← Акыда

Акыда · id 170

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية

ابن تيمية

Полный текст (2 831 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

دَاوُدَ، وَيَكُونُ مَلِكًا عَلَى آلِ يَعْقُوبَ إِلَى الْأَبَدِ. فَقَالَتْ مَرْيَمُ: أَنَّى يَكُونُ لِي ذَلِكَ وَلَمْ يَمْسَسْنِي رَجُلٌ؟ قَالَ لَهَا الْمَلَكُ: إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ يَأْتِيكِ، أَوْ قَالَ: يَحِلُّ فِيكِ، وَقُوَّةَ الْعَلِيِّ تُحْبِلُكِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ يَكُونُ الَّذِي يُولَدُ مِنْكِ قِدِّيسًا، وَيُسَمَّى ابْنُ اللَّهِ الْعَلِيِّ) . قَالَ: فَلَمْ نَرَ الْمَلَكَ قَالَ لَهَا: إِنَّ الَّذِي تَلِدِينَ هُوَ خَالِقُكِ، وَهُوَ الرَّبُّ كَمَا سَمَّيْتُمُوهُ، بَلْ أَزَالَ الشَّكَّ فِي ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ الرَّبَّ يُعْطِيِهِ كُرْسِيَّ أَبِيهِ دَاوُدَ، وَيَصْطَفِيِهِ وَيُكْرِمُهُ، وَأَنَّ دَاوُدَ النَّبِيَّ أَبُوهُ، وَأَنَّهُ يُسَمَّى ابْنُ اللَّهِ، وَمَا قَالَ أَيْضًا: (أَنَّهُ يَكُونُ مَلِكًا عَلَى الْأَرْضِ) وَإِنَّمَا جُعِلَ لَهُ الْمُلْكُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَطْ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ مَنْ يُسَمَّى بِابْنِ اللَّهِ كَثِيرٌ لَا يُحْصَوْنَ، فَمِنْ ذَلِكَ إِقْرَارُكُمْ بِأَنَّكُمْ جَمِيعًا أَبْنَاءُ اللَّهِ

стр. 1437

بِالْمَحَبَّةِ، وَقَوْلُ الْمَسِيحِ: (أَبِي وَأَبِيكُمْ، وَإِلَهِي وَإِلَهِكُمْ) ، فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْإِنْجِيلِ، ثُمَّ تَسْمِيَةُ اللَّهِ يَعْقُوبَ وَغَيْرَهُ بَنِيهِ خُصُوصًا، فَالسَّبِيلُ فِي الْمَسِيحِ إِذَا لَمْ تُلْحِقُوهُ فِي هَذَا الِاسْمِ بِالْجُمْهُورِ أَنْ يَجْرِيَ فِي هَذِهِ التَّسْمِيَةِ مَجْرَى الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ اخْتُصُّوا بِهَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَبْرَارِ، وَنِسْبَةُ الْمَلَكِ إِيَّاهُ إِلَى أَبِيهِ دَاوُدَ تُحَقِّقُ أَنَّ أَبَاهُ دَاوُدَ، وَأَنَّ التَّسْمِيَةَ الْأُولَى عَلَى جِهَةِ الِاصْطِفَاءِ وَالْمَحَبَّةِ، وَأَنَّ حُلُولَ الرُّوحِ عَلَيْهِ عَلَى الْجِهَةِ الَّتِي قَالَهَا " مَتَّى " التِّلْمِيذُ لِلشَّعْبِ عَنِ الْمَسِيحِ فِي الْإِنْجِيلِ: (لَسْتُمْ أَنْتُمْ مُتَكَلِّمِينَ، بَلْ رُوحُ اللَّهِ تَأْتِيكُمْ تَتَكَلَّمُ فِيكُمْ) . فَأَخْبَرَ أَنَّ الرُّوحَ تَحِلُّ فِي الْقَوْمِ أَجْمَعِينَ وَتَتَكَلَّمُ فِيهِمْ، وَقَالَ الْمَلَكُ فِي بِشَارَتِهِ لِمَرْيَمَ بِالْمَسِيحِ ﵇: إِنَّهُ يَكُونُ مَلِكًا عَلَى آلِ يَعْقُوبَ. فَخَصَّ آلَ يَعْقُوبَ بِتَمَلُّكِهِ عَلَيْهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ النَّاسِ، وَلَمْ يَقُلْ إِنَّهُ يَكُونُ إِلَهًا لِلْخَلَائِقِ، وَمَعْنَى قَوْلِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ

стр. 1438

لِمَرْيَمَ ٧٤: (رَبُّنَا مَعَكِ) مِثْلُ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ لِمُوسَى وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ: (إِنِّي مَعَكُمْ) فَقَدْ قَالَ لِيُوشَعَ بْنِ نُونَ: (إِنِّي أَكُونُ مَعَكَ، كَمَا كُنْتُ مَعَ مُوسَى عَبْدِي) فَقَوْلُ النَّصَارَى كُلِّهُمْ فِي مَجَارِي لُغَتِهِمْ وَمَعَانِي أَلْفَاظِهِمْ أَنَّ اللَّهَ وَرُوحَ الْقُدُسِ مَعَ كُلِّ خَطِيبٍ وَرَاهِبٍ وَفَاضِلٍ فِي دِينِهِ عَلَى هَذِهِ السَّبِيلِ. قَالَ: وَأَمَّا النِّدَاءُ الَّذِي سَمِعَهُ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا مِنَ السَّمَاءِ فِي الْمَسِيحِ، وَشَهَادَةُ يَحْيَى لَهُ، فَإِنَّ " مَتَّى " قَالَ فِي إِنْجِيلِهِ: (إِنَّ الْمَسِيحَ ﵇ لَمَّا خَرَجَ مِنَ الْأُرْدُنِّ تَفَتَّحَتْ لَهُ السَّمَاءُ، فَنَظَرَ يَحْيَى إِلَى رُوحِ الْقُدُسِ قَدْ نَزَلَتْ عَلَى الْمَسِيحِ كَهَيْئَةِ حَمَامَةٍ، وَسَمِعَ نِدَاءً مِنَ السَّمَاءِ: إِنَّ هَذَا ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي اصْطَفَيْتُهُ) .

стр. 1439

فَقَدْ عَلِمْنَا وَعَلِمْتُمْ أَنَّ الْمُصْطَفَى مَفْعُولٌ، وَالْمَفْعُولُ مَخْلُوقٌ، وَلَيْسَ يَسْتَنْكِفُ الْمَسِيحُ ﵇ مِنْ الِاعْتِرَافِ بِذَلِكَ عَنِ الِاعْتِرَافِ بِذَلِكَ فِي كُلِّ كَلَامِهِ، وَمَا زَالَ يَقُولُ: (إِلَهِي وَإِلَهِكُمْ وَأَبِي وَأَبِيكُمْ) وَكُلَّمَا يُصَحِّحُ بِهِ أَنَّهُ عَبْدٌ مُرْسَلٌ مَرْبُوبٌ مَبْعُوثٌ مَأْمُورٌ يُؤَدِّي مَا سَمِعَ، وَيَفْعَلُ مَا حُدَّ لَهُ، وَنَحْنُ نَشْرَحُ هَذَا فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ وَجَدْنَا الْمَسِيحَ ﵇ احْتَاجَ إِلَى تَكْمِيلِ أَمْرِهِ بِمَعْمُودِيَّةِ يَحْيَى لَهُ، فَسَارَ إِلَيْهِ لِذَلِكَ وَسَأَلَهُ إِيَّاهُ، فَلَيْسَ مَرْتَبَةُ الْمَقْصُودِ بِدُونِ مَرْتَبَةِ الْقَاصِدِ الرَّاغِبِ، وَقَالَ " لُوقَا " التِّلْمِيذُ فِي إِنْجِيلِهِ: (إِنَّ يَحْيَى الْمَعْمِدَانِيَّ أَرْسَلَ إِلَى الْمَسِيحِ بَعْدَ أَنْ عَمَّدَهُ وَسَأَلَهُ: أَنْتَ ذَلِكَ الَّذِي تَجِيءُ، أَوْ نَتَوَقَّعُ غَيْرَكَ؟) فَكَانَ جَوَابَ الْمَسِيحِ

стр. 1440

لِرُسُلِهِ: (أَنِ ارْجِعُوا فَأَخْبِرُوهُ بِمَا تَرَوْنَ مِنْ عُمْيَانٍ يُبْصِرُونَ، وَزُمْنٍ يَنْهَضُونَ، وَصُمٍّ يَسْمَعُونَ، فَطُوبَى لِمَنْ لَمْ يَغْتَرَّ بِي، أَوْ يَذِلَّ فِي أَمْرِي) . قَالَ: فَوَجَدْنَا يَحْيَى مَعَ مَحَلِّهِ وَجَلَالَةِ قَدْرِهِ عِنْدَ اللَّهِ ثُمَّ مَا شَهِدَ بِهِ لِلْمَسِيحِ لَهُ مِنْ أَنَّهُ مَا قَامَتِ النِّسَاءُ عَنْ مِثْلِهِ، قَدْ شَكَّ فِيهِ، فَاحْتَاجَ إِلَى أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ شَأْنِهِ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ مِنْ جَوَابِ الْمَسِيحِ لَهُ بِشَيْءٍ مِمَّا تَصِفُونَ مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ، وَلَا قَالَ: إِنِّي خَالِقُكَ وَخَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، كَمَا فِي شَرِيعَةِ إِيمَانِكُمْ، بَلْ حَذَّرَ الْغَلَطَ فِي أَمْرِهِ وَالِاغْتِرَارَ، وَلَا كَانَ مِنْ قَوْلِهِ أَكْثَرُ مِمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ أَظْهَرَ بِنُبُوَّتِهِ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي سَبَقَ إِلَى مِثْلِهَا أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ. قَالَ: وَلَا رَأَيْنَا يَحْيَى زَادَ فِي وَضْعِهِ إِيَّاهُ لَمَّا قَرَّظَهُ وَأَعْلَا ذِكْرَهُ مَعَ تَشَكُّكِهِ فِي أَمْرِهِ وَحَاجَتِهِ إِلَى مَسْأَلَتِهِ عَنْ حَالِهِ عَلَى أَنْ قَالَ: (هُوَ أَقْوَى مِنِّي، وَأَنِّي لَا أَسْتَحِقُّ أَنْ أَحُلَّ مَعْقِدَ خُفِّهِ) وَلَمْ يَقِلْ إِنَّهُ

стр. 1441

خَالِقِي، وَقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ الْخَيِّرُ فِيمَنْ هُوَ دُونَهُ مِثْلَ الَّذِي قَالَ يَحْيَى فِيهِ تَوَاضُعًا لِلَّهِ وَخُشُوعًا، كَمَا قَالَ الْمَسِيحُ فِي يَحْيَى: (إِنَّهُ مَا قَامَتِ النِّسَاءُ عَنْ مِثْلِهِ) . قَالَ: فَتَرَكْتُمْ مَا أَتَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَالنُّبُوَّاتُ فِي الْمَسِيحِ وَهُوَ أَصْلُكُمُ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ بِنَاؤُكُمْ، وَجَعَلْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ شَرِيعَةً غَيْرَهَا، وَمَثَلُ الَّذِينَ عَقَدُوا هَذِهِ الشَّرِيعَةَ لَكُمْ مَثَلُ مَنْ آمَنَ بِنُبُوَّةِ رَجُلٍ يَنْتَفِي مِنَ النُّبُوَّةِ، لِأَنَّ الْمَسِيحَ ﵇ يَقُولُ: إِنَّهُ مَرْبُوبٌ مَبْعُوثٌ، وَيَقُولُ جِبْرِيلُ: إِنَّهُ مَكْرَمٌ مُصْطَفًى، وَأَنَّ أَبَاهُ دَاوُدَ، وَأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ مَلِكًا عَلَى آلِ يَعْقُوبَ، وَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَيَشْهَدُ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا عَلَى مِثْلِهِ، وَتَقُولُونَ: بَلْ هُوَ خَالِقٌ أَزَلِيٌّ إِلَّا أَنَّهُ يَسْتُرُ نَفْسَهُ، وَيَقُولُ: الْمَسِيحُ وَغَيْرُهُ مِمَنْ سَمَّيْنَا أَنَّهُ مُعْطًى وَأَنَّ اللَّهَ مُعْطِيِهِ، وَتَقُولُونَ: بَلْ رَازِقُ النِّعَمِ وَوَاهِبُهَا، وَيَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ، وَتَقُولُونَ: بَلْ هُوَ الَّذِي نَزَلَ لِخَلَاصِنَا، وَتَعْتَقِدُونَ سَبَبَ نُزُولِهِ مِنَ السَّمَاءِ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَكُمْ، وَيَحْتَمِلَ الْخَطِيئَةَ، وَيَرْبِطَ الشَّيْطَانَ! فَقَدْ وَجَدْنَا الْخَلَاصَ

стр. 1442

لَمْ يَقَعْ، وَالْخَطِيئَةَ قَائِمَةً لَمْ تَزَلْ، وَالشَّيْطَانَ أَعْتَى مَا كَانَ لَمْ يُرْبَطْ، بَلْ سَلَّطَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَلَى مَا تَقُولُونَ، فَحَصَرَهُ فِي الْجَبَلِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يَمْتَحِنُهُ، وَقَالَ لَهُ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ مَعَهُ: (إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللَّهِ فَقُلْ لِهَذِهِ الصُّخُورِ تَصِيرُ خُبْزًا، فَقَالَ لَهُ الْمَسِيحُ مُجِيبًا لَهُ: إِنَّهُ مَكْتُوبٌ أَنَّ حَيَاةَ الْإِنْسَانِ لَا تَكُونُ بِالْخُبْزِ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنَ اللَّهِ. ثُمَّ سَاقَهُ الشَّيْطَانُ إِلَى مَدِينَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَقَامَهُ عَلَى قَرْنَةِ الْهَيْكَلِ، وَقَالَ لَهُ: إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللَّهِ فَارْمِ بِنَفْسِكَ مِنْ هَاهُنَا، فَإِنَّهُ مَكْتُوبٌ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُوَكَّلُ بِكَ، لِئَلَّا تَعْثَرَ رِجْلُكَ بِالْحَجَرِ. قَالَ يَسُوعُ: وَمَكْتُوبٌ أَيْضًا: لَا تُجَرِّبِ الرَّبَّ إِلَهَكَ. ثُمَّ سَاقَهُ إِلَى جَبَلٍ عَالٍ وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمْلَكَاتِ الدُّنْيَا وَزَخَارِفَهَا، وَقَالَ لَهُ: إِنْ خَرَرْتَ عَلَى وَجْهِكَ سَاجِدًا لِي جَعَلْتُ هَذَا الَّذِي تَرَى كُلَّهُ لَكَ. قَالَ لَهُ الْمَسِيحُ: اغْرُبْ أَيُّهَا الشَّيْطَانُ، فَإِنَّهُ مَكْتُوبٌ: اسْجُدْ لِلرَّبِّ إِلَهِكَ، وَلَا تَعْبُدْ شَيْئًا سِوَاهُ. ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا اقْتَلَعَ الْعَدُوَّ مِنْ مَكَانِهِ وَرَمَى بِهِ فِي الْبَحْرِ، وَأَطْلَقَ السَّبِيلَ لِلْمَسِيحِ.

стр. 1443

وَقَالَ: أَفَلَا يَعْلَمُ مَنْ كَانَ فِي عَقْلِهِ أَدْنَى مُسْكَةٍ، أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ لَا يَكُونُ مِنْ شَيْطَانٍ إِلَى إِلَهٍ، وَلَوْ كَانَ إِلَهًا لَأَزَالَهُ عَنْ نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ الْمَلَكُ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ، وَلَمَا قَالَ: (أُمِرْنَا أَنْ لَا نُجَرِّبَ اللَّهَ، وَأَنْ نَسْجُدَ لِلرَّبِّ، وَلَا نَعْبُدَ شَيْئًا سِوَاهُ) . وَكَيْفَ لَمْ يَرْبُطِ الشَّيْطَانَ عَنْ نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْبُطَ عَنْ أُمَّتِهِ؟ قَالَ: فَهَذِهِ أُمُورٌ إِذَا تَأَمَّلَهَا الْمُتَأَمِّلُ قُبِّحَتْ جِدًّا، وَكَثُرَ اخْتِلَافُهَا، وَاشْتَدَّ تَنَاقُضُهَا وَاضْطِرَابُهَا. قَالَ: وَمِمَّا يُعْجَبُ مِنْهُ أَنَّكُمْ تَعْتَقِدُونَ أَنَّ الِابْنَ الْأَزَلِيَّ اتَّحَدَ بِالْمَسِيحِ فَصَارَا بِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَمْ يُفَارِقْهُ قَطُّ مُنْذُ اتَّحَدَ بِهِ، وَمَكَثَ عَلَى ذَلِكَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ أَقَامَ مَوْلُودًا وَتَغَذَّى بِاللَّبَنِ، وَمَرْبُوبًا صَبِيًّا مُغَذًّى بِالْأَغْذِيَةِ إِلَى أَنْ بَلَغَ ثَلَاثِينَ سَنَةً لَا يَظْهَرُ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ آلَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَلَا أَمْرٌ يُوجِبُ هَذَا الْمَحَلَّ، وَلَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نُظَرَائِهِ مِنَ الْآدَمِيِّينَ فَرْقٌ، وَلَا سَطَعَ مِنْهُ نُورٌ، وَلَا ظَهَرَتْ لَهُ سَكِينَةٌ، وَلَا حَفَّتْهُ الْمَلَائِكَةُ بِالتَّهْلِيلِ، وَلَا أَلَمَّ بِهِ الشَّعَثُ بَعْدَ ذَلِكَ فَوْقَ مَا كَانَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ، فَقَدْ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى مِنَ الْعَوْسَجَةِ كَيْفَ شَاءَ فَأَشْرَقَ مَا حَوْلَهَا نُورًا، وَكَلَّمَهُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ فَاضْطَرَبَتْ فِي الْجَبَلِ النِّيرَانُ، وَالْتَبَسَ وَجْهَهُ النُّورُ السَّاطِعُ حَتَّى كَانَ يَتَبَرْقَعُ إِذَا جَلَسَ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ النَّظَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ لَمَّا قَرُبَ

стр. 1444

مِنْهُ فَقَالَ: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ. قَالَ: لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ، فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقَا فَلَمَّا أَفَاقَ) مِنْ صَعْقَتِهِ اسْتَغْفَرَ رَبَّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ، وَتَجَلَّى مَجْدُ اللَّهِ لِجَمَاعَةٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَرَأَوْا حَوْلَ مَجْدِهِ رَبْوَاتِ الْمَلَائِكَةِ. وَقَالَ دَاوُدَ: (يَا رَبِّ إِنَّكَ حَيْثُ عَبَرْتَ بِبِلَادِ سِنِينَ تَزَلْزَلَتِ الْأَرْضُ مِنْكَ وَانْفَطَرَتْ مِنْ هَيْبَتِكَ) . وَقَالَ أَيْضًا كَالْمُخَاطِبِ لِلْبَحْرِ وَالْجِبَالِ وَالْمُتَعَجِّبِ مِنْهَا: (مَا لَكَ أَيُّهَا الْبَحْرُ هَارِبًا، وَأَنْتَ يَا نَهْرُ الْأُرْدُنِّ لِمَ وَلَّيْتَ رَاجِعًا، وَمَا لَكِ أَيَّتُهَا الْجِبَالُ تَنْفِرِينَ كَالْأَبَابِيلِ، وَمَالَكُنَّ أَيَّتُهَا الشَّوَامِخُ وَالْهَضَبَاتُ تَنْزُو نَزْوَ الشِّيَاءِ) . ثُمَّ قَالَ كَالْمُجِيبِ عَنْهُمْ: (مِنْ قُدَّامِ الرَّبِّ تَزَلْزَلَتِ الْبِقَاعُ) . قَالَ: فَإِنْ كَانَ الْمَسِيحُ هُوَ الْأَزَلِيُّ الْخَالِقُ أَوْ كَانَ مُتَّحِدًا بِهِ، فَكَيْفَ لَمْ تَرْجُفْ بَيْنَ يَدَيْهِ الْجِبَالُ وَلَمْ تَتَصَرَّفْ عَنْ مَشِيئَتِهِ الْأَنْهَارُ وَالْبِحَارُ؟ أَوْ كَيْفَ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ آيَاتٌ بَاهِرَاتٌ أَجَلُّ مِنْ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ مِثْلَ الْمَشْيِ عَلَى مُتُونِ الْهَوَاءِ، وَالِاضْطِجَاعِ عَلَى أَكْتَافِ الرِّيَاحِ، وَالِاسْتِغْنَاءِ عَنِ

стр. 1445

الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَإِحْرَاقِ مَنْ قَرُبَ مِنْهُ مِنَ الشَّيَاطِينِ وَالْجِنِّ، كَمَا أَحْرَقَ إِيلِيَا مَنْ قَرُبَ مِنْهُ مِنْ جُنْدِ أُحَابَ الْمَلِكِ، وَيَمْنَعُ الْآدَمِيِّينَ مِنْ نَفْسِهِ، وَمَا فَعَلُوا عَلَى زَعْمِكُمْ بِجِسْمِهِ لِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّهُ خَالِقُهُمْ أَوْ أَنَّهُ هَيْكَلُ الْخَالِقِ؟ قَالَ: وَوَجَدْنَاكُمْ تَقُولُونَ: إِنَّ الِابْنَ إِنَّمَا يُسَمَّى ابْنُ اللَّهِ وَكَلَامُهُ، لِأَنَّهُ تَوَلَّدَ مِنَ الْأَبِ وَظَهَرَ مِنْهُ، فَلَمْ نَقِفْ عَلَى مَعْنَى ذَلِكَ، لِأَنَّ شَرِيعَةَ إِيمَانِكُمْ تَقُولُ: إِنَّ الرُّوحَ أَيْضًا تَخْرُجُ مِنَ الْأَبِ، فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُونَ فَالرُّوحُ أَيْضًا ابْنٌ، لِأَنَّهَا تَخْرُجُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: وَلَمْ نَفْهَمْ أَيْضًا قَوْلَكُمْ: إِنَّ الِابْنَ تَجَسَّدَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ، وَأَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ سَاقَهُ إِلَى الْبَرِّ لِيَمْتَحِنَهُ الشَّيْطَانُ، فَمَا كَانَتْ حَاجَةُ الِابْنِ إِلَى أَنْ تَكُونَ الرُّوحُ وَهِيَ فِي قَوْلِكُمْ مِثْلُهُ تُدَبِّرُهُ وَتُغَيِّرُهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، أَوَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّ الْغَيْرَ السَّابِقَ الْمُدَبِّرَ فَاعِلٌ، وَالْمَسْبُوقَ

стр. 1446

الْمُدَبَّرَ مَفْعُولٌ بِهِ، فَالِابْنُ إِذَنْ دُونَ الرُّوحِ وَلَيْسَ مِثْلَهُ، لِأَنَّ الْأَزَلِيَّ لَا يَنْفَكُّ مِنَ الْأَزَلِيِّ وَهُوَ مِثْلُهُ. قَالَ: وَإِنْ كَانَ الْمَسِيحُ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ، كَمَا قَالَ جِبْرِيلُ الْمَلَكُ لِأُمِّهِ مَرْيَمَ، فَلِمَ سَمَّيْتُمُوهُ كَلِمَةَ اللَّهِ وَابْنَهُ، وَلَمْ تُسَمُّوهُ رُوحَهُ، فَإِنَّمَا قَالَ لَهَا الْمَلَكُ: إِنَّ الَّذِي تَلِدِينَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ. وَالرُّوحُ غَيْرُ الِابْنِ، وَلَوْ كَانَ الْمَعْنَى وَاحِدًا لَمَا قَالَتِ الشَّرِيعَةُ إِنَّهُ تَجَسَّدَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ، وَإِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ سَاقَهُ إِلَى الْبَرِّ، وَإِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَزَلَ عَلَيْهِ، وَلِمَ تُثَلِّثُونَ بِهِ فِي إِيمَانِكُمْ فَتَقُولُونَ: نُؤْمِنُ بِالْأَبِ وَالِابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ؟ قَالَ: وَوَجَدْنَاكُمْ تَقُولُونَ أَيَّتُهَا النَّسْطُورِيَّةُ: إِنَّ لِلَّهِ عِلْمًا وَحِكْمَةً هُمَا الِابْنُ، وَحَيَاةً هِيَ الرُّوحُ قَدِيمَيْنِ، وَلِعِلْمِهِ وَحَيَاتِهِ ذَاتٌ كَذَاتِ اللَّهِ، وَذَلِكَ أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ لَهُ عِلْمٌ وَحَيَاةٌ، وَلِحَيَاتِهِ الَّتِي هِيَ رُوحُهُ عِلْمٌ وَحَيَاةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ الْأَبَ لَمَّا رَأَى اسْتِيلَاءَ الْعَدُوِّ عَلَى خَلْقِهِ وَنُكُولِ الْأَنْبِيَاءِ عَنْ مُنَاوَأَتِهِ، أَرْسَلَ إِلَيْهِ ابْنَهُ الْفَرْدَ وَحَبِيبَهُ وَجَعَلَهُ فِدَاءً وَوَفَاءً لِلنَّاسِ أَجْمَعِينَ، وَأَنَّ ابْنَهُ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَتَجَسَّدَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ وَصَارَ إِنْسَانًا، ثُمَّ وُلِدَ وَنَشَأَ وَعَاشَ ثَلَاثِينَ سَنَةً يَتَقَلَّبُ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ، يُصَلِّي

стр. 1447

فِي كَنَائِسِهِمْ، وَيَسْتَنُّ بِسُنَنِهِمْ، لَا يَدَّعِي دِينًا غَيْرَ دِينِهِمْ، وَلَا يَنْتَحِلُ رِسَالَةً وَلَا نُبُوَّةً وَلَا بُنُوَّةً حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ تِلْكَ السُّنُونَ. أَظْهَرَ الدَّعْوَةَ وَجَاءَ بِالْآيَاتِ الْبَاهِرَةِ وَالْبَرَاهِينِ الْمَشْهُورَةِ، فَأَنْكَرَتْهُ الْيَهُودُ وَقَتَلَتْهُ وَصَلَبَتْهُ، ثُمَّ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ. وَصَدَّقْتُمْ بِشَرِيعَةِ الْإِيمَانِ وَكَفَّرْتُمْ مَنْ خَالَفَهَا، ثُمَّ لَمْ تَلْبَثُوا أَنْ خَلَعْتُمُوهَا وَانْسَلَخْتُمْ مِنْهَا وَقُلْتُمْ: إِنَّ الْمَسِيحَ جَوْهَرَانِ وَأُقْنُومَانِ، جَوْهَرٌ قَدِيمٌ وَجَوْهَرٌ حَدِيثٌ، وَلِكُلِّ جَوْهَرٍ أُقْنُومٌ عَلَى حِيَالِهِ، وَإِنَّ اللَّهَ جَوْهَرٌ قَدِيمٌ يَقُومُ بِمَعْنَيَيْنِ، فَهُوَ وَاحِدٌ يَقُومُ بِثَلَاثَةِ مَعَانٍ، وَثَلَاثَةٌ لَهَا مَعْنًى وَاحِدٌ، كَالشَّمْسِ الَّتِي هِيَ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَلَهَا ثَلَاثَةُ مَعَانٍ: الْقُرْصُ وَالْحَرُّ وَالنُّورُ. فَالْمَسِيحُ هُوَ اللَّهُ، وَهُوَ مَبْعُوثٌ غَيْرَ أَنَّهُ لَيْسَ يُعْبَدُ. فَكَانَ مَعْنَى قَوْلِكُمْ هَذَا: أَنَّ الْمَسِيحَ مَوْلُودٌ لَكِنَّهُ لَيْسَ مَفْعُولًا بِهِ، وَهُوَ مَبْعُوثٌ مُرْسَلٌ لَكِنَّكُمْ تَسْتَحْيُونَ أَنْ تُسَمُّوهُ رَسُولًا، إِذْ كُنْتُمْ لَا تُفَرِّقُونَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ، وَأَقْبَلْتُمْ عَلَى الْمَلِكَانِيَّةِ وَالْيَعْقُوبِيَّةِ بِالتَّكْفِيرِ وَاللَّعْنِ لِقَوْلِهِمْ إِنَّ اللَّهَ وَالْمَسِيحَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، ثُمَّ لَمْ تَلْبَثُوا أَنْ قَدَّمْتُمُ الْمَسِيحَ عَلَى اللَّهِ ﵎ وَبَدَأْتُمْ بِهِ فِي التَّمْجِيدِ، وَرَفَعْتُمْ إِلَيْهِ تَهَالِيلَكُمْ وَرَغَائِبَكُمْ فِي أَوْقَاتِ الْقَرَابِينِ خَاصَّةً، وَهِيَ أَجَلُّ صَلَوَاتِكُمْ وَأَفْضَلُ مَحَافِلِكُمْ عِنْدَكُمْ، فَإِنَّهُ يَقُومُ الْإِمَامُ مِنْكُمْ عَلَى الْمَذْبَحِ مِنْ مَذَابِحِكُمْ

стр. 1448

وَأَهْلُهُ مَرْعُوبُونَ فَتَتَوَقَّعُونَ نُزُولَ رُوحِ الْقُدُسِ، بِزَعْمِكُمْ مِنَ السَّمَاءِ بِدُعَائِهِ. فَيَفْتَحُ دُعَاءَهُ وَيَقُولُ: (لِيَتِمَّ عَلَيْنَا وَعَلَيْكُمْ نِعْمَةُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَمَحَبَّةُ اللَّهِ الْأَبِ، وَمُشَارَكَةُ رُوحُ الْقُدُسِ إِلَى دَهْرِ الدَّاهِرِينَ) . ثُمَّ يَخْتِمُ صَلَاتَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَهَذَا تَصْرِيحٌ بِالشِّرْكِ، وَتَصْغِيرٌ لِعَظَمَةِ اللَّهِ وَعِزَّتِهِ أَنْ جَعَلْتُمُ النِّعَمَ وَالْمَوَاهِبَ لِمَنْ هُوَ دُونَهُ، وَهُوَ مُعْطًى وَمُخَوَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَلَى قَوْلِكُمْ، وَجَعَلْتُمْ لِلَّهِ بَعْدَ الْمَسِيحِ مَحَبَّةً وَلِرُوحِهِ مُشَارَكَةً. قَالَ: وَوَجَدْنَاكُمْ قَدْ عِبْتُمْ عَلَى الْيَعْقُوبِيَّةِ قَوْلَهُمْ: إِنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ اللَّهَ، عَزَّ اللَّهُ وَجَلَّ عَنْ ذَلِكَ، وَفِي شَرِيعَةِ الْإِيمَانِ الَّتِي بَيَّنَّاهَا الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا أَنَّ الْمَسِيحَ إِلَهٌ حَقٌّ، وَأَنَّهُ وُلِدَ مِنْ مَرْيَمَ، فَمَا مَعْنَى الْمُنَافَرَةِ، وَمَا الْفَرْقُ، وَمَا تُنْكِرُونَ مِنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْمَقْتُولَ الْمَصْلُوبَ هُوَ اللَّهُ عَزَّ اللَّهُ وَجَلَّ عَنْ ذَلِكَ؟ وَشَرِيعَةُ إِيمَانِكُمْ تَقُولُ: نُؤْمِنُ بِالرَّبِّ الْمَسِيحِ الَّذِي مِنْ خَبَرِهِ وَحَالِهِ الَّذِي وُلِدَ مِنْ مَرْيَمَ وَتَأَلَّمَ وَصُلِبَ عَلَى عَهْدِ الْمَلِكِ " بِيلَاطِيسَ "

стр. 1449

النَّبَطِيِّ، وَدُفِنَ وَقَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، أَلَيْسَ هَذَا إِقْرَارًا بِمِثْلِ قَوْلِهِمْ؟ فَتَدَبَّرُوا هَذَا الْقَوْلَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ. فَإِنَّكُمْ إِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ الْمَقْتُولَ الْمَصْلُوبَ هُوَ اللَّهُ، فَإِنَّ مَرْيَمَ عِنْدَكُمْ وَلَدَتِ اللَّهَ. وَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّهُ إِنْسَانٌ فَإِنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتْ إِنْسَانًا، وَبَطَلَتِ الشَّرِيعَةُ، فَأَيُّ الْقَوْلَيْنِ اخْتَرْتُمُوهُ فَفِيهِ نَقْضُ دِينِكُمْ، ثُمَّ عِبْتُمْ عَلَى الْمَلِكَانِيَّةِ قَوْلَهُمْ: إِنَّهُ لَيْسَ لِلْمَسِيحِ إِلَّا أُقْنُومًا وَاحِدًا، لِأَنَّهُ صَارَ مَعَ الْأَزَلِيِّ الْخَالِقِ شَيْئًا وَاحِدًا لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَقُلْتُمْ بِأَنَّ لَهُ أُقْنُومَيْنِ، لِكُلِّ جَوْهَرٍ أُقْنُومٌ عَلَى حِيَالِهِ، ثُمَّ لَمْ تَلْبَثُوا أَنْ رَجَعْتُمْ إِلَى مِثْلِ قَوْلِهِمْ فَقُلْتُمْ: إِنَّ الْمَسِيحَ وَإِنْ كَانَ مَخْلُوقًا مِنْ مَرْيَمَ مَبْعُوثًا، فَإِنَّهُ هَيْكَلٌ لِابْنِ اللَّهِ الْأَزَلِيِّ، وَنَحْنُ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا، فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ عِنْدَكُمْ عَلَى هَذَا فَمَا تَنْقِمُونَ عَلَى الْمَلَكِيَّةِ، وَمَا مَعْنَى الِافْتِرَاقِ؟ وَقَدْ رَجَعْتُمْ فِي الِاتِّحَادِ إِلَى مِثْلِ قَوْلِهِمْ؟ إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ تَحَارُ فِيهِ الْأَفْهَامُ. فَإِنْ كَانَتِ الشَّرِيعَةُ بِمَعْنَى الْأَمَانَةِ عِنْدَكُمْ حَقًّا، فَالْقَوْلُ مَا قَالَ يَعْقُوبُ، وَذَلِكَ أَنَّا إِذَا ابْتَدَأْنَا مِنَ الشَّرِيعَةِ فِي ذِكْرِ الْمَسِيحِ، ثُمَّ نَسَّقْنَا الْمَعَانِيَ نَسَقًا وَاحِدًا وَانْحَدَرْنَا فِيهَا إِلَى آخِرِهَا، وَجَدْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ أَلْقَوْهَا لَكُمْ قَدْ صَحَّحُوا أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ ابْنُ اللَّهِ وَهُوَ بِكْرُ الْخَلَائِقِ كُلِّهَا، وَهُوَ الَّذِي وُلِدَ مِنْ مَرْيَمَ لَيْسَ بِمَصْنُوعٍ، وَهُوَ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ

стр. 1450

مِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ، وَهُوَ الَّذِي أَتْقَنَ الْعَوَالِمَ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ عَلَى يَدِهِ، وَهُوَ الَّذِي نَزَلَ لِخَلَاصِكُمْ، فَتَجَسَّدَ وَحَمَلَتْهُ مَرْيَمُ وَوَلَدَتْهُ، وَقُتِلَ وَصُلِبَ، فَمَنْ أَنْكَرَ قَوْلَ الْيَعْقُوبِيَّةِ لَزِمَهُ أَنْ يُنْكِرَ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ الَّتِي تَشْهَدُ بِصِحَّةِ قَوْلِهِمْ وَيَلْعَنُ مَنْ أَلَّفَهَا. قَالَ: وَإِنَّمَا أَخَذَتْ تِلْكَ الطَّائِفَةُ يَعْنِي الَّذِينَ وَضَعُوا الْأَمَانَةَ بِكَلِمَاتٍ وَذَكَرُوا أَنَّهُمْ وَجَدُوهَا فِي الْإِنْجِيلِ مُشْكَلَاتٍ تَأَوَّلَتْ فِيهَا مَا وَقَعَ بِهَوَاهَا، وَتَرَكَتْ مَا فِي الْإِنْجِيلِ مِنَ الْكَلَامِ الْبَيِّنِ الْوَاضِحِ الَّذِي يَشْهَدُ بِعُبُودِيَّةِ الْمَسِيحِ وَشَهَادَتُهُ بِذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ وَشَهَادَةُ تَلَامِيذِهِ بِهِ عَلَيْهِ، فَأَخَذَتْ بِالْمُشْكَلِ الْيَسِيرِ، وَجَعَلَتْ لَهُ مَا أَحَبَّتْ مِنَ التَّأْوِيلِ، وَأَلْغَتِ الْوَاضِحَ الْكَثِيرَ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ. قَالَ: فَأَمَّا احْتِجَاجُكُمْ بِالشَّمْسِ، وَأَنَّهَا شَيْءٌ وَاحِدٌ لَهُ ثَلَاثَةُ مَعَانٍ، وَتَشْبِيهُكُمْ مَا يَقُولُونَهُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَقَانِيمِ بِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ تَمْوِيهٌ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ نُورَ الشَّمْسِ لَا يُحَدُّ بِحَدِّ الشَّمْسِ، وَكَذَلِكَ حَرُّهَا لَا يُحَدُّ بِحَدِّ الشَّمْسِ، إِذْ كَانَ حَدُّ الشَّمْسِ جِسْمًا مُسْتَدِيرًا مُضِيئًا مُسَخَّنًا دَائِرًا فِي وَسَطِ الْأَفْلَاكِ دَوَرَانًا دَائِمًا، وَيَتَهَيَّأُ أَنْ يُحَدَّ نُورُهَا وَحَرُّهَا بِمِثْلِ هَذِهِ الصِّفَةِ، وَلَا يُقَالُ: إِنَّ نُورَهَا أَوْ حَرَّهَا جِسْمٌ مُسْتَدِيرٌ مُضِيءٌ مُسَخَّنٌ دَائِمُ الدَّوَرَانِ، وَلَوْ كَانَ نُورُهَا وَحَرُّهَا شَمْسًا حَقًّا مِنْ شَمْسٍ حَقٍّ مِنْ جَوْهَرِ الشَّمْسِ، كَمَا قَالَتِ الشَّرِيعَةُ فِي الْمَسِيحِ: إِنَّهُ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ مِنْ

стр. 1451

جَوْهَرِ أَبِيهِ، لَكَانَ مَا قُلْتُمْ لَهُ مَثَلًا تَامًّا، وَالْأَمْرُ مُخَالِفٌ لِذَلِكَ فَلَا يُشْبِهُهُ وَلَا يَقَعُ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ، وَالْحُجَّةُ مِنْكُمْ فِيهِ بَاطِلَةٌ. قَالَ: وَوَجَدْنَاكُمْ تَذْكُرُونَ أَنَّ الْمَسِيحَ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ فَأَبْطَلَ بِنُزُولِهِ الْمَوْتَ وَالْآثَامَ، فَإِنَّ الْعَجَبَ لَيَطُولُ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ، وَأَعْجَبُ مِنْهُ مَنْ قَبِلَهُ وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهِ، وَمِمَّنْ لَمْ يَسْتَقْبِحْ أَنْ يَعْتَقِدَ دِيَانَةً لِلَّهِ ﵎ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ الْمُحَالِ الْبَائِنِ عَمَّا تَشْهَدُ بِهِ الْعُقُولُ وَتُنْبِئُ بِهِ الْمُشَاهَدَةُ، وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَيْهَا، فَمَا هُوَ بِبَعِيدٍ مِنْ عَقْدِ مَا هُوَ أَمْحَلُ وَأَبْطَلُ مِنْهَا، لِأَنَّهُ إِنْ كَانَتِ الْخَطِيئَةُ بَطَلَتْ بِمَجِيئِهِ، فَالَّذِينَ قَتَلُوهُ إِذًا لَيْسُوا خَاطِئِينَ وَلَا مَأْثُومِينَ، لِأَنَّ لَا خَاطِئَ بَعْدَ مَجِيئِهِ وَلَا خَطِيئَةَ. وَكَذَلِكَ أَيْضًا الَّذِينَ قَتَلُوا حَوَارِيَّهُ وَأَحْرَقُوا أَسْفَارَهُ غَيْرُ خَاطِئِينَ، وَكَذَلِكَ مَنْ نَرَاهُ مِنْ جَمَاعَتِكُمْ مُنْذُ ذَلِكَ الدَّهْرِ إِلَى هَذَا الْوَقْتِ يَقْتُلُ وَيَسْرِقُ وَيَزْنِي وَيَلُوطُ، وَيَسْكَرُ وَيَكْذِبُ، وَيَرْكَبُ كُلَّ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنَ الْكَبَائِرِ وَغَيْرِهَا غَيْرُ خَاطِئِينَ، وَلَا مَأْثُومِينَ. فَمَنْ جَحَدَ ذَلِكَ فَلْيَرْجِعْ إِلَى التَّسْبِيحَةِ الَّتِي تُقْرَأُ بِعَقِبِ كُلِّ قُرْبَانٍ، وَهُوَ أَنْ (يَا رَبَّنَا الَّذِي غَلَبَ بِوَجَعِهِ الْمَوْتَ الطَّاغِي) .

стр. 1452

وَفِي الْأُخْرَى الَّتِي تُقَالُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْفِصْحِ: (إِنَّ فَخْرَنَا بِالصَّلِيبِ الَّذِي بَطَلَ بِهِ سُلْطَانُ الْمَوْتِ وَصِرْنَا إِلَى الْأَمْنِ وَالنَّجَاةِ بِسَبَبِهِ) . وَفِي بَعْضِ التَّسَابِيحِ (بِصَلَوَاتِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ بَطَلَ الْمَوْتُ، وَانْطَفَأَتْ فِتَنُ الشَّيْطَانِ، وَدَرَسَتْ آثَارُهَا) . فَأَيُّ خَطِيئَةٍ بَطَلَتْ؟ وَأَيُّ فِتْنَةٍ لِلشَّيْطَانِ انْطَفَأَتْ؟ أَوْ أَيُّ أَمْرٍ كَانَ النَّاسُ عَلَيْهِ قَبْلَ مَجِيئِهِ مِنَ الْمَحَارِمِ وَالْآثَامِ تَغَيَّرَ عَنْ حَالِهِ؟ قَالَ: فَإِذَا كَانَ التَّمْوِيهُ يَقَعُ فِيمَا يُلْحِقُهُ كُلُّ أَحَدٍ بِالْمَعْرِفَةِ وَالْبَيَانِ، فَهُوَ فِيمَا أُشْكِلَ مِنَ الْأُمُورِ وَفُعِلَ بِالتَّأْوِيلَاتِ الَّتِي تَأَوَّلَهَا أُولَئِكَ الْمُتَأَوِّلُونَ أَوْقَعُ. وَإِذَا كُنْتُمْ قَدْ قَبِلْتُمْ هَذَا الْمُحَالَ الظَّاهِرَ الَّذِي لَا خَفَاءَ بِهِ عَنِ الصِّبْيَانِ، فَأَنْتُمْ لِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ مِنَ الْمُحَالِ أَقْبَلُ، وَهَذَا إِنْجِيلُكُمْ يُكَذِّبُ هَذَا الْقَوْلَ، حَيْثُ يَقُولُ الْمَسِيحُ فِيهِ: (مَا أَكْثَرَ مَنْ يَقُولُ لِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا سَيِّدَنَا أَلَيْسَ بِاسْمِكَ أَخْرَجْنَا الشَّيْطَانَ، فَأَقُولُ: اغْرُبُوا عَنِّي أَيُّهَا الْفَجَرَةُ الْغَاوُونَ، فَمَا عَرَفْتُكُمْ قَطُّ) فَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ

стр. 1453

عُلَمَائِكُمْ مَا قَالُوا، وَوَضَعِهِمْ لَكُمْ مَا وَضَعُوا، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: (إِنِّي جَامِعُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ مَيْمَنَتِي وَمَيْسَرَتِي وَقَائِلٌ لِأَهْلِ الْمَيْسَرَةِ: إِنِّي جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمُونِي، وَعَطِشْتُ فَلَمْ تَسْقُونِي، وَكُنْتُ غَرِيبًا فَلَمْ تَأْوُونِي، وَمَحْبُوسًا فَلَمْ تَزُورُونِي، وَمَرِيضًا فَلَمْ تَعُودُونِي، فَاذْهَبُوا إِلَى النَّارِ الْمُعَدَّةِ لَكُمْ مِنْ قَبْلِ تَأْسِيسِ الدُّنْيَا. وَأَقُولُ لِأَهْلِ الْمَيْمَنَةِ: فَعَلْتُمْ بِي هَذِهِ الْأَشْيَاءَ فَاذْهَبُوا إِلَى النَّعِيمِ الْمُعَدِّ لَكُمْ مِنْ قَبْلِ تَأْسِيسِ الدُّنْيَا) . فَهَلْ أَدْخَلَ أُولَئِكَ النَّارَ إِلَّا خَطَايَاهُمُ الَّتِي رَكِبُوهَا؟ وَهَلْ صَارَ هَؤُلَاءِ إِلَى النَّعِيمِ إِلَّا بِأَعْمَالِهِمُ الْجَمِيلَةِ الَّتِي قَدَّمُوهَا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ؟ فَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْخَطِيئَةَ قَدْ بَطَلَتْ، فَقَدْ بَهَتَ، وَقَدْ خَالَفَ قَوْلَ الْمَسِيحِ، وَكَانَ هُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ. وَقَالَ: وَيَا أَيُّهَا الْقَوْمُ الَّذِينَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبَابِ وَالْمَعْرِفَةِ، حَيْثُ يَنْسُبُونَهُ إِلَى الرُّبُوبِيَّةِ، وَيَنْحِلُونَهُ اللَّاهُوتِيَّةَ، وَيَجْعَلُونَهُ خَالِقَ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ وَإِلَهَهُمْ، بِمَاذَا سَاغَ ذَلِكَ لَكُمْ، وَمَا الْحُجَّةُ فِيهِ عِنْدَكُمْ؟ هَلْ قَالَتْ كُتُبُ النُّبُوَّاتِ فِيهِ ذَلِكَ؟ أَوْ هَلْ قَالَهُ عَنْ نَفْسِهِ؟ أَوْ قَالَهُ أَحَدٌ عَنْ تَلَامِذَتِهِ وَالنَّاقِلِينَ عَنْهُ الَّذِينَ هُمْ عِمَادُ دِينِكُمْ وَأَسَاسُهُ وَمَنْ أَخَذْتُمُ الشَّرَائِعَ وَالسُّنَنَ عَنْهُ؟ وَمَنْ كَتَبَ الْإِنْجِيلَ وَبَيَّنَهُ، قَدْ أَفْصَحَ فِي كُلِّ الْإِنْجِيلِ مِنْ كَلَامِهِ وَمُخَاطَبَتِهِ وَوَصَايَاهُ بِمَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً بِأَنَّهُ عَبْدٌ

стр. 1454

مِثْلُكُمْ وَمَرْبُوبٌ مَعَكُمْ، وَمُرْسَلٌ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ وَرَبِّكُمْ، وَمُبْدِي مَا أَمَرَ بِهِ فِيكُمْ، وَحَكَى مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ حَوَارِيُّوهُ وَتَلَامِذَتُهُ وَوَصَفُوهُ لِمَنْ سَأَلَ عَنْهُ. وَفِي كَلَامِهِمْ بِأَنَّهُ رَجُلٌ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَنَبِيٌّ لَهُ قُوَّةٌ وَفَضْلٌ، فَتَأَوَّلْتُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ أَخْرَجَ كَلَامَهُ عَلَى مَعْنَى النَّاسُوتِ، وَلَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُونَ، لَأَفْصَحَ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ إِلَهٌ، كَمَا أَفْصَحَ بِأَنَّهُ عَبْدٌ وَلَكِنَّهُ مَا ذَكَرَهُ وَلَا ادَّعَاهُ، وَلَا دَعَا إِلَيْهِ وَلَا ادَّعَتْهُ لَهُ كُتُبُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ وَلَا كُتُبُ تَلَامِذَتِهِ وَلَا حُكِيَ عَنْهُمْ، وَلَا أَوْجَبَهُ كَلَامُ جِبْرِيلَ الَّذِي أَدَّاهُ إِلَى مَرْيَمَ، وَلَا قَوْلُ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا. قَالَ: فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّكُمُ اسْتَدْلَلْتُمْ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ بِأَنَّهُ أَحْيَا الْمَوْتَى، وَأَبْرَأَ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، وَمَشَى عَلَى الْمَاءِ وَصَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ، وَصَيَّرَ الْمَاءَ خَمْرًا، وَكَثَّرَ الْقَلِيلَ، فَيَجِبُ الْآنَ أَنْ يُنْظَرَ إِلَى كُلِّ مَنْ فَعَلَ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ فِعْلًا فَنَجْعَلَهُ رَبًّا وَإِلَهًا، وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ؟ فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ كِتَابَ " سِفْرُ الْمُلُوكِ " يُخْبِرُ أَنَّ إِلْيَاسَ أَحْيَا ابْنَ الْأَرْمَلَةِ، وَأَنَّ الْيَسَعَ

стр. 1455

أَحْيَا ابْنَ الْإِسْرَائِيلِيَّةِ، وَأَنَّ " حِزْقِيَالَ " أَحْيَا بَشَرًا كَثِيرًا، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِمَنْ ذَكَرْنَا بِإِحْيَائِهِ الْمَوْتَى إِلَهًا. وَأَمَا إِبْرَاءُ الْأَكْمَهِ فَهَذِهِ التَّوْرَاةُ تُخْبِرُ أَنَّ يُوسُفَ أَبْرَأَ عَيْنَ أَبِيهِ يَعْقُوبَ بَعْدَ أَنْ ذَهَبَتْ، وَهَذَا مُوسَى طَرَحَ الْعَصَا فَصَارَتْ حَيَّةً لَهَا عَيْنَانِ تُبْصِرُ بِهِمَا، وَضَرَبَ بِهَا الرَّمْلَ فَصَارَ قُمَّلًا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا عَيْنَانِ تُبْصِرُ بِهِمَا، وَلَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِذَلِكَ إِلَهًا.

стр. 1456

وَأَمَّا إِبْرَاءُ الْأَبْرَصِ، فَإِنَّ كِتَابَ " سِفْرُ الْمُلُوكِ " يُخْبِرُ بِأَنَّ رَجُلًا مِنْ عُظَمَاءَ الرُّومِ بَرِصَ فَرَحَلَ مِنْ بَلَدِهِ قَاصِدًا الْيَسَعَ ﵇ لِيُبْرِأَهُ مِنْ بَرَصِهِ، فَأَخْبَرَ الْكِتَابُ بِأَنَّ الرَّجُلَ وَقَفَ بِبَابِ الْيَسَعَ أَيَّامًا لَا يُؤْذَنُ لَهُ، فَقِيلَ لِلْيَسَعِ: إِنَّ بِبَابِكَ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ " نَعْمَانُ " وَهُوَ أَجَلُّ عُظَمَاءِ الرُّومِ، بِهِ بَرَصٌ وَقَدْ قَصَدَكَ لِتُبْرِأَهِ مِنْ مَرَضِهِ، فَإِنْ أَذِنْتَ لَهُ دَخَلَ إِلَيْكَ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ، وَقَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ: اخْرُجْ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فَقُلْ لَهُ: يَنْغَمِسُ فِي الْأُرْدُنِّ سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَأَبْلَغَ الرَّسُولُ لِنَعْمَانَ مَا أَمَرَهُ بِهِ الْيَسَعُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَذَهَبَ عَنْهُ الْبَرَصُ وَرَجَعَ قَافِلًا إِلَى بَلَدِهِ، فَأَتْبَعَهُ خَادِمُ الْيَسَعَ فَأَوْهَمَهُ أَنَّ الْيَسَعَ وَجَّهَ بِهِ إِلَيْهِ يُطْلَبُ مِنْهُ مَالَا، فَسُرَّ الرَّجُلُ بِذَلِكَ وَدَفَعَ إِلَى الْخَادِمِ مَالًا وَجَوْهَرًا، وَرَجَعَ فَأَخْفَى ذَلِكَ وَسَتَرَهُ. ثُمَّ دَخَلَ إِلَى الْيَسَعَ، فَلَمَّا مَثُلَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ لَهُ: تَبِعْتَ نَعْمَانَ وَأَوْهَمْتَهُ عَنِّي كَذَا وَكَذَا، وَأَخَذْتَ مِنْهُ كَذَا وَأَخْفَيْتَهُ فِي مَوْضِعِ كَذَا، إِذْ فَعَلْتَ الَّذِي فَعَلْتَ بِهِ، فَلْيَصِرْ بَرَصُهُ عَلَيْكَ وَعَلَى نَسْلِكَ، فَبِرَصَ ذَلِكَ الْخَادِمُ عَلَى الْمَكَانِ. قَالَ: فَهَذَا الْيَسَعُ قَدْ أَبْرَأَ أَبْرَصًا، وَأَبْرَصَ صَحِيحًا، وَهُوَ أَعْظَمُ

стр. 1457

مِمَّا فَعَلَ الْمَسِيحُ ﵇ فَلَمْ يَكُنْ فِي فِعْلِهِ ذَلِكَ إِلَهًا. قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ أَنَّهُ مَشَى عَلَى الْمَاءِ، فَإِنَّ كِتَابَ سِفْرَ الْمُلُوكِ يُخْبِرُ بِأَنَّ إِلْيَاسَ ﵇ سَارَ إِلَى الْأُرْدُنِّ وَمَعَهُ الْيَسَعُ تِلْمِيذُهُ، فَأَخَذَ عِمَامَتَهُ فَضَرْبَ بِهَا الْأُرْدُنَّ فَاسْتَيْبَسَ لَهُ الْمَاءَ حَتَّى مَشَى عَلَيْهِ هُوَ وَالْيَسَعُ، ثُمَّ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ عَلَى فَرَسٍ مِنْ نُورٍ وَالْيَسَعُ يَرَاهُ، وَدَفَعَ عِمَامَتَهُ إِلَى الْيَسَعَ، فَلَمَّا رَجَعَ الْيَسَعُ إِلَى الْأُرْدُنِّ ضَرَبَ بِهَا الْمَاءَ فَاسْتَيْبَسَ لَهُ حَتَّى مَشَى عَلَيْهِ رَاجِعًا وَلَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِمَشْيِهِ عَلَى الْمَاءِ إِلَهًا، وَلَا كَانَ إِلْيَاسُ بِصُعُودِهِ إِلَى السَّمَاءِ إِلَهًا. قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ أَنَّهُ صَيَّرَ الْمَاءَ خَمْرًا، فَهَذَا كِتَابُ سِفْرَ الْمُلُوكَ يُخْبِرُ بِأَنَّ الْيَسَعَ نَزَلَ بِامْرَأَةٍ إِسْرَائِيلِيَّةٍ فَأَضَافَتْهُ وَأَحْسَنَتْ إِلَيْهِ، فَلَمَّا أَرَادَ الِانْصِرَافَ قَالَ لَهَا: هَلْ لَكِ مِنْ حَاجَةٍ؟ فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّ عَلَى زَوْجِي دَيْنًا قَدْ فَدَحَهُ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَدْعُوَ اللَّهَ لَنَا بِقَضَاءِ دَيْنَنَا فَافْعَلْ. فَقَالَ لَهَا الْيَسَعُ: اجْمَعِي كُلَّ مَا عِنْدَكِ مِنَ الْآنِيَةِ، وَاسْتَعِيرِي مِنْ جِيرَانِكِ جَمِيعَ مَا قَدَرْتِ عَلَيْهِ مِنْ آنِيَتِهِمْ. فَفَعَلَتْ، ثُمَّ أَمَرَهَا فَمَلَأَتِ الْآنِيَةَ كُلَّهَا مَاءً فَقَالَ: اتْرُكِيهِ لَيْلَتَكِ هَذِهِ. وَمَضَى مِنْ عِنْدِهَا فَأَصْبَحَتِ الْمَرْأَةُ وَقَدْ صَارَ ذَلِكَ الْمَاءُ كُلُّهُ زَيْتًا، فَبَاعُوهُ فَقَضَوْا دَيْنَهُمْ

стр. 1458

وَتَحْوِيلُ الْمَاءِ زَيْتًا أَبْدَعُ مِنْ تَحْوِيلِهِ خَمْرًا، وَلَمْ يَكُنِ الْيَسَعُ بِذَلِكَ إِلَهًا. وَأَمَّا قَوْلُكُمُ: الْمَسِيحُ ﵇ كَثَّرَ الْقَلِيلَ حَتَّى أَكَلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ أَرْغِفَةٍ يَسِيرَةٍ، فَإِنَّ كِتَابَ " سِفْرُ الْمُلُوكِ " يُخْبِرُ بِأَنَّ إِلْيَاسَ نَزَلَ بِامْرَأَةٍ أَرْمَلَةٍ، وَكَانَ الْقَحْطُ قَدْ عَمَّ النَّاسَ وَأَجْدَبَتِ الْبِلَادُ، وَمَاتَ الْخَلْقُ ضُرًّا وَهَزْلًا، وَكَانَ النَّاسُ فِي ضِيقٍ، فَقَالَ لِلْأَرْمَلَةِ: هَلْ عِنْدَكِ طَعَامٌ؟ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا عِنْدِي إِلَّا كَفٌّ مِنْ دَقِيقٍ فِي قِلَّةٍ، أَرَدْتُ أَنْ أَخْبِزَهُ لِطِفْلٍ لِي، وَقَدْ أَيْقَنَّا بِالْهَلَاكِ لِمَا النَّاسُ فِيهِ مِنَ الْقَحْطِ. فَقَالَ لَهَا: أَحْضِرِيهِ فَلَا عَلَيْكِ. فَأَتَتْهُ بِهِ، فَبَارَكَ عَلَيْهِ، فَمَكَثَ عِنْدَهَا ثَلَاثَ سِنِينَ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ تَأْكُلُ هِيَ وَأَهْلُهَا وَجِيرَانُهَا مِنْهُ حَتَّى فَرَّجَ اللَّهُ عَنِ النَّاسِ، فَقَدْ فَعَلَ إِلْيَاسُ فِي ذَلِكَ أَكْثَرَ مِمَّا فَعَلَ الْمَسِيحُ، لِأَنَّ إِلْيَاسَ كَثَّرَ الْقَلِيلَ وَأَدَامَهُ، وَالْمَسِيحَ كَثَّرَ الْقَلِيلَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَكُنْ إِلْيَاسُ بِفِعْلِهِ هَذَا إِلَهًا. قَالَ: فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءَ لَيْسَ لَهُمْ صُنْعٌ فِي هَذِهِ الْأَفْعَالِ، وَإِنَّ الصُّنْعَ فِيهَا وَالْقُدْرَةَ لِلَّهِ إِذْ كَانَ هُوَ الَّذِي أَجْرَاهَا عَلَى أَيْدِيهِمْ فَقَدْ صَدَقْتُمْ، وَنَقُولُ لَكُمْ أَيْضًا: كَذَلِكَ الْمَسِيحُ لَيْسَ لَهُ صُنْعٌ فِيمَا ظَهَرَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْأَعَاجِيبِ، إِذْ كَانَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَظْهَرَهَا عَلَى يَدَيْهِ، فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسِيحَ وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ؟ وَمَا الْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ؟ قَالَ: وَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ كَانَتْ إِذَا أَرَادَتْ أَنْ يُظْهِرَ اللَّهُ عَلَى أَيْدِيهِمْ آيَةً تَضَرَّعَتْ إِلَى اللَّهِ وَدَعَتْهُ وَأَقَرَّتْ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَشَهِدَتْ عَلَى أَنْفُسِهَا بِالْعُبُودِيَّةِ.

стр. 1459

قِيلَ لَكُمْ: وَكَذَلِكَ سَبِيلُ الْمَسِيحِ، سَبِيلُ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، قَدْ كَانَ يَدْعُو وَيَتَضَرَّعُ وَيَعْتَرِفُ بِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ، وَيُقِرُّ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ، فَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ الْإِنْجِيلَ يُخْبِرُ بِأَنَّ الْمَسِيحَ أَرَادَ أَنْ يُحْيِيَ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ الْعَازِرُ، فَقَالَ: (يَا أَبِي أَدْعُوكَ كَمَا كُنْتُ أَدْعُوكَ مِنْ قَبْلُ فَتُجِيبُنِي وَتَسْتَجِيبُ لِي، وَأَنَا أَدْعُوكَ مِنْ أَجْلِ هَؤُلَاءِ الْقِيَامِ لِيَعْلَمُوا) . وَقَالَ بِزَعْمِكُمْ وَهُوَ عَلَى الْخَشَبَةِ: (إِلَهِي إِلَهِي لِمَ تَرَكْتَنِي؟) ، وَقَالَ: (يَا أَبِي اغْفِرْ لِلْيَهُودِ مَا يَعْمَلُونَ، فَإِنَّهُمْ لَا يَدْرُونَ مَا يَصْنَعُونَ) . وَقَالَ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى: (يَا أَبِي أَحْمَدُكَ) . وَقَالَ: (يَا أَبِي إِنْ كَانَ بُدٌّ أَنْ يَتَعَدَّانِي هَذَا الْكَأْسُ، وَلَكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا، فَلْتَكُنْ مَشِيئَتُكَ) . وَقَالَ أَيْضًا: (أَنَا أَذْهَبُ إِلَى إِلَهِي الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ

стр. 1460

مِنِّي) وَقَالَ: (لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَصْنَعَ شَيْئًا وَلَا أَتَفَكَّرَ فِيهِ إِلَّا بِاسْمِ إِلَهِي) . وَقَالَ يَعْنِي نَفْسَهَ: (لَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَكُونَ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ، وَلَا لِلرَّسُولِ أَنْ يَكُونَ أَعْظَمَ مِمَنْ أَرْسَلَهُ) . وَقَالَ: (إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ، وَلَمْ يَنَمْ وَلَمْ يَرَهُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَيَرَاهُ أَحَدٌ إِلَّا مَاتَ) . وَالْمَسِيحُ قَدْ أَكَلَ وَشَرِبَ وَوَلَدَ، وَرَآهُ النَّاسُ فَمَا مَاتُوا مِنْ رُؤْيَتِهِ وَلَا مَاتَ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَقَدْ لَبِثَ فِيهِمْ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً. قُلْتُ: وَعَامَّةُ مَا ذَكَرَهُ هَذَا عَنِ الْكُتُبِ تَعْتَرِفُ بِهِ النَّصَارَى، وَلَكِنَّ بَعْضَهُمْ يُنَازِعُهُ فِي يَسِيرٍ مِنَ الْأَلْفَاظِ، فَنَازَعَهُ هُنَا فِي قَوْلِهِ:

стр. 1461

(لَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَكُونَ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ) . وَقَالَ: هَذَا إِنَّمَا قَالَهُ الْمَسِيحُ لِلْحِوَارِيِّينَ، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ عَنْهُ لَفْظُ (لَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ) . قَالَ: وَقَالَ فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا: ": (إِنَّكُمْ مَتَى رَفَعْتُمُ ابْنَ الْبَشَرِ فَحِينَئِذٍ تَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا هُوَ وَشَيْءٌ مِنْ قِبَلِ نَفْسِي لَا أَفْعَلُ، وَلَكِنْ كُلُّ شَيْءٍ كَالَّذِي عَلَّمَنِي أَبِي) . وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: (مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أُرْسِلْتُ مُعَلِّمًا) . وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: (اخْرُجُوا بِنَا مِنْ هَذِهِ الْمَدِينَةِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ لَا يُجَلُّ فِي مَدِينَتِهِ) وَأَخْبَرَ الْإِنْجِيلُ أَنَّ امْرَأَةً رَأَتِ الْمَسِيحَ فَقَالَتْ: إِنَّكَ لَذَلِكَ النَّبِيُّ الَّذِي كُنَّا نَنْتَظِرُ مَجِيئَهُ؟ فَقَالَ لَهَا الْمَسِيحُ: (صَدَقْتِ، طُوبَى لَكِ) . وَقَالَ لِتَلَامِذَتِهِ: (كَمَا بَعَثَنِي أَبِي كَذَلِكَ أَبْعَثُ بِكُمْ) . قَالَ: فَاعْتَرَفَ بِأَنَّهُ نَبِيٌّ وَأَنَّهُ مَأْلُوهٌ وَمَرْبُوبٌ وَمَبْعُوثٌ، وَقَالَ

стр. 1462

لِتَلَامِذَتِهِ: (إِنَّ مَنْ قَبِلَكُمْ وَآوَاكُمْ فَقَدْ قَبِلَنِي، وَمَنْ قَبِلَنِي فَإِنَّمَا يَقْبَلُ مَنْ أَرْسَلَنِي، وَمِنْ قَبِلَ نَبِيًّا بِاسْمِ نَبِيٍّ فَإِنَّمَا يَفُوزُ بِأَجْرِ مَنْ قَبِلَ النَّبِيِّ) . فَبَيَّنَ هَاهُنَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَأَنَّ سَبِيلَهُ مَعَ اللَّهِ سَبِيلُهُمْ مَعَهُ، وَقَالَ مَتَّى التِّلْمِيذُ فِي إِنْجِيلِهِ، يَسْتَشْهِدُ عَلَى الْمَسِيحِ بِنُبُوَّةِ أَشْعِيَا عَنِ اللَّهِ : (هَذَا عَبْدِي الَّذِي اصْطَفَيْتُهُ، وَحَبِيبِي الَّذِي ارْتَاحَتْ إِلَيْهِ نَفْسِي، أَنَا وَاضِعٌ رُوحِي عَلَيْهِ، وَيَدْعُو الْأُمَمَ إِلَى الْحَقِّ) . فَلَنْ يَحْتَاجَ إِلَى حُجَّةٍ أَوْضَحَ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي جَعَلْتُمُوهُ حُجَّةً لَكُمْ، فَقَدْ أَوْضَحَ اللَّهُ أَمْرَهُ وَسَمَّاهُ عَبْدًا، وَأَعْلَمَ أَنَّهُ يَضَعُ عَلَيْهِ رُوحَهُ وَيُؤَيِّدُهُ بِهَا كَمَا أَيَّدَ سَائِرَ الْأَنْبِيَاءِ بِالرُّوحِ فَأَظْهَرُوا الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةَ عَنْهُمْ، وَهَذَا الْقَوْلُ يُوَافِقُ مَا بَشَّرَ بِهِ جِبْرِيلُ الْمَلَكُ مَرْيَمَ حِينَ ظَهَرَ لَهَا، وَقَالَ الْقَوْلَ الَّذِي سُقْنَاهُ فِي صَدْرِ كِتَابِنَا. وَقَالَ يُوحَنَّا التِّلْمِيذُ فِي الْإِنْجِيلِ عَنِ الْمَسِيحِ ﵇: (إِنَّ كَلَامِي الَّذِي تَسْمَعُونَ هُوَ كَلَامُ مَنْ أَرْسَلَنِي) . وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ

стр. 1463

آخَرَ: (إِنَّ أَبِي أَجَلُّ وَأَعْظَمُ مِنِّي) . وَقَالَ أَيْضًا: (كَمَا أَمَرَنِي أَبِي كَذَلِكَ أَفْعَلُ أَنَا، أَنَا الْكَرْمُ وَأَبِي هُوَ الْفَلَّاحُ) . وَقَالَ يُوحَنَّا: (كَمَا لِلْأَبِ حَيَاةٌ فِي جَوْهَرِهِ، فَكَذَلِكَ أَعْطَى الِابْنَ أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي قَيْنُومِهِ) . قَالَ: فَالْمُعْطِي خِلَافَ الْمُعْطَى لَا مَحَالَةَ، وَالْفَاعِلُ خِلَافَ الْمَفْعُولِ. قَالَ: وَقَالَ الْمَسِيحُ فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا: (إِنِّي لَوْ كُنْتُ أَنَا الشَّاهِدَ لِنَفْسِي عَلَى صِحَّةِ دَعْوَايَ، لَكَانَتْ شَهَادَتِي بَاطِلَةً، لَكِنْ غَيْرِي يَشْهَدُ لِي، فَأَنَا أَشْهَدُ لِنَفْسِي وَيَشْهَدُ لِي أَبِي الَّذِي أَرْسَلَنِي) . وَقَالَ الْمَسِيحُ لَبَنِي

стр. 1464

إِسْرَائِيلَ: (تُرِيدُونَ قَتْلِي، وَأَنَا رَجُلٌ قُلْتُ لَكُمُ الْحَقَّ الَّذِي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُهُ.! قَالَ: وَقَالَ فِي الرَّجُلِ الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الْمَوْتَى: (يَا أَبِي أَشْكُرُكَ عَلَى اسْتِجَابَتِكَ دُعَائِي وَأَعْتَرِفُ لَكَ بِذَلِكَ، وَأَعْلَمُ أَنَّكَ كُلَّ وَقْتٍ تُجِيبُ دَعْوَتِي، لَكِنْ أَسْأَلُكَ مِنْ أَجْلِ هَذِهِ الْجَمَاعَةِ لِيُؤْمِنُوا بِأَنَّكَ أَنْتَ أَرْسَلْتَنِي) . قَالَ: فَأَيُّ تَضَرُّعٍ وَإِقْرَارٍ بِالرِّسَالَةِ وَالْمَسْأَلَةِ وَالطَّلَبِ لِلْإِجَابَةِ مِنَ اللَّهِ أَشَدُّ مِنْ هَذَا أَوْ أَكْثَرُ؟ قَالَ: وَقَالَ فِي بَعْضِ مُخَاطَبَتِهِ لِلْيَهُودِ وَقَدْ نَسَبُوهُ إِلَى الْجُنُونِ: (أَنَا لَسْتُ بِمَجْنُونٍ، وَلَكِنْ أُكْرِمُ أَبِي وَلَا أُحِبُّ مَدْحَ نَفْسِي، بَلْ أَمْدَحُ أَبِي، لِأَنِّي أَعْرِفُهُ، وَلَوْ قُلْتُ: إِنِّي لَا أَعْرِفُهُ، لَكُنْتُ كَذَّابًا مِثْلَكُمْ، بَلْ أَعْرِفُهُ وَأَتَمَسَّكُ بِأَمْرِهِ) .

стр. 1465

قَالَ: وَقَالَ دَاوُدُ فِي مَزْمُورِهِ الْمِائَةِ وَعَشْرَةٍ: (قَالَ الرَّبُّ اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِرِجْلَيْكَ، عَصَا الْعَظَمَةِ تَبْعَثُ الرَّبَّ مِنْ صِهْيُونَ، وَيُبْسَطُ عَلَى أَعْدَائِكَ شَعْبُكَ يَا مَسِيحُ يَوْمَ الرُّعْبِ فِي بَهَاءِ الْقُدْسِ مِنَ الْيَوْمِ الَّذِي وَلَدْتُكَ يَا صَبِيُّ، عَهْدُ الرَّبِّ وَلَا يَكْذِبُ أَنَّكَ أَنْتَ الْكَاهِنُ الْمُؤَيَّدُ يُشْبِهُ مَلَكْلِيزْ دَاقْ.) قَالَ: فَهَذِهِ مُخَاطَبَةٌ يَنْسُبُونَهَا إِلَى اللَّاهُوتِ، وَقَدْ أَبَانَ دَاوُدَ فِي مُخَاطَبَتِهِ، أَنَّ لِرَبِّهِ الَّذِي ذَكَرَهُ رَبًّا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ وَأَعْلَى أَعْطَاهُ مَا حَكَيْنَاهُ، وَمَنَحَهُ ذَلِكَ وَشَهِدَ عَلَيْهِ، إِنَّ عَصَا الْعَظَمَةِ تَبْعَثُ رَبَّهُ هَذَا مِنْ صِهْيُونَ وَسَمَّاهُ صَبِيًّا مُحَقِّقًا لِقَوْلِهِ الْأَوَّلِ: الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ وَنَسَقًا عَلَى أَوَّلِ كَلَامِهِ وَهُوَ رَبُّهُ، وَوَصَفَ أَنَّهُ الْكَاهِنُ الْمُؤَيَّدُ الَّذِي يُشْبِهُ مَلَكْلِيزْ دَاقْ.

стр. 1466

قُلْتُ: قَالُوا: وَهَذَا الْكَاهِنُ هُوَ الَّذِي ذُكِرَ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ الْخَلِيلَ أَعْطَاهُ الْقُرْبَانَ، وَإِذَا كَانَ الْمَسِيحُ مُشَبَّهًا بِهِ مَعَ تَسْمِيَتِهِ كَاهِنًا، كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّهُ مَخْلُوقٌ، قَالَ: فَأَمَّا قَوْلُهُ: (مِنَ الْبَدْءِ وَلَدْتُكَ) ، فَهُوَ يُشْبِهُ قَوْلَ دَاوُدَ: (تَبَنَّنِي عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْبَدْءِ. ذَكَرْتُكَ وَهَدَيْتُ كُلَّ أَعْمَالِكَ) . وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: لَفْظُ النَّصِّ: (إِنَّ الرَّبَّ يَبْعَثُ عَصَاهُ مِنْ صِهْيُونَ) . قَالَ: وَقَالَ شَمْعُونُ الصَّفَا رَئِيسُ الْحَوَارِيِّينَ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ قَصَصِهِمْ: (يَا رِجَالَ بَنِي إِسْرَائِيلَ اسْمَعُوا مَقَالَتِي، إِنَّ يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ رَجُلٌ ظَهِيرٌ لَكُمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِالْقُوَّةِ وَالْأَيْدِي وَالْعَجَائِبِ الَّتِي أَجْرَاهَا عَلَى يَدَيْهِ، وَأَنَّكُمْ أَسْلَمْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ، فَأَقَامَ اللَّهُ يَسُوعَ هَذَا مِنْ

стр. 1467

بَيْنِ الْأَمْوَاتِ) . قَالَ: فَأَيُّ شَهَادَةٍ أَبْيَنُ وَأَوْضَحُ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ؟ وَهُوَ أَوْثَقُ التَّلَامِيذِ عِنْدَكُمْ يُخْبِرُ كَمَا تَرَوْنَ أَنَّ الْمَسِيحَ رَجُلٌ وَأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَأَنَّ الْآيَاتِ الَّتِي ظَهَرَتْ مِنْهُ بِأَمْرِ اللَّهِ أَجْرَاهَا عَلَى يَدَيْهِ، وَأَنَّ الَّذِي بَعَثَهُ مِنْ بَيْنِ الْمَوْتَى هُوَ اللَّهُ . قَالَ: وَقَالَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ يَسُوعَ الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ رَبًّا وَمَسِيحًا) . قَالَ: فَهَذَا الْقَوْلُ يُزِيلُ تَأْوِيلَ مَنْ لَعَلَّهُ يَتَأَوَّلُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ النَّاسُوتَ، لِأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ رَبًّا وَمَسِيحًا، وَالْمَجْعُولَ مَخْلُوقٌ مَفْعُولٌ، قَالَ أَبُو نَصْرٍ: وَإِنَّمَا سُمِّيَ نَاصِرِيٌّ ; لِأَنَّ أُمَّهُ كَانَتْ مِنْ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا: " نَاصِرَةُ "

стр. 1468

فِي الْأُرْدُنِّ وَبِهَا سُمِّيَتِ النَّصْرَانِيَّةُ. قَالَ: وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يُوسُفَ رَبًّا، قَالَ دَاوُدُ فِي مَزْمُورِ مِائَةٍ وَخَمْسَةٍ: (وَلِلْعُبُودِيَّةِ بِيعَ يُوسُفُ وَشَدُّوا بِالْكُبُولِ رِجْلَيْهِ وَبِالْحَدِيدِ دَخَلَتْ نَفْسُهُ حَتَّى صَدَّقَتْ كَلِمَتُهُ قَوْلَ الرَّبِّ جربهُ، بَعَثَ الْمَلِكُ فَخَلَّاهُ وَصَيَّرَهُ مُسَلَّطًا عَلَى شَعْبِهِ، وَرَبًّا عَلَى بَنِيهِ، وَمُسَلَّطًا عَلَى فِتْيَانِهِ) . وَقَالَ لُوقَا فِي آخِرِ إِنْجِيلِهِ: (إِنَّ الْمَسِيحَ عَرَضَ لَهُ وَلِلُوقَا تِلْمِيذِهِ جِبْرِيلُ فِي الطَّرِيقِ وَهُمَا مَحْزُونَانِ، فَقَالَ لَهُمَا وَهُمَا لَا يَعْرِفَانِهِ: مَا بَالُكُمَا مَحْزُونَيْنِ؟ فَقَالَا: كَأَنَّكَ أَنْتَ وَحْدَكَ غَرِيبٌ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، إِذْ كُنْتَ لَا تَعْلَمُ مَا حَدَثَ فِيهَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ مِنْ أَمْرِ يَسُوعَ النَّاصِرِيِّ، فَإِنَّهُ كَانَ رَجُلًا نَبِيًّا قَوِيًّا فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الْأُمَّةِ، أَخَذُوهُ وَقَتَلُوهُ) عَلَى قَوْلِهِمْ فِيهِ.

стр. 1469

قَالَ: فَهَذَا قَوْلُهُ وَأَقْوَالُ تَلَامِيذِهِ قَدْ تَرَكْتُمُوهَا وَعَقَدْتُمْ عَلَى بِدَعٍ ابْتَدَعَهَا لَكُمْ أَوَّلُوكُمْ تُؤَدِّي إِلَى الضَّلَالَةِ وَالشِّرْكِ بِاللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ. وَقَالَ دَاوُدُ فِي الْمَزْمُورِ الثَّانِي فِي زَبُورِهِ مُخَاطِبًا لِلَّهِ وَمُثْنِيًا عَلَى الْمَسِيحِ: (مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَهُ وَالْإِنْسَانُ الَّذِي أَمَرْتَهُ وَجَعَلْتَهُ دُونَ الْمَلَائِكَةِ قَلِيلًا، وَأَلْبَسْتَهُ الْمَجْدَ وَالْكَرَامَاتِ؟) ، وَقَالَ فِي الْمَزْمُورِ الثَّانِي: (قَالَ لِيَ الرَّبُّ: أَنْتَ ابْنِي وَأَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ، سَلْنِي فَأُعْطِيكَ) ، فَقَوْلُهُ: " وَلَدْتُكَ " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ غَيْرُ قَدِيمٍ، وَكُلُّ حَادِثٍ فَهُوَ مَخْلُوقٌ، ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: " الْيَوْمَ " فَحَدَّ بِالْيَوْمِ حَدًّا لِوِلَادَتِهِ أَزَالَ بِهِ الشَّكَّ فِي أَنَّهُ مَا كَانَ قَبْلَ الْيَوْمِ، وَدَلَّ بِقَوْلِهِ: " سَلْنِي فَأُعْطِيكَ " عَلَى أَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى الْمَسْأَلَةِ غَيْرَ مُسْتَغْنٍ عَنِ الْعَطِيَّةِ، قَالَ: فَهَذَا مَا حَضَرَنَا مِنَ الْآيَاتِ فِي تَصْحِيحِ خَلْقِ الْمَسِيحِ وَعُبُودِيَّتِهِ، وَبُطْلَانِ مَا يَدَّعُونَهُ مِنْ رُبُوبِيَّتِهِ، وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ فِي الْإِنْجِيلِ لَا يُحْصَى، فَإِذَا كَانَتِ الشَّهَادَاتُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَمِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِ، وَمِنْ تَلَامِيذِهِ بِمِثْلِ مَا قَدْ بَيَّنَاهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرْنَا عَلَى الِاحْتِجَاجِ عَلَيْكُمْ مِنْ كُتُبِكُمْ، فَمَا الْحُجَّةُ فِيمَا تَدَّعُونَهُ لَهُ وَمِنْ أَيِّ جِهَةٍ أَخَذْتُمْ ذَلِكَ وَاخْتَرْتُمُ الْكَلَامَ الشَّنِيعَ الَّذِي يَخْرُجُ عَنِ

стр. 1470

الْمَعْقُولِ، وَتُنْكِرُهُ النُّفُوسُ، وَتَنْفِرُ مِنْهُ الْقُلُوبُ، الَّذِي لَا يَصِحُّ بِحُجَّةٍ وَلَا قِيَاسٍ وَلَا تَأْوِيلٍ عَلَى الْقَوْلِ الْجَمِيلِ الَّذِي تَشْهَدُ بِهِ الْعُقُولُ وَتَسْكُنُ إِلَيْهِ النُّفُوسُ وَيُشَاكِلُ عَظَمَةَ اللَّهِ وَجَلَالَهُ. قَالَ: وَإِذَا تَأَمَّلْتُمْ كُلَّ مَا بَيَّنَاهُ تَأَمُّلَ إِنْصَافٍ مِنْ أَنْفُسِكُمْ وَإِشْفَاقٍ عَلَيْهَا، عَلِمْتُمْ أَنَّهُ قَوْلٌ لَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُتَأَوَّلَ فِيهِ لِلنَّاسُوتِ شَيْئًا دُونَ اللَّاهُوتِ. قَالَ: فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّهُ يَثْبُتُ لِلْمَسِيحِ الْبُنُوَّةَ بِقَوْلِهِ: (أَبِي وَأَبِيكُمْ، وَيَا أَبِي، وَبَعَثَنِي أَبِي) . قُلْنَا: فَإِنْ كَانَ الْإِنْجِيلُ أُنْزِلَ عَلَى هَذِهِ الْأَلْفَاظِ لَمْ تُبَدَّلْ وَلَمْ تُغَيَّرْ، فَإِنَّ اللُّغَةَ قَدْ أَجَازَتْ أَنْ يُسَمَّى الْوَلِيُّ ابْنًا، وَقَدْ سَمَّاكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا بَنِيهِ، وَأَنْتُمْ لَسْتُمْ فِي مِثْلِ حَالِهِ. وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ قَالَ لِإِسْرَائِيلَ فِي التَّوْرَاةِ: (أَنْتَ ابْنِي بِكْرِي) . وَقَالَ لِدَاوُدَ فِي الزَّبُورِ: (أَنْتَ ابْنِي وَحَبِيبِي) . وَقَالَ الْمَسِيحُ فِي الْإِنْجِيلِ لِلْحِوَارِيِّينَ: (أُرِيدُ أَنْ أَذْهَبَ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلَهِي وَإِلَهِكُمْ) . فَسَمَّى الْحَوَارِيِّينَ أَبْنَاءَ اللَّهِ، وَأَقَرَّ بِأَنَّ لَهُ إِلَهًا هُوَ اللَّهُ

стр. 1471

وَمَنْ كَانَ لَهُ إِلَهٌ فَلَيْسَ بِإِلَهٍ كَمَا تَقُولُونَ، فَإِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْمَسِيحَ إِنَّمَا اسْتَحَقَّ الْإِلَهِيَّةَ بِأَنَّ اللَّهَ سَمَّاهُ ابْنًا، فَنَلْتَزِمُ ذَلِكَ وَنَشْهَدُ بِالْإِلَهِيَّةِ لِكُلِّ مَنْ سَمَّاهُ ابْنًا، وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ؟ قَالَ: فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ إِسْرَائِيلَ وَدَاوُدَ وَنُظَرَاءَهُمْ إِنَّمَا سُمُّوا أَبْنَاءَ اللَّهِ عَلَى جِهَةِ الرَّحْمَةِ مِنَ اللَّهِ لَهُمْ، وَالْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. قُلْنَا: يَجُوزُ لِمُعَارِضٍ أَنْ يُعَارِضَكُمْ، فَيَقُولَ لَكُمْ: مَا تُنْكِرُونَ أَنْ يَكُونَ إِسْرَائِيلُ وَدَاوُدُ ابْنَيِ اللَّهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَالْمَسِيحُ ابْنَ رَحْمَةٍ، وَمَا الْفَرْقُ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَسِيحِ وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلُ، أَنَّ الْمَسِيحَ جَاءَ إِلَى مُقْعَدٍ فَقَالَ: (قُمْ قُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ، فَقَامَ الرَّجُلُ، وَلَمْ يَدْعُ اللَّهَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ) . قُلْنَا لَكُمْ: هَذَا إِلْيَاسُ أَمَرَ السَّمَاءَ أَنْ تُمْطِرَ فَأَمْطَرَتْ، وَلَمْ يَدْعُ اللَّهَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَكَذَلِكَ الْيَسَعُ أَمَرَ نَعْمَانَ الرُّومِيَّ أَنْ يَنْغَمِسَ فِي

стр. 1472

الْأُرْدُنِّ مِنْ غَيْرِ دُعَاءٍ وَلَا تَضَرُّعٍ، عَلَى أنَّا قَدْ وَجَدْنَاهُ فِي الْإِنْجِيلِ قَدْ تَضَرَّعَ، وَسَأَلَ مَسَائِلَ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا. وَقَالَ فِي بَعْضِ الْإِنْجِيلِ: (يَا أَبِي أَشْكُرُكَ عَلَى اسْتِجَابَتِكَ دُعَائِي، وَأَعْلَمُ أَنَّكَ فِي كُلِّ وَقْتٍ تُجِيبُ دَعْوَتِي، لَكِنْ أَسْأَلُكَ مِنْ أَجْلِ هَذِهِ الْجَمَاعَةِ لِيُؤْمِنُوا بِأَنَّكَ أَنْتَ أَرْسَلْتَنِي) . فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ الْغُفْرَانَ مِنَ اللَّهِ وَأَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ لِبَعْضِ بَنِي إِسْرَائِيلَ: (قُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ) وَاللَّهُ هُوَ الَّذِي يَغْفِرُ الذُّنُوبَ. قُلْنَا: فَقَدْ قَالَ اللَّهُ فِي السِّفْرِ الْخَامِسِ مِنَ التَّوْرَاةِ لِمُوسَى: (اخْرُجْ أَنْتَ وَشَعْبُكَ الَّذِي أَخْرَجْتَ مِنْ مِصْرَ، وَأَنَا أَجْعَلُ مَعَكُمْ مَلَكًا يَغْفِرُ ذُنُوبَكُمْ) . فَإِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْمَسِيحَ إِلَهٌ لِأَنَّهُ غَفَرَ ذُنُوبَ الْمُقْعَدِ، فَالْمَلَكُ إِذًا إِلَهٌ، لِأَنَّهُ يَغْفِرُ ذُنُوبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ؟

стр. 1473

فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَسِيحِ وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلُ، أَنَّ اللَّهَ سَمَّاهُ رَبًّا فَقَالَ: (ابْنُ الْبَشَرِ رَبُّ السَّبْتِ) . قُلْنَا: فَهَذِهِ التَّوْرَاةُ تُخْبِرُ بِأَنَّ لُوطًا ﵇ لَمَّا رَأَى الْمَلَكَيْنِ قَدْ أَقْبَلَا مِنَ الْبَرِّيَّةِ لِهَلَاكِ قَوْمِهِ قَالَ لَهُمَا: (يَا رَبِّي مِيلَا إِلَى مَنْزِلِ عَبْدِكُمَا) . وَقَدْ تَقَدَّمَ لَنَا احْتِجَاجٌ فِي هَذَا الْكِتَابِ بِذِكْرِ مَنْ سُمِّيَ فِي الْكُتُبِ رَبًّا مِنْ يُوسُفَ وَغَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ الْمَسِيحُ إِلَهًا لِأَنَّهُ سُمِّيَ رَبًّا، فَهَؤُلَاءِ إِذًا آلِهَةٌ، لِأَنَّهُمْ سُمُّوا بِمِثْلِ ذَلِكَ. فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ قَدْ تَنَبَّأَتْ بِإِلَهِيَّةِ الْمَسِيحِ، فَقَالَ أَشْعِيَا: (الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَيُدْعَى اسْمُهُ " عَمَانْوِيلَ ") ، وَتَفْسِيرُهُ: " مَعَنَا إِلَهُنَا ". قُلْنَا: إِنَّ هَذَا اسْمٌ يَعَارُهُ السَّيِّدُ الشَّرِيفُ مِنَ النَّاسِ، وَإِنْ كَانَ

стр. 1474

اللَّهُ الْمُنْفَرِدَ بِمَعْنَى الْإِلَهِيَّةِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ لِمُوسَى ﵇: (قَدْ جَعَلْتُكَ لِهَارُونَ إِلَهًا، وَجَعَلْتُهُ لَكَ نَبِيًّا) . وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: (قَدْ جَعَلْتُكَ يَا مُوسَى إِلَهًا لِفِرْعَوْنَ) . وَقَالَ دَاوُدُ فِي الزَّبُورِ لِمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ حِكْمَةٌ: (كُلُّكُمْ آلِهَةٌ وَمِنَ الْعَلِيَّةِ تُدْعَوْنَ) . فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ مُوسَى إِلَهًا لِهَارُونَ عَلَى مَعْنَى الرِّيَاسَةِ عَلَيْهِ. قُلْنَا: وَكَذَلِكَ قَالَ أَشْعِيَا فِي الْمَسِيحِ إِنَّهُ إِلَهٌ لِأُمَّتِهِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ قَالَ فِي الْإِنْجِيلِ: (مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى أَبِي، وَأَنَا وَأَبِي وَاحِدٌ) . قُلْنَا: إِنَّ قَوْلَهُ: (أَنَا وَأَبِي وَاحِدٌ) إِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ أَنَّ قَبُولَكُمْ لِأَمْرِي هُوَ قَبُولُكُمْ لِأَمْرِ اللَّهِ، كَمَا يَقُولُ رَسُولُ الرَّجُلِ: أَنَا وَمَنْ أَرْسَلَنِي وَاحِدٌ،

стр. 1475

وَيَقُولُ الْوَكِيلُ: أَنَا وَمَنْ وَكَّلَنِي وَاحِدٌ، لِأَنَّهُ يَقُومُ فِيمَا يُؤَدِّيِهِ مَقَامَهُ، وَيُؤَدِّي عَنْهُ مَا أَرْسَلَهُ بِهِ، وَيَتَكَلَّمُ بِحُجَّتِهِ وَيُطَالِبُ لَهُ بِحُقُوقِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: (مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى أَبِي) ، يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّ مَنْ رَأَى هَذِهِ الْأَفْعَالَ الَّتِي أُظْهِرُهَا فَقَدْ رَأَى أَفْعَالَ أَبِي. فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ قَالَ فِي الْإِنْجِيلِ: (أَنَا قَبْلَ إِبْرَاهِيمَ) ، فَكَيْفَ يَكُونُ قَبْلَ إِبْرَاهِيمَ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ وَلَدِهِ؟ وَلَكِنْ لَمَّا قَالَ (قَبْلَ إِبْرَاهِيمَ) عَلِمْنَا مَا أَرَادَ أَنَّهُ قَبْلَ إِبْرَاهِيمَ مِنْ جِهَةِ الْإِلَهِيَّةِ. قُلْنَا: هَذَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ يَقُولُ فِي حِكْمَتِهِ: (أَنَا قَبْلَ الدُّنْيَا وَكُنْتُ مَعَ اللَّهِ حَيْثُ بَدَأَ الْأَرْضَ) ، فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ قَالَ: إِنَّ سُلَيْمَانَ ابْنُ اللَّهِ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ: أَنَا قَبْلَ الدُّنْيَا بِالْإِلَهِيَّةِ، وَقَدْ قَالَ دَاوُدُ أَيْضًا فِي الزَّبُورِ: (ذَكَرْتُكَ يَا رَبِّ مِنَ الْبَدْءِ، وَهُدِيتُ بِكُلِّ أَعْمَالِكَ) .
следующие страницы →