Полный текст (2 831 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
الْخَطَّابِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ، وَسَمِعُوا أَخْبَارًا مُتَفَرِّقَةً تَتَضَمَّنُ الزُّهْدَ عَنْ مِثْلِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَالْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، وَمَالِكِ بْنِ دِينَارٍ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الزُّهَّادِ، وَسَمِعُوا أَخْبَارًا مُتَفَرِّقَةً تَتَضَمَّنُ مَعْرِفَةَ أَبُقْرَاطَ وَجَالِينُوسَ وَنَحْوِهِمَا بِالطِّبِّ، فَيَحْصُلُ بِمَجْمُوعِ الْأَخْبَارِ عِلْمٌ ضَرُورِيٌّ بِأَنَّ الشَّخْصَ مَوْصُوفٌ بِذَلِكَ النَّعْتِ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنَ الْأَخْبَارِ لَوْ تَجَرَّدَ وَحْدَهُ لَمْ يُفِدِ الْعِلْمَ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنَ الْحِكَايَاتِ لَيْسَتْ وَحْدَهَا مَنْقُولَةً بِالتَّوَاتُرِ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الْعِلْمُ الْقَطْعِيُّ بِالْإِيمَانِ وَالْمَوْتِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَحْصُلُ بِهِ اسْتِقَامَةُ مُوجِبِ الْعِلْمِ الْقَطْعِيِّ كَعِلْمِ النَّاسِ بِأَنَّ خَدِيجَةَ وَعَائِشَةَ وَنَحْوَهُمَا مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّ فَاطِمَةَ وَزَيْنَبَ مِنْ
стр. 2662
بَنَاتِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَنَّ عَائِشَةَ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ تَوَلَّوُا الْخِلَافَةَ بَعْدَهُ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ دُفِنَا فِي حُجْرَتِهِ، وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ وَأَضْعَافُ أَضْعَافِهَا هِيَ أَضْعَافُ أَضْعَافِ مَا يُنْقَلُ عَنِ الْوَاحِدِ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَنَقَلَتُهَا أَجَلُّ وَأَكْثَرُ وَأَفْضَلُ مِنْ نَقَلَةِ أَخْبَارِ هَؤُلَاءِ، وَهِيَ كَامِلَةٌ تَتَضَمَّنُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَجْرِي عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْآيَاتِ الْخَارِقَةِ لِلْعَادَةِ وَالْعَجَائِبِ الْعَظِيمَةِ مَا لَا يُعْرَفُ نَظِيرُهُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَعِلْمُ الْمُسْلِمِينَ بِهَذَا أَعْظَمُ مِنْ عِلْمِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِمَا يَنْقُلُونَهُ مِنْ آيَاتِ مُوسَى وَعِيسَى وَغَيْرِهِمَا، فَإِنَّ نَقَلَةَ آيَاتِ مُحَمَّدٍ ﷺ غَيْرِ الْقُرْآنِ أَضْعَافُ أَضْعَافِ نَقَلَةِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمَا مِنْ أَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ التَّوْرَاةَ لَمْ تَكُنْ جَمِيعُهَا مَحْفُوظَةً لِعُمُومِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمَا يَحْفَظُ الْقُرْآنَ عَامَّةُ الْمُسْلِمِينَ، وَعِنْدَ خَرَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَلَّ مَنْ يَحْفَظُهَا جِدًّا حَتَّى تَنَازَعَ النَّاسُ فِي تَوَاتُرِ نَقْلِهَا
وَكَذَلِكَ الْإِنْجِيلُ نَقَلَتُهُ أَقَلُّ بِكَثِيرٍ مِنْ نَقَلَةِ آيَاتِ مُحَمَّدٍ
стр. 2663
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِذَا قَالَ النَّصَارَى هَؤُلَاءِ كَانُوا صَالِحِينَ، وَكَانَ لَهُمْ آيَاتٌ، كَمَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ آيَاتِ الْحَوَارِيِّينَ فَأَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَتَابِعُوهُمْ صَالِحُونَ، وَلَهُمْ مِنَ الْآيَاتِ أَعْظَمُ مِمَّا لِلْحِوَارِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ، وَفِيهِمْ مَنْ كَانَ يَحْمِلُ الْعَسْكَرَ عَلَى الْمَاءِ، وَمَنْ كَانَ يَشْرَبُ السُّمُومَ الْقَاتِلَةَ، وَمَنْ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى بِدَعْوَتِهِ، وَمَنْ يُكَثِّرُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، وَكُتُبُ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ فِيهَا مِنْ ذَلِكَ أَعْظَمُ مِمَّا عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَهُمْ يَنْقُلُونَ أَخْبَارَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ مِنْ كُتُبٍ عِنْدَهُمْ، مِثْلَ كِتَابِ أَخْبَارِ الْحَوَارِيِّينَ، وَكِتَابِ سِفْرِ الْمُلُوكِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَمَا يَذْكُرُونَ مِنْ حُجَّةٍ فِي صِحَّةِ نَقْلِهَا إِلَّا وَحُجَّةُ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا يَنْقُلُونَهُ عَنْ نَبِيِّهِمْ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِيَنَ أَظْهَرُ وَأَقْوَى.
الطَّرِيقُ الرَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ: هَذِهِ الْآيَاتُ الَّتِي ذَكَرْنَا بَعْضَهَا كَانَتْ تَكُونُ بِمَحْضَرٍ مِنَ الْخَلْقِ الْكَثِيرِ كَتَكْثِيرِ الطَّعَامِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَإِنَّهُ كَانَ أَهْلُ الْخَنْدَقِ رِجَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ أُلُوفًا.
وَكَذَلِكَ نَبْعُ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، وَفَيَضَانُ الْبِئْرِ بِالْمَاءِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَكَانُوا يَوْمَئِذٍ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ، وَكُلُّهُمْ صَالِحُونَ مِنْ أَهْلِ
стр. 2664
الْجَنَّةِ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ كَذِبَةً وَاحِدَةً عَلَى النَّبِيِّ ﷺ .
وَكَذَلِكَ تَكْثِيرُ الْمَاءِ وَالطَّعَامِ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ كَانُوا أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ، وَفِي تَبُوكَ كَانُوا أُلُوفًا مُؤَلَّفَةً، وَكَانَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَ هَذِهِ الْمَشَاهِدَ نَقَلَ هَذِهِ الْآيَاتِ قُدَّامَ آخَرِينَ مِمَّنْ حَضَرَهَا، وَيَنْقُلُهَا لِأَقْوَامٍ فَيَذْهَبُ أُولَئِكَ فَيُخْبِرُونَ بِهَا أُولَئِكَ، وَيُصَدِّقُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيَحْكِي هَذَا مِثْلَ مَا حَكَى هَذَا مِنْ غَيْرِ تَوَاطُئٍ وَتَشَاعُرٍ، وَأَدْنَى أَحْوَالِهِ أَنْ يُقِرَّهُ وَلَا يُنْكِرَ عَلَيْهِ رِوَايَتَهَا، وَنَحْنُ نَعْلَمُ بِمُوجِبِ الْعَادَةِ الْفِطْرِيَّةِ الَّتِي جَبَلَ اللَّهُ عَلَيْهَا عِبَادَهُ، وَبِمُوجِبِ مَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ مِنَ اعْتِقَادِ الصِّدْقِ وَتَحَرِّيهِ، وَاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ، وَمِنْ شِدَّةِ تَوَقِّيهِمُ الْكَذِبَ عَلَى نَبِيِّهِمْ، وَتَعْظِيمِهِمْ ذَلِكَ، إِذْ قَدْ تَوَاتَرَ عِنْدَهُمْ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»
فَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يُقِرُّونَ مَنْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ يَكْذِبُ عَلَيْهِ، وَمَنْ أَخْبَرَ عَنْهُ بِمَا كَانُوا مُشَاهِدِينَ لَهُ، وَكَذَبَ عَلَيْهِ فَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ كَذَبَ
стр. 2665
عَلَيْهِ، فَلَمَّا اتَّفَقُوا عَلَى الْإِقْرَارِ عَلَى ذَلِكَ، وَعَلَى تَنَاقُلِهِ بَيْنَهُمْ مِنْ غَيْرِ إِنْكَارِ أَحَدٍ مِنْهُمْ لِذَلِكَ عُلِمَ قَطْعًا أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا مُتَّفِقِينَ عَلَى نَقْلِ ذَلِكَ كَمَا هُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى نَقْلِ الْقُرْآنِ وَالشَّرِيعَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَإِنْ كَانَ جُمْهُورُهُمْ لَيْسَ مُنْتَصِبًا لِتَلْقِينِ الْقُرْآنِ، بَلْ هَذَا يُلَقِّنُهُ وَهَذَا يَسْمَعُهُ مِنْ هَذَا الْمُتَلَقِّنِ، لَا يُنْكِرُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ الْقِرَاءَةَ، وَهَذَا يُعَلِّمُ هَذَا الصَّلَاةَ: أَنَّ الظُّهْرَ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، وَالْمَغْرِبَ ثَلَاثًا، وَالْفَجْرَ رَكْعَتَانِ، وَهَذَا يُقِرُّ هَذَا، فَلَمَّا كَانَ بَعْضُهُمْ يُقِرُّ بَعْضًا عَلَى نَقْلِ ذَلِكَ عُلِمَ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى نَقْلِ ذَلِكَ، وَهَذَا غَايَةُ التَّوَاتُرِ.
وَكَذَلِكَ مَا نَقَلُوهُ مِنْ شَرَائِعِهِ وَمِنْ آيَاتِهِ وَبَرَاهِينِهِ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ مَا أَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ رَدَّهُ عَلَى الْآخَرِ وَلَمْ يُوَافِقْهُ، وَإِنْ كَانُوا مُتَأَخِّرِينَ عَنْ زَمَنِ الصَّحَابَةِ فَكَيْفَ بِالْمُتَقَدِّمِينَ، كَتَنَازُعِهِمْ هَلْ كَانَ يَجْهَرُ بِالْبَسْمَلَةِ أَمْ لَا يَجْهَرُ بِهَا؟ وَهَلْ كَانَ يُدَاوِمُ عَلَى الْقُنُوتِ فِي الْفَجْرِ أَمْ كَانَ يَقْنُتُ أَحْيَانًا لِلنَّوَازِلِ، أَمْ قَنَتَ مَرَّةً ثُمَّ تَرَكَهُ، فَهَذَا مِنْ أَهْوَنِ الْأُمُورِ وَأَيْسَرِهَا، إِذْ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ مَنْ قَنَتَ، وَعَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ مَنْ لَمْ يَقْنُتْ، وَمَنْ جَهَرَ، وَمَنْ خَافَتْ، وَلَكِنْ لَمَّا تَنَازَعُوا فِيمَا فَعَلَهُ الرَّسُولُ تَنَازَعُوا فِي الْحُكْمِ، فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ مَا كَانَ مَشْهُورًا فِي الْأُمَّةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَائِهَا كَانَتِ الْأُمَّةُ مُتَّفِقَةً عَلَى نَقْلِهِ كَنَقْلِهِمْ لِلْقُرْآنِ، وَلِلشَّرَائِعِ الظَّاهِرَةِ
стр. 2666
الْمَشْهُورَةِ، وَإِنَّ نَقْلَ ذَلِكَ أَعْظَمُ مِنْ نَقْلِ سَائِرِ أَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْمُلُوكِ وَالزُّهَّادِ
وَكَذَلِكَ حَجُّهُ، فَإِنَّهُمْ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى مَا تَوَاتَرَ عَنْهُ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَحُجَّ بَعْدَ الْهِجْرَةِ إِلَّا حَجَّةً وَاحِدَةً، وَهِيَ الَّتِي تُسَمَّى حَجَّةُ الْوَدَاعِ، وَإِنَّمَا عَاشَ بَعْدَهَا نَحْوًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَأَنَّهُ لَمَّا حَجَّ أَمَرَ أَصْحَابَهُ كُلَّهُمْ إِلَّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ مِنْهُمْ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَنْ يَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَعْتَمِرْ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ حَجُّوا مَعَهُ بَعْدَ الْحَجِّ إِلَّا عَائِشَةُ وَحْدَهَا، وَأَنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ لَمْ يَحِلَّ مِنْ حَجَّتِهِ، وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ سَاقَ الْهَدْيَ مَعَهُ، وَإِنَّمَا اشْتَبَهَ عَلَى بَعْضِهِمْ بَعْضُ أَلْفَاظِهِ أَوْ بَعْضُ الْأُمُورِ الَّتِي تَخْفَى عَلَى أَكْثَرِ النَّاسِ، وَكَانَ الصَّحَابَةُ يَنْقُلُونَ تَمَتُّعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمُرَادُهُمْ بِالتَّمَتُّعِ أَنَّهُ قَرَنَ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ، فَظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّهُ أَخَّرَ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ إِلَى أَنْ قَضَى الْعُمْرَةَ، وَقَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ: إِنَّهُ أَفْرَدَ بِالْحَجِّ، فَظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ حَجَّ، وَاعْتَمَرَ بَعْدَ الْحَجِّ، وَهَذَا لَمْ يَنْقُلْهُ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، بَلِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْتَمِرْ بَعْدَ الْحَجِّ، وَرَوَى بَعْضُ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ قَرَنَ، فَظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ طَافَ طَوَافَيْنِ، وَسَعَى سَعْيَيْنِ، وَهَذَا لَمْ يَنْقُلْهُ أَحَدٌ عَنْهُ، وَكَانَ مِنْ أَسْبَابِ غَلَطِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَعْمِلُونَ تِلْكَ الْأَلْفَاظَ فِي مَعَانٍ غَيْرَ مَا اسْتَعْمَلَتْهُ فِيهَا الصَّحَابَةُ، فَغَلِطَ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى بَعْضِ الصَّحَابَةِ، وَأَمَّا مَا فَعَلَهُ فِي الْحَجِّ مَشْهُورًا فَهُوَ
стр. 2667
مُتَوَاتِرٌ لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ النَّقْلُ، وَلَا عُلَمَاءُ النَّقْلِ، وَمَنْ تَدَبَّرُ هَذِهِ الطَّرِيقَ أَفَادَتْهُ عِلْمًا يَقِينِيًّا قَطْعِيًّا بِصِحَّةِ هَذِهِ الْآيَاتِ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَكَذَلِكَ الطُّرُقُ الْمُتَقَدِّمَةُ فَإِنَّا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَا كَانَ النَّاسُ أَحْوَجَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ يَسَّرَ اللَّهُ دَلَائِلَهُ لِلنَّاسِ أَعْظَمَ مِنْ تَيْسِيرِ غَيْرِهِ، وَحَاجَةُ الْخَلْقِ إِلَى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ أَشَدُّ مِنْ حَاجَتِهِمْ إِلَى جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، إِذْ بِذَلِكَ تَحْصُلُ سَعَادَتُهُمْ فِي الْآخِرَةِ، وَنَجَاتُهُمْ مِنَ الْعَذَابِ، وَبِهِ يَحْصُلُ صَلَاحُ الْعِبَادِ فِي الْمَعَادِ وَالْمَعَاشِ
الطَّرِيقُ الْخَامِسُ: أَنَّ مَا مِنْ صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ الْعُلَمَاءِ إِلَّا وَقَدْ تَوَاتَرَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ، فَكُتُبُ التَّفْسِيرِ مَشْحُونَةٌ بِذِكْرِ الْآيَاتِ مُتَوَاتِرٌ ذَلِكَ فِيهَا، وَكُتُبُ الْحَدِيثِ مَشْحُونَةٌ بِذِكْرِ الْآيَاتِ مُتَوَاتِرٌ ذَلِكَ فِيهَا، وَكُتُبُ السِّيَرِ وَالْمَغَازِي وَالتَّوَارِيخِ مَشْحُونَةٌ بِذِكْرِ الْآيَاتِ مُتَوَاتِرٌ ذَلِكَ فِيهَا، وَكُتُبُ الْفِقْهِ مَشْحُونَةٌ بِذِكْرِ الْآيَاتِ مُتَوَاتِرٌ ذَلِكَ فِيهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا مَقْصُودًا مِنْهَا، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ الْأَحْكَامُ لَكِنَّهُمْ فِي ضِمْنِ مَا يَرْوُونَهُ مِنَ الْأَحْكَامِ يَرْوُونَ فِيهَا مِنَ الْآيَاتِ مَا هُوَ مُتَوَاتِرٌ عِنْدَهُمْ، وَكُتُبُ الْأُصُولِ وَالْكَلَامِ مَشْحُونَةٌ بِذِكْرِ الْآيَاتِ مُتَوَاتِرٌ ذَلِكَ فِيهَا، وَنَقْلُ كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْ هَذِهِ الطَّوَائِفِ يُفِيدُ الْعِلْمَ الْيَقِينِيَّ، فَكَيْفَ بِمَا يَنْقُلُهُ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْ هَذِهِ الطَّوَائِفِ، وَهَذِهِ الطَّرِيقُ وَغَيْرُهَا مِثْلَ طَرِيقِ الْإِقْرَارِ وَالتَّصْدِيقِ، وَطَرِيقِ التَّوَاتُرِ الْمَعْنَوِيِّ، وَطَرِيقِ تَصْدِيقِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ بِهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ، يُسْتَدَلُّ بِهَا تَارَةً عَلَى تَوَاتُرِ الْجِنْسِ الْعَامِّ لِلْآيَاتِ الْخَارِقَةِ لِلْعَادَةِ، وَهَذَا أَقَلُّ مَا يَكُونُ، وَيُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى تَوَاتُرِ جِنْسِ جِنْسٍ مِنْهَا، كَتَوَاتُرِ تَكْثِيرِ الطَّعَامِ، وَتَوَاتُرِ تَكْثِيرِ الطَّهُورِ
стр. 2668
وَالشَّرَابِ، وَعَلَى تَوَاتُرِ نَوْعِ نَوْعٍ مِنْهَا، كَتَوَاتُرِ نَبْعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، وَتَوَاتُرِ إِشْبَاعِ الْخَلْقِ الْعَظِيمِ مِنَ الطَّعَامِ الْقَلِيلِ، وَتَوَاتُرِ شَخْصِ شَخْصٍ مِنْهَا، كَتَوَاتُرِ حَنِينِ الْجِذْعِ إِلَيْهِ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ، وَكُلَّمَا أَمْعَنَ الْإِنْسَانُ فِي ذَلِكَ النَّظَرَ، وَاعْتَبَرَ ذَلِكَ بِأَمْثَالِهِ، وَاعْتَبَرَ وَأَعْطَاهُ حَقَّهُ مِنَ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ ازْدَادَ بِذَلِكَ عِلْمًا وَيَقِينًا، وَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْعِلْمَ بِذَلِكَ أَظْهَرُ مِنْ جَمِيعِ مَا يَطْلُبُ مِنَ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ، فَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا عِلْمٌ مَطْلُوبٌ بِالْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ إِلَّا وَالْعِلْمُ بِآيَاتِ الرَّسُولِ وَشَرَائِعِ دِينِهِ أَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَمَا مِنْ حَالِ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُلُوكِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْمَشَايِخِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَسِيرَتِهِ إِلَّا وَالْعِلْمُ بِأَحْوَالِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَظْهَرُ مِنَ الْعِلْمِ بِهِ، وَمَا مِنْ عِلْمٍ يُعْلَمُ بِالتَّوَاتُرِ مِمَّا هُوَ مَوْجُودٌ الْآنَ كَالْعِلْمِ بِالْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ كَعِلْمِ أَهْلِ الشَّامِ بِالْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ وَالْهِنْدِ وَالصِّينِ وَالْأَنْدَلُسِ، وَعِلْمِ أَهْلِ الْمَغْرِبِ بِالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ وَالْهِنْدِ، وَعِلْمِ أَهْلِ خُرَاسَانَ بِالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَمِصْرَ، وَعِلْمِ أَهْلِ الْهِنْدِ بِالْعِرَاقِ وَالشَّامِ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ مِنْ عِلْمِ أَهْلِ الْبِلَادِ بَعْضِهِمْ بِحَالِ بَعْضٍ إِلَّا وَعِلْمُ الْإِنْسَانِ بِحَالِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ، وَمَا يَنْقُلُونَهُ عَنْ نَبِيِّهِمْ مِنْ آيَاتِهِ وَشَرَائِعِهِ أَظْهَرُ مِنْ عِلْمِهِ بِهَذَا كُلِّهِ.
وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْوُجُودِ أَمْرٌ يُعْلَمُ بِالنُّقُولِ الْمُتَوَاتِرَةِ إِلَّا وَآيَاتُ الرَّسُولِ وَشَرَائِعُهُ تُعْلَمُ بِالنُّقُولِ الْمُتَوَاتِرَةِ أَعْظَمَ مِمَّا يُعْلَمُ ذَلِكَ
стр. 2669
الْأَمْرُ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨]
وَظُهُورُهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ بِالْعِلْمِ وَالْحُجَّةِ وَالْبَيَانِ إِنَّمَا هُوَ بِمَا يُظْهِرُهُ مِنْ آيَاتِهِ وَبَرَاهِينِهِ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَتِمُّ بِالْعِلْمِ بِمَا يُنْقَلُ عَنْ مُحَمَّدٍ مِنْ آيَاتِهِ الَّتِي هِيَ الْأَدِلَّةُ، وَشَرَائِعِهِ الَّتِي هِيَ الْمَدْلُولُ الْمَقْصُودُ بِالْأَدِلَّةِ، فَهَذَا قَدْ أَظْهَرَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَحُجَّةً وَبَيَانًا عَلَى كُلِّ دِينٍ، كَمَا أَظْهَرَهُ قُوَّةً وَنَصْرًا وَتَأْيِيدًا عَلَى كُلِّ دِينٍ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
كَمَا أَنَّهُ مَا مِنْ دَلِيلٍ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى مَدْلُولٍ إِلَّا وَالْأَدِلَّةُ عَلَى آيَاتِ الرَّبِّ أَكْبَرُ وَأَكْثَرُ.
الطَّرِيقُ السَّادِسُ: أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ صَنَّفُوا مُصَنَّفَاتٍ كَثِيرَةً فِي ذِكْرِ آيَاتِهِ وَبَرَاهِينِهِ الْمَنْقُولَةِ فِي الْأَخْبَارِ، وَجَرَّدُوا لِذَلِكَ كُتُبًا مِثْلَ كِتَابِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ لِلْفَقِيهِ الْحَافِظِ أَبِي بَكْرٍ الْبَيْهَقِيِّ، وَقَبْلَهُ دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ
стр. 2670
لِلشَّيْخِ أَبِي نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيِّ، وَقَبْلَهُ دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ لِأَبِي الشَّيْخِ الْأَصْبَهَانِيِّ، وَلِأَبِي الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيِّ، وَقَبْلَهُمَا دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ لِلْإِمَامِ الْحَافِظِ أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ، وَالشَّيْخِ الْمُصَنِّفِ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا، وَلِلْمُصَنِّفِ الْحَافِظِ الْإِمَامِ أَبِي إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ
стр. 2671
الْحَرْبِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ جَعْفَرٍ الْفِرْيَابِيِّ، وَمَا صَنَّفَهُ الشَّيْخُ الْعَالِمُ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالْوَفَا فِي فَضَائِلِ الْمُصْطَفَى، وَمَا صَنَّفَهُ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَقْدِسِيُّ مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ، وَهَؤُلَاءِ وَغَيْرُهُمْ يَذْكُرُونَ مَا يَذْكُرُونَ مِنَ الْأَسَانِيدِ الْمَعْرُوفَةِ، وَالطُّرُقِ الْمُتَعَدِّدَةِ الْكَثِيرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ.
وَهَؤُلَاءِ مِنْهُمْ مَنْ يُمَيِّزُ مَا يَذْكُرُهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ بَيْنَ مَا فِي صَحِيحَيِ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ، وَمَا فِي غَيْرِهِمَا، وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا
стр. 2672
أَيْضًا كَالْبَيْهَقِيِّ، وَابْنِ الْجَوْزِيِّ، وَالْمَقْدِسِيِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَذْكُرُ ذَلِكَ جَمِيعَهُ بِأَسَانِيدِهِ، وَقَدْ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْأَسَانِيدِ وَالطُّرُقِ وَيَذْكُرُ تَعَدُّدَهَا مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ مِنْهُ أَنْ يَذْكُرَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ كَأَبِي زُرْعَةَ شَيْخِ مُسْلِمٍ، وَأَبِي الشَّيْخِ، وَأَبِي نُعَيْمٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَآخَرُونَ يَذْكُرُونَهُ مَعْزُوًّا مُسْنَدًا إِلَى مَنْ رَوَاهُ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرُوا إِسْنَادَهُ كَمَا يَفْعَلُهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ السَّبْتِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالشِّفَا بِتَعْرِيفِ حُقُوقِ الْمُصْطَفَى، وَمِنْهُمْ مَنْ يُقَرِّرُ ذَلِكَ بِشُهْرَةِ ذَلِكَ وَطُرُقٍ أُخْرَى مِنْ صِحَّتِهِ كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنَ النُّظَّارِ كَالْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ
стр. 2673
وَالْجَاحِظِ، وَالْمَاوَرْدِيِّ الْقَاضِي، وَسُلَيْمٍ الرَّازِيِّ الْفَقِيهِ، وَغَيْرِهِمْ، وَهَذِهِ الْكُتُبُ فِيهَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِآيَاتِ نُبُوَّتِهِ وَبَرَاهِينِ رِسَالَتِهِ أَضْعَافُ أَضْعَافِ الْأَحَادِيثِ الْمَأْثُورَةِ فِيمَا هُوَ مُتَوَاتِرٌ عَنْهُ مِثْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَعُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَصَدِّ الْمُشْرِكِينَ لَهُ، وَمُصَالَحَتِهِ
стр. 2674
إِيَّاهُمْ، وَحِلِّهِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَرُجُوعِهِمْ ذَلِكَ الْعَامَ، وَفَتْحِ خَيْبَرَ، وَعُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ، وَعُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ.
وَمِثْلَ حِصَارِهِ لِأَهْلِ الطَّائِفِ، وَفَتْحِ مَكَّةَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَمِثْلَ غَزْوِهِ النَّصَارَى عَامَ تَبُوكَ، وَإِرْسَالِهِ جَيْشًا لِغَزْوِهِمْ بِمُؤْتَةَ مِنْ مَشَارِفِ الشَّامِ قَرِيبًا مِنَ الْحِصْنِ الْمُسَمَّى بِالْكَرَكِ، وَمِثْلِ
стр. 2675
غَزْوِهِ لِلْيَهُودِ بِخَيْبَرَ، وَغَزْوِهِ لِلْيَهُودِ قَبْلَ ذَلِكَ لِمَنْ كَانَ عِنْدَ الْمَدِينَةِ مِثْلَ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَالنَّضِيرِ، وَقُرَيْظَةَ، وَمِثْلَ إِرْسَالِهِ أَبَا بَكْرٍ أَمِيرًا عَلَى الْحَجِّ سَنَةَ تِسْعٍ، وَنَبْذِهِ الْعُهُودَ، وَمُنَادَاتِهِ أَنْ «لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» ، وَمِثْلَ هِجْرَتِهِ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعَامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ وَرَجُلٍ ثَالِثٍ كَانَ دَلِيلًا لَهُمْ.
وَمِثْلَ مَا تَوَاتَرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِالْمُسْلِمِينَ فِي الْعِيدَيْنِ بِالْمُصَلَّى خَارِجِ الْمَدِينَةِ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي الْعِيدَ فِي مَسْجِدِهِ إِلَّا مَرَّةً نُقِلَ أَنَّهُ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ لِأَجْلِ الْمَطَرِ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِهِ يُصَلِّي أَحَدٌ بِالْمَدِينَةِ صَلَاةَ الْعِيدِ إِلَّا خَلْفَهُ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي صَلَاتَيْ عِيدٍ عَلَى عَهْدِهِ وَعَهْدِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَأَوَّلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لَمَّا كَثُرَ النَّاسُ وَضَعُفَ أَقْوَامٌ عَنِ الْخُرُوجِ إِلَى الصَّحْرَاءِ اسْتَخْلَفَ مَنْ يُصَلِّي
стр. 2676
بِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ.
وَكَمَا تَوَاتَرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ لَا يُؤَذَّنُ لَهَا إِلَّا إِذَا قَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَكَذَلِكَ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَلَمَّا كَانَ فِي أَثْنَاءِ خِلَافَةِ عُثْمَانَ كَثُرَ النَّاسُ فَأَمَرَ بِالنِّدَاءِ الثَّالِثِ عَلَى دَارٍ قَرِيبَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ يُقَالُ لَهَا الزَّوْرَاءُ، وَكَمَا تَوَاتَرَ أَنَّ مَسْجِدَهُ كَانَ بِاللَّبِنِ، وَسَقْفَهُ كَانَ مِنْ جُذُوعِ النَّخْلِ، وَكَانَتْ حُجَرُ أَزْوَاجِهِ قِبْلِيِّ الْمَسْجِدِ وَشَرْقِيِّهِ فَلَمَّا كَثُرَ النَّاسُ زَادَ فِيهِ عُمَرُ ثُمَّ زَادَ فِيهِ عُثْمَانُ، وَبَنَاهُ بِالْقَصَّةِ وَالْحِجَارَةِ، ثُمَّ فِي إِمَارَةِ الْوَلِيدِ أَمَرَ نَائِبَهُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنْ يَشْتَرِيَ الْحُجَرَ وَيَزِيدَهَا فِي الْمَسْجِدِ، فَدَخَلَتْ حُجْرَةُ عَائِشَةَ الَّتِي دُفِنَ فِيهَا هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ حِينِئِذٍ، وَإِنَّمَا كَانَتْ فِي حَيَاتِهِ خَارِجَةً عَنِ الْمَسْجِدِ إِلَى سَنَةِ إِحْدَى وَتِسْعِينَ، وَقَالَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ:
стр. 2677
«لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا. قَالَتْ عَائِشَةُ: وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ، وَلَكِنْ كَرِهَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا» .
وَكَمَا تَوَاتَرَ عَنْهُ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَوَقْتَ غُرُوبِهَا، وَتَوَاتَرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُضَحِّي فِي عِيدِ الْأَضْحَى، بَلْ تَوَاتَرَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِأَحْوَالِهِ تُرُوكُهُ الْمَشْهُورَةُ كَمَا تَوَاتَرَتْ أَفْعَالُهُ الْمَشْهُورَةُ، فَتَوَاتَرَ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُؤَذِّنُ لِلْعِيدَيْنِ، وَلَا الْكُسُوفِ، وَلَا الِاسْتِسْقَاءِ، وَأَنَّهُ صَلَّى الْكُسُوفَ بِرُكُوعَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ صَلَاةٌ طَوِيلَةٌ، وَتَوَاتَرَ عَنْهُ كَانَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الطَّوَافِ، وَلَمْ يَكُنْ يُصَلِّي بَعْدَ السَّعْيِ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رَكْعَتَيْنِ، وَتَوَاتَرَ أَنَّهُ كَانَ يُوَاصِلُ، وَنَهَى
стр. 2678
أَصْحَابَهُ عَنِ الْوِصَالِ، وَيَقُولُ: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْأَتِكُمْ، إِنِّي أَبِيتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي» وَأَنَّهُ لَمْ يَفْرِضْ صَوْمًا إِلَّا صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَلَمْ يَفْرِضِ الْحَجَّ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ إِلَّا مَرَّةً، وَأَنَّهُ فَرَضَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ عَلَى كُلِّ بَالِغٍ عَاقِلٍ إِلَّا الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ، وَأَنَّهُ مَنَعَ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ مِنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَكَانَ الْحُيَّضُ يُؤْمَرْنَ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا يُؤْمَرْنَ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ.
وَأَنَّهُ أَمَرَ بِالِاغْتِسَالِ مِنَ الْجَنَابَةِ لِلصَّلَاةِ، وَأَمَرَ بِالْوُضُوءِ عِنْدَ الصَّلَاةِ لِمَنْ بَالَ أَوْ تَغَوَّطَ أَوْ خَرَجَ مِنْهُ رِيحٌ أَوْ مَذْيٌ، وَأَنَّهُ رَخَّصَ فِي الِاسْتِجْمَارِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، وَنَهَى عَنِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ، وَنَهَى عَنِ الِاسْتِجْمَارِ بِالْعَظْمِ وَالْبَعْرِ، وَقَالَ: " «إِنَّهَا زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ» " وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجْمَعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى سَمَاعِ كَفٍّ، وَلَا دُفٍّ، وَلَا رَقْصٍ
стр. 2679
وَلَا صَعْقٍ، لَا هُوَ وَلَا أَصْحَابُهُ عِنْدَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ، بَلْ كَانُوا تَوْجَلُ قُلُوبُهُمْ، وَتَقْشَعِرُّ جُلُودُهُمْ، وَتَدْمَعُ عُيُونُهُمْ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِهِ وَعَهْدِ خُلَفَائِهِ تُعَادُ امْرَأَةٌ مُطَلَّقَةٌ إِلَى زَوْجِهَا بِنِكَاحٍ يُقْصَدُ بِهِ التَّحْلِيلُ، بَلْ لَعَنَ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ لِأَنَّ ذَلِكَ رُبَّمَا فُعِلَ سِرًّا.
وَأَنَّهُ أَمَرَ بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَتَشْيِيعِ الْجَنَازَةِ، وَإِفْشَاءِ السَّلَامِ، وَإِجَابَةِ الدَّعْوَةِ، وَأَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى الْمَيِّتِ وَيُكَبِّرُ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ، وَقَدْ كَانَ أَحْيَانًا يُكَبِّرُ خَمْسًا وَسَبْعًا، وَأَمَرَ بِتَغْسِيلِ الْمَيِّتِ وَتَكْفِينِهِ، وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَدَفْنِهِ، وَأَنَّهُ حَرَّمَ كُلَّ مُسْكِرٍ، وَحَرَّمَ بَيْعَ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ، وَالدِّينَارِ بِالدِّينَارَيْنِ، وَالصَّاعِ بِالصَّاعَيْنِ مِنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، وَأَنَّهُ أَمَرَ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ لَمَّا كَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقْتَاتُونَ التَّمْرَ وَالشَّعِيرَ، وَأَنَّهُ أَبَاحَ الدَّوَاءَ وَقَالَ: " «تَدَاوُوا عِبَادَ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ دَاءٌ إِلَّا أُنْزِلَ لَهُ دَوَاءٌ إِلَّا السَّامُ» " وَالسَّامُ
стр. 2680
الْمَوْتُ، وَأَنَّهُ كَانَ يَتَدَاوَى بِالْحِجَامَةِ وَغَيْرِهَا
وَكَذَلِكَ مَا تَوَاتَرَ عَنْهُ مِنْ أَحَادِيثَ سِوَى مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ صِفَةِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَذِكْرِ الْعَرْشِ وَالْمَلَائِكَةِ، وَالْجِنِّ، وَإِرْسَالِهِ إِلَى الثَّقَلَيْنِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، وَصِفَاتِهِ، وَمَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ فِتْنَةِ الْإِنْسَانِ فِي قَبْرِهِ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَنَعِيمِهِ، وَمِنْ دُخُولِ مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِهِ، وَخُرُوجِهِمْ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَتِهِ، وَشَفَاعَةِ غَيْرِهِ، وَمِنْ ذِكْرِ حَوْضِهِ، وَمَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ رُؤْيَةِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمُحَاسَبَةِ اللَّهِ لِلْعِبَادِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَمَا تَوَاتَرَ عَنْهُ مِنْ أَنَّهُ كَانَ يُرْسِلُ رُسُلًا إِلَى الْمُلُوكِ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ، كَمَا أَرْسَلَ إِلَى مُلُوكِ الْيَمَنِ، وَإِلَى مُلُوكِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْعِرَاقِ، وَإِلَى مُلُوكِ الْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ بَعْدَ مَا حَارَبَ الْيَهُودَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَمَا تَوَاتَرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَرْكَبُ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ، وَأَنَّهُ رَجَمَ الزَّانِي الْمُحْصَنَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَقَطَعَ يَدَ السَّارِقِ، وَجَلَدَ شَارِبَ الْخَمْرِ، وَأَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ الرُّبَاعِيَّةَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، وَأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ، وَفِي مُزْدَلِفَةَ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ، وَأَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، وَأَمَرَ
стр. 2681
الْمُسْلِمِينَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَنْ يَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِهِمْ، وَيَجْعَلُوهَا عُمْرَةً إِلَّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَإِنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يَبْقَى عَلَى إِحْرَامِهِ، وَأَنَّهُ هُوَ لَمْ يَحِلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ، وَلَا اعْتَمَرَ بَعْدَ الْحَجِّ لَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ حَجَّ مَعَهُ إِلَّا عَائِشَةَ لِكَوْنِهَا كَانَتْ حَائِضًا، وَأَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ فُرِضَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ فَصَامَ تِسْعَ رَمَضَانَاتٍ.
وَأَنَّهُ كَانَ لَهُ أَرْبَعُ بَنَاتٍ وَثَلَاثَةُ بَنِينَ، وَكَانَ يُكَنَّى بِأَكْبَرِ أَوْلَادِهِ الْقَاسِمِ فَيُدْعَى أَبَا الْقَاسِمِ، وَأَنَّهُ تَزَوَّجَ بِنْتَيْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَزَوَّجَ عُثْمَانَ ابْنَتَيْهِ، وَزَوَّجَ عَلِيًّا بِنْتًا، وَأَنَّهُ آمَنَ بِهِ مِنْ أَعْمَامِهِ حَمْزَةُ وَالْعَبَّاسُ، وَلَمْ يُؤْمِنْ أَبُو لَهَبٍ وَلَا أَبُو طَالِبٍ مَعَ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ كَانَ يَحُوطُهُ، وَيَذُبُّ عَنْهُ، وَأَنَّهُ اسْتَخْلَفَ أَبَا بَكْرٍ لِيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ لَمَّا مَرِضَ وَثَقُلَ عَنِ الصَّلَاةِ لَمْ يُصِلِّ أَحَدٌ بِإِذْنِهِ مَعَ حُضُورِهِ غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ فِي مَرَضِهِ، وَلَمَّا ذَهَبَ لِيُصْلِحَ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَأَنَّهُ كَانَ مِنْ خَوَاصِّ أَصْحَابِهِ الْعَشَرَةُ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَسَعْدُ بْنُ
стр. 2682
أَبِي وَقَّاصٍ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَغَيْرُ هَؤُلَاءِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَأَبِي طَلْحَةَ، وَأَبِي أَيُّوبَ، وَأُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ، وَأَضْعَافِ هَؤُلَاءِ، وَأَنَّهُ بَايَعَهُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةٍ، وَهُمُ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]
وَأَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ بَنَى مَسْجِدَهُ، وَكَانَ فِي شَمَالِيِّهِ صُفَّةٌ يَنْزِلُهَا الْعَزْبَاءُ، وَأَنَّ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ كُلَّهُمْ أَسْلَمُوا طَوْعًا بِلَا رَغْبَةٍ وَلَا
стр. 2683
رَهْبَةٍ، وَأَنَّ الْمُهَاجِرِينَ آذَاهُمُ الْكُفَّارُ إِيذَاءً عَظِيمًا حَتَّى هَاجَرَ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ إِلَى الْحَبَشَةِ عِنْدَ النَّجَاشِيِّ، وَأَنَّ النَّجَاشِيَّ آمَنَ بِهِ، وَأَنَّهُ لَمَّا مَاتَ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَوْتِهِ يَوْمَ مَاتَ، وَأَنَّهُ صَلَّى عَلَيْهِ بِأَصْحَابِهِ فِي الْمُصَلَّى كَمَا يُصَلِّي عَلَى الْمَيِّتِ الْحَاضِرِ
وَأَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَيَخْطُبُ فِي الْعِيدِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَكَانَ يُؤَذِّنُ لِلْجُمُعَةِ وَلِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَلَا يُؤَذِّنُ لِلْعِيدَيْنِ، وَلَا غَيْرِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَأَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ لَهُ بِالْمَدِينَةِ هُوَ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى، وَكَانَ سَعْدُ الْقَرَظِ يُؤَذِّنُ لِأَهْلِ قِبَاءَ، وَأَبُو مَحْذُورَةَ يُؤَذِّنُ لِأَهْلِ مَكَّةَ، وَكَمَا تَوَاتَرَ عَنْهُ وَعَنْ خُلَفَائِهِ أَنَّهُمْ
стр. 2684
لَمْ يَكُونُوا بِمِنًى يُصَلُّونَ صَلَاةَ عِيدٍ بَلْ يَرْمُونَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، وَيَنْحَرُونَ كَمَا أَمَرَ أَهْلَ الْأَمْصَارِ أَنْ يُصَلُّوا ثُمَّ يَنْحَرُوا، إِلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْأُمُورِ مِمَّا هُوَ مُتَوَاتِرٌ عِنْدَ كُلِّ مَنْ كَانَ عَالِمًا بِأَحْوَالِهِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُتَوَاتِرٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْأُمَّةِ.
وَمِنْهَا مَا هُوَ مُتَوَاتِرٌ عِنْدَ جُمْهُورِهَا، وَلَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ إِلَّا وَتَوَاتَرَتْ آيَاتُهُ وَبَرَاهِينُهُ صَلَّى اللَّهُ فِيهَا عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي لَمْ تُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ أَعْظَمَ مِنْ تَوَاتُرِ هَذِهِ الْأُمُورِ، وَالْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ فِي آيَاتِهِ وَبَرَاهِينِهِ الْخَارِجَةِ عَنِ الْقُرْآنِ فِيهَا مِنَ الْأَحَادِيثِ أَضْعَافُ أَضْعَافِ مَا يُوجَدُ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ، بَلْ فِي كُلِّ صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ آيَاتِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ أَضْعَافُ مَا يُوجَدُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ كَتَوَاتُرِ إِخْبَارِهِ بِالْغُيُوبِ الْمُسْتَقْبَلَةِ، وَتَوَاتُرِ تَكْثِيرِهِ لِلطَّعَامِ وَالشَّرَابِ مَرَّاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَتَكْثِيرِهِ الطَّهُورَ إِمَّا بِنَبْعِ الْمَاءِ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَإِمَّا بِفَيَضَانِ الْيَنْبُوعِ الَّذِي يَضَعُ فِيهِ بَعْضَ آثَارِهِ، وَإِمَّا
стр. 2685
بِفَيَضَانِ الْمَاءِ مِنَ الْوِعَاءِ الَّذِي بَرَّكَ فِيهِ، وَالْمَاءُ بَاقٍ بِحَالِهِ لَمْ يَنْقُصْ.
فَالْأَحَادِيثُ الْمُتَوَاتِرَةُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ أَكْثَرُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْأُمُورِ الَّتِي هِيَ مُتَوَاتِرَةٌ، وَلِهَذَا كَانَ شُهْرَةُ هَذِهِ الْأُمُورِ فِي الْأُمَّةِ وَفِي أَهْلِ الْعِلْمِ بِأَحْوَالِهِ أَعْظَمَ مِنْ شُهْرَةِ كَثِيرٍ مِنْ تِلْكَ الْأُمُورِ، وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ تَوَاتُرَ آيَاتِهِ الْمُسْتَفِيضَةِ فِي الْأَحَادِيثِ أَعْظَمُ مِنْ تَوَاتُرِ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ هِيَ مُتَوَاتِرَةٌ عِنْدَ الْأُمَّةِ أَوْ عِنْدَ عُلَمَائِهَا وَعُلَمَاءِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَهَذَا غَيْرُ الْآيَاتِ وَالْبَرَاهِينِ الْمُسْتَفَادَةِ بِالْقُرْآنِ فَإِنَّ تِلْكَ قَدْ تَجَرَّدَ لَهَا طَوَائِفُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ذَكَرُوا مِنْ أَنْوَاعِهَا وَصِفَاتِهَا مَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ حَتَّى بَيَّنُوا أَنَّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْآيَاتِ يَزِيدُ عَلَى عَشَرَاتِ أُلُوفٍ مِنَ الْآيَاتِ، وَهَذَا غَيْرُ مَا فِي كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْإِخْبَارِ بِهِ
وَهَذِهِ الْأَجْنَاسُ الثَّلَاثَةُ غَيْرُ مَا فِي شَرِيعَتِهِ الَّتِي بُعِثَ بِهَا، وَغَيْرُ صِفَاتِ أُمَّتِهِ، وَغَيْرُ مَا يَدُلُّ مِنَ الْمَعْرِفَةِ بِسِيرَتِهِ وَأَخْلَاقِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَحْوَالِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ غَيْرُ نَصْرِ اللَّهِ وَإِكْرَامِهِ لِمَنْ آمَنَ بِهِ، وَعُقُوبَتِهِ وَانْتِقَامِهِ مِمَّنْ كَفَرَ بِهِ كَمَا فَعَلَ بِالْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ فَإِنَّ تَعْدَادَ أَعْيَانِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ
стр. 2686
مِمَّا لَا يُمْكِنُ بَشَرًا الْإِحَاطَةُ بِهِ إِذْ كَانَ الْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبًا عَلَى كُلِّ أَحَدٍ.
فَيُبَيِّنُ اللَّهُ لِكُلِّ قَوْمٍ بَلْ لِكُلِّ شَخْصٍ مِنَ الْآيَاتِ وَالْبَرَاهِينِ مَا لَا يُبَيِّنُ لِقَوْمٍ آخَرِينَ
كَمَا أَنَّ دَلَائِلَ الرُّبُوبِيَّةِ وَآيَاتِهَا أَعْظَمُ وَأَكْثَرُ مِنْ كُلِّ دَلِيلٍ عَلَى كُلِّ مَدْلُولٍ، وَلِكُلِّ قَوْمٍ بَلْ وَلِكُلِّ إِنْسَانٍ مِنَ الدَّلَائِلِ الْمُعَيَّنَةِ الَّتِي يُرِيهِ اللَّهُ إِيَّاهَا فِي نَفْسِهِ وَفِي الْآفَاقِ مَا لَا يَعْرِفُ أَعْيَانَهَا قَوْمٌ آخَرُونَ. قَالَ تَعَالَى:
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣]
وَالضَّمِيرُ فِي ذَلِكَ عَائِدٌ إِلَى الْقُرْآنِ عِنْدَ الْمُفَسِّرِينَ وَالسَّلَفِ وَعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْقُرْآنُ بِقَوْلِهِ:
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٥٢] (٥٢) ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] . . .
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ إِلَى اللَّهِ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ كَمَا قَالَ:
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ [فصلت: ٥٢]
стр. 2687
وَهَذَا هُوَ الْقُرْآنُ. ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ:
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣]
ثُمَّ قَالَ:
﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣]
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ سَيُرِي النَّاسَ فِي أَنْفُسِهِمْ وَفِي الْآفَاقِ مِنَ الْآيَاتِ الْعِيَانِيَّةِ الْمَشْهُورَةِ الْمَعْقُولَةِ مَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ الْمَسْمُوعَةَ الْمَتْلُوَّةَ حَقٌّ فَيَتَطَابَقُ الْعَقْلُ وَالسَّمْعُ، وَيَتَّفِقُ الْعِيَانُ وَالْقُرْآنُ، وَتُصَدِّقُ الْمُعَايَنَةُ لِلْخَبَرِ.
وَإِذَا كَانَ الْقُرْآنُ حَقًّا لَزِمَ كَوْنُ الرَّسُولِ الَّذِي جَاءَ بِهِ صَادِقًا، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَهُ، وَأَنَّهُ يَجِبُ التَّصْدِيقُ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ، وَالطَّاعَةُ لِمَا أَوْجَبَهُ وَأَمَرَ بِهِ، وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ إِثْبَاتَ الصَّانِعِ وَتَوْحِيدَهُ وَأَسْمَاءَهُ وَصِفَاتِهِ، وَإِثْبَاتَ النُّبُوَّاتِ، وَإِثْبَاتَ الْمَعَادِ، وَهَذِهِ هِيَ أُصُولُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ الَّتِي عُلِّقَتْ بِهَا السَّعَادَةُ وَالنَّجَاةُ.
стр. 2688
[فَصْلٌ: أَدِلَّةٌ قُرْآنِيَّةٌ عَلَى مَجِيءِ الرُّسُلِ بِالْآيَاتِ]
وَآيَاتُ النُّبُوَّةِ وَبَرَاهِينُهَا تَكُونُ فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ وَقُبَيْلَ مَوْلِدِهِ، وَبَعْدَ مَمَاتِهِ لَا تَخْتَصُّ بِحَيَاتِهِ فَضْلًا عَنْ أَنْ تَخْتَصَّ بِحَالِ دَعْوَى النُّبُوَّةِ أَوْ حَالِ التَّحَدِّي كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُ أَهْلِ الْكَلَامِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ آيَاتٍ فِي حَيَاتِهِ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ تَقُومُ بِهَا الْحُجَّةُ، وَتَظْهَرُ بِهَا الْمَحَجَّةُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «مَا مِنْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا وَقَدْ أُوتِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا آمَنَ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ:
﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: ١]
стр. 2689
إِلَى قَوْلِهِ:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: ٥]
إِلَى قَوْلِهِ:
﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [إبراهيم: ٩] (٩) ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [إبراهيم: ١٠]
الْآيَاتِ
فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ قَوْمَ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَعُلِمَ أَنَّهُمْ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ
وَقَالَ:
﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [آل عمران: ١٨٤]
стр. 2690
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفرقان: ٣٧] (٣٧) ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٨] (٣٨) ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٩]
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ ضَرَبَ الْأَمْثَالَ لِجَمِيعِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ وَأَهْلَكَهُمْ فَلَمْ يُعَاقِبْهُمْ إِلَّا بَعْدَ أَنْ أَقَامَ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةَ، وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] (٤٣) ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ إِلَّا رِجَالًا يُوحَى إِلَيْهِمْ لَمْ يُرْسِلْ إِلَيْهِمْ مَلَائِكَةً وَلَا نِسَاءً، وَأَنَّهُ أَرْسَلَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ، وَالزُّبُرِ، وَالزُّبُرُ جَمْعُ زَبُورٍ وَهِيَ الْكُتُبُ، فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ
стр. 2691
كِتَابٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ أُرْسِلَ بِتَجْدِيدِ الْكِتَابِ الَّذِي قَبْلَهُ
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] (٢٤) ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [فاطر: ٢٥] (٢٥) ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [فاطر: ٢٦]
أَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ كَمَا قَالَ:
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦]
ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ، وَهَذَا مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ لِاخْتِصَاصِهِ بِوَصْفٍ يَخْتَصُّ بِهِ كَقَوْلِهِ:
стр. 2692
﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] . . . فَإِنَّ الزُّبُرَ مِنَ الْبَيِّنَاتِ، وَالْكِتَابَ الْمُنِيرَ مِنَ الزُّبُرِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج: ٨]
فَإِنَّ الْهُدَى مِنَ الْعِلْمِ، وَالْكِتَابَ الْمُنِيرَ مِنَ الْهُدَى.
وَبَيَّنَ أَنَّهُ أَخَذَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِمْ، وَهَذَا أَنْزَلَهُ لِيُبَيِّنَ عَاقِبَةَ الْمُكَذِّبِينَ، وَلِهَذَا بَنَى الْفِعْلَ لِلْفَاعِلِ فَقَالَ:
﴿فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [فاطر: ٢٥]
وَهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ثُمَّ أَنْزَلَ فِي آلِ عِمْرَانَ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ فِي سِيَاقِ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَتَثْبِيتُهُمْ وَتَعْزِيَتُهُمْ لِمَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ يَوْمَ أُحُدٍ وَغَيْرِهِ فَقَالَ:
﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٢] (١٧٢) ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] (١٧٣) ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٤] (١٧٤) ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]
стр. 2693
أَيْ يُخَوِّفُكُمْ أَوْلِيَاءَهُ كَمَا قَالَهُ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ثُمَّ قَالَ:
﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٧٦]
وَسِيَاقُ الْكَلَامِ فِي بَيَانِ أَنَّ الْكُفَّارَ لَا يَضُرُّونَ اللَّهَ وَلَا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ ضَرَرُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ مَا حَصَلَ لَهُمْ مِنْ نِعْمَةٍ إِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ وَإِمْلَاءٌ إِلَى أَنْ قَالَ:
﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١] (١٨١) ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران: ١٨٢] (١٨٢) ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٨٣]
بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنْهُمْ مَعَ أَنَّهُ كَذِبٌ فَلَمْ يَقُولُوهُ إِلَّا دَفْعًا لِلْحَقِّ لَا لِيُؤْمِنُوا بِمَنْ جَاءَهُمْ بِذَلِكَ إِذْ قَدْ جَاءَهُمْ رُسُلٌ مِنْ
стр. 2694
قَبْلِهِ بِالْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ وَالْقُرْبَانِ الَّذِي تَأْكُلُهُ النَّارُ، وَمَعَ هَذَا قَتَلُوهُمْ، وَالْكَلَامُ فِي مِثْلِ هَذَا الْجِنْسِ الَّذِي يُوَالِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيَتَّبِعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا كَالْيَهُودِ الَّذِينَ هُمْ عَلَى دِينِ سَلَفِهِمُ الَّذِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ، وَلِهَذَا يَذُمُّهُمْ بِصِيغَةِ الْخِطَابِ كَقَوْلِهِ:
﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٠]
إِلَى قَوْلِهِ:
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥]
فَالْخِطَابُ لِجِنْسِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَإِنْ كَانَ الَّذِينَ عَايَنُوا ذَلِكَ مَاتُوا ثُمَّ قَالَ:
﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [آل عمران: ١٨٤]
فَحَذَفَ هُنَا الْفَاعِلَ، وَبَنَى الْفِعْلَ لِلْمَفْعُولِ إِذِ الْمَقْصُودُ هُنَا تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ وَتَعْزِيَتُهُ لَا ذِكْرُ عُقُوبَةِ الْمُكَذِّبِينَ فَلِهَذَا كَانَتْ هَذِهِ أَخَصُّ مِنْ تِلْكَ.
стр. 2695
[فَصْلٌ: مِنْ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ إِهْلَاكُ اللَّهِ لِمُكَذِّبِيهِمْ وَنَصْرُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِمْ]
وَمِنْ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ إِهْلَاكُ اللَّهِ لِمُكَذِّبِيهِمْ، وَنَصْرُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِمْ، فَهَذَا مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِمْ، وَدَلَائِلِ صِدْقِهِمْ، كَإِغْرَاقِ اللَّهِ قَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوهُ، وَكَإِهْلَاكِهِ قَوْمَ عَادٍ بِالرِّيحِ الصَّرْصَرِ، وَإِهْلَاكِ قَوْمِ صَالِحٍ بِالصَّيْحَةِ، وَإِهْلَاكِ قَوْمِ شُعَيْبٍ بِالظُّلَّةِ، وَإِهْلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ بِإِقْلَابِ مَدَايِنِهِمْ، وَرَجْمِهِمْ بِالْحِجَارَةِ، وَكَإِهْلَاكِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ بِالْغَرَقِ، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ الْقَصَصَ فِي الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَبَيَّنَ أَنَّهَا مِنْ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِمْ كَمَا يَذْكُرُهُ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ لَمَّا ذَكَرَ قِصَّةَ مُوسَى قَالَ:
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٨]
стр. 2696
ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ إِبْرَاهِيمَ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا:
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٣]
وَكَذَلِكَ ذَكَرَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ نُوحٍ، وَهُودٍ، وَصَالِحٍ، وَلُوطٍ، وَشُعَيْبٍ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا جَعَلَهُ مِنَ اللَّعْنَةِ الشَّائِعَةِ لِمَنْ كَذَّبَهُمْ، وَمِنْ لِسَانِ الصِّدْقِ وَالثَّنَاءِ وَالدُّعَاءِ لَهُمْ وَلِمَنْ آمَنَ بِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي قِصَّةِ نُوحٍ:
﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٨] (٧٨) ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩]
، وَكَذَلِكَ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ:
﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨] (١٠٨) ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٩]
أَيْ تَرَكْنَا هَذَا الْقَوْلَ الَّذِي يَقُولُهُ الْمُتَأَخِّرُونَ، وَكَذَلِكَ فِي قِصَّةِ مُوسَى، وَهَارُونَ:
﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ - سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الصافات: ١٠٨ - ١٢٠]
وَ ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠]
стр. 2697
وَكَذَلِكَ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ تَعَالَى:
﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤٩] (٤٩) ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٠]
وَقَالَ فِي قِصَّةِ فِرْعَوْنَ:
﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٣٩] (٣٩) ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٤٠] (٤٠) ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص: ٤١] (٤١) ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٤٢]
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى:
﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]
وَقَالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ :
﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩]
стр. 2698
فَأَخْبَرَ أَنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ، ثُمَّ إِنَّهُ مَا وَقَعَ لِهَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ يُعْلَمُ بِالسَّمْعِ وَالنَّقْلِ تَارَةً، وَيُعْلَمُ بِالْعَقْلِ وَالِاعْتِبَارِ بِآثَارِهِمْ تَارَةً، كَمَا قَالَ عَنْ أَهْلِ النَّارِ:
﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ الطَّرِيقَيْنِ فِي قَوْلِهِ:
﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] (٤٠) ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١] (٤١)
ثُمَّ قَالَ:
﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ﴾ [الحج: ٤٢] (٤٢) ﴿وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ﴾ [الحج: ٤٣] (٤٣) ﴿وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الحج: ٤٤] (٤٤) ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥] (٤٥)
ثُمَّ قَالَ:
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]
وَقَالَ تَعَالَى:
стр. 2699
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [ق: ٣٦] (٣٦) ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الروم: ٩] (٩) ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الروم: ١٠]
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ [غافر: ٢١] (٢١) ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [غافر: ٢٢]
стр. 2700
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [غافر: ٨٢] (٨٢) ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر: ٨٣] (٨٣) ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر: ٨٤] (٨٤) ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٥]
وَقَالَ لَمَّا قَصَّ قَصَصَ نُوحٍ، وَهُودٍ، وَصَالِحٍ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَلُوطٍ، وَشُعَيْبٍ، وَمُوسَى فِي سُورَةِ هُودٍ:
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠] (١٠٠) ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١] (١٠١) ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]
وَلَمَّا ذَكَرَ قِصَّةَ لُوطٍ فِي سُورَةِ الصَّافَّاتِ قَالَ:
﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] (١٣٧) ﴿وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨]
следующие страницы →