٌ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَلْسِنَةِ لَيْسَ عِنْدَ أَهْلِهِ إِنْجِيلًا قَدِيمًا، وَمِنْ ذَلِكَ لِسَانُ الْعَرَبِ، فَإِنَّ الْعَرَبَ النَّصَارَى كَثِيرُونَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَلَا تَعْرِفُ تَوْرَاةً وَلَا إِنْجِيلًا وَلَا نُبُوَّاتٍ عَرَبِيَّةً، إِلَّا مَا عُرِّبَ مِنَ النُّسَخِ الْعِبْرِيَّةِ وَالرُّومِيَّةِ وَالسُّرْيَانِيَّةِ، وَنَحْنُ نُطَالِبُهُمْ بِهَذِهِ الْكُتُبِ الَّتِي هِيَ بِالْعَرَبِيَّةِ الَّتِي فِي زَمَنِ الْحَوَارِيِّينَ أَيْنَ هِيَ؟ وَمَنْ رَآهَا؟ وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهَا كَانَتْ بِالْعَرَبِيَّةِ،

стр. 1250

فَهَذِهِ النُّسَخُ الْيَوْمَ الْعَرَبِيَّةُ الْمَوْجُودَةُ بِأَيْدِي النَّاسِ هِيَ مِمَّا عُرِّبَ مِمَّا بِأَيْدِيهِم، وَحِينَئِذٍ فَلَا تُعْرَفُ صِحَّتُهَا إِنْ لَمْ تُعْرَفْ صِحَّةُ التَّرْجَمَةِ، وَيَثْبُتْ نَقْلُ تِلْكَ عَنِ الْمَسِيحِ ﵇، وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي سَائِرِ الْأَلْسُنِ. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ التَّوْرَاةَ وَالنُّبُوَّاتِ الَّتِي نُقِلَتْ مِنْ نُسَخِ الْيَهُودِ وَالْأَنَاجِيلِ هِيَ أَرْبَعَةُ كُتُبٍ بَعْدَ الْمَسِيحِ ﵇، اثْنَانِ مِمَّنْ كَتَبَهَا لَمْ يَرَيَا الْمَسِيحَ، وَهُمَا لُوقَا، وَمُرْقُسُ، وَاثْنَانِ رَأَيَاهُ، وَهُمَا يُوحَنَّا، وَمَتَّى. وَالنُّسَخُ إِنَّمَا كَثُرَتْ عَنِ الْأَرْبَعَةِ، وَمَا يَنْقُلُهُ الْأَرْبَعَةُ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَوَاتِرًا مَعْلُومًا، وَإِذَا كَثُرَتِ الْأَلْسُنُ بِهَا فَمِنْ بَعْدِ الْأَرْبَعَةِ، لَا أَنَّ الَّذِينَ سَمِعُوهَا مِنَ الْمَسِيحِ ﵇ تَكَلَّمُوا بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا، فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ، وَلَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ، إِذِ الْحَوَارِيُّونَ كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ لَمْ يَكُونُوا اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ، فَإِذَا قِيلَ: إِنَّهُ نَقَلَهَا اثْنَانِ

стр. 1251

وَسَبْعُونَ، فَهُمْ نَقَلُوهَا عَمَّنْ نَقَلَهَا إِلَيْهِمْ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ، وَهُمْ إِنَّمَا يُسْنِدُونَ نَقْلَهَا إِلَى أَرْبَعَةٍ. الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّ الْحَوَارِيِّينَ لَيْسُوا مَعْصُومِينَ، بَلْ يَجُوزُ عَلَى أَحَدِهِمُ الْغَلَطُ فِي بَعْضِ مَا يَنْقُلُهُ، وَمَا يُنْقَلُ مِنْ خَوَارِقِهِمْ لِلْعَادَاتِ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُكَذِّبُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُصَدِّقُهُ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى عِصْمَتِهِم، إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ أَنَّهُمُ ادَّعَوُا النُّبُوَّةَ، وَأَقَامُوا الْمُعْجِزَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى نُبُوَّتِهِم، وَلَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَإِلَّا فَالصَّالِحُونَ إِذَا كَانَتْ لَهُمْ كَرَامَاتٌ لَمْ تَدُلَّ كَرَامَاتُهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ كَالْأَنْبِيَاءِ، بَلْ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الْغَلَطُ مَعَ ثُبُوتِ كَرَامَاتِهِم. وَالْحَوَارِيُّونَ عِنْدَهُمْ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ، وَإِنْ سَمَّوْهُمْ رُسُلًا، فَهُمْ رُسُلُ الْمَسِيحِ لَا رُسُلُ اللَّهِ ﵎. الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّ فِي هَذِهِ الْكُتُبِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ مَا يُنَاقِضُ قَوْلَهُمْ مِنَ الْأَقْوَالِ الصَّرِيحَةِ الْكَثِيرَةِ مَا هُوَ أَكْثَرُ وَأَصْرَحُ مِمَّا احْتَجُّوا بِهِ عَلَى قَوْلِهِم. وَالْوَاجِبُ حِينَئِذٍ التَّمَسُّكُ بِالصَّرِيحِ الْمُحْكَمِ، وَرَدُّ الْمُتَشَابِهِ إِلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِالْمُتَشَابِهِ، وَرَدُّ الْمُحْكَمِ إِلَيْهِ. الْوَجْهُ السَّابِعُ: أَنَّهُ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَرْضِ هَذِهِ الْكُتُبُ بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا سَوَاءٌ كَانَتْ كُلُّهَا مَنْقُولَةً عَنِ الْحَوَارِيِّينَ نَقْلًا صَحِيحًا،

стр. 1252

أَوْ كَانَ نُقِلَ أَكْثَرُهَا أَوْ أَكَثْرُ مِنْهَا مُتَرْجَمَةً مِنْ لُغَةٍ إِلَى لُغَةٍ. فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ بِكُلِّ لِسَانٍ عِدَّةُ نُسَخٍ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِهَا إِلَّا لِسَانٌ وَاحِدٌ مَعَ كَثْرَةِ النُّسَخِ بِهَا فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، لَمْ يُمْكِنْ أَحَدًا أَنْ يَقْطَعَ بِأَنَّ جَمِيعَ النُّسَخِ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ وَنَصٍّ وَاحِدٍ، كَمَا ادَّعَاهُ هَؤُلَاءِ فِي الِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا، حَيْثُ قَالُوا: (وَمِثْلُ هَذَا الْقَوْلِ فِي كُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى أَفْوَاهِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ كَثِيرٌ، عِنْدَ النَّصَارَى جَمِيعِهِمُ الْمُخْتَلِفَةِ أَلْسِنَتُهُمُ الْمُتَفَرِّقِينَ فِي سَبْعَةِ أَقَالِيمِ الْعَالَمِ، الْمُتَمَسِّكِينَ بِدِينِ النَّصْرَانِيَّةِ - قَوْلٌ وَاحِدٌ وَنَصٌّ وَاحِدٌ عَلَى مَا تَسَلَّمُوهُ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ، وَرَدُّوهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ فَسَلَّمُوهَا إِلَيْهِمْ كُلُّ أُمَّةٍ بِلِسَانِهَا، وَهِيَ عَلَى هَيْئَتِهَا إِلَى يَوْمِنَا هَذَا) . فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ يَتَضَمَّنُ عِدَّةَ دَعَاوَى لَيْسَ فِيهَا مَا يُمَكِّنُ قَائِلَهُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِهِ، فَعُلِمَ أَنَّ هَؤُلَاءِ تَكَلَّمُوا بِهَذَا الْكَلَامِ بِلَا عِلْمٍ، بَلْ بِالْجَهْلِ وَالضَّلَالِ، كَمَا هُوَ عَادَتُهُم، فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُم: مَنِ الَّذِي جَمَعَ كُلَّ نُسْخَةٍ فِي الْعَالَمِ مِنْ جَمِيعِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَسَائِرِ النُّبُوَّاتِ الْأَرْبَعَةِ وَالْعِشْرِينَ بِلِسَانٍ وَاحِدٍ كَالْعَرَبِيِّ مَثَلًا، وَهَلْ مَيَّزَ جَمِيعَ النُّسَخِ

стр. 1253

فَلَمْ يَجِدْ نُسْخَةً تَزِيدُ عَلَى نُسْخَةٍ وَلَا تَنْقُصُ عَنْهَا؟ وَمَعْلُومٌ إِنْ كَانَ هَذَا مُمْكِنًا أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ: جَمَعَهَا جَامِعٌ وَغَيَّرَ بَعْضَ أَلْفَاظِهَا، فَلَا يُمْكِنُهُمْ دَعْوَى بَقَائِهَا بِلَا تَغْيِيرٍ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ لَمْ يُمْكِنْ أَحَدًا أَنْ يَقُولَ: أَنَا أَعْلَمُ مُوَافَقَةَ كُلِّ نُسْخَةٍ مِنْ نُسَخِ هَذِهِ الْكُتُبِ لِكُلِّ نُسْخَةٍ تُوجَدُ فِي سَبْعَةِ أَقَالِيمِ الْعَالَمِ بِذَلِكَ اللِّسَانِ، فَضْلًا عَنِ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْأَلْسُنَ كُلَّهَا تَكَلَّمَتْ بِهَا الْحَوَارِيُّونَ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى لَفْظِهِمْ إِلَى الْيَوْمِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا أَمْكَنَهُ جَمْعُ نُسَخِ كِتَابِ وَاحِدٍ مِنْ جَمِيعِ الْفُنُونِ مِنْ كُتُبِ الطِّبِّ وَالْحِسَابِ وَالْهَنْدَسَةِ وَالنَّحْوِ وَالْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ، كَانَ إِمْكَانُ تَغْيِيرِ بَعْضِ أَلْفَاظِ تِلْكَ النُّسَخِ أَيْسَرَ عَلَيْهِمْ مِنْ مُقَابَلَةِ أَلْفَاظِ كُلِّ نُسْخَةٍ بِأَلْفَاظِ تِلْكَ النُّسَخِ مِثْلَهَا. فَإِنَّ هَذَا لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ فِي الْعَادَةِ، بَلْ هُوَ مُتَعَذِّرٌ أَوْ مُتَعَسِّرٌ، وَلَا سِيَّمَا وَالْمُقَابَلَةُ إِنْ كَانَتْ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَكُلٌّ مِنْهُمَا يَنْقُلُ لِلْآخَرِ لَفْظَ

стр. 1254

نُسْخَتِهِ فَيَكُونُ مَدَارُ الْمُقَابِلَةِ عَلَى خَبَرٍ وَاحِدٍ، لَمْ يَقْتَرِنْ بِخَبَرِهِ مَا يُعْلَمُ بِهِ صِدْقُهُ، فَقَدْ يَغْلَطَانِ أَوْ يَكْذِبَانِ جَمِيعًا. وَإِنْ كَانَتْ بَيْنَ عَدَدٍ يَحْصُلُ بِهِمُ الْعِلْمَ احْتَاجَتْ كُلُّ نُسْخَةٍ بِكُلِّ لِسَانٍ إِلَى أَنْ يَشْهَدَ بِلَفْظِهَا جَمْعٌ يَحْصُلُ بِهِمُ الْعِلْمُ، وَأُولَئِكَ بِأَعْيَانِهِمْ يَشْهَدُونَ بِلَفْظِ كُلِّ نُسْخَةٍ بِكُلِّ لِسَانٍ، وَيَشْهَدُونَ بِلَفْظِ كُلِّ نُسْخَةٍ، وَيَشْهَدُ لَهُمْ مَنْ هُوَ مِثْلُهُمْ بِلَفْظِ النُّسْخَةِ الْأُخْرَى (وَمُوَافَقَتِهَا لَهَا، وَهَؤُلَاءِ أَوْ مِثْلُهُمْ بِمُوَافَقَةِ النُّسْخَةِ الثَّانِيَةِ) . وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ، بَلْ لَوِ اجْتَمَعَ جَمِيعُ مُلُوكِ النَّصَارَى عَلَى ذَلِكَ (وَعُلَمَاءُ بِلَادِهِمْ عَلَى ذَلِكَ) لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، فَإِنَّ مِنَ النُّسَخِ مَا هُوَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْهَا مَا هُوَ فِي بِلَادٍ لَا حُكْمَ لَهُمْ عَلَيْهَا، وَأَيْضًا فَقَدْ يَكُونُ فِي بِلَادِهِمْ مِنَ النُّسَخِ مَا لَمْ يُظْهِرْهَا أَصْحَابُهَا. فَكُلُّ مَنْ شَهِدَ مِنَ النَّصَارَى، وَغَيْرِهِمْ بِأَنَّ كُلَّ نُسْخَةٍ فِي الْعَالَمِ بِهَذِهِ الْكُتُبِ تُوَافِقُ جَمِيعَ النُّسَخِ فَهُوَ شَاهِدُ زُورٍ شَهِدَ بِمَا لَا يَعْلَمُ، بَلْ شَهِدَ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ فِيهِ.

стр. 1255

وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ بِمِثْلِ هَذَا لِنُسَخِ أَيِّ كِتَابٍ كَانَ، فَإِنَّ الْعَادَةَ الْمَعْرُوفَةَ أَنَّ نُسَخَ الْكُتُبِ تَخْتَلِفُ وَيَزِيدُ بَعْضُهَا وَيَنْقُصُ بَعْضُهَا، وَالْقُرْآنُ الْمَنْقُولُ بِالتَّوَاتُرِ لَمْ يَكُنْ الِاعْتِمَادُ فِي نَقْلِهِ عَلَى نُسَخِ الْمَصَاحِفِ، بَلْ الِاعْتِمَادُ عَلَى حِفْظِ أَهْلِ التَّوَاتُرِ لَهُ فِي صُدُورِهِم. وَلِهَذَا إِذَا وُجِدَ مُصْحَفٌ يُخَالِفُ حِفْظَ النَّاسِ أَصْلَحُوهُ، وَقَدْ يَكُونُ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَاحِفِ غَلَطٌ، فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ مَعَ أَنَّ الْمَصَاحِفَ الَّتِي كَتَبَهَا الصَّحَابَةُ قَدْ قَيَّدَ النَّاسُ صُورَةَ الْخَطِّ وَرَسْمَهُ، وَصَارَ ذَلِكَ أَيْضًا مَنْقُولًا بِالتَّوَاتُرِ فَنَقَلُوا بِالتَّوَاتُرِ لَفْظَ الْقُرْآنِ حِفْظًا، وَنَقَلُوا رَسْمَ الْمَصَاحِفِ أَيْضًا بِالتَّوَاتُرِ. وَنَحْنُ لَا نَدَّعِي اتِّفَاقَ جَمِيعِ نُسَخِ الْمَصَاحِفِ كَمَا لَا نَدَّعِي أَنَّ كُلَّ مَنْ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ لَا يَغْلَطُ، بَلْ أَلْفَاظُهُ مَنْقُولَةٌ بِالتَّوَاتُرِ حِفْظًا وَرَسْمًا فَمَنْ خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ عَلِمَ النَّاسُ أَنَّهُ غَلِطَ لِمُخَالَفَتِهِ النَّقْلَ الْمُتَوَاتِرَ، بِخِلَافِ هَذِهِ الْكُتُبِ، فَإِنَّ النَّصَارَى لَمْ يَحْفَظُوهَا كُلَّهَا فِي قُلُوبِهِمْ تَلَقِيًّا لَهَا عَنِ الْحَوَارِيِّينَ حِفْظًا مَنْقُولًا بِالتَّوَاتُرِ، بَلْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَحْفَظُهَا كُلَّهَا، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَحْفَظَهَا كُلَّهَا أَهْلُ التَّوَاتُرِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَحْفَظَ كُلَّ لِسَانٍ مِنْهَا مَنْ تَوَاتَرَ بِهِمْ ذَلِكَ اللِّسَانُ.

стр. 1256

وَهَذَا أَمْرٌ مَعْلُومٌ لِجَمِيعِ النَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ لَمْ يَحْفَظْهَا كُلَّهَا بِكُلِّ لِسَانٍ مِنْ زَمَنِ الْحَوَارِيِّينَ عَدَدُ التَّوَاتُرِ، بَلْ وَلَا فِي زَمَنٍ مِنَ الْأَزْمَانِ، بَلْ بَعْدَ انْتِشَارِ النَّصَارَى، وَكَثْرَتِهِم، وَتَفَرُّقِهِمْ فِي الْأَقَالِيمِ السَّبْعَةِ لَا يَكَادُ يُوجَدُ فِيهِمْ مَنْ يَحْفَظُهَا كُلَّهَا عَنْ قَلْبِهِ، كَمَا يَحْفَظُ صِبْيَانُ مَكَاتِبِ الْمُسْلِمِينَ الْقُرْآنَ، فَكَيْفَ يَحْفَظُهَا فِي كُلِّ زَمَانٍ أَهْلُ التَّوَاتُرِ؟ فَكَيْفَ يَحْفَظُ كُلَّ لِسَانٍ مِنْ الِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ أَهْلُ التَّوَاتُرِ؟ وَإِذَا كَانَ اعْتِمَادُهُمْ إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْكُتُبِ، وَهُمْ لَا يُمْكِنُهُمْ مَعْرِفَةُ اتِّفَاقِ جَمِيعِ النُّسَخِ بِلِسَانٍ وَاحِدٍ فَضْلًا عَنْ جَمِيعِ الْأَلْسِنَةِ، عُلِمَ أَنَّ دَعْوَاهُمْ أَنَّهَا لَمْ تَزَلْ مُتَّفِقَةً عَلَى نَصٍّ وَاحِدٍ وَلَفْظٍ وَاحِدٍ، وَأَنَّ جَمِيعَ نُسَخِهَا مُتَّفِقَةٌ فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَفِيمَا قَبْلَهُ - كَلَامُ مُجَازِفٍ يَتَكَلَّمُ بِلَا عِلْمٍ، بَلْ يَتَكَلَّمُ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ بَاطِلٌ. الْوَجْهُ الثَّامِنُ: أَنَّ هَذَا لَوْ قُدِّرَ إِمْكَانُهُ، فَإِنَّمَا يَكُونُ مَنْقُولًا لَوْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ كَذِبٌ فَكَيْفَ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ كَذِبٌ؟ فَإِنَّهُ يُوجَدُ فِي هَذَا الزَّمَانِ نُسَخُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَالنُّبُوَّاتِ مُخْتَلِفَةً مُتَنَاقِضَةً. وَالنُّسَخُ الَّتِي عِنْدَ النَّصَارَى مُخْتَلِفَةٌ، وَهِيَ أَيْضًا تُخَالِفُ نُسَخَ الْيَهُودِ وَالسَّامِرَةِ فِي مَوَاضِعَ، وَحِينَئِذٍ فَإِذَا قَالَتِ النَّصَارَى: نُسَخُنَا هِيَ الصَّحِيحَةُ - لَمْ يَكُنْ هَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْيَهُودِ: نُسَخُنَا هِيَ الصَّحِيحَةُ. بَلْ مَعْلُومٌ أَنَّ اعْتِنَاءَ الْيَهُودِ بِالتَّوْرَاةِ أَعْظَمُ مِنَ اعْتِنَاءِ النَّصَارَى، (ثُمَّ بَعْدَ هَذَا، مَا ذَكَرُوهُ لَا يَكْفِي إِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ نُسَخَهُمْ تُوَافِقُ النُّسَخَ الَّتِي عِنْدَ الْيَهُودِ حَتَّى السَّامِرَةِ، وَهَذَا غَيْرُ مَعْلُومٍ) . وَإِنْ قَالُوا: إِذَا خَالَفَ نَقْلُ الْيَهُودِ لِنَقْلِ الْحَوَارِيِّينَ - لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ

стр. 1257

لِأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ. كُلُّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى دَعْوَى عِصْمَتِهِم، وَقَدْ عُرِفَ فَسَادُهُ، وَإِذَا قَالَتِ النَّصَارَى: نَحْنُ نَنْقُلُهَا عَنِ الْحَوَارِيِّينَ الْمَعْصُومِينَ، قَالَتِ الْيَهُودُ: نَحْنُ نَنْقُلُهَا عَن مُوسَى الْمَعْصُومِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمِلَلِ، أَوْ عَنِ الْعَارِفِ الْمَعْصُومِ بِاتِّفَاقِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَكَثِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَالتَّوْرَاةُ بِاتِّفَاقِ الْخَلْقِ مَأْخُوذَةٌ عَن مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ وَهُوَ مَعْصُومٌ، وَإِنَّمَا يَطْعَنُ مَنْ يَطْعَنُ فِي نَقْلِ بَعْضِهَا لِانْقِطَاعِ التَّوَاتُرِ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ لَمَّا خُرِّبَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ، وَلَمْ يَبْقَ فِيهِ سَاكِنٌ، أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ سَنَةً، فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ: إِنَّ بَعْضَ أَلْفَاظِهَا غُيِّرَ حِينَئِذٍ، وَيَقُولُ بَعْضُهُم: لَمْ تُغَيَّرْ أَلْفَاظُ جَمِيعِ النُّسَخِ، وَإِنَّمَا غُيِّرَ أَلْفَاظُ بَعْضِ النُّسَخِ، وَانْتَشَرَتِ النُّسَخُ الْمُغَيَّرَةُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ حَتَّى لَا يَعْرِفُوا غَيْرَهَا. ثُمَّ بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمْ يَزَلْ فِيهِمْ نَبِيٌّ بَعْدَ نَبِيٍّ حَتَّى جَاءَ الْمَسِيحُ، وَبَعْدَ الْمَسِيحِ فَلَمْ يَزَالُوا خَلْقًا كَثِيرًا لَا يُمْكِنُ تَوَاطُؤُهُمْ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا عَلَى تَغْيِيرِ نُسَخِ التَّوْرَاةِ، بِخِلَافِ الْإِنْجِيلِ فَإِنَّهُ إِنَّمَا نَقَلَهُ أَرْبَعَةٌ، وَمَنْ كَتَبَ التَّوْرَاةَ وَالزَّبُورَ وَالنُّبُوَّاتِ مِنْ أَتْبَاعِ الْمَسِيحِ، فَإِنَّمَا كَتَبُوهَا مِنَ النُّسَخِ الَّتِي كَانَتْ بِأَيْدِي الْيَهُودِ.

стр. 1258

وَإِذَا قَالُوا: كَانُوا مَعْصُومِينَ، فَهَذَا مَمْنُوعٌ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ فَالْيَهُودُ يَنْقُلُونَهَا أَيْضًا عَنِ الْمَعْصُومِ قَبْلَ هَؤُلَاءِ، فَلَا يُمْكِنُ مَعَ هَذَا أَنْ يَدَّعِيَ مُدَّعٍ أَنَّ النُّبُوَّاتِ الَّتِي عِنْدَ النَّصَارَى تَوَاتَرَتْ عَنِ الْمَعْصُومِ أَعْظَمَ مِنْ تَوَاتُرِ مَا عِنْدَ الْيَهُودِ، بَلْ لَا يَشُكُّ الْعُقَلَاءُ الْعَادِلُونَ أَنَّ نَقْلَ حُرُوفِ التَّوْرَاةِ أَصَحُّ مِنْ نَقْلِ حُرُوفِ الْإِنْجِيلِ. وَهَذَا أَمْرٌ يُعْرَفُ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ فَإِنَّ التَّوْرَاةَ أُخِذَتْ عَنِ الْمَعْصُومِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمِلَلِ، وَكَانَتْ مَنْقُولَةً قَبْلَ الْمَسِيحِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَبَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَعْظَمَ مِنْ نَقْلِ الْإِنْجِيلِ، وَبَعْدَ الْمَسِيحِ نَقَلَهَا الْيَهُودُ، وَالنَّصَارَى. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَإِذَا وُجِدَ مَا عِنْدَ الْيَهُودِ وَالسَّامِرَةِ مِنْ نُسَخِ النُّبُوَّاتِ يُخَالِفُ مَا عِنْدَ النَّصَارَى فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ - كَانَ هَذَا دَلِيلًا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْكُتُبَ لَيْسَتْ أَلْفَاظُهَا مَنْقُولَةً عَنْ نَصٍّ وَاحِدٍ، وَأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ لَفْظٍ مِنْ أَلْفَاظِهَا مُتَوَاتِرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1259

الْوَجْهُ التَّاسِعُ: أَنَّ جَمِيعَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى مَذْهَبِهِمْ أَلْبَتَّةَ نَصًّا، بَلْ غَايَةُ مَا يَدَّعُونَ فِيهَا الظُّهُورُ، وَهُمْ مُنَازَعُونَ فِي ذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ: بَلِ الظَّاهِرُ فِيمَا يَحْتَجُّونَ بِهِ خِلَافُ قَوْلِهِم. وَمَعْلُومٌ أَنَّ أُصُولَ الْإِيمَانِ الَّتِي يُؤْمِنُ أَهْلُ الْإِيمَانِ بِهَا، وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهَا - لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً عِنْدَهُمْ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْعِلْمُ لَا يَحْصُلُ بِلَفْظٍ مُحْتَمَلٍ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا عِلْمَ عِنْدَهُمْ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈، وَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ. الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: أَنَّ أَصْرَحَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ التَّثْلِيثِ، هُوَ قَوْلُهُ: (عَمِّدُوا النَّاسَ بَاسْمِ الْأَبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ) ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ بَنَوْا قَوْلَهُمْ بِالتَّثْلِيثِ، وَأَثْبَتُوا لِلَّهِ ثَلَاثَةَ أَقَانِيمَ. وَلَفْظُ الْأَقَانِيمِ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا أَحَدٌ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ بِاتِّفَاقِهِم، بَلْ هُوَ مِمَّا ابْتَدَعُوهُ، قِيلَ: إِنَّهُ لَفْظٌ رُومِيٌّ مَعْنَاهُ: الْأَصْلُ، ثُمَّ أُقْنُومُ الِابْنِ تَارَةً يَقُولُونَ: " هُوَ عِلْمُ اللَّهِ "، وَتَارَةً يَقُولُونَ: " هُوَ حِكْمَةُ اللَّهِ "، وَتَارَةً يَقُولُونَ: " هُوَ كَلِمَةُ اللَّهِ "، وَتَارَةً يَقُولُونَ: " هُوَ نُطْقُ اللَّهِ "،

стр. 1260

وَرُوحُ الْقُدُسِ تَارَةً يَقُولُونَ: " هُوَ حَيَاةُ اللَّهِ " وَتَارَةً يَقُولُونَ: " هُوَ قُدْرَةُ اللَّهِ ". وَالْكُتُبُ الْمَنْقُولَةُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ عِنْدَهُمْ لَيْسَ فِيهَا تَسْمِيَةُ شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ لَا بَاسْمِ ابْنٍ وَلَا بَاسْمِ رُوحِ الْقُدُسِ، فَلَا يُوجَدُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ سَمَّى عِلْمَ اللَّهِ وَحِكْمَتَهُ وَكَلَامَهُ - ابْنًا، وَلَا سَمَّى حَيَاةَ اللَّهِ أَوْ قُدْرَتَهُ رُوحَ الْقُدُسِ، بَلْ رُوحُ الْقُدُسِ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ يُرَادُ بِهَا مَعْنًى لَيْسَ هُوَ حَيَاةَ اللَّهِ، كَمَا يُرَادُ بِهَا مَلَكُ اللَّهِ أَوْ مَا يُنَزِّلُهُ فِي قُلُوبِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ مِنْ هُدَاهُ وَنُورِهِ وَتَأْيِيدِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، عُلِمَ أَنَّ مَا فَسَّرُوا بِهِ قَوْلَ الْمَسِيحِ ﵇: (عَمِّدُوا النَّاسَ بِاسْمِ الْأَبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ) - كَذِبٌ صَرِيحٌ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ مَا فَسَّرُوا بِهِ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ إِثْبَاتِ الْأَقَانِيمِ الثَّلَاثَةِ كَذِبٌ صَرِيحٌ عَلَيْهِم، كَقَوْلِهِمْ إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلَهُ إِسْحَاقَ وَإِلَهُ يَعْقُوبَ، أَرَادُوا بِهِ إِثْبَاتَ ثَلَاثَةِ آلِهَةٍ، فَإِنَّ هَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ ضَلَالُهُمْ فِيهِ وَافْتِرَاؤُهُمْ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَيُعْلَمُ أَنَّ إِلَهَ الثَّلَاثَةِ هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَيْسَ إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ إِلَهًا آخَرَ غَيْرَ إِلَهِ إِسْحَاقَ حَتَّى لَوْ قِيلَ بِالْأَقَانِيمِ، فَلَا يَقُولُ عَاقِلٌ: إِنَّ أَحَدَ الْأَقَانِيمِ إِلَهُ هَذَا، وَالْأُقْنُومَ الْآخَرَ إِلَهُ الْآخَرِ، فَإِنَّ هَذَا

стр. 1261

لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنَ الْعُقَلَاءِ لَا النَّصَارَى، وَلَا غَيْرِهِم، لَا يَقُولُونَ: إِنَّ الْأَبَ إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ مَثَلًا، وَالِابْنَ إِلَهُ إِسْحَاقَ، وَرُوحَ الْقُدُسِ إِلَهُ يَعْقُوبَ، بَلْ هُمْ مُتَّفِقُونَ مَعَ قَوْلِهِمْ بِالتَّثْلِيثِ أَنَّ الْجَمِيعَ إِلَهٌ وَاحِدٌ لِجَمِيعِ الْمُرْسَلِينَ، لَيْسَ إِلَهُ هَذَا أُقْنُومًا وَإِلَهُ الْآخَرِ أُقْنُومًا آخَرَ، فَعُلِمَ أَنَّ مَا يُفَسِّرُونَ بِهِ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ كَذِبٌ، لَا يَصِحُّ لَا عَلَى تَثْلِيثِهِمُ الَّذِي ابْتَدَعُوهُ، وَلَا قَوْلِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ الْمُتَّبِعِينَ لِرُسُلِ اللَّهِ تَعَالَى.

стр. 1262

[فَصْلٌ: رَأْيُ النَّصَارَى فِي عَدَمِ إِيمَانِ الْيَهُودِ بِالْمَسِيحِ بِالرَّغْمِ مِمَّا ذُكِرَ عِنْدَهُمْ مِنَ النُّبُوَّاتِ عَنْ ظُهُورِهِ] قَالَ الْحَاكِي عَنْهُم: فَقُلْتُ لَهُم: إِذَا كَانَتْ هَذِهِ النُّبُوَّاتُ عِنْدَ الْيَهُودِ، وَهُمْ مُقِرُّونَ مُعْتَرِفُونَ بِهَا أَنَّهَا حَقٌّ، وَأَنَّهَا عَتِيدَةٌ أَنْ تَكْمُلَ عِنْدَ مَجِيءِ الْمَسِيحِ فَأَيُّ حُجَّةٍ لَهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهَا عَنِ الْإِيمَانِ بِهِ؟ أَجَابُوا قَائِلِينَ: إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَاصْطَفَاهُمْ عَلَى النَّاسِ لَهُ شَعْبًا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَحَيْثُ كَانُوا فِي أَرْضِ مِصْرَ فِي عُبُودِيَّةِ فِرْعَوْنَ أَرْسَلَ إِلَيْهِم مُوسَى النَّبِيَّ دَلَّهُمْ عَلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ، وَوَعَدَهُمْ أَنَّ اللَّهَ يُخَلِّصُهُمْ مِنْ عُبُودِيَّةِ فِرْعَوْنَ، وَيُخْرِجُهُمْ مِن مِصْرَ، وَيُرِيهِمْ أَرْضَ الْمِيعَادِ الَّتِي هِيَ أَرْضُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَطَلَبَ مُوسَى مِنَ اللَّهِ، وَعَمِلَ الْعَجَائِبَ قُدَّامَ عُيُونِهِم وَضُرِبَ أَهْلُ مِصْرَ عَشْرَ الضَّرَبَاتِ، وَهُمْ يَرَوْنَ ذَلِكَ جَمِيعَهُ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَصْنَعُهُ لِأَجْلِهِم، وَأَخْرَجَهُمْ مِن مِصْرَ بِيَدٍ قَوِيَّةٍ، وَشَقَّ لَهُمُ الْبَحْرَ، وَأَدْخَلَهُمْ فِيهِ، وَصَارَ لَهُمُ الْمَاءُ حَائِطًا عَنْ يَمِينِهِم، وَحَائِطًا عَنْ شِمَالِهِم، وَدَخَلَ فِرْعَوْنُ، وَجَمِيعُ جُنُودِهِ فِي الْبَحْرِ، وَبَنُو إِسْرَائِيلَ يَنْظُرُونَ ذَلِكَ فَلَمَّا بَرَزَ مُوسَى وَبَنُو إِسْرَائِيلَ مِنَ الْبَحْرِ، وَخَلْفَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فِيهِ - أَمَرَ اللَّهُ لِمُوسَى أَنْ يَرُدَّ عَصَاهُ إِلَى الْمَاءِ فَعَادَ الْمَاءُ كَمَا كَانَ، وَغَرِقَ فِرْعَوْنُ وَجَمِيعُ جُنُودِهِ فِي الْبَحْرِ، وَبَنُو إِسْرَائِيلَ يَشْهَدُونَ ذَلِكَ

стр. 1263

فَلَمَّا غَابَ عَنْهُم مُوسَى إِلَى الْجَبَلِ لِيُنَاجِيَ رَبَّهُ، وَأَخَذَ لَهُمُ التَّوْرَاةَ مِنْ يَدِ اللَّهِ تَرَكُوا عِبَادَةَ اللَّهِ، وَنَسُوا جَمِيعَ أَفْعَالِهِ، وَكَفَرُوا بِهِ وَعَبَدُوا رَأْسَ الْعِجْلِ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ، ثُمَّ عَبَدُوا الْأَصْنَامَ مِرَارًا كَثِيرَةً لَيْسَ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَذَبَحُوا لَهَا الذَّبَائِحَ لَيْسَتْ حَيَوَانَاتٍ بَلْ بَنِيهِمْ مَعَ الْبَنَاتِ حَسْبَمَا ذُكِرَ فِيمَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَجَمِيعُ أَفْعَالِهِمْ مَكْتُوبَةٌ فِي أَخْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ قَسَاوَةَ قُلُوبِهِم، وَغِلَظَ رِقَابِهِمْ وَكُفْرَهُمْ بِهِ، وَرَأَى أَفْعَالَهُمُ النَّجِسَةَ الْخَبِيثَةَ، غَضِبَ عَلَيْهِمْ وَجَعَلَهُمْ مَرْذُولِينَ، وَطَبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ، وَجَعَلَهُمْ مُهَانِينَ فِي جَمِيعِ الْأُمَمِ، وَلَيْسَ لَهُمْ مَلِكٌ وَلَا بِلَادٌ وَلَا نَبِيٌّ وَلَا كَاهِنٌ إِلَى الْأَبَدِ حَسْبَمَا تَنَبَّئَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبِيَاءُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ، وَتَشْهَدُ بِهِ كُتُبُهُمُ الَّتِي فِي أَيْدِيهِمْ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا. وَكَذَا قَالَ اللَّهُ لِأَشْعِيَا: (اذْهَبْ إِلَى هَذَا الشَّعْبِ، فَقُلْ لَهُمْ تَسْمَعُونَ سَمَاعًا وَلَا تَفْهَمُونَ، وَيَنْظُرُونَ نَظَرًا وَلَا تُبْصِرُونَ، لِأَنَّ قَلْبَ هَذَا الشَّعْبِ قَدْ غَلُظَ وَقَدْ سَمِعُوا بِأَفْهَامِهِمْ سَمْعًا ثَقِيلًا، وَقَدْ غَمَّضُوا أَعْيُنَهُمْ لِئَلَّا يُبْصِرُوا بِهَا، وَسَمِعُوا بِآذَانِهِمْ وَلَا يَفْهَمُونَ بِقُلُوبِهِم، وَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ فَأَرْحَمُهُم) .

стр. 1264

وَقَالَ أَشْعِيَا: (قَالَ اللَّهُ: هَكَذَا مَقَتَتْ نَفْسِي سُبُوتَكُمْ وَرُءُوسَ شُهُورِكُمْ صَارَتْ عِنْدِي مَرْذُولَةً، وَقَالَ: (وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَقُولُ اللَّهُ: سَأُبْطِلُ السُّبُوتَ وَالْأَعْيَادَ كُلَّهَا وَأُعْطِيكُمْ سُنَّةً جَدِيدَةً مُخْتَارَةً لَا كَالسُّنَّةِ الَّتِي أَعْطَيْتُهَا لِمُوسَى عَبْدِي (يَوْمَ حُورِيبَ) يَوْمَ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ، بَلْ سُنَّةً جَدِيدَةً مُخْتَارَةً أَمَرَ بِهَا وَأَخْرَجَهَا مِن صِهْيُونَ) فَصِهْيُونُ هِيَ أُورْشَلِيمُ، وَالسُّنَّةُ الْجَدِيدَةُ الْمُخْتَارَةُ: هِيَ السُّنَّةُ الَّتِي تَسَلَّمْنَاهَا نَحْنُ مَعْشَرَ النَّصَارَى مِنْ يَدَيِ الرُّسُلِ الْحَوَارِيِّينَ الْأَطْهَارِ الَّذِينَ خَرَجُوا مِن أُورْشَلِيمَ، وَدَارُوا فِي سَبْعَةِ أَقَالِيمِ الْعَالَمِ وَأَنْذَرُوا بِهَذِهِ السُّنَّةِ الْجَدِيدَةِ. فَأَيُّ بَيَانٍ يَكُونُ أَوْضَحَ وَأَصَحَّ مِنْ هَذَا الْبَيَانِ، إِذْ قَدْ أَوْرَدْنَاهُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ، وَلَا سِيَّمَا وَأَعْدَاؤُنَا الْيَهُودُ الْمُخَالِفُونَ لِدِينِنَا شَهِدُوا لَنَا بِصِحَّةِ ذَلِكَ جَمِيعِهِ. وَأَمَّا حُجَّةُ الْيَهُودِ فِي هَذِهِ النُّبُوَّاتِ يَقُولُونَ وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا حَقٌّ، وَأَنَّهَا قَوْلُ اللَّهِ لَكِنْ يَقُولُونَ: إِنَّهَا عَتِيدَةٌ (فَهَذِهِ النُّبُوَّاتُ مِثْلَمَا هِيَ عِنْدَ الْيَهُودِ كَذَلِكَ هِيَ عِنْدَنَا مَعْشَرَ النَّصَارَى فِي اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا، فَيَرَاهُمْ جَمِيعُ

стр. 1265

الْأُمَمِ قَوْلًا وَاحِدًا وَأَنَّهَا قَوْلُ اللَّهِ، وَقَالَتِ الْيَهُودُ نَحْنُ مُصَدِّقُونَ بِهَا) أَنْ تَكْمُلَ وَتَتِمَّ عِنْدَ مَجِيءِ الْمَسِيحِ، لَكِنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يَجِئْ بَعْدُ، وَأَنَّ الَّذِي جَاءَ لَيْسَ هُوَ الْمَسِيحَ. هَذَا قَوْلُهُم، وَكَفَاهُمْ أَنَّهُمْ يَكْفُرُونَ وَيَفْجُرُونَ مَعَ الْكُفْرِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْمَسِيحَ كَانَ ضَالًّا مُضِلًّا، وَأَمَّا الْمَسِيحُ الْحَقُّ فَعَتِيدٌ أَنَّهُ يَأْتِي وَيُكْمِلُ نُبُوَّاتِ الْأَنْبِيَاءِ إِذَا جَاءَ، وَإِذَا جَاءَ اتَّبَعْنَاهُ وَكُنَّا أَنْصَارَهُ، وَهَذَا رَأْيُهُمْ وَاعْتِقَادُهُمْ فِي السَّيِّدِ الْمَسِيحِ، فَمَاذَا يَكُونُ أَعْظَمَ مِنْ هَذَا الْكُفْرِ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ؟ وَلِأَجْلِ (ذَلِكَ فِي هَذَا الْكِتَابِ سَمَّاهُمُ الْمَغْضُوبَ عَلَيْهِمْ لِأَجْلِ) خِلَافِهِمْ لِقَوْلِ اللَّهِ الَّذِي أَرْسَلَ نُطْقَهُ عَلَى أَفْوَاهِ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَمَّا كُنَّا نَحْنُ النَّصَارَى مُتَمَسِّكِينَ بِمَا أَمَرَتْنَا بِهِ الرُّسُلُ الْأَطْهَارُ سَمَّانَا فِي هَذَا الْكِتَابِ الْمُنْعَمَ عَلَيْهِم، وَأَمَّا قَوْلُنَا فِي اللَّهِ: ثَلَاثَةُ أَقَانِيمَ إِلَهٌ وَاحِدٌ، فَهُوَ أَنَّ اللَّهَ نَطَقَ بِهِ وَأَوْضَحَهُ فِي التَّوْرَاةِ، وَفِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا جَاءَ فِي السِّفْرِ الْأَوَّلِ مِنَ التَّوْرَاةِ يَقُولُ: (حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ
следующие страницы →