Полный текст (2 831 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
الْعَرَبِ، وَفِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بُعِثَ إِلَى سَائِرِ الْخَلْقِ، كَانَ هَذَا دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَى غَيْرِهِمْ بَعْدَ أَنْ لَمْ يُرْسَلْ إِلَّا إِلَيْهِمْ، وَأَنَّ اللَّهَ عَمَّ بِدَعْوَتِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ خَاصَّةً، فَلَا مُنَاقَضَةَ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا، فَكَيْفَ وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ وَاحِدَةٌ تَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ رِسَالَتِهِ بِالْعَرَبِ؟ وَإِنَّمَا فِيهِ إِثْبَاتُ رِسَالَتِهِ إِلَيْهِمْ، كَمَا أَنَّ فِيهِ إِثْبَاتُ رِسَالَتِهِ إِلَى قُرَيْشٍ، وَلَيْسَ هَذَا مُنَاقِضًا لِهَذَا، وَفِيهِ إِثْبَاتُ رِسَالَتِهِ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا﴾ [النساء: ٤٧] .
كَمَا فِيهِ إِثْبَاتُ رِسَالَتِهِ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ كَقَوْلِهِ: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَلَيْسَ هَذَا التَّخَصُّصَ لِلْيَهُودِ مُنَافِيًا لِذَلِكَ التَّعْمِيمِ، وَفِي رِسَالَتِهِ خِطَابٌ لِلْيَهُودِ تَارَةً وَلِلنَّصَارَى تَارَةً، وَلَيْسَ خِطَابُهُ لِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ وَدَعْوَتُهُ لَهَا مُنَاقِضًا لِخِطَابِهِ لِلْأُخْرَى وَدَعْوَتِهِ لَهَا، وَفِي كِتَابِهِ خِطَابٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْ أُمَّتِهِ فِي دَعْوَتِهِ لَهُمْ إِلَى شَرَائِعِ دِينِهِ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مُنَاقَضَةٌ بِأَنْ يُخَاطِبَ أَهْلَ الْكِتَابِ وَيَدْعُوَهُمْ، وَفِي كِتَابِهِ أَمْرٌ بِقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ النَّصَارَى، حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ.
стр. 317
قَالَ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] .
ثُمَّ لَمْ يَكُنْ هَذَا مَانِعًا أَنْ يَأْمُرَ بِقِتَالِ غَيْرِهِمْ مِنَ الْيَهُودِ وَالْمَجُوسِ ; حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ، بَلْ هَذَا الْحُكْمُ ثَابِتٌ فِي الْمَجُوسِ بِسُنَّتِهِ وَاتِّفَاقِ أُمَّتِهِ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِهِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِنُبُوَّتِهِ، فَكَيْفَ وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ عَلَى تَقْدِيرِ نُبُوَّتِهِ، وَالنَّبِيُّ لَا يَتَنَاقَضُ قَوْلُهُ؟ وَإِذَا كَانَ الْعِلْمُ بِعُمُومِ دَعَوْتِهِ وَرِسَالَتِهِ مَعْلُومًا بِالِاضْطِرَارِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِنُبُوَّتِهِ، وَبَعْدَ الْعِلْمِ بِنُبُوَّتِهِ، فَالْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ الْيَقِينِيُّ لَا يُعَارِضُهُ شَيْءٌ، وَلَكِنَّ هَذَا شَأْنُ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ: النَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ يَتَّبِعُونَ الْمُتَشَابِهَ وَيَدَعُونَ الْمُحْكَمَ، وَبِسَبَبِ مُنَاظَرَةِ النَّصَارَى لِلنَّبِيِّ ﷺ بِالْمُتَشَابِهِ، وَعُدُولِهِمْ عَنِ الْمُحْكَمِ أَنْزَلَ اللَّهُ ﵎ فِيهِمْ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] .
стр. 318
فَالتَّأْوِيلُ: يُرَادُ بِهِ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ، وَمَعْرِفَةُ مَعَانِيهِ، وَهَذَا يَعْلَمُهُ الرَّاسِخُونَ، وَيُرَادُ بِهِ مَا اسْتَأْثَرَ الرَّبُّ بِعِلْمِهِ مِنْ مَعْرِفَةِ كُنْهِهِ وَكُنْهِ مَا وَعَدَ بِهِ وَوَقْتِ السَّاعَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ.
стр. 319
وَالضُّلَّالُ يَذْكُرُونَ آيَاتٍ تَشْتَبِهُ عَلَيْهِمْ مَعْرِفَةُ مَعَانِيهَا، فَيَتَّبِعُونَ تَأْوِيلَهَا ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهَا، وَلَيْسُوا مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهَا مَعَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ مِنْ أَوْضَحِ الْآيَاتِ.
وَهَذَا الَّذِي سَلَكُوهُ فِي الْقُرْآنِ هُوَ نَظِيرُ مَا سَلَكُوهُ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَكَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَغَيْرِهَا، فَإِنَّ فِيهَا مِنَ النُّصُوصِ الْكَثِيرَةِ الصَّرِيحَةِ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ وَعُبُودِيَّةِ الْمَسِيحِ مَا لَا يُحْصَى إِلَّا بِكُلْفَةٍ، وَفِيهَا كَلِمَاتٌ قَلِيلَةٌ فِيهَا اشْتِبَاهٌ، فَتَمَسَّكُوا بِالْقَلِيلِ الْمُتَشَابِهِ الْخَفِيِّ الْمُشْكِلِ مِنَ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَتَرَكُوا الْكَثِيرَ الْمُحْكَمَ الْمُبَيَّنَ الْوَاضِحَ، فَهُمْ سَلَكُوا فِي الْقُرْآنِ مَا سَلَكُوهُ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، لَكِنَّ تِلْكَ الْكُتُبَ يُقِرُّونَ بِنُبُوَّةِ أَصْحَابِهَا وَمُحَمَّدٌ ﷺ هُمْ فِيهِ مُضْطَرِبُونَ مُتَنَاقِضُونَ، فَأَيُّ قَوْلٍ قَالُوهُ فِيهِ ظَهَرَ فَسَادُهُ وَكَذِبُهُمْ فِيهِ إِذَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِجَمِيعِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ.
[الرَّدُّ عَلَى النَّصَارَى فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّ كَلَامَ الرَّسُولِ مُتَنَاقِضٌ]
وَإِنْ قَالُوا: كَلَامُهُ مُتَنَاقِضٌ وَنَحْنُ نَحْتَجُّ بِمَا يُوَافِقُ قَوْلَنَا، إِذْ مَقْصُودُنَا بَيَانُ تَنَاقُضِهِ.
قِيلَ لَهُمْ عَنْ هَذَا أَجْوِبَةٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِمَّا يُظَنُّ أَنَّهُ مُتَعَارِضٌ أَضْعَافُ مَا فِي الْقُرْآنِ وَأَقْرَبُ إِلَى التَّنَاقُضِ، فَإِذَا كَانَتْ تِلْكَ الْكُتُبُ مُتَّفِقَةً لَا تَنَاقُضَ فِيهَا، وَإِنَّمَا يَظُنُّ تَنَاقُضَهَا مَنْ يَجْهَلُ مَعَانِيَهَا وَمُرَادَ الرُّسُلِ فَيَكُونُ كَمَا قِيلَ:
стр. 320
وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلًا صَحِيحًا ... وَآفَتُهُ مِنَ الْفَهْمِ السَّقِيمِ
فَكَيْفَ الْقُرْآنُ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ الْكُتُبِ؟
الثَّانِي: أَنَّهُمْ مُتَمَسِّكُونَ بِالْمُتَشَابِهِ فِي تِلْكَ الْكُتُبِ، وَمُخَالِفُونَ الْمُحْكَمَ مِنْهَا كَمَا فَعَلُوهُ بِالْقُرْآنِ وَأَبْلَغَ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَا جَاءَ بِهِ مُتَنَاقِضًا لَمْ يَكُنْ رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ مَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَا يَكُونُ مُخْتَلِفًا مُتَنَاقِضًا، وَإِنَّمَا يَتَنَاقَضُ مَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] .
فَكُلُّ كِتَابٍ لَيْسَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِيهِ تَنَاقُضٌ، وَمَا كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَا يَتَنَاقَضُ، وَحِينَئِذٍ فَإِنْ كَانَ مُتَنَاقِضًا لَمْ يَجُزْ لَهُمُ الِاحْتِجَاجُ بِشَيْءٍ مِنْهُ ; فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَنَاقِضًا ثَبَتَ أَنَّ مَا فِيهِ مِنْ عُمُومِ رِسَالَتِهِ، وَأَنَّهُ رَسُولٌ إِلَيْهِمْ، فَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ يُنَاقِضُهُ، فَإِنَّ مَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَا يَتَنَاقَضُ.
الرَّابِعُ: أَنَّا نُبَيِّنُ أَنَّ مَا فِيهِ مِنْ عُمُومِ رِسَالَتِهِ لَا يُنَافِي مَا فِيهِ مِنْ أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَى الْعَرَبِ، كَمَا أَنَّ مَا فِيهِ مِنْ إِنْذَارِ عَشِيرَتِهِ الْأَقْرَبِينَ، وَأَمْرِ قُرَيْشٍ لَا يُنَافِي مَا فِيهِ مِنْ دَعْوَةِ سَائِرِ الْعَرَبِ ; فَإِنَّ تَخْصِيصَ بَعْضِ الْعَامِّ بِالذِّكْرِ
стр. 321
إِذَا كَانَ لَهُ سَبَبٌ يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ لَمْ يَدُلَّ عَلَى أَنَّ مَا سِوَى الْمَذْكُورِ مُخَالَفَةٌ، وَهَذَا الَّذِي يُسَمَّى مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ وَدَلِيلَ الْخِطَابِ.
وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ التَّخْصِيصَ بِالذِّكْرِ مَتَى كَانَ لَهُ سَبَبٌ يُوجِبُ الذِّكْرَ غَيْرَ الِاخْتِصَاصِ بِالْحُكْمِ لَمْ يَكُنْ لِلِاسْمِ اللَّقَبِ مَفْهُومٌ، بَلْ وَلَا لِلصِّفَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] .
стр. 322
فَإِنَّهُ نَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَهُ، وَقَدْ حَرَّمَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَتْلَ النَّفْسِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، سَوَاءٌ كَانَ وَلَدًا، أَوْ غَيْرَهُ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُنَاقِضًا لِتَخْصِيصِ الْوَلَدِ بِالذِّكْرِ.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ فِي ذَلِكَ أُسْوَةٌ بِالْمَسِيحِ ﵇ فَإِنَّ الْمَسِيحَ خَصَّ أَوَّلًا بِالدَّعْوَةِ، ثُمَّ عَمَّ، كَمَا قِيلَ فِي الْإِنْجِيلِ: مَا بُعِثْتُ وَأُرْسِلْتُ إِلَّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ. وَقَالَ أَيْضًا فِي الْإِنْجِيلِ: مَا بُعِثْتُ إِلَّا
стр. 323
لِهَذَا الشَّعْبِ الْخَبِيثِ. ثُمَّ عَمَّ، فَقَالَ لِتَلَامِذَتِهِ حِينَ أَرْسَلَهُمْ كَمَا فِي الْإِنْجِيلِ: كَمَا بَعَثَنِي أَبِي أَبْعَثُ بِكُمْ، فَمَنْ قَبِلَكُمْ فَقَدْ قَبِلَنِي. وَقَالَ: أَرْسَلَنِي أَبِي، وَأَنَا أُرْسِلُكُمْ. وَقَالَ: كَمَا أَفْعَلُ أَنَا بِكُمْ، كَذَلِكَ افْعَلُوا أَنْتُمْ بِعِبَادِ اللَّهِ فَسِيرُوا فِي الْبِلَادِ، وَعَمِّدُوا النَّاسَ بِاسْمِ الْأَبِ وَالِابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ، وَلَا يَكُونُ لِأَحَدِكُمْ ثَوْبَانِ، وَلَا يَحْمِلُ مَعَهُ فِضَّةً وَلَا ذَهَبًا وَلَا عَصًا وَلَا حَرَّابَةً وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ فِي الْأَنَاجِيلِ الَّتِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مِنْ تَخْصِيصِ الدَّعْوَةِ ثُمَّ تَعْمِيمِهَا، وَهُوَ صَادِقٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، فَكَيْفَ يَسُوغُ لَهُمْ إِنْكَارُ مَا فِي الْإِنْجِيلِ عَنِ الْمَسِيحِ نَظِيرَهُ؟ ثُمَّ يُقَالُ فِي بَيَانِ الْحَالِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّدًا
стр. 324
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا بَعَثَ الْمَسِيحَ وَغَيْرَهُ، وَإِنْ كَانَتْ رِسَالَتُهُ أَكْمَلَ وَأَشْمَلَ كَمَا نَذْكُرُ فِي مَوْضِعِهِ، فَأَمَرَهُ بِتَبْلِيغِ رِسَالَتِهِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ إِلَى طَائِفَةٍ بَعْدَ طَائِفَةٍ، وَأُمِرَ بِتَبْلِيغِ الْأَقْرَبِ مِنْهُ مَكَانًا وَنَسَبًا، ثُمَّ بِتَبْلِيغِ طَائِفَةٍ بَعْدَ طَائِفَةٍ ; حَتَّى تَبْلُغَ النِّذَارَةُ إِلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] .
أَيْ مَنْ بَلَغَهُ الْقُرْآنُ فَكُلُّ مَنْ بَلَغَهُ الْقُرْآنُ فَقَدْ أَنْذَرَهُ مُحَمَّدٌ ﷺ .
وَنُبَيِّنُ هُنَا أَنَّ النِّذَارَةَ لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً بِمَنْ شَافَهَهُمْ بِالْخِطَابِ، بَلْ يُنْذِرُهُمْ بِهِ وَيُنْذِرُ مَنْ بَلَغَهُمُ الْقُرْآنُ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ ﵎ أَوَّلًا بِإِنْذَارِ عَشِيرَتِهِ الْأَقْرَبِينَ وَهُوَ قُرَيْشٌ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] .
وَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ انْطَلَقَ ﷺ إِلَى مَكَانٍ عَالٍ فَعَلَا عَلَيْهِ، ثُمَّ جَعَلَ يُنَادِي: «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ إِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ، إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ رَأَى الْعَدُوَّ فَانْطَلَقَ يُرِيدُ أَهْلَهُ فَخَشِيَ أَنْ يَسْبِقُوهُ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ يَا صَبَاحَاهُ يَا صَبَاحَاهُ» .
стр. 325
وَهَذِهِ الْقِصَّةُ رَوَاهَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةُ وَغَيْرُهُمْ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ كُتُبِ السُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ وَالتَّفْسِيرِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا «نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] . وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا، فَجَعَلَ يُنَادِي: يَا بَنِي فَهْرٍ، يَا بَنِي عَدِيٍّ لِبُطُونِ قُرَيْشٍ حَتَّى اجْتَمَعُوا فَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ
стр. 326
أَرْسَلَ رَسُولًا لِيَنْظُرَ مَا هُوَ؟ فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ فَقَالَ: أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ قَالُوا: نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا. قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ.
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] . دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُرَيْشًا، فَاجْتَمَعُوا، فَعَمَّ وَخَصَّ، فَقَالَ: يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي هَاشِمٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ،
стр. 327
فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا» .
وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] . «قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الصَّفَا، فَقَالَ: يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ، يَا عَبَّاسُ عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» .
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: «لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُنَادِي: يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، يَا بَنِي زُهْرَةَ حَتَّى عَدَّدَ الْأَفْخَاذَ مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُنْذِرَ عَشِيرَتِيَ الْأَقْرَبِينَ، وَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ، فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟
стр. 328
تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ - مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ - سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ - وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ - فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد: ١ - ٥] .
وَدَعَا قُرَيْشًا إِلَى اللَّهِ، وَأَمَرَهُمْ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنْزَلَ تَعَالَى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ - إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ - فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ - الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ١ - ٤] .
وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَمْرَ جَمِيعِ الْخَلْقِ بِعِبَادَتِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] .
وَقُرَيْشٌ هُمْ قَوْمُهُ الَّذِينَ كَذَّبَهُ جُمْهُورُهُمْ أَوَّلًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ [الأنعام: ٦٦] .
стр. 329
كَمَا أَنَّ جُمْهُورَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَهُمْ قَوْمُ الْمَسِيحِ كَذَّبُوهُ أَوَّلًا.
ثُمَّ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَدْعُوَ سَائِرَ الْعَرَبِ، فَكَانَ يَخْرُجُ بِنَفْسِهِ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ صِدِّيقُهُ إِلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ قَبِيلَةً قَبِيلَةً، وَكَانَتِ الْعَرَبُ لَمْ تَزَلْ تَحُجُّ الْبَيْتَ مِنْ عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ﵇، فَكَانَ ﷺ يَأْتِيهِمْ فِي مَنَازِلِهِمْ بِمِنًى، وَعُكَاظَ، وَمَجَنَّةَ، وَذِي الْمَجَازِ، فَلَا يَجِدُ أَحَدًا إِلَّا دَعَاهُ إِلَى اللَّهِ، وَيَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ آمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَخْلَعُوا مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ مِنْ هَذِهِ الْأَنْدَادِ، وَأَنْ تُؤْمِنُوا بِي وَتُصَدِّقُونِي وَتَمْنَعُونِي ; حَتَّى أُبَيِّنَ عَنِ اللَّهِ مَا بَعَثَنِي بِهِ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ قُرَيْشًا مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي فَمَنْ يَمْنَعُنِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي إِلَّا رَجُلٌ
стр. 330
يَحْمِلُنِي إِلَى قَوْمِهِ، فَإِنَّ قُرَيْشًا مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي، يَا أَيُّهَا النَّاسُ، قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا، وَتَمْلِكُوا بِهَا الْعَرَبَ، وَتَذِلَّ لَكُمْ بِهَا الْعَجَمُ» فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ أَتُرِيدُ أَنْ تَجْعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا؟ إِنَّ أَمْرَكَ هَذَا لَعَجَبٌ.
وَمَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْلِنُ دَعْوَتَهُ، وَيُظْهِرُ رِسَالَتَهُ، وَيَدْعُو الْخَلْقَ إِلَيْهَا، وَهُمْ يُؤْذُونَهُ وَيُجَادِلُونَهُ وَيُكَلِّمُونَهُ، وَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ بِأَقْبَحِ الرَّدِّ، وَهُوَ صَابِرٌ عَلَى أَذَاهُمْ، وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ لَوْ شِئْتَ لَمْ يَكُونُوا هَكَذَا» .
فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِ أَمْرُ قُرَيْشٍ خَرَجَ إِلَى الطَّائِفِ وَهِيَ مَدِينَةٌ مَعْرُوفَةٌ
стр. 331
شَرْقَيْ مَكَّةَ بَيْنَهُمَا نَحْوُ لَيْلَتَيْنِ وَمَعَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَمَكَثَ بِهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ لَا يَدَعُ أَحَدًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ إِلَّا جَاءَهُ فِي مَنْزِلِهِ وَكَلَّمَهُ وَدَعَاهُ إِلَى التَّوْحِيدِ، فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَخَافُوهُ عَلَى أَحْدَاثِهِمْ، وَأَغْرَوْا بِهِ سُفَهَاءَهُمْ فَجَعَلُوا يَرْمُونَهُ بِالْحِجَارَةِ إِذَا مَشَى حَتَّى أَنَّ رِجْلَيْهِ لَتُدْمِيَانِ، وَزَيْدٌ مَوْلَاهُ يَقِيهِ بِنَفْسِهِ حَتَّى أُلْجِئُوا إِلَى ظِلِّ كَرْمَةٍ فِي حَائِطٍ لِعُتْبَةَ وَشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ فَرَجَعَ عَنْهُ مَا كَانَ تَبِعَهُ مِنْ سُفَهَائِهِمْ، فَدَعَا، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي وَقِلَّةَ حِيلَتِي وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبِّي، إِلَى مَنْ تَكِلُنِي، إِلَى بِعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي، أَمْ إِلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي، إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَيَّ فَلَا أُبَالِي، وَلَكِنَّ عَافِيَتَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَنْ يَنْزِلَ بِي غَضَبُكَ، أَوْ يَحِلَّ عَلَيَّ سَخَطُكَ، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ» .
فَلَمَّا رَأَى ابْنَا رَبِيعَةَ مَا صُنِعَ بِهِ رَثَيَا لَهُ، وَقَالَا لِغُلَامٍ لَهُمَا يُقَالُ لَهُ
стр. 332
عَدَّاسٌ - وَكَانَ نَصْرَانِيًّا -: خُذْ قِطْفًا مِنْ عِنَبٍ، ثُمَّ اجْعَلْهُ فِي طَبَقٍ، ثُمَّ اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ يَأْكُلُهُ، فَفَعَلَ عَدَّاسٌ وَأَقْبَلَ بِهِ حَتَّى وَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ، قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، ثُمَّ أَكَلَ فَنَظَرَ عَدَّاسٌ إِلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا الْكَلَامَ مَا يَقُولُهُ أَهْلُ هَذِهِ الْبَلْدَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مِنْ أَيِّ الْبِلَادِ أَنْتَ؟ وَمَا دِينُكَ؟ فَقَالَ عَدَّاسٌ: أَنَا نَصْرَانِيٌّ، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نِينَوَى، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمِنْ قَرْيَةِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ يُونُسَ بْنِ مَتَّى؟ فَقَالَ لَهُ عَدَّاسٌ: وَمَا يُدْرِيكَ مَا يُونُسُ بْنُ مَتَّى؟ وَاللَّهِ لَقَدْ خَرَجْتُ مِنْ نِينَوَى، وَمَا فِيهَا عَشَرَةٌ يَعْرِفُونَ مَتَّى، مِنْ أَيْنَ عَرَفْتَ أَنْتَ مَتَّى وَأَنْتَ أُمِّيٌّ وَفِي أُمَّةٍ أُمِّيَّةٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هُوَ أَخِي كَانَ نَبِيًّا وَأَنَا نَبِيٌّ، فَأَكَبَّ عَدَّاسٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
стр. 333
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُ رَأْسَهُ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، فَلَمَّا رَجَعَ عَدَّاسٌ فَقَالَا: وَيْلَكَ يَا عَدَّاسُ، مَالَكَ تُقَبِّلُ رَأْسَ هَذَا الرَّجُلِ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، فَقَالَ: يَا سَيِّدِي، مَا فِي الْأَرْضِ خَيْرٌ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ، لَقَدْ خَبَّرَنِي بِأَمْرٍ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا نَبِيٌّ.
ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الطَّائِفِ رَاجِعًا إِلَى مَكَّةَ وَهُوَ مَحْزُونٌ، إِذْ لَمْ يَسْتَجِبْ لَهُ رَجُلٌ وَاحِدٌ وَلَا امْرَأَةٌ، فَقَالَ لَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ: كَيْفَ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ فَعَلُوا وَفَعَلُوا، فَقَالَ: يَا زَيْدُ، إِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ لِمَا تَرَى فَرَجًا وَمَخْرَجًا، وَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرٌ دِينَهُ وَمُظْهِرٌ نَبِيَّهُ.
стр. 334
ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ دُخُولَهُ إِلَى مَكَّةَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا لَقِيَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ مَا لَقِيَ وَدَعَا بِالدُّعَاءِ الْمُتَقَدِّمِ نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ وَمَعَهُ مَلَكُ الْجِبَالِ - كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ - أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ : «هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ فَقَالَ: لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمُ الْعَقَبَةِ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كَلَالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ، فَإِذَا فِيهَا
стр. 335
جِبْرِيلُ فَنَادَانِي: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ. قَالَ: فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ قَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ» .
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : «ادْعُ اللَّهَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ، أَنَّهُ قَالَ: «لَمَّا اشْتَدَّ الْبَلَاءُ
стр. 336
عَلَيْنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْنَا: أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟ أَلَا تَسْتَنْصِرُ اللَّهَ لَنَا؟ فَقَالَ: لَقَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ يُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُجْعَلُ فَوْقَ رَأْسِهِ حَتَّى يُجْعَلَ فِرْقَتَيْنِ، مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ وَعَصَبٍ، مَا يَصْرِفُهُ عَنْ دِينِهِ، وَلَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخْشَى إِلَّا اللَّهَ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» .
وَذِكْرُ مَا لَقِيَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ قَوْمِهِ مِنَ الْأَذَى وَالِاسْتِهْزَاءِ وَالْإِغْرَاءِ وَهُوَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُظْهِرٌ لِأَمْرِ اللَّهِ بِتَبْلِيغِ رِسَالَتِهِ، لَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، مُوَاجِهٌ لِقَوْمِهِ بِمَا يَكْرَهُونَ مِنْ عَيْبِ دِينِهِمْ وَآلِهَتِهِمْ، وَتَضْلِيلِ آبَائِهِمْ، وَتَسْفِيهِ أَحْلَامِهِمْ، وَإِظْهَارِ عَدَاوَتِهِ، وَقِتَالِهِ إِيَّاهُمْ مَا بَلَغَ مَبْلَغَ الْقَطْعِ.
стр. 337
قَالَ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «وَلَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى مَكَّةَ فَلَمَّا حَضَرَ الْمَوْسِمُ حَجَّ نَفَرٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَانْتَهَى النَّبِيُّ ﷺ إِلَى فَرِيقٍ مِنْهُمْ، فَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، وَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَأَخْبَرَهُمْ بِالَّذِي آتَاهُ اللَّهُ فَأَيْقَنُوا وَاطْمَأَنَّتْ قُلُوبُهُمْ إِلَى دَعْوَتِهِ، وَعَرَفُوا مَا كَانُوا يَسْمَعُونَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ ذِكْرِهِمْ إِيَّاهُ بِصِفَتِهِ، وَمَا يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ فَصَدَّقُوهُ وَآمَنُوا بِهِ، وَكَانَ مِنْ أَسْبَابِ الْخَيْرِ الَّذِي سَاقَ اللَّهُ لِلْأَنْصَارِ إِلَى مَا كَانُوا يَسْمَعُونَ مِنَ الْأَخْبَارِ فِي صِفَتِهِ، فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ جَعَلُوا يَدْعُونَهُمْ سِرًّا، وَيُخْبِرُونَهُمْ بِأَقْوَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النُّورِ وَالْهُدَى وَالْقُرْآنِ، فَأَسْلَمُوا حَتَّى قَلَّ أَنْ يُوجَدَ دَارٌ مِنْ دُورِهِمْ إِلَّا أَسْلَمَ فِيهَا نَاسٌ لَا مَحَالَةَ» .
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ كَانُوا يُخْبِرُونَ الْعَرَبَ بِهِ وَيَسْتَفْتِحُونَ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ مُقِرِّينَ بِنُبُوَّتِهِ مُخْبِرِينَ بِهَا مُبَشِّرِينَ بِهَا قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ، فَقَالَ تَعَالَى فِيمَا يُخَاطِبُ بِهِ أَهْلَ الْكِتَابِ:
стр. 338
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ - وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ - وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ - بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ - وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨٧ - ٩١] .
فَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الْعَرَبِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ - أَيْ يَسْتَنْصِرُونَ بِهِ - وَكَانُوا هُمْ وَالْعَرَبُ يَقْتَتِلُونَ فَيَغْلِبُهُمُ الْعَرَبُ، فَيَقُولُونَ: سَوْفَ يُبْعَثُ
стр. 339
النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ فَنَتَّبِعُهُ وَنَقْتُلُكُمْ مَعَهُ شَرَّ قِتْلَةٍ، وَكَانُوا يَنْعَتُونَهُ بِنُعُوتِهِ.
وَأَخْبَارُهُمْ بِذَلِكَ كَثِيرَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] .
وَأَخْبَرَ بِمَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْيَهُودُ مِنْ أَنَّهُ كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ كَذَّبُوا بَعْضَهُمْ وَقَتَلُوا بَعْضَهُمْ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ بَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ ; فَإِنَّهُمْ مَا زَالُوا يَفْعَلُونَ مَا يُغْضِبُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ، فَإِمَّا أَنْ يُرَادَ بِالتَّثْنِيَةِ تَأْكِيدُ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَإِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ مَرَّتَانِ، وَالْغَضَبُ الْأَوَّلُ: تَكْذِيبُهُمُ الْمَسِيحَ وَالْإِنْجِيلَ، وَالْغَصْبُ الثَّانِي: لِمُحَمَّدٍ وَالْقُرْآنِ.
стр. 340
[فَصْلٌ: مُعْجِزَاتُ مُحَمَّدٍ ﷺ ]
وَكَانَ يَأْتِيهِمْ بِالْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى نُبُوَّتِهِ ﷺ ، وَمُعْجِزَاتُهُ تَزِيدُ عَلَى أَلْفِ مُعْجِزَةٍ، مِثْلَ انْشِقَاقِ الْقَمَرِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْآيَاتِ، وَمِثْلَ الْقُرْآنِ الْمُعْجِزِ، وَمِثْلَ أَخْبَارِ أَهْلِ الْكِتَابِ قَبْلَهُ وَبِشَارَةِ
стр. 341
الْأَنْبِيَاءِ بِهِ، وَمِثْلَ أَخْبَارِ الْكُهَّانِ وَالْهَوَاتِفِ بِهِ، وَمِثْلَ قِصَّةِ الْفِيلِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ آيَةً عَامَ مَوْلِدِهِ، وَمَا جَرَى عَامَ مَوْلِدِهِ مِنَ الْعَجَائِبِ الدَّالَّةِ عَلَى نُبُوَّتِهِ، وَمِثْلَ امْتِلَاءِ السَّمَاءِ وَرَمْيِهَا بِالشُّهُبِ الَّتِي تُرْجَمُ بِهَا الشَّيَاطِينُ بِخِلَافِ مَا كَانَتِ الْعَادَةُ عَلَيْهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ وَبَعْدَ مَبْعَثِهِ، وَمِثْلَ إِخْبَارِهِ بِالْغُيُوبِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا أَحَدٌ إِلَّا بِتَعْلِيمِ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعَلِّمَهُ إِيَّاهَا بَشَرٌ. فَأَخْبَرَهُمْ بِالْمَاضِي مِثْلَ قِصَّةِ آدَمَ وَنُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَالْمَسِيحِ وَهُودٍ وَشُعَيْبٍ وَصَالِحٍ وَغَيْرِهِمْ، وَبِالْمُسْتَقْبَلَاتِ.
وَكَانَ قَوْمُهُ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَا غَيْرِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِمَّنْ يَتَعَلَّمُ هُوَ مِنْهُ، بَلْ وَلَا كَانَ يَجْتَمِعُ بِأَحَدٍ مِنْهُمْ يَعْرِفُ اللِّسَانَ الْعَرَبِيَّ، وَلَا كَانَ هُوَ يُحْسِنُ لِسَانًا غَيْرَ الْعَرَبِيِّ، وَلَا كَانَ يَكْتُبُ كِتَابًا، وَلَا يَقْرَأُ كِتَابًا مَكْتُوبًا.
وَلَا سَافَرَ قَبْلَ نُبُوَّتِهِ إِلَّا سَفْرَتَيْنِ: سَفْرَةٌ وَهُوَ صَغِيرٌ مَعَ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ
стр. 342
لَمْ يُفَارِقْهُ، وَلَا اجْتَمَعَ بِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا غَيْرِهِمْ، وَسَفْرَةٌ أُخْرَى وَهُوَ كَبِيرٌ مَعَ رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ لَمْ يُفَارِقْهُمْ، وَلَا اجْتَمَعَ بِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَأَخْبَرَ مَنْ كَانَ مَعَهُ بِأَخْبَارِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِنُبُوَّتِهِ مِثْلَ إِخْبَارِ بَحِيرَى الرَّاهِبِ بِنُبُوَّتِهِ، وَمَا ظَهَرَ مِنْهُ مِمَّا دَلَّهُمْ عَلَى نُبُوَّتِهِ، وَلِهَذَا تَزَوَّجَتْ
стр. 343
بِهِ خَدِيجَةُ قَبْلَ نُبُوَّتِهِ لِمَا أُخْبِرَتْ بِهِ مِنْ أَحْوَالِهِ.
وَهَذِهِ الْأُمُورُ مَبْسُوطَةٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا: التَّنْبِيهُ بِأَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَهُ مُعْجِزَاتٌ كَثِيرَةٌ، مِثْلَ نَبْعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَمِثْلَ تَكْثِيرِ الطَّعَامِ الْقَلِيلِ حَتَّى أَكَلَ مِنْهُ الْخَلْقُ الْعَظِيمُ، وَتَكْثِيرِ الْمَاءِ الْقَلِيلِ حَتَّى شَرِبَ مِنْهُ الْخَلْقُ الْكَثِيرُ.
وَهَذَا مَا جَرَى غَيْرَ مَرَّةٍ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ مِنَ الْآيَاتِ مَا يَطُولُ وَصْفُهُ، فَكَانَ بَعْضُ أَتْبَاعِهِ يُحْيِي اللَّهُ لَهُ الْمَوْتَى مِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ، وَبَعْضُ أَتْبَاعِهِ يَمْشِي بِالْعَسْكَرِ الْكَثِيرِ عَلَى الْبَحْرِ حَتَّى يَعْبُرُوا إِلَى النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى،
стр. 344
وَمِنْهُمْ مَنْ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، فَصَارَتْ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرٌ.
وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا ذِكْرُ بَعْضِ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ أَنَّهُ كَانَ يُخْبِرُهُمْ بِالْأُمُورِ الْمَاضِيَةِ خَبَرًا مُفَصَّلًا لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا، أَوْ مَنْ أَخْبَرَهُ نَبِيٌّ وَقَوْمُهُ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَمْ يُخْبِرْهُ بِذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الْبَشَرِ، وَهَذَا مِمَّا قَامَتْ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ مَعَ قُوَّةِ عَدَاوَتِهِمْ لَهُ وَحَصْرِهِمْ عَلَى مَا يَطْعَنُونَ بِهِ عَلَيْهِ لَمْ يُمْكِنْهُمْ أَنْ يَطْعَنُوا طَعْنًا يُقْبَلُ مِنْهُمْ، وَكَانَ عِلْمُ سَائِرِ الْأُمَمِ بِأَنَّ قَوْمَهُ الْمُعَادِينَ لَهُ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الطَّعْنِ عَلَيْهِ لَمْ يُمْكِنْهُمْ أَنْ يَقُولُوا: إِنَّ هَذِهِ الْغُيُوبَ عَلَّمَهَا إِيَّاهُ بَشَرٌ، فَوَجَبَ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ أَنَّ هَذَا لَمْ يُعَلِّمْهُ إِيَّاهَا بَشَرٌ ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ [هود: ٤٩] .
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ هُوَ وَلَا قَوْمُهُ، وَقَوْمُهُ تُقِرُّ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَتَعَلَّمْ مِنْ أَحَدٍ غَيْرِ قَوْمِهِ ; وَلِهَذَا زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ تَعَلَّمَ مِنْ بَشَرٍ ظَهَرَ
стр. 345
كَذِبُهُ لِكُلِّ أَحَدٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ - إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ - إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ - وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ - قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ - وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ٩٨ - ١٠٣] .
فَكَانَ بِمَكَّةَ رَجُلٌ أَعْجَمِيٌّ مَمْلُوكٌ لِبَعْضِ قُرَيْشٍ، فَادَّعَى بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ مُحَمَّدًا كَانَ يَتَعَلَّمُ مِنْ ذَلِكَ الْأَعْجَمِيِّ، فَبَيَّنَ اللَّهُ أَنَّ هَذَا كَذِبٌ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ ذَلِكَ رَجُلٌ أَعْجَمِيٌّ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ مِنْ هَذَا الْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ عَرَبِيٌّ لَا يَعْرِفُ شَيْئًا مِنْ أَلْسِنَةِ الْعَجَمِ، فَمَنْ كَلَّمَهُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ لَا يَفْقَهُ كَلَامَهُ، فَلَا ذَلِكَ
стр. 346
الرَّجُلُ يُحْسِنُ التَّكَلُّمَ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَلَا مُحَمَّدٌ ﷺ يَفْهَمُ كَلَامًا بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، فَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ﴾ [النحل: ١٠٣] . أَيْ: يَمِيلُونَ إِلَيْهِ وَيُضِيفُونَ إِلَيْهِ أَنَّهُ عَلَّمَ مُحَمَّدًا ﷺ : ﴿أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] .
وَكَذَلِكَ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ عَنِ الْقُرْآنِ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤] .
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا - قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٤ - ٦] .
فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ قَوْلَ هَذَا مِنَ الْكَذِبِ الظَّاهِرِ الْمَعْلُومِ لِأَعْدَائِهِ فَضْلًا عَنْ أَوْلِيَائِهِ، فَإِنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ يُعِينُهُ عَلَى ذَلِكَ،
стр. 347
وَلَيْسَ فِي قَوْمِهِ، وَلَا فِي بَلَدِهِ مَنْ يُحْسِنُ ذَلِكَ لِيُعِينَهُ عَلَيْهِ ; فَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ [الفرقان: ٤] .
فَإِنَّ جَمِيعَ أَهْلِ بَلَدِهِ وَقَوْمِهِ الْمُعَادِينَ لَهُ يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا ظُلْمٌ لَهُ وَزُورٌ، وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ هَذَا أَحَدٌ مِنْ عُقَلَائِهِمُ الْمَعْرُوفِينَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، فَإِنَّ قَوْمَهُ الْمُكَذِّبِينَ لَهُ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ مَنْ يُمْلِي عَلَيْهِ كِتَابًا، وَقَدْ بَيَّنَ مَا يُظْهِرُ كَذِبَهُمْ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفرقان: ٦] .
فَإِنَّ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْأَسْرَارِ مَا لَا يَعْلَمُهُ بَشَرٌ إِلَّا بِإِعْلَامِ اللَّهِ إِيَّاهُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، ثُمَّ لَمَّا تَبَيَّنَ بُطْلَانُ قَوْلِهِمْ هَذَا، ذَكَرَ مَا قَدَحُوا بِهِ فِي نُبُوَّتِهِ فَقَالَ تَعَالَى: وَقَالُوا ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا - أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الفرقان: ٧ - ٨] .
فَهَذَا كَلَامُ الْمُعَارِضِينَ لَهُ الَّذِينَ أَنْكَرُوا أَكْلَهُ وَمَشْيَهُ فِي الْأَسْوَاقِ الَّتِي يُبَاعُ فِيهَا مَا يُؤْكَلُ وَمَا يُلْبَسُ، وَقَالُوا: هَلَّا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا، أَوْ يَسْتَغْنِيَ عَنْ ذَلِكَ بِكَنْزٍ يُنْفِقُ مِنْهُ أَوْ جَنَّةٍ يَأْكُلُ مِنْهَا؟ وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا.
стр. 348
قَالَ تَعَالَى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٨] .
يَقُولُ مَثَّلُوكَ بِالْكَاذِبِ وَالْمَسْحُورِ وَالنَّاقِلِ عَنْ غَيْرِهِ، وَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ يَظْهَرُ كَذِبُهُ لِكُلِّ مَنْ عَرَفَكَ ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٨] وَالضَّالُّ: الْجَاهِلُ الْعَادِلُ عَنِ الطَّرِيقِ، فَلَا يَسْتَطِيعُ الطَّرِيقَ الْمُوَصِّلَةَ إِلَى الْمَقْصُودِ، بَلْ ظَهَرَ عَجْزُهُمْ وَانْقِطَاعُهُمْ فِي الْمُنَاظَرَةِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ [طه: ١٣٣] .
فَإِنَّهُ أَتَاهُمْ بِجَلِيَّةِ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى، كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ شَيْئًا، فَإِذَا أَخْبَرَهُمْ بِالْغُيُوبِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ مَنْ أَخْبَرَهُ نَبِيٌّ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ بِخَبَرِ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَتَبَيَّنَ ذَلِكَ لِسَائِرِ الْأُمَمِ ; فَإِنَّهُ إِذَا
стр. 349
كَانَ قَوْمُهُ الْمُعَادُونَ وَغَيْرُ الْمُعَادِينَ لَهُ مُقِرِّينَ بِأَنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ بِأَحَدٍ يُعَلِّمُهُ ذَلِكَ، صَارَ هَذَا مَنْقُولًا بِالتَّوَاتُرِ، وَكَانَ مِمَّا أَقَرَّ بِهِ مُخَالِفُوهُ مَعَ حِرْصِهِمْ عَلَى الطَّعْنِ لَوْ أَمْكَنَ.
فَهَذِهِ الْأَخْبَارُ بِالْغُيُوبِ الْمُتَقَدِّمَةِ قَامَتْ بِهَا الْحُجَّةُ عَلَى قَوْمِهِ وَعَلَى جَمِيعِ مَنْ بَلَغَهُ خَبَرُ ذَلِكَ، وَقَدْ أَخْبَرَ بِالْغُيُوبِ الْمُسْتَقْبَلَةِ وَهَذِهِ تَقُومُ بِهَا الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ عَرَفَ تَصْدِيقَ ذَلِكَ الْخَبَرِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ [الروم: ٢] .
ثُمَّ قَالَ: ﴿الم - غُلِبَتِ الرُّومُ - فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ - فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ - بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الروم: ١ - ٥] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٣ - ٢٤] .
فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ.
стр. 350
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] .
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ، وَهَذَا الْخَبَرُ قَدْ مَضَى لَهُ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعِمِائَةِ سَنَةٍ، وَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ، وَقَالَ عَنِ الْكُفَّارِ وَهُوَ بِمَكَّةَ: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] .
وَظَهَرَ تَصْدِيقُ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ وَغَيْرِهِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ بِسِنِينَ كَثِيرَةٍ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥] .
وَكَانَ الْأَمْرُ كَمَا وَعَدَهُ وَظَهَرَ تَصْدِيقُ ذَلِكَ بَعْدَ سِنِينَ كَثِيرَةٍ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨] .
فَأَظْهَرَ اللَّهُ مَا بَعَثَهُ بِهِ بِالْآيَاتِ وَالْبُرْهَانِ وَالْيَدِ وَالسِّنَانِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: ١٢] .
стр. 351
فَكَانَ كَمَا أَخْبَرَهُمْ غُلِبُوا فِي الدُّنْيَا كَمَا شَاهَدَهُ النَّاسُ، وَهَذَا يُصَدِّقُ الْخَبَرَ الْأَخِيرَ وَهُوَ أَنَّهُمْ يُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ.
وَقَدْ أَيَّدَهُ تَأْيِيدًا لَا يُؤَيَّدُ بِهِ إِلَّا الْأَنْبِيَاءُ، بَلْ لَمْ يُؤَيَّدْ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ كَمَا أُيِّدَ بِهِ، كَمَا أَنَّهُ بُعِثَ بِأَفْضَلِ الْكُتُبِ إِلَى أَفْضَلِ الْأُمَمِ بِأَفْضَلِ الشَّرَائِعِ، وَجَعَلَهُ سَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ ﷺ فَلَا يُعْرَفُ قَطُّ أَحَدٌ ادَّعَى النُّبُوَّةَ وَهُوَ كَاذِبٌ إِلَّا قَطَعَ اللَّهُ دَابِرَهُ وَأَذَلَّهُ وَأَظْهَرَ كَذِبَهُ وَفُجُورَهُ.
وَكُلُّ مَنْ أَيَّدَهُ اللَّهُ مِنَ الْمُدَّعِينَ لِلنُّبُوَّةِ لَمْ يَكُنْ إِلَّا صَادِقًا كَمَا أَيَّدَ نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ، بَلْ وَأَيَّدَ شُعَيْبًا وَهُودًا وَصَالِحًا، فَإِنَّ سُنَّةَ اللَّهِ أَنْ يَنْصُرَ رُسُلَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ، وَهَذَا هُوَ الْوَاقِعُ، فَمَنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ مَا يَفْعَلُهُ اللَّهُ إِلَّا بِالْعَادَةِ فَهَذِهِ عَادَةُ اللَّهِ وَسُنَّتُهُ يُعْرَفُ بِهَا مَا يَصْنَعُ، وَمَنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ بِمُقْتَضَى حِكْمَتِهِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُؤَيَّدُ مَنِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ وَكَذَبَ عَلَيْهِ
стр. 352
تَأْيِيدًا لَا يُمْكِنُ أَحَدًا مُعَارَضَتُهُ، وَهَكَذَا أَخْبَرَتِ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ أَنَّ الْكَذَّابَ لَا يُتِمُّ اللَّهُ أَمْرَهُ وَلَا يَنْصُرُهُ وَلَا يُؤَيِّدُهُ فَصَارَ هَذَا مَعْلُومًا مِنْ هَذِهِ الْجِهَاتِ ; وَلِهَذَا أَمَرَ سُبْحَانَهُ أَنْ نَعْتَبِرَ بِمَا فَعَلَهُ فِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ مِنْ جَعْلِ الْعَاقِبَةِ لِلْأَنْبِيَاءِ وَأَتْبَاعِهِمْ، وَانْتِقَامِهِ مِمَّنْ كَذَّبَهُمْ وَعَصَاهُمْ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ - إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ - وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر: ٥] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ - الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ - وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ - فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ - أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٠ - ٤٦] .
стр. 353
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الروم: ٩] ثُمَّ ﴿كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الروم: ١٠] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ - كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر: ٤ - ٥] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ - ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [غافر: ٢١ - ٢٢] .
стр. 354
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ - فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ - فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٢ - ٨٥] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ [ص: ١٢] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الشعراء: ٥] .
فَأَخْبَرَ بِأَنَّ الْمُكَذِّبِينَ لَهُ سَيَأْتِيهِمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَخْبَارُ الْقُرْآنِ الَّذِي اسْتَهْزَءُوا بِهِ، وَبَيَّنَ أَنَّ مَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ حَقٌّ بِوُقُوعِ الْخَبَرِ مُطَابِقًا لِلْخَبَرِ، وَكَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] .
стр. 355
أَخْبَرَ أَنَّهُ سَيُرِيهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ وَفِي الْآفَاقِ مَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْقُرْآنَ حَقٌّ بِأَنْ يَرَوْا مَا أَخْبَرَ بِهِ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] .
فَإِنَّهُ قَدْ يَشْهَدُ لِلْقُرْآنِ بِأَنَّهُ حَقٌّ بِالْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ وَالْبَرَاهِينِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِ الَّتِي تَتَبَيَّنُ بِشَهَادَةِ الرَّبِّ تَعَالَى بِأَنَّهُ حَقٌّ، فَلَا يَحْتَاجُ مَعَ الشَّهَادَةِ الْحَاضِرَةِ إِلَى انْتِظَارِ الْآيَاتِ الْمُسْتَقْبَلَةِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ - وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ - وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ - وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ - حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ١ - ٥] .
أَخْبَرَ بِاقْتِرَابِ السَّاعَةِ وَانْشِقَاقِ الْقَمَرِ، وَانْشِقَاقُ الْقَمَرِ قَدْ عَايَنُوهُ وَشَاهَدُوهُ وَتَوَاتَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ هَذِهِ السُّورَةَ فِي الْمَجَامِعِ الْكِبَارِ مِثْلَ الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ ; لِيُسْمِعَ النَّاسَ مَا فِيهَا مِنْ آيَاتِ النُّبُوَّةِ وَدَلَائِلِهَا وَالِاعْتِبَارِ، وَكُلُّ النَّاسِ يُقِرُّ ذَلِكَ وَلَا يُنْكِرُهُ، فَعُلِمَ أَنَّ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَ النَّاسِ عَامَّةً. ثُمَّ ذَكَرَ حَالَ الْأَنْبِيَاءِ وَمُكَذِّبِيهِمْ، فَقَالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ - فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ - فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ - وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ - وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ - تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ - وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٩ - ١٥] .
следующие страницы →