Полный текст (2 831 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
" سَابُورَ بْنِ هُرْمُزَ " مَلِكِ الْفُرْسِ، وَمَلَكَ مَعَهُ اثْنَانِ تَمَلَّكَا عَلَى الرُّومِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَهَؤُلَاءِ أَثَارُوا عَلَى النَّصَارَى بَلَاءً عَظِيمًا وَحُزْنًا طَوِيلًا وَعَذَابًا أَلِيمًا وَشِدَّةً شَدِيدَةً تَجِلُّ عَنِ الْوَصْفِ مِنَ الْقَتْلِ وَالْعَذَابِ وَاسْتِبَاحَةِ الْأَمْوَالِ، وَاسْتَشْهَدُوا أُلُوفًا مِنَ الشُّهَدَاءِ وَعَذَّبُوا " مَارِي جِرْجِسَ " أَصْنَافَ الْعَذَابِ وَقَتَلُوهُ بِفِلَسْطِينَ، وَقَتَلُوا " مَارِي مِينَا " وَ " مَارِي بَقْطَرَ " وَ " أَيِتْمَاخُوسَ " وَ " مِرْكُورُسَ " وَغَيْرَهُمَا.
قَالَ: وَفِي عَشْرِ سِنِينَ مِنْ مُلْكِهِمَا صُيِّرَ " بُطْرُسُ " بَطْرَكًا عَلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَأَقَامَ عَشْرَ سِنِينَ وَقُتِلَ.
стр. 1542
وَفِي عِشْرِينَ سَنَةً مِنْ مُلْكِهِمَا، ضُرِبَ عُنُقُ بُطْرُسَ هَذَا الْبَطْرَكِ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ.
قَالَ: وَكَانَ لِبُطْرُسَ تِلْمِيذَانِ، اسْمُ أَحَدِهِمَا " أَشْلَا " وَالْآخُرِ " الْأَكْصَنْدَرُوسُ " وَكَانَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: " أُورْيُوسُ " يَقُولُ: إِنَّ الْأَبَ وَحْدَهُ اللَّهُ الْفَرْدُ، وَالِابْنُ مَخْلُوقٌ مَصْنُوعٌ، وَقَدْ كَانَ (الْأَبُ) إِذْ لَمْ يَكُنِ الِابْنُ.
فَقَالَ " بُطْرُسُ " الْبَطْرَكُ لِتِلْمِيذَيْهِ: إِنَّ الْمَسِيحَ لَعَنَ " أَرِيُوسَ " فَاحْذَرَا أَنْ تَقْبَلَا قَوْلَهُ، فَإِنِّي رَأَيْتُ الْمَسِيحَ فِي النَّوْمِ مَشْقُوقَ الثَّوْبِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا سَيِّدِي مَنْ شَقِّ ثَوْبَكَ؟ فَقَالَ لِي: " أَرِيُوسُ "، فَاحْذَرُوا أَنْ تَقْبَلُوهُ وَيَدْخُلَ مَعَكُمُ الْكَنِيسَةَ، كَنِيسَةَ اللَّهِ.
قَالَ: وَبَعْدَ قَتْلِ " بُطْرُسَ " بِخَمْسِ سِنِينَ صُيِّرَ " أَشِيلَا " بَطْرَكًا عَلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَأَقَامَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَمَاتَ.
وَكَانَ " أَرِيُوسُ " قَدِ اسْتَعَانَ عَلَى " أَشْلَا " بِأَصْدِقَائِهِ، فَأَوْرَى أَنَّهُ قَدْ رَجَعَ عَنْ تِلْكَ الْمَقَالَةِ، فَقَبِلَهُ " أَشْلَا " وَأَدْخَلَهُ الْكَنِيسَةَ وَجَعَلَهُ قِسِّيسًا.
стр. 1543
قَالَ: وَأَمَّا " دِقِيطْيَانُوسُ " الْمَلِكُ فَكَانَ يَطْلُبُ النَّصَارَى فَيَقْتُلُهُمْ.
فَبَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ فِي طَلَبِهِمْ إِذْ بَلَغَ إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ: " مَلْطِيَّةَ " فَصَبَّ اللَّهُ عَلَيْهِ نِقْمَتَهُ، فَوَقَعَ فِي عِلَلٍ عَظِيمَةٍ وَأَمْرَاضٍ عَظِيمَةٍ حَتَّى ذَابَ جِسْمُهُ، وَكَانَ الدُّودُ يَتَسَاقَطُ مِنْ بَدَنِهِ إِلَى الْأَرْضِ، وَسَقَطَ لِسَانُهُ مِنْ حَنَكِهِ وَمَاتَ.
وَمَلَكَ بَعْدَهُ قَيْصَرَانِ، أَحَدُهُمَا الْمَشْرِقَ وَالشَّامَ وَأَرْضَ الرُّومِ، وَالْآخَرُ رُومِيَّةَ وَنَحْوَهَا، وَكَانَ أَحَدُهُمَا اسْمُهُ " عَلَانْيُوسُ " وَالْآخَرُ " مَقْصُطْيُوسُ " فَكَانَا كَالسِّبَاعِ الضَّارِيَةِ عَلَى النَّصَارَى، وَأَثَارَا عَلَيْهِمُ الْبَلَاءَ وَالْجَلَاءَ وَمَا لَا يَصِفُهُ وَاصِفٌ، وَفَعَلَا بِهِمْ مَا لَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُلُوكِ قَبْلَهُمْ.
وَمَلَكَ مَعَهُمَا عَلَى بِزَنْطِيَّةَ، وَمَا وَالَاهَا " قُسْطُسُ " أَبُو " قُسْطَنْطِينَ "،
стр. 1544
وَكَانَ رَجُلًا دَيِّنًا مُبْغِضًا لِلْأَصْنَامِ مُحِبًّا لِلنَّصَارَى.
فَخَرَجَ " قُسْطُسُ " إِلَى نَاحِيَةِ الْجَزِيرَةِ وَ " الرَّهَا "، فَنَزَلَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى " الرَّهَا " يُقَالُ لَهَا: " كُفَرْجَاثُ " فَنَظَرَ فِيهَا امْرَأَةً حَسَنَةً جَمِيلَةً يُقَالُ لَهَا: " هِيلَانَةُ " وَكَانَتْ قَدْ تَنَصَّرَتْ عَلَى يَدَيْ أُسْقُفِّ " الرَّهَا " وَتَعَلَّمَتْ قِرَاءَةَ الْكُتُبِ.
وَوَلَدَتْ " هِيلَانَةُ " " قُسْطَنْطِينَ " " فَتَرَبَّى بِـ " الرَّهَا " وَتَعَلَّمَ حِكَمَ الْيُونَانِيِّينَ، وَكَانَ غُلَامًا حَسَنَ الْوَجْهِ قَلِيلَ الشَّرِّ، وَدِيعًا مُحِبًّا لِلْحِكْمَةِ.
وَأَمَّا " عَلَانْيُوسُ " فَكَانَ رَجُلًا وَحْشِيًّا شَدِيدَ الْبَأْسِ، مُبْغِضًا لِلنَّصَارَى جِدًّا كَثِيرَ الْقَتْلِ لَهُمْ، مُحِبًّا لِلنِّسَاءِ، وَلَمْ يَتْرُكْ لِلنَّصَارَى بِنْتًا بِكْرًا إِلَّا أَخَذَهَا وَأَفْسَدَهَا وَقَتَلَهَا، وَكَذَلِكَ أَصْحَابُهُ، وَهَكَذَا كَانُوا يَفْعَلُونَ بِالنَّصَارَى، وَكَانَ النَّصَارَى فِي شِدَّةٍ شَدِيدَةٍ جِدًّا مَعَهُمْ.
وَبَلَغَهُ خَبَرُ " قُسْطَنْطِينَ " وَأَنَّهُ غُلَامٌ هَادٍ قَلِيلُ الشَّرِّ كَثِيرُ الْعِلْمِ وَالْخَيْرِ.
وَأَخْبَرَهُ الْحُكَمَاءُ الَّذِينَ لَهُ وَالْمُنَجِّمُونَ أَنَّ " " قُسْطَنْطِينَ " " سَيَمْلِكُ مُلْكًا عَظِيمًا، فَهَمَّ بِقَتْلِهِ.
стр. 1545
وَعَلِمَ " " قُسْطَنْطِينُ " " بِذَلِكَ فَهَرَبَ مِنَ " الرَّهَا " وَذَهَبَ إِلَى مَدِينَةِ " بِزَنْطِيَّةَ " وَوَصَلَ إِلَى أَبِيهِ " قُسْطُسَ " فَسَلَّمَ إِلَيْهِ الْمُلْكَ.
وَبَعْدَ قَلِيلٍ مَاتَ " قُسْطُسُ " وَصَبَّ اللَّهُ عَلَى " عَلَانْيُوسَ " الْمَلِكِ عِلَلًا عَظِيمَةً، حَتَّى تَقَطَّعَ لَحْمُهُ وَتَهَرَّأَ، وَبَقِيَ مَطْرُوحًا لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَقْتَرِبَ مِنْهُ.
فَعَجِبَ النَّاسُ مِمَّا نَالَهُ، وَرَحِمَهُ أَعْدَاؤُهُ مِمَّا حَلَّ بِهِ.
فَرَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ وَقَالَ: لَعَلَّ هَذَا الَّذِي بِي مِمَّا أَقْتُلُ النَّصَارَى.
فَكَتَبَ إِلَى جَمِيعِ عُمَّالِهِ أَنْ يُطْلِقُوا النَّصَارَى مِنَ الْحُبُوسِ، وَأَنْ يُكْرِمُوهُمْ وَلَا يُؤْذُوهُمْ، وَيَسْأَلُونَهُمْ أَنْ يَدْعُوا لَهُ فِي صَلَاتِهِمْ.
فَصَلَّى النَّصَارَى عَلَى الْمَلِكِ وَدَعَوْا لَهُ، فَوَهَبَ اللَّهُ لَهُ الْعَافِيَةَ وَرَجَعَ إِلَى أَفْضَلِ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الصِّحَّةِ وَالْقُوَّةِ.
فَلَمَّا صَحَّ وَقَوِيَ، رَجَعَ إِلَى أَشَرَّ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الرَّدَى.
وَكَتَبَ إِلَى جَمِيعِ عُمَّالِهِ أَنْ يَقْتُلُوا النَّصَارَى، وَلَا يَعِيشَ فِي مَمْلَكَتِهِ نَصْرَانِيٌّ وَلَا يَسْكُنُوا مَدِينَةً وَلَا قَرْيَةً لَهُ.
فَمِنْ كَثْرَةِ الْقَتْلَى كَانُوا يُحْمَلُونَ عَلَى الْعَجَلِ وَيَرْمُونَ بِهِمْ فِي الْبِحَارِ وَالصَّحَارِي، وَقُتِلَ " مَارِ جِرْجِسُ " وَأَخَاهُ بِمَدِينَةِ " قَبَاذُوقِيَّةَ "
стр. 1546
وَهُمَا مِنْ أَهْلِهَا، وَقَتَلَ " بَرْبَارَةَ "، وَذَكَرَ حَرْبًا جَرَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ " سَابُورَ " لَمَّا تَنَكَّرَ " سَابُورُ " وَجَاءَ إِلَيْهِ مُتَنَكِّرًا وَعَرَفَهُ.
قَالَ: وَأَمَّا " مَقْسِطْيُوسُ " فَكَانَ شِرِّيرًا عَلَى أَهْلِ رُومِيَّةَ، وَاسْتَعْبَدَ كُلَّ مَنْ كَانَ بِرُومِيَّةَ وَخَاصَّةً النَّصَارَى، فَكَانَ يَنْهَبُ أَمْوَالَهُمْ وَيَقْتُلُ رِجَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَصِبْيَانَهُمْ.
فَلَمَّا سَمِعَ أَهْلُ رُومِيَّةَ بِمُلْكِ " " قُسْطَنْطِينَ " " وَأَنَّهُ مُبْغِضٌ لِلشَّرِّ مُحِبٌّ لِلْخَيْرِ، وَأَنَّ أَهْلَ مَمْلَكَتِهِ مَعَهُ فِي هُدُوءٍ وَسَلَامَةٍ، كَتَبَ رُؤَسَاءُ رُومِيَّةَ إِلَى " " قُسْطَنْطِينَ " " يَسْأَلُونَهُ وَيَطْلُبُونَ إِلَيْهِ أَنْ يُخَلِّصَهُمْ مِنْ عُبُودِيَّةِ " مَقْسِطْيُوسَ " عَدُوِّ اللَّهِ.
فَلَمَّا قَرَأَ كُتُبَهُمْ، اغْتَمَّ غَمًّا شَدِيدًا وَبَقِيَ مُتَحَيِّرًا وَلَا يَدْرِي كَيْفَ يَصْنَعُ.
فَبَيْنَمَا هُوَ مُتَفَكِّرٌ، إِذْ ظَهَرَ لَهُ مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ فِي السَّمَاءِ صَلِيبٌ مِنْ كَوَاكِبَ تُضِيءُ، مَكْتُوبًا حَوْلَهُ بِهَذَا تَغَلِبُ.
فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ؟ قَالُوا: نَعَمْ.
فَآمَنَ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ بِالنَّصْرَانِيَّةِ، وَذَلِكَ لَسِتِّ سِنِينَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِ أَبِيهِ.
стр. 1547
فَتَجَهَّزَ " " قُسْطَنْطِينُ " " وَاسْتَعَدَّ لِمُحَارَبَةِ " مَقْسِطْيُوسَ " مَلِكِ رُومِيَّةَ، وَعَمِلَ صَلِيبًا كَبِيرًا مِنْ ذَهَبٍ، وَصَيَّرَهُ عَلَى رَأْسِ الْبَنْدِ وَخَرَجَ يُرِيدُ " مَقْسِطْيُوسَ ".
فَلَمَّا سَمِعَ " مَقْسِطْيُوسُ " أَنَّ " " قُسْطَنْطِينَ " " قَدْ وَافَاهُ لِمُحَارَبَتِهِ، اسْتَعَدَّ لِحَرْبِهِ وَعَقَدَ جِسْرًا عَلَى النَّهْرِ الَّذِي قُدَّامَ رُومِيَّةَ، وَخَرَجَ مَعَ جَمِيعِ أَصْحَابِهِ يُحَارِبُ " " قُسْطَنْطِينَ " ".
فَأُعْطِيَ " " قُسْطَنْطِينُ " " النُّصْرَةَ عَلَيْهِ، فَقَتَلَ مِنْ أَصْحَابِ " مَقْسِطْيُوسَ " مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَهَرَبَ " مَقْسِطْيُوسُ " وَغَرِقَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى امْتَلَأَ الْبَحْرُ وَهُوَ النَّهْرُ الَّذِي عِنْدَ رُومِيَّةَ غَرْقَى وَقَتْلَى.
وَخَرَجَ أَهْلُ رُومِيَّةَ إِلَى " " قُسْطَنْطِينَ " " بِالْإِكْلِيلِ الذَّهَبِ وَكُلِّ أَنْوَاعِ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ، فَلَقُوا " " قُسْطَنْطِينَ " " وَفَرِحُوا فَرَحًا عَظِيمًا.
فَلَمَّا دَخَلَ الْمَدِينَةَ أَمَرَ أَنْ تُدْفَنَ أَجْسَادُ النَّصَارَى الشُّهَدَاءِ الْمَصَالِيبِ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ مِنَ النَّصَارَى هَرَبَ أَوْ نَفَاهُ " مَقْسِطْيُوسُ " يَرْجِعُ إِلَى بَلَدِهِ وَمَوْضِعِهِ، وَمَنْ أُخِذَ لَهُ شَيْءٌ رُدَّ إِلَيْهِ.
وَأَقَامَ أَهْلُ رُومِيَّةَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ يُعَيِّدُونَ لِلْمَلِكِ وَلِلصَّلِيبِ وَيَفْرَحُونَ.
فَلَمَّا سَمِعَ الْخَبَرَ " عَلَانْيُوسُ " جَمَعَ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ وَتَجَهَّزَ لِقِتَالِ " " قُسْطَنْطِينَ " ".
стр. 1548
فَلَمَّا عَايَنَهُ انْهَزَمُوا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَأَخَذَهُمْ بِالسَّيْفِ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ أُسِرَ وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَأْمَنَ.
وَأَفْلَتَ " عَلَانْيُوسُ " عُرْيَانًا، فَلَمْ يَزَلْ يَتَقَوَّى مَوْضِعًا مَوْضِعًا حَتَّى وَافَى مَدِينَتَهُ، فَجَمَعَ الْكَهَنَةَ وَالسَّحَرَةَ وَالْعَرَّافِينَ الَّذِينَ كَانَ يُحِبُّهُمْ وَيَقْبَلُ مِنْهُمْ، فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ، لِئَلَّا يَقَعُوا فِي يَدِ " " قُسْطَنْطِينَ " ".
وَصَبَّ اللَّهُ عَلَى " عَلَانْيُوسَ " نَارًا فِي جَوْفِهِ حَتَّى كَانَتْ أَحْشَاؤُهُ تَتَقَطَّعُ مِنَ الْحَرِّ الَّذِي كَانَ يَجِدُهُ فِي جَوْفِهِ، وَسَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ وَتَهَرَّأَ لَحْمُهُ عَلَى عَظْمِهِ وَمَاتَ.
وَمَلَكَ " " قُسْطَنْطِينُ " " الدُّنْيَا فِي هُدُوءٍ وَسَلَامَةٍ، وَذَلِكَ فِي إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ سَنَةً مِنْ مُلْكِ " سَابُورَ بْنِ هُرْمُزَ " مَلِكِ الْفُرْسِ.
قَالَ: وَتَنَصَّرَ " " قُسْطَنْطِينُ " " فِي مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا: " نِيقُومِيدْيَا "، وَذَلِكَ فِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ مُلْكِهِ، وَأَمَرَ بِبِنَاءِ الْكَنَائِسِ فِي كُلِّ بَلَدٍ، وَأَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ الْخَرَاجُ مِمَّا يُعْمَلُ بِهِ أَبْنِيَةُ الْكَنَائِسِ.
стр. 1549
قَالَ: وَفِي خَمْسِ سِنِينَ مِنْ مُلْكِهِ صَيَّرَ " الْأَكْصَنْدُرُوسَ " بَطْرِيَرْكًا عَلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَهُوَ تِلْمِيذُ بَطْرَكِهَا " بُطْرُسَ " الَّذِي قُتِلَ وَهُوَ رَفِيقُ " أَشْلَا "، فَأَقَامَ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، وَفِي خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ رِيَاسَتِهِ، كَانَ الْمَجْمَعُ بِمَدِينَةِ " نِيقِيَّةَ " الَّذِي رُتِّبَتْ فِيهِ الْأَمَانَةُ الْأَرْثُذُكْسِيَّةُ.
فَمَنَعَ " الْأَكْصَنْدَرُوسُ " بَتْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ " أَرِيُوسَ " مِنْ دُخُولِ الْكَنِيسَةِ وَلَعَنَهُ، وَقَالَ: إِنَّ " أَرِيُوسَ " مَلْعُونٌ، لِأَنَّ " بُطْرُسَ " الْبَتْرَكَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ قَالَ لَنَا: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ " أَرِيُوسَ " فَلَا تَقْبَلُوهُ وَلَا تُدْخِلُوهُ الْكَنِيسَةَ.
وَكَانَ عَلَى مَدِينَةِ " أَسْيُوطَ " مِنْ عَمَلِ مِصْرَ أُسْقُفٌّ يَرَى رَأْيَ " أَرِيُوسَ " فَلَعَنَهُ أَيْضًا.
وَكَانَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ هَيْكَلٌ عَظِيمٌ كَانَتْ " كِلَاوْبَطْرَةُ " الْمَلِكَةُ بَنَتْهُ
стр. 1550
عَلَى اسْمِ زُحَلَ، وَكَانَ فِيهِ صَنَمٌ مِنْ نُحَاسٍ عَظِيمٍ يُسَمَّى: " مِيكَائِيلُ "، وَكَانَ أَهْلُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَمِصْرَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا فِي شَهْرِ " هَتُورَ " وَهُوَ " تِشْرِينُ الثَّانِي " يُعَيِّدُونَ لِذَلِكَ الصَّنَمِ عِيدًا عَظِيمًا، وَيَذْبَحُونَ الذَّبَائِحَ الْكَثِيرَةَ.
فَلَمَّا صَارَ هَذَا بَطْرَكًا عَلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَظَهَرَتِ النَّصْرَانِيَّةُ، أَرَادَ أَنْ يَكْسِرَ الصَّنَمَ وَيُبْطِلَ الذَّبَائِحَ.
فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ أَهِلُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَاحْتَالَ لَهُمْ بِأَنْ قَالَ: إِنَّ هَذَا صَنَمٌ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ وَلَا مَضَرَّةَ، فَلَوْ صَيَّرْتُمُ الْعِيدَ لِمِيكَائِيلَ الْمَلَاكِ، وَجَعَلْتُمْ هَذِهِ الذَّبَائِحَ لَهُ كَانَ أَنْفَعَ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ، وَكَانَ خَيْرًا لَكُمْ مِنْ هَذَا الصَّنَمِ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ.
فَكَسَرَ الصَّنَمَ، وَأَصْلَحَ مِنْهُ صَلِيبًا وَسَمَّى الْهَيْكَلَ " كَنِيسَةَ مِيكَائِيلَ " وَهِيَ الْكَنِيسَةُ الَّتِي تُسَمَّى " قَيْسَارِيَّةَ "، احْتَرَقَتْ بِالنَّارِ وَقْتَ مُوَافَاةِ الْجُيُوشِ مِنَ الْمَغَارِبَةِ الْقَرَامِطَةِ مَعَ الْمُسَمَّى
стр. 1551
أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ، وَكَانَ مَعَهُ أَمِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يُسَمَّى " حُبَاسَةُ " وَذَلِكَ فِي خِلَافَةِ " الْمُعْتَضِدِ بِاللَّهِ ".
وَكَانَ عَامِلُهُ عَلَى مِصْرَ يَوْمَئِذٍ مَوْلَاهُ الْمَعْرُوفُ " بِتَكِينَ الْحَاجِبِ " رَجُلٌ تُرْكِيٌّ، فَنَفَرَ إِلَى الْمَغَارِبَةِ وَجَاءَهُ مَدَدٌ مِنَ الشَّرْقِ مَعَ الْخَادِمِ الْمُلَقَّبِ " مُونِسٌ " الْأُسْتَاذُ.
стр. 1552
فَهَرَبَ مِنْهُ أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ وَحُبَاسَةُ وَجُنُودُهُمَا، وَصَيَّرَ الْعِيدَ لِمِيكَائِيلَ الْمَلَكِ وَالذَّبَائِحَ.
وَإِلَى الْيَوْمِ الْقِبْطُ بِمِصْرَ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ يُعَيِّدُونَ فِي هَذَا الْيَوْمِ عِيدَ مِيكَائِيلَ الْمَلَاكِ وَيَذْبَحُونَ فِيهِ الذَّبَائِحَ الْكَثِيرَةَ، وَكَذَلِكَ الْمَلِكِيَّةُ يُعَيِّدُونَ فِي هَذَا الْيَوْمِ عِيدَ مِيكَائِيلَ الْمَلَاكُ وَصَارَ رَسْمًا إِلَى الْيَوْمِ.
قَالَ: فَلَمَّا مَنَعَ بَتْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ " أَرِيُوسَ " مِنْ دُخُولِ الْكَنِيسَةِ وَلَعَنَهُ، خَرَجَ " أَرِيُوسُ " مُسْتَعْدِيًا عَلَيْهِ وَمَعَهُ أُسْقُفَّانِ، فَاسْتَغَاثُوا إِلَى " " قُسْطَنْطِينَ " " الْمَلِكِ.
وَقَالَ " أَرِيُوسُ ": إِنَّهُ تَعَدَّى عَلَيَّ وَأَخْرَجَنِي مِنَ الْكَنِيسَةِ ظُلْمًا.
وَسَأَلَ الْمَلِكَ أَنْ يَشْخَصَ " الْأَكْصَنْدَرُوسُ " بَطْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ لِيُنَاظِرَهُ قُدَّامَ الْمَلِكِ.
فَوَجَّهَ " " قُسْطَنْطِينُ " " بِرَسُولٍ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَأَشْخَصَ الْبَطْرَكَ، وَجَمْع بَيْنَهَ وَبَيْنَ " أَرِيُوسَ " لِيُنَاظِرَهُ فَقَالَ " " قُسْطَنْطِينُ " " " لِأَرِيُوسَ ": اشْرَحْ مَقَالَتَكَ.
стр. 1553
قَالَ " أَرِيُوسُ ": أَقُولُ: إِنَّ الْأَبَ كَانَ إِذْ لَمْ يَكُنِ الِابْنُ، ثُمَّ اللَّهُ أَحْدَثَ الِابْنَ، فَكَانَ كَلِمَةً لَهُ إِلَّا أَنَّهُ مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ، ثُمَّ فَوَّضَ الْأَمْرَ إِلَى ذَلِكَ الِابْنِ الْمُسَمَّى كَلِمَةً، فَكَانَ هُوَ خَالِقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا كَمَا قَالَ فِي إِنْجِيلِهِ، إِذْ يَقُولُ: (وَهَبْ لِي سُلْطَانًا عَلَى السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) فَكَانَ هُوَ الْخَالِقَ لَهُمَا بِمَا أُعْطِيَ مِنْ ذَلِكَ.
ثُمَّ إِنَّ الْكَلِمَةَ تَجَسَّدَتْ مِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ وَمِنْ رُوحِ الْقُدُسِ فَصَارَ ذَلِكَ مَسِيحًا وَاحِدًا.
فَالْمَسِيحُ الْآنَ مَعْنَيَانِ: كَلِمَةٌ وَجَسَدٌ، إِلَّا أَنَّهُمَا جَمِيعًا مَخْلُوقَانِ.
قَالَ: فَأَجَابَهُ عِنْدَ ذَلِكَ بَطْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَقَالَ: تُخْبِرُنَا الْآنَ أَيُّمَا أَوْجَبُ عَلَيْنَا عِنْدَكَ، عِبَادَةُ مَنْ خَلَقَنَا أَوْ عِبَادَةُ مَنْ لَمْ يَخْلُقْنَا.
قَالَ " أَرِيُوسُ ": بَلْ عِبَادَةُ مَنْ خَلَقَنَا.
قَالَ لَهُ الْبَطْرَكُ: فَإِنْ كَانَ خَالِقُنَا الِابْنَ كَمَا وَصَفْتَ، وَكَانَ الِابْنُ مَخْلُوقًا، فَعِبَادَةُ الِابْنِ الْمَخْلُوقِ أَوْجَبُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَبِ الَّذِي لَيْسَ بِخَالِقٍ، بَلْ تَصِيرُ عِبَادَةُ الْأَبِ الْخَالِقِ لِلِابْنِ كُفْرًا، وَعِبَادَةُ الِابْنِ الْمَخْلُوقِ إِيمَانًا، وَذَلِكَ مِنْ أَقْبَحِ الْأَقَاوِيلِ.
فَاسْتَحْسَنَ الْمَلِكُ وَكُلُّ مَنْ حَضَرَ مَقَالَةَ الْبَطْرَكِ، وَشَنَّعَ عِنْدَهُمْ
стр. 1554
مَقَالَةَ " أَرِيوسَ "، وَدَارَ بَيْنَهُمَا أَيْضًا مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ.
فَأَمَرَ " " قُسْطَنْطِينُ " " الْبَطْرَكَ " الْأَكْصَنْدَرُوسَ " أَنْ يَلْعَنَ " أَرِيُوسَ " وَكُلَّ مَنْ قَالَ بِمَقَالَتِهِ.
فَقَالَ لَهُ: بَلْ يُوَجِّهُ الْمَلِكُ فَيَشْخَصُ الْبَطَارِكَةُ وَالْأَسَاقِفَةُ حَتَّى يَكُونَ لَنَا مَجْمَعٌ، وَنَضَعَ فِيهِ قَضِيَّةً وَنَلْعَنَ " أَرِيُوسَ " وَنَشْرَحَ الدِّينَ وَنُوَضِّحَهُ لِلنَّاسِ.
فَبَعَثَ " " قُسْطَنْطِينُ " " الْمَلِكُ إِلَى جَمِيعِ الْبُلْدَانِ فَجَمَعَ الْبَطَارِكَةَ وَالْأَسَاقِفَةَ فَاجْتَمَعَ فِي مَدِينَةِ " نِيقِيَّةَ " بَعْدَ سَنَةٍ وَشَهْرَيْنِ، أَلْفَانِ وَثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ أُسْقُفًّا، وَكَانُوا مُخْتَلِفِي الْآرَاءِ مُخْتَلِفِي الْأَدْيَانِ.
فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْمَسِيحُ وَمَرْيَمُ إِلَهَانِ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَهُمُ " الْمَرْيَمَانِيَّةُ "، وَيُسَمَّوْنَ " الْمَرْيَمِيِّينَ ".
стр. 1555
وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ الْمَسِيحَ مِنَ الْأَبِ بِمَنْزِلَةِ شُعْلَةِ نَارٍ تَعَلَّقَتْ مِنْ شُعْلَةِ نَارٍ، فَلَمْ تَنْقُصِ الْأُولَى لِإِيقَادِ الثَّانِيَةِ مِنْهَا، وَهِيَ مَقَالَةُ " سِبَارِينُونَ " وَأَشْيَاعِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَقُولُ: لَمْ تَحْبَلْ مَرْيَمُ لِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ، وَإِنَّمَا مَرَّ نُورٌ فِي بَطْنِ مَرْيَمَ كَمَا يَمُرُّ الْمَاءُ فِي الْمِيزَابِ، لِأَنَّ " كَلِمَةَ اللَّهِ " دَخَلَتْ مِنْ أُذُنِهَا وَخَرَجَتْ مِنْ حَيْثُ يَخْرُجُ الْوَلَدُ مِنْ سَاعَتِهَا، وَهِيَ مَقَالَةُ " أُلْبَانَ " وَأَشْيَاعِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ الْمَسِيحَ إِنْسَانٌ خُلِقَ مِنَ اللَّاهُوتِ كَوَاحِدٍ مِنَّا فِي جَوْهَرِهِ، وَأَنَّ ابْتِدَاءَ الِابْنِ مِنْ مَرْيَمَ، وَأَنَّهُ اصْطُفِيَ لِيَكُونَ مُخَلِّصًا لِلْجَوْهَرِ الْإِنْسِيِّ، صَحِبَتْهُ النِّعْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ فَحَلَّتْ فِيهِ الْمَحَبَّةُ وَالْمَشِيئَةُ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ " ابْنُ اللَّهِ " وَيَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ وَأُقْنُومٌ وَاحِدٌ، يُسَمُّونَهُ بِثَلَاثَةِ أَسْمَاءٍ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِالْكَلِمَةِ وَلَا بِرُوحِ الْقُدُسِ، وَهِيَ مَقَالَةُ " بُولُصَ الشِّمْشَاطِيِّ " بَطْرَكِ أَنْطَاكِيَةَ وَأَشْيَاعِهِ، وَهُمُ " الْبُولْيَانِيُّونَ ".
وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَقُولُ بِثَلَاثَةِ آلِهَةٍ، لَمْ يَزَلْ صَالِحٌ وَطَالِحٌ وَعَدْلٌ بَيْنَهُمَا، وَهِيَ مَقَالَةُ " مَرْقِيُونَ " وَأَشْيَاعِهِ.
стр. 1556
وَزَعَمُوا أَنَّ " مَرْقِيُونَ " رَئِيسُ الْحَوَارِيِّينَ، وَأَنْكَرُوا " بُطْرُسَ " السَّلِيحَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَقُولُ: رَبُّنَا هُوَ الْمَسِيحُ، وَهِيَ مَقَالَةُ " بُولُسَ " الرَّسُولِ، وَمَقَالَةُ الثَّلَاثُمِائَةِ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ أُسْقُفًّا.
قَالَ: فَلَمَّا سَمِعَ " " قُسْطَنْطِينُ " " الْمَلِكُ مَقَالَاتِهِمْ، عَجِبَ مِنْ ذَلِكَ وَأَخْلَى لَهُمْ دَارَا وَتَقَدَّمَ لَهُمْ بِالْإِكْرَامِ وَالضِّيَافَةِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتَنَاظَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ لِيَنْظُرَ مَنْ مَعَهُ الْحَقُّ فَيَتَّبِعَهُ.
فَاتَّفَقَ مِنْهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ أُسْقُفًّا عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ وَرَأْيٍ وَاحِدٍ، فَنَاظَرُوا بَقِيَّةَ الْأَسَاقِفَةِ الْمُخْتَلِفِينَ فَأَفْلَجُوا عَلَيْهِمْ حُجَجَهُمْ وَأَظْهَرُوا الدِّينَ الْمُسْتَقِيمَ، وَكَانَ أَيْضًا بَاقِي الْأَسَاقِفَةِ مُخْتَلِفِي الْأَدْيَانِ وَالْآرَاءِ.
وَصَنَعَ الْمَلِكُ لِلثَّلَاثِمِائَةِ وَالثَمَانِيَةَ عَشَرَ أُسْقُفًّا مَجْلِسًا خَاصًّا عَظِيمًا، وَجَلَسَ فِي وَسَطِهِ، وَأَخَذَ خَاتَمَهُ وَسَيْفَهُ وَقَضِيبَهُ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِمْ، وَقَالَ لَهُمْ: قَدْ سَلَّطْتُكُمُ الْيَوْمَ عَلَى الْمَمْلَكَةِ لِتَصْنَعُوا مَا بَدَا لَكُمْ، لِتَصْنَعُوا مَا يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَصْنَعُوا مِمَّا فِيهِ قِوَامُ الدِّينِ وَصَلَاحُ الْمُؤْمِنِينَ.
فَبَارَكُوا عَلَى الْمَلِكِ وَقَلَّدُوهُ سَيْفَهُ، وَقَالُوا لَهُ: أَظْهِرْ دِينَ النَّصْرَانِيَّةِ وَذُبَّ عَنْهُ.
стр. 1557
وَوَضَعُوا لَهُ أَرْبَعِينَ كِتَابًا، فِيهَا السُّنَنُ وَالشَّرَائِعُ، وَفِيهَا مَا يَصْلُحُ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ الْأَسَاقِفَةُ وَمَا يَصْلُحُ لِلْمَلِكِ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا فِيهَا.
وَكَانَ رَئِيسُ الْمَجْمَعِ وَالْمُقَدَّمُ فِيهِ " الْأَكْصَنْدَرُوسَ " بَطْرِيَرْكَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَبَطْرَكَ الْإِنْطَاكِيَةِ، وَأُسْقُفَّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
وَوَجَّهَ بَطْرَكُ رُومِيَّةَ مِنْ عِنْدِهِ رَجُلَيْنِ، فَاتَّفَقُوا عَلَى نَفْيِ " أَرِيُوسَ " وَأَصْحَابِهِ وَلَعَنُوهُمْ وَكُلَّ مَنْ قَالَ مَقَالَتَهُ، وَوَضَعُوا تِلْكَ الْأَمَانَةَ، وَثَبَّتُوا أَنَّ الِابْنَ مَوْلُودٌ مِنَ الْأَبِ قَبْلَ كُلِّ الْخَلَائِقِ، وَأَنَّ الِابْنَ مِنْ طَبِيعَةِ الْأَبِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَكُونَ فِصْحُ النَّصَارَى فِي يَوْمِ الْأَحَدِ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ فِصْحِ الْيَهُودِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ فِصْحُ الْيَهُودِ مَعَ فِصْحِ النَّصَارَى فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَثَبَّتُوا مَا وَضَعَهُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ حِسَابِ الصَّوْمِ وَالْفِصْحِ،
стр. 1558
وَأَنْ يَكُونَ فِطْرُ النَّصَارَى يَوْمَ فِصْحِهِمْ، يَوْمَ الْأَحَدِ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ فِصْحِ الْيَهُودِ.
لِأَنَّ النَّصَارَى كَمَا قُلْنَا مِنْ قَبْلُ كَانُوا إِذَا عَيَّدُوا عِيدَ الْحَمِيمِ وَهُوَ عِيدُ الْغِطَاسِ صَامُوا مِنَ الْغَدِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَيُفْطِرُونَ.
فَإِذَا كَانَ عِيدُ الْيَهُودِ عَيَّدُوا مَعَهُمُ الْفِصْحَ، فَصَيَّرُوا يَوْمَ الْفِصْحِ لِلْفِطْرِ، وَمَنَعُوا أَنْ يَكُونَ لِلْأُسْقُفِّ زَوْجَةً، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَسَاقِفَةَ مُنْذُ وَقْتِ الْحَوَارِيِّينَ إِلَى مَجْمَعِ الثَّلَاثِمِائَةِ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ كَانَ لَهُمْ نِسَاءٌ، لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا اخْتِيرَ وَاحِدٌ أُسْقُفًّا وَكَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ، تَبِيتُ مَعَهُ وَلَمْ تَتَنَحَّ عَنْهُ، مَا خَلَا الْبَطَارِكَةَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ نِسَاءٌ وَلَا كَانُوا أَيْضًا يُصَيِّرُونَ أَحَدًا بَطْرَكًا لَهُ زَوْجَةٌ.
قَالَ: وَانْصَرَفُوا مُكْرَمِينَ مَحْظُوظِينَ، وَذَلِكَ فِي سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ مُلِكِ " قُسْطَنْطِينَ ".
قَالَ: وَسَنَّ " قُسْطَنْطِينُ " الْمَلِكُ ثَلَاثَ سُنَنٍ:
أَحَدُهَا: كَسْرُ الْأَصْنَامِ وَقَتْلُ كُلِّ مَنْ يَعْبُدُهَا.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ لَا يُثْبَتَ فِي الدِّيوَانِ إِلَّا أَوْلَادُ النَّصَارَى، وَيَكُونُونَ أُمَرَاءَ وَقُوَّادًا.
стр. 1559
وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يُقِيمَ النَّاسُ جُمُعَةَ الْفِصْحِ وَالْجُمُعَةَ الَّتِي بَعْدَهَا لَا يَعْمَلُونَ فِيهَا عَمَلًا، وَلَا يَكُونُ فِيهَا حَرْبٌ.
قَالَ: وَتَقَدَّمَ " قُسْطَنْطِينُ " إِلَى أُسْقُفِّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَنْ يَطْلُبَ مَوْضِعَ الْمَقْبَرَةِ وَالصَّلِيبِ، وَيَبْنِيَ الْكَنَائِسَ وَيَبْدَأَ بِبِنَاءِ الْقِيَامَةِ الْمُقَدَّسَةِ.
فَقَالَتْ " هِيلَانَةُ " أُمُّ " قُسْطَنْطِينَ " لِلْمَلِكِ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَصِيرَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَأَطْلُبَ الْمَوَاضِعَ الْمُقَدَّسَةَ فَأَبْنِيَهَا، فَدَفَعَ الْمَلِكُ إِلَيْهَا أَمْوَالًا كَثِيرَةً جَزِيلَةً.
وَسَارَتْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَعَ أُسْقُفِّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَلَمَّا وَصَلَتْ لَمْ يَكُنْ لَهَا حِرْصٌ وَلَا هِمَّةٌ إِلَّا طَلَبَ الصَّلِيبِ.
فَجَمَعَتِ الْيَهُودَ وَالسُّكَّانَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَاخْتَارَتْ مِنْهُمْ عَشْرَةً، وَمِنَ الْعَشْرَةِ ثَلَاثَةً كَانَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: " يَهُوذَا " فَسَأَلَتْهُمْ أَنْ يَدُلُّوهَا عَلَى مَوْضِعِ الصَّلِيبِ فَامْتَنَعُوا، وَقَالُوا: لَيْسَ عِنْدَنَا عِلْمٌ مِنْهُ وَلَا خِبْرَةٌ بِالْمَوْضِعِ.
فَأَمَرَتْ بِهِمْ فَطَرَحَتْهُمْ فِي جُبٍّ لَيْسَ فِيهِ مَاءٌ، فَأَقَامُوا سَبْعَةَ أَيَّامٍ لَمْ يُطْعَمُوا وَلَمْ يُسْقَوْا، فَقَالَ أَحَدُهُمْ الَّذِي اسْمُهُ يَهُوذَا لِصَاحِبَيْهِ: إِنَّ أَبَاهُ عَرَّفَهُ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي تَطْلُبُ هَذِهِ الْمَرْأَةُ، وَإِنَّ جَدَّهُ عَرَّفَ أَبَاهُ.
فَصَاحَ الِاثْنَانِ مِنَ الْجُبِّ: أَخْرِجُونَا حَتَّى نُعْلِمَ الْمَلِكَةَ بِحَالِ هَذَا الرَّجُلِ.
стр. 1560
فَأَخْرَجُوهُمْ، فَأَخْبَرُوا الْمَلِكَةَ بِمَا قَالَ لَهُمَا " يَهُوذَا " فَأَمَرَتْ بِضَرْبِهِ بِالسِّيَاطِ فَأَقَرَّ أَنَّهُ يَعْرِفُ الْمَوْضِعَ، فَخَرَجَ حَتَّى جَاءَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ الْمَقْبَرَةُ وَالْأَقْرَانِيُّونَ، وَكَانَتْ مَزْبَلَةٌ عَظِيمَةٌ هُنَاكَ، فَصَلَّى وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْمَقْبَرَةُ فَأَسْأَلُكَ أَنْ تُزَلْزِلَ الْمَكَانَ وَتُخْرِجَ مِنْهُ دُخَانًا حَتَّى نُؤْمِنَ، فَزُلْزِلَ الْمَوْضِعُ وَخَرَجَ مِنْهُ دُخَانٌ كَمَا سَأَلَ فَآمَنَ.
فَأَمَرَتْ " هِيلَانَةُ " بِكَنْسِ الْمَوْضِعِ مِنَ التُّرَابِ، فَظَهَرَتِ الْمَقْبَرَةُ وَالْأَقْرَانِيُّونَ وَوُجِدَ ثَلَاثَةُ صُلْبَانٍ، قَالَتْ " هَيْلَانَةُ " كَيْفَ لَنَا أَنْ نَعْلَمَ بِصَلِيبِ السَّيِّدِ الْمَسِيحِ؟ وَكَانَ بِالْقُرْبِ مِنْهُمْ عَلِيلٌ شَدِيدُ الْعِلَّةِ قَدْ يُئِسَ مِنْهُ، فَوُضِعَ الصَّلِيبُ الْأَوَّلُ عَلَيْهِ وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ فَقَامَ الْمَرِيضُ وَلَيْسَ بِهِ شَيْءٌ يَكْرَهُ.
فَعَلِمَتْ " هِيلَانَةُ " أَنَّهُ الصَّلِيبُ الَّذِي لِسَيِّدِنَا الْمَسِيحِ، فَجَعَلَتْهُ فِي غِلَافٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَحَمْلَتْهُ مَعَهَا وَجَمَّلَتْهُ بِمَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَأَظْهَرَتْ كُلَّ مَا كَانَ مَدْفُونًا مِنْ آثَارِ سَيِّدِنَا الْمَسِيحِ وَحَمَلَتْهُ إِلَى ابْنِهَا " قُسْطَنْطِينَ " وَبَنَتْ كَنِيسَةَ الْقِيَامَةِ فِي مَوْضِعِ الصَّلِيبِ وَالْأَقْرَانِيُّونَ وَكَنِيسَةَ " قُسْطَنْطِينَ "، وَانْصَرَفَتْ وَأَمَرَتْ أُسْقُفَّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَنْ يَبْنِيَ بَاقِيَ الْكَنَائِسَ، وَذَلِكَ فِي اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً مِنْ مُلْكِ " قُسْطَنْطِينَ ".
قَالَ: فَمِنْ مِيلَادِ سَيِّدِنَا الْمَسِيحِ إِلَى أَنْ وُجِدَ الصَّلِيبُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَذَكَرَ أَنَّهُ بَعْدَ هَذَا اجْتَمَعُوا بِمَجْمَعٍ عَظِيمٍ بِبَيْتِ
стр. 1561
الْمَقْدِسِ.
وَكَانَ مَعَهُمْ رَجُلٌ قَدْ دَسَّهُ بَطْرَكُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَجَمَاعَةٌ مَعَهُ لِيَسْأَلُوا بَطْرَكَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ لَمَّا رَجَعَ إِلَى الْمَلِكِ أَظْهَرَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِأَرِيُوسَ، وَكَانَ يَرَى رَأْيَهُ وَيَقُولُ بِمَقَالَتِهِ، فَقَامَ هَذَا الرَّجُلُ وَاسْمُهُ " مَانْيُوسُ " فَقَالَ: إِنَّ " أَرِيوُسَ " لَمْ يَقُلْ إِنَّ الْمَسِيحَ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ، وَلَكِنْ قَالَ بِهِ خُلِقَتِ الْأَشْيَاءُ، لِأَنَّهُ " كَلِمَةُ اللَّهِ " الَّتِي بِهَا خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّمَا خَلَقَ اللَّهُ الْأَشْيَاءَ بِكَلِمَتِهِ، وَلَمْ تَخْلُقِ الْأَشْيَاءَ كَلِمَتُهُ، كَمَا قَالَ سَيِّدُنَا الْمَسِيحُ فِي الْإِنْجِيلِ الْمُقَدَّسِ: " كُلٌّ بِيَدِهِ كَانَ، وَمِنْ دُونِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ ". فَقَالَ: بِهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ نُورُ الْبَشَرِ. وَقَالَ: فِي هَذَا الْعَالَمِ وَالْعَالَمُ بِهِ تَكَوَّنَ، فَأَخْبَرَ أَنَّ الْأَشْيَاءَ بِهِ تَكَوَّنَتْ وَلَمْ يُخْبِرْ أَنَّهَا كُوِّنَتْ لَهُ، قَالَ: فَهَذِهِ كَانَتْ مَقَالَةُ " أَرِيُوسَ " وَلَكِنَّ الثَّلَاثَمِائَةِ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ أُسْقُفًّا تَعَدَّوْا عَلَيْهِ وَظَلَمُوهُ وَحَرَّمُوهُ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا.
فَرَدَّ عَلَيْهِ بَطْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَقَالَ: أَمَّا " أَرِيُوسُ " فَلَمْ يَكْذِبْ عَلَيْهِ الثَّلَاثُمِائَةِ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ أُسْقُفًّا وَلَا ظَلَمُوهُ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ: " إِنَّ الِابْنَ خَالِقُ الْأَشْيَاءِ دُونَ الْأَبِ.
وَإِذَا كَانَتِ الْأَشْيَاءُ إِنَّمَا خُلِقَتْ بِالِابْنِ دُونَ أَنْ يَكُونَ الْأَبُ لَهَا خَالِقًا، فَقَدْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَا خُلِقَ مِنْهَا شَيْئًا، وَفِي ذَلِكَ تَكْذِيبٌ لِلْمَسِيحِ، قَوْلَهُ: " الْأَبُ يَخْلُقُ وَأَنَا أَخْلُقُ " وَقَالَ: " إِنْ أَنَا لَمْ أَعْمَلْ عَمَلَ أَبِي
стр. 1562
فَلَا تُصَدِّقُونِي ". وَقَالَ: " كَمَا أَنَّ الْأَبَ يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ وَيُمِيتُهُ، كَذَلِكَ الِابْنُ يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ وَيُمِيتُهُ.
فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُحْيِي وَيَخْلُقُ، وَفِي هَذَا تَكْذِيبٌ لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِخَالِقٍ، وَإِنَّمَا خُلِقَتْ بِهِ دُونَ أَنْ يَكُونَ خَالِقًا لَهُ. وَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّ الْأَشْيَاءَ كُوِّنَتْ بِهِ، فَإِنَّمَا كُنَّا لَا نَشُكُّ أَنَّ الْمَسِيحَ حَيٌّ فَعَالٌ، وَكَانَ قَدْ دَلَّ بِقَوْلِهِ: " إِثْمًا أَفْعَلُ الْخَلْقَ وَالْحَيَاةَ " كَانَ قَوْلُكَ: (بِهِ كُوِّنَتِ الْأَشْيَاءُ) إِنَّمَا هُوَ رَاجِعٌ فِي الْمَعْنَى إِلَى أَنَّهُ كَوَّنَهَا فَكَانَتْ بِهِ مُكَوَّنَةً، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَتَنَاقَضَ الْقَوْلَانِ.
قَالَ: وَرَدَّ عَلَيْهِ أَيْضًا فَقَالَ: (أَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِ " أَرِيُوسَ ": إِنَّ الْأَبَ يُرِيدُ الشَّيْءَ فَيُكَوِّنُهُ الِابْنُ، وَالْإِرَادَةُ لِلْأَبِ وَالتَّكْوِينُ لِلِابْنِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَفْسُدُ أَيْضًا إِذْ كَانَ الِابْنُ عِنْدَهُ مَخْلُوقًا فَقَدْ صَارَ حَظُّ الْمَخْلُوقِ فِي الْخَلْقِ أَوْفَى مِنْ حَظِّ الْخَالِقِ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا أَرَادَ وَفَعَلَ، وَذَاكَ أَرَادَ وَلَمْ يَفْعَلْ، فَهَذَا أَوْفَرُ حَظًّا فِي فِعْلِهِ مِنْ ذَاكَ، وَلَا بُدَّ لِهَذَا أَنْ يَكُونَ فِي فِعْلِهِ لِمَا يُرِيدُ ذَلِكَ، بِمَنْزِلَةِ كُلِّ فَاعِلٍ مِنَ الْخَلْقِ لِمَا يُرِيدُ الْخَالِقُ مِنْهُ، وَيَكُونُ حُكْمُهُ كَحُكْمِهِ فِي الْجَبْرِ وَالِاخْتِيَارِ، فَإِنْ كَانَ
стр. 1563
مَجْهُولًا فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي الْفِعْلِ، وَإِنْ كَانَ مُخْتَارًا فَجَائِزٌ أَنْ يُطَاعَ، وَجَائِزٌ أَنْ يُعْصَى وَجَائِزٌ أَنْ يُثَابَ، وَجَائِزٌ أَنْ يُعَاقَبَ، وَهَذَا أَشْنَعُ فِي الْقَوْلِ.
قَالَ: وَرَدَّ عَلَيْهِ أَيْضًا وَقَالَ: إِنْ كَانَ الْخَالِقُ إِنَّمَا خَلَقَ خَلْقَهُ بِمَخْلُوقٍ، فَالْمَخْلُوقُ غَيْرُ الْخَالِقِ بِلَا شَكٍّ، فَقَدْ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْخَالِقَ يَفْعَلُ بِغَيْرِهِ، وَالْفَاعِلُ بِغَيْرِهِ مُحْتَاجٌ إِلَى مُتَمِّمٍ لِيَفْعَلَ بِهِ إِذْ كَانَ لَا يَتِمُّ لَهُ الْفِعْلُ إِلَّا بِهِ، وَالْمُحْتَاجُ إِلَى غَيْرِهِ مَنْقُوصٌ، وَالْخَالِقُ يَتَعَالَى عَنْ هَذَا كُلِّهِ.
قَالَ: فَلَمَّا دَحَضَ بَطْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ حُجَجَ أُولَئِكَ الْمُخَالِفِينَ وَظَهَرَ لِمَنْ حَضَرَ بُطْلَانَ قَوْلِهِمْ، تَحَيَّرُوا وَخَجِلُوا فَوَثَبُوا عَلَى بَطْرَكِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَضَرَبُوهُ حَتَّى كَادَ أَنْ يُقْتَلَ، فَخَلَّصَهُ مِنْ أَيْدِيهِمُ ابْنُ أُخْتِ " قُسْطَنْطِينَ "، وَهَرَبَ بَطْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ الْمُحْتَجُّ عَلَى أَصْحَابِ " أَرِيُوسَ " وَصَارَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ أَحَدٍ مِنَ الْأَسَاقِفَةِ، ثُمَّ أَصْلَحَ دُهْنَ الْمَيْرُونِ وَقَدَّسَ الْكَنَائِسَ وَمَسَحَهَا بِدُهْنِ الْمَيْرُونِ، وَسَارَ إِلَى الْمَلِكِ فَأَعْلَمَهُ بِالْخَبَرِ فَصَرَفَهُ الْمَلِكُ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ.
стр. 1564
[فَصْلٌ: مُتَابَعَةُ حِكَايَةِ كَلَامِ ابْنِ الْبِطْرِيقِ عَنِ النَّصَارَى وَمُنَاقَشَتُهُ فِي ذَلِكَ]
قَالَ: وَأَمَرَ الْمَلِكُ أَنْ لَا يَسْكُنَ يَهُودِيٌّ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَلَا يَجُوزَ بِهَا، وَمَنْ لَمْ يَتَنَصَّرْ يُقْتَلْ. فَتَنَصَّرَ مِنَ الْيَهُودِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَظَهَرَ دِينُ النَّصْرَانِيَّةِ.
فَقِيلَ لِـ قُسْطَنْطِينَ الْمَلِكِ: إِنَّ الْيَهُودَ يَتَنَصَّرُونَ مَنْ فَزِعِ الْقَتْلِ وَهُمْ عَلَى دِينِهِمْ. قَالَ الْمَلِكُ: كَيْفَ لَنَا أَنْ نَعْلَمَ ذَلِكَ مِنْهُمْ؟
قَالَ بُولُسُ الْبَتْرَكُ: إِنَّ الْخِنْزِيرَ فِي التَّوْرَاةِ حَرَامٌ وَالْيَهُودُ لَا يَأْكُلُونَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ، فَأْمُرْ أَنْ تُذْبَحَ الْخَنَازِيرُ وَتُطْبَخَ لُحُومُهَا وَتُطْعِمَهُمْ مِنْهَا، فَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ عَلِمْنَا أَنَّهُ مُقِيمٌ عَلَى دِينِ الْيَهُودِيَّةِ.
فَقَالَ الْمَلِكُ: إِذَا كَانَ الْخِنْزِيرُ فِي التَّوْرَاةِ حَرَامًا، فَكَيْفَ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَأْكُلَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَنُطْعِمَهُ لِلنَّاسِ؟
فَقَالَ لَهُ " بُولُسُ " الْبَتْرَكُ: إِنَّ سَيِّدَنَا الْمَسِيحَ قَدْ أَبْطَلَ كُلَّ مَا فِي التَّوْرَاةِ وَجَاءَ بِنَامُوسٍ آخَرَ وَبِتَوْرَاةٍ جَدِيدَةٍ وَهُوَ الْإِنْجِيلُ، وَفِي إِنْجِيلِهِ الْمُقَدَّسِ: (أَنَّ كُلَّ مَا يَدْخُلُ الْبَطْنَ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَلَا يُنْجِسُ، وَإِنَّمَا يُنْجِسُ الْإِنْسَانَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ فِيهِ) .
стр. 1565
وَقَالَ بُولُسُ الرَّسُولُ فِي رِسَالَتِهِ إِلَى أَهْلِ مَدِينَةِ " فُورِينْيُوسَ " الْأُولَى: (الطَّعَامُ لِلْبَطْنِ آلَتُهُ لَهَا، وَالْبَطْنُ لِلطَّعَامِ، وَلَهُ يُلْعَنُ) . وَمَكْتُوبٌ فِي " الْإِبْرِكْسِسِ " يَعْنِي أَخْبَارَ الْحَوَارِيِّينَ: أَنَّ بُطْرُسَ رَئِيسَ الْحَوَارِيِّينَ كَانَ فِي مَدِينَةِ " يَافَا " فِي مَنْزِلِ رَجُلٍ دَبَّاغٍ يُقَالُ لَهُ: " سِيمُونُ "، وَأَنَّهُ صَعِدَ إِلَى الْمَنْزِلِ لِيُصَلِّيَ وَقْتَ سِتِّ سَاعَاتٍ مِنَ النَّهَارِ، فَوَقَعَ عَلَيْهِ سُبَاتٌ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ قَدْ تَفَتَّحَتْ وَإِذَا إِزَارٌ قَدْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ حَتَّى بَلَغَ الْأَرْضَ.
وَفِيهِ: كُلُّ ذِي أَرْبَعِ قَوَائِمَ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ السِّبَاعِ وَالذِّئَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ طَيْرِ السَّمَاءِ. وَسَمِعَ صَوْتًا يَقُولُ لَهُ: يَا بُطْرُسُ، قُمْ فَاذْبَحْ وَكُلْ، فَقَالَ بُطْرُسُ: يَا رَبِّ مَا أَكَلْتُ شَيْئًا نَجِسًا قَطُّ وَلَا وَسِخًا قَطُّ فَجَاءَ
стр. 1566
صَوْتٌ ثَانٍ: كُلُّ مَا طَهَّرَهُ اللَّهُ فَلَيْسَ بِنَجِسٍ، وَفِي نُسْخَةٍ أُخْرَى: مَا طَهَّرَهُ اللَّهُ فَلَا تُنَجِّسْهُ أَنْتَ.
ثُمَّ جَاءَ الصَّوْتُ بِهَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ إِنَّ الْإِزَارَ ارْتَفَعَ إِلَى السَّمَاءِ، فَعَجِبَ بُطْرُسُ وَتَحَيَّرَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ.
فَبِهَذَا الْمَنْظَرِ وَبِمَا قَالَ سَيِّدُنَا الْمَسِيحُ فِي إِنْجِيلِهِ الْمُقَدَّسِ، أَمَرَ بُطْرُسُ وَبُولُسُ أَنْ نَأْكُلَ كُلَّ ذِي أَرْبَعِ قَوَائِمَ مِنَ الْخِنْزِيرِ وَغَيْرِهِ مِنْ جَمِيعِ الْحَيَوَانِ حَلَالًا لَنَا.
فَأَمَرَ الْمَلِكُ أَنْ تُذْبَحَ الْخَنَازِيرُ وَتُطْبَخَ لُحُومُهَا وَتُقَطَّعَ صِغَارًا صِغَارًا وَتَصِيرَ عَلَى أَبْوَابِ الْكَنَائِسِ فِي كُلِّ مَمْلَكَتِهِ يَوْمَ أَحَدِ الْفِصْحِ، وَكُلُّ مَنْ خَرَجَ مِنَ الْكَنِيسَةِ يَلْقُمُ لُقْمَةً مِنْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ، فَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ يُقْتَلْ، فَقُتِلَ لِأَجْلِ ذَلِكَ خَلْقٌ كَثِيرٌ.
стр. 1567
قَالَ سَعِيدٌ: وَكَانَ لِـ " قُسْطَنْطِينَ " ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ أَكْبَرُهُمْ " قُسْطَنْطِينُ " بْنُ " قُسْطَنْطِينَ " وَذَلِكَ حِينَ مَلَكَ " أَزْدَشِيُرُ بْنُ سَابُورَ بْنِ هُرْمُزَ " عَلَى الْفُرْسِ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ " سَابُورُ بْنُ سَابُورَ " لِخَمْسِ سِنِينَ مِنْ مُلْكِ " قُسْطَنْطِينَ ".
قَالَ: وَفِي ذَلِكَ الْعَصْرِ اجْتَمَعَ أَصْحَابُ " أَرِيُوسَ " وَكُلُّ مَنْ قَالَ بِمَقَالَتِهِ إِلَى الْمَلِكِ " قُسْطَنْطِينَ "، فَحَمَلُوا لَهُ دِينَهُمْ وَمَقَالَتَهُمْ، وَقَالُوا: إِنَّ الثَّلَاثَمِائَةِ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ أُسْقُفًّا الَّذِينَ كَانُوا اجْتَمَعُوا بِنِيقِيَّةَ قَدْ أَخْطَأُوا وَحَادُوا عَنِ الْحَقِّ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ الِابْنَ مُتَّفِقٌ مَعَ الْأَبِ فِي الْجَوْهَرِ، فَتَأْمُرُ أَنْ لَا يُقَالَ هَذَا، فَإِنَّهُ خَطَأٌ. فَأَرَادَ الْمَلِكُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ.
قَالَ: وَفِي ذَلِكَ الْعَصْرِ ظَهَرَ عَلَى " الْأَقْرَانِيُّونَ " وَهُوَ الْجَلْجَلَةُ نِصْفَ النَّهَارِ صَلِيبٌ مِنْ نُورٍ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ يَفُوقُ ضَوْءُهُ ضَوْءَ الشَّمْسِ، فَكَانَ يَبْلُغُ إِلَى طُورِ زَيْتَا فَرَأَى ذَلِكَ كُلُّ مَنْ كَانَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ مِنْ كَبِيرٍ وَصَغِيرٍ.
стр. 1568
فَكَتَبَ أُسْقُفُّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى " قُسْطَنْطِينَ " بْنِ " قُسْطَنْطِينَ " بِالْخَبَرِ وَقَالَ: فِي أَيَّامِ أَبِيكَ السَّعِيدِ ظَهَرَ صَلِيبٌ كَوَاكِبُ مِنَ السَّمَاءِ فِي نِصْفِ النَّهَارِ، وَفِي أَيَّامِكَ ظَهَرَ أَيُّهَا الْمَلِكُ عَلَى " الْأَقُرَانِيُّونَ " صَلِيبٌ مِنْ نُورٍ يَفُوقُ نُورُهُ نُورَ الشَّمْسِ فِي نِصْفِ النَّهَارِ.
وَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ لَا يَقْبَلَ قَوْلَ أَصْحَابِ " أَرِيُوسَ " فَإِنَّهُمْ حَائِدُونَ عَنِ الْحَقِّ كُفَّارٌ، قَدْ لَعَنَهُمُ الثَّلَاثُمِائَةِ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ أُسْقُفًّا، وَلَعَنُوا كُلَّ مَنْ يَقُولُ بِمَقَالَتِهِمْ. فَقِيلَ قَوْلُهُ.
قَالَ: وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ غَلَبَتْ مَقَالَةُ " أَرِيُوسَ " عَلَى قُسْطَنْطِينِيَّةَ وَأَنْطَاكِيَةَ وَبَابِلَ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ.
فَسُمِّيَ التَّابِعُونَ لِأَرِيُوسَ وَالْقَائِلُونَ بِمَقَالَتِهِ " أَرِيُوسِيِّيِنَ " مُشْتَقًّا مِنَ اسْمِهِ.
قَالَ: وَفِي ثَانِي سَنَةٍ مِنْ مُلْكِ " قُسْطَنْطِينَ " صُيِّرَ عَلَى أَنْطَاكِيَةَ بَطْرَكٌ أَرِيُوسِيٌّ، ثُمَّ بَعْدَهُ آخَرُ أَرِيُوسِيٌّ، ثُمَّ بَعْدَهُ آخَرُ مَنَانِيٌّ، وَصُيِّرَ عَلَى قُسْطَنْطِينِيَّةَ بَتْرَكٌ مَنَانِيٌّ.
стр. 1569
قَالَ فَفِي عَشْرِ سِنِينَ مِنْ مُلْكِهِ صُيِّرَ عَلَى قُسْطَنْطِينِيَّةَ بَطْرَكٌ، وَكَانَ يَقُولُ: رُوحَ الْقُدُسِ مَخْلُوقَةٌ، وَأَقَامَ عَشْرَ سِنِينَ وَمَاتَ.
وَنُقِلَ بَعْدَ ذَلِكَ بَطْرَكُ أَنْطَاكِيَةَ فَصُيِّرَ عَلَى قُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَكَانَ مَنَانِيًّا.
قَالَ: وَأَمَّا أَهْلُ مِصْرَ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَكَانَ أَكْثَرُهُمْ " أَرِيُوسِيِّينَ " وَ " مَنَانِيِّينَ " فَغَلَبُوا عَلَى كَنَائِسِ مِصْرَ فَأَخَذُوهَا وَوَثَبُوا عَلَى بَتْرَكِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ لِيَقْتُلُوهُ فَهَرَبَ مِنْهُمْ وَاسْتَخْفَى، وَصَيَّرُوا عَلَى إِسْكَنْدَرِيَّةَ بَتْرَكًا مَنَانِيًّا.
وَفِي ذَلِكَ الزَّمَانِ قَدِمَ مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ قَائِدٌ، وَكَانَ أَرِيُوسِيًّا، فَنَفَى الْمَلِكِيَّ وَأَقَامَ بَطْرَكًا أَرِيُوسِيًّا.
فَلَمَّا خَرَجَ الْقَائِدُ قَتَلَ الْمَلِكِيُّونَ ذَلِكَ الْبَتْرَكَ الْأَرِيُوسِيَّ وَأَحْرَقُوهُ بِالنَّارِ.
стр. 1570
وَمَاتَ الْمَلِكُ " قُسْطَنْطِينُ " بْنُ " قُسْطَنْطِينَ " وَلَهُ فِي الْمُلْكِ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً.
وَمَلَكَ بَعْدَهُ " يُولْيَانُوسُ " الْمَلِكُ الْكَافِرُ عَلَى الرُّومِ سِنِينَ، وَأَرَادَ أَنْ يَرُدَّ النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، وَقَتَلَ مِنَ الشُّهَدَاءِ خَلْقًا كَثِيرًا.
وَفِي أَوَّلِ سَنَةٍ مِنْ مُلْكِهِ وَثَبَ الْأَرِيُوسِيُّونَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ عَلَى أُسْقُفِّهَا الْمَلِكِيِّ الَّذِي كَتَبَ بِظُهُورِ الصَّلِيبِ لِيَقْتُلُوهُ فَهَرَبَ مِنْهُمْ، فَصَيَّرُوا أُسْقُفًّا أَرِيُوسِيًّا.
قَالَ: وَفِي ثَانِي سَنَةٍ مِنْ مُلْكِهِ، صَيَّرَ عَلَى أَنْطَاكِيَةَ بَطْرَكًا عَلَى الْأَمَانَةِ، أَقَامَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً.
وَفِي إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً مِنْ رِيَاسَتِهِ، كَانَ الْمَجْمَعُ الثَّانِي بِقُسْطَنْطِينِيَّةَ.
قَالَ: وَكَانَ فِي عَصْرِهِ أَهْلُ مَدِينَةِ " نَيِرْيَارَ " كُلُّهُمْ صَابِئُونَ، فَوَضَعَ
стр. 1571
أُسْقُفُّ " نِيِرْيَارَ مِيمْرَا " فِي مِيلَادِ الْمَسِيحِ وَيَقُولُ فِي ابْتِدَائِهِ الْمَيْمَرَ: السَّيِّدُ وُلِدَ مَخْتُونًا، فَخُذُوا الْمَسِيحَ مِنَ السَّمَاءِ وَاسْتَقْبِلُوهُ عَلَى الْأَرْضِ، فَلَمَّا قَرَأَهُ عَلَيْهِمُ اسْتَهْزَأُوا بِهِ، وَأَقْبَلُوا يَضْحَكُونَ مِنْهُ، فَلَمَّا كَانَ عِيدُ الْحَمِيمِ، وَضَعَ " مَيْمَرَا " فِي عِيدِ الْحَمِيمِ، هَتَكَ فِيهِ دِينَ الصَّابِئِينَ وَفَضَحَهُمْ فِيهِ، وَمَكَّنَ فِيهِ دِينَ النَّصْرَانِيَّةِ.
قَالَ: وَكَانَ فِي عَصْرِ " يُولْيَانُوسَ " الْمَلِكِ الْكَافِرِ أَوَّلُ رَاهِبٍ سَكَنَ بَرِّيَّةَ مِصْرَ وَبَنَى الدِّيَارَاتِ وَجَمَعَ الرُّهْبَانَ.
وَكَانَ آخَرُ بِالشَّامِ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سَكَنَ بَرِّيَّةَ " الْأُرْدُنِّ " وَجَمَعَ الرُّهْبَانَ وَبَنَى الدِّيَارَاتِ.
قَالَ: وَخَرَجَ هَذَا الْمَلِكُ الْكَافِرُ لِقِتَالِ " سَابُورَ " مَلِكِ الْفُرْسِ، فَلِسُوءِ مَذْهَبِهِ وَرَدَاءَةِ دِينِهِ وَمَا أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، ظَفَرَ بِهِ مَلِكُ
стр. 1572
الْفُرْسِ فَقَتَلَهُ، وَقَتَلَ مِنْ أَصْحَابِهِ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً.
وَذَكَرَ أُسْقُفُّ " قَيْسَارِيَّةَ " أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا فِي مِحْرَابِهِ وَحِذَاؤُهُ لَوْحٌ فِيهِ صُورَةُ " مَارِي مَرْكُورُسَ " الشَّاهِدِ، فَنَظَرَ إِلَى اللَّوْحِ فَلَمْ يَرَ فِيهِ صُورَةَ الشَّاهِدِ، فَعَجِبَ مِنْ ذَلِكَ إِذْ غَابَتْ فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا سَاعَةً حَتَّى عَادَتْ صُورَةُ الشَّاهِدِ إِلَى اللَّوْحِ، وَفِي طَرَفِ الْحَرْبَةِ الْمُصَوَّرَةِ الَّتِي فِي يَدِ الشَّاهِدِ شَبِيهٌ بِالدَّمِ، فَتَعَجَّبَ مِنْ ذَلِكَ وَبَقِيَ مُتَحَيِّرًا حَتَّى بَلَغَهُ أَنَّ الْمَلِكَ الْكَافِرَ قُتِلَ فِي الْحَرْبِ.
فَعَلِمَ أَنَّ " مَارِي مَرْكُوسَ " الشَّاهِدَ قَتَلَهُ ; لِشِدَّةِ بُغْضِهِ الَّذِي كَانَ لِلنَّصَارَى، وَمَا كَانَ عَزَمَ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ.
وَذَكَرَ بَعْدَ هَذَا جَمَاعَةً مِنَ الْبَتَارِكَةِ وَالْأَسَاقِفَةِ، كَانَ بَعْضُهُمْ أَرِيُوسِيًّا وَبَعْضُهُمْ مَنَانِيًّا وَبَعْضُهُمْ مَلَكِيًّا، وَذَكَرَ فِتَنًا بَيْنَهُمْ وَتَعَصُّبَ كُلِّ طَائِفَةٍ لِبَتْرَكِهَا حَتَّى يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيَنْفِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
وَذَكَرَ أَنَّهُ اخْتَلَفَتْ آرَاءُ النَّصَارَى وَكَثُرَتْ مَقَالَاتُهُمْ وَغَلَبَتْ عَلَيْهِمْ مَقَالَةُ " أَرِيُوسَ "، وَأَنَّهُمْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ مَلِكًا اسْمُهُ " تِذُوسُ "، وَأَنَّ
стр. 1573
الْوُزَرَاءَ وَالْقُوَّادَ اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، ذَاكِرِينَ أَنَّ مَقَالَاتِ النَّاسِ اخْتَلَفَتْ وَفَسَدَتْ وَغَلَبَتْ عَلَيْهِمْ مَقَالَةُ " أَرِيُوسَ " وَ " مَقْدِينُوسَ " فَيَنْظُرُ الْمَلِكُ فِي هَذَا وَيَذُبُّ عَنِ النَّصْرَانِيَّةِ وَيُوَضِّحُ الْأَمَانَةَ الْمُسْتَقِيمَةَ.
وَكَتَبَ إِلَى بَطْرَكِ إِسْكَنْدَرِيَّةَ وَأَنْطَاكِيَةَ وَرُومِيَّةَ وَأَسْقُفَّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَحَضَرُوا مَعَ أَسَاقِفَتِهِمْ بِقُسْطَنْطِينِيَّةَ، إِلَّا بَطْرَكَ رُومِيَّةَ، فَإِنَّهُ كَتَبَ وَأَنْفَذَ بِالْأَمَانَةِ الْمُسْتَقِيمَةِ.
فَاجْتَمَعَ بِقُسْطَنْطِينِيَّةَ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ أُسْقُفًّا، وَكَانَ الْمُقَدَّمُ الْبَطَارِكَةُ الثَّلَاثَةُ، فَدَفَعَ الْمَلِكُ إِلَيْهِمْ كِتَابَ بَطْرَكِ رُومِيَّةَ، فَكَانَ صَحِيحًا مُوَافِقًا، وَكَانَ يَزْعُمُ أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ إِلَهٌ، وَلَكِنْ مَخْلُوقٌ مَصْنُوعٌ.
فَقَالَ بَطْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ: لَيْسَ رُوحُ الْقُدُسِ عِنْدِي مَعْنًى غَيْرَ
стр. 1574
حَيَاتِهِ، فَإِذَا قُلْنَا: إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ مَخْلُوقٌ، فَقَدْ قُلْنَا: إِنَّ حَيَاتَهُ مَخْلُوقَةٌ، وَإِذَا قُلْنَا: إِنَّ حَيَاتَهُ مَخْلُوقَةٌ، فَقَدْ زَعَمْنَا أَنَّهُ غَيْرُ حَيٍّ، وَإِذَا زَعَمْنَا أَنَّهُ غَيْرُ حَيٍّ، فَقَدْ كَفَرْنَا، وَمَنْ كَفَرَ وَجَبَ عَلَيْهِ اللَّعْنُ.
فَاتَّفَقُوا عَلَى لَعْنِ " مَقْدُونْيُوسَ " فَلَعَنُوهُ وَأَشْيَاعَهُ، وَلَعَنُوا الْبَطَارِكَةَ الَّذِينَ كَانُوا بَعْدَهُ يَقُولُونَ بِقَوْلِهِ، وَلَعَنُوا أُسْقُفَّ لُونِيَّةَ وَأَشْيَاعَهُ، وَلَعَنُوا " بُولِينَارْيُوسَ " وَأَشْيَاعَهُ، لِأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ الْأَبَ وَالِابْنَ وَجْهٌ وَاحِدٌ.
وَلَعَنُوا " بُولِينَارْيُوسَ " وَأَشْيَاعَهُ، لِأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ جَسَدَ سَيِّدِنَا الْمَسِيحِ بِغَيْرِ فِعْلٍ.
وَثَبَّتُوا أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ خَالِقَةٌ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ إِلَهٌ حَقٌّ، وَأَنَّ طَبِيعَةَ الْأَبِ وَالِابْنِ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ وَطَبِيعَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَزَادَ فِي الْأَمَانَةِ الَّتِي وَضَعَهَا الثَّلَاثُمِائَةِ وَالثَمَانِيَةَ عَشَرَ أُسْقُفًّا الَّذِينَ اجْتَمَعُوا فِي مَدِينَةِ " نِيقِيَّةَ ": (وَبِرُوحِ الْقُدُسِ الْمُحْيِي الْمُمِيتِ الْمُنْبَثِقِ مِنَ الْأَبِ) .
стр. 1575
وَثَبَّتُوا أَنَّ الْأَبَ وَحْدَهُ وَالِابْنَ وَرُوحَ الْقُدُسِ ثَلَاثَةُ أَقَانِيمَ وَثَلَاثَةُ وُجُوهٍ وَثَلَاثَةُ خَوَاصٍّ فِي وَحْدَانِيَّةٍ وَاحِدَةٍ وَكِيَانٍ وَاحِدٍ، وَثَلَاثَةُ أَقَانِيمَ إِلَهٌ وَاحِدٌ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ طَبِيعَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَثَبَتُوا أَنَّ جَسَدَ سَيِّدِنَا الْمَسِيحِ بِنَفْسٍ نَاطِقَةٍ عَقْلِيَّةٍ.
قَالَ: فَمِنَ الْمَجْمَعِ الْأَوَّلِ إِلَى هَذَا الْمَجْمَعِ الثَّانِي ثَمَانٍ وَخَمْسُونَ سَنَةً.
قَالَ: وَأَطْلَقَ بَطْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ لِلْبَطَارِكَةِ وَالْأَسَاقِفَةِ وَالرُّهْبَانِ أَكْلَ اللَّحْمِ مِنْ أَجْلِ الْمَنَانِيَّةِ لِيُعْرَفَ الْمَنَانِيُّ مِنْهُمْ، لِأَنَّ الْمَنَانِيَّةَ لَا يَرَوْنَ أَكْلَ اللَّحْمِ وَلَا شَيْئًا مِنَ الْحَيَوَانِ الْبَتَّةَ.
وَكَانَ أَكْثَرُ أَسَاقِفَةِ مِصْرَ مَنَانِيَّةً، فَأَكَلَ بَطَارِكَةُ مِصْرَ وَأُسْقُفُّهُمُ اللَّحْمَ.
وَأَمَّا بَطَارِكَةُ رُومِيَّةَ وَقُسْطَنْطِينِيَّةَ وَأَسَاقِفَتُهَا وَرُهْبَانُهَا، فَلَمْ يَأْكُلُوا اللَّحْمَ وَأَكَلُوا بَدَلَ اللَّحْمِ السَّمَكَ، وَأَقَامُوهُ مَقَامَ اللَّحْمِ إِذْ كَانَ حَيَوَانًا.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْبِطْرِيقِ: لَمْ يُطْلَقْ أَكْلُ اللَّحْمِ عَلَى أَنَّهُمْ يَعْتَاضُونَ مِنْهُ بِالسَّمَكِ، إِذْ لَيْسَ بِذَبِيحَةٍ، وَيَمْنَعُونَ أَكْلَ اللَّحْمِ إِذْ كَانَ قَدْ أَخْطَأَ الَّذِينَ أَقَامُوا السَّمَكَ مَقَامَ اللَّحْمِ، وَسَيِّدُنَا الْمَسِيحُ فَقَدْ أَكَلَ
стр. 1576
اللَّحْمَ، فَوَجَبَ ضَرُورَةُ أَكْلِ اللَّحْمِ اقْتِدَاءً بِالسَّيِّدِ الْمَسِيحِ، وَلَوْ يَوْمًا وَاحِدًا فِي السَّنَةِ، لِيُزِيلُوا الشَّكَّ مِنْ مَذْهَبِ الْمَنَانِيَّةِ.
قَالَ: وَفِي " الْأَبْرِكْسِسِ " مَكْتُوبًا، مَا نَظَرَهُ " بُطْرُسُ " السَّلِيحُ بِـ " يَافَا " مِنْ تَنَزُّلِ السَّبْنِيَّةِ، وَفِيهَا كُلُّ ذِي أَرْبَعِ قَوَائِمَ، وَلِهَذَا الْحُكْمِ كُلُّ مَنْ لَمْ يَأْكُلِ اللَّحْمَ مُخَالِفٌ لِشَرِيعَةِ النَّصْرَانِيَّةِ، وَمُضَاهَاةٌ لِمَذْهَبِ الصَّابِئَةِ الرُّومِ، وَهُمْ لَا يَغْتَسِلُونَ إِلَى الْيَوْمِ، لِأَنَّ الْمَنَانِيَّةَ لَا يَرَوْنَ الْغُسْلَ بِالْمَاءِ، فَلَمَّا طَالَ بِهِمُ الزَّمَانُ أَقَامُوهُ عَلَى هَذِهِ السُّنَّةِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّمَا تَرَكُوا الْغُسْلَ بِالْمَاءِ، لِشِدَّةِ بَرْدِ بِلَادِهِمْ وَبَرَدِ الْمَاءِ عِنْدَهُمْ، وَأَنَّهُ لَا يَتَهَيَّأُ لَهُمْ بِالْجُمْلَةِ أَنْ يَقْرَبُوا الْمَاءَ فِي الشِّتَاءِ ; لِثَلْجِهِ وَبَرْدِهِ، فَصَارَ سُنَّةً جَارِيَةً شِتَاءً وَصَيْفًا.
وَالْمَنَانِيَّةُ صِنْفَانِ: السَّمَّاعُونَ، وَالصِّدِّيقُونَ.
فَالسَّمَّاعُونَ: يَصُومُونَ فِي كُلِّ شَهْرٍ أَيَّامًا مَعْلُومَةً.
وَالصِّدِّيقُونَ: يَصُومُونَ الدَّهْرَ كُلَّهُ وَلَا يَأْكُلُونَ إِلَّا مَا نَبَتَ مِنَ الْأَرْضِ.
стр. 1577
فَلَمَّا تَنَصَّرُوا خَافُوا أَنْ يَتْرُكُوا أَكْلَ اللَّحْمِ فَيُعْلَمَ بِهِمْ، فَجَعَلُوا لِأَنْفُسِهِمْ صِيَامًا، فَصَامُوا الْمِيلَادَ وَالْحَوَارِيِّينَ.
فَلَمَّا طَالَ بِهِمُ الزَّمَانُ وَتَرَبَّوْا فِي هَذَا الصَّوْمِ أَكَلُوا اللَّحْمَ، فَتَبِعَتْهُمْ فِي ذَلِكَ النَّسَاطِرَةُ وَالْيَعَاقِبَةُ وَالْمَارُونِيَّةُ، وَصَارَتْ سُنَّةً اسْتَحْسَنَتْهَا الْمَلِكِيَّةُ، فَتَبِعُوهُمْ وَخَاصَّةً الْمُقِيمُونَ بِبِلَادِ الْإِسْلَامِ.
وَأَمَّا الرُّومُ: فَمَا تَرَكُوا أَكْلَ اللَّحْمِ فِي أَيَّامِ صَوْمِ الْمِيلَادِ وَصَوْمِ الْحَوَارِيِّينَ، وَتِلْكَ الْأَيَّامُ الَّتِي يُظَنُّ أَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الصَّوْمِ الْكَبِيرِ.
فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ الْمِيلَادَ وَالْحَوَارِيِّينَ وَالسَّيِّدَةَ وَلَا يَأْكُلَ لَحْمًا، فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَيْسَ لِأَحَدِ قَطْعُ اللَّحْمِ طُولَ السَّنَةِ إِلَّا فِي صَوْمِ الْأَرْبَعِينَ الْمُقَدَّسَةِ فَقَطْ، وَمَنْ فَعَلَ بِضِدِّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ رَاجِعٌ إِلَى أَصْحَابِ الْآرَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ.
قَالَ: وَفِي ثَمَانِ سِنِينَ مِنْ مُلْكِ " ثِذُوسَ " ظَهَرَتِ الْفِتْيَةُ الَّذِينَ كَانُوا هَرَبُوا مِنْ " ذَاقْيُوسَ " الْمَلِكِ وَاخْتَفَوْا فِي الْكَهْفِ.
стр. 1578
وَذَلِكَ أَنَّ الرُّعَاةَ عَلَى طُولِ الزَّمَانِ كَانُوا إِذَا جَازُوا بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ الْكَهْفُ، قَلَعُوا الطُّوبَ الْمَبْنِيَّ عَلَى بَابِ الْكَهْفِ حَتَّى عَادَ مَفْتُوحًا كَالْبَابِ.
فَلَمَّا انْتَبَهَتِ الْفِتْيَةُ تَوَهَّمُوا أَنَّهُمْ كَانُوا نِيَامًا لَيْلَةً وَاحِدَةً، فَقَالُوا لِصَاحِبِهِمُ الَّذِي كَانَ يَذْهَبُ يَبْتَاعُ لَهُمُ الطَّعَامَ: امْضِ وَاشْتَرِ لَنَا طَعَامًا وَاسْتَعْلِمْ خَبَرَ ذَاقْنُوسَ.
فَلَمَّا خَرَجَ إِلَى بَابِ الْكَهْفِ، نَظَرَ إِلَى الْبُنْيَانِ وَالْهَدْمِ ثُمَّ مَضَى حَتَّى بَلَغَ بَابَ الْمَدِينَةِ وَهِيَ " أَفْسِسَ " فَرَأَى بَابَ الْمَدِينَةِ عَلَيْهِ صَلِيبٌ كَبِيرٌ مَنْصُوبٌ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ وَقَالَ: أَحْسَبُ أَنِّي نَائِمٌ، فَأَقْبَلَ يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ وَيَنْظُرُ يَمِينًا وَشِمَالًا هَلْ يَرَى مَنْ يَعْرِفُهُ، فَلَمْ يَرَ، فَبَقِيَ مُتَحَيِّرًا وَقَالَ: لَعَلِّي أَخْطَأْتُ الطَّرِيقَ، وَلَعَلَّ هَذِهِ مَدِينَةٌ أُخْرَى.
ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَةَ فَدَفَعَ دَرَاهِمَ مِمَّا كَانَ مَعَهُ عَلَيْهَا صُورَةُ " ذَاقْيُوسَ " الْمَلِكِ فَأُنْكِرَ عَلَيْهِ، وَقَالُوا: لَعَلَّهُ أَصَابَ كَنْزًا، ثُمَّ قَالُوا: مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذِهِ الدَّرَاهِمُ وَإِلَّا قَتَلْنَاكَ، فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ.
وَصَاحَ النَّاسُ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَكَلَّمُوهُ، فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ، فَصَارُوا بِهِ إِلَى بَطْرِيقِ الْمَدِينَةِ وَكَلَّمَهُ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ، فَهَدَّدَهُ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ، فَجَاءَ إِلَى أُسْقُفِّ الْمَدِينَةِ فَكَلَّمَهُ وَخَوَّفَهُ وَقَالَ: إِنَّكَ إِنْ لَمْ تُكَلِّمْنِي وَتَقُلْ لِي مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذِهِ الدَّرَاهِمُ وَإِلَّا قَتَلْتُكَ.
стр. 1579
وَإِنَّمَا كَانَ يَمْتَنِعُ مِنَ الْكَلَامِ خَوْفًا مِنْ " ذَاقْيُوسَ " الْمَلِكِ.
فَقَالُوا لَهُ: إِنَّهُ قَدْ مَاتَ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ جَمَاعَةُ مُلُوكٍ، فَضَرَبُوهُ حَتَّى آلَمَهُ الضَّرْبُ فَخَبِّرَهُمْ بِحَالِهِ عَلَى جَلِيَّتِهَا.
فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ " دِقْيَانُوسَ " قَدْ مَاتَ وَمَلَكَ بَعْدَهُ مُلُوكٌ كَثِيرَةٌ، وَالْمَلِكُ الْيَوْمَ " ثِذُوسُ " الْكَبِيرُ، وَقَدْ ظَهَرَ دِينُ النَّصْرَانِيَّةِ.
ثُمَّ سَارَ مَعَهُمْ إِلَى الْكَهْفِ فَنَظَرُوا إِلَى أَصْحَابِهِ وَالصُّنْدُوقِ النُّحَاسِ الَّذِي فِي الصَّحِيفَةِ الرَّصَاصِ مَكْتُوبٌ فِيهَا قِصَّتُهُمْ وَخَبَرُهُمْ.
فَكَثُرَ تَعَجُّبُهُمْ، وَكَتَبُوا إِلَى الْمَلِكِ يُعْلِمُونَهُ بَخَبَرِهِمْ، فَرَكِبَ وَسَارَ إِلَى مَدِينَةِ " أَفْسِسَ " فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ وَكَلَّمَهُمْ.
وَبَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ دَخَلَ إِلَيْهِمْ فَوَجَدَهُمْ أَمْوَاتًا، فَأَمَرَ أَنْ يُتْرَكُوا فِي الْكَهْفِ وَلَا يُخْرَجُوا، وَلَكِنْ يُدْفَنُوا فِيهِ وَتُبْنَى عَلَيْهِمْ كَنِيسَةٌ، وَتُسَمَّى بِأَسْمَائِهِمْ، وَيُعَيَّدُ لَهَا عِيدٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَانْصَرَفَ إِلَى قُسْطَنْطِينِيَّةَ.
قَالَ: فَمِنْ وَقْتِ هَرَبِ الْفِتْيَةِ مِنْ " ذَاقْيُوسَ " إِلَى الْكَهْفِ إِلَى الْوَقْتِ الَّذِي ظَهَرُوا فِيهِ وَمَاتُوا، مِائَةٌ وَسَبْعٌ أَوْ تِسْعٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً.
قُلْتُ: هَذَا مِمَّا أَخْطَأَ فِيهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَمِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا.
стр. 1580
لَكِنَّ بَعْضَ الْمُفَسِّرِينَ زَعَمُوا أَنَّ هَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ لِقَوْلِهِ: (اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا) وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، بَلْ ذَكَرَهُ كَلَامًا مِنْهُ تَعَالَى.
قَالَ سَعِيدٌ: وَفِي زَمَنِهِ كَانَتْ قِصَّةُ بَتْرَكِ قُسْطَنْطِينِيَّةَ " يُوحَنَّا " الْمُلَقَّبِ بِـ " فَمِ الذَّهَبِ " وَتَوَلَّى بَعْدَهُ ابْنُهُ " ثِذُوسُ " الصَّغِيرُ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً لِإِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ مُلْكِ " يَزْدَجِرْدَ بْنِ بَهْرَامَ ".
وَفِي زَمَنِهِ جُعِلَ " نَسْطُورِسُ " الَّذِي تُنْسَبُ إِلَيْهِ مَقَالَةُ النَّسْطُورِيَّةِ بَطْرَكًا عَلَى قُسْطَنْطِينِيَّةَ.
قَالَ: وَكَانَ " نَسْطُورِسُ " يَقُولُ: إِنَّ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءَ لَيْسَتْ بِوَالِدَةٍ إِلَهًا عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَلِذَلِكَ كَانَ اثْنَانِ.
أَحَدُهُمَا: الَّذِي هُوَ إِلَهٌ مَوْلُودٌ مِنَ الْأَبِ، وَالْآخَرُ: الَّذِي هُوَ إِنْسَانٌ مَوْلُودٌ مِنْ مَرْيَمَ، وَأَنَّ هَذَا الْإِنْسَانَ الَّذِي يَقُولُ: إِنَّهُ مَسِيحٌ بِالْمَحَبَّةِ مُتَوَحِّدٌ مَعَ ابْنِ إِلَهٍ، وَيُقَالُ لَهُ: إِلَهٌ وَابْنُ إِلَهٍ، لَيْسَ بِالْحَقِيقَةِ، وَلَكِنْ مَوْهِبَةٌ، وَاتِّفَاقُ الِاسْمَيْنِ وَالْكَرَامَةِ شَبِيهًا بِأَحَدِ الْأَنْبِيَاءِ.
فَبَلَغَ قَوْلُهُ بَطْرَكَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ وَكَتَبَ إِلَيْهِ يُقَبِّحُ عَلَيْهِ
следующие страницы →