← Акыда

Акыда · id 170

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية

ابن تيمية

Полный текст (2 831 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: " «حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَحْلٍ رَثٍّ وَقَطِيفَةٍ» "، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ - أَيْضًا - عَنْ أَنَسٍ فِيِ (كِتَابِ الْحَجِّ) فَقَالَ: «حَجَّ أَنَسٌ عَلَى رَحْلٍ رَثٍّ، وَلَمْ يَكُنْ شَحِيحًا، وَحَدَّثَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَجَّ عَلَى رَحْلٍ، وَكَانَتْ زَامِلَتَهُ» . وَفِي صَحِيحِ الْحَاكِمِ عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

стр. 2312

وَسَلَّمَ لَبِسَ خَشِنًا، وَأَكَلَ خَشِنًا، وَلَبِسَ الصُّوفَ، وَاحْتَذَى الْمَخْصُوفَ. قِيلَ: لِلْحَسَنِ: مَا الْخَشِنُ؟ قَالَ: " غَلِيظُ الشَّعِيرِ، مَا كَانَ يُسِيغُهُ إِلَّا بِجُرْعَةِ مَاءٍ» ".

стр. 2313

[فَصْلٌ: فَضْلُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْإِيمَانِ. وَالْعَمَلُ آيَةٌ لِنُبُوَّتِهِ] وَمِمَّا يُبَيَّنُ بِهِ فَضْلُ أُمَّتِهِ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَمِ - وَذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِكَوْنِهِ رَسُولًا صَادِقًا كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ آيَةٌ وَبُرْهَانٌ عَلَى نُبُوَّتِهِ، فَإِنَّ كُلَّ مَلْزُومٍ فَإِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى لَازِمِهِ. إِنَّ الْأُمَمَ نَوْعَانِ: نَوْعٌ لَهُمْ كِتَابٌ مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَنَوْعٌ لَا كِتَابَ لَهُمْ كَالْهِنْدِ، وَالْيُونَانِ، وَالتُّرْكِ، وَكَالْعَرَبِ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَمَا مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا وَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ عِلْمٍ وَعَمَلٍ بِحَسَبِهِمْ، وَيَقُومُ بِهِ مَا يَقُومُ مِنْ مَصَالِحِ دُنْيَاهُمْ، وَهَذَا مِنَ الْهِدَايَةِ الْعَامَّةِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ لِكُلِّ إِنْسَانٍ بَلْ لِكُلِّ حَيٍّ، كَمَا يَهْدِي الْحَيَوَانَ لِجَلْبِ مَا يَنْفَعُهُ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَدَفْعِ مَا يَضُرُّهُ بِاللِّبَاسِ وَالْكِنِّ، وَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ فِيهِ حُبًّا لِهَذَا، وَبُغْضًا لِهَذَا. قَالَ تَعَالَى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ١]

стр. 2314

وَقَالَ مُوسَى: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] وَقَالَ فِي أَوَّلِ مَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ : ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ٨] ، ثُمَّ الْأُمَمُ مُتَفَاضِلُونَ فِي مَعْرِفَةِ الْخَالِقِ تَعَالَى، وَفِي الْإِقْرَارِ بِالْمَعَادِ بَعْدَ الْمَوْتِ، إِمَّا لِلْأَرْوَاحِ فَقَطْ، وَإِمَّا لِلْأَبْدَانِ فَقَطْ، وَإِمَّا لِمَجْمُوعِهِمَا كَمَا هُوَ قَوْلُ سَلَفِ الْأُمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَأَئِمَّتِهِمْ وَعَامَّتِهِمْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَمُتَفَاضِلُونَ فِيمَا يَحْمَدُونَهُ، وَيَسْتَحْسِنُونَهُ مِنَ الْأَفْعَالِ وَالصِّفَاتِ، وَمَا يَذُمُّونَهُ وَيَسْتَقْبِحُونَهُ مِنْ ذَلِكَ

стр. 2315

لَكِنَّ عَامَّةَ بَنِي آدَمَ عَلَى أَنَّ الْعَدْلَ خَيْرٌ مِنَ الظُّلْمِ، وَالصِّدْقَ خَيْرٌ مِنَ الْكَذِبِ، وَالْعِلْمَ خَيْرٌ مِنَ الْجَهْلِ، فَإِنَّ الْمُحْسِنَ إِلَى النَّاسِ خَيْرٌ مِنَ الَّذِي لَا يُحْسِنُ إِلَيْهِمْ. وَأَمَّا الْمَعَادُ فَهُوَ إِمَّا لِلْأَرْوَاحِ أَوْ لِلْأَبْدَانِ، وَإِنَّ النَّاسَ بَعْدَ الْمَوْتِ يَكُونُونَ سُعَدَاءَ أَوْ أَشْقِيَاءَ، فَيُقِرُّ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْأُمَمِ غَيْرَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهٍ قَاصِرٍ كَحُكَمَاءِ الْهِنْدِ، وَالْيُونَانِ، وَالْمَجُوسِ، وَغَيْرِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْأَرْضِ فِي الْمَعَادِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ سَلَفِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْمَشْهُورِينَ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَالْحَدِيثِ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَالصُّوفِيَّةِ، وَالنُّظَّارِ، وَهُوَ إِثْبَاتُ مَعَادِ الْأَرْوَاحِ وَالْأَبْدَانِ جَمِيعًا وَأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا مَاتَ كَانَتْ رُوحُهُ مُنَعَّمَةً، أَوْ مُعَذَّبَةً، ثُمَّ تُعَادُ رُوحُهُ إِلَى بَدَنِهِ عِنْدَ الْقِيَامَةِ الْكُبْرَى، وَلِهَذَا يَذْكُرُ اللَّهُ فِي كَثِيرٍ مِنَ السُّوَرِ أَمْرَ الْقِيَامَتَيْنِ: الْقِيَامَةِ الصُّغْرَى بِالْمَوْتِ، وَالْقِيَامَةِ الْكُبْرَى حِينَ يَقُومُ النَّاسُ مِنْ قُبُورِهِمْ وَتُعَادُ أَرْوَاحُهُمْ إِلَى أَبْدَانِهِمْ، كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ الْقِيَامَتَيْنِ فِي سُورَةِ الْوَاقِعَةِ حَيْثُ قَالَ فِي أَوَّلِهَا:

стр. 2316

﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١] . ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ حَالَ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ فِي الْقِيَامَةِ الْكُبْرَى وَقَالَ فِي آخِرِ السُّورَةِ: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٣] وَكَذَلِكَ فِي سُورَةِ الْقِيَامَةِ:

стр. 2317

﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ كَلَّا لَا وَزَرَ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١] فَذَكَرَ الْقِيَامَةَ الْكُبْرَى، ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ السُّورَةِ: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة: ٢٦] وَلِبَسْطِ هَذَا مَوْضِعٌ آخَرُ، فَإِنَّ ذِكْرَ مَا يَنَالُ الرُّوحَ عِنْدَ فِرَاقِ الْبَدَنِ مِنَ النَّعِيمِ وَالْعَذَابِ كَثِيرٌ فِي النُّصُوصِ النَّبَوِيَّةِ،

стр. 2318

وَأَمَّا وَصْفُ الْقِيَامَةِ الْكُبْرَى فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَكَثِيرٌ جِدًّا لِأَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ بُعِثَ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ، فَلِذَلِكَ وَصَفَ الْقِيَامَةَ بِمَا لَمْ يَصِفْهَا بِهِ غَيْرُهُ كَمَا ذَكَرَ الْمَسِيحُ - فِي صِفَتِهِ - فَقَالَ: إِنَّهُ يُخْبِرُكُمْ بِكُلِّ مَا يَأْتِي، وَيُعَرِّفُكُمْ جَمِيعَ مَا لِلرَّبِّ وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قَوْلُ مَنْ يُثْبِتُ مَعَادَ الْأَبْدَانِ فَقَطْ، كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ الْجَهْمِيَّةِ، وَالْمُعْتَزِلَةِ الْمُبْتَدِعِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَبَعْضُ الْمُصَنِّفِينَ يَحْكِي هَذَا الْقَوْلَ عَنْ جُمْهُورِ مُتَكَلِّمِي الْمُسْلِمِينَ، أَوْ جُمْهُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ غَلَطٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ نُظَّارِهِمْ، بَلْ هُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ مُتَكَلِّمِيهِمُ الْمُبْتَدِعَةِ، الَّذِينَ ذَمَّهُمُ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: الْمَعَادُ لِلنَّفْسِ النَّاطِقَةِ بِالْمَوْتِ فَقَطْ، وَأَنَّ الْأَبْدَانَ لَا تُعَادُ. وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ لَا الْمُسْلِمِينَ وَلَا الْيَهُودِ وَلَا النَّصَارَى. بَلْ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى إِعَادَةِ الْأَبْدَانِ، وَعَلَى الْقِيَامَةِ الْكُبْرَى. وَلَكِنَّ مَنْ تَفَلْسَفَ مِنْ هَؤُلَاءِ فَوَافَقَ سَلَفَهُ مِنَ الصَّابِئَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى أَنَّ الْمَعَادَ لِلرُّوحِ وَحْدَهُ، فَإِنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ خَاطَبُوا الْجُمْهُورَ بِمَعَادِ الْأَبْدَانِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقِيقَةٌ وَخَاطَبُوهُمْ بِإِثْبَاتِ الصِّفَاتِ لِلَّهِ، وَلَيْسَ لَهُ حَقِيقَةٌ، وَأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُظْهِرُوا الْحَقَائِقَ لِلْخَلْقِ،

стр. 2319

وَأَنَّهُ لَا يُسْتَفَادُ مِنْ أَخْبَارِهِمْ مَعْرِفَةُ شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ وَلَا مَعْرِفَةُ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْمَعَادِ. وَحَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ كَذَبُوا لِلْمَصْلَحَةِ، وَهَؤُلَاءِ مَلَاحِدَةٌ كُفَّارٌ عِنْدَ الْمُتَّبِعِينَ لِلْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى. وَإِنْ كَانَ هَؤُلَاءِ كَثِيرِينَ مَوْجُودِينَ فِيمَنْ يَتَظَاهَرُ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ، لِظُهُورِ أَدْيَانِهِمْ، وَهُوَ فِي الْبَاطِنِ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ. وَهَؤُلَاءِ الْقَائِلُونَ بِمَعَادِ الْأَرْوَاحِ فَقَطْ، مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ الْأَرْوَاحَ تَتَنَاسَخُ إِمَّا فِي أَبْدَانِ الْآدَمِيِّينَ، أَوْ أَبْدَانِ الْحَيَوَانِ مُطْلَقًا، أَوْ فِي مَوْضِعِ الْأَجْسَامِ النَّامِيَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بِالتَّنَاسُخِ لِلْأَنْفُسِ الشَّقِيَّةِ فَقَطْ، وَكَثِيرٌ مِنْ مُحَقِّقِيهِمْ يُنْكِرُ التَّنَاسُخَ وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: إِنْكَارُ الْمَعَادَيْنِ جَمِيعًا، كَمَا هُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْكُفْرِ مِنَ الْعَرَبِ، وَالْيُونَانِ، وَالْهِنْدِ،، وَالتُّرْكِ، وَغَيْرِهِمْ، وَالْمُتَفَلْسِفَةُ أَتْبَاعُ أَرِسْطُو كَالْفَارَابِيِّ وَأَتْبَاعِهِ، لَهُمْ فِي مَعَادِ الْأَرْوَاحِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: قِيلَ: بِالْمَعَادِ لِلنَّفْسِ الْعَالِمَةِ وَالْجَاهِلَةِ، وَقِيلَ: بِالْمَعَادِ لِلْعَالِمَةِ دُونَ الْجَاهِلَةِ، وَقِيلَ: بِإِنْكَارِ الِاثْنَيْنِ، وَالْفَارَابِيُّ نَفْسُهُ قَدْ قَالَ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ، وَبَسْطُ الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ، إِذِ الْمَقْصُودُ

стр. 2320

هُنَا أَنَّ كُلَّ مَا عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ بَلْ وَسَائِرِ أَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ عِلْمٍ نَافِعٍ وَعَمَلٍ صَالِحٍ فَهُوَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ. وَعِنْدَ الْمُسْلِمِينَ مَا لَيْسَ عِنْدَ غَيْرِهِمْ فِي جَمِيعِ الْمَطَالِبِ الَّتِي تُنَالُ بِهَا السَّعَادَةُ وَالنَّجَاةُ. وَعُقَلَاءُ جَمِيعِ الْأُمَمِ تَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَتَنْهَى عَنِ الظُّلْمِ، وَالْفَوَاحِشِ، وَلَهُمْ عُلُومٌ إِلَهِيَّةٌ وَعِبَادَاتٌ بِحَسَبِهِمْ، وَيُعَظِّمُونَ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالدِّينِ مِنْهُمْ. وَالْهِنْدُ، وَالْيُونَانُ، وَالْفُرْسُ فِي ذَلِكَ أَكْمَلُ مِنْ كُفَّارِ التُّرْكِ، وَالْبَرْبَرِ، وَنَحْوِهِمْ، مَعَ أَنَّ هَؤُلَاءِ أَيْضًا فِيهِمْ قِسْطٌ مِنْ ذَلِكَ. وَمَعْلُومٌ عِنْدَ الِاعْتِبَارِ أَنَّ الْأُمَمَ الَّذِينَ لَهُمْ كِتَابٌ كَالْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى أَكْمَلُ مِنَ الْأُمَمِ الَّذِينَ لَا كِتَابَ لَهُمْ فِي الْفَضَائِلِ الْعِلْمِيَّةِ، وَالْعَمَلِيَّةِ، فَإِنَّ مَا لَمْ يَأْخُذْهُ النَّاسُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ، وَالِاعْتِبَارِ، أَوْ بِالْمَنَامِ، وَالْإِلْهَامِ، وَأَخْبَارِ الْجِنِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ طُرُقِ الْأُمَمِ. وَكُلُّ طَرِيقٍ صَحِيحٍ مِنَ الطُّرُقِ الْعَقْلِيَّةِ، وَالْإِلْهَامِيَّةِ، وَغَيْرِهَا، شَارَكَ

стр. 2321

أَهْلُ الْكِتَابِ فِيهِ مَنْ لَا كِتَابَ لَهُ. وَيَمْتَازُ أَهْلُ الْكِتَابِ بِعُلُومٍ وَأَعْمَالٍ أَخَذُوهَا عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، لَيْسَ فِي قُوَّةِ مَنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ أَنْ يَعْلَمَهَا، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْأَخْلَاقِ، وَالسِّيَاسَاتِ الْمَنْزِلِيَّةِ وَالْمَدَنِيَّةِ. فَإِنَّ جِنْسَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَوْ كَانَ مَنْسُوخًا مُبَدَّلًا أَحْسَنُ حَالًا مِمَّنْ لَا كِتَابَ لَهُ. وَأَمَّا فِي الْعِبَادَاتِ وَالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَرُجْحَانُهُمْ فِيهِ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا عُلُومٌ وَأَعْمَالٌ يَكُونُ ضَرَرُهَا رَاجِحًا، كَالسِّحْرِ، وَالطَّلْسَمَاتِ، وَمَا يُتَوَسَّلُ بِهِ مِنَ الشِّرْكِ إِلَى اسْتِخْدَامِ الشَّيَاطِينِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذَا وَإِنْ كَانَ غَيْرُ أَهْلِ الْكِتَابِ أَقْوَمَ بِهِ، فَإِنَّمَا ذَاكَ لِاسْتِغْنَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِمَا هُوَ أَنْفَعُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَلِهَذَا لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي قِصَّةِ سُلَيْمَانَ بَرَاءَتَهُ عَنْ

стр. 2322

ذَلِكَ، وَكَانَتِ الشَّيَاطِينُ قَدْ كَتَبَتْ كُتُبَ كُفْرٍ وَسِحْرٍ، وَدَفَنَتْهَا تَحْتَ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ، فَلَمَّا مَاتَ أَظْهَرُوا ذَلِكَ وَقَالُوا: إِنَّمَا كَانَ يُسَخِّرُ الْجِنَّ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَالْعَزَائِمِ، فَصَدَّقَهُمْ فَرِيقَانِ: فَرِيقٌ قَدَحُوا فِي سُلَيْمَانَ بَلْ كَفَّرُوهُ، مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَالَ: مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ، وَفَرِيقٌ قَالُوا: نَحْنُ نَقْتَدِي بِسُلَيْمَانَ وَنَفْعَلُ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ، وَهُمْ أَهْلُ الْعَزَائِمِ وَالطَّلَاسِمِ الَّتِي يَسْتَخْدِمُونَ بِهَا الْجِنَّ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ سُلَيْمَانَ كَانَ يَسْتَخْدِمُهُمْ بِهَا، حَتَّى يَقُولُوا: إِنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ كَانَتْ مَكْتُوبَةً عَلَى تَاجِهِ، وَهَذَا صُورَةُ خَاتَمِهِ، وَهَذَا كَلَامُ آصِفَ بْنِ بَرْخِيَا إِلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا يُضِيفُونَهُ إِلَيْهِ، وَهُوَ كَذِبٌ عَلَى سُلَيْمَانَ. وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى:

стр. 2323

﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠١] فَذَمَّ سُبْحَانَهُ مَنْ عَدَلَ عَنِ اتِّبَاعِ كِتَابِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَاتَّبَعَ مَا تَتْلُوهُ الشَّيَاطِينُ عَلَى عَهْدِ سُلَيْمَانَ، وَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ سُلَيْمَانَ لَمْ يَكْفُرْ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا، وَأَنَّهُمْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ، وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ وَأَنَّ الْمَلَكَيْنِ: هَارُوتَ وَمَارُوتَ، مَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ. وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُمْ لَا يَضُرُّونَ بِهِ أَحَدًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ،

стр. 2324

وَأَنَّهُمْ يَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] أَيْ مِنْ نَصِيبٍ، أَيْ هَؤُلَاءِ يَعْلَمُونَ أَنَّ صَاحِبَهُ لَا نَصِيبَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِنَّمَا يَطْلُبُونَ أَنَّهُمْ يَقْضُونَ بِهِ أَغْرَاضَهُمُ الدُّنْيَوِيَّةَ لِمَا لَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنَ الْهَوَى، وَذَلِكَ ضَارٌّ لَهُمْ لَا نَافِعٌ، كَمَا قَالَ فِي الْمُشْرِكِ: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ [الحج: ١٣] قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٣] فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ بِالْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى يَحْصُلُ مِنْ ثَوَابِ اللَّهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُمْ مِنْ هَذَا، فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا يَطْلُبُونَهُ لِمَا يَرْجُونَ بِهِ مِنَ الْخَيْرِ لَهُمْ، وَهَذَا خَيْرٌ لَهُمْ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [الجمعة: ٩]

стр. 2325

فَإِنَّ مَا تَطْلُبُهُ النُّفُوسُ فِيهِ لَهَا لَذَّةٌ، يَجْعَلُ خَيْرًا بِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ، لَكِنْ إِذَا كَانَ الْأَلَمُ زَائِدًا عَلَى اللَّذَّةِ كَانَ شَرُّهُ أَعْظَمَ مِنْ خَيْرِهِ. وَالشَّرَائِعُ جَاءَتْ بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا، وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا، فَهِيَ تَأْمُرُ بِمَا تَتَرَجَّحُ مَصْلَحَتُهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَفْسَدَةٌ مَرْجُوحَةٌ كَالْجِهَادِ، وَتَنْهَى عَمَّا تَرَجَّحَتْ مَفْسَدَتُهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ مَرْجُوحَةٌ كَتَنَاوُلِ الْمُحَرَّمَاتِ مِنَ الْخَمْرِ وَغَيْرِهِ. وَلِهَذَا أَمَرَ تَعَالَى أَنْ نَأْخُذَ بِأَحْسَنِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا مِنْ رَبِّنَا. فَالْأَحْسَنُ: إِمَّا وَاجِبٌ وَإِمَّا مُسْتَحَبٌّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف: ١٤٥] وَقَالَ: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥] فَأَمَرَ بِاتِّبَاعِ الْأَحْسَنِ وَالْأَخْذِ بِهِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ [الزمر: ١٧] فَاقْتَضَى أَنَّ غَيْرَهُمْ لَمْ يَهْدِهِ، وَهَذَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الْأَخْذِ بِالْأَحْسَنِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ، وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِيهِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:

стр. 2326

﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥٣] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [الرعد: ٢٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] ، وَقَالَ: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] ، وَقَالَ تَعَالَى: وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فِي مَوْضِعَيْنِ.

стр. 2327

وَقَدْ يُقَالُ: هَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَقَوْلِهِ: وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى، وَقَوْلِهِ: وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى، وَقَوْلِهِ: فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا

стр. 2328

وَقَوْلِهِ أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦] وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ، مِمَّا يُذْكَرُ فِيهِ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ مِنَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ وَاجِبًا وَالثَّانِي مُحَرَّمًا. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ قَدْ يَشْتَمِلُ عَلَى مَفْسَدَةٍ مَرْجُوحَةٍ، وَالْمَنْهِيَّ عَنْهُ يَشْتَمِلُ عَلَى مَصْلَحَةٍ مَرْجُوحَةٍ، فَيَكُونُ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ فِي

стр. 2329

هَذَا خَيْرٌ وَحَسَنٌ، وَفِي هَذَا شَرٌّ وَسَيِّئٌ، لَكِنَّ هَذَا خَيْرٌ وَأَحْسَنُ وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا. فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥] هُوَ أَمْرٌ بِالْأَحْسَنِ مِنْ فِعْلِ الْمَأْمُورِ أَوْ تَرْكِ الْمَحْظُورِ، وَهُوَ يَتَنَاوَلُ الْأَمْرَ بِالْوَاجِبِ وَالْمُسْتَحَبِّ، فَإِنَّ كِلَاهُمَا أَحْسَنُ مِنَ الْمُحَرَّمِ وَالْمَكْرُوهِ. لَكِنْ يَكُونُ الْأَمْرُ أَمْرَ إِيجَابٍ، وَأَمْرَ اسْتِحْبَابٍ، كَمَا أَمَرَ بِالْإِحْسَانِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] وَالْإِحْسَانُ مِنْهُ وَاجِبٌ، وَمِنْهُ مُسْتَحَبٌّ.

стр. 2330

[فَصْلٌ: تَوَسُّطُ الْمُسْلِمِينَ وَاعْتِدَالُهُمْ فِي التَّوْحِيدِ وَالْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ] وَإِذَا كَانَ جِنْسُ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْمَلَ - فِي الْعُلُومِ النَّافِعَةِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ - مِمَّنْ لَا كِتَابَ لَهُ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَكْمَلُ مِنْ طَائِفَتَيْ أَهْلِ الْكِتَابِ: الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَأَعْدَلُ، وَقَدْ جُمِعَ لَهُمْ مَحَاسِنُ مَا فِي التَّوْرَاةِ وَمَا فِي الْإِنْجِيلِ. فَلَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ فَضِيلَةٌ عِلْمِيَّةٌ وَعَمَلِيَّةٌ إِلَّا وَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ أَكْمَلُ مِنْهُمْ فِيهَا. فَأَمَّا الْعُلُومُ: فَهُمْ أَحْذَقُ - فِي جَمِيعِ الْعُلُومِ - مِنْ جَمِيعِ الْأُمَمِ حَتَّى الْعُلُومِ الَّتِي لَيْسَتْ بِنَبَوِيَّةٍ، وَلَا أُخْرَوِيَّةٍ، كَعِلْمِ الطِّبِّ - مَثَلًا - وَالْحِسَابِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، هُمْ أَحْذَقُ فِيهَا مِنَ الْأُمَّتَيْنِ، وَمُصَنَّفَاتُهُمْ فِيهَا أَكْمَلُ مِنْ مُصَنَّفَاتِ الْأُمَّتَيْنِ، بَلْ أَحْسَنُ عِلْمًا وَبَيَانًا لَهَا مِنَ الْأَوَّلِينَ الَّذِينَ كَانَتْ هِيَ غَايَةَ عِلْمِهِمْ، وَقَدْ يَكُونُ الْحَاذِقُ فِيهَا مَنْ هُوَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ مَنْبُوذٌ بِنِفَاقٍ وَإِلْحَادٍ، وَلَا قَدْرَ لَهُ عِنْدَهُمْ، لَكِنْ حَصَلَ لَهُ بِمَا يَعْلَمُهُ مِنَ

стр. 2331

الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْعَقْلِ، وَالْبَيَانِ مَا أَعَانَهُ عَلَى الْحِذْقِ فِي تِلْكَ الْعُلُومِ، فَصَارَ حُثَالَةُ الْمُسْلِمِينَ أَحْسَنَ مَعْرِفَةً وَبَيَانًا لِهَذِهِ الْعُلُومِ مِنْ أُولَئِكَ الْمُتَقَدِّمِينَ. وَأَمَّا الْعُلُومُ الْإِلَهِيَّةُ وَالْمَعَارِفُ الرَّبَّانِيَّةُ وَمَا أَخْبَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ مِنَ الْغَيْبِ كَالْعَرْشِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالْجِنِّ، وَالْجَنَّةِ، وَالنَّارِ، وَتَفَاصِيلِ الْمَعَادِ، فَكُلُّ مَنْ نَظَرَ فِي كَلَامِ الْمُسْلِمِينَ فِيهَا وَكَلَامِ عُلَمَاءِ الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى وَجَدَ كَلَامَ الْمُسْلِمِينَ فِيهَا أَكْمَلَ، وَأَتَمَّ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ عِلْمَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمِلَلِ بِذَلِكَ أَتَمُّ مِنْ عِلْمِ غَيْرِهِمْ، وَأَمَّا الْعِبَادَةُ، وَالزُّهْدُ، وَالْأَخْلَاقُ، وَالسِّيَاسَةُ الْمَنْزِلِيَّةُ، وَالْمَدَنِيَّةُ، فَالْكَلَامُ فِيهَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ، وَهُوَ مَعْرِفَةُ الْمَقْصُودِ بِهَا، وَمَا بِهِ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ. فَنَقُولُ: لِلنَّاسِ فِي مَقْصُودِ الْعِبَادَاتِ مَذَاهِبُ: مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْمَقْصُودُ بِهَا تَهْذِيبُ أَخْلَاقِ النُّفُوسِ، وَتَعْدِيلِهَا؛ لِتَسْتَعِدَّ بِذَلِكَ لِلْعِلْمِ، وَلَيْسَتْ هِيَ مَقْصُودَةً فِي نَفْسِهَا، وَيَجْعَلُونَهَا مِنْ قِسْمِ الْأَخْلَاقِ، وَهَذَا قَوْلُ مُتَفَلْسِفَةِ الْيُونَانِ، وَقَوْلُ مَنِ اتَّبَعَهُمْ مِنَ الْمَلَاحِدَةِ وَالْإِسْمَاعِيلِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُتَفَلْسِفَةِ الْإِسْلَامِيِّينَ

стр. 2332

كَالْفَارَابِيِّ، وَابْنِ سِينَا، وَغَيْرِهِمَا، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقَهُمْ مِنْ مُتَكَلِّمٍ، وَمُتَصَوِّفٍ، وَمُتَفَقِّهٍ، كَمَا يُوجَدُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي كُتُبِ أَبِي حَامِدٍ، وَالسَّهْرَوَرْدِيِّ الْمَقْتُولِ، وَابْنِ رُشْدٍ الْحَفِيدِ، وَابْنِ عَرَبِيٍّ، وَابْنِ سَبْعِينَ، لَكِنْ أَبُو حَامِدٍ يَخْتَلِفُ كَلَامُهُ؛ تَارَةً يُوَافِقُهُمْ، وَتَارَةً يُخَالِفُهُمْ. وَهَذَا الْقَدْرُ فَعَلَهُ ابْنُ سِينَا وَأَمْثَالُهُ مِمَّنْ رَامَ الْجَمْعَ بَيْنَ مَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ، وَبَيْنَ فَلْسَفَةِ الْمَشَّائِينَ - أَرِسْطُو، وَأَمْثَالِهِ، وَلِهَذَا تَكَلَّمُوا فِي الْآيَاتِ، وَخَوَارِقِ الْعَادَاتِ، وَجَعَلُوا لَهَا ثَلَاثَةَ أَسْبَابٍ: الْقُوَى الْفَلَكِيَّةَ، وَالْقُوَى النَّفْسَانِيَّةَ، وَالطَّبِيعِيَّةَ؛ إِذْ كَانَتْ هَذِهِ هِيَ الْمُؤَثِّرَاتُ فِي هَذَا الْعَالَمِ عِنْدَهُمْ، وَجَعَلُوا مَا لِلْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ، وَالْكَرَامَاتِ، وَمَا لِلسَّحَرَةِ مِنَ الْعَجَائِبِ هُوَ مِنْ قُوَى النَّفْسِ. لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ ذَلِكَ قَصْدُهُ الْخَيْرُ، وَهَذَا قَصْدُهُ الشَّرُّ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ مِنْ أَفْسَدِ مَذَاهِبِ الْعُقَلَاءِ، كَمَا قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى إِنْكَارِ الْمَلَائِكَةِ، وَإِنْكَارِ الْجِنِّ، وَعَلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ الْجُزْئِيَّاتِ، وَلَا يَخْلُقُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى تَغْيِيرِ الْعَالَمِ، ثُمَّ إِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يُقِرُّونَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ إِلَّا بِمَا جَرَى عَلَى هَذَا

стр. 2333

الْأَصْلِ، وَأَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ فِيهِ هَذَا، مِثْلُ: نُزُولِ الْمَطَرِ، وَتَسْخِيرِ السِّبَاعِ، وَإِمْرَاضِ الْغَيْرِ، وَقَتْلِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَأَمَّا قَلْبُ الْعَصَا حَيَّةً، وَإِحْيَاءُ الْمَوْتَى، وَإِخْرَاجُ النَّاقَةِ مِنَ الْهَضْبَةِ، وَانْشِقَاقُ الْقَمَرِ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ فَلَا يُقِرُّونَ بِهِ، وَقَدْ عُلِمَ بِطُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ مَا يَكُونُ مِنَ الْخَوَارِقِ بِسَبَبِ أَفْعَالِ الْجِنِّ، وَبِسَبَبِ أَفْعَالِ الْمَلَائِكَةِ. وَأَحْوَالُ الْجِنِّ مَعْلُومَةٌ عِنْدَ عَامَّةِ الْأُمَمِ: مُسْلِمِهِمْ، وَكَافِرِهِمْ، لَا يَجْحَدُ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ هُوَ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ، وَكَذَلِكَ مَنْ فَسَّرَهَا بِقُوَى النَّفْسِ، وَهَذَا غَيْرُ إِخْبَارِ اللَّهِ عَنْهُمْ فِيمَا أَنْزَلَهُ مِنَ الْكُتُبِ. وَأَمَّا الْمَلَائِكَةُ فَأَمْرُهُمْ أَجَلُّ، وَهُمْ رُسُلُ اللَّهِ فِي تَدْبِيرِ الْعَالَمِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات: ٥] ، وَقَالَ: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ [الذاريات: ٤] وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كُتُبِهِ مِنْ أَخْبَارِهِمْ، وَأَصْنَافِهِمْ

стр. 2334

مَا يَطُولُ وَصْفُهُ، وَآثَارُهُمْ مَوْجُودَةٌ فِي الْعَالَمِ، يُعَرَفُ ذَلِكَ بِالِاعْتِبَارِ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ؛ إِذِ الْمَقْصُودُ هُنَا ذِكْرُ مَذَاهِبِ النَّاسِ فِي الْعِبَادَاتِ، وَهَؤُلَاءِ غَايَةُ مَا عِنْدَهُمْ فِي الْعِبَادَاتِ، وَالْأَخْلَاقِ، وَالْحِكْمَةِ الْعَمَلِيَّةِ، أَنَّهُمْ رَأَوُا النَّفْسَ فِيهَا شَهْوَةٌ، وَغَضَبٌ مِنْ حَيْثُ الْقُوَّةِ الْعَمَلِيَّةِ، وَلَهَا نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ الْقُوَّةِ الْعِلْمِيَّةِ. فَقَالُوا: كَمَالُ الشَّهْوَةِ فِي الْعِفَّةِ، وَكَمَالُ الْغَضَبِ فِي الْحِلْمِ، وَالشَّجَاعَةِ، وَكَمَالُ الْقُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ فِي الْعِلْمِ. وَالتَّوَسُّطُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بَيْنَ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ هُوَ الْعَدْلُ. وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْعَمَلِ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّدْبِ لَمْ يُثْبِتُوا خَاصِّيَّةَ النَّفْسِ الَّتِي هِيَ مَحَبَّةُ اللَّهِ، وَتَوْحِيدُهُ، بَلْ وَلَا عَرَفُوا ذَلِكَ كَمَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ بِاللَّهِ إِلَّا قَلِيلٌ مَعَ كَثِيرٍ مِنَ الْبَاطِلِ، كَمَا بُسِطَ الْكَلَامُ عَنْهُمْ فِي مَوْضِعِهِ. وَمَحَبَّةُ اللَّهِ وَتَوْحِيدُهُ هُوَ الْغَايَةُ الَّتِي فِيهَا صَلَاحٌ لِلنَّفْسِ، وَهُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. فَلَا صَلَاحَ لِلنَّفْسِ، وَلَا كَمَالَ لَهَا إِلَّا فِي ذَلِكَ، وَبِدُونِ ذَلِكَ تَكُونُ فَاسِدَةً، لَا صَلَاحَ لَهَا، كَمَا قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ

стр. 2335

فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَلِهَذَا كَانَ هَذَا هُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ الَّذِي اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الرُّسُلُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] ، وَقَالَ:، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] ، وَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] ، وَقَالَ تَعَالَى:

стр. 2336

﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥١] ، وَقَالَ لَمَّا ذَكَرَ قِصَصَ الْأَنْبِيَاءِ: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٠]

стр. 2337

وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فَالْغَايَةُ الْحَمِيدَةُ الَّتِي بِهَا يَحْصُلُ كَمَالُ بَنِي آدَمَ وَسَعَادَتُهُمْ وَنَجَاتُهُمْ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ، وَهِيَ حَقِيقَةُ قَوْلِ الْقَائِلِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلِهَذَا بَعَثَ اللَّهُ جَمِيعَ الرُّسُلِ، وَأَنْزَلَ جَمِيعَ الْكُتُبِ، وَلَا تَصْلُحُ النَّفْسُ وَتَزْكُو وَتَكْمُلُ إِلَّا بِهَذَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦] أَيْ لَا يُؤْتُونَ مَا تَزْكُو بِهِ نُفُوسُهُمْ مِنَ التَّوْحِيدِ، وَالْإِيمَانِ. وَكُلُّ مَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ هَذَا الْإِخْلَاصُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ النَّجَاةِ وَالسَّعَادَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]

стр. 2338

فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ كِتَابِهِ، وَهَذَا أَوَّلُ الْكَلِمَاتِ الْعَشْرِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى مُوسَى حَيْثُ قَالَ: أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا إِلَهُكَ الَّذِي أَخْرَجْتُكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، مِنَ التَّعَبُّدِ، لَا يَكُونُ لَكَ إِلَهٌ غَيْرِي ; لَا تَتَّخِذْ صُوَرًا، وَلَا تِمْثَالًا، مَا فِي السَّمَاوَاتِ مِنْ فَوْقُ، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ مِنْ أَسْفَلُ، وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الْأَرْضِ ; لَا تَسْجُدْ لَهُنَّ ; وَلَا تَعْبُدْهُنَّ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ الْعَزِيزُ. وَقَدْ شَهِدَ الْمَسِيحُ ﵇ أَنَّ هَذَا هُوَ أَعْظَمُ وَصِيَّةً فِي النَّامُوسِ، فَعِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَحَبَّ إِلَى الْعَبْدِ مِنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، هُوَ أَعْظَمُ وَصِيَّةً وَكَلِمَةً جَاءَ بِهَا الْمُرْسَلُونَ كَمُوسَى، وَالْمَسِيحِ، وَمُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وَضِدُّ هَذَا هُوَ الشِّرْكُ الَّذِي لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ تَعَالَى: قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]

стр. 2339

وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَبَيَّنَ أَنَّ النَّفْسَ لَيْسَ لَهَا نَجَاةٌ وَلَا سَعَادَةٌ وَلَا كَمَالٌ إِلَّا بِأَنْ يَكُونَ اللَّهُ مَعْبُودَهَا وَمَحْبُوبَهَا، الَّذِي لَا أَحَبَّ إِلَيْهَا مِنْهُ، وَلِهَذَا كَثُرَ فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ الْأَمْرُ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ، وَلَفْظُ الْعِبَادَةِ يَتَضَمَّنُ كَمَالَ الذُّلِّ بِكَمَالِ الْحُبِّ. فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْعَابِدُ مُحِبًّا لِلْإِلَهِ الْمَعْبُودِ كَمَالَ الْحُبِّ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِيلًا لَهُ كَمَالَ الذُّلِّ، فَمَنْ أَحَبَّ شَيْئًا وَلَمْ يَذِلَّ لَهُ لَمْ يَعْبُدْهُ، وَمَنْ خَضَعَ لَهُ وَلَمْ يُحِبَّهُ لَمْ يَعْبُدْهُ، وَكَمَالُ الْحُبِّ وَالذُّلِّ لَا يَصْلُحُ إِلَّا لِلَّهِ وَحْدَهُ، فَهُوَ الْإِلَهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ الَّتِي لَا يَسْتَحِقُّهَا إِلَّا هُوَ، وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ كَمَالَ الْحُبِّ، وَالذُّلِّ، وَالْإِجْلَالِ، وَالْإِكْرَامِ، وَالتَّوَكُّلِ، وَالْعِبَادَةِ. فَالنُّفُوسُ مُحْتَاجَةٌ إِلَى اللَّهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَعْبُودُهَا وَمُنْتَهَى مُرَادِهَا وَبُغْيَتِهَا، وَمِنْ حَيْثُ هُوَ رَبُّهَا وَخَالِقُهَا. فَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ رَبِّ كُلِّ شَيْءٍ وَخَالِقِهِ، وَلَمْ يَعْبُدْ إِلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ، بِحَيْثُ يَكُونُ اللَّهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَأَخْشَى عِنْدَهُ مِنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَأَعْظَمَ عِنْدَهُ مِنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَأَرْجَى عِنْدَهُ مِنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، بَلْ مَنْ سَوَّى بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ بَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ فِي الْحُبِّ بِحَيْثُ يُحِبُّهُ مِثْلَ مَا يُحِبُّ اللَّهَ، وَيَخْشَاهُ مِثْلَ مَا يَخْشَى اللَّهَ، وَيَرْجُوهُ مِثْلَ مَا يَرْجُو اللَّهَ، وَيَدْعُوهُ مِثْلَ مَا يَدْعُوهُ، فَهُوَ

стр. 2340

مُشْرِكٌ الشِّرْكَ الَّذِي لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ، وَلَوْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ عَفِيفًا فِي طَعَامِهِ وَنِكَاحِهِ، وَكَانَ حَكِيمًا شُجَاعًا. فَمَا ذَكَرَهُ الْمُتَفَلْسِفَةُ مِنَ الْحِكْمَةِ الْعَمَلِيَّةِ لَيْسَ فِيهَا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تَسْعَدُ بِهِ النُّفُوسُ، وَتَنْجُو مِنَ الْعَذَابِ، كَمَا أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْحِكْمَةِ النَّظَرِيَّةِ لَيْسَ فِيهَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَيْسَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ مَا تَهْتَدِي بِهِ النُّفُوسُ، وَلَا مِنَ الْأَخْلَاقِ مَا هُوَ دِينُ حَقٍّ، وَلِهَذَا لَمْ يَكُونُوا دَاخِلِينَ فِي أَهْلِ السَّعَادَةِ فِي الْآخِرَةِ الْمَذْكُورِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢] وَهَذِهِ الْفَضَائِلُ الْأَرْبَعُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُتَفَلْسِفَةُ لَا بُدَّ مِنْهَا فِي كَمَالِ النَّفْسِ، وَصَلَاحِهَا، وَتَزْكِيَتِهَا. وَالْمُتَفَلْسِفَةُ لَمْ يَحُدُّوا مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ بِحَدٍّ يُبَيِّنُ مِقْدَارَ مَا تَحْصُلُ بِهِ

стр. 2341

النَّجَاةُ وَالسَّعَادَةُ. وَلَكِنَّ الْأَنْبِيَاءَ بَيَّنُوا ذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] فَهَذِهِ الْأَنْوَاعُ الْأَرْبَعَةُ هِيَ الَّتِي حَرَّمَهَا تَحْرِيمًا مُطْلَقًا، لَمْ يُبِحْ مِنْهَا شَيْئًا لِأَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ، وَلَا فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، بِخِلَافِ الدَّمِ، وَالْمَيْتَةِ، وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُحَرَّمُ فِي حَالٍ، وَيُبَاحُ فِي حَالٍ. وَأَمَّا الْأَرْبَعَةُ فَهِيَ مُحَرَّمَةٌ مُطْلَقًا. فَالْفَوَاحِشُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالشَّهْوَةِ. وَالْبَغْيُ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَتَعَلَّقُ بِالْغَضَبِ، وَالشِّرْكُ بِاللَّهِ فَسَادُ أَصْلِ الْعَدْلِ فَإِنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ عَظِيمٌ، وَالْقَوْلُ عَلَى اللَّهِ بِلَا عِلْمٍ فَسَادٌ فِي الْعِلْمِ، فَقَدْ حَرَّمَ سُبْحَانَهُ هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ، وَهِيَ فَسَادُ الشَّهْوَةِ، وَالْغَضَبِ، وَفَسَادُ الْعَدْلِ، وَالْعِلْمِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [الأعراف: ٣٣] يَتَضَمَّنُ تَحْرِيمَ أَصْلِ الظُّلْمِ فِي حَقِّ اللَّهِ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ إِيجَابَ الْعَدْلِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ عِبَادَتُهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَإِنَّ

стр. 2342

النَّفْسَ لَهَا الْقُوَّتَانِ: الْعِلْمِيَّةُ، وَالْعَمَلِيَّةُ، وَعَمَلُ الْإِنْسَانِ عَمَلٌ اخْتِيَارِيٌّ، وَالْعَمَلُ الِاخْتِيَارِيُّ إِنَّمَا يَكُونُ بِإِرَادَةِ الْعَبْدِ. وَكُلُّ إِنْسَانٍ لَهُ إِرَادَةٌ، وَعَمَلٌ بِإِرَادَتِهِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ حَسَّاسٌ يَتَحَرَّكُ بِالْإِرَادَةِ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَصْدَقُ الْأَسْمَاءِ الْحَارِثُ، وَهَمَّامٌ» وَالْإِرَادَةُ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ مُرَادٍ، وَكُلُّ مُرَادٍ فَإِمَّا أَنْ يُرَادَ لِنَفْسِهِ، وَإِمَّا أَنْ يُرَادَ لِغَيْرِهِ، وَالْمُرَادُ لِغَيْرِهِ لَا بُدَّ أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى مُرَادٍ لِنَفْسِهِ. فَالْقُوَّةُ الْعَمَلِيَّةُ تَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ لِلْإِنْسَانِ مُرَادٌ، وَذَلِكَ الْمُرَادُ لِنَفْسِهِ هُوَ عِلَّةٌ فَاعِلَةٌ لِلْعِلَّةِ الْفَاعِلَةِ، وَلِهَذَا قِيلَ: الْعَامَّةُ تَقُولُ:

стр. 2343

قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يُحْسِنُهُ. وَالْعَارِفُونَ يَقُولُونَ: قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ ما يَطْلُبُ. وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ: إِنِّي لَا أَنْظُرُ إِلَى كَلَامِ الْحَكِيمِ، وَإِنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى هِمَّتِهِ. وَهَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةُ لَمْ يَذْكُرُوا هَذَا فِي كَمَالِ النَّفْسِ، وَإِنَّمَا جَعَلُوا كَمَالَهَا الْعَمَلِيَّ فِي تَعْدِيلِ الشَّهْوَةِ وَالْغَضَبِ بِالْعِفَّةِ، وَالْحِلْمِ، وَهَذَا غَايَتُهُ تَرْكُ الْإِسْرَافِ فِي الشَّهْوَةِ وَالْغَضَبِ، وَالشَّهْوَةُ: هِيَ جَلْبُ مَا يَنْفَعُ الْبَدَنَ وَيُبْقِي النَّوْعَ، وَالْغَضَبُ: دَفَعُ مَا يَضُرُّ الْبَدَنَ. وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِمُرَادِ الرُّوحِ الَّذِي يُحِبُّهُ لِذَاتِهِ. مَعَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا تَكَلَّمُوا فِيمَا يَعُودُ إِلَى الْبَدَنِ، وَجَعَلُوا ذَلِكَ إِصْلَاحًا لِلْبَدَنِ الَّذِي هُوَ آلَةٌ لِلنَّفْسِ، وَجَعَلُوا كَمَالَ النَّفْسِ فِي مُجَرَّدِ الْعِلْمِ. وَقَدْ بَسَطْنَا غَلَطَهُمْ فِي هَذَا الْأَصْلِ مِنْ وُجُوهٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَبَيَّنَّا أَنَّ النَّفْسَ لَهَا كَمَالٌ فِي الْعَمَلِ وَالْإِرَادَةِ، كَمَا أَنَّ لَهَا

стр. 2344

كَمَالًا فِي الْعِلْمِ، وَأَنَّ الْعِلْمَ الْمُجَرَّدَ لَيْسَ كَمَالًا لَهَا وَلَا صَلَاحًا، وَلَوْ كَانَ كَمَالًا لَمْ يَكُنْ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ مَا هُوَ كَمَالُ النَّفْسِ، وَبَيَّنَّا غَلَطَ الْجَهْمِيَّةِ الَّذِينَ قَالُوا: الْإِيمَانُ هُوَ مُجَرَّدُ الْعِلْمِ، وَأَنَّ الصَّوَابَ قَوْلُ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ: إِنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ. أَصْلُهُ قَوْلُ الْقَلْبِ، وَعَمَلُ الْقَلْبِ الْمُتَضَمِّنُ عِلْمَ الْقَلْبِ وَإِرَادَتَهُ. وَإِذَا كَانَ لَا بُدَّ لِلنَّفْسِ مِنْ مُرَادٍ مَحْبُوبٍ لِذَاتِهِ لَا تَصْلُحُ إِلَّا بِهِ، وَلَا تَكْمُلُ إِلَّا بِهِ، وَذَلِكَ هُوَ إِلَهُهَا، فَلَيْسَ لَهَا إِلَهٌ يَكُونُ بِهِ صَلَاحًا إِلَّا اللَّهَ، وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْإِنْسَانِ فَقَطْ بَلْ لِلْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ فَإِنَّهُمْ كُلَّهَمْ أَحْيَاءٌ عُقَلَاءُ نَاطِقُونَ، لَهُمْ عِلْمٌ وَعَمَلٌ اخْتِيَارِيٌّ، وَلَا صَلَاحَ لَهُمْ إِلَّا بِمُرَادِهِمُ الْمَحْبُوبُ لِذَاتِهِ، وَهُوَ مَعْبُودُهُمْ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْبُودًا مَحْبُوبًا لِنَفْسِهِ إِلَّا اللَّهُ، فَلَوْ كَانَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَهٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا. فَلِهَذَا كَانَ دِينُ جَمِيعِ الرُّسُلِ عِبَادَةَ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.

стр. 2345

وَهَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةُ لَا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ، فَلَيْسَ عِنْدَهُمْ مِنْ صَلَاحِ النَّفْسِ وَكَمَالِهَا فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ مَا تَنْجُو بِهِ مِنَ الشَّقَاءِ، فَضْلًا عَمَّا تَسْعَدُ بِهِ، وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ أَرِسْطُو مُعَلِّمَهُمُ الْأَوَّلَ هُوَ وَأَتْبَاعُهُ إِنَّمَا أَثْبَتُوا الْعِلَّةَ الْأُولَى بِالْحَرَكَةِ الْفَلَكِيَّةِ، فَقَالُوا: الْحَرَكَةُ الدَّوْرِيَّةُ حَرَكَةٌ اخْتِيَارِيَّةٌ نَفْسَانِيَّةٌ، فَقِوَامُهُ بِحَرَكَتِهِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، وَفَسَادُهُ بِعَدَمِهَا، وَقِوَامُ حَرَكَتِهِ بِمَا يَتَحَرَّكُ لِأَجْلِهِ، فَإِنَّ الْفَاعِلَ بِالِاخْتِيَارِ إِنَّمَا قِوَامُهُ بِعِلَّتِهِ الْغَائِيَّةِ الَّتِي يَتَحَرَّكُ لِأَجْلِهَا، وَغَايَتِهِ الَّتِي يَتَحَرَّكُ لِأَجْلِهَا، هُوَ الْعِلَّةُ الْأُولَى فَإِنَّهُ يَتَحَرَّكُ لِلتَّشَبُّهِ بِهَا. فَجَعَلُوا قِوَامَ الْعَالَمِ كُلِّهِ بِالْعِلَّةِ الْأُولَى مِنْ حَيْثُ هُوَ مُتَشَبِّهٌ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمُتَحَرِّكَ بِاخْتِيَارِهِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُرَادٍ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحَرَكَةَ الْإِرَادِيَّةَ تَطْلُبُ مُرَادًا مَحْبُوبًا لِنَفْسِهَا، وَتَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ أَعْظَمَ مِنَ اسْتِلْزَامِهَا مُشَبَّهًا بِهِ، فَإِنَّ كُلَّ مُتَحَرِّكٍ بِإِرَادَةٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُرَادٍ مَحْبُوبٍ لِنَفْسِهِ، فَإِنَّ الْإِرَادَةَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ مُرَادٍ، وَالْمُرَادُ يَكُونُ إِمَّا مُرَادًا لِنَفْسِهِ، وَإِمَّا لِغَيْرِهِ، وَالْمُرَادُ لِغَيْرِهِ إِنَّمَا يُرَادُ لِذَلِكَ الْغَيْرِ بَدَلًا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْغَيْرُ مُرَادًا لِنَفْسِهِ، أَوْ مُنْتَهًى إِلَى مُرَادٍ لِنَفْسِهِ، وَإِلَّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ فِي الْعِلَلِ الْغَائِبَةِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ كَبُطْلَانِ التَّسَلْسُلِ فِي الْعِلَلِ الْفَاعِلِيَّةِ بِصَرِيحِ

стр. 2346

الْعَقْلِ، وَاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ، وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ. وَإِذَا كَانَ الْفَاعِلُ بِاخْتِيَارٍ يَسْتَلْزِمُ مُرَادًا لِنَفْسِهِ مَحْبُوبًا، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِمَا يَتَحَرَّكُ فِي السَّمَاوَاتِ بِإِرَادَتِهِ سَوَاءٌ كَانَ هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةَ، أَوْ مَا يُسَمُّونَهُ هُمْ نَفْسًا مِنْ مَحْبُوبٍ مُرَادٍ لِذَاتِهِ، يَكُونُ هُوَ الْإِلَهَ الْمَعْبُودَ الْمُرَادَ بِتِلْكَ الْحَرَكَاتِ، وَكَذَلِكَ نَفْسُ الْإِنْسَانِ حَرَكَتُهَا بِالْإِرَادَةِ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهَا، فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ مَحْبُوبٍ مُرَادٍ لِذَاتِهِ، وَهُوَ الْإِلَهُ، وَهَذَا الْمَحْبُوبُ الْمُرَادُ لِذَاتِهِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَهُ، كَمَا قَدْ بُسِطَ هَذَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَبُيِّنَ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا بِغَيْرِهِ، بَلْ هُوَ وَاجِبُ الْوُجُودِ بِنَفْسِهِ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا لِغَيْرِهِ بَلْ مُرَادٌ لِنَفْسِهِ. وَكَمَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ لِلْعَالَمِ رَبَّانِ قَادِرَانِ، يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ لِلْعَالَمِ إِلَهَانِ مَعْبُودَانِ، فَإِنَّ كَوْنَ أَحَدِهِمَا قَادِرًا يُنَاقِضُ كَوْنَ الْآخَرِ قَادِرًا؛ لِامْتِنَاعِ اجْتِمَاعِ الْقَادِرَيْنِ عَلَى مَقْدُورٍ وَاحِدٍ، وَامْتِنَاعِ كَوْنِ أَحَدِهِمَا قَادِرًا عَلَى الْفِعْلِ حِينَ يَكُونُ الْآخَرُ قَادِرًا عَلَيْهِ، وَامْتِنَاعِ ارْتِفَاعِ قُدْرَةِ أَحَدِهِمَا بِقُدْرَةِ الْآخَرِ مَعَ التَّكَافُؤِ.

стр. 2347

كَذَلِكَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ إِلَهَانِ مَعْبُودَانِ مَحْبُوبَانِ لِذَاتِهِمَا؛ لِأَنَّ كَوْنَ أَحَدِهِمَا هُوَ الْمَعْبُودُ لِذَاتِهِ يُنَاقِضُهُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ مَعْبُودًا لِذَاتِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْمَحَبَّةِ وَالْعَمَلِ لِهَذَا، وَبَعْضُ ذَلِكَ لِهَذَا، وَذَلِكَ يُنَاقِضُ كَوْنَ الْحُبِّ وَالْعَمَلِ كُلِّهِ لِهَذَا، فَإِنَّ الشَّرِكَةَ نَقْصٌ فِي الْحُبِّ، فَلَا تَكُونُ حَرَكَةُ الْمُتَحَرِّكِ بِإِرَادَتِهِ لَهُ، فَلَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا مَعْبُودًا مَعْمُولًا لَهُ إِلَّا إِذَا لَمْ يَكُنِ الْآخَرُ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْعَمَلَ لِهَذَا يُنَاقِضُ أَنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ. وَكُلُّ مَنْ أَحَبَّ شَيْئَيْنِ فَإِنَّمَا يُحِبُّهُمَا لِثَالِثٍ غَيْرِهِمَا، وَإِلَّا فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَحْبُوبًا لِذَاتِهِ؛ إِذِ الْمَحْبُوبُ لِذَاتِهِ هُوَ الَّذِي تُرِيدُهُ النَّفْسُ وَتَطْلُبُهُ، وَتَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ، بِحَيْثُ لَا يَبْقَى لَهَا مُرَادٌ غَيْرُهُ، وَهَذَا يُنَاقِضُ أَنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ عَوَّضَ النَّاسَ بِالتَّكْلِيفِ بِالْعِبَادَاتِ لِيُثِيبَهُمْ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ؛ فَإِنَّ الْإِنْعَامَ بِالثَّوَابِ لَا يَحْسُنُ بِدُونِ التَّكْلِيفِ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِجْلَالِ، وَالتَّعْظِيمِ الَّذِي لَا يَسْتَحِقُّهُ إِلَّا مُكَلِّفٌ، كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ الْقَدَرِيَّةُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ

стр. 2348

وَهَؤُلَاءِ قَدْ يَجْعَلُونَ الْوَاجِبَاتِ الشَّرْعِيَّةَ لُطْفًا فِي الْوَاجِبَاتِ الْعَقْلِيَّةِ، وَقَدْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْغَايَةَ الْمَقْصُودَةَ الَّتِي بِهَا يَحْصُلُ الثَّوَابُ هُوَ الْعَمَلُ، وَالْعِلْمُ ذَرِيعَةٌ إِلَيْهِ، حَتَّى يَقُولُوا مِثْلَ ذَلِكَ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، يَقُولُونَ: إِنَّمَا وَجَبَتْ لِأَنَّهَا لُطْفٌ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ الْعَقْلِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ. ، وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: بَلِ اللَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ لَا لِحِكْمَةٍ مَطْلُوبَةٍ وَلَا بِسَبَبٍ، بَلْ لِمَحْضِ الْمَشِيئَةِ، وَهَذَا قَوْلُ الْجَبْرِيَّةِ الْمُقَابِلِينَ لِلْقَدَرِيَّةِ كَالْجَهْمِ، وَالْأَشْعَرِيِّ، وَخَلْقٍ كَثِيرٍ مِنَ

стр. 2349

الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفُقَهَاءِ، وَالصُّوفِيَّةِ، وَغَيْرِهِمْ. الْقَوْلُ الرَّابِعُ: قَوْلُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا، وَهُوَ أَنَّ نَفْسَ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَحَبَّتِهِ مَقْصُودَةٌ لِذَاتِهَا، وَأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ مَحْبُوبٌ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِبَادَةِ لِذَاتِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ مَحْبُوبًا مَعْبُودًا لِذَاتِهِ، وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ عِبَادَهُ الَّذِينَ يُحِبُّونَهُ، وَيَرْضَى عَنْهُمْ، وَيَفْرَحُ بِتَوْبَةِ التَّائِبِ، وَيُبْغِضُ الْكَافِرِينَ وَيَمْقُتُهُمْ، وَيَغْضَبُ عَلَيْهِمْ وَيَذُمُّهُمْ، وَأَنَّ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكَمِ الْبَالِغَةِ، وَكَذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ مَا يَطُولُ وَصْفُهُ فِي هَذَا الْخِطَابِ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ؛ إِذِ الْمَقْصُودُ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذَا أَكْمَلُ مِنْ غَيْرِهِمْ فِي الْعُلُومِ النَّافِعَةِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. وَإِذَا عُرِفَ مَذَاهِبُ النَّاسِ فِي مَقَاصِدِ الْعِبَادَاتِ فَهُمْ أَيْضًا مُخْتَلِفُونَ فِي صِفَاتِهَا، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ أَشَقَّ عَلَى النَّفْسِ وَأَشَدَّ إِمَاتَةً لِشَهْوَتِهَا فَهُوَ أَفْضَلُ، وَهَذَا مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنْ

стр. 2350

الْمُشْرِكِينَ الْهِنْدِ، وَغَيْرِهِمْ، وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى، وَكَثِيرٍ مِنْ مُبْتَدِعَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَالثَّانِي: قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ أَفْضَلَهَا مَا كَانَ أَدْعَى إِلَى تَحْصِيلِ الْوَاجِبَاتِ الْعَقْلِيَّةِ . وَالثَّالِثُ: قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: فَضْلُ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ لَا عِلَّةَ لَهُ، بَلْ يَرْجِعُ إِلَى مَحْضِ الْمَشِيئَةِ. وَالرَّابِعُ وَهُوَ الصَّوَابُ: أَنَّ أَفْضَلَهَا مَا كَانَ لِلَّهِ أَطْوَعَ، وَلِلْعَبْدِ أَنْفَعَ. فَمَا كَانَ صَاحِبُهُ أَكْثَرَ انْتِفَاعًا بِهِ، وَكَانَ صَاحِبُهُ أَطْوَعَ لِلَّهِ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ فَهُوَ أَفْضَلُ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «خَيْرُ الْعَمَلِ أَنْفَعُهُ» وَعَلَى كُلِّ قَوْلٍ فَعِبَادَاتُ الْمُسْلِمِينَ أَكْمَلُ مِنْ عِبَادَاتِ غَيْرِهِمْ، أَمَّا عَنِ الْأَوَّلِ فَأُولَئِكَ يَقُولُونَ: كُلَّمَا كَانَتِ الْأَعْمَالُ أَشَقَّ عَلَى النَّفْسِ فَهِيَ أَفْضَلُ. ثُمَّ هَؤُلَاءِ قَدْ يُفَضِّلُونَ الْجُوعَ، وَالسَّهَرَ، وَالصَّمْتَ، وَالْخَلْوَةَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، كَمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ مَنْ يَفْعَلُهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الْهِنْدِ، وَغَيْرِهِمْ، وَمِنَ النَّصَارَى، وَمُبْتَدِعَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَلَكِنْ يُقَالُ لَهُمُ: الْجِهَادُ أَعْظَمُ مَشَقَّةً مِنْ
следующие страницы →