← Акыда

Акыда · id 170

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية

ابن تيمية

Полный текст (2 831 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٤] (١٤) ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥] (١٥) ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] وَهَذَا نَهْيٌ عَنِ التَّكَلُّمِ بِلَا عِلْمٍ، وَهُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْأَخْبَارِ، وَقَدْ يَتَنَاوَلُ مَا أَخْبَرَ بِهِ الْإِنْسَانُ، وَمَا قَدْ يَعْتَقِدُهُ بِغَيْرِ الْأَخْبَارِ مِنَ الدَّلَائِلِ، وَالْآيَاتِ، وَالْعَلَامَاتِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِلَا عِلْمٍ فَلَا يَنْفِي شَيْئًا إِلَّا بِعِلْمٍ، وَلَا يُثْبِتُهُ إِلَّا بِعِلْمٍ، وَلِهَذَا كَانَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ

стр. 2767

النَّافِيَ لِلشَّيْءِ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ عَلَى مَا يَنْفِيهِ كَمَا أَنَّ الْمُثْبِتَ لِلشَّيْءِ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ عَلَى ثُبُوتِهِ، وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُ قَالَ: النَّافِي لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْعَقْلِيَّاتِ وَالشَّرْعِيَّاتِ، فَأَوْجَبَهُ فِي الْعَقْلِيَّاتِ دُونَ الشَّرْعِيَّاتِ، وَهَؤُلَاءِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمُ النَّافِي بِالْمَانِعِ الْمُطَالِبِ، فَإِنَّ مَنْ أَثْبَتَ شَيْئًا فَقَالَ لَهُ آخَرُ: أَنَا لَا أَعْلَمُ هَذَا، وَلَا أُوَافِقُكَ عَلَيْهِ، وَلَا أُسَلِّمُهُ لَكَ حَتَّى تَأْتِيَ بِالدَّلِيلِ، كَانَ هَذَا مُصِيبًا، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى هَذَا الْمَانِعِ الْمُطَالِبِ بِالدَّلِيلِ دَلِيلٌ، وَإِنَّمَا الدَّلِيلُ عَلَى الْمُثْبِتِ بِخِلَافِ مَنْ نَفَى مَا أَثْبَتَهُ غَيْرُهُ فَقَالَ لَهُ: قَوْلُكَ خَطَأٌ، وَالصَّوَابُ فِي نَقِيضِ قَوْلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا كَذَا، فَإِنَّ هَذَا عَلَيْهِ الدَّلِيلُ عَلَى نَفْيِهِ كَمَا عَلَى ذَلِكَ الْمُثْبِتِ الدَّلِيلُ عَلَى إِثْبَاتِهِ، وَإِذَا لَمْ يَأْتِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِدَلِيلٍ كَانَ كِلَاهُمَا بِلَا حُجَّةٍ. وَلِهَذَا كَانَ مَنْ أَثْبَتَ شَيْئًا أَوْ نَفَاهُ، وَطُلِبَ مِنْهُ الْحُجَّةُ فَلَمْ يَأْتِ بِهَا كَانَ مُنْقَطِعًا فِي الْمُنَاظَرَةِ، وَإِذَا اعْتَرَضَ الْمُعْتَرِضُ عَلَيْهِ بِمُمَانَعَةٍ أَوْ مُعَارَضَةٍ فَأَجَابَ عَنْهَا انْقَطَعَ الْمُعْتَرِضُ عَلَيْهِ، وَثَبَتَ قَوْلُ الْأَوَّلِ، وَإِنْ لَمْ يُجِبْ عَنِ الْمُعَارَضَةِ انْقَطَعَ الْمُسْتَدِلُّ إِذْ كَانَ الدَّلِيلُ الَّذِي يَجِبُ اتِّبَاعُهُ هُوَ الدَّلِيلَ السَّالِمَ عَنِ الْمُعَارِضِ الْمُقَاوِمِ، وَلَوْ أَقَامَ دَلِيلًا قَطْعِيًّا فَعُورِضَ بِمَا لَا يُفِيدُ الْقَطْعَ كَانَ لَهُ أَنْ يَقُولَ: مَا ذَكَرْتُهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ، وَالْعِلْمُ لَا يُعَارِضُهُ الظَّنُّ، وَالْبَيِّنَاتُ لَا تُعَارَضُ بِالشُّبَهَاتِ الَّتِي هِيَ مِنْ جِنْسِ كَلَامِ السُّوفِسْطَائِيَّةِ، فَهُوَ سُبْحَانُهُ نَهَى عَنِ الْكَلَامِ بِلَا عِلْمٍ

стр. 2768

مُطْلَقًا، وَخَصَّ الْكَلَامَ عَلَى اللَّهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] وَنَهَى عَنِ اتِّبَاعِ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَأْمُرُ بِالْقَوْلِ عَلَى اللَّهِ بِلَا عِلْمٍ فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ١٦٨] (١٦٨) ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩] (١٦٩) ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]

стр. 2769

وَكَذَلِكَ ذَمَّ مَنْ يُجَادِلُ وَيُحَاجُّ بِلَا عِلْمٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج: ٨] وَقَالَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣] (٣) ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٦] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] يَتَنَاوَلُ خَبَرَ كُلِّ فَاسِقٍ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا لَا يَجُوزُ تَكْذِيبُهُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ كَمَا لَا يَجُوزُ تَصْدِيقُهُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَقْرَئُونَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرِيَّةِ، وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ

стр. 2770

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، فَإِمَّا أَنْ يُحَدِّثُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوهُ، وَإِمَّا أَنْ يُحَدِّثُوكُمْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوهُ، وَقُولُوا: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦] » وَهَذَا الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنْ إِمْسَاكِ الْإِنْسَانِ عَمَّا لَا يُعْلَمُ انْتِفَاؤُهُ وَثُبُوتُهُ هُوَ مَأْثُورٌ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، كَمَا جَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: الْأُمُورُ ثَلَاثَةٌ: أَمْرٌ تَبَيَّنَ رُشْدُهُ فَاتَّبِعُوهُ، وَأَمْرٌ تَبَيَّنَ غَيُّهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَأَمْرٌ اشْتَبَهَ عَلَيْكُمْ فَكِلُوهُ إِلَى عَالِمِهِ. وَعَامَّةُ عُقَلَاءِ بَنِي آدَمَ عَلَى هَذَا، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَدَّقَ بِخَبَرٍ مَنْقُولٍ عَنِ الرَّسُولِ أَوْ غَيْرِهِ إِلَّا بِدَلَالَةٍ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُكَذِّبَهُ إِلَّا بِدَلَالَةٍ تَدُلُّ عَلَى كَذِبِهِ، وَعَلَى هَذَا الْعِلْمُ وَالدِّينُ، وَقَدْ تَكَلَّمَ

стр. 2771

الْعُلَمَاءُ وَصَنَّفُوا كُتُبًا كَثِيرَةً فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ فِي الرِّجَالِ وَالْأَحَادِيثِ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْرَفُ بِالصِّدْقِ وَالضَّبْطِ، فَهَذَا هُوَ الْعَدْلُ الْمَقْبُولُ خَبَرُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ صَدُوقًا لَكِنَّهُ قَدْ لَا يَحْفَظُ وَلَا يَضْبُطُ فَيَقُولُونَ فِي مِثْلِ هَذَا: هُوَ صَدُوقٌ تُكُلِّمَ فِيهِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عُرِفَ بِالْكَذِبِ، وَإِذَا رَوَى الْحَدِيثَ مَنْ هُوَ سَيِّئُ الْحِفْظِ أَوْ مَنْ قَدْ يَكْذِبُ لَمْ يَحْكُمُوا بِذَلِكَ الْحَدِيثِ، وَلَمْ يُثْبِتُوهُ. ثُمَّ تَارَةً يَقُومُ الدَّلِيلُ عَلَى كَذِبِهِ، وَتَارَةً يَتَوَقَّفُونَ فِيهِ لَا يَعْلَمُونَ أَصِدْقٌ هُوَ أَمْ كَذِبٌ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُعْتَقَدُ وَلَا يَثْبُتُ، وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ، كَالشَّاهِدِ الَّذِي شَهِدَ لِلْمُدَّعِي، وَلَيْسَ بِعَدْلٍ مَرْضِيٍّ، أَوْ هُوَ خَصْمٌ أَوْ مُتَّهَمٌ ظِنِّينٌ، فَهَذَا إِذَا رُدَّتْ شَهَادَتُهُ وَلَمْ تُقْبَلْ لَمْ يَكُنْ مَعْنَى ذَلِكَ الْحُكْمُ بِكَذِبِهِ أَوْ خَطَئِهِ، بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، وَلَا يُحْكَمُ بِهِ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِصِدْقِهِ، لَا لِلْعِلْمِ بِكَذِبِهِ. وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِذَا كَانَ صَاحِبَ يَدٍ أَوْ ذِمَّتُهُ بَرِيئَةً فَهُوَ حُجَّةٌ تُرَجِّحُ جَانِبَهُ، وَقَدْ ضَمَّ إِلَيْهَا الشَّارِعُ الْيَمِينَ كَمَا فِي صَحِيحِ

стр. 2772

الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى رِجَالٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ الْمُدَّعِي إِلَّا مُجَرَّدَ دَعْوَاهُ فَجَانِبُ الْمُنْكِرِ أَقْوَى مِنْ جَانِبِهِ لِأَنَّ مَعَهُ: أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَيْدِي أَنَّهَا مُحِقَّةٌ، وَالْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، وَلَكِنْ قَدْ يَكُونُ الْمُدَّعِي صَادِقًا، وَلَا يَكُونُ لَهُ حُجَّةٌ، وَهَذَا كَثِيرٌ جِدًّا، فَلَا يُدْفَعُ بِمُجَرَّدِ الْأَصْلِ، بَلْ يَحْلِفُ الْمُنْكِرُ فَيَكُونُ يَمِينُهُ مَعَ الْأَصْلِ بِحُجَّةٍ، فَيَكُونُ إِنْكَارُ هَذَا مُقَابِلًا لِدَعْوَى هَذَا، كِلَاهُمَا خَبَرٌ لَمْ يُعْلَمْ صِدْقُهُ فَتَعَارَضَا، وَتَرَجَّحَ الْمُنْكِرُ بِالْأَصْلِ، فَيَبْقَى عَلَى مَا كَانَ لَا يُسَلَّمُ بِحُجَّةٍ لِلْمُدَّعِي مَا ادَّعَاهُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ، وَلَا تَنْقَطِعُ مُطَالَبَتُهُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِحُجَّةٍ تَدْفَعُهُ، فَإِذَا حَلَفَ الْمُنْكِرُ كَانَتْ يَمِينُهُ حُجَّةً فَصَلَتِ الْخُصُومَةَ، وَقَطَعَتِ الدَّعْوَى. وَإِذَا لَمْ يَأْتِ الْمُنْكِرُ بِالْيَمِينِ بَلْ نَكَلَ عَنْهَا، وَلَا أَتَى الْمُدَّعِي بِحُجَّةٍ، وُقِفَ لِلْأَمْرِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ: يَقْضِي عَلَى الْمُنْكِرِ بِالنُّكُولِ فَيَجْعَلُ نُكُولَهُ إِمَّا بَدَلًا لِمَا طَلَبَ، وَإِمَّا إِقْرَارًا بِهِ، وَالْأَكْثَرُونَ يَقُولُونَ: بَلْ تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي الطَّالِبِ الَّذِي يَقُولُ: إِنَّهُ يَعْلَمُ

стр. 2773

صِدْقَ نَفْسِهِ فِيمَا ادَّعَاهُ، وَأَنَّهُ عَالِمٌ بِمَا ادَّعَاهُ، فَيُقَالُ لَهُ: احْلِفْ وَخُذْ، فَإِنْ حَلَفَ أَخَذَ، وَإِلَّا دُفِعَا. ثُمَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَرُدُّ الْيَمِينَ فِي عَامَّةِ الدَّعَاوِي، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْكُمُ بِالنُّكُولِ، وَإِنْ كَانَ الْمُنْكِرُ يَقُولُ: لَا أَعْلَمُ مَا ادَّعَى بِهِ، وَكُلٌّ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ يَذْكُرُ آثَارًا عَنِ الصَّحَابَةِ. وَالْمَنْقُولُ عَنِ الصَّحَابَةِ يَدُلُّ عَلَى التَّفْصِيلِ، وَهُوَ أَظْهَرُ الْأَقَاوِيلِ، وَهُوَ أَنَّهُ: إِنْ كَانَ الْمُنْكِرُ هُوَ الْعَالِمَ دُونَ الْمُدَّعِي، كَمَا إِذَا ظَهَرَ فِي الْمَبِيعِ عَيْبٌ، وَقَدْ بِيعَ بِالْبَرَاءَةِ، فَقَالَ الْمُشْتَرِي: أَنَا لَمْ أَعْلَمْ بِهِ، فَإِنَّهُ هُنَا يُقَالُ لَهُ كَمَا قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ لِابْنِ عُمَرَ ﵄: احْلِفْ أَنَّكَ بِعْتَهُ وَمَا بِهِ دَاءٌ تَعْلَمُهُ. فَإِنْ حَلَفَ، وَإِلَّا قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ كَمَا قَضَى عُثْمَانُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ بِالنُّكُولِ

стр. 2774

وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي يَقُولُ إِنَّهُ يَعْلَمُ مَا ادَّعَى بِهِ، كَمَنِ ادَّعَى عَلَى آخَرَ دَيْنًا أَوْ عَيْنًا فَقَالَ: أَنَا لَا أَعْلَمُ مَا ادَّعَيْتَهُ، احْلِفْ وَخُذْ، فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ لَمْ يُعْطَ شَيْئًا. وَالْبَيِّنَةُ فِي الدَّعَاوِي عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ هِيَ مَا يُبَيِّنُ الْحَقَّ، وَيُظْهِرُهُ، وَيُوَضِّحُهُ، كَالدَّلِيلِ وَالْآيَةِ وَالْعَلَامَةِ، فَمَتَى تَرَجَّحَ جَانِبُ أَحَدِهِمَا حَلَفَ مِثْلَ أَنْ يُقِيمَ الْمُدَّعِيَ شَاهِدًا فَإِنَّهُ يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ، وَيَقْضِي بِهِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ كَمَا مَضَتْ بِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْيَمِينُ دَائِمًا فِي

стр. 2775

جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي دَعْوَى الْقَتْلِ لَوَثٌ، وَلَطَخٌ، وَشُبْهَةٌ، وَهُوَ عَلَامَاتٌ تُرَجِّحُ جَانِبَ الْمُدَّعِي فَإِنَّ أَوْلِيَاءَ الْمَقْتُولِ يَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَيُقْضَى لَهُمْ بِذَلِكَ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ كَمَا مَضَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ. وَكَذَلِكَ فِي اللِّعَانِ إِذَا حَلَفَ الزَّوْجُ وَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَوَكَّدَهَا بِالْخَامِسَةِ فَقَدْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى دَعْوَاهُ، فَإِنِ الْتَعَنَتِ الْمَرْأَةُ، وَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ مُؤَكِّدَةٍ بِالْخَامِسَةِ أَنَّهُ كَاذِبٌ

стр. 2776

تَعَارَضَتِ الْبَيِّنَتَانِ وَالشَّهَادَتَانِ، فَلَمْ يُحْكَمْ بِقَوْلِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لَا يُحْكَمُ بِأَنَّهُ قَاذِفٌ، وَلَا يُحْكَمُ بِأَنَّهَا زَانِيَةٌ، وَإِنْ نَكَلَتْ فَلَمْ تَحْلِفْ فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُونَ: يُحْكَمُ بِأَنَّهَا زَانِيَةٌ، وَتُعَذَّبُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ شَهَادَةُ الزَّوْجِ، وَنُكُولُهَا عَنِ الْمُعَارَضَةِ، كَمَا اجْتَمَعَ فِي الْقَسَامَةِ الْعَلَامَةُ وَالْأَيْمَانُ، وَكَمَا اجْتَمَعَ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ، وَكَمَا اجْتَمَعَ فِي جَانِبِ الْمُنْكِرِ الْأَصْلُ وَالْيَمِينُ. فَهَذَا وَنَحْوُهُ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ، وَبَسْطُهُ لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ الْخَبَرَ إِنْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِ أَوْ كَذِبِهِ، وَإِلَّا بَقِيَ مِمَّا لَمْ يُصَدِّقْهُ، وَلَمْ يُكَذِّبْهُ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ إِذَا قَالُوا: هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ فُلَانٌ، وَهُوَ مَجْرُوحٌ، أَوْ ضَعِيفٌ، أَوْ سَيِّئُ الْحِفْظِ، أَوْ مِمَّنْ لَمْ تُقْبَلْ رِوَايَتُهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ فَهُوَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: هَذَا الشَّاهِدُ مَجْرُوحٌ أَوْ سَيِّئُ الْحِفْظِ أَوْ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِهِ، لَا يُفِيدُ الْحُكْمَ بِأَنَّهُ كَاذِبٌ، بَلْ قَدْ يُمْكِنُ أَنَّهُ صَادِقٌ، فَلَا يُقَالُ إِنَّهُ كَاذِبٌ إِلَّا بِحُجَّةٍ.

стр. 2777

وَإِنْ قَالُوا عَنِ الْحَدِيثِ: إِنَّهُ ضَعِيفٌ، فَهَذَا مُرَادُهُمْ أَيْ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ، وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِصِدْقِهِ، لَيْسَ مُرَادُهُمْ أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ يَحْكُمُ بِكَذِبِ النَّاقِلِ، وَيَنْفِي مَا نَقَلَهُ، وَيَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ غَيْرِ عِلْمِ مِنَّا بِهَذَا النَّفْيِ، بَلْ إِنْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى انْتِفَاءِ مَا أَخْبَرَ بِهِ حَكَمْنَا بِذَلِكَ، وَإِلَّا سَكَتْنَا، لَمْ نَنْفِهِ، وَلَمْ نُثْبِتْهُ، فَهَذَا أَصْلٌ يَجِبُ مَعْرِفَتُهُ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ مَا يَنْفِيهِ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى نَفْيِهِ، وَبَيْنَ مَا لَمْ يُثْبِتْهُ لِعَدَمِ دَلِيلِ إِثْبَاتِهِ، بَلْ تَرَاهُمْ مَا لَمْ يَعْلَمُوا إِثْبَاتَهُ فَيَكُونُونَ قَدْ قَفَوْا مَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ، وَقَالُوا بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ، وَهَذَا كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِدْلَالِ وَالنَّظَرِ وَأَهْلِ الْإِسْنَادِ وَالْخَبَرِ، فَمِنَ الْأَوَّلِينَ طَوَائِفُ يَطْلُبُونَ الدَّلِيلَ عَلَى ثُبُوتِ الشَّيْءِ، فَإِذَا لَمْ يَجِدُوهُ نَفَوْهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ عَدَمَ الْعِلْمِ لَيْسَ عِلْمًا بِالْعَدَمِ، وَعَدَمَ الْوِجْدَانِ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْوُجُودِ إِلَّا إِذَا كَانَ الطَّالِبُ مِمَّنْ يُمْكِنُهُ ذَلِكَ، إِمَّا بِعِلْمٍ أَوْ ظَنٍّ غَالِبٍ، فَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ فِي صِفَاتِ اللَّهِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ عَلَى إِثْبَاتِهِ، وَإِلَّا وَجَبَ الْقَطْعُ بِنَفْيِهِ، لِأَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِالْقَطْعِ، وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ جُمْهُورُ النَّاسِ، وَقَالُوا: كَمَا لَا يَجُوزُ الْقَطْعُ فِي الْإِثْبَاتِ إِلَّا بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، فَلَا يَجُوزُ الْقَطْعُ فِي النَّفْيِ إِلَّا بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ عَلَى النَّفْيِ فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ نُثْبِتَ إِلَّا بِعِلْمٍ فَلَا نَنْفِي إِلَّا بِعِلْمٍ.

стр. 2778

وَالنَّافِي عَلَيْهِ الدَّلِيلُ كَمَا عَلَى الْمُثْبِتِ الدَّلِيلُ. قَالَ هَؤُلَاءِ: هَذِهِ الْمَسَائِلُ مَبْنَاهَا عَلَى الْقَطْعِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَنَا التَّكَلُّمُ فِيهَا بِالظَّنِّ، فَإِذَا لَمْ يَقُمِ الْقَاطِعُ قَطَعْنَا بِالنَّفْيِ. فَقِيلَ لَهُمْ: هَذَا حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّكُمْ إِذَا نَفَيْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا نَفْيَهُ تَكَلَّمْتُمْ بِالظَّنِّ، وَإِذَا قَطَعْتُمْ مِنْ غَيْرِ قَاطِعٍ كُنْتُمْ قَدْ تَكَلَّمْتُمْ فِي الْقَطْعِيَّاتِ بِلَا قَاطِعٍ، نَفْيًا كَانَ الْكَلَامُ أَوْ إِثْبَاتًا، وَلَيْسَ يُعْلَمُ فِي الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ أَوِ الْعَقْلِيَّةِ أَنَّ كُلَّ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ سَمْعِيٌّ أَوْ عَقْلِيٌّ عَلَى إِثْبَاتِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْكُمْ نَفْيُهُ، وَالْقَطْعُ بِنَفْيِهِ، بَلْ تَكَلُّمُكُمْ بِهَذَا تَكَلُّمٌ بِلَا عِلْمٍ. وَمِنْ هُنَا أَخْطَأَ كَثِيرٌ مِنَ النُّظَّارِ فِي نَفْيِ كَثِيرٍ مِنْ صِفَاتِ الرَّبِّ، وَأَحْكَامِهِ، وَأَفْعَالِهِ، حَيْثُ لَمْ يَعْلَمُوا دَلِيلًا قَطْعِيًّا يُثْبِتُهَا فَنَفَوْهَا، وَكَانَتْ ثَابِتَةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَقَدْ يَكُونُ عِنْدَ غَيْرِهِمْ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ يُثْبِتُهَا، وَلَوْ قُدِّرَ عَدَمُ عِلْمِ النَّاسِ كُلِّهِمْ بِهَا فَلِلَّهِ عِلْمٌ لَمْ يَعْلَمْهُ الْعِبَادُ، وَلِلَّهِ أَسْمَاءٌ اسْتَأْثَرَ بِهَا فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَهُ لَمْ يُعْلِمْهَا النَّاسَ، وَلَيْسَ إِذَا لَمْ يُعْلَمْ ثُبُوتُ الصِّفَةِ يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ انْتِفَاؤُهَا، بَلْ قَدْ يُظَنُّ ثُبُوتُهَا أَوِ انْتِفَاؤُهَا، وَقَدْ يُشَكُّ

стр. 2779

فِي ذَلِكَ فَلَا يُعْلَمُ وَلَا يُظَنُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَالْوَاجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَقُولَ لِمَا يَعْلَمُهُ: أَعْلَمُهُ، وَلِمَا يَظُنُّهُ: أَظُنُّهُ، وَلِمَا يَشُكُّ فِيهِ: أَشُكُّ فِيهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى لَمْ يُوجِبْ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَقْطَعَ بِانْتِفَاءِ شَيْءٍ إِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مُنْتَفٍ، فَمَنْ قَالَ: وَجَبَ عَلَيْنَا الْقَطْعُ بِانْتِفَاءٍ فَقَدْ غَلِطَ. وَهَذَا بِخِلَافِ مَا يُنَاقِضُ صِفَاتِ الْإِثْبَاتِ، فَإِنَّ هَذَا يَجِبُ نَفْيُهُ عَنِ اللَّهِ، فَقَدْ عُلِمَ بِالْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ أَنَّ اللَّهَ مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ الْمُنَاقِضَةِ لِلنَّقْصِ، مِثْلَ: إِنَّهُ حَيٌّ قَيُّومٌ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وَعَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَرَبُّهُ، وَمَلِيكُهُ، وَأَنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ بِكُلِّ وَجْهٍ، فَكُلُّ مَنْ قَالَ قَوْلًا يُنَاقِضُ هَذَا عُلِمَ أَنَّهُ بَاطِلٌ، كَالَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ لَهُ شَرِيكًا أَوْ وَلَدًا، أَوْ أَنَّهُ يَشْفَعُ عِنْدَهُ الشُّفَعَاءُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يُنَاقِضُ الْكَمَالَ الْمَعْلُومَ لَهُ. وَمَا كَانَ مِنَ الْأُمُورِ مُسْتَلْزِمًا لَوَازِمَ لَوْ كَانَ مَوْجُودًا، فَإِنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِانْتِفَاءِ اللَّازِمِ عَلَى انْتِفَاءِ الْمَلْزُومِ، كَالْأُمُورِ الَّتِي لَوْ كَانَتْ مَوْجُودَةً لَوَجَبَ أَنْ تُنْقَلَ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا شَائِعًا، فَإِنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِانْتِفَاءِ اللَّازِمِ عَلَى انْتِفَاءِ الْمَلْزُومِ، كَمَا لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّهُ بُنِيَ بَيْنَ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ أَوْ بَيْنَ الْحِجَازِ

стр. 2780

وَالشَّامِ مَدِينَةٌ أَعْظَمُ مِنْ بَغْدَادَ وَالْمَوْصِلِ وَأَصْبَهَانَ وَمِصْرَ دُورُهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُعْلَمُ كَذِبُهُ، فَإِنَّ هَذَا مِمَّا تَتَوَفَّرُ هِمَمُ النَّاسِ عَلَى نَقْلِهِ لَوْ كَانَ مَوْجُودًا، فَإِذَا لَمْ يَسْتَفِضْ هَذَا وَيَنْتَشِرْ عُلِمَ أَنَّ الْمُخْبِرَ بِهِ كَاذِبٌ. وَكَذَا لَوِ ادَّعَى مُدَّعٍ أَنَّهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوِ الْعِيدِ قُتِلَ الْخَطِيبُ، وَلَمْ يُصَلِّ النَّاسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلَمْ يَسْتَفِضْ هَذَا وَيَنْتَشِرْ، أَوِ ادَّعَى أَنَّهُ قُتِلَ بَعْضُ مُلُوكِ النَّاسِ، وَلَمْ يَسْتَفِضْ هَذَا، وَلَمْ يَنْتَشِرْ، أَوِ ادَّعَى أَنَّهُ بُعِثَ نَبِيٌّ بَيْنَ الْمَسِيحِ وَمُحَمَّدٍ ﷺ أَوْ بَعْدَ مُحَمَّدٍ جَاءَ بِكِتَابٍ مِثْلَ الْقُرْآنِ أَوِ الْإِنْجِيلِ، وَاتَّبَعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَكَذَّبَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ فَإِنَّهُ يُعْلَمُ كَذِبُ هَذَا، إِذْ مِثْلُ هَذَا لَا بُدَّ أَنْ يَسْتَفِيضَ وَيَنْتَشِرَ. ، وَكَذَلِكَ لَوِ ادَّعَى أَنَّ قُرَيْشًا أَوْ غَيْرَهُمْ عَارَضُوا الْقُرْآنَ، وَجَاءُوا بِكِتَابٍ يُمَاثِلُ الْقُرْآنَ، وَأَنَّهُمْ أَظْهَرُوا ذَلِكَ، وَأَبْطَلُوا بِهِ حُجَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَهَذَا مِمَّا يُقْطَعُ بِكَذِبِهِ، لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَوْ وَقَعَ لَكَانَ مِمَّا تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ، وَكَذَلِكَ لَوِ ادَّعَى

стр. 2781

أَنَّ مُحَمَّدًا أَمَرَ بِحَجِّ بَيْتٍ غَيْرِ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ أَوْ أَوْجَبَ صَوْمَ شَهْرٍ غَيْرِ شَهْرِ رَمَضَانَ أَوْ أَوْجَبَ صَلَاةً سَادِسَةً وَقْتَ الضُّحَى، أَوْ أَمَرَ بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِغَيْرِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، أَوْ أَنَّهُ قَالَ عَلَانِيَةً بَيْنَ النَّاسِ لِأَبِي بَكْرٍ أَوِ الْعَبَّاسِ أَوْ عَلِيٍّ أَوْ غَيْرِهِمْ: هَذَا هُوَ الْخَلِيفَةُ مِنْ بَعْدِي، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، أَوْ أَنَّ عَلِيًّا دَعَا إِلَى نَفْسِهِ فِي خِلَافَةِ الثَّلَاثَةِ، وَأَمْثَالِ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي لَوْ وَقَعَتْ لَكَانَ لَهَا لَوَازِمُ، يُسْتَدَلُّ بِانْتِفَاءِ اللَّازِمِ عَلَى انْتِفَاءِ الْمُلْزَمِ، ثُمَّ هَذِهِ اللَّوَازِمُ مِنْهَا جَلِيٌّ، وَمِنْهَا خَفِيٌّ يَعْرِفُهُ الْخَاصَّةُ. فَلِهَذَا كَانَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحْوَالِ الرَّسُولِ يَقْطَعُونَ بِكَذِبِ أَحَادِيثَ لَا يَقْطَعُ غَيْرُهُمْ بِكَذِبِهَا لِعِلْمِهِمْ بِلَوَازِمِ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ وَانْتِفَاءِ لَوَازِمِهَا، كَمَا يَقْطَعُ مَنْ يَعْلَمُ مَغَازِي النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لَمْ يُقَاتِلْ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَأَنَّ غَزَوَاتِ الْقِتَالِ إِنَّمَا كَانَتْ تِسْعَةَ مَغَازِي، وَأَنَّهُ لَمْ يَغْزُ بِنَفْسِهِ إِلَى الْيَمَنِ، وَلَا الْعِرَاقِ، وَلَا جَاوَزَ تَبُوكَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَحُجَّ بَعْدَ الْهِجْرَةِ إِلَّا حَجَّةَ الْوَدَاعِ، وَلَمْ يَصُمْ إِلَّا تِسْعَ رَمَضَانَاتٍ. وَهَكَذَا يَعْلَمُونَ أَنَّ فُلَانًا أَخْطَأَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى فُلَانٍ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا مِنْ وُجُوهٍ ثَابِتَةٍ أَنَّ ذَلِكَ الْحَدِيثَ إِنَّمَا رَوَاهُ عَلَى صُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَإِذَا رَوَى غَيْرُ الثِّقَةِ مَا يُنَاقِضُ ذَلِكَ عَلِمُوا بُطْلَانَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ أَخْطَأَ أَوْ تَعَمَّدَ الْكَذِبَ، مِثْلَ مَا يَعْلَمُونَ كَذِبَ مَنْ زَادَ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ -

стр. 2782

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «لَا سَبْقَ إِلَّا فِي خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ أَوْ نَصْلٍ» " فَزَادَ بَعْضُ النَّاسِ فِيهِ: " أَوْ جَنَاحٍ " لَمَّا رَأَى بَعْضَ الْأُمَرَاءِ عِنْدَهُ حَمَامٌ، فَعَلِمُوا أَنَّهُ كَذَبَ تَقَرُّبًا إِلَى ذَلِكَ الْأَمِيرِ. وَكَمَا يَعْلَمُونَ كَذِبَ مَنْ رَوَى أَنَّ مُسَيْلِمَةَ وَقَوْمَهُ كَانُوا مُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنَّمَا قَاتَلَهُمُ الصِّدِّيقُ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يُعْطُوا الزَّكَاةَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا بِالتَّوَاتُرِ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ ادَّعَى النُّبُوَّةَ، وَاتَّبَعَهُ قَوْمُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّهُ كَتَبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي حَيَاتِهِ يَقُولُ: مِنْ مُسَيْلِمَةَ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ : " مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ " وَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ

стр. 2783

كَانَ لَهُ مَخَارِيقُ، وَأَنَّهُ ظَهَرَ كَذِبُهُ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ وَالصَّحَابَةَ قَاتَلُوهُ عَلَى كَذِبِهِ فِي دَعْوَى النُّبُوَّةِ، وَقَاتَلُوا قَوْمَهُ عَلَى رِدَّتِهِمْ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَاتِّبَاعِهِمْ نَبِيًّا كَاذِبًا لَمْ يُقَاتِلُوهُمْ عَلَى كَوْنِهِمْ لَمْ يُؤَدُّوا الزَّكَاةَ لِأَبِي بَكْرٍ. وَكَذَلِكَ الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ الَّذِي ادَّعَى النُّبُوَّةَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقُتِلَ فِي حَيَاتِهِ، كُلٌّ مِنْهُمَا عُرِفَ كَذِبُهُ

стр. 2784

بِتَكْذِيبِ النَّبِيِّ الصَّادِقِ وَالْمَصْدُوقِ لَهُمَا، وَمِمَّا ظَهَرَ مِنْ دَلَائِلِ كَذِبِهِمَا، مِثْلَ الْأَخْبَارِ الْكَاذِبَةِ الَّتِي تُنَاقِضُ النُّبُوَّةَ، وَمِثْلَ الْإِتْيَانِ بِقُرْآنٍ مُخْتَلَقٍ يَعْلَمُ مَنْ سَمِعَهُ أَنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمِ اللَّهُ بِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَصْنِيفُ الْآدَمِيِّينَ كَمَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ لَهُمْ لَمَّا تَابُوا مِنَ الرِّدَّةِ، وَعَادُوا إِلَى الْإِسْلَامِ: " أَسْمِعُونِي قُرْآنَ مُسَيْلِمَةَ فَلَمَّا أَسْمَعُوهُ إِيَّاهُ قَالَ: وَيْحَكُمُ أَيْنَ يُذْهَبُ بِعُقُولِكُمْ، إِنَّ هَذَا كَلَامٌ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ إِلٍّ " أَيْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ رَبٍّ، وَمِثْلَ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ وَيَأْمُرُ بِهِ مِنَ الْفُجُورِ وَالْكَذِبِ، وَمِثْلَ اطِّلَاعِ أَخَصِّ النَّاسِ بِهِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَكْذِبُ، وَيَسْتَعِينُ بِمَنْ يَخْتَلِقُ لَهُ الْكَذِبَ، وَمِثْلَ أَنَّهُ كَانَ يَعِدُهُمْ بِأَنَّ جِبْرِيلَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَيُنْصَرُ، فَلَمَّا حَقَّتِ الْحَقَائِقُ قَالَ لَهُمْ: إِنَّهُ لَا جِبْرِيلَ لَكُمْ فَقَاتِلُوا عَنْ أَحْسَابِكُمْ. إِلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى كَذِبِ الْكَاذِبِ.

стр. 2785

فَالصِّدْقُ لَهُ دَلَائِلُ مُسْتَلْزِمَةٌ لَهُ تَدُلُّ عَلَى الصِّدْقِ، وَالْكَذِبُ لَهُ دَلَائِلُ مُسْتَلْزِمَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْكَذِبِ، وَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِصِدْقِ مُخْبِرٍ، وَلَا بِكَذِبِ مُخْبِرٍ إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَمَا لَمْ يُعْلَمْ صِدْقُهُ وَلَا كَذِبُهُ، وَلَا ثُبُوتُهُ وَلَا انْتِفَاؤُهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْإِمْسَاكُ عَنْهُ، وَيَقُولُ الْقَائِلُ: هَذَا لَمْ أَعْلَمْهُ، وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدِي، وَلَا أَجْزِمُ بِهِ، وَلَا أَحْكُمْ بِهِ، وَلَا أَسْتَدِلُّ بِهِ، وَلَا أَحْتَجُّ بِهِ، وَلَا أَبْنِي عَلَيْهِ مَذْهَبِي وَاعْتِقَادِي وَعَمَلِي، وَنَحْوَ ذَلِكَ. لَا يَقُولُ: هَذَا أَقْطَعُ بِكَذِبِهِ وَانْتِفَائِهِ، وَإِنْ كُنْتُ أَقْطَعُ أَنَّ مَنْ أَثْبَتَهُ تَكَلَّمَ بِلَا عِلْمٍ، فَالْقَطْعُ بِجَهْلِ مُثْبِتِهِ الْمُعْتَقِدِ لَهُ غَيْرُ الْقَطْعِ بِانْتِفَائِهِ، فَمَنْ قَطَعَ فِيهِ بِلَا دَلِيلٍ يُوجِبُ الْقَطْعَ قَطَعْنَا بِجَهْلِهِ وَضَلَالِهِ وَخَطَأِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْطَعْ بِانْتِفَاءِ مَا أَثْبَتَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَمَنْ حَكَمَ بِشَهَادَةِ مَجْرُوحٍ فَاسِقٍ أَمَرَ اللَّهُ بِالتَّثَبُّتِ فِي خَبَرِهِ، فَمَنْ حَكَمَ وَقَطَعَ بِخَبَرِهِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ حَكَمْنَا بِأَنَّ هَذَا مُتَكَلِّمٌ حَاكِمٌ بِلَا عِلْمٍ، وَإِنْ لَمْ يُحْكَمْ بِكَذِبِ الشَّاهِدِ الْمُخْبِرِ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَنْفِيَ عِلْمَ غَيْرِهِ، وَقَطْعَ غَيْرِهِ، مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ مِنْهُ بِالْأَسْبَابِ الَّتِي بِهَا يَعْلَمُ وَيُخْبِرُ، فَإِنَّهُ كَثِيرًا مَا يَكُونُ لِلْإِنْسَانِ دَلَائِلُ كَثِيرَةٌ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، وَثُبُوتِ أَمْرٍ مُعَيَّنٍ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ لَا يَعْرِفُ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الدَّلَائِلِ. وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا يَغْلَطُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَنْظُرُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ،

стр. 2786

وَمَبْلَغِ عِلْمِهِمْ، فَإِذَا لَمْ يَجِدُوا عِنْدَهُمْ مَا يُوجِبُ الْعِلْمَ بِذَلِكَ الْأَمْرِ جَعَلُوا غَيْرَهُمْ كَذَلِكَ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ مِنْهُمْ بِانْتِفَاءِ أَسْبَابِ الْعِلْمِ عِنْدَ ذَلِكَ الْغَيْرِ، وَقَدْ يُقِيمُونَ حُجَجًا ضَعِيفَةً عَلَى أَنَّهُ غَيْرُهُمْ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ، مِثْلَ مَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ وَالِاعْتِبَارِ، وَمَنْ لَمْ يُسَاوُوهُمْ فِي نَظَرِهِمْ وَأَدِلَّتِهِمْ وَقُوَّةِ أَذْهَانِهِمْ لَا يَعْلَمُ مَا عَلِمُوهُ، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَعْلَمُ بِالْأَخْبَارِ وَالنَّقْلِ وَالِاسْتِدْلَالِ بِذَلِكَ أُمُورًا كَثِيرَةً، وَمَنْ لَمْ يُشَارِكْهُمْ فِيمَا سَمِعُوهُ، وَفِيمَا عَرَفُوهُ مِنْ أَحْوَالِ الْمُخْبِرِينَ وَالْمُخْبَرِ وَكَمَالِ مَعْرِفَتِهِمْ بِذَلِكَ لَا يَعْلَمُ مَا عَلِمُوهُ. فَلِهَذَا كَانَ لِأَهْلِ النَّظَرِ الْعَقْلِيِّ طُرُقٌ لَا يَعْرِفُهَا أَهْلُ الْأَخْبَارِ، وَلِأَهْلِ الْأَخْبَارِ السَّمْعِيَّةِ طُرُقٌ لَا تُعْرَفُ بِمُجَرَّدِ الْعُقُولِ، وَلِهَذَا كَانَ لِهَؤُلَاءِ مِنَ الطُّرُقِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ، وَنُبُوَّتِهِ، وَالِاسْتِدْلَالِ عَلَى ذَلِكَ، أُمُورٌ كَثِيرَةٌ لَا يَعْرِفُهَا أَهْلُ الْحَدِيثِ وَالْأَخْبَارِ، وَعِنْدَ هَؤُلَاءِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ عِنْدَهُمْ، وَالْآيَاتِ الْمُسْتَفِيضَةِ عِنْدَهُمْ مَا يَعْلَمُونَ بِهَا صِدْقَ الرَّسُولِ، وَإِنْ كَانَ أُولَئِكَ لَا يَعْرِفُونَهَا، بَلْ طُرُقُ مَعْرِفَةِ الصَّانِعِ وَتَصْدِيقِ رَسُولِهِ قَدْ يَكُونُ لِكُلِّ قَوْمٍ مِنْهَا طَرِيقٌ أَوْ طُرُقٌ لَا يَعْلَمُهَا آخَرُونَ، وَهُمْ مُشْتَرِكُونَ فِي الْإِقْرَارِ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَلِكُلِّ قَوْمٍ طُرُقٌ وَأَدِلَّةٌ غَيْرَ طُرُقِ الْآخَرِينَ وَأَدِلَّتِهِمْ بَلْ مَا تَوَاتَرَ عِنْدَهُمْ مِنْ أَحْوَالِ الرَّسُولِ قَدْ يَكُونُ الْمُخْبِرُونَ

стр. 2787

لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَوَاتَرَ عِنْدَهُمْ مَا أَخْبَرُوهُمْ بِهِ مِنْ آيَاتِهِ وَشَرَائِعِهِ غَيْرَ الْمُخْبِرِينَ لِأُولَئِكَ، كَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ الْمُخْبِرُونَ لِأَهْلِ الشَّامِ بِآيَاتِ الرَّسُولِ، وَبِالْقُرْآنِ، وَشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ غَيْرَ الصَّحَابَةِ الْمُخْبِرِينَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ، وَلَكِنْ خَبَرُ هَؤُلَاءِ يُصَدِّقُ خَبَرَ هَؤُلَاءِ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ لَا يَعْلَمُ أَعْيَانَ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَخْبَرُوا أُولَئِكَ وَهَكَذَا سَائِرُ الْعُلُومِ، قَدْ يَكُونُ الَّذِي عَلَّمَ هَؤُلَاءِ الْفِقْهَ أَوِ النَّظَرَ أَوِ النَّحْوَ أَوِ الطِّبَّ غَيْرَ الَّذِي عَلَّمَ هَؤُلَاءِ، وَإِنِ اشْتَرَكَ الْجَمِيعُ فِي جِنْسِ الْفِقْهِ، وَالنَّظَرِ، وَالنَّحْوِ، وَالطِّبِّ، وَعَلِمَ مَا عَلِمَهُ هَؤُلَاءِ مِنَ الْأَعْيَانِ وَالْأَنْوَاعِ، مَعَ أَنَّ طَرِيقَ هَؤُلَاءِ لَيْسَ طَرِيقَ أُولَئِكَ، وَإِنِ اشْتَرَكُوا فِي النَّوْعِ. وَعَامَّةُ مَا يَعْلَمُهُ النَّاسُ بِالْحِسِّ هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يُحِسُّ بِأَحْوَالِ نَفْسِهِ مِنْ جُوعِهِ، وَعَطَشِهِ، وَشِبَعِهِ، وَرِيِّهِ، وَحُبِّهِ، وَبُغْضِهِ، وَشَهْوَتِهِ، وَنَفْرَتِهِ، وَأَلَمِهِ، وَلَذَّتِهِ، بَلْ يُحِسُّ بِأَعْضَائِهِ كَبَطْنِهِ، وَفَرْجِهِ، وَلَا يُحِسُّ بِأَحْوَالِ غَيْرِهِ، وَلَكِنْ يَشْتَرِكَانِ فِي الْجِنْسِ الْعَامِّ، فَيَشْتَرِكُونَ فِي جِنْسِ الْإِحْسَاسِ بِجُوعِهِمْ، وَشِبَعِهِمْ، وَقَدْ يَشْتَرِكُونَ فِي غَيْرِ مَا يُحِسُّونَهُ، كَاشْتِرَاكِهِمْ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ، وَالْقَمَرِ، وَالْهِلَالِ، وَالْكَوَاكِبِ. وَقَدْ غَلَطَ فِي مِثْلِ هَذَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي الْمَنْطِقِ الْيُونَانِيِّ، فَزَعَمُوا أَنَّ الْعُلُومَ التَّجْرِيبِيَّةَ، وَالتَّوَاتُرِيَّةَ، وَالْحَدْسِيَّةَ، إِنْ جَعَلُوهَا قِسْمًا

стр. 2788

غَيْرَ التَّجْرِيبِيَّةِ فَإِنَّ فِيهِمْ مَنْ يَجْعَلُ الْحَدْسِيَّةَ نَوْعًا مِنَ التَّجْرِيبِيَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهَا جِنْسًا آخَرَ، فَزَعَمَ هَؤُلَاءِ أَنَّ هَذِهِ الْعُلُومَ مُخْتَصَّةٌ لَا تَقُومُ بِهَا الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْلَمْهَا دُونَ الْحِسِّيَّاتِ، وَالْوَجْدِيَّاتِ، وَالْعَقْلِيَّاتِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ كَمَا أَنَّ هَذِهِ تَكُونُ مُشْتَرَكَةً تَارَةً، وَمُخْتَصَّةً أُخْرَى، فَكَذَلِكَ الْحِسِّيَّاتُ فَإِنَّ كُلَّ أَهْلِ زَمَانٍ وَمَكَانٍ يَعْلَمُونَ بِالْحِسِّ مِنْ أَحْوَالِ ذَلِكَ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ وَأَحْوَالِ أَهْلِهِ مَا لَا يَشْرُكُهُمْ فِيهِ غَيْرُهُمْ، وَكَذَلِكَ الْوَجْدِيَّاتُ، فَإِنَّ مَنِ ابْتُلِيَ بِالْغَرَائِبِ فِي الْأُمُورِ السِّيَاسِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ يَعْلَمُ مِنْهَا مَا لَا يَشْرُكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ. وَكَذَلِكَ الْعَقْلِيَّاتُ، فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ لَهُ أَصْلٌ يَقِيسُ بِهِ الْفَرْعَ فَيَعْلَمُ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ الَّذِي هُوَ الْحَدُّ الْأَوْسَطُ، وَيَعْلَمُ مِنْ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِهِ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ غَيْرُهُ. فَأَجْنَاسُ الْعُلُومِ وَطُرُقُهَا مِنْهَا مَا هُوَ مُخْتَصٌّ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُشْتَرَكٌ، وَالْمُشْتَرَكُ مِنْهُ مَا يَشْتَرِكُ فِيهِ جِنْسُ بَنِي آدَمَ، وَمِنْهُ مَا يَشْتَرِكُ فِيهِ نَوْعٌ مِنْهُمْ وَطَائِفَةٌ، فَهَذَا أَصْلٌ جَامِعٌ يَنْبَغِي مَعْرِفَتُهُ لِمَنْ تَكَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ.

стр. 2789

[فَصْلٌ: أَحْوَالُ وَشَوَاهِدُ صِدْقِ الْمُخْبِرِ وَكَذِبِهِ] وَإِذَا كَانَ جِنْسُ مَنْ يُخْبِرُ قَدْ يَكُونُ كَاذِبًا، وَقَدْ يَكُونُ صَادِقًا، فَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ وَاحِدٍ أَخْبَرَ بِخَبَرٍ يَصْدُقُ مُطْلَقًا، وَلَا يَكْذِبُ مُطْلَقًا، فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ الْعُقَلَاءِ أَنَّ كُلَّ خَبَرِ وَاحِدٍ أَوْ خَبَرَ كُلِّ وَاحِدٍ يَكُونُ صِدْقًا أَوْ يُفِيدُ الْعِلْمَ، وَلَا أَنَّهُ يَكُونُ كَذِبًا، بَلِ النَّاسُ يَعْلَمُونَ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ قَدْ يَقُومُ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِ فَيُعْلَمُ أَنَّهُ صِدْقٌ وَإِنْ كَانَ خَبَرَ وَاحِدٍ، وَقَدْ يَقُومُ الدَّلِيلُ عَلَى كَذِبِهِ فَيُعْلَمُ أَنَّهُ كَذِبٌ، وَإِنْ أَخْبَرَ بِهِ أُلُوفٌ إِذَا كَانَ خَبَرُهُمْ عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ مِنْهُمْ بِمَا أَخْبَرُوا بِهِ، أَوْ عَنْ تَوَاطُئٍ مِنْهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، مِثْلَ إِخْبَارِ أَهْلِ الِاعْتِقَادَاتِ الْبَاطِلَةِ بِالْبَاطِلِ الَّذِي يَعْتَقِدُونَهُ، وَأَمَّا إِذَا أَخْبَرُوا عَنْ عِلْمٍ مِنْهُمْ بِمَا أَخْبَرُوا بِهِ فَهَؤُلَاءِ صَادِقُونَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَيُعْلَمُ صِدْقُهُمْ تَارَةً بِتَوَافُقِ أَخْبَارِهِمْ مِنْ غَيْرِ مُوَاطَأَةٍ، وَلَوْ كَانَا اثْنَيْنِ، فَإِنَّ الِاثْنَيْنِ إِذَا أَخْبَرَا بِخَبَرٍ طَوِيلٍ أَسْنَدَاهُ إِلَى عِلْمٍ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُمَا لَمْ يَتَوَاطَأَا عَلَيْهِ، وَلَا هُوَ مِمَّا قَدْ يَتَّفِقُ فِي الْعَادَةِ تَمَاثُلُهُمَا فِيهِ فِي الْكَذِبِ أَوِ الْغَلَطِ عُلِمَ أَنَّهُ صِدْقٌ.

стр. 2790

وَقَدْ يُعْلَمُ صِدْقُ الْخَبَرِ الْوَاحِدِ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الدَّلَائِلِ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ، وَيُعْلَمُ صِدْقُ خَبَرِ الْوَاحِدِ بِقَرَائِنَ تَقْتَرِنُ بِخَبَرِهِ يُعْلَمُ بِهَا صِدْقُهُ، وَتِلْكَ الدَّلَائِلُ وَالْقَرَائِنُ قَدْ تَكُونُ صِفَاتٍ فِي الْمُخْبِرِ، مِنْ عِلْمِهِ، وَدِينِهِ، وَتَحَرِّيهِ الصِّدْقَ، بِحَيْثُ يُعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ لَا يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ، كَمَا يَعْلَمُ عُلَمَاءُ أَهْلِ الْحَدِيثِ قَطْعًا أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ، وَأَبَا سَعِيدٍ، وَجَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَمْثَالَهُمْ، لَمْ يَكُونُوا يَتَعَمَّدُونَ الْكَذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضْلًا عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَأَمْثَالِهِمْ، بَلْ يَعْلَمُونَ عِلْمًا يَقِينِيًّا أَنَّ الثَّوْرِيَّ، وَمَالِكًا، وَشُعْبَةَ، وَيَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ، وَأَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، وَالْبُخَارِيَّ، وَأَبَا زُرْعَةَ، وَأَبَا دَاوُدَ، وَأَمْثَالَهُمْ، لَا يَتَعَمَّدُونَ الْكَذِبَ فِي الْحَدِيثِ. وَقَدْ تَكُونُ الدَّلَائِلُ صِفَاتٍ فِي الْمُخْبَرِ بِهِ مُخْتَصَّةً بِذَلِكَ الْخَبَرِ أَوْ بِنَوْعِهِ يُعْلَمُ بِهَا أَنَّ ذَلِكَ الْمُخْبِرَ لَا يَكْذِبُ مِثْلَ ذَلِكَ الْخَبَرِ، كَحَاجِبِ

стр. 2791

الْأَمِيرِ إِذَا قَالَ بِحَضْرَتِهِ لِعَسْكَرِهِ: إِنَّ الْأَمِيرَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ فِي الِانْصِرَافِ، أَوْ أَمَرَكُمْ أَنْ تَرْكَبُوا غَدًا، أَوْ أَمَّرَ عَلَيْكُمْ فُلَانًا، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ فِي مِثْلِ هَذَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَتِهِ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ بِحَضْرَتِهِ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ يُكَذِّبُونَهُ فِي غَيْرِ هَذَا. وَقَدْ تَكُونُ الدَّلَائِلُ سَمَاعَ مَنْ شَارَكَهُ فِي الْعِلْمِ بِذَلِكَ الْخَبَرِ، وَإِقْرَارَهُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْعَادَةَ كَمَا قَدْ تَمْنَعُ التَّوَاطُؤَ عَلَى الْكَذِبِ فَإِنَّهَا قَدْ تَمْنَعُ التَّوَاطُؤَ عَلَى الْكِتْمَانِ وَإِقْرَارِ الْكَذِبِ وَالسُّكُوتِ، وَعَنْ إِنْكَارِهِ، فَمَا تَوَافَرَتِ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى ذِكْرِهِ وَالْخَبَرِ بِهِ يَمْتَنِعُ أَنْ يَتَوَاطَأَ أَهْلُ التَّوَاتُرِ عَلَى كِتْمَانِهِ، كَمَا يَمْتَنِعُ فِي الْعَادَةِ أَنْ تَحْدُثَ حَادِثَةٌ عَظِيمَةٌ تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهَا فِي الْحَجِّ أَوِ الْجَامِعِ أَوِ الْعَسْكَرِ، وَحَيْثُ تُوجِبُ الْعَادَةُ نَقْلَ الْحَاضِرِينَ لِمَا عَايَنُوهُ ثُمَّ لَا يَنْقُلُ ذَلِكَ أَحَدٌ. وَإِقْرَارُ الْكَذِبِ، وَالسُّكُوتُ عَلَى رَدِّهِ أَعْظَمُ امْتِنَاعًا فِي الْعَادَةِ مِنَ الْكِتْمَانِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ فِي الْعَادَةِ قَدْ تَدْعُوهُ نَفْسُهُ إِلَى أَنْ يَسْكُتَ عَلَى مَا رَآهُ وَسَمِعَهُ فَلَا يُخْبِرُ بِهِ، وَلَا تَدْعُوهُ نَفْسُهُ إِلَى أَنْ يَكْذِبَ عَلَيْهِ، وَيُخْبِرَ عَنْهُ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ كَذَبَ عَلَيْهِ فَيُقِرَّهُ وَلَا يُنْكِرَهُ إِذْ كَانَتْ عَادَةُ النَّاسِ إِلَى

стр. 2792

تَكْذِيبِ مِثْلِ هَذَا أَبْلَغَ مِنْ عَادَتِهِمْ بِالْإِخْبَارِ بِهِ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَذَبَ فِي قِصَّةٍ، وَبَلَغَ ذَلِكَ مَنْ شَاهَدَهَا، فَتَوَفُّرُ الْهِمَمِ عَلَى تَكْذِيبِ هَذَا أَعْظَمُ مِنْ تُوَفُّرِهَا عَلَى إِخْبَارِهِمْ بِمَا وَقَعَ ابْتِدَاءً، فَإِذَا كَانَتْ مِنَ الْقَضَايَا الَّتِي يَمْتَنِعُ السُّكُوتُ عَنْ إِظْهَارِهَا، فَالسُّكُوتُ عَنْ تَكْذِيبِ الْكَاذِبِ فِيهَا أَشَدُّ امْتِنَاعًا، وَقَدْ تَكُونُ الدَّلَائِلُ صِفَاتٍ فِيهِ تَقْتَرِنُ بِخَبَرِهِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَرَى حُمْرَةَ وَجْهِهِ فَيُمَيِّزُ بَيْنَ حُمْرَتِهِ مِنَ الْخَجَلِ وَالْحَيَاءِ وَبَيْنَ حُمْرَتِهِ مِنَ الْحُمَّى وَزِيَادَةِ الدَّمِ، وَبَيْنَ حُمْرَتِهِ مِنَ الْحَمَّامِ، وَبَيْنَ حُمْرَتِهِ مِنَ الْغَضَبِ، وَكَذَلِكَ يُمَيِّزُ بَيْنَ صُفْرَتِهِ مِنَ الْفَزَعِ، وَالْوَجَلِ، وَبَيْنَ صُفْرَتِهِ مِنَ الْحُزْنِ، وَالْخَوْفِ، وَبَيْنَ صُفْرَتِهِ مِنَ الْمَرَضِ، فَكَمَا أَنَّ سَحْنَتَهُ، وَوَجْهَهُ يَعْرِفُ بِهَا أَحْوَالَ بَدَنِهِ الطَّبِيعِيَّةَ مِنْ أَمْرَاضِهِ الْمُخْتَلِفَةِ حَتَّى إِنَّ الْأَطِبَّاءَ الْحُذَّاقَ يَعْلَمُونَ حَالَ الْمَرِيضِ مِنْ سَحْنَتِهِ فَلَا يَحْتَاجُونَ مَعَ ذَلِكَ إِلَى نَبْضٍ وَقَارُورَةٍ، وَكَذَلِكَ تَعْرِفُ أَحْوَالَهُ النَّفْسَانِيَّةَ هَلْ هُوَ فَرِحٌ مَسْرُورٌ أَوْ مَحْزُونٌ مَكْرُوبٌ؟ وَيَعْلَمُ هَلْ هُوَ مُحِبٌّ صَدِيقٌ مُرِيدٌ لِلْخَيْرِ

стр. 2793

أَوْ هُوَ مُبْغِضٌ عَدُوٌّ مُرِيدٌ لِلشَّرِّ؟ كَمَا قِيلَ: تُحَدِّثُنِي الْعَيْنَانِ مَا الْقَلْبُ كَاتِمٌ ... وَالْعَيْنُ تَعْرِفُ مِنْ عَيْنَيْ مُحَدِّثِهَا إِنْ كَانَ مِنْ حِزْبِهَا أَوْ مِنْ أَعَادِيهَا ، وَكَمَا قِيلَ: ، وَلَا خَيْرَ فِي الشَّحْنَاءِ وَالنَّظَرِ الشَّزْرِ

стр. 2794

ثُمَّ إِذَا تَكَلَّمَ مَعَ ذَلِكَ دَلَّ كَلَامُهُ عَلَى أَبْلَغَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيمَا وَجْهِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنِ الْمُنَافِقِينَ: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَعْرِفَ الْمُنَافِقِينَ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ، وَأَنَّ مَعْرِفَتَهُمْ بِالسِّيمَا مُعَلَّقَةٌ بِالْمَشِيئَةِ، وَالْمُنَافِقُ الْكَاذِبُ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ فِي لَحْنِ قَوْلِهِ يُعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ، وَقَالَ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] وَقَالَ فِي حَقِّ الْكَافِرِ: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] أَيْ لَهُ زَنَمَةٌ مِنَ الشَّرِّ أَيْ عَلَامَةٌ يُعْرَفُ بِهَا.

стр. 2795

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ " مَا أَسَرَّ أَحَدٌ سَرِيرَةً إِلَّا أَبْدَاهَا اللَّهُ عَلَى صَفَحَاتِ وَجْهِهِ، وَفَلَتَاتِ لِسَانِهِ " وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِيمَانِ، وَبَيَّنَّا أَنَّ مَا يَقُومُ بِالْقَلْبِ مِنْ تَصْدِيقٍ، وَحُبِّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَعْظِيمٍ، لَا بُدَّ أَنْ يَظْهَرَ عَلَى الْجَوَارِحِ، وَكَذَلِكَ بِالْعَكْسِ، وَلِهَذَا يُسْتَدَلُّ بِانْتِفَاءِ اللَّازِمِ الظَّاهِرِ عَلَى انْتِفَاءِ الْمَلْزُومِ الْبَاطِنِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَلَا إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا

стр. 2796

صَلَحَتْ صَلَحَ لَهَا سَائِرُ الْجَسَدِ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ لَهَا سَائِرُ الْجَسَدِ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» . وَكَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ لِمَنْ رَآهُ يَعْبَثُ فِي الصَّلَاةِ: " لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ ". وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٨١] وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة: ٤٦] فَإِنَّ

стр. 2797

الْإِرَادَةَ الَّتِي فِي الْقَلْبِ مَعَ الْقُدْرَةِ تُوجِبُ فِعْلَ الْمُرَادِ، وَالسَّفَرَ فِي غَزْوَةٍ بَعِيدَةٍ لَا يَكُونُ إِلَّا بِعُدَّةٍ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَنَّ عُثْمَانَ قَالَ لِعُمَرَ لَمَّا شَاوَرَهُ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي أَقَرَّتْ بِالزِّنَا: " إِنِّي أُرَاهَا تَسْتَهِلُّ بِهِ اسْتِهْلَالَ مَنْ لَا يَعْرِفُ أَنَّهُ حَرَامٌ " فَإِنَّهُ لَمَّا رَآهَا تَجْهَرُ بِمَا فَعَلَتْهُ، وَتَحْكِيهِ مِنْ غَيْرِ اكْتِرَاثٍ، تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهَا لَمْ تَعْتَقِدْ تَحْرِيمَهُ، وَأَنَّهُ يُذَمُّ، وَتُعَاقَبُ عَلَيْهِ، وَوَافَقَهُ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَغَيْرُهُمَا عَلَى ذَلِكَ. وَالرَّجُلُ الصَّادِقُ الْبَارُّ يَظْهَرُ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ نُورِ صِدْقِهِ، وَبَهْجَةِ وَجْهِهِ سِيمَا يُعْرَفُ بِهَا، وَكَذَلِكَ الْكَاذِبُ الْفَاجِرُ، وَكُلَّمَا طَالَ عُمُرُ الْإِنْسَانِ ظَهَرَ هَذَا الْأَثَرُ فِيهِ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ يَكُونُ فِي صِغَرِهِ جَمِيلَ الْوَجْهِ، فَإِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْفُجُورِ مُصِرًّا عَلَى ذَلِكَ يَظْهَرُ عَلَيْهِ فِي آخِرِ عُمُرِهِ مِنْ قُبْحِ الْوَجْهِ مَا أَثَّرَهُ بَاطِنُهُ، وَبِالْعَكْسِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ لِلْحَسَنَةِ لَنُورًا فِي الْقَلْبِ، وَضِيَاءً فِي الْوَجْهِ، وَقُوَّةً فِي الْبَدَنِ، وَسَعَةً فِي الرِّزْقِ، وَمَحَبَّةً فِي قُلُوبِ الْخَلْقِ، وَإِنَّ لِلسَّيِّئَةِ لَظُلْمَةً فِي الْقَلْبِ، وَسَوَادًا فِي الْوَجْهِ، وَوَهْنًا فِي الْبَدَنِ، وَبَغْضَةً فِي قُلُوبِ الْخَلْقِ. وَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ مِمَّنْ لَا يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ لَكِنْ يَعْتَقِدُ اعْتِقَادَاتٍ

стр. 2798

بَاطِلَةً كَاذِبَةً فِي اللَّهِ أَوْ فِي رُسُلِهِ أَوْ فِي دِينِهِ أَوْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ، وَتَكُونُ لَهُ زَهَادَةٌ، وَعِبَادَةٌ، وَاجْتِهَادٌ فِي ذَلِكَ فَيُؤَثِّرُ ذَلِكَ الْكَذِبُ الَّذِي ظَنَّهُ صِدْقًا وَتَوَابِعُهُ فِي بَاطِنِهِ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِهِ فَيَعْلُوهُ مِنَ الْقَتَرَةِ وَالسَّوَادِ مَا يُنَاسِبُ حَالَهُ، كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَوِ ادَّهَنَ صَاحِبُ الْبِدْعَةِ كُلَّ يَوْمٍ بِدِهَانٍ، إِنَّ سَوَادَ الْبِدْعَةِ لَفِي وَجْهِهِ " وَهَذِهِ الْأُمُورُ تَظْهَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ظُهُورًا تَامًّا. قَالَ تَعَالَى: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى ﴿الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠] (٦٠) ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر: ٦١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦] (١٠٦) ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٧] .

стр. 2799

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: تَبْيَضُّ وُجُوهُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ أَهْلِ الْبِدْعَةِ وَالْفُرْقَةِ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مَا فِي الْقُلُوبِ مِنْ قَصْدِ الصِّدْقِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْبِرِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ قَدْ يَظْهَرُ عَلَى الْوَجْهِ حَتَّى يُعْلَمَ ذَلِكَ عِلْمًا ضَرُورِيًّا مِنْ أَبْلَغِ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، وَكَذَلِكَ مَا فِيهَا مِنْ قَصْدِ الْكَذِبِ وَالْبُغْضِ وَالْفُجُورِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالْإِنْسَانُ يُرَافِقُ فِي سَفَرِهِ مَنْ لَمْ يَرَهُ قَطُّ إِلَّا تِلْكَ السَّاعَةَ فَلَا يَلْبَثُ إِذَا رَآهُ مُدَّةً، وَسَمِعَ كَلَامَهُ أَنْ يَعْرِفَ هَلْ هُوَ مَأْمُونٌ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ؟ أَوْ لَيْسَ كَذَلِكَ؟ وَقَدْ يُشْتَبَهُ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، وَرُبَّمَا غَلِطَ، لَكِنَّ الْعَادَةَ الْغَالِبَةَ أَنَّهُ يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ بَعْدُ لِعَامَّةِ النَّاسِ. وَكَذَلِكَ الْجَارُ يَعْرِفُ جَارَهُ، وَالْمُعَامِلُ يَعْرِفُ مُعَامِلَهُ، وَلِهَذَا لَمَّا شَهِدَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَجُلٌ فَزَكَّاهُ آخَرُ قَالَ: هَلْ أَنْتَ جَارُهُ الْأَدْنَى تَعْرِفُ مَسَاءَهُ وَصَبَاحَهُ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: هَلْ عَامَلْتَهُ فِي الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ الَّذِينَ تُمْتَحَنُ بِهِمَا أَمَانَاتُ النَّاسِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: هَلْ رَافَقْتَهُ فِي السَّفَرِ الَّذِي يَنْكَشِفُ فِيهِ أَخْلَاقُ النَّاسِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَلَسْتَ

стр. 2800

تَعْرِفُهُ وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: لَعَلَّكَ رَأَيْتَهُ يَرْكَعُ رَكَعَاتٍ فِي الْمَسْجِدِ. وَذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِقَ قَدْ يُظْهِرُ الصَّلَاةَ فَمَنْ لَمْ يَخْبُرْهُ لَا يَعْرِفُ بَاطِنَ أَمْرِهِ كَمَا قِيلَ: ذِئْبٌ تَرَاهُ مُصَلِّيًا ... فَإِذَا مَرَرْتَ بِهِ رَكَعْ يَدْعُو وَجُلُّ دُعَائِهِ مَا لِلْفَرِيسَةِ لَا تَقَعْ ... ، وَإِذَا الْفَرِيسَةُ خُيِّلَتْ ذَهَبَ التَّنَسُّكُ وَالْوَرَعْ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَنْ نَبَّأَهُ اللَّهُ وَاصْطَفَاهُ لِلرِّسَالَةِ كَانَ قَلْبُهُ مِنْ أَفْضَلِ الْقُلُوبِ صِدْقًا وَبِرًّا، وَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ كَانَ قَلْبُهُ مِنْ شَرِّ الْقُلُوبِ كَذِبًا وَفُجُورًا كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ فَاصْطَفَاهُ لِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ

стр. 2801

الْعِبَادِ فَاتَّخَذَهُمْ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ، وَإِقَامَةِ دِينِهِ فَمَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ، وَمَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ سَيِّئٌ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُسْتَنًّا فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ فَإِنَّ الْحَيَّ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ. أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ أَبَرُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ قُلُوبًا، وَأَعْمَقُهَا عِلْمًا، وَأَقَلُّهَا تَكَلُّفًا، قَوْمٌ اخْتَارَهُمُ اللَّهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ، وَإِقَامَةِ دِينِهِ، فَاعْرِفُوا لَهُمْ حَقَّهُمْ، وَتَمَسَّكُوا بِهَدْيِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهُدَى الْمُسْتَقِيمِ. وَإِذَا كَانَ مِنْ أَعْظَمِ بَلْ أَعْظَمَ أَهْلِ زَمَانِهِ صِدْقًا وَبِرًّا فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَظْهَرَ عَلَى فَلَتَاتِ لِسَانِهِ وَصَفَحَاتِ وَجْهِهِ مَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ، كَمَا أَنَّ الْكَاذِبَ الْكَافِرَ لَا بُدَّ أَنْ يَظْهَرَ عَلَى وَجْهِهِ وَفَلَتَاتِ لِسَانِهِ مَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ، وَهَذَا يَكُونُ تَارَةً حِينَ إِخْبَارِهِ بِمَا يُخْبِرُ بِهِ، وَتَارَةً مَوْجُودًا فِي غَيْرِ تِلْكَ الْحَالِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا جَاءَ، وَقَالَ: إِنَّ السُّلْطَانَ أَوِ الْأَمِيرَ أَوِ الْحَاكِمَ أَوِ الشَّيْخَ أَوْ فُلَانًا أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ بِكَذَا، فَإِنَّهُ قَدْ يَقْتَرِنُ بِنَفْسِ إِخْبَارِهِ مِنْ كَيْفِيَّتِهِ وَحَالِهِ مَا يُعْلَمُ بِهِ أَنَّهُ صَادِقٌ أَوْ كَاذِبٌ، وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا قَبْلَ ذَلِكَ

стр. 2802

بِالصِّدْقِ أَوِ الْكَذِبِ كَانَ ذَلِكَ دَلَالَةً أُخْرَى، وَقَدْ يَكُونُ مِمَّنْ يَكْذِبُ، وَلَكِنْ يُعْرَفُ أَنَّهُ صَادِقٌ فِي ذَلِكَ الْخَبَرِ، دَعْ مَنْ يَسْتَمِرُّ عَلَى خَبَرٍ وَاحِدٍ بِضْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً مَعَ أَصْنَافِ النَّاسِ، وَاخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ. وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ النَّاسَ تَخْتَلِفُ أَحْوَالُهُمْ فِي الْمَعْرِفَةِ، وَالْخِبْرَةِ، وَالنَّظَرِ، وَالِاسْتِدْلَالِ فِي جَمِيعِ الْمَعَارِفِ، فَقَدْ يَتَفَطَّنُ الْإِنْسَانُ لِدَلَالَةٍ لَا يَتَفَطَّنُ لَهَا غَيْرُهُ، وَقَدْ يَتَبَيَّنُ لَهُ مَا يَخْفَى عَلَى غَيْرِهِ، حَتَّى الْأَنْبِيَاءُ يَتَفَاضَلُونَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ - فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩] وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْعِلْمَ بِصِدْقِ الصَّادِقِ، وَكَذِبِ الْكَاذِبِ كَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمَعْلُومَاتِ قَدْ يَكُونُ ضَرُورِيًّا، وَقَدْ يَكُونُ نَظَرِيًّا، وَهُوَ لَيْسَ مِنَ الضَّرُورِيَّاتِ الْكُلِّيَّةِ الْأَوَّلِيَّةِ، كَالْعِلْمِ بِأَنَّ الْوَاحِدَ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ، بَلْ مِنَ الْعِلْمِ بِالْأُمُورِ الْمُعَيَّنَةِ كَالْعِلْمِ بِحُمْرَةِ الْخَجِلِ، وَصُفْرَةِ الْوَجِلِ، وَعَدْلِ الْعَادِلِ، وَظُلْمِ الظَّالِمِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَعْرِفُهُ الْخَبِيرُ بِذَلِكَ عِلْمًا ضَرُورِيًّا، وَإِذَا كَانَ اسْتِدْلَالِيًّا فَالْمَعْرِفَةُ بِالْعِلْمِ لَا تَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ وُجُودِ

стр. 2803

الدَّلِيلِ فِي نَفْسِهِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْقَلْبِ بِهِ، وَالنَّاسُ مُتَفَاوِتُونَ فِي ذَلِكَ، وَالدَّلِيلُ أَبَدًا هُوَ مَا اسْتَلْزَمَ الْمَدْلُولَ، فَكُلُّ مَا كَانَ مُسْتَلْزِمًا لِلشَّيْءِ كَانَ دَلِيلًا عَلَيْهِ، لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهِ، وَمَعْرِفَةِ أَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ ثُمَّ إِذَا حَصَلَ الْعِلْمُ صَارَ ضَرُورِيًّا، وَقَدْ يَكُونُ ضَرُورِيًّا بِلَا وَاسِطَةِ دَلِيلٍ مُعَيَّنٍ، وَلَيْسَ الْعِلْمُ بِالْمُعَيَّنَاتِ كَالْعِلْمِ بِصِدْقِ هَذَا وَكَذِبِ هَذَا، مِمَّا يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الْقِيَاسِ الشُّمُولِيِّ، فَإِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يُفِيدُ بِتَوَسُّطِ قَضِيَّةٍ كُلِّيَّةٍ، وَالْمُعَيَّنَاتُ قَدْ لَا يَحْتَاجُ فِيهَا إِلَى ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ خِبْرَةٍ بِحَالِ ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ. وَإِذَا كَانَ الْقَائِلُ: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ، وَأَصْدَقِهِمْ، وَأَبَرِّهِمْ، وَأَفْضَلِهِمْ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ شَرَارِ النَّاسِ، وَأَكْذَبِهِمْ، وَأَفْجَرِهِمْ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَيْنِ يَكُونُ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ لَا تَكَادُ تَنْضَبِطُ، كُلٌّ مِنْهَا يُعْرَفُ بِهِ صِدْقُ هَذَا وَكَذِبُ هَذَا، وَكَانَتِ الْمَعْرِفَةُ بِذَلِكَ قَدْ تَحْصُلُ عِنْدَ سَمَاعِ خَبَرِ هَذَا وَخَبَرِ هَذَا، وَرُؤْيَةِ وَجْهِهِ، وَسَمَاعِ كَلَامِهِ، وَمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ وَيَقْتَرِنُ بِهِ مِنْ بَهْجَةِ الصِّدْقِ وَنُورِهِ، وَمِنْ ظُلْمَةِ الْكَذِبِ وَسَوَادِهِ وَقُبْحِهِ. يَتَبَيَّنُ بِذَلِكَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَحْصُلُ لَهُمْ عِلْمٌ ضَرُورِيٌّ بِأَنَّ

стр. 2804

هَذَا النَّبِيَّ صَادِقٌ، وَهَذَا الْمُتَنَبِّي كَاذِبٌ بِمِثْلِ ذَلِكَ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يَرَوْا خَارِقًا لِلْعَادَةِ. وَقَوْلُ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ: مَا لَمْ يَكُنْ خَارِقًا لِلْعَادَةِ، لَا اخْتِصَاصَ لِلنَّبِيِّ بِهِ، فَلَا يَدُلُّ. فَيُقَالُ لَهُ: لَفْظُ خَرْقِ الْعَادَةِ لَفْظٌ مُجْمَلٌ، وَإِنَّ تَعَيُّنَ دَعْوَى النُّبُوَّةِ صِدْقًا وَكَذِبًا لَيْسَ هُوَ أَمْرًا مُعْتَادًا، وَلَمْ يَقَعْ هَذَا إِلَّا فِي أَفْرَادٍ مِنَ الْعَالَمِ، وَهُوَ أَقَلُّ بِكَثِيرٍ مِنَ الْإِخْبَارِ بِالْمُغَيَّبَاتِ، فَإِنَّ هَذَا أَكْثَرُ فِي الْوُجُودِ مِنْ دَعْوَى النُّبُوَّةِ، إِذْ كُلُّ نَبِيٍّ يُخْبِرُ بِالْمُغَيَّبَاتِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ أَخْبَرَ بِهَا كَانَ نَبِيًّا، وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ هَذَا يَقُولُ أَكْثَرُهُمْ أَوْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ: إِنَّ دَعْوَى النُّبُوَّةِ وَالتَّحَدِّيَ وَالْمُعْجِزَ مَجْمُوعُهَا هُوَ الْمُخْتَصُّ بِالنَّبِيِّ، وَإِلَّا فَهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ مَا كَانَ مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ جَازَ أَنْ يَظْهَرَ عَلَى يَدَيْ وَلِيٍّ أَوْ سَاحِرٍ، وَإِنَّمَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا التَّحَدِّي وَعَدَمُ الْمُعَارَضَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُنْكِرُ خَرْقَ الْعَادَةِ أَنْ يَظْهَرَ عَلَى يَدِ غَيْرِ نَبِيٍّ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْوَلِيِّ وَالسَّاحِرِ إِلَّا بِبِرِّ هَذَا وَفُجُورِ هَذَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَطْرِدُ ذَلِكَ فِي النَّبِيِّ لَا سِيَّمَا مُتَفَلْسِفَةَ الْيُونَانِ، فَإِنَّهُمْ مِنْ أَجْهَلِ

стр. 2805

النَّاسِ بِأَمْرِ النُّبُوَّةِ، إِذْ كَانُوا لَمْ يَأْخُذُوهَا مِنَ الْعِلْمِ بِصِدْقِ الْأَنْبِيَاءِ، وَبِمَا جَاءُوا بِهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالْبَرَاهِينِ وَالْعِلْمِ بِصِفَاتِهِمْ، وَإِنَّمَا أَخَذُوهَا مِنَ الْقِيَاسِ عَلَى الْمَنَامَاتِ، فَجَوَّزُوا فِيهَا مِثْلَ مَا يَجُوزُ عَلَى النَّائِمِ مِنَ الْأَحْلَامِ وَالتَّخَيُّلِ، وَمَا يُصِيبُ أَهْلَ الْمَرَّةِ السَّوْدَاءِ مِمَّا يُشْبِهُ ذَلِكَ. وَهَذَا هُوَ الْمَوْجُودُ فِي عَامَّةِ أَتْبَاعِ أَرِسْطُو، وَلَكِنْ مُتَأَخِّرُوهُمْ كَابْنِ سِينَا ضَمَّ إِلَى ذَلِكَ تَصَرُّفَهُ فِي هَيُولِي الْعَالَمِ لِمَا بَلَغَهُ مِنْ خَوَارِقِهِمُ الْفِعْلِيَّةِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهَا أُولَئِكَ، إِذْ كَانَ عِلْمُ أَرِسْطُو هُوَ مَا كَانَ يَعْلَمُهُ قَوْمُهُ مِنَ الْيُونَانِ، وَهُمْ أُمَّةٌ أَوْلَادُ يَافِثَ لَمْ يَكُنْ
следующие страницы →