Полный текст (2 831 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، فِي مَحْيَاهُ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ، وَأَفْضَلِ الْأَقَالِيمِ شَرْقًا وَغَرْبًا، غَيْرَ مُحَمَّدٍ، فَإِنَّ الْمُلُوكَ يُطَاعُونَ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا، وَلَا يُطَاعُونَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، وَلَا يُطِيعُهُمْ أَهْلُ الدِّينِ طَاعَةً يَرْجُونَ بِهَا ثَوَابَ اللَّهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَيَخَافُونَ عِقَابَ اللَّهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، بِخِلَافِ الْأَنْبِيَاءِ.
وَمُحَمَّدٌ أَظْهَرَ دِينَ الرُّسُلِ قَبْلَهُ، وَصَدَّقَهُمْ، وَنَوَّهَ بِذِكْرِهِمْ وَتَعْظِيمِهِمْ، فَبِهِ آمَنَ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ قَبْلَ مُوسَى وَالْمَسِيحِ وَغَيْرِهِمَا أُمَمٌ عَظِيمَةٌ، لَوْلَا مُحَمَّدٌ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِمْ. وَمَنْ كَانَ يَعْرِفُ هَؤُلَاءِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَانُوا مُخْتَلِفِينَ فِيهِمْ كَاخْتِلَافِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي الْمَسِيحِ، وَكَانُوا يَقْدَحُونَ فِي دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَغَيْرِهِمَا بِمَا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُمْ.
وَأَيْضًا، فَإِنَّهُ ذَكَرَ لَهُمْ مِنَ الرُّسُلِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَهُ، مِثْلَ هُودٍ وَصَالِحٍ وَشُعَيْبٍ وَغَيْرِهِمْ.
وَمُحَمَّدٌ ﷺ صَدَّقَ الْمَسِيحَ فِي أَخْبَارِهِ ; بِأَنَّهُ أُرْكُونُ الْعَالَمِ فَقَالَ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ. آدَمُ فَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِي، أَنَا خَطِيبُ الْأَنْبِيَاءِ إِذَا وَفَدُوا، وَإِمَامُ الْأَنْبِيَاءِ إِذَا اجْتَمَعُوا» .
وَهُوَ صَاحِبُ لِوَاءِ الْحَمْدِ، وَهُوَ صَاحِبُ الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ، الَّذِي يَغْبِطُهُ بِهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَهُوَ سَيِّدُ الْعَالَمِينَ حَقًّا، وَهَذَا
стр. 2137
مُطَابِقٌ لِقَوْلِ الْمَسِيحِ: (إِنَّهُ أُرْكُونُ الْعَالَمِ) ، فَهُوَ أُرْكُونُ الْآخَرِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَهُوَ أُرْكُونُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ فِي الْآخِرَةِ.
وَقَوْلُ الْمَسِيحِ: (إِنَّ أُرْكُونَ الْعَالَمِ سَيَأْتِي، وَلَيْسَ لِي شَيْءٌ) تَضَمَّنَ الْأَصْلَيْنِ: إِثْبَاتُ الرَّسُولِ، وَإِثْبَاتُ التَّوْحِيدِ، وَأَنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، وَهُوَ تَحْقِيقُ شَهَادَةِ: أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. وَقَوْلُ الْمَسِيحِ: (لَيْسَ لِي شَيْءٌ) تَنْزِيهٌ لَهُ مِمَّا نُسِبَ إِلَيْهِ مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ، وَهَذَا النَّفْيُ يَشْتَرِكُ فِيهِ جَمِيعُ الْخَلْقِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ ﷺ :
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] .
وَقَالَ:
﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا - قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الجن: ٢١ - ٢٢] (أَيْ مَلْجَأً وَمَلَاذًا) ﴿إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] .
стр. 2138
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٨٨] .
وَأَيْضًا، فَفِي نُبُوَّةِ أَشْعِيَاءَ أَنَّهُ وَصَفَ مُحَمَّدًا بِأَنَّهُ أُرْكُونُ السِّلْمِ، وَالسِّلْمُ وَالسَّلَامُ: الْإِسْلَامُ. فَهُوَ يُبَيِّنُ أَنَّهُ سَيِّدُ دِينِ الْإِسْلَامِ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ كُلَّهُمْ بُعِثُوا بِدِينِ الْإِسْلَامِ. لَكِنْ لَمْ يَظْهَرْ هَذَا الدِّينُ وَاسْمُهُ، وَانْتَشَرَ ذِكْرُ دِينِ الْإِسْلَامِ فِي الْأَرْضِ كَمَا ظَهَرَ لِمُحَمَّدٍ، فَمُحَمَّدٌ أُرْكُونُ الْإِسْلَامِ الَّذِي يَجْمَعُ كُلَّ خَيْرٍ وَبِرٍّ، كَمَا أَنَّ إِبْلِيسَ أُرْكُونُ الشَّرِّ، قَالَ تَعَالَى عَنْ نُوحٍ:
﴿يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ - فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧١ - ٧٢] .
стр. 2139
فَهَذَا نُوحٌ: أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، يَذْكُرُ أَنَّهُ أُمِرَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَالَتِ السَّحَرَةُ - لَمَّا أَسْلَمُوا، وَأَرَادَ فِرْعَوْنُ قَتْلَهُمْ -:
﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦] .
وَقَالَ:
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤] .
وَقَالَ:
﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١] .
стр. 2140
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ سَمَّى الْمَسِيحَ الْفَارَقْلِيطَ رُوحَ الْحَقِّ، وَسَمَّاهُ رُوحَ الْقُدُسِ. وَقَالَ تَعَالَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ:
﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ - إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ - وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٠ - ١٣٢] .
﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤] .
وَقَالَتْ بِلْقِيسُ:
﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤] .
قِيلَ: قَدْ قَالَ يُوحَنَّا فِي كِتَابِ أَخْبَارِ الْحَوَارِيِّينَ، الْمُسَمَّى (إِفْرَاكْسِيسَ) : " يَا أَحْبَابِي، إِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِكُلِّ رُوحٍ. لَكِنْ مَيِّزُوا الْأَرْوَاحَ الَّتِي مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنْ غَيْرِهَا، وَاعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ رُوحٍ تُؤْمِنُ بِأَنَّ
стр. 2141
يَسُوعَ الْمَسِيحَ قَدْ جَاءَ، فَكَانَ جَسَدَانِيًّا، فَهِيَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَكُلَّ رُوحٍ لَا تُؤْمِنُ بِأَنَّ الْمَسِيحَ جَاءَ، وَكَانَ جَسَدَانِيًّا، فَلَيْسَتْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، بَلْ مِنَ الْمَسِيحِ الْكَذَّابِ الَّذِي هُوَ الْآنَ فِي الْعَالَمِ ".
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ الرُّوحَ - عِنْدَهُمْ - يَتَنَاوَلُ النَّبِيَّ الْمُرْسَلَ مِنَ الْبَشَرِ، وَجِبْرِيلُ الَّذِي نَزَلَ بِالْوَحْيِ عَلَى مُحَمَّدٍ هُوَ رُوحُ الْقُدُسِ، وَهُوَ رُوحُ الْحَقِّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢] .
وَقَالَ:
﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ - عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٤] .
وَقَالَ:
﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧] .
وَهَذَا الرُّوحُ إِنَّمَا جَعَلَهُ بِمَجِيءِ مُحَمَّدٍ، وَالْكَلَامُ الَّذِي نَزَلَ بِهِ هُوَ
стр. 2142
الَّذِي بَلَّغَهُ مُحَمَّدٌ ; وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] .
فَاصْطَفَى اللَّهُ جِبْرِيلَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَاصْطَفَى مُحَمَّدًا مِنَ الْبَشَرِ ; وَلِهَذَا يُضَافُ الْقَوْلُ الَّذِي هُوَ الْقُرْآنُ إِلَى قَوْلِ هَذَا تَارَةً، وَإِلَى قَوْلِ هَذَا تَارَةً كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ - ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ - مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢١] .
فَهَذَا الرَّسُولُ هَنَا جِبْرِيلُ، وَقَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى:
﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ - وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ - وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ - تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحاقة: ٤٠ - ٤٣] .
فَهَذَا الرَّسُولُ هَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَضَافَهُ إِلَى كُلٍّ مِنْهُمَا بِلَفْظِ الرَّسُولِ ; لِتَضَمُّنِهِ أَنَّهُ بَلَّغَهُ عَنْ مُرْسِلِهِ، لَمْ يَقُلْ: " إِنَّهُ لَقَوْلُ مَلَكٍ، وَلَا نَبِيٍّ "، بَلْ كَفَّرَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ قَوْلُ الْبَشَرِ كَمَا ذُكِرَ
стр. 2143
ذَلِكَ عَنِ الْوَحِيدِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ:
﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا - رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الطلاق: ١٠ - ١١] .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرَّسُولَ - نَفْسَهُ - لَمْ يُنْزَلْ، بَلْ أُبْدِلَ الرَّسُولُ مِنَ الذِّكْرِ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ جَاءَ بِالذِّكْرِ.
وَلَمَّا كَانَ الرَّسُولُ الْمَلَكِيُّ، وَالرَّسُولُ الْبَشَرِيُّ، وَالذِّكْرُ الْمُنَزَّلُ أُمُورًا مُتَلَازِمَةً يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ وَاحِدٍ ثُبُوتُ الْآخَرِينَ، وَمِنَ الْإِيمَانِ بِوَاحِدٍ الْإِيمَانُ بِالْآخَرِينَ، فَيَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْقُرْآنِ حَقًّا كَوْنُ جِبْرِيلَ وَمُحَمَّدٍ حَقًّا، وَكَذَلِكَ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ مُحَمَّدٍ حَقًّا كَوْنُ جِبْرِيلَ وَالْقُرْآنِ حَقًّا، وَيَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ جِبْرِيلَ حَقًّا كَوْنُ الْقُرْآنِ وَمُحَمَّدٍ حَقًّا.
وَلِهَذَا جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَ الْإِيمَانِ بِالْمَلَائِكَةِ وَالْكُتُبِ وَالرُّسُلِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ:
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] .
стр. 2144
فَتَعْلِيمُ مُحَمَّدٍ وَتَذْكِيرُهُ وَشَهَادَتُهُ هُوَ تَعْلِيمُ رُوحِ الْقُدُسِ وَرُوحِهِ، وَالْأَخْبَارُ بِأَنَّ الْمَلَكَ يَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ الْبَشَرِ، أَوِ الْجِنِّيَّ يَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ الْبَشَرِ كَثِيرٌ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: " كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ السَّكِينَةَ تَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ "، وَيُقَالُ: " مَا أَلْقَى هَذَا عَلَى لِسَانِكَ إِلَّا الشَّيْطَانُ "، وَيَكُونُ مَعَ هَذَا الْبَشَرِ يَنْطِقُ بِقُدْرَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ لَيْسَ هُوَ كَالْمَصْرُوعِ الَّذِي يَتَكَلَّمُ الْجِنِّيُّ عَلَى لِسَانِهِ وَهُوَ يَدْرِي مَا يَقُولُ ; فَلِهَذَا يُقَالُ: هَذَا قَوْلُ الرَّسُولِ الْبَشَرِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ الرَّسُولِ الْمَلَكِيُّ.
وَيُقَالُ: الْفَارَقْلِيطُ رُوحُ الْحَقِّ وَرُوحُ الْقُدُسِ يَشْهَدُ لِي وَهُوَ
стр. 2145
يُعَلِّمُكُمْ، وَهُوَ يُذَكِّرُكُمْ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْفَارَقْلِيطَ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ جِبْرِيلَ وَمُحَمَّدٍ جَمِيعًا، وَقَوْلُ أَحَدِهِمَا هُوَ قَوْلُ الْآخَرِ، وَمَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةِ بَدَلُ الِاشْتِمَالِ ; كَقَوْلِهِ:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] .
وَالشَّهْرُ لَيْسَ هُوَ نَفْسَ الْقِتَالِ، لَكِنْ لَمَّا اشْتَمَلَ عَلَى الْقِتَالِ أُبْدِلَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ، وَقَوْلُهُ:
﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا - رَسُولًا﴾ [الطلاق: ١٠ - ١١] .
وَمِنْ هَذَا النَّمَطِ أُبْدِلَ الرَّسُولُ مِنَ الذِّكْرِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَيْهِ، وَهَذَا الثَّانِي اشْتَمَلَ عَلَى الْأَوَّلِ، وَالرَّسُولُ الْبَشَرِيُّ كَانَ الرَّسُولُ الْمَلَكِيُّ يَتَّصِلُ بِهِ فِي الْبَاطِنِ فَيَثْقُلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ حِينَ يُنْزِلُهُ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟ قَالَ: أَحْيَانًا يَأْتِينِي فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيَفْصِمُ عَنِّي، وَقَدْ وَعِيتُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِي الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ. قَالَتْ عَائِشَةُ:
стр. 2146
" وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لِيَتَفَصَّدُ عَرَقًا» .
وَالْفَصْمُ: الْفَكُّ وَالْفَصْلُ مِنَ الْأُمُورِ اللَّيِّنَةِ، كَمَا قَالَ: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦] .
وَبِالْقَافِ: هُوَ الْكَسْرُ الَّذِي يَكُونُ فِي الْأُمُورِ الصَّلْبَةِ.
فَبَيَّنَ أَنَّ الْمَلَكَ حِينَ يُنْزِلُ الْوَحْيَ عَلَيْهِ يَتَّصِلُ بِهِ، وَيَلْتَبِسُ بِهِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْفَصِلُ عَنْهُ وَيَنْفَكُّ عَنْهُ، وَهَذَا الِاشْتِمَالُ وَالِانْفِصَالُ أَبْلَغُ مِنْ غَيْرِهِ، فَيَحْسُنُ مَعَهُ أَنْ يَكُونَ إِبْدَالُ أَحَدِهِمَا مِنَ الْآخَرِ أَحْسَنَ مِنْ غَيْرِهِ. فَيُقَالُ: هَذَا الْقُرْآنُ بَلَّغَهُ الرَّسُولُ النَّبِيُّ، وَبَلَّغَهُ جِبْرِيلُ عَنِ اللَّهِ، وَنَظَائِرُ هَذَا مُتَعَدِّدَةٌ فِي جَمِيعِ بِشَارَاتِ الْمَسِيحِ. يُذْكَرُ أَنَّ الْأَبَ وَهُوَ فِي لُغَتِهِمْ: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الْفَارَقْلِيطَ. وَفِي بَعْضِهَا قَالَ: " أَنَا أَطْلُبُ مِنَ الْأَبِ
стр. 2147
يُعْطِيكُمْ فَارَقْلِيطَ آخَرَ، يَثْبُتُ مَعَكُمْ إِلَى الْأَبَدِ "، وَفِي بَعْضِهَا: " وَالْفَارَقْلِيطُ رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي يُرْسِلُهُ أَبِي، هُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ "، فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ اللَّهَ يُرْسِلُهُ، وَأَنَّهُ يَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يُرْسِلَهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ: " فَإِذَا انْطَلَقْتُ أَرْسَلْتُهُ إِلَيْكُمْ " فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: إِنِّي أُرْسِلُهُ بِدُعَاءِ أَبِي، وَطَلَبِي مِنْهُ أَنْ يُرْسِلَهُ، كَمَا يَطْلُبُ الطَّالِبُ مِنْ وَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يُرْسِلَ رَسُولًا، أَوْ يُوَلِّي نَائِبًا، أَوْ يُعْطِي أَحَدًا، وَيَقُولُ أَنَا أَرْسَلْتُ هَذَا، وَوَلَّيْتُ هَذَا، وَأَعْطَيْتُ هَذَا ; أَيْ كُنْتُ سَبَبًا فِي ذَلِكَ. وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ إِذَا قَضَى مَا يَكَوِّنُ الشَّيْءَ فَإِنَّهُ يُقَدِّرُ لَهُ أَسْبَابًا يَكُونُ بِهَا، وَمِنْ تِلْكَ الْأَسْبَابِ دُعَاءُ طَائِفَةٍ مِنْ عِبَادِهِ بِهِ. فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ مِنَ النِّعْمَةِ فِي إِجَابَتِهِ دُعَاءُ هَذَا وَهَذَا وَهَذَا.
وَمُحَمَّدٌ دَعَا بِهِ الْخَلِيلُ ﵇ فَقَالَ:
﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩] .
مَعَ أَنَّ اللَّهَ قَضَى بِإِرْسَالِهِ، وَأَعْلَنَ بِاسْمِهِ قَبْلَ ذَلِكَ كَمَا قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى كُنْتَ نَبِيًّا؟ قَالَ: " وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ "، وَقَالَ: " إِنِّي عِنْدَ اللَّهِ لِمَكْتُوبٌ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ ".
стр. 2148
وَهَذَا كَمَا أَنَّ اللَّهَ قَضَى بِنَصْرِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَمِنْ أَسْبَابِ ذَلِكَ اسْتِغَاثَتُهُ بِاللَّهِ، وَكَذَلِكَ بِمَا يَقْضِيهِ مِنْ إِنْزَالِ الْغَيْثِ يَكُونُ مِنْ أَسْبَابِهِ دُعَاءُ عِبَادِهِ لَهُ، وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ، فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْمَسِيحُ سَأَلَ رَبَّهُ بَعْدَ صُعُودِهِ أَنْ يُرْسِلَ مُحَمَّدًا، وَيَكُونُ هَذَا مِنْ أَسْبَابِ إِرْسَالِهِ، لَكِنَّ إِبْرَاهِيمَ سَأَلَ فِي الدُّنْيَا فَذَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ، بِخِلَافِ سُؤَالِ الْمَسِيحِ، فَإِنَّهُ كَانَ بَعْدَ صُعُودِهِ إِلَى السَّمَاءِ.
стр. 2149
[فَصْلٌ: بَرَاهِينُ قُرْآنِيَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ عَلَى نُبُوَّتِهِ ﷺ ]
وَالْقُرْآنُ - نَفْسُهُ - قَدْ بَيَّنَ مِنْ آيَاتِ نُبُوَّتِهِ وَبَرَاهِينِ رِسَالَتِهِ أَنْوَاعًا مُتَعَدِّدَةً مَعَ اشْتِمَالِ كُلِّ نَوْعٍ عَلَى عَدَدٍ مِنَ الْآيَاتِ وَالْبَرَاهِينِ، مِثَالُ ذَلِكَ: إِخْبَارُهُ لِقَوْمِهِ بِالْغَيْبِ الْمَاضِي الَّذِي لَا يُمْكِنُ بَشَرًا أَنْ يَعْلَمَهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا، أَوْ يَكُونَ مِمَّنْ تَلَقَّاهُ عَنْ نَبِيٍّ، وَقَوْمُهُ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّمْ ذَلِكَ مِنْ بَشَرٍ، وَلَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَا غَيْرِهِمْ. وَهَذَا نَوْعَانِ:
مِنْهُ: مَا كَانَ يَسْأَلُهُ عَنْهُ الْمُشْرِكُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ ; لِيَنْظُرَ هَلْ هُوَ نَبِيٌّ أَمْ لَا؟
وَكَانَ قَوْمُهُ يُرْسِلُونَ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ، الْبَعِيدِينَ عَنْهُمْ، مِثْلَ مَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ، وَغَيْرِهَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، يَطْلُبُونَ مِنْهُمْ مَا يَسْأَلُونَهُ عَنْهُ، فَيُرْسِلُونَ إِلَيْهِمْ لِيَسْأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ، وَيَمْتَحِنُونَ بِذَلِكَ هَلْ هُوَ نَبِيٌّ أَمْ لَا؟
وَمِنْهُ: مَا كَانَ اللَّهُ يُخْبِرُهُ بِهِ ابْتِدَاءً، وَيَجْعَلُهُ عِلْمًا وَآيَةً لِنُبُوَّتِهِ، وَبُرْهَانًا لِرِسَالَتِهِ، مَعَ مَا فِي ذِكْرِ هَذِهِ الْقِصَصِ مِنَ الِاعْتِبَارِ لِأُمُورٍ أُخْرَى، فَكَانَ كُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ دَلِيلًا وَعِبْرَةً عَلَى نُبُوَّتِهِ، مِنْ طَرِيقَيْنِ، فَكَانَ دَلِيلًا وَعِبْرَةً عَلَى نُبُوَّتِهِ مِنْ جِهَةِ إِخْبَارِهِ بِالْغَيْبِ، الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا نَبِيٌّ، وَكَانَتْ عِبْرَةً بِمَا فِيهَا مِنْ أَحْوَالِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ الَّتِي تُوجِبُ اتِّبَاعَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا مِثْلَهُ، وَتَجَنُّبَ سَبِيلِ الْكَافِرِينَ الَّذِينَ خَالَفُوا مِثْلَهُ، وَحُكْمُ الشَّيْءِ حُكْمُ
стр. 2150
نَظِيرِهِ. فَإِذَا كَانَ مَنْ كَانَ مِثْلَهُ وَمِثْلَ مَنِ اتَّبَعَهُ سَعِيدًا، وَحَالُ مَنْ خَالَفَ مِثْلَهُ وَمِثْلَ مَنِ اتَّبَعَهُ شَقِيًّا، كَانَ فِي هَذَا دَلَالَةٌ وَعِبْرَةٌ تُوجِبُ اتِّبَاعَهُ، وَتَنْهَى عَنْ مُخَالَفَتِهِ، وَهَذَا - أَيْضًا - دَلِيلٌ عَلَى نُبُوَّةِ مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ وَجْهَيْنِ: مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِمِثْلِ مَا أَخْبَرُوا بِهِ، مِنْ غَيْرِ مُوَاطَأَةٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، وَلَا تَشَاعُرٍ، لَمْ يَأْخُذُوا عَنْهُ، وَلَمْ يَأْخُذْ عَنْهُمْ.
وَكُلٌّ مِنْهُمَا أَخْبَرَ عَنِ اللَّهِ بِأَخْبَارٍ مُفَصَّلَةٍ، يَمْتَنِعُ الِاتِّفَاقُ عَلَيْهَا عَادَةً إِلَّا بِتَوَاطُؤٍ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ تَوَاطُؤٌ وَتَشَاعُرٌ، وَامْتَنَعَ اتِّفَاقُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مُوَاطَأَةٍ، عُلِمَ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْمُخْبِرِينَ صَادِقٌ، قَالَ تَعَالَى:
﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧] .
وَقَصَّ قِصَّتَهُ فِي السُّورَةِ، إِلَى أَنْ قَالَ:
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ - وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ - وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ - وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ - وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٢ - ١٠٦] .
стр. 2151
إِلَى قَوْلِهِ:
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ - وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ - حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ - لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١٠٨ - ١١١] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٨٣] .
стр. 2152
وَقَالَ:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] .
وَقَالَ:
﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ [الكهف: ٩] .
وَقَالَ تَعَالَى لَمَّا قَصَّ قِصَّةَ نُوحٍ مِنْ سُورَةِ هُودٍ، وَهِيَ أَطْوَلُ
стр. 2153
مَا قَصَّهُ فِي قِصَّةِ نُوحٍ:
﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩] .
فَذَكَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ هَذَا الَّذِي أَوْحَاهُ إِلَيْهِ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ، مَا كَانَ يَعْلَمُهُ هُو وَلَا قَوْمُهُ مِنْ قَبْلِ هَذَا. فَإِذَا لَمْ يَكُنْ قَوْمُهُ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ لَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ، وَهُوَ لَمْ يُعَاشِرْ إِلَّا قَوْمَهُ، وَقَوْمُهُ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، وَيَعْلَمُونَ - أَيْضًا - أَنَّهُ هُوَ لَمْ يَكُنْ تَعَلَّمُ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُعَاشِرُ غَيْرَهُمْ، وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، صَارَ هَذَا حُجَّةً عَلَى قَوْمِهِ، وَعَلَى مَنْ بَلَغَهُ خَبَرُ قَوْمِهِ، وَمِثْلُ مَا أَخْبَرَهُمْ عَنْ قِصَّةِ آدَمَ، وَسُجُودِ الْمَلَائِكَةِ لَهُ، وَتَزْيِينِ إِبْلِيسَ لَهُ حَتَّى أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، وَهَبَطَ هُو وَزَوْجُهُ.
وَأَخْبَرَهُمْ عَنْ قِصَّةِ نُوحٍ وَمُكْثِهِ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ
стр. 2154
عَامًا، وَهَذَا فِي التَّوْرَاةِ الْمَوْجُودَةِ بِأَيْدِي أَهْلِ الْكِتَابِ: مِقْدَارُ لُبْثِهِ فِي قَوْمِهِ قَبْلَ الْغَرَقِ وَبَعْدَهُ.
وَأَخْبَرَهُمْ عَنْ قِصَّةِ الْخَلِيلِ، وَمَا جَرَى لَهُ مَعَ قَوْمِهِ، وَإِلْقَائِهِ فِي النَّارِ، وَذَبْحِ وَلَدِهِ، وَمَجِيءِ الْمَلَائِكَةِ إِلَيْهِ فِي صُورَةِ ضِيفَانٍ، وَتَبْشِيرِهِ بِإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، وَذَهَابِ الْمَلَائِكَةِ إِلَى لُوطٍ، وَمَا جَرَى لِلُوطٍ مَعَ قَوْمِهِ، وَإِهْلَاكِ اللَّهِ مَدَائِنَ قَوْمِ لُوطٍ، وَقِصَّةِ إِسْرَائِيلَ مَعَ بَنِيهِ ; كَقِصَّةِ يُوسُفَ، وَمَا جَرَى لَهُ بِمِصْرَ، وَقِصَّةِ مُوسَى مَعَ فِرْعَوْنَ، وَتَكْلِيمِ اللَّهِ إِيَّاهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَآيَاتِهِ كَالْعَصَا، وَالْيَدِ الْبَيْضَاءِ، وَالْقُمَّلِ، وَالضَّفَادِعِ، وَالدَّمِ، وَفَلْقِ الْبَحْرِ، وَتَظْلِيلِ الْغَمَامِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَإِطْعَامِهِمِ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى، وَانْفِجَارِ الْمَاءِ مِنَ الْحَجَرِ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ عَيْنًا لِسَقْيِهِمْ وَعِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ، وَقَتْلِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا لَمَّا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَقِصَّةِ الْبَقَرَةِ، وَنَتْقِ الْجَبَلِ فَوْقَهُمْ، وَقِصَّةِ دَاوُدَ، وَقَتْلِهِ لِجَالُوتَ، وَقِصَّةِ الَّذِينَ خَرَجُوا
стр. 2155
مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ، فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ، وَقِصَّةِ الَّذِي أَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ، ثُمَّ بَعَثَهُ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْوَالِ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
إِلَى أَنْ ذَكَرَ قِصَّةَ زَكَرِيَّا وَابْنِهِ يَحْيَى، وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَأَحْوَالِ الْمَسِيحِ وَآيَاتِهِ، وَدُعَائِهِ لِقَوْمِهِ، وَالْآيَاتِ الَّتِي بُعِثَ بِهَا، وَتَفَاصِيلِ ذَلِكَ، وَذَكَرَ قِصَّةَ أَصْحَابِ الْكَهْفِ، وَقِصَّةَ ذِي الْقَرْنَيْنِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَالْكُفَّارِ مُفَصَّلَةً مُبَيَّنَةً بِأَحْسَنِ بَيَانٍ وَأَتَمِّ مَعْرِفَةٍ، مَعَ عِلْمِ قَوْمِهِ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ أَحْوَالَهُ مِنْ صِغَرِهِ إِلَى أَنِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ: أَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّمْ هَذَا مِنْ بَشَرٍ، بَلْ لَمْ يَجْتَمِعْ هُوَ بِأَحَدٍ مِنَ الْبَشَرِ يَعْرِفُ ذَلِكَ، وَلَا كَانَ عِنْدَهُمْ بِمَكَّةَ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ، لَا يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، وَلَا غَيْرُهُمْ.
فَكَانَ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْآيَاتِ وَالْبَرَاهِينِ لِقَوْمِهِ بِأَنَّ هَذَا إِنَّمَا أَعْلَمَهُ بِهِ وَأَنْبَأَهُ بِهِ اللَّهُ، وَمِثْلُ هَذَا الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا نَبِيٌّ، أَوْ مَنْ أَخَذَ عَنْ نَبِيٍّ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ هُوَ أَخَذَهُ عَنْ نَبِيٍّ، تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا.
، ثُمَّ سَائِرُ أَهْلِ الْأَرْضِ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّمْ ذَلِكَ مِنْ بَشَرٍ، مِنْ طُرِقٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْمَهُ الْمُعَادِينَ لَهُ، الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَحْرَصِ النَّاسِ عَلَى
стр. 2156
الْقَدْحِ فِي نُبُوَّتِهِ، مَعَ كَمَالِ عِلْمِهِمْ - لَوْ عَلِمُوا أَنَّهُ تَعَلَّمَ ذَلِكَ مِنْ بَشَرٍ - لَطَعَنُوا عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَأَظْهَرُوهُ، فَإِنَّهُمْ - مَعَ عِلْمِهِمْ - بِحَالِهِ يَمْتَنِعُ أَنْ لَا يَعْلَمُوا ذَلِكَ لَوْ كَانَ، وَمَعَ حِرْصِهِمْ عَلَى الْقَدْحِ فِيهِ، يَمْتَنِعُ أَنْ لَا يَقْدَحُوا فِيهِ، وَيَمْتَنِعُ أَنْ لَا يَظْهَرَ ذَلِكَ.
الثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ تَوَاتَرَ عَنْ قَوْمِهِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجْتَمِعُ بِهِ مَنْ يُعَلِّمُهُ ذَلِكَ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْقِصَصُ الْمُتَنَوِّعَةُ قَدْ تَعَلَّمَهَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ - مَعَ عَدَاوَتِهِ لَهُمْ - لَكَانُوا يُخْبِرُونَ بِذَلِكَ، وَيُظْهِرُونَهُ، وَلَوْ أَظْهَرُوا ذَلِكَ لَنُقِلَ ذَلِكَ وَعُرِفَ، فَإِنَّ هَذَا مِنَ الْحَوَادِثِ الَّتِي تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ حَيْثُ بُعِثَ كَانَ النَّاسُ إِمَّا مُشْرِكًا وَإِمَّا كِتَابِيًّا، فَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَحَدٌ عَلَى الدِّينِ الَّذِي دَعَا إِلَيْهِ، وَقَدْ عَلِمَ النَّاسُ بِالتَّوَاتُرِ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ - مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ - لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ هَذِهِ الْقِصَصَ، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَهَا فَهُمْ أَوَّلُ مَنْ دَعَاهُمْ إِلَى دِينِهِ فَعَادُوهُ وَكَذَّبُوهُ، فَلَوْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ عَلَّمَهُ، أَوْ يَعْلَمُ أَنَّهُ تَعَلَّمَ مِنْ غَيْرِهِ لَأَظْهَرَ ذَلِكَ.
الْخَامِسُ: أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَوْ كَانَ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَعْرِفَهُ - وَلَوْ خَوَاصُّ النَّاسِ - وَكَانَ فِي أَصْحَابِهِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ، وَكَانَ ذَلِكَ
стр. 2157
يَشِيعُ، وَلَوْ تَوَاصَوْا بِكِتْمَانِهِ كَمَا شَاعَ مَا كُتِمَ مِنْ أَمْرِ الدُّوَلِ الْبَاطِنِيَّةِ، وَلَكَانَ خَوَاصُّهُ فِي الْبَاطِنِ يَعْلَمُونَ كَذِبَهُ، وَكَانَ عِلْمُهُمْ بِذَلِكَ يُنَاقِضُ تَصْدِيقَهُ فِي الْبَاطِنِ كَمَا عُرِفَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ.
فَكَيْفَ، وَكَانَ أَخَصُّ أَصْحَابِهِ وَأَعْلَمُهُمْ بِحَالِهِ أَعْظَمَهُمْ مَحَبَّةً وَمُوَالَاةً؟ بِخِلَافِ حَالِ مَنْ يُبْطِنُ خِلَافَ مَا يُظْهِرُ، فَإِنَّ خَوَاصَّ أَصْحَابِهِ لَا يُعَظِّمُونَهُ فِي الْبَاطِنِ.
فَإِنَّهُ عَلِمَ النَّاسُ أَنَّ قَوْمَهُ الَّذِينَ كَانُوا مُعَادِينَ لَهُ غَايَةَ الْعَدَاوَةِ، وَكَانُوا يَطْلُبُونَ الْقَدْحَ فِي نُبُوَّتِهِ بِكُلِّ طَرِيقٍ، يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ بَشَرٌ يُعَلِّمُهُ مِثْلَ هَذَا، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي قَوْمِهِ وَلَا بَلَدِهِ مَنْ يَعْرِفُ هَذَا.
عَلِمَ النَّاسُ مَا عَلِمَهُ قَوْمُهُ أَنَّ هَذَا أَنْبَأَهُ بِهِ اللَّهُ، وَكَانَ هَذَا مِنْ أَعْلَامِهِ وَآيَاتِهِ وَبَرَاهِينِهِ، وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ مِنْ آيَاتِهِ، وَأَنَّهُ حِينَ أَخْبَرَ قَوْمَهُ بِهَذَا - مَعَ تَكْذِيبِهِمْ وَفَرْطِ عَدَاوَتِهِمْ لَهُ - لَمْ يُمْكِنْ أَحَدًا مِنْهُمْ أَنْ يَقُولَ لَهُ: بَلْ فِينَا مَنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ، وَأَنْتَ كُنْتَ تَعْلَمُ ذَلِكَ، وَقَدْ تَعَلَّمْتَهُ مِنَّا أَوْ مِنْ غَيْرِنَا. فَكَانَ إِقْرَارُهُمْ بِعَدَمِ عِلْمِهِ وَعِلْمِهِمْ،
стр. 2158
وَمَعَ فَرْطِ عَدَاوَتِهِمْ لَهُ، آيَةً بَيِّنَةً لِجَمِيعِ الْأُمَمِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُو وَلَا هُمْ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ.
وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ بَعْضُهُمْ يَفْتَرِي عَلَيْهِ فِرْيَةً ظَاهِرَةً، كَانُوا كُلُّهُمْ يَعْلَمُونَ كَذِبَهُ، وَإِذَا اجْتَمَعُوا وَتَشَاوَرُوا فِي أَمْرِهِ يَعْرِفُونَ أَنَّ هَذَا كَذِبٌ ظَاهِرٌ عَلَيْهِ كَمَا كَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّهُ مَجْنُونٌ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّهُ كَاهِنٌ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّهُ سَاحِرٌ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّهُ تَعَلَّمَهُ مِنْ بَشَرٍ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ.
فَحَكَى اللَّهُ أَقْوَالَهُمْ، مُبَيِّنًا لِظُهُورِ كَذِبِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ قَوْلُ ضَالٍّ حَائِرٍ، قَدْ بَهَرَهُ حَالُ الرَّسُولِ، فَحَارَ، فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا - الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا - وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا - وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا - وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا - قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ١ - ٦] .
стр. 2159
فَأَخْبَرَ عَمَّنْ قَالَ ذَلِكَ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا مِنْ أَظْهَرِ الْكَذِبِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْقِصَصَ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ، لَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ مَنْ يَعْرِفُهَا، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُمْلِيَهَا كَمَا قَالَ:
﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] .
وَقَالَ:
﴿مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ [هود: ٤٩] .
وَلِهَذَا قَالَ:
﴿أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفرقان: ٦] .
فَأَخْبَرَ أَنَّ هَذَا مِنْ عِلْمِ مَنْ يَعْلَمُ السِّرَّ، إِذْ كَانَ الْبَشَرُ لَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ إِلَّا مِنْ جِهَةِ أَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ مَنْ يَعْلَمُ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ.
، ثُمَّ ذَكَرَ مَا اقْتَرَحُوهُ فَقَالَ:
стр. 2160
﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا - أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا - انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٧ - ٩] .
أَمَرَ بِالنَّظَرِ فِي كَيْفِيَّةِ مَا ضَرَبُوهُ مِنَ الْأَمْثَالِ، حَيْثُ شَبَّهُوهُ بِمَنْ يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ظُهُورًا لَا يَخْفَى عَلَى النَّاظِرِ ; وَلِهَذَا قَالَ:
﴿فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٩] .
إِذْ كَانَ ظَاهِرًا أَنَّ هَذَا ضَلَالٌ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ، فَلَا يَسْتَطِيعُ الضَّالُّ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ إِلَيْهِ سَبِيلًا.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ - إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ - إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ - وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ - قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ - وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ٩٨ - ١٠٣] .
стр. 2161
فَأَخْبَرَ عَمَّا افْتَرَاهُ بَعْضُهُمْ، مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ هَذَا الْقُرْآنَ بَشَرٌ.
وَكَانَ بِمَكَّةَ مَوْلًى أَعْجَمِيٌّ لِبَعْضِ قُرَيْشٍ، قِيلَ: إِنَّهُ مَوْلًى لَبَنِي الْحَضْرَمِيِّ، وَالنَّبِيُّ لَا يُحْسِنُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِلِسَانِ الْعَجَمِيِّ، وَذَاكَ لَا يُحْسِنُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَذَا الْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ. فَلَمَّا قَالُوا: إِنَّهُ افْتَرَى
стр. 2162
هَذَا الْقُرْآنَ، وَأَنَّهُ عَلَّمَهُ إِيَّاهُ بَشَرٌ قَالَ تَعَالَى:
﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ﴾ [النحل: ١٠٣] .
أَيْ يُضِيفُونَ إِلَيْهِ هَذَا التَّعْلِيمَ، وَيَنْسُبُونَهُ إِلَيْهِ، وَعَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الْإِلْحَادِ ; لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَيْلِ، فَقَالَ: لِسَانُ هَذَا الشَّخْصِ الَّذِي قَالُوا إِنَّهُ يُعَلِّمُهُ الْقُرْآنَ، لِسَانٌ أَعْجَمِيٌّ، وَهُمْ لَمْ يُمْكِنُهُمْ أَنْ يُضِيفُوا هَذَا التَّعْلِيمَ إِلَى رَجُلٍ عَرَبِيٍّ، بَلْ إِلَى هَذَا الْأَعْجَمِيِّ ; لِكَوْنِهِ كَانَ يَجْلِسُ - أَحْيَانًا - إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَذَلِكَ الْأَعْجَمِيُّ لَا يُمْكِنُهُ التَّكَلُّمُ بِهَذَا الْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ، بَلْ هُوَ أَعْجَمِيٌّ، وَمُحَمَّدٌ لَا يُعْرَفُ بِالْعَجَمِيَّةِ، لَكِنَّ غَايَةَ ذَلِكَ الْأَعْجَمِيِّ كَعَبْدِ بَنِي الْحَضْرَمِيِّ أَنْ يَعْرِفَ قَلِيلًا مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْعَادَةِ، مِثْلَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَيْهَا فِي غَالِبِ الْأَوْقَاتِ ; كَلَفْظِ الْخُبْزِ وَالْمَاءِ وَالسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَلَا يَعْرِفُ أَنْ يَقْرَأَ سُورَةً وَاحِدَةً مِنَ الْقُرْآنِ.
فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ ظُهُورَ كَذِبِهِمْ فِيمَا افْتَرَوْهُ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شُبْهَةً مِنْ تَعَلُّمِهِ أَنْبَاءَ الْغَيْبِ، مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا قَالُوا مَا ظَهَرَ بُطْلَانُهُ لِكُلِّ أَحَدٍ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ
стр. 2163
أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ قَالَ قَوْلًا يَخْفَى بُطْلَانُهُ، بَلْ مَا يَظْهَرُ كَذِبُهُ لِكُلِّ أَحَدٍ.
فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْهُمْ أَنْ يَقُولُوا: إِنَّهُ تَعَلَّمَ أَخْبَارَ الْغُيُوبِ مِنْ أَحَدٍ. وَهَذِهِ الْقِصَّةُ: قِصَّةُ نُوحٍ - لَا سِيَّمَا قِصَّتُهُ فِي سُورَةِ هُودٍ كَمَا تَقَدَّمَ - لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا نَبِيٌّ، أَوْ مَنْ تَلَقَّاهَا عَنْ نَبِيٍّ، فَإِذَا عُرِفَ أَنَّهُ لَمْ يَتَلَقَّاهَا عَنْ أَحَدٍ، عُلِمَ أَنَّهُ نَبِيٌّ ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى فِي آخِرِهَا:
﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩] .
وَالْقَوْلُ فِي سَائِرِ الْقَصَصِ، كَالْقَوْلِ فِيهَا.
وَكَمَا قَالَ - فِي سُورَةِ يُوسُفَ -:
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ [يوسف: ١٠٢] .
وَقَالَ - فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، لَمَّا ذَكَرَ قِصَّةَ زَكَرِيَّا وَمَرْيَمَ -:
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤] .
وَقَالَ: - فِي قِصَّةِ مُوسَى -:
стр. 2164
﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ - وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ - وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٤٤ - ٤٦] الْآيَةَ.
وَالْإِنْسَانُ إِنَّمَا يَعْلَمُ مِثْلَ هَذَا بِمُشَاهَدَةٍ أَوْ خَبَرٍ، فَنَبَّهَ بِقَوْلِهِ: (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ) عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا عَلِمْتَ ذَلِكَ بِإِخْبَارِنَا وَإِيحَائِنَا إِلَيْكَ وَإِعْلَامِنَا لَكَ بِذَلِكَ، إِذْ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَ كُلِّ مَنْ عَرَفَهُ: أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ ذَلِكَ مِنْ بَشَرٍ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُوَ وَلَا قَوْمُهُ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى:
﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦] .
بَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ تِلَاوَتَهُ عَلَيْهِمْ هَذَا الْكِتَابَ، وَإِدْرَاءَهُمْ ; أَيْ إِعْلَامَهُمْ بِهِ، هُوَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ لَا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
стр. 2165
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ - قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ [يونس: ١٥ - ١٦] .
فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَبِثَ فِيهِمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ، وَهُوَ لَا يَتْلُو شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يُعَلِّمُهُ، وَلَا يُعْلِمُهُمْ بِهِ، فَلَيْسَ الْأَمْرُ مِنْ جِهَتِهِ، وَلَكِنْ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ الَّذِي لَوْ شَاءَ مَا تَلَاهُ عَلَيْهِمْ وَلَا أَدْرَاهُمْ بِهِ، وَتِلَاوَتُهُ عَلَيْهِمْ وَإِدْرَاؤُهُمْ بِهِ هُوَ مِنَ الْإِعْلَامِ بِالْغُيُوبِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا نَبِيٌّ، وَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْإِرْسَالِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ، لَا مِنَ الْكَوْنِيِّ الَّذِي قَدَّرَهُ، وَهُوَ لَا يُحِبُّهُ، وَلَا يَرْضَاهُ؛ كَإِرْسَالِ الشَّيَاطِينِ، وَلِهَذَا كَانُوا يَعْرِضُونَ عَلَيْهِ أَنْ يَصِيرَ مَلِكًا عَلَيْهِمْ، وَأَنْ يُعْطُوهُ حَتَّى يَكُونَ مِنْ أَغْنَاهُمْ، وَأَنْ يُزَوِّجُوهُ مَا شَاءَ مِنْ نِسَائِهِمْ، فَيَقُولُ: " «لَوْ وَضَعْتُمُ الشَّمْسَ فِي يَمِينِي وَالْقَمَرَ فِي شَمَالِي عَلَى أَنْ أَدَعَ هَذَا الْأَمْرَ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَدَعَهُ» "، وَهَذِهِ الثَّلَاثُ هِيَ
стр. 2166
مَطْلُوبُ النُّفُوسِ مِنَ الدُّنْيَا (السُّلْطَانُ وَالْمَالُ وَالنِّسَاءُ) ، فَيُعْرِضُ عَنْ قَبُولِ الدُّنْيَا الَّتِي هِيَ غَايَةُ أَمَانِي طَالِبِهَا، وَيُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَدَعَ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا - وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا - إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا - وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا - سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٣ - ٧٧] .
стр. 2167
بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُمْ كَادُوا أَنْ يَمْنَعُوهُ بِكُلِّ طَرِيقٍ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إِنَّمَا يُتِمُّ عَمَلَهُ بِإِرَادَتِهِ وَقُدْرَتِهِ. فَمَعَ الْإِدَارَةِ الْجَازِمَةِ وَالْقُدْرَةِ التَّامَّةِ يَجِبُ وُجُودُ الْمَقْدُورِ، وَإِذَا تَعَذَّرَ أَحَدُهُمَا امْتَنَعَ، فَطَلَبُوا تَغْيِيرَ إِرَادَتِهِ لِيَرْكَنَ إِلَيْهِمْ فَيُغَيِّرَ مَا أُوحِيَ إِلَيْهِ، فَعَصَمَهُ اللَّهُ وَثَبَّتَهُ.
، ثُمَّ طَلَبُوا تَعْجِيزَهُ بِأَنْ يَسْتَفِزُّوهُ وَيُخْرِجُوهُ، حَتَّى يَعْجِزَ عَنْ تَبْلِيغِ رِسَالَةِ رَبِّهِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَعَاجَلَهُمُ اللَّهُ بِالْعُقُوبَةِ، أُسْوَةً بِمَنْ تَقَدَّمَهُ مِنَ الرُّسُلِ، فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ إِذَا أَرَادَ إِهْلَاكَ أُمَّةٍ، أَخْرَجَ نَبِيَّهَا مِنْهَا ثُمَّ أَهْلَكَهَا، لَا يُهْلِكُهَا وَهُوَ بَيْنَ أَظْهُرِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] .
وَهَذَا بَعْدَ قَوْلِهِ:
﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] .
قَالَ تَعَالَى:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] .
стр. 2168
فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ بَيْنِهِمْ بِالْهِجْرَةِ أَتَاهُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ (بَدْرٍ) وَغَيْرِهِ، فَقَوْلُهُ:
﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] .
إِشَارَةٌ إِلَى سَعْيِهِمْ فِي إِفْسَادِ إِرَادَتِهِ.
وَقَوْلُهُ:
﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [الإسراء: ٧٦] .
إِشَارَةٌ إِلَى سَعْيِهِمْ فِي تَعْجِيزِهِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] .
بَيَّنَ سُبْحَانَهُ مِنْ حَالِهِ مَا يَعْلَمُهُ الْعَامَّةُ وَالْخَاصَّةُ، وَهُوَ مَعْلُومٌ لِجَمِيعِ قَوْمِهِ الَّذِينَ شَاهَدُوهُ، مُتَوَاتِرٌ عِنْدَ مَنْ غَابَ عَنْهُ، وَبَلَغَتْهُ أَخْبَارُهُ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ: أَنَّهُ كَانَ أُمِّيًّا لَا يَقْرَأُ كِتَابًا، وَلَا يَحْفَظُ كِتَابًا مِنَ الْكُتُبِ، لَا الْمُنَزَّلَةِ وَلَا غَيْرِهَا، وَلَا يَقْرَأُ شَيْئًا مَكْتُوبًا، لَا كِتَابًا مُنَزَّلًا وَلَا غَيْرَهُ، وَلَا يَكْتُبُ بِيَمِينِهِ كِتَابًا، وَلَا يَنْسَخُ شَيْئًا مِنْ كُتُبِ النَّاسِ الْمُنَزَّلَةِ وَلَا غَيْرِهَا.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ يَعْلَمُ مِنْ غَيْرِهِ إِمَّا أَنْ يَأْخُذَ تَلْقِينًا وَحِفْظًا، وَإِمَّا أَنْ
стр. 2169
يَأْخُذَ مِنْ كِتَابِهِ، وَهُوَ لَمْ يَكُنْ يَقْرَأُ شَيْئًا مِنَ الْكُتُبِ مِنْ حِفْظِهِ، وَلَا يَقْرَأُ مَكْتُوبًا، وَالَّذِي يَأْخُذُ مِنْ كِتَابِ غَيْرِهِ إِمَّا أَنْ يَقْرَأَهُ وَإِمَّا أَنْ يَنْسَخَهُ، وَهُوَ لَمْ يَكُنْ يَقْرَأُ وَلَا يَنْسَخُ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ - نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ - عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ - بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ - وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ - أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٧] .
إِلَى قَوْلِهِ.
﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ - وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ - إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ - فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ - وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ - وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ - فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ - وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ - الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ - وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ - إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ - هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ - تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ - يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ - وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ - أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ - وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ - إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢٢٧] .
стр. 2170
فَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦] .
وَقَالَ:
﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧] .
وَعُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَعْلَمُونَ ذِكْرَ إِرْسَالِ مُحَمَّدٍ وَنُزُولِ الْوَحْيِ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .
وَقَالَ:
﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [الأنعام: ١١٤] .
وَقَالَ:
стр. 2171
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] .
وَقَالَ:
﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٣] .
وَيَعْلَمُونَ الْمَعَانِي الَّتِي فِيهِ أَنَّهَا مُوَافِقَةٌ لِأَقْوَالِ الرُّسُلِ قَبْلَهُ فِي الْخَبَرِ وَالْأَمْرِ.
فَإِنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ، وَعَرْشِهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَخَلْقِهِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ بِمِثْلِ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ قَبْلَهُ. وَأَمَرَ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ وَعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِالْعَدْلِ وَالصِّدْقِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَنَهَى عَنِ الشِّرْكِ وَالظُّلْمِ وَالْفَوَاحِشِ كَمَا أَمَرَتْ وَنَهَتِ الرُّسُلُ قَبْلَهُ.
وَالسُّوَرُ الْمَكِّيَّةُ نَزَلَتْ بِالْأُصُولِ الْكُلِّيَّةِ الْمُشْتَرِكَةِ، الَّتِي اتَّفَقَتْ عَلَيْهَا الرُّسُلُ، الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، وَهِيَ الْإِسْلَامُ الْعَامُّ الَّذِي لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ دِينًا غَيْرَهُ.
وَأَمَّا السُّوَرُ الْمَدَنِيَّةُ فَفِيهَا هَذَا، وَفِيهَا مَا يَخْتَصُّ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنَ الشِّرْعَةِ وَالْمِنْهَاجِ. فَإِنَّ دِينَ الْأَنْبِيَاءِ وَاحِدٌ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:
стр. 2172
«إِنَّا - مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ - دِينُنَا وَاحِدٌ» ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ - وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ - فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥١ - ٥٣] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ - مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ - مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٠ - ٣٢] .
وَأَمَّا الشِّرْعَةُ وَالْمِنْهَاجُ، فَقَدْ قَالَ عَنْ أَهْلِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ:
стр. 2173
﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] .
وَقَالَ:
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ - الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ - وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ - لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٤ - ٣٧] .
إِلَى قَوْلِهِ:
﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ [الحج: ٦٧] .
وَأَمَّا الْقِبْلَةُ: فَلَمْ يَجْعَلْ مَا ابْتَدَعَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ مِنَ الْقِبْلَةِ، فَلِذَلِكَ قَالَ:
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: ١٤٨] .
لَمْ يَقُلْ: إِنَّا جَعَلْنَا لِكُلٍّ وِجِهَةً، كَمَا قَالَ فِي الْمَنْسَكِ وَالشِّرْعَةِ وَالْمِنْهَاجِ. وَقَالَ تَعَالَى:
стр. 2174
﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ [طه: ١٣٣] .
فَإِنَّهُ إِذَا أَتَاهُمْ بِبَيَانِ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى - مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّهُ لَمْ يُعَاشِرْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الصُّحُفِ الْأُولَى، وَلَا اسْتَفَادَ مِنْهُمْ عِلْمًا - كَانَ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْآيَاتِ مِنَ اللَّهِ.
وَكَمَا أَنَّ إِخْبَارَهُ عَنْ أُمُورِ الْغَيْبِ يَدُلُّ عَلَى نُبُوَّتِهِ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النُّبُوَّةَ إِنْبَاءٌ مِنَ اللَّهِ، لَيْسَ ذَلِكَ كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ الْمُتَفَلْسِفَةِ كَابْنِ سِينَا وَأَمْثَالِهِ: (إِنَّهُ فَيْضٌ فَاضَ عَلَيْهِ مِنَ النَّفْسِ الْفَلَكِيَّةِ أَوِ الْعَقْلِ الْفَعَّالِ) ، وَيَقُولُونَ: (إِنَّ النَّفْسَ أَوِ الْعَقْلَ هُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ، وَأَنَّ مَنِ اتَّصَلَتْ نَفْسُهُ بِهِ عَلِمَ مَا عَلِمَتْهُ الْأَنْبِيَاءُ) ، وَيَقُولُونَ: (النُّبُوَّةُ مُكْتَسَبَةٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ صِفَتُهَا) ، وَيَقُولُونَ: (إِنَّ سَبَبَ عِلْمِهِ بِالْغَيْبِ هُوَ اتِّصَالُ نَفْسِهِ بِالنَّفْسِ الْفَلَكِيَّةِ) ، وَزَعَمُوا أَنَّهَا اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ، وَأَنَّ تَحْرِيكَهَا لِلْفَلَكِ هُوَ سَبَبُ حُدُوثِ الْحَوَادِثِ فِي الْأَرْضِ، فَتَكُونُ عَالِمَةً بِمَا يَحْدُثُ فِي الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالسَّبَبِ يُوجِبُ الْعِلْمَ بِالْمُسَبَّبِ. فَإِنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ بَاطِلَةٍ، قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى بُطْلَانِهَا فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى:
стр. 2175
مِنْهَا: إِثْبَاتُ الْعَقْلِ الْفَعَّالِ.
وَمِنْهَا: دَعْوَاهُمْ أَنَّهُ لَا سَبَبَ لِلْحَوَادِثِ إِلَّا حَرَكَةُ الْفَلَكِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْمُحَرِّكَ لَهُ هُوَ النَّفْسُ.
وَمِنْهَا: اتِّصَالُ نُفُوسِنَا بِتِلْكَ النَّفْسِ.
وَالْمَقْصُودُ - هُنَا - أَنَّ هَذَا لَوْ كَانَ حَقًّا فَإِنَّمَا يُفِيدُ عِلْمًا بِالْمُسْتَقْبَلِ الَّذِي تَكُونُ الْحَرَكَةُ الْحَاضِرَةُ سَبَبًا لَهُ، أَمَّا مَا قَدْ مَضَى بِمِئِينٍ أَوْ أُلُوفٍ مِنَ السِّنِينَ فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ حَرَكَاتِ الْفَلَكِ - حِينَ مَبْعَثِ الرَّسُولِ - كَانَ سَبَبًا لَهُ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الْحَرَكَةُ الْمَوْجُودَةُ فِي زَمَانِهِ سَبَبًا لِلْمُسْتَقْبَلِ لَا لِلْمَاضِي، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَكُونُ تَحْرِيكُ النَّفْسِ لِلْفَلَكِ سَبَبًا لِلْعِلْمِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ هُوَ اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ، بَلِ الْقُرْآنُ الْمَجِيدُ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ، وَهُوَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ، وَهُوَ:
﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ - لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٨ - ٧٩] .
وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ:
﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] .
следующие страницы →