Полный текст (2 831 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
وَقَامَ خُلَفَاؤُهُ ﵃ بَعْدَهُ بِدِينِهِ ﷺ ، فَأَرْسَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ الْجُيُوشَ ; لِغَزْوِ النَّصَارَى بِالشَّامِ، وَجَرَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَهُمْ عِدَّةُ غَزَوَاتٍ، وَمَاتَ أَبُو بَكْرٍ وَهُمْ مُحَاصِرُو دِمَشْقَ ثُمَّ وَلِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَفَتَحَ عَامَّةَ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْعِرَاقَ وَبَعْضَ خُرَاسَانَ فِي خِلَافَتِهِ، وَقَدِمَ إِلَى الشَّامِ فِي خِلَافَتِهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ النَّصَارَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِمَا رَأَوْهُ مِنْ صِفَتِهِ عِنْدَهُمْ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَائِذٍ فِي كِتَابِ الْفُتُوحِ، قَالَ: قَالَ
стр. 247
عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: لَمَّا نَزَلَ الْمُسْلِمُونَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، قَالَ لَهُمْ رُؤَسَاؤُهُمْ: إِنَّا قَدْ أَجْمَعْنَا لِمُصَالَحَتِكُمْ، وَقَدْ عَرَفْتُمْ مَنْزِلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَإِنَّهُ الْمَسْجِدُ الَّذِي أُسْرِيَ بِنَبِيِّكُمْ إِلَيْهِ، وَنَحْنُ نُحِبُّ أَنْ يَفْتَحَهَا مَلِكُكُمْ - وَكَانَ الْخَلِيفَةَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - فَبَعَثَ الْمُسْلِمُونَ وَفْدًا، وَبَعَثَ الرُّومُ أَيْضًا وَفْدًا مَعَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى أَتَوُا الْمَدِينَةَ، فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ الرُّومُ لِتُرْجُمَانِهِمْ: مَنْ يَسْأَلُونَ؟ قَالُوا: عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَاشْتَدَّ عَجَبُهُمْ، وَقَالُوا: هَذَا الَّذِي غَلَبَ فَارِسَ وَالرُّومَ، وَأَخَذَ كُنُوزَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَلَيْسَ لَهُ مَكَانٌ يُعْرَفُ بِهِ! بِهَذَا غَلَبَ الْأُمَمَ، فَوَجَدُوهُ قَدْ أَلْقَى نَفْسَهُ حِينَ أَصَابَهُ الْحَرُّ نَائِمًا، فَازْدَادُوا تَعَجُّبًا، فَلَمَّا قَرَأَ كِتَابَ أَبِي عُبَيْدَةَ أَقْبَلَ حَتَّى نَزَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَفِيهَا اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنَ الرُّومِ وَخَمْسُونَ أَلْفًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَصَالَحَهُمْ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُصَالَحَةِ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْيَهُودِ أَحَدٌ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَوَجَدَ
стр. 248
زُبَالَةً عَظِيمَةً عَلَى الصَّخْرَةِ، فَأَمَرَ بِكَنْسِ الزُّبَالَةِ، وَتَنْظِيفِ الْمَسْجِدِ وَأَمَرَ بِبِنَائِهِ وَجَعَلَ مُصَلَّاهُ فِي مُقَدَّمِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ فِي كِتَابِ الْفُتُوحَاتِ، ثُمَّ قَدِمَ مَرَّةً ثَانِيَةً إِلَى أَرْضِ الشَّامِ لَمَّا تَمَّ فَتْحُهُ فَشَارَطَ بِوَضْعِ الْخَرَاجِ وَفَرْضِ الْأَمْوَالِ، وَشَارَطَ أَهْلَ الذِّمَّةِ عَلَى شُرُوطِ الْمُسْلِمِينَ فَأْتَمَّ بِهَا الْمُسْلِمُونَ بَعْدَهُ.
وَقَدْ ذَكَرَهَا أَهْلُ السِّيَرِ وَغَيْرُهُمْ، فَرَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، قَالَ: كَتَبْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ حِينَ صَالَحَ نَصَارَى الشَّامِ، وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ فِيهِ أَنْ لَا يُحْدِثُوا فِي مَدِينَتِهِمْ وَلَا حَوْلَهَا دَيْرًا وَلَا كَنِيسَةً
стр. 249
وَلَا قِلَايَةً وَلَا صَوْمَعَةَ رَاهِبٍ، وَلَا يُجَدِّدُوا مَا خَرِبَ، وَلَا يَمْنَعُوا كَنَائِسَهُمْ أَنْ يَنْزِلَهَا أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَ لَيَالٍ يُطْعِمُونَهُمْ، وَلَا يُئْوُوا جَاسُوسًا، وَلَا يَكْتُمُوا غِشًّا لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُعَلِّمُوا أَوْلَادَهُمُ الْقُرْآنَ وَلَا يُظْهِرُوا شِرْكًا، وَلَا يَمْنَعُوا ذَوِي قَرَابَتِهِمْ مِنَ الْإِسْلَامِ إِنْ أَرَادُوهُ، وَأَنْ يُوَقِّرُوا الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ يَقُومُوا لَهُمْ إِذَا أَرَادُوا الْجُلُوسَ، وَلَا يَتَشَبَّهُوا بِالْمُسْلِمِينَ بِشَيْءٍ مِنْ لِبَاسِهِمْ فِي قَلَنْسُوَةٍ وَلَا عِمَامَةٍ وَلَا نَعْلَيْنِ وَلَا فَرْقِ شَعْرٍ، وَلَا يَتَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَكْتَنُوا بِكُنَاهُمْ، وَلَا يَرْكَبُوا سُرُجًا، وَلَا يَتَقَلَّدُوا سَيْفًا، وَلَا يَتَّخِذُوا شَيْئًا مِنْ سِلَاحٍ،
стр. 250
وَلَا يَنْقُشُوا خَوَاتِيمَهُمْ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَلَا يَبِيعُوا الْخُمُورَ، وَأَنْ يَجُذُّوا مَقَادِمَ رُءُوسِهِمْ، وَأَنْ يَلْزَمُوا زِيَّهُمْ حَيْثُ مَا كَانُوا، وَأَنْ يَشُدُّوا الزَّنَانِيرَ، وَلَا يُجَاوِرُوا الْمُسْلِمِينَ بِمَوْتَاهُمْ، وَلَا يَضْرِبُوا بِالنَّاقُوسِ إِلَّا ضَرْبًا خَفِيفًا، وَلَا يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْقِرَاءَةِ فِي كَنَائِسِهِمْ فِي شَيْءٍ مِنْ حَضْرَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَخْرُجُوا شَعَانِينَ، وَلَا يَرْفَعُوا مَعَ مَوْتَاهُمْ أَصْوَاتَهُمْ، وَلَا يُظْهِرُوا النِّيرَانَ مَعَهُمْ، وَلَا يَشْتَرُوا مِنَ الرَّقِيقِ مَا جَرَتْ عَلَيْهِ سِهَامُ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ خَالَفُوا فِي شَيْءٍ مِمَّا شَرَطُوهُ، فَلَا ذِمَّةَ لَهُمْ وَقَدْ حَلَّ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ مَا يَحِلُّ مِنْ أَهْلِ الْمُعَانَدَةِ وَالشِّقَاقِ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ.
стр. 251
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ خَلِيفَةَ بْنِ
стр. 252
قَيْسٍ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَأْمُرُ فَأَكْتُبُ إِلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ: أَنْ يَجُزُّوا نَوَاصِيَهُمْ، وَأَنْ يَرْبِطُوا الْكُسْتِيجَاتِ فِي أَوْسَاطِهِمْ ; لِيُعْرَفَ زِيُّهُمْ مِنْ زِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَحَدَّثَنَا أَبُو الْمُنْذِرِ، وَمُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ
стр. 253
عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَسْلَمَ، قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ أَنْ يَخْتِمُوا رِقَابَ أَهْلِ الذِّمَّةِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَسْلَمَ: أَنَّ عُمَرَ أَمَرَ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ أَنْ يَجُزُّوا نَوَاصِيَهُمْ، وَأَنْ يَرْكَبُوا عَلَى الْأَكُفِّ، وَأَنْ يَرْكَبُوا عَرْضًا لَا يَرْكَبُوا كَمَا يَرْكَبُ الْمُسْلِمُونَ، وَأَنْ يُوثِقُوا الْمَنَاطِقَ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي الزَّنَانِيرَ.
стр. 254
وَكَمَا كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ هَذِهِ الشُّرُوطَ وَالْتَزَمُوهَا، أَوْصَى بِهِمْ نُوَّابَهُ وَمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ مِنَ الْخُلَفَاءِ وَغَيْرِهِمْ، وَهَذَا هُوَ الْعَدْلُ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ.
فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّهُ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ عِنْدَ وَفَاتِهِ: وَأُوصِي الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِذِمَّةِ اللَّهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ ﷺ أَنْ يُوفِيَ لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَأَنْ يُقَاتِلَ مَنْ وَرَاءَهُمْ، وَلَا يُكَلَّفُوا إِلَّا طَاقَتَهُمْ.
وَهَذَا امْتِثَالٌ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهَدًا، أَوِ انْتَقَصَهُ مِنْ حَقِّهِ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ، فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
стр. 255
فَكَانَ هَذَا فِي النَّصَارَى الَّذِينَ أَدَّوْا إِلَيْهِ الْجِزْيَةَ.
وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَمَّا فَتَحَ الشَّامَ وَأَدَّوْا إِلَيْهِ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ، أَسْلَمَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ ﵎، فَإِنَّ الْعَامَّةَ وَالْفَلَّاحِينَ وَغَيْرَهُمْ كَانَ عَامَّتُهُمْ نَصَارَى، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْمَلُ فِلَاحَةً، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ فِي دِمَشْقَ مَسْجِدٌ يُصَلُّونَ فِيهِ إِلَّا مَسْجِدٌ وَاحِدٌ لِقِلَّتِهِمْ، ثُمَّ صَارَ أَكْثَرُ أَهْلِ الشَّامِ وَغَيْرُهُمْ مُسْلِمِينَ طَوْعًا لَا كَرْهًا، فَإِنَّ إِكْرَاهَ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى الْإِسْلَامِ غَيْرُ جَائِزٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ - اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٦ - ٢٥٧] .
стр. 256
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ: «أَنَّهُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ فَإِنَّهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، لَهُ مَا لَهُمْ وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ، وَمَنْ كَانَ عَلَى يَهُودِيَّةٍ أَوْ نَصْرَانِيَّةٍ فَإِنَّهُ لَا يُفْتَنُ عَنْهَا وَعَلَيْهِ الْجِزْيَةُ» .
стр. 257
[فَصْلٌ: إِرْسَالُ الْكُتُبِ وَالرُّسُلِ إِلَى مُلُوكِ الْفُرْسِ]
وَقَاتَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْفُرْسَ الْمَجُوسَ، وَفَتَحَ أَرْضَهُمْ، وَظَهَرَ تَصْدِيقُ خَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ قَالَ: «إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ » . أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَهَذَا بَعْدَ أَنْ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَسُولَهُ إِلَى الْمَجُوسِ، وَكَتَبَ كِتَابًا إِلَى كِسْرَى مَلِكِ الْفُرْسِ، كَمَا كَتَبَ إِلَى مُلُوكِ النَّصَارَى، كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ قَيْصَرَ وَالْمُقَوْقِسِ، وَلَكِنَّ مُلُوكَ النَّصَارَى تَأَدَّبُوا مَعَهُ وَخَضَعُوا لَهُ، فَبَقِيَ مُلْكُهُمْ. وَأَمَّا مَلِكُ الْفُرْسِ فَمَزَّقَ كِتَابَهُ، فَدَعَا
стр. 258
عَلَيْهِمْ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ مَزِّقْ مُلْكَهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ» ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ مُلْكٌ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ بِكِتَابِهِ إِلَى كِسْرَى، فَدَفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى، فَلَمَّا قَرَأَهُ يَعْنِي كِسْرَى مَزَّقَهُ، فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ» .
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى كِسْرَى وَقَيْصَرَ، فَأَمَّا كِسْرَى فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ مَزَّقَهُ، وَأَمَّا قَيْصَرُ لَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ طَوَاهُ وَوَضَعَهُ عِنْدَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أَمَّا هَؤُلَاءِ يَعْنِي كِسْرَى فَيُمَزَّقُونَ، وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَسَتَكُونُ لَهُمْ بَقِيَّةٌ» .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 259
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسٍ السَّهْمِيَّ إِلَى كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ مَلِكِ الْفُرْسِ، وَكَتَبَ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى كِسْرَى عَظِيمِ فَارِسَ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، وَآمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ اللَّهِ، فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً ; لِأُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ، فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَإِنْ أَبَيْتَ فَإِنَّ إِثْمَ الْمَجُوسِ عَلَيْكَ» .
فَلَمَّا قَرَأَ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَقَّقَهُ، وَقَالَ: يَكْتُبُ إِلَيَّ بِهَذَا الْكِتَابِ وَهُوَ عَبْدِي؟
стр. 260
قُلْتُ: وَسَبَبُ قَوْلِ كِسْرَى هَذَا اسْتِعْلَائُهُ: أَنَّ الْحَبَشَةَ كَانُوا قَدْ مَلَكُوا الْيَمَنَ، وَمَلِكُهُمْ سَارَ إِلَى مَكَّةَ بِالْفِيلِ ; لِيُخَرِّبَ الْبَيْتَ، وَكَانُوا نَصَارَى، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَحْرِ طَيْرًا أَبَابِيلَ، وَهِيَ جَمَاعَاتٌ فِي تَفْرِقَةٍ تَحْمِلُ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ، فَأَلْقَتْهَا عَلَى الْحَبَشَةِ النَّصَارَى فَأَهْلَكَتْهُمْ، وَكَانَ هَذَا آيَةً عَظِيمَةً خَضَعَتْ بِهَا الْأُمَمُ لِلْبَيْتِ وَجِيرَانِ الْبَيْتِ.
وَعَلِمَ الْعُقَلَاءُ أَنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ نَصْرًا مِنَ اللَّهِ لِمُشْرِكِي الْعَرَبِ ; فَإِنَّ دِينَ النَّصَارَى خَيْرٌ مِنْ دِينِهِمْ، وَإِنَّمَا كَانَ نَصْرًا لِلْبَيْتِ وَلِلْأُمَّةِ الْمُسْلِمَةِ الَّتِي تُعَظِّمُهُ، وَلِلنَّبِيِّ الْمَبْعُوثِ مِنَ الْبَيْتِ، وَكَانَ ذَلِكَ عَامَ مَوْلِدِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ - أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ - وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ - تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ - فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ١ - ٥] .
ثُمَّ إِنَّ سَيْفَ بْنَ ذِي يَزَنَ ذَهَبَ إِلَى كِسْرَى، وَطَلَبَ مِنْهُ جَيْشًا
стр. 261
يَغْزُو بِهِ الْحَبَشَةَ، فَأَرْسَلَ مَعَهُ عَسْكَرًا مِنَ الْفُرْسِ وَالْمَجُوسِ، فَأَخْرَجُوا الْحَبَشَةَ مِنَ الْيَمَنِ، وَصَارَتِ الْيَمَنُ بِيَدِ الْعَرَبِ، وَبِهَا نَائِبُ كِسْرَى، وَسَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ هَذَا مِمَّنْ بَشَّرَ بِالنَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ ظُهُورِهِ، وَأَخْبَرَ بِذَلِكَ جَدَّهُ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ لَمَّا وَفَدَ عَلَيْهِ.
فَلَمَّا كَانَتِ الْيَمَنُ مُطِيعَةً لِكِسْرَى، لِهَذَا أَرْسَلَ إِلَى نَائِبِهِ عَلَى الْيَمَنِ أَنْ يَأْتِيَهُ بِالنَّبِيِّ ﷺ ; لِأَنَّ عَسْكَرَ الْيَمَنِ فِي الْعَادَةِ يَقْهَرُ أَهْلَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَزَّقَ اللَّهُ مُلْكَهُ» حِينَ بَلَغَهُ أَنَّهُ شَقَّقَ كِتَابَهُ.
ثُمَّ كَتَبَ كِسْرَى إِلَى بَاذَانَ - وَهُوَ عَلَى الْيَمَنِ - أَنِ ابْعَثْ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي بِالْحِجَازِ مِنْ عِنْدِكَ رَجُلَيْنِ جَلْدَيْنِ فَلْيَأْتِيَانِي بِهِ، قَالَ: فَبَعَثَ
стр. 262
بَاذَانُ قَهْرُمَانَهُ، وَهُوَ بَابَوَيْهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: فَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ، وَكَانَ حَاسِبًا كَاتِبًا، وَبَعَثَ مَعَهُ بِرَجُلٍ مِنَ الْفُرْسِ، وَكَتَبَ مَعَهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُهُ أَنْ يَنْصَرِفَ مَعَهُمَا إِلَى كِسْرَى، وَقَالَ لِبَابَوَيْهِ: وَيْلَكَ، انْظُرْ مَا الرَّجُلُ وَكَلِّمْهُ وَائْتِنِي بِخَبَرِهِ.
قَالَ: فَخَرَجَا حَتَّى قَدِمَا إِلَى الطَّائِفِ فَسَأَلَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالُوا: هُوَ بِالْمَدِينَةِ وَاسْتَبْشَرُوا يَعْنِي الْكُفَّارَ، وَقَالُوا: قَدْ نَصَبَ لَهُ كِسْرَى كُفِيتُمُ الرَّجُلَ، فَخَرَجَا حَتَّى قَدِمَا الْمَدِينَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمَهُ بَابَوَيْهِ، وَقَالَ: إِنَّ شَاهِنْشَاهْ مَلِكَ الْمُلُوكِ كِسْرَى كَتَبَ إِلَى الْمَلِكِ بَاذَانَ يَأْمُرُهُ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْكَ مَنْ يَأْتِيهِ بِكَ، وَقَدْ بَعَثَنِي إِلَيْكَ فَانْطَلِقْ مَعِي، فَإِنْ فَعَلْتَ كَتَبَ مَعَكَ إِلَى مَلِكِ الْمُلُوكِ بِكِتَابٍ يَنْفَعُكَ وَيَكُفُّ عَنْكَ بِهِ، وَإِنْ أَبَيْتَ فَهُوَ مَنْ قَدْ عَلِمْتَ وَهُوَ مُهْلِكُكَ وَمُهْلِكُ قَوْمِكَ وَمُخَرِّبُ بِلَادِكَ.
وَكَانَا قَدْ دَخَلَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ حَلَقَا لِحَاهُمَا، وَأَبْقَيَا شَوَارِبَهُمَا فَكَرِهَ النَّظَرَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ لَهُمَا: «وَيْلَكُمَا مَنْ أَمَرَكُمَا بِهَذَا؟» ، قَالَا: أَمَرَنَا بِهَذَا رَبُّنَا - يَعْنِيَانِ كِسْرَى - فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 263
«لَكِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي بِإِعْفَاءِ لِحْيَتِي وَبِقَصِّ شَارِبِي» ثُمَّ قَالَ لَهُمَا «ارْجِعَا حَتَّى تَأْتِيَانِي الْغَدَ» .
قَالَ: وَجَاءَ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ: أَنَّ اللَّهَ سَلَّطَ عَلَى كِسْرَى ابْنَهُ شِيرَوَيْهِ، فَقَتَلَهُ فِي شَهْرِ كَذَا، فِي لَيْلَةِ كَذَا، فِي سَاعَةِ كَذَا، فَلَمَّا أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ لَهُمَا: «إِنَّ رَبِّي قَتَلَ رَبَّكُمَا لَيْلَةَ كَذَا، فِي شَهْرِ كَذَا، بَعْدَمَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ كَذَا، سَلَّطَ عَلَيْهِ ابْنَهُ شِيرَوَيْهِ فَقَتَلَهُ» ، فَقَالَا لَهُ: هَلْ تَدْرِي مَا تَقُولُ؟ إِنَّا قَدْ نَقَمْنَا مِنْكَ مَا هُوَ أَيْسَرُ مِنْ هَذَا فَنَكْتُبُ بِهَذَا عَنْكَ وَنُخْبِرُ الْمَلِكَ بِهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ أَخْبِرَاهُ ذَلِكَ عَنِّي، وَقُولَا لَهُ إِنَّ دِينِي وَسُلْطَانِي سَيَبْلُغُ مَا بَلَغَ مُلْكُ كِسْرَى، وَيَنْتَهِي إِلَى مُنْتَهَى الْخُفِّ وَالْحَافِرِ، وَقُولَا لَهُ: إِنَّكَ إِنْ أَسْلَمْتَ أَعْطَيْتُكَ مَا تَحْتَ يَدَيْكَ وَمَلَّكْتُكَ عَلَى قَوْمِكَ مِنَ الْأَبْنَاءِ» . وَأَعْطَى رَفِيقَهُ مِنْطَقَةً مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ كَانَ أَهْدَاهَا لَهُ بَعْضُ الْمُلُوكِ، فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ حَتَّى قَدِمَا عَلَى بَاذَانَ وَأَخْبَرَاهُ الْخَبَرَ.
стр. 264
فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا هَذَا بِكَلَامِ مَلِكٍ، وَإِنِّي لَأَرَى الرَّجُلَ نَبِيًّا كَمَا يَقُولُ، وَلَنَنْظُرَنَّ مَا قَدْ قَالَ، فَلَئِنْ كَانَ مَا قَدْ قَالَ حَقًّا مَا بَقِيَ فِيهِ كَلَامٌ إِنَّهُ لَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَسَنَرَى فِيهِ رَأْيَنَا، فَلَمْ يَلْبَثْ بَاذَانُ أَنْ قَدِمَ عَلَيْهِ كِتَابُ شِيرَوَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّنِي قَدْ قَتَلْتُ كِسْرَى وَلَمْ أَقْتُلْهُ إِلَّا غَضَبًا لِفَارِسَ لِمَا كَانَ قَدِ اسْتَحَلَّ قَتْلَ أَشْرَافِهِمْ وَتَجْهِيزَهُمْ فِي بُعُوثِهِمْ، فَإِذَا جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا فَخُذْ لِيَ الطَّاعَةَ مِمَّنْ قِبَلَكَ، وَانْظُرِ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ كِسْرَى كَتَبَ إِلَيْكَ فِيهِ فَلَا تُهِجْهُ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي فِيهِ.
فَلَمَّا انْتَهَى كِتَابُ شِيرَوَيْهِ إِلَى بَاذَانَ قَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَرَسُولُ اللَّهِ، وَأَسْلَمَ لِلَّهِ، وَأَسْلَمَتْ أَبْنَاءُ فَارِسَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ بِالْيَمَنِ.
стр. 265
وَقَالَ أَبُو مَعْشَرٍ: حَدَّثَنِي الْمَقْبُرِيُّ قَالَ: جَاءَ فَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّ كِسْرَى كَتَبَ إِلَى بَاذَانَ: بَلَغَنِي أَنَّ فِي أَرْضِكَ رَجُلًا تَنَبَّأَ فَارْبِطْهُ وَابْعَثْ بِهِ إِلَيَّ، فَقَالَ لَهُ
стр. 266
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنْ رَبِّي غَضِبَ عَلَى رَبِّكَ فَقَتَلَهُ، فَدَمُهُ بِنَحْرِهِ سَخُنَ السَّاعَةَ» فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ فَسَمِعَ الْخَبَرَ فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ آثَارٌ جَمِيلَةٌ مِنْهَا قَتْلُ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ الْكَذَّابِ الَّذِي ادَّعَى النُّبُوَّةَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَانَ الْأَسْوَدُ جَبَّارًا اسْتَدْعَى بِأَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ، فَقَالَ لَهُ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَقَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: مَا أَسْمَعُ. فَقَالَ لَهُ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَرَدَّدَ ذَلِكَ عَلَيْهِ مِرَارًا، فَأَمَرَ بِنَارٍ عَظِيمَةٍ فَأُضْرِمَتْ، ثُمَّ أَمَرَ بِإِلْقَاءِ أَبِي مُسْلِمٍ فِيهَا فَلَمْ تَضُرَّهُ، فَأَخْمَدَهَا اللَّهُ تَعَالَى حِينَ أُلْقِيَ فِيهَا، فَقِيلَ لَهُ: أَخْرِجْ هَذَا عَنْكَ مِنْ أَرْضِكَ ; لِئَلَّا يُفْسِدَ عَلَيْكَ أَتْبَاعَكَ فَأَخْرَجَهُ.
فَقَدِمَ أَبُو مُسْلِمٍ الْمَدِينَةَ، وَقَدْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
стр. 267
وَسَلَّمَ، وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ بِبَابِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَامَ يُصَلِّي إِلَى سَارِيَةٍ، فَبَصُرَ بِهِ عُمَرُ، فَقَامَ إِلَيْهِ فَقَالَ: مِمَّنِ الرَّجُلُ؟ قَالَ: مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ. قَالَ: مَا فَعَلَ الَّذِي حَرَقَهُ الْكَذَّابُ؟ قَالَ: ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَوْبٍ. قَالَ: نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ أَنْتَ هُوَ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ. فَاعْتَنَقَهُ، ثُمَّ بَكَى، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ حَتَّى أَجْلَسَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُمِتْنِي حَتَّى أَرَانِي فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مَنْ فَعَلَ بِهِ كَمَا فَعَلَ بِإِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ.
стр. 268
ثُمَّ خَرَجَ فَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ عَلَى الْأَسْوَدِ الْعَنْسِي فَقَتَلَهُ، وَجَاءَ الْخَبَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِهِ وَهُوَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، فَخَرَجَ فَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ. وَقَالَ: «قَتَلَ الْأَسْوَدَ الْعَنْسِيَّ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ صَالِحٌ مِنْ قَوْمٍ صَالِحِينَ» . وَقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ، وَكَذَلِكَ قِصَّةُ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ وَنَحْوِهِمَا مِنَ الْمُتَنَبِّئِينَ الْكَذَّابِينَ.
стр. 269
[فَصْلٌ: ضَرْبُهُ ﷺ الْجِزْيَةَ عَلَى الْمَجُوسِ]
وَلَمَّا فَتَحَ خُلَفَاءُ النَّبِيِّ ﷺ عُمَرُ وَعُثْمَانُ الْعِرَاقَ وَخُرَاسَانَ ضَرَبُوا الْجِزْيَةَ عَلَى الْمَجُوسِ، كَمَا ضَرَبُوهَا عَلَى النَّصَارَى بَعْدَ أَنْ دَعَوْهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، كَمَا دَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَكَمَا ضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ الْجِزْيَةَ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ بَعْدَ أَنْ دَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ ، فَإِنَّهُ ﷺ بَعَثَ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى
стр. 270
الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى الْعَبْدِيِّ صَاحِبِ هَجَرَ - وَهِيَ قَرْيَةٌ بِالْبَحْرَيْنِ - بِكِتَابِهِ ﷺ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، قَالَ الْعَلَاءُ: فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَيْهِ قُلْتُ: يَا مُنْذِرُ، إِنَّكَ عَظِيمُ الْعَقْلِ فِي الدُّنْيَا، فَلَا تَصْغُرَنَّ عَنِ الْآخِرَةِ، إِنَّ هَذِهِ الْمَجُوسِيَّةَ شَرُّ دِينٍ، لَيْسَ فِيهَا تَكَرُّمُ الْعَرَبِ، وَلَا عِلْمُ أَهْلِ الْكِتَابِ، يَنْكِحُونَ مَا يُسْتَحَى مِنْ نِكَاحِهِ، وَيَأْكُلُونَ مَا يُتَكَرَّمُ عَنْ أَكْلِهِ، وَيَعْبُدُونَ فِي الدُّنْيَا نَارًا تَأْكُلُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَسْتَ بِعَدِيمِ عَقْلٍ وَلَا رَأْيٍ، فَانْظُرْ هَلْ يَنْبَغِي لِمَنْ لَا يَكْذِبُ أَنْ تُصَدِّقَهُ، وَلِمَنْ لَا يَخُونُ أَنْ تَأْمَنَهُ، وَلِمَنْ لَا يُخْلِفُ أَنْ تَتَّثِقَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا هَكَذَا فَهَذَا هُوَ
стр. 271
النَّبِيُّ ﷺ الْأُمِّيُّ الَّذِي - وَاللَّهِ - لَا يَسْتَطِيعُ ذُو عَقْلٍ أَنْ يَقُولَ لَيْتَ مَا أَمَرَ بِهِ نَهَى عَنْهُ، أَوْ مَا نَهَى عَنْهُ أَمَرَ بِهِ، أَوْ لَيْتَهُ زَادَ فِي عَفْوِهِ أَوْ نَقَصَ مِنْ عِقَابِهِ، إِنَّ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى أُمْنِيَةِ أَهْلِ الْعَقْلِ وَفِكْرِ أَهْلِ الْبَصَرِ.
فَقَالَ الْمُنْذِرُ: قَدْ نَظَرْتُ فِي هَذَا الَّذِي فِي يَدَيَّ فَوَجَدْتُهُ لِلدُّنْيَا دُونَ الْآخِرَةِ، وَنَظَرْتُ فِي دِينِكُمْ فَوَجَدْتُهُ لِلْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا، فَمَا يَمْنَعُنِي مِنْ قَبُولِ دِينٍ فِيهِ أُمْنِيَةُ الْحَيَاةِ وَرَاحَةُ الْمَمَاتِ، وَلَقَدْ عَجِبْتُ أَمْسِ مِمَّنْ يَقْبَلُهُ، وَعَجِبْتُ الْيَوْمَ مِمَّنْ يَرُدُّهُ، وَإِنَّ مِنْ إِعْظَامِ مَنْ جَاءَ بِهِ أَنْ يُعَظِّمَ رَسُولَهُ، وَسَأَنْظُرُ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْمُنْذِرُ، وَكَتَبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالْإِسْلَامِ وَالتَّصْدِيقِ.
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عَوْفٍ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا عُبَيْدَةَ إِلَى الْبَحْرَيْنِ، فَأَتَى بِجِزْيَتِهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ
стр. 272
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ صَالَحَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ، فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَسَمِعَتِ الْأَنْصَارُ بِقُدُومِ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَوَافَوْا صَلَاةَ الصُّبْحِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا صَلَّى بِهِمُ الْفَجْرَ انْصَرَفَ، فَتَعَرَّضُوا لَهُ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَآهُمْ، وَقَالَ: أَظُنُّكُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدْ جَاءَ بِشَيْءٍ قَالُوا: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: أَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللَّهِ لَا الْفَقْرُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ» . أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ، عَنْ بَجَالَةَ بْنِ عَبْدَةَ، أَنَّهُ قَالَ: «أَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ: فَرِّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذِي مَحْرَمٍ مِنَ الْمَجُوسِ. وَلَمْ يَكُنْ عُمَرُ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنَ الْمَجُوسِ، حَتَّى شَهِدَ عَبْدُ
стр. 273
الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ» .
وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ، وَأَخَذَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ فَارِسَ، وَأَخَذَهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ مِنَ الْبَرْبَرِ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَوَّلُ مَنْ أَعْطَى الْجِزْيَةَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَهْلُ نَجْرَانَ فِيمَا بَلَغَنَا وَكَانُوا نَصَارَى، وَقَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْجِزْيَةَ مِنْ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ وَكَانُوا مَجُوسًا، ثُمَّ أَدَّى أَهْلُ (أَيْلَةَ)
стр. 274
وَأَهْلُ (أَذْرُحَ) إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْجِزْيَةَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَبَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى أَهْلِ دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ، فَأَسَرُوا رَئِيسَهُمْ أُكَيْدِرَ، فَبَايَعُوهُ عَلَى الْجِزْيَةِ.
стр. 275
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْجِزْيَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالتَّنْزِيلِ، وَمِنَ الْمَجُوسِ وَالْبَرْبَرِ وَغَيْرِهِمْ بِالسُّنَّةِ.
стр. 276
[فَصْلٌ: أَدِلَّةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى عُمُومِ رِسَالَتِهِ ﷺ ]
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَالنَّجَاشِيِّ وَإِلَى كُلِّ جَبَّارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي نَعَاهُ لِأَصْحَابِهِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى، فَصَفَّ وَصَلَّى عَلَيْهِ -» بَلِ النَّجَاشِيُّ آخَرُ تَمَلَّكَ بَعْدَهُ.
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُرْسِلْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ» .
стр. 277
وَقَالَ ﷺ : «كَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً» .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٥٨] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨] .
وَفِي الْقُرْآنِ مِنْ دَعْوَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَمِنْ دَعْوَةِ الْمُشْرِكِينَ وَعُبَّادِ الْأَوْثَانِ، وَجَمِيعِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ مَا لَا يُحْصَى إِلَّا بِكُلْفَةٍ،
стр. 278
وَهَذَا كُلُّهُ مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ، فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يُذْكُرْ أَنَّهُ بُعِثَ إِلَّا إِلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً، وَهَذِهِ دَعْوَتُهُ وَرُسُلُهُ وَجِهَادُهُ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ بَعْدَ الْمُشْرِكِينَ، وَهَذِهِ سِيرَتُهُ ﷺ فِيهِمْ؟
وَأَيْضًا فَالْكِتَابُ الْمُتَوَاتِرُ عَنْهُ وَهُوَ الْقُرْآنُ يَذْكُرُ فِيهِ دُعَاءَهُ لِأَهْلِ الْكِتَابِ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ جِدًّا، بَلْ يَذْكُرُ اللَّهُ ﵎ فِيهِ كُفْرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَيَأْمُرُ فِيهِ بِقِتَالِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٧] .
وَقَوْلِهِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ أَيْضًا: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ - لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ - أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ - مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ - قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ - قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٢ - ٧٧] .
стр. 279
وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا - لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا - فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٧١ - ١٧٣] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] .
стр. 280
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ - اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ - يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٠ - ٣٢] .
стр. 281
[فَصْلٌ: ابْتِدَاعُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي دِينِهِمْ]
فَهَذِهِ الدَّلَائِلُ وَأَضْعَافُهَا مِمَّا تَبَيَّنَ أَنَّهُ نَفْسَهُ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى النَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَأَنَّهُ دَعَاهُمْ وَجَاهَدَهُمْ وَأَمَرَ بِدَعْوَتِهِمْ وَجِهَادِهِمْ، وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا فَعَلَتْهُ أُمَّتُهُ بَعْدَهُ بِدْعَةً ابْتَدَعُوهَا، كَمَا فَعَلَتِ النَّصَارَى بَعْدَ الْمَسِيحِ ﵇، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يُجَوِّزُونَ لِأَحَدٍ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَنْ يُغَيِّرُوا شَيْئًا مِنْ شَرِيعَتِهِ، فَلَا يُحَلِّلُ مَا حَرَّمَ وَلَا يُحَرِّمُ مَا حَلَّلَ، وَلَا يُوجِبُ مَا أَسْقَطَ وَلَا يُسْقِطُ مَا أَوْجَبَ، بَلِ الْحَلَالُ عِنْدَهُمْ مَا حَلَّلَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَالدِّينُ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، بِخِلَافِ النَّصَارَى الَّذِينَ ابْتَدَعُوا بَعْدَ الْمَسِيحِ بِدَعًا لَمْ يُشَرِّعْهَا الْمَسِيحُ ﵇، وَلَا نَطَقَ بِهَا شَيْءٌ مِنَ الْأَنَاجِيلِ وَلَا كُتُبُ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَزَعَمُوا أَنَّ مَا شَرَعَهُ أَكَابِرُهُمْ مِنَ الدِّينِ فَإِنَّ الْمَسِيحَ يُمْضِيهِ لَهُمْ، وَهَذَا مَوْضِعٌ تَنَازَعَ فِيهِ الْمِلَلُ الثَّلَاثُ الْمُسْلِمُونَ وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، كَمَا تَنَازَعُوا فِي الْمَسِيحِ ﵇ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
стр. 282
فَالْيَهُودُ: لَا يُجَوِّزُونَ لِلَّهِ أَنْ يَنْسَخَ شَيْئًا شَرَعَهُ.
وَالنَّصَارَى: يُجَوِّزُونَ لِأَكَابِرِهِمْ أَنْ يَنْسَخُوا شَرْعَ اللَّهِ بِآرَائِهِمْ.
وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ: فَعِنْدَهُمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ، لَا شَرْعَ إِلَّا مَا شَرَعَ اللَّهُ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ، وَلَهُ أَنْ يَنْسَخَ مَا شَاءَ كَمَا نَسَخَ الْمَسِيحُ مَا كَانَ شَرَعَهُ لِلْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ.
فَالنَّصَارَى تَضَعُ لَهُمْ عَقَائِدَهُمْ وَشَرَائِعَهُمْ أَكَابِرُهُمْ بَعْدَ الْمَسِيحِ، كَمَا وَضَعَ لَهُمُ الثَّلَاثُمِائَةٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَنِ قُسْطَنْطِينَ الْمَلِكِ الْأَمَانَةَ الَّتِي اتَّفَقُوا عَلَيْهَا، وَلَعَنُوا مَنْ خَالَفَهَا مِنَ الْأَرْيُوسِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، وَفِيهَا أُمُورٌ لَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ بِهَا كِتَابًا، بَلْ تُخَالِفُ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ مِنَ الْكُتُبِ مَعَ مُخَالَفَتِهَا لِلْعَقْلِ الصَّرِيحِ فَقَالُوا فِيهَا: نُؤْمِنُ بِإِلَهٍ وَاحِدٍ، أَبٍ ضَابِطِ الْكُلِّ، خَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، كُلِّ مَا يُرَى وَمَا لَا يُرَى، وَبِرَبٍّ وَاحِدٍ
стр. 283
يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ اللَّهِ الْوَحِيدِ الْمَوْلُودِ مِنَ الْأَبِ قَبْلَ كُلِّ الدُّهُورِ، نُورٍ مِنْ نُورِ إِلَهٍ حَقٍّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ مَوْلُودٍ غَيْرِ مَخْلُوقٍ مُسَاوِي الْأَبِ فِي الْجَوْهَرِ الَّذِي بِهِ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ، الَّذِي مِنْ أَجْلِنَا نَحْنُ الْبَشَرُ وَمِنْ أَجْلِ خَلَاصِنَا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، وَتَجَسَّدَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ وَمِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ، وَتَأَنَّسَ وَصُلِبَ عَلَى عَهْدِ بَيْلَاطِسَ الْبِنْطِيِّ وَتَأَلَّمَ وَقُبِرَ، وَقَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ كَمَا فِي الْكُتُبِ، وَصَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ، وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ الْأَبِ، وَأَيْضًا فَسَيَأْتِي بِمَجْدِهِ لِيُدِينَ الْأَحْيَاءَ وَالْأَمْوَاتِ الَّذِي لَا فَنَاءَ لِمُلْكِهِ، وَبِرُوحِ الْقُدُسِ الرَّبِّ الْمُحْيِي الْمُنْبَثِقِ مِنَ الْأَبِ مَعَ الْأَبِ
стр. 284
وَالِابْنِ مَسْجُودٍ لَهُ وَبِمَجْدِ النَّاطِقِ فِي الْأَنْبِيَاءِ، وَبِكَنِيسَةٍ وَاحِدَةٍ جَامِعَةٍ مُقَدَّسَةٍ رَسُولِيَّةٍ، وَاعْتَرَفَ بِمَعْمُودِيَّةٍ وَاحِدَةٍ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا، وَنَتَرَجَّى قِيَامَةَ الْمَوْتَى، وَحَيَاةَ الدَّهْرِ الْآتِي آمِينَ.
وَوَضَعُوا لَهُمْ مِنَ الْقَوَانِينِ وَالنَّامُوسِ مَا لَمْ يُوجَدْ فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا تَدُلُّ عَلَيْهِ، بَلْ يُوجَدُ بَعْضُهُ فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ وَزَادَ أَكَابِرُهُمْ أَشْيَاءَ مِنْ عِنْدِهِمْ لَا تُوجَدُ فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ، وَغَيَّرُوا كَثِيرًا مِمَّا شَرَعَهُ الْأَنْبِيَاءُ، فَمَا عِنْدَ النَّصَارَى مِنَ الْقَوَانِينِ وَالنَّوَامِيسِ الَّتِي هِيَ شَرَائِعُ دِينِهِمْ وَبَعْضُهُ عَنِ الْحَوَارِيِّينَ، وَكَثِيرٌ مِنْهُ مِنِ ابْتِدَاعِ أَكَابِرِهِمْ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِشَرْعِ الْأَنْبِيَاءِ، فَدِينُهُمْ مِنْ جِنْسِ دِينِ الْيَهُودِ، قَدْ لَبَّسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ.
وَكَانَ الْمَسِيحُ ﵇ بُعِثَ بِدِينِ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ الْأَنْبِيَاءَ قَبْلَهُ، وَهُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالنَّهْيُ عَنْ عِبَادَةِ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَأَحَلَّ لَهُمْ بَعْضَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ، فَنَسَخَ بَعْضَ شَرْعِ التَّوْرَاةِ.
стр. 285
وَكَانَ الرُّومُ وَالْيُونَانُ وَغَيْرُهُمْ مُشْرِكِينَ يَعْبُدُونَ الْهَيَاكِلَ الْعُلْوِيَّةَ وَالْأَصْنَامَ الْأَرْضِيَّةَ فَبَعَثَ الْمَسِيحُ ﵇ رُسُلَهُ يَدْعُونَهُمْ إِلَى دِينِ اللَّهِ تَعَالَى، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ فِي حَيَاتِهِ فِي الْأَرْضِ، وَبَعْضُهُمْ بَعْدَ رَفْعِهِ إِلَى السَّمَاءِ، فَدَعَوْهُمْ إِلَى دِينِ اللَّهِ تَعَالَى، فَدَخَلَ مَنْ دَخَلَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَأَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ مُدَّةً ثُمَّ زَيَّنَ الشَّيْطَانُ لِمَنْ زَيَّنَ لَهُ أَنْ يُغَيِّرَ دِينَ الْمَسِيحِ فَابْتَدَعُوا دِينًا مُرَكَّبًا مِنْ دِينِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ: دِينَ الْمَسِيحِ ﵇، وَمِنْ دِينِ الْمُشْرِكِينَ.
وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ الْمُجَسَّدَةَ الَّتِي لَهَا ظِلٌّ، وَهَذَا كَانَ دِينَ الرُّومِ وَالْيُونَانِ، وَهُوَ دِينُ الْفَلَاسِفَةِ أَهْلِ مَقْدُونِيَّةَ وَأَثِينَةَ،
следующие страницы →