Полный текст (2 831 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.
стр. 2486
عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ﵇، فَإِنَّهُ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ، وَسَوْفَ يَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ، وَهَذَا مِمَّا يُوَافِقُ النَّصَارَى عَلَيْهِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْمَسِيحَ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ بِبَدَنِهِ وَرُوحِهِ كَمَا يَقُولُهُ الْمُسْلِمُونَ، وَيَقُولُونَ: إِنَّهُ سَوْفَ يَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ أَيْضًا كَمَا يَقُولُهُ الْمُسْلِمُونَ، وَكَمَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، لَكِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّصَارَى يَقُولُونَ: إِنَّهُ صَعِدَ بَعْدَ أَنْ صُلِبَ، وَأَنَّهُ قَامَ مِنَ الْقَبْرِ، وَكَثِيرٌ مِنَ الْيَهُودِ يَقُولُونَ: إِنَّهُ صُلِبَ وَلَمْ يَصْعَدْ، وَلَمْ يَقُمْ مِنْ قَبْرِهِ. وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّصَارَى فَيَقُولُونَ: إِنَّهُ لَمْ يُصْلَبْ وَلَكِنْ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ بِلَا صُلْبٍ. وَالْمُسْلِمُونَ، وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ النَّصَارَى يَقُولُونَ: إِنَّهُ يَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ قَبْلَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّ نُزُولَهُ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. وَكَثِيرٌ مِنَ النَّصَارَى يَقُولُونَ: إِنَّ نُزُولَهُ هُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي يُحَاسِبُ الْخَلْقَ، وَكَذَلِكَ إِدْرِيسُ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ بِبَدَنِهِ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّ إِلْيَاسَ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ بِبَدَنِهِ. وَمَنْ أَنْكَرَ صُعُودَ بَدَنٍ إِلَى السَّمَاءِ مِنَ الْمُتَفَلْسِفَةِ فَعُمْدَتُهُ شَيْئَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْجِسْمَ الثَّقِيلَ لَا يَصْعَدُ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الضَّعْفِ،
стр. 2487
فَإِنَّ صُعُودَ الْأَجْسَامِ الثَّقِيلَةِ إِلَى الْهَوَاءِ مِمَّا تَوَاتَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ فِي أُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ، مِثْلِ عَرْشِ بِلْقِيسَ الَّذِي حُمِلَ مِنَ الْيَمَنِ إِلَى الشَّامِ فِي لَحْظَةٍ، وَلَمَّا قَالَ سُلَيْمَانُ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ - قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ - قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ - قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٣٨ - ٤١] . وَمِثْلُ حَمْلِ الرِّيحِ لِسُلَيْمَانَ ﵇ وَعَسْكَرِهِ لَمَّا كَانَ يَحْمِلُ الْبِسَاطَ فِي الْهَوَاءِ، وَهُوَ جَالِسٌ عَلَيْهِ بِأَصْحَابِهِ، وَمِثْلُ حَمْلِ قُرَى قَوْمِ لُوطٍ، ثُمَّ إِلْقَائِهَا فِي الْهَوَاءِ، وَمِثْلُ الْمَسْرَى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ الَّذِي ظَهَرَ صِدْقُ الرَّسُولِ بِخَبَرِهِ. وَبِهَذَا يَظْهَرُ جَوَابُهُمْ عَنْ إِنْكَارِهِمُ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ، فَإِنَّ عُمْدَتَهُمْ فِيهِ
стр. 2488
أَنَّ الْفَلَكَ لَا يَقْبَلُ الِانْشِقَاقَ، وَقَدْ عُرِفَ فَسَادُ ذَلِكَ عَقْلًا وَسَمْعًا، وَتَوَاتَرَ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُمْ أَخْبَرُوا بِانْشِقَاقِ السَّمَاوَاتِ، وَإِيضَاحُ الرَّدِّ عَلَى هَؤُلَاءِ أَنَّ مَا يُثْبِتُونَهُ مِنْ أَنَّ الْحَرَكَةَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ جِهَةٍ وَمُحَدِّدٍ يُحَدِّدُ الْجِهَاتِ، إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الِافْتِقَارِ إِلَى جِنْسِ الْمُحَدِّدِ، لَا يَدُلُّ عَلَى الِاحْتِيَاجِ إِلَى مُحَدِّدٍ مُعَيَّنٍ. فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّهُ خُلِقَ وَرَاءَ الْمُحَدِّدِ مُحَدِّدًا آخَرَ، وَخَرْقُ الْأَوَّلِ حَصَلَ بِهِ الْمَقْصُودُ، وَهَكَذَا عَامَّةُ أَدِلَّتِهِمْ، إِنَّمَا تَدَلُّ عَلَى شَيْءٍ مُطْلَقٍ، لَكِنْ يُعَيِّنُونَهُ بِلَا حُجَّةٍ فَيَغْلِطُونَ فِي التَّعْيِينِ، كَدَلِيلِهِمْ عَلَى دَوَامِ الْفَاعِلِيَّةِ أَوِ الْحَرَكَةِ، أَوْ زَمَانِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْحَرَكَةِ الْفَلَكِيَّةِ، وَأَنَّ الزَّمَانَ هُوَ مِقْدَارُ الْحَرَكَةِ، بَلْ إِذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ كَمَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ، لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْأَيَّامُ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيهَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ هِيَ مِقْدَارُ حَرَكَةِ الشَّمْسِ الَّتِي هِيَ مِمَّا خَلَقَ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ. بَلْ وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ مِنْ دُخَانٍ، وَهُوَ بُخَارُ الْمَاءِ. فَإِذَا كَانَ قَبْلَ هَذِهِ الْحَرَكَاتِ الْمَشْهُودَةِ حَرَكَاتٌ أُخَرُ لِأَجْسَامٍ غَيْرِ هَذِهِ الْأَجْسَامِ الْمَشْهُودَةِ، لَمْ يَكُنْ هَذَا مُنَاقِضًا لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ.
стр. 2489
وَرِجَالٌ كَثِيرٌ فِي زَمَانِنَا وَغَيْرِ زَمَانِنَا يُحْمَلُونَ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ فِي الْهَوَاءِ، وَهَذَا مِمَّا تَوَاتَرَ عِنْدَنَا وَعِنْدَ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ. وَأَيْضًا فَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّارَ وَالْهَوَاءَ الْخَفِيفَ تُحَرَّكُ حَرَكَةً قَسْرِيَّةً فَيَهْبِطُ، وَالتُّرَابُ وَالْمَاءُ الثَّقِيلَانِ يُحَرَّكَانِ حَرَكَةً قَسْرِيَّةً فَيَصْعَدُ، وَهَذَا مِمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ.
وَالشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: ظَنَّ بَعْضُ الْمُتَفَلْسِفَةِ كَأَرِسْطُو وَشِيعَتِهِ، أَنَّ الْأَفْلَاكَ لَا تَقْبَلُ الِانْشِقَاقَ، وَحُجَّتُهُمْ عَلَى ذَلِكَ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَوْ كَانَتْ تَقْبَلُ الِانْشِقَاقَ لَكَانَ الْمُحَدِّدُ لِلْأَفْلَاكِ الْمُحَرِّكُ لَهَا يَتَحَرَّكُ حَرَكَةً مُسْتَقِيمَةً، وَالْحَرَكَةُ الْمُسْتَقِيمَةُ تَحْتَاجُ إِلَى خَلَاءٍ خَارِجَ الْعَالَمِ، وَلَا خَلَاءَ هُنَاكَ. وَهَذِهِ الْحُجَّةُ فَاسِدَةٌ مِنْ وُجُوهٍ: مِنْهَا: أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فِي الْفَلَكِ الْأَعْلَى، لَا فِيمَا دُونَهُ، كَفَلَكِ الْقَمَرِ وَغَيْرِهِ، وَهَذَا مِمَّا أَجَابَهُمْ بِهِ الرَّازِيُّ وَغَيْرُهُ. وَمِنْهَا: أَنَّ وُجُودَ أَجْسَامٍ خَارِجَ الْفَلَكِ كَوُجُودِ الْفَلَكِ فِي حَيِّزِهِ يَحْتَاجُ إِلَى خَلَاءٍ. وَقَوْلُهُ بِنَفْيِ الْخَلَاءِ خَارِجَهُ كَقَوْلِهِ بِنَفْيِ الْخَلَاءِ عَنْ
стр. 2490
حَيِّزِهِ، فَإِنْ كَانَ الْخَلَاءُ عَدَمًا مَحْضًا فَهُوَ مُنْتَفٍ فِي الْجَانِبَيْنِ. وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ لَزِمَ أَنْ يُحْتَاجَ إِلَيْهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَحِينَئِذٍ فَيَبْطُلُ الْقَوْلُ بِنَفْيِهِ. وَكَذَلِكَ مَا يَذْكُرُونَهُ فِي قِدَمِ الْعَالَمِ، فَلَيْسَ مَعَ الْقَوْمِ دَلِيلٌ وَاحِدٌ عَقْلِيُّ صَحِيحٌ يُنَاقِضُ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَلَكِنْ قَدْ تُنَاقِضُ مَا يَظُنُّهُ بَعْضُ أَهْلِ الْكَلَامِ مِنْ دِينِ الرُّسُلِ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
[مِنْ آيَاتِ النُّبُوَّةِ اسْتِسْقَاؤُهُ ﷺ وَنُزُولُ الْمَطَرِ بِدُعَائِهِ]
وَالنَّوْعُ الثَّانِي: آيَاتُ الْجَوِّ، كَاسْتِسْقَائِهِ ﷺ ، وَاسْتِصْحَائِهِ، وَطَاعَةِ السَّحَابِ لَهُ، وَنُزُولِ الْمَطَرِ بِدُعَائِهِ ﷺ . فَفِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فِي
стр. 2491
يَوْمِ جُمُعَةٍ مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْوَ دَارِ الْقَضَاءِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتِ الْأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُغِيثُنَا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا. قَالَ أَنَسٌ: فَلَا وَاللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ، وَلَا مِنْ قَزَعَةٍ، وَأَنَّ السَّمَاءَ لَمِثْلُ الزُّجَاجَةِ، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ دَارٍ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا وَضَعَ يَدَيْهِ حَتَّى ثَارَ السَّحَابُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَنْ لِحْيَتِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ ثُمَّ
стр. 2492
أَمْطَرَتْ، قَالَ: فَلَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتًا، قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتِ الْأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا عَنَّا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ، وَالظِّرَابِ، وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ. قَالَ: فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ إِلَّا تَفَرَّجَتْ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَدِينَةَ فِي مِثْلِ الْجَوْبَةِ، وَسَالَ الْوَادِي قَنَاةً شَهْرًا، وَلِمَ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَّا أَخْبَرَ بِجُودٍ» . وَمِنْ هَذَا الْبَابِ: نَصْرُ اللَّهِ بِالرِّيحِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِيهَا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٩]
стр. 2493
قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي رِيحَ الصَّبَا، أُرْسِلَتْ عَلَى الْأَحْزَابِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ حَتَّى كَفَأَتْ قُدُورَهُمْ عَلَى أَفْوَاهِهَا، وَنَزَعَتْ فَسَاطِيطَهُمْ. وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا: يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ» . وَفِي الْمَغَازِي وَالسِّيَرِ قِصَّةُ الْأَحْزَابِ، وَكَيْفَ أُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الرِّيحُ وَالْمَلَائِكَةُ، وَانْهَزَمُوا بِغَيْرِ قِتَالٍ مَعْرُوفٌ.
[تَصَرُّفُهُ ﵇ فِي الْحَيَوَانِ مِنْ آيَاتِ النُّبُوَّةِ]
وَالنَّوْعُ الثَّالِثُ: تَصَرُّفُهُ فِي الْحَيَوَانِ: الْإِنْسُ، وَالْجِنُّ، وَالْبَهَائِمُ
стр. 2494
فَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: «أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا لَا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ، قَالَ: وَكَانَ أَحَبَّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ هَدَفٌ أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ، فَدَخَلَ حَائِطَ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَإِذَا جَمَلٌ فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ ﷺ حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَمَسَحَ رَأْسَهُ، وَذِفْرَاهُ فَسَكَنَ، قَالَ: لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ؟ فَجَاءَ فَتًى مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: هُوَ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا؟ فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ، وَتُدْئِبُهُ» . رَوَى مُسْلِمٌ بَعْضَهُ
стр. 2495
وَبَعْضُهُ عَلَى شَرْطِهِ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ. وَرَوَى أَحْمَدُ، وَالدَّارِمَيُّ، وَغَيْرُهُمَا عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ سَفَرٍ، حَتَّى إِذَا دَفَعْنَا إِلَى حَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ بَنِي النَّجَّارِ إِذَا فِيهِ جَمَلٌ لَا يَدْخُلُ الْحَائِطَ أَحَدٌ إِلَّا شَدَّ عَلَيْهِ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَجَاءَ حَتَّى أَتَى الْحَائِطَ فَدَعَا الْبَعِيرَ، فَجَاءَ وَاضِعًا مِشْفَرَهُ إِلَى الْأَرْضِ، حَتَّى بَرَكَ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هَاتُوا خِطَامًا. فَخَطَمَهُ وَدَفَعَهُ إِلَى صَاحِبِهِ. قَالَ: ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى النَّاسِ فَقَالَ:
стр. 2496
إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا يَعْلَمُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، إِلَّا عَاصِيَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ» . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «خَرَجْنَا فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِحَرَّةِ وَاقِمٍ، عَرَضَتِ امْرَأَةٌ بَدَوِيَّةٌ بِابْنٍ لَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا ابْنِي قَدْ غَلَبَنِي عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ، قَالَ: فَأَدْنِيهِ مِنِّي، فَأَدْنَتْهُ، فَقَالَ: افْتَحِي فَمَهُ، فَبَصَقَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 2497
وَقَالَ: اخْسَأْ عَدُوَّ اللَّهِ، وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قَالَ: شَأْنَكِ بِابْنِكِ، لَيْسَ عَلَيْهِ بَأْسٌ فَلَنْ يَعُودَ إِلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ يُصِيبُهُ» وَذَكَرَ قِصَّةَ الشَّجَرَتَيْنِ إِلَى أَنْ قَالَ: «فَنَزَلْنَا فِي وَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ بَنِي مُحَارِبٍ فَعَرَضَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي مُحَارِبٍ يُقَالُ لَهُ: غَوْرَثُ بْنُ الْحَارِثِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ مُتَقَلِّدٌ سَيْفَهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَعْطِنِي سَيْفَكَ هَذَا، فَسَلَّهُ فَنَاوَلَهُ إِيَّاهُ، وَنَظَرَ إِلَيْهِ سَاعَةً، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَنْ يَمْنَعُكَ
стр. 2498
مِنِّي؟ فَارْتَعَدَتْ يَدُهُ حَتَّى سَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَتَنَاوَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: يَا غَوْرَثُ، مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: لَا أَحَدَ، قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلْنَا رَاجِعِينَ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ بِعُشِّ طَيْرٍ يَحْمِلُهُ، وَفِيهِ فِرَاخٌ، وَأَبَوَاهُ يَتْبَعَانِهِ، وَيَقَعَانِ عَلَى يَدِ الرَّجُلِ، فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى مَنْ كَانَ مَعَهُ، فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ بِفِعْلِ هَذَا الطَّيْرِ، وَبِفِرَاخِهِمَا؟ زَادَ فِي رِوَايَةٍ: فَرَبُّكُمْ أَرْحَمُ بِكُمْ مِنْ هَذَا الطَّيْرِ بِفِرَاخِهِ، ثُمَّ أَقْبَلْنَا رَاجِعِينَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِحَرَّةِ وَاقِمٍ عَرَضَتْ لَنَا الْمَرْأَةُ الَّتِي جَاءَتْ بِابْنِهَا بِوَطْبٍ مِنْ لَبَنٍ وَشَاةٍ، فَأَهْدَتْهُ لَهُ، فَقَالَ: مَا فَعَلَ ابْنُكِ؟ هَلْ أَصَابَهُ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ يُصِيبُهُ؟ قَالَتْ: لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ يُصِيبُهُ، وَقَبِلَ هَدِيَّتَهَا، ثُمَّ أَقْبَلْنَا رَاجِعِينَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَهْبِطٍ مِنَ الْحَرَّةِ، أَقْبَلَ جَمَلٌ يَرْقُلُ، فَقَالَ: أَتَدْرُونَ مَا قَالَ هَذَا الْجَمَلُ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: هَذَا جَمَلٌ جَاءَنِي يَسْتَعْدِي عَلَى سَيِّدِهِ،
стр. 2499
يَزْعُمُ أَنَّهُ كَانَ يَحْرُثُ عَلَيْهِ مُنْذُ سِنِينَ، حَتَّى إِذَا أَجْرَبَهُ، وَأَعْجَفَهُ، وَكَبِرَ سِنُّهُ أَرَادَ نَحْرَهُ، اذْهَبْ مَعَهُ يَا جَابِرُ إِلَى صَاحِبِهِ فَائْتِ بِهِ. فَقُلْتُ: مَا أَعْرِفُ صَاحِبَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: إِنَّهُ سَيَدُلُّكَ عَلَيْهِ. قَالَ: فَخَرَجَ بَيْنَ يَدَيْ مُعَنِّقًا حَتَّى وَقَفَ بِي فِي مَجْلِسِ بَنِي خَطْمَةَ فَقُلْتُ: أَيْنَ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ؟ قَالُوا: فُلَانٌ، فَجِئْتُهُ، فَقُلْتُ: أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . فَخَرَجَ مَعِي حَتَّى جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ جَمَلَكَ هَذَا يَسْتَعْدِي عَلَيْكَ، يَزْعُمُ أَنَّكَ حَرَثْتَ عَلَيْهِ زَمَانًا حَتَّى أَجَرَبْتَهُ، وَأَعْجَفْتَهُ، وَكَبِرَ سِنُّهُ، ثُمَّ أَرَدْتَ نَحْرَهُ. قَالَ: وَالَّذِي
стр. 2500
بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بِعْنِيهِ. قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَابْتَاعَهُ مِنْهُ ثُمَّ سَيَّبَهُ فِي الشَّجَرِ حَتَّى نَصَبَ سَنَامًا، فَكَانَ إِذَا اعْتَلَّ عَلَى بَعْضِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مِنْ نَوَاضِحِهِمْ شَيْءٌ أَعْطَاهُ أَيَّاهُ فَمَكَثَ بِذَلِكَ زَمَانًا» . وَهَذَا الْحَدِيثُ لَهُ شَوَاهِدُ، أَخْرَجَ أَهْلُ الصَّحِيحِ مِنْهُ قِصَّةَ الشَّجَرَتَيْنِ، وَقِصَّةَ الَّذِي شَهَرَ السَّيْفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقِصَّةَ الطَّيْرِ
стр. 2501
رَوَاهَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، وَقِصَّةَ الصَّبِيِّ ذَكَرَهَا غَيْرُ وَاحِدٍ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مَسْنَدِهِ عَنْ يَعْلَى بْنِ مَرَّةَ الثَّقَفِيِّ قَالَ: «ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ رَأَيْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، بَيْنَا نَحْنُ نَسِيرُ مَعَهُ إِذْ مَرَرْنَا بِبَعِيرٍ يُسْنَى عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَآهُ الْبَعِيرُ جَرْجَرَ وَوَضَعَ جِرَانَهُ بِالْأَرْضِ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: أَيْنَ صَاحِبُ هَذَا الْبَعِيرِ؟ فَجَاءَ، فَقَالَ: بِعْنِيهِ. فَقَالَ: بَلْ
стр. 2502
نَهَبُهُ لَكَ، وَهُوَ لِأَهْلِ بَيْتٍ، مَا لَهُمْ مَعِيشَةٌ غَيْرُهُ. قَالَ: أَمَا إِذْ ذَكَرْتَ هَذَا مِنْ أَمْرِهِ، فَإِنَّهُ شَكَا كَثْرَةَ الْعَمَلِ وَقِلَّةَ الْعَلَفِ، فَأَحْسِنُوا إِلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُمْ أَرَادُوا نَحْرَهُ. ثُمَّ سِرْنَا فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : انْطَلِقْ إِلَى هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ، فَقُلْ لَهُمَا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَكُمَا: أَنْ تَجْتَمِعَا. فَانْطَلَقْتُ، فَقُلْتُ لَهُمَا ذَلِكَ، فَانْتُزِعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِنْ أَصْلِهَا، فَنَزَلَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ إِلَى صَاحِبَتِهَا فَالْتَفَّتَا جَمِيعًا، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَاجَتَهُ مِنْ وَرَائِهِمَا، ثُمَّ لَمَّا فَرَغَ عَادَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَكَانَهَا بِأَمْرِهِ. وَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ بِصَبِيٍّ لَهَا بِهِ لَمَمٌ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنِي هَذَا بِهِ لَمَمٌ مُنْذُ سَبْعِ سِنِينَ، يَأْخُذُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ فَتَفَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي فِيهِ، وَقَالَ: اخْرَجْ عَدُوَّ اللَّهِ أَنَا رَسُولُ اللَّهِ. فَبَرِئَ، فَلَمَّا رَجَعْنَا جَاءَتْ أُمُّ الْغُلَامِ بِكَبْشَيْنِ وَشَيْءٍ مِنْ أَقِطٍ، قَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا رَأَيْنَا مِنْهُ رَيْبًا بَعْدَكَ، فَأَخَذَ أَحَدَ الْكَبْشَيْنِ، وَالْأَقِطَ، وَرَدَّ الْكَبْشَ الْآخَرَ» .
стр. 2503
وَرَوَى هَذِهِ الْقِصَّةَ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵁، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ قَالَ: سَافَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَرَأَيْتُ مِنْهُ عَجَبًا، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَفِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لِلْمَرْأَةِ لَمَّا أَخْرَجَ الشَّيْطَانَ مِنِ ابْنِهَا إِذَا رَجَعْنَا فَأَعْلِمِينَا مَا صَنَعَ. وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ أَيْضًا. وَرَوَى الدَّارِمِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ بِابْنٍ لَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنِي بِهِ جُنُونٌ، وَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ عِنْدَ غَدَائِنَا وَعَشَائِنَا، فَيُخَبَّثُ عَلَيْنَا، فَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدْرَهُ، وَدَعَا فَثَغَّ ثَغَّةً، خَرَجَ مِنْ جَوْفِهِ مِثْلُ الْجَرْوِ الْأَسْوَدِ فَشُفِيَ» . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ
стр. 2504
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَدَخَلَ رَجُلٌ غَيْضَةً، فَأَخْرَجَ مِنْهَا بَيْضَةَ حُمَّرَةٍ، فَجَاءَتِ الْحُمَّرَةُ تَرِفُّ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ فَجَعَ هَذِهِ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا أَخَذْتُ بَيْضَتَهَا. فَقَالَ: رُدَّهُ رَحْمَةً لَهَا» . وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَفِينَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: رَكِبْنَا الْبَحْرَ فِي سَفِينَةٍ، فَانْكَسَرَتِ السَّفِينَةُ، فَرَكِبْتُ لَوْحًا مِنْ أَلْوَاحِهَا، فَطَرَحَنِي فِي أَجَمَةٍ فِيهَا أَسَدٌ فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا بِهِ.
стр. 2505
فَقُلْتُ: يَا أَبَا الْحَارِثِ، أَنَا مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَطَأْطَأَ رَأْسَهُ، وَغَمَزَ بِمَنْكِبِهِ شِقِّي فَمَا زَالَ يَغْمِزُنِي وَيَهْدِينِي الطَّرِيقَ حَتَّى وَضَعَنِي عَلَى الطَّرِيقِ، فَلَمَّا وَضَعَنِي عَلَى الطَّرِيقِ هَمْهَمَ فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يُوَدِّعُنِي. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ لِآلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحْشٌ، إِذَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اشْتَدَّ وَلَعِبَ وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا أَحَسَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ دَخَلَ، رَبَضَ، فَلَمْ يَتَرَمْرَمْ كَرَاهِيَةَ أَنْ يُؤْذِيَهُ» . وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ.
стр. 2506
وَرَوَى عَنْهَا أَحْمَدُ أَيْضًا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ فِي نَفَرٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَجَاءَ بَعِيرٌ فَسَجَدَ لَهُ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَسْجُدُ لَكَ الْبَهَائِمُ وَالشَّجَرُ، فَنَحْنُ أَحَقُّ أَنْ نَسْجُدَ لَكَ، فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا، وَلَوْ أَمَرَهَا أَنْ تَنْقُلَ مِنْ جَبَلٍ أَصْفَرَ إِلَى جَبَلٍ أَسْوَدَ وَمِنْ جَبَلٍ أَسْوَدَ إِلَى جَبَلٍ أَبْيَضَ كَانَ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَفْعَلَهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ عَفَّانَ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ
стр. 2507
عَفَّانَ، قَالَ: ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، ثَنَا أَبِي، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ، ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ عَائِشَةَ. وَقِصَّةُ هَذَا الْجَمَلِ رَوَاهَا جَمَاعَةٌ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «عَدَا الذِّئْبُ عَلَى شَاةٍ فَأَخَذَهَا فَطَلَبَهُ الرَّاعِي، فَانْتَزَعَهَا مِنْهُ، فَأَقْعَى
стр. 2508
الذِّئْبُ عَلَى ذَنَبِهِ، فَقَالَ: أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ تَنْزِعُ مِنِّي رِزْقًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيَّ؟ فَقَالَ: يَا عَجَبًا، ذِئْبٌ مُقْعٍ عَلَى ذَنَبِهِ يُكَلِّمُنِي كَلَامَ الْإِنْسِ؟ فَقَالَ الذِّئْبُ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَعْجَبَ مِنْ ذَلِكَ؟ مُحَمَّدٌ ﷺ بِيَثْرِبَ يُخْبِرُ النَّاسَ بِأَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ. قَالَ: فَأَقْبَلَ الرَّاعِي يَسُوقُ غَنَمَهُ حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ، فَزَوَاهَا إِلَى زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهَا، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنُودِيَ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ: أَخْبِرْهُمْ، فَأَخْبَرَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : صَدَقَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُكَلِّمَ السِّبَاعُ الْإِنْسَ وَيُكَلِّمَ الرَّجُلَ عَذَبَةُ سَوْطِهِ، وَشِرَاكُ نَعْلِهِ، وَيُخْبِرَهُ فَخِذُهُ بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ بَعْدَهُ» . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ آخِرَهُ، وَصَحَّحَهُ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إِسْنَادُهُ
стр. 2509
صَحِيحٌ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «وَكَانَ الرَّاعِي يَهُودِيًّا، فَأَسْلَمَ. وَقَالَ فِيهِ: أَعْجَبُ مِنْ هَذَا رَجُلٌ فِي النَّخَلَاتِ بَيْنَ الْحَرَّتَيْنِ يُخْبِرُكُمْ بِمَا مَضَى، وَمَا هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكُمْ» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَزَعٌ فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَسًا لِأَبِي طَلْحَةَ، وَكَانَ يَقْطِفُ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: وَجَدْنَا فَرَسَكُمْ هَذَا بَحْرًا، وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُجَارَى» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، «عَنِ
стр. 2510
النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ أَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ وَهُوَ أَرْمَدُ الْعَيْنِ، فَقَالَ: لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَيُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ فَبَرَأَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ قَطُّ، وَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ، فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا؟ قَالَ: انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ، فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ» . وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، «عَنْ أَبِيهِ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ أَنَّهُ
стр. 2511
أُصِيبَتْ عَيْنُهُ يَوْمَ بَدْرٍ فَسَالَتْ عَلَى وَجْنَتِهِ، فَأَرَادُوا أَنْ يَقْطَعُوهَا، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: لَا، وَدَعَاهُ، وَغَمَزَ حَدَقَتَهُ بِرَاحَتِهِ، فَكَانَ لَا يَدْرِي أَيُّ عَيْنَيْهِ أُصِيبَتْ، فَكَانَتْ أَحْسَنَ عَيْنَيْهِ وَأَحَدَّهُمَا. وَفِي رِوَايَةٍ: فَرَفَعَ حَدَقَتَهُ حَتَّى وَضَعَهَا مَوْضِعَهَا، ثُمَّ غَمَزَهَا بِرَاحَتِهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْسِبْهُ جَمَالًا. فَمَاتَ وَمَا يَدْرِي مَنْ لَقِيَهُ أَيُّ عَيْنَيْهِ أُصِيبَتْ» . رَوَاهُ عَنْهُ أَهْلُ الْمَغَازِي.
стр. 2512
وَأَنْشَدَ وَلَدُهُ بِحَضْرَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ خَلِيفَةٌ، أَقَرَّهُ مَنْ حَضَرَ وَلَمْ يُنْكِرُوهُ
أَنَا ابْنُ الَّذِي سَالَتْ عَلَى الْخَدِّ عَيْنُهُ ... ٦٩ وَرُدَّتْ بِكَفِّ الْمُصْطَفَى أَيَّمَا رَدِّ
فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ التَّابِعِينَ لَمْ يُقِرُّوهُ، وَهُمْ إِنَّمَا تَلَقَّوْا هَذَا عَنِ الصَّحَابَةِ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَبِي رَافِعٍ الْيَهُودِيِّ رِجَالًا مِنَ الْأَنْصَارِ
стр. 2513
وَأَمَّرَّ عَلَيْهِمْ عَبَدَ اللَّهِ بْنَ عَتِيكٍ، وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَيُعِينُ عَلَيْهِ، وَكَانَ فِي حِصْنٍ لَهُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ فَلَمَّا دَنَوْا مِنْهُ، وَقَدْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَرَاحَ النَّاسُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ لِأَصْحَابِهِ: اجْلِسُوا مَكَانَكُمْ، فَإِنِّي مُنْطَلِقٌ وَمُتَلَطِّفٌ لِلْبَوَّابِ لَعَلِّي أَدْخُلُ. قَالَ: وَأَقْبَلَ حَتَّى دَنَا مِنَ الْبَابِ، وَذَكَرَ قِصَّةَ قَتْلِهِ إِلَى أَنْ
стр. 2514
قَالَ ثُمَّ وَضَعْتُ السَّيْفَ فِي بَطْنِهِ حَتَّى أَخَذَ فِي ظَهْرِهِ فَعَلِمْتُ أَنَّنِي قَدْ قَتَلْتُهُ فَجَعَلْتُ أَفْتَحُ الْأَبْوَابَ بَابًا فَبَابًا حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى دَرَجَةٍ فَوَضَعْتُ رِجْلِي وَأَنَا أَرَى أَنِّي قَدِ انْتَهَيْتُ إِلَى الْأَرْضِ فَوَقَعْتُ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ فَانْكَسَرَتْ سَاقِي فَعَصَبْتُهَا بِعِمَامَتِي، ثُمَّ انْطَلَقْتُ حَتَّى جَلَسْتُ عِنْدَ الْبَابِ فَقُلْتُ: لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَعْلَمَ أَقَتَلْتُهُ أَمْ لَا، فَلَمَّا صَاحَ الدِّيكُ قَامَ النَّاعِي عَلَى السُّورِ فَقَالَ: أَنْعِي أَبَا رَافِعٍ. قَالَ: فَانْطَلَقْتُ إِلَى أَصْحَابِي، فَقُلْتُ: النَّجَاةَ النَّجَا، قَدْ قَتَلَ اللَّهُ أَبَا رَافِعٍ قَالَ: فَانْتَهَيْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَحَدَّثْنَاهُ فَقَالَ: ابْسُطْ رِجْلَكَ، فَبَسَطَهَا فَمَسَحَهَا فَكَأَنَّمَا لَمْ أَشْتَكِهَا قَطُّ» .
стр. 2515
وَفِي الْبُخَارِيِّ، «عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: رَأَيْتُ فِي سَاقِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَثَرَ ضَرْبَةٍ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ مَا هَذِهِ الضَّرْبَةُ؟ قَالَ: هَذِهِ ضَرْبَةٌ أَصَابَتْنِي يَوْمَ خَيْبَرَ، فَقَالَ النَّاسُ: أُصِيبَ سَلَمَةُ قَالَ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَنَفَثَ فِيهِ ثَلَاثَ نَفَثَاتٍ فَمَا اشْتَكَيْتُ مِنْهَا حَتَّى السَّاعَةِ» . وَفِي التِّرْمِذِيِّ، وَغَيْرِهِ، «عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُعَافِيَنِي. قَالَ: إِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، وَإِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ اللَّهَ. قَالَ: فَادْعُهُ، قَالَ: فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ، فَيُحْسِنَ الْوُضُوءَ، فَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى
стр. 2516
رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ فَتَقْضِيهَا لِي، اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِي» . وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيْسَ لِي قَائِدٌ، وَقَدْ شُقَّ عَلَيَّ. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. فَقَالَ عُثْمَانُ: وَاللَّهِ مَا تَفَرَّقْنَا، وَلَا طَالَ الْحَدِيثُ بِنَا حَتَّى دَخَلَ الرَّجُلُ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهِ ضُرٌّ قَطُّ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
[التَّأْثِيرُ فِي الْأَشْجَارِ وَالْخَشَبِ مِنْ آيَاتِ نُبُوَّتِهِ ﵇]
النَّوْعُ الثَّالِثُ: آثَارُهُ فِي الْأَشْجَارِ وَالْخَشَبِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «كَانَ الْمَسْجِدُ مَسْقُوفًا عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَطَبَ يَقُومُ إِلَى جِذْعٍ مِنْهَا، فَلَمَّا صُنِعَ الْمِنْبَرُ فَكَانَ عَلَيْهِ سَمِعْنَا لِذَلِكَ الْجِذْعِ صَوْتًا كَصَوْتِ الْعِشَارِ، حَتَّى جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
стр. 2517
وَسَلَّمَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا فَسَكَنَتْ. وَفِي رِوَايَةٍ فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ صِيَاحَ الصَّبِيِّ» . وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ جَابِرٍ: «أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا، قَالَ: إِنْ شِئْتِ. فَعَمِلَتْ لَهُ الْمِنْبَرَ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ قَعَدَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ الَّذِي صُنِعَ لَهُ، فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ الَّتِي كَانَ يَخْطُبُ عَلَيْهَا حَتَّى كَادَتْ أَنْ تَنْشَقَّ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَضَمَّهَا إِلَيْهِ، فَجَعَلَتْ تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّتُ حَتَّى اسْتَقَرَّتْ» .
стр. 2518
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: «سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَزَلْنَا وَادِيًا أَفْيَحَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ فَاتَّبَعْتُهُ بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا يَسْتَتِرُ بِهِ، فَإِذَا شَجَرَتَانِ بِشَاطِئِ الْوَادِي، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى إِحْدَاهُمَا فَأَخَذَ بِغُصْنَيْنِ مِنْ أَغْصَانِهَا، فَقَالَ: انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ. فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَالْبَعِيرِ الْمَخْشُوشِ الَّذِي يُصَانِعُ قَائِدَهُ، حَتَّى أَتَى الشَّجَرَةَ الْأُخْرَى فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، فَقَالَ: انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْمَنْصَفِ فِيمَا بَيْنَهُمَا فَلَأَمَ بَيْنَهُمَا، حَتَّى جَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ: الْتَئِمَا عَلَيَّ - بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى - فَالْتَأَمَتَا عَلَيْهِ. فَخَرَجْتُ أُحْضِرُ مَخَافَةَ أَنْ يُحِسَّ رَسُولُ اللَّهِ
стр. 2519
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقُرْبِي فَيَتَبَاعَدُ، فَجَلَسْتُ أُحَدِّثُ نَفْسِي فَحَانَتْ مِنِّي لَفْتَةٌ، فَإِذَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُقْبِلًا، وَإِذَا الشَّجَرَتَانِ قَدِ افْتَرَقَتَا، فَقَامَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى سَاقٍ» ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرِنِي الْخَاتَمَ الَّذِي بَيْنَ كَتِفَيْكَ، فَإِنَّنِي مِنْ أَطَبِّ النَّاسِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَلَا أُرِيكَ آيَةً؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَنَظَرَ إِلَى نَخْلَةٍ. فَقَالَ: ادْعُ ذَلِكَ الْعِذْقَ. فَجَاءَهُ يَنْقُزُ حَتَّى قَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ. فَرَجَعَ» .
стр. 2520
وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: بِمَ أَعْرِفُ أَنَّكَ نَبِيٌّ؟ قَالَ: إِنْ دَعَوْتُ هَذَا الْعِذْقَ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ تَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: نَعَمْ. فَدَعَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَجَعَلَ يَنْزِلُ مِنَ النَّخْلَةِ حَتَّى سَقَطَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: ارْجِعْ. فَعَادَ، فَأَسْلَمَ الْأَعْرَابِيُّ» . وَرَوَى الدَّارِمِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأَقْبَلَ أَعْرَابِيٌّ فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: إِلَى أَهْلِي. قَالَ: هَلْ لَكَ فِي خَيْرٍ؟ قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: تَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَقَالَ: وَمَنْ يَشْهَدُ عَلَى مَا تَقُولُ؟ قَالَ: هَذِهِ السَّلَمَةُ. فَدَعَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ بِشَاطِئِ الْوَادِي، فَأَقْبَلَتْ تَخُدُّ الْأَرْضَ، حَتَّى قَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَاسْتَشْهَدَهَا ثَلَاثًا، فَشَهِدَتْ ثَلَاثًا أَنَّهُ كَمَا قَالَ، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى مَنْبَتِهَا، وَرَجَعَ الْأَعْرَابِيُّ
стр. 2521
إِلَيْهِ، فَقَالَ: إِنِ اتَّبَعُونِي أَتَيْتُكَ بِهِمْ، وَإِلَّا رَجَعْتُ فَكُنْتُ مَعَكَ» . وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ أَيْضًا قَالَ فِيهِ: فَجَاءَتِ النَّخْلَةُ تَنْقُزُ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ لَهَا: ارْجِعِي فَعَادَتْ إِلَى مَكَانِهَا. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ مَعْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَأَلْتُ مَسْرُوقًا مَنْ آذَنَ النَّبِيَّ ﷺ بِالْجِنِّ لَيْلَةَ اسْتَمَعُوا الْقُرْآنَ؟ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُوكَ - يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ - أَنَّهُ قَالَ: آذَنَتْهُ بِهِمْ شَجَرَةٌ. وَفِي التِّرْمِذِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
стр. 2522
وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ، فَخَرَجْنَا فِي بَعْضِ نَوَاحِيهَا، فَمَا اسْتَقْبَلَهُ شَجَرٌ وَلَا جَبَلٌ إِلَّا وَهُوَ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ» . رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، وَهُوَ جَالِسٌ حَزِينٌ قَدْ خُضِبَ بِالدِّمَاءِ، ضَرَبَهُ بَعْضُ أَهْلِ مَكَّةَ فَقَالَ لَهُ: مَا لَكَ؟ قَالَ: فَقَالَ: فَعَلَ هَؤُلَاءِ وَفَعَلُوا. فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: أَتُحِبُّ أَنِّي أُرِيكَ آيَةً؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَنَظَرَ إِلَى شَجَرَةٍ مِنْ وَرَاءِ الْوَادِي، فَقَالَ: ادْعُ تِلْكَ الشَّجَرَةَ. فَدَعَاهَا فَجَاءَتْ تَمْشِي حَتَّى قَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ. فَقَالَ: مُرْهَا فَلْتَرْجِعْ إِلَى مَكَانِهَا. فَقَالَ لَهَا: ارْجِعِي. فَرَجَعَتْ حَتَّى عَادَتْ إِلَى مَكَانِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : حَسْبِي» . وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ.
стр. 2523
[فَصْلٌ: تَكْثِيرُ الْمَاءِ وَالطَّعَامِ وَالثِّمَارِ مِنْ آيَاتِ النُّبُوَّةِ]
وَالنَّوْعُ الرَّابِعُ: الْمَاءُ وَالطَّعَامُ وَالثِّمَارُ، الَّذِي كَانَ يَكْثُرُ بِبَرَكَتِهِ فَوْقَ الْعَادَةِ، وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ نَذْكُرُ مِنْهُ مَا تَيَسَّرَ: أَمَّا الْمَاءُ: فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا بِمَاءٍ فَأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ فَجَعَلَ الْقَوْمُ يَتَوَضَّئُونَ، قَالَ: فَحَزَرْتُ مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ إِلَى الثَّمَانِينَ» . وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «خَرَجَ فِي بَعْضِ مَخَارِجِهِ وَمَعَهُ أُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَانْطَلَقُوا يَسِيرُونَ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلَمْ يَجِدُوا مَا يَتَوَضَّئُونَ بِهِ، فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَجَاءَ بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ يَسِيرٌ، فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ مَدَّ أَصَابِعَهُ الْأَرْبَعَ عَلَى الْقَدَحِ ثُمَّ
стр. 2524
قَالَ: قُومُوا فَتَوَضَّئُوا، وَكَانُوا سَبْعِينَ أَوْ نَحْوَهُ» . وَفِيهِمَا عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ بِالزَّوْرَاءِ، - وَالزَّوْرَاءُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ السُّوقِ وَالْمَسْجِدِ ثَمَّهْ - دَعَا بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ فَوَضَعَ فِيهِ كَفَّهُ فَجَعَلَ يَنْبُعُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فَتَوَضَّأَ جَمِيعُ أَصْحَابِهِ» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَحَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَالْتَمَسَ النَّاسُ الْوَضُوءَ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوُضُوءٍ، فَوَضَعَ فِي ذَلِكَ الْإِنَاءِ يَدَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّئُوا مِنْهُ. قَالَ: فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ، حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ» .
стр. 2525
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «قَدْ رَأَيْتُنِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ حَضَرَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، وَلَيْسَ مَعَنَا مَاءٌ غَيْرَ فَضْلَةٍ، فَجُعِلَ فِي إِنَاءٍ فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ، وَفَرَّجَ أَصَابِعَهُ، وَقَالَ: حَيَّ عَلَى الْوُضُوءِ، وَالْبَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ. فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَتَفَجَّرُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، فَتَوَضَّأَ النَّاسُ وَشَرِبُوا، فَجَعَلْتُ لَا آلُو مَا جَعَلْتُ فِي بَطْنِي مِنْهُ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ بَرَكَةٌ، قُلْتُ: لِجَابِرٍ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ» . وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ جَابِرٍ أَيْضًا قَالَ: «عَطِشَ النَّاسُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ، فَتَوَضَّأَ، فَجَهَشَ النَّاسُ نَحْوَهُ، فَقَالَ: مَا لَكُمْ؟ قَالُوا: لَيْسَ عِنْدَنَا مَاءٌ نَتَوَضَّأُ وَلَا نَشْرَبُ إِلَّا مَا بَيْنَ يَدَيْكَ. فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الرَّكْوَةِ فَجَعَلَ الْمَاءُ يَثُورُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ كَأَمْثَالِ الْعُيُونِ، فَشَرِبْنَا وَتَوَضَّأْنَا. قُلْتُ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا، كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً» .
следующие страницы →