← Акыда

Акыда · id 170

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية

ابن تيمية

Полный текст (2 831 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

[فَصْلٌ: قَوْلُ مَنْ يَقُولُ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَّا إِلَى الْعَرَبِ] [ إِنْ أَقَرُّوا بِرِسَالَتِهِ إِلَى الْعَرَبِ] هَذَا الْكَلَامُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَّا إِلَى الْعَرَبِ. وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ نَقُولَ: هُوَ ذَكَرَ أَنَّهُ رَسُولٌ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨] . وَقَوْلِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٥٨] . وَقَدْ صَرَّحَ فِيهِ بِدَعْوَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَبِدَعْوَةِ الْجِنِّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، فَإِذَا سَلَّمُوا أَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ وَلَكِنْ كَذَّبُوهُ فِي ذَلِكَ، فَإِمَّا أَنْ يُقِرُّوا بِرِسَالَتِهِ إِلَى الْعَرَبِ، أَوْ لَا يُقِرُّوا. فَإِنْ أَقَرُّوا بِأَنَّهُ رَسُولٌ أَرْسَلَهُ اللَّهُ، لَمْ يُمْكِنْ مَعَ ذَلِكَ تَكْذِيبُهُ كَمَا تَقَدَّمَ، بَلْ يَجِبُ الْإِقْرَارُ بِرِسَالَتِهِ إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ، كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ ذَكَرَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ أَفْضَلِ الْخَلْقِ وَأَصْدَقِهِمْ، أَوْ مِنْ شَرِّ الْخَلْقِ وَأَكْذَبِهِمْ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ صَادِقًا فَهُوَ مِنْ أَفْضَلِهِمْ وَإِنْ كَانَ

стр. 387

كَاذِبًا فَهُوَ مِنْ شَرِّهِمْ، وَإِذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ أَرْسَلَهُ - وَلَوْ إِلَى قَرْيَةٍ كَمَا أَرْسَلَ يُونُسَ بْنَ مَتَّى إِلَى أَهْلِ نِينَوَى - كَانَ مِنْ أَفْضَلِ الْخَلْقِ، وَكَانَ صَادِقًا لَا يَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ، وَلَا يَقُولُ عَلَيْهِ إِلَّا الْحَقَّ، وَلَوْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَلَوْ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ لَكَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، لَمْ يَكُنْ مِنْ رُسُلِ اللَّهِ الصَّادِقِينَ، فَإِنَّ الْكَاذِبَ لَا يَكْذِبُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، بَلْ فِي الْبَعْضِ، فَمَنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَدِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ، وَكَانَ مِنَ الْقِسْمِ الْكَاذِبِينَ فِي دَعْوَى الرِّسَالَةِ لَا مِنَ الصَّادِقِينَ. وَأَيْضًا فَإِنَّ مَقْصُودَ الرِّسَالَةِ تَبْلِيغُ رِسَالَاتِ اللَّهِ عَلَى وَجْهِهَا، فَإِذَا خُلِطَ الْكَذِبُ بِالصِّدْقِ لَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُ الرِّسَالَةِ. وَأَيْضًا فَإِذَا عُلِمَ أَنَّهُ كَذَبَ فِي بَعْضِهَا لَمْ يَتَمَيَّزْ مَا صَدَقَ فِيهِ مِمَّا كَذَبَ فِيهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ آخَرَ غَيْرِ رِسَالَتِهِ، فَلَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِرِسَالَتِهِ. وَلِهَذَا أَجْمَعَ أَهْلُ الْمِلَلِ قَاطِبَةً عَلَى أَنَّ الرُّسُلَ مَعْصُومُونَ فِيمَا يُبَلِّغُونَهُ عَنِ اللَّهِ ﵎ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ قَطُّ أَنَّ مَنْ أَرْسَلَهُ اللَّهُ يَكْذِبُ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى مَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا يُقِرُّ كَاذِبًا عَلَيْهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ - لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ - ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ - فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٧] .

стр. 388

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤] . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ [الشورى: ٢٤] . فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ﴾ [الشورى: ٢٤] كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ، لَيْسَ دَاخِلًا فِي جَوَابِ الشَّرْطِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى جَوَابِ الشَّرْطِ، لَقَالَ وَيُحِقِّ الْحَقَّ بِالْكَسْرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢] . فَلَمَّا قَالَ ﴿وَيُحِقُّ الْحَقَّ﴾ [الشورى: ٢٤] بِالضَّمِّ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أَخْبَرَ فِيهَا أَنَّهُ تَعَالَى يَمْحُو الْبَاطِلَ كَبَاطِلِ الْكَاذِبِينَ عَلَيْهِ، وَيُحِقُّ الْحَقَّ كَحَقِّ الصَّادِقِينَ عَلَيْهِ، فَمَحْوُ الْبَاطِلِ نَظِيرُ إِحْقَاقِ الْحَقِّ، لَيْسَ مِمَّا عُلِّقَ بِالْمَشِيئَةِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْهُ، بِخِلَافِ الْخَتْمِ عَلَى قَلْبِهِ، فَإِنَّهُ مُعَلَّقٌ بِالْمَشِيئَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَلَّقَ بِالْمَشِيئَةِ مَحْوُ الْبَاطِلِ كَتَعْلِيقِ الْخَتْمِ، بَلْ يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ.

стр. 389

وَقَالَ تَعَالَى فِي صِيَانَتِهِ وَإِحْكَامِهِ لِمَا تُبَلِّغُهُ رُسُلُهُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ - لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ - وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٢ - ٥٤] . وَأَيْضًا فَإِذَا لَمْ يَكُنْ أُرْسِلَ إِلَّا إِلَى الْعَرَبِ، وَقَدْ دَعَا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ، وَكَفَّرَهُمْ إِذَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وَجَاهَدَهُمْ، وَقَتَلَ مُقَاتِلَهُمْ، وَسَبَى ذُرِّيَّاتِهِمْ، كَانَ ذَلِكَ ظُلْمًا لَا يَفْعَلُهُ إِلَّا مَنْ هُوَ مِنْ أَظْلَمِ النَّاسِ، وَمَنْ كَانَ نَبِيًّا قَدْ أَرْسَلَهُ اللَّهُ فَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ هَذَا وَهَذَا. فَالْإِقْرَارُ بِرِسَالَتِهِ إِلَى الْعَرَبِ دُونَ غَيْرِهِمْ - مَعَ مَا ظَهَرَ مِنْ عُمُومِ دَعْوَتِهِ لِلْخَلْقِ كُلِّهِمْ - قَوْلٌ مُتَنَاقِضٌ ظَاهِرُ الْفَسَادِ، وَكُلُّ مَا دَلَّ عَلَيْهِ أَنَّهُ رَسُولٌ، فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ رِسَالَتَهُ إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ، وَكُلُّ مَنِ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ رَسُولٌ لَزِمَهُ الِاعْتِرَافُ بِأَنَّهُ رَسُولٌ إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَرْسَلَ رَسُولًا يَفْتَرِي عَلَيْهِ الْكَذِبَ، وَيَقُولُ لِلنَّاسِ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِاتِّبَاعِي، وَأَمَرَنِي

стр. 390

بِجِهَادِكُمْ إِذَا لَمْ تَفْعَلُوا، وَهُوَ كَاذِبٌ فِي ذَلِكَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صَادِقٌ فِي الرِّسَالَةِ وَإِلَّا فَلَا، فَالرَّسُولُ الْكَاذِبُ لَا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودُ الرِّسَالَةِ، بَلْ يَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُفْتَرِينَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ، وَأُولَئِكَ لَيْسُوا مِنْ رُسُلِ اللَّهِ، وَلَا يَجُوزُ تَصْدِيقَهُمْ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُمْ.

стр. 391

[فَصْلٌ: إِنْ لَمْ يُقِرُّوا بِرِسَالَتِهِ إِلَى الْعَرَبِ] وَإِمَّا أَنْ لَا يُقِرُّوا بِرِسَالَتِهِ إِلَى الْعَرَبِ وَلَا غَيْرِهِمْ بَلْ قَالُوا فِيهِ مَا كَانَ يَقُولُهُ مُشْرِكُو الْعَرَبِ مِنْ أَنَّهُ شَاعِرٌ أَوْ سَاحِرٌ أَوْ مُفْتَرٍ كَاذِبٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَيُقَالُ: لَهُمْ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَدَلِيلُكُمْ أَيْضًا بَاطِلٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَحْتَجُّوا بِتَقْدِيرِ تَكْذِيبِكُمْ لِمُحَمَّدٍ ﷺ بِشَيْءٍ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ سَوَاءً صَدَّقْتُمْ مُحَمَّدًا ﷺ فِي جَمِيعِ مَا يَقُولُهُ: أَوْ فِي بَعْضِهِ أَوْ كَذَّبْتُمُوهُ فَدَلِيلُكُمْ بَاطِلٌ فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ دِينِكُمْ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ وَمَا ثَبَتَ بُطْلَانُهُ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَهُوَ بَاطِلٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَيَثْبُتُ أَنَّهُ بَاطِلٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَذَلِكَ أَنَّكُمْ إِذَا كَذَّبْتُمْ مُحَمَّدًا لَمْ يَبْقَ لَكُمْ طَرِيقٌ تَعْلَمُونَ بِهِ صِدْقَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَيَمْتَنِعُ مَعَ تَكْذِيبِهِ الْقَوْلُ بِصِدْقِ غَيْرِهِ بَلْ مَنِ اعْتَقَدَ كَذِبَهُ وَصَدَّقَ غَيْرَهُ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِصِدْقِ غَيْرِهِ بَلْ يَكُونُ مُصَدِّقًا لَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِصِدْقِهِمْ لَمْ يَجُزِ احْتِجَاجُهُ قَطُّ بِأَقْوَالِهِمْ بَلْ ذَلِكَ قَوْلٌ مِنْهُ بِلَا عِلْمٍ وَمُحَاجَّةٍ فِيمَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهَا، فَإِنَّ الدَّلَائِلَ الدَّالَّةَ عَلَى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَعْظَمُ وَأَكْثَرُ مِنَ الدَّلَائِلِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِ مُوسَى وَعِيسَى وَمُعْجِزَاتِهِ أَعْظَمُ مِنْ مُعْجِزَاتِ غَيْرِهِ وَالْكِتَابَ الَّذِي أُرْسِلَ بِهِ أَشْرَفُ مِنَ الْكِتَابِ الَّذِي بُعِثَ بِهِ غَيْرُهُ وَالشَّرِيعَةَ الَّتِي جَاءَ بِهَا

стр. 392

أَكْمَلُ مِنْ شَرِيعَةِ مُوسَى وَعِيسَى ﵉ وَأُمَّتَهُ أَكْمَلُ فِي جَمِيعِ الْفَضَائِلِ مِنْ أُمَّةِ هَذَا وَهَذَا وَلَا يُوجَدُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ عِلْمٌ نَافِعٌ وَعَمَلٌ صَالِحٌ إِلَّا وَهُوَ فِي الْقُرْآنِ أَوْ مِثْلُهُ أَوْ مِنْهُ وَفِي الْقُرْآنِ مِنَ الْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ مَا لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فَمَا مِنْ مَطْعَنٍ مِنْ مَطَاعِنِ أَعْدَاءِ الْأَنْبِيَاءِ يُطْعَنُ بِهِ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ إِلَّا وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُ ذَلِكَ الطَّعْنِ وَأَعْظَمَ مِنْهُ عَلَى مُوسَى وَعِيسَى. وَهَذِهِ جُمْلَةٌ مَبْسُوطَةٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَمْ نَبْسُطْهَا هُنَا ; لِأَنَّ جَوَابَ كَلَامِهِمْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ فَيَمْتَنِعُ الْإِقْرَارُ بِنُبُوَّةِ مُوسَى وَعِيسَى ﵉ مَعَ التَّكْذِيبِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ هُوَ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ وَأَضَلِّهِمْ أَوْ مِنْ أَعْظَمِهِمْ عِنَادًا وَاتِّبَاعًا لِهَوَاهُ وَذَلِكَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ احْتَجُّوا بِمَا نَقَلُوهُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَمْ يَذْكُرُوا الْأَدِلَّةَ الدَّالَّةَ عَلَى صِدْقِهِمْ بَلْ أَخَذُوا ذَلِكَ مُسَلَّمًا وَطَلَبُوا أَنْ يَحْتَجُّوا بِمَا نَقَلُوهُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ وَبِمَا نَقَلُوهُ عَنْهُ عَلَى صِحَّةِ دِينِهِمْ

стр. 393

وَهَذِهِ حُجَّةٌ دَاحِضَةٌ سَوَاءً صَدَّقُوهُ أَوْ كَذَّبُوهُ، فَإِنْ صَدَّقُوهُ بَطَلَ دِينُهُمْ وَإِنْ كَذَّبُوهُ بَطَلَ دِينُهُمْ، فَإِنَّهُمْ إِنْ صَدَّقُوهُ فَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ دَعَاهُمْ وَجَمِيعَ أَهْلِ الْأَرْضِ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ وَطَاعَتِهِ كَمَا دَعَا الْمَسِيحُ وَمُوسَى وَغَيْرُهُمَا مِنَ الرُّسُلِ وَأَنَّهُ أَبْطَلَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الِاتِّحَادِ وَغَيْرِهِ وَكَفَّرَهُمْ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَلِهَذَا كَانَ مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَلَوْ إِلَى الْعَرَبِ يُوجِبُ بُطْلَانَ دِينِ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ وَكُلِّ دِينٍ يُخَالِفُ دِينَهُ، فَإِنَّ مَنْ كَانَ رَسُولًا لِلَّهِ، فَإِنَّهُ لَا يَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ وَمُحَمَّدٌ ﷺ قَدْ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ دَعَا النَّصَارَى وَالْيَهُودَ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ وَطَاعَتِهِ كَمَا دَعَا غَيْرَهُمْ وَأَنَّهُ كَفَّرَ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ وَوَعَدَهُ النَّارَ وَهَذَا مُتَوَاتِرٌ عَنْهُ تَوَاتُرًا تَعْلَمُهُ الْعَامَّةُ وَالْخَاصَّةُ وَفِي الْقُرْآنِ مِنْ ذَلِكَ مَا يَكْثُرُ ذِكْرُهُ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ١] (١) ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ [البينة: ٢] (٢) ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٣] (٣) ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤] (٤) ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] (٥) ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦] (٦) ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٧] (٧) ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨]

стр. 394

وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] (١٨) ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩] (١٩) ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٢٠] . وَقَدْ ذُكِرَ كُفْرُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: عَنِ النَّصَارَى ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ١٧] .

стр. 395

وَقَالَ - تَعَالَى -: أَيْضًا ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] (٧٢) ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣] (٧٣) ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤] (٧٤) ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: ٧٥] (٧٥) ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧٦] (٧٦) ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] . وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٧١] (١٧١) ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٧٢] (١٧٢) ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٧٣] (١٧٣) ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤] (١٧٤) ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ١٧٥]

стр. 396

وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] (٣٠) ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] . وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١١٦] (١١٦) ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧] . فَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] فِي الْمَوْضِعَيْنِ. وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] .

стр. 397

وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] . وَالنَّصَارَى قَالَتِ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ فَذَكَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ هَذِهِ الْأَقْوَالَ لَكِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ هَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ. كَمَا ذَكَرَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ كَابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ وَالثَّعْلَبِيِّ وَغَيْرِهِمَا ثُمَّ تَارَةً يَحْكُونَ عَنِ الْيَعْقُوبِيَّةِ أَنَّ عِيسَى هُوَ اللَّهُ

стр. 398

وَعَنِ النَّسْطُورِيَّةِ أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ وَعَنِ الْمَرْيُوسِيَّةِ أَنَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَتَارَةً يَحْكُونَ عَنِ النَّسْطُورِيَّةِ أَنَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَعَنِ الْمَلَكِيَّةِ أَنَّهُ اللَّهُ وَيُفَسِّرُونَ قَوْلَهُمْ: ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ بِالْآبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ. وَالصَّوَابُ أَنَّ هَذِهِ الْأَقْوَالَ جَمِيعَهَا قَوْلُ طَوَائِفِ النَّصَارَى الْمَشْهُورَةِ الْمَلَكِيَّةِ وَالْيَعْقُوبِيَّةِ وَالنَّسْطُورِيَّةِ، فَإِنَّ هَذِهِ الطَّوَائِفَ كُلَّهَا تَقُولُ بِالْأَقَانِيمِ الثَّلَاثَةِ الْآبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ، فَتَقُولُ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَتَقُولُ عَنِ الْمَسِيحِ أَنَّهُ اللَّهُ وَتَقُولُ أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ وَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى اتِّحَادِ اللَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ وَأَنَّ الْمُتَّحِدَ هُوَ الْكَلِمَةُ وَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى عَقِيدَةِ إِيمَانِهِمُ الَّتِي تَتَضَمَّنُ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُهُمْ: نُؤْمِنُ بِإِلَهٍ وَاحِدٍ أَبٍ ضَابِطِ الْكُلِّ خَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ مَا يُرَى وَمَا لَا يُرَى وَبِرَبٍّ وَاحِدٍ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ اللَّهِ الْوَحِيدِ الْمَوْلُودِ مِنَ الْآبِ

стр. 399

قَبْلَ كُلِّ الدُّهُورِ نُورٌ مِنْ نُورٍ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ مَوْلُودٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾ [النساء: ١٧١] وَقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] . فَقَدْ فَسَّرُوهُ بِالتَّثْلِيثِ الْمَشْهُورِ عَنْهُمُ الْمَذْكُورِ فِي أَمَانَتِهِمْ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلُ الْيَعْقُوبِيَّةِ وَقَوْلُهُمْ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ هُوَ قَوْلُ النَّصَارَى الَّذِينَ يَقُولُونَ بِالْآبِ وَالِابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ وَهُمْ قَدْ جَعَلُوا اللَّهَ فِيهَا ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ وَسَمَّوْا كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ بِالْإِلَهِ وَالرَّبِّ وَقَدْ فَسَّرَهُ طَائِفَةٌ بِجَعْلِهِمْ عِيسَى وَأُمَّهُ إِلَهَيْنِ يُعْبَدَانِ مِنْ دُونِ اللَّهِ. قَالَ السُّدِّيُّ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -:

стр. 400

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] . قَالَ: قَالَتِ النَّصَارَى إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ وَأُمُّهُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] وَقَدْ قِيلَ قَوْلٌ ثَالِثٌ أَغْرَبُ مِنْ ذَلِكَ عَنْ أَبِي صَخْرٍ قَالَ ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] قَالَ: هُوَ قَوْلُ الْيَهُودِ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَوْلُ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ فَجَعَلُوا اللَّهَ ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ وَهَذَا ضَعِيفٌ وَقَدْ ذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ الْبِطْرِيقِ فِي أَخْبَارِ النَّصَارَى أَنَّ مِنْهُمْ طَائِفَةً يُقَالُ لَهُمُ

стр. 401

الْمَرْيَمِيُّونَ يَقُولُونَ إِنَّ مَرْيَمَ إِلَهٌ وَإِنَّ عِيسَى إِلَهٌ. وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَمُتَوَجَّهٌ، فَإِنَّ النَّصَارَى الْمُتَّفِقِينَ عَلَى الْأَمَانَةِ كُلَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ نَهَاهُمْ عَنْ أَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ فَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] فَذَكَرَ سُبْحَانَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ التَّثْلِيثَ وَالِاتِّحَادَ وَنَهَاهُمْ عَنْهُمَا وَبَيَّنَ أَنَّ الْمَسِيحَ إِنَّمَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ. وَقَالَ: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٧١] ثُمَّ قَالَ ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]

стр. 402

لَمْ يَذْكُرْ هُنَا أُمَّهُ. وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] قَالَ: مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ هُوَ قَوْلُهُ: كُنْ فَكَانَ. وَكَذَلِكَ قَالَ: قَتَادَةُ لَيْسَ الْكَلِمَةَ صَارَ عِيسَى، وَلَكِنْ بِالْكَلِمَةِ صَارَ عِيسَى. وَكَذَلِكَ قَالَ: الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُصَنَّفِهِ الَّذِي صَنَّفَهُ فِي كِتَابِهِ فِي الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وَذَكَرَهُ عَنْهُ الْخَلَّالُ وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى قَالَ: أَحْمَدُ

стр. 403

ثُمَّ إِنَّ الْجَهْمَ ادَّعَى أَمْرًا فَقَالَ: إِنَّا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ آيَةً تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ قُلْنَا: أَيَّ آيَةٍ قَالَ: قَوْلُ اللَّهِ ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ [النساء: ١٧١] فَقُلْنَا: إِنَّ اللَّهَ مَنَعَكُمُ الْفَهْمَ فِي الْقُرْآنِ عِيسَى ﵇ تَجْرِي عَلَيْهِ أَلْفَاظٌ لَا تَجْرِي عَلَى الْقُرْآنِ ; لِأَنَّ عِيسَى يَجْرِي عَلَيْهِ نَسَمَةٌ وَمَوْلُودٌ وَطِفْلٌ وَصَبِيٌّ وَغُلَامٌ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَهُوَ يُخَاطَبُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ يَجْرِي عَلَيْهِ الْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ هُوَ مِنْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَلَا يَحِلُّ لَنَا أَنْ نَقُولَ فِي الْقُرْآنِ مَا نَقُولُ فِي عِيسَى هَلْ سَمِعْتُمُ اللَّهَ يَقُولُ فِي الْقُرْآنِ مَا قَالَ عِيسَى؟ وَلَكِنَّ الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] فَالْكَلِمَةُ الَّتِي أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ حِينَ قَالَ: لَهُ كُنْ فَكَانَ عِيسَى بِـ كُنْ وَلَيْسَ عِيسَى هُوَ الْكُنْ، وَلَكِنْ بِالْكُنْ كَانَ فَالْكُنْ مِنَ اللَّهِ قَوْلُهُ: وَلَيْسَ الْكُنْ مَخْلُوقًا وَكَذَبَتِ النَّصَارَى وَالْجَهْمِيَّةُ عَلَى اللَّهِ فِي أَمْرِ عِيسَى وَذَلِكَ أَنَّ الْجَهْمِيَّةَ قَالُوا: عِيسَى رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ ; لِأَنَّ الْكَلِمَةَ مَخْلُوقَةٌ.

стр. 404

وَقَالَتِ النَّصَارَى رُوحُ اللَّهِ مِنْ ذَاتِ اللَّهِ وَكَلِمَةُ اللَّهِ مِنْ ذَاتِ اللَّهِ كَمَا يُقَالُ هَذِهِ الْخِرْقَةُ مِنْ هَذَا الثَّوْبِ وَقُلْنَا نَحْنُ إِنَّ عِيسَى بِالْكَلِمَةِ كَانَ وَلَيْسَ عِيسَى هُوَ الْكَلِمَةَ. قَالَ أَحْمَدُ وَأَمَّا قَوْلُهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] يَقُولُ مِنْ أَمْرِهِ كَانَ الرُّوحُ فِيهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] يَقُولُ مِنْ أَمْرِهِ، وَتَفْسِيرُ رُوحِ اللَّهِ إِنَّمَا مَعْنَاهَا أَنَّهَا رُوحٌ بِكَلِمَةِ اللَّهِ خَلَقَهُمُ اللَّهُ كَمَا يُقَالُ: عَبْدُ اللَّهِ وَسَمَاءُ اللَّهِ، وَفِي نُسْخَةٍ رُوحٌ يَمْلِكُهَا اللَّهُ خَلَقَهَا اللَّهُ. وَقَالَ: الشَّعْبِيُّ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -:

стр. 405

﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١] الْكَلِمَةُ حِينَ قَالَ: لَهُ كُنْ فَكَانَ عِيسَى بِـ " كُنْ " وَلَيْسَ عِيسَى هُوَ الْكُنْ، وَلَكِنْ بِالْكُنْ كَانَ. وَقَالَ: لَيْثٌ عَنْ مُجَاهِدٍ رُوحٌ مِنْهُ قَالَ: رَسُولٌ مِنْهُ يُرِيدُ مُجَاهِدٌ قَوْلَهُ: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] (١٧) ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] (١٨) ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ [مريم: ١٩]

стр. 406

وَالْمَعْنَى أَنَّ عِيسَى خُلِقَ مِنَ الرُّوحِ وَهُوَ جِبْرِيلُ رُوحُ الْقُدُسِ سُمِّيَ رُوحًا كَمَا سُمِّيَ كَلِمَةً ; لِأَنَّهُ خُلِقَ بِالْكَلِمَةِ وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ فِي أَمَانَتِهِمْ تَجَسَّدَ مِنْ مَرْيَمَ وَمِنْ رُوحِ الْقُدُسِ ; لِأَنَّهُ كَذَلِكَ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ لَكِنْ ظَنُّوا أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ هُوَ صِفَةٌ لِلَّهِ وَجَعَلُوهَا حَيَاتَهُ وَقُدْرَتَهُ وَهُوَ رَبٌّ، وَهَذَا غَلَطٌ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُ لَمْ يُسَمَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ حَيَاةَ اللَّهِ وَلَا قُدْرَتَهُ وَلَا شَيْئًا مِنْ صِفَاتِهِ رُوحَ الْقُدُسِ، بَلْ رُوحُ الْقُدُسِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ يُرَادُ بِهَا مَا يُنَزِّلُهُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْأَنْبِيَاءِ كَالْوَحْيِ وَالْهُدَى وَالتَّأْيِيدِ وَيُرَادُ بِهَا الْمَلَكُ وَهَكَذَا فِي تَفْسِيرِ ابْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اسْتَقْبَلَ رَهْطًا مِنَ الْيَهُودِ فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: قَدْ جَاءَ السَّاحِرُ ابْنُ السَّاحِرَةِ وَالْفَاعِلُ ابْنُ الْفَاعِلَةِ فَقَذَفُوهُ وَأُمَّهُ فَلَمَّا سَمِعَ عِيسَى ذَلِكَ

стр. 407

قَالَ اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا مِنْ رُوحِكَ خَرَجْتُ وَبِكَلِمَتِكَ خَلَقْتَنِي وَلَمْ آتِهِمْ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ. وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ [التحريم: ١٢] فَهَذَا يُوَافِقُ قَوْلَهُ - تَعَالَى -: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] (١٧) ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] (١٨) ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ [مريم: ١٩] . وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهُمْ سَوَاءٌ صَدَّقُوا مُحَمَّدًا أَوْ كَذَّبُوهُ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ بُطْلَانُ دِينِهِمْ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ نَبِيًّا صَادِقًا فَقَدْ بَلَّغَ عَنِ اللَّهِ

стр. 408

فِي هَذَا الْكِتَابِ كُفْرَ النَّصَارَى فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ وَأَمَرَ بِجِهَادِهِمْ فَمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ نَبِيٌّ وَلَوْ إِلَى طَائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ يَجِبُ تَصْدِيقُهُ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ وَقَدْ أَخْبَرَ بِكُفْرِ النَّصَارَى وَضَلَالِهِمْ وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا لَمْ يُغْنِ عَنْهُمْ الِاحْتِجَاجُ بِشَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ وَالْمَعْقُولِ، بَلْ يُعْلَمُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ أَنَّ كُلَّ مَا يَحْتَجُّونَ بِهِ عَلَى صِحَّةِ دِينِهِمْ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ فَسَادُ حُجَجِهِمْ عَلَى التَّفْصِيلِ ; لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يَقُولُونَ إِلَّا حَقًّا كَمَا أَنَّ الْمَسِيحَ ﵇ لَمَّا حَكَمَ بِكُفْرِ مَنْ كَذَّبَهُ مِنَ الْيَهُودِ كَانَ كُلُّ مَا يَحْتَجُّ بِهِ الْيَهُودُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ بَاطِلًا فَكُلُّ مَا عَارَضَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ الْمَعْصُومِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا تَكْذِيبًا عَامًّا مُطْلَقًا وَقَالُوا لَيْسَ هُوَ نَبِيٌّ أَصْلًا وَلَا أُرْسِلَ إِلَى أَحَدٍ لَا إِلَى الْعَرَبِ وَلَا إِلَى غَيْرِهِمْ بَلْ كَانَ كَذَّابًا امْتَنَعَ مَعَ هَذَا أَنْ يُصَدِّقُوا بِنُبُوَّةِ غَيْرِهِ، فَإِنَّ الطَّرِيقَ الَّذِي يُعْلَمُ بِهِ نُبُوَّةُ مُوسَى وَعِيسَى يُعْلَمُ بِهِ نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى فَإِذَا قَالُوا: عُلِمَتْ نُبُوَّةُ مُوسَى وَالْمَسِيحِ بِالْمُعْجِزَاتِ وَعُرِفَتِ الْمُعْجِزَاتُ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ إِلَيْنَا قِيلَ لَهُمْ مُعْجِزَاتُ مُحَمَّدٍ ﷺ أَعْظَمُ وَتَوَاتُرُهَا أَبْلَغُ وَالْكِتَابُ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ أَكْمَلُ وَأُمَّتُهُ أَفْضَلُ وَشَرَائِعُ دِينِهِ أَحْسَنُ وَمُوسَى جَاءَ بِالْعَدْلِ وَعِيسَى جَاءَ بِتَكْمِيلِهَا بِالْفَضْلِ وَهُوَ

стр. 409

- ﷺ قَدْ جَمَعَ فِي شَرِيعَتِهِ بَيْنَ الْعَدْلِ وَالْفَضْلِ. فَإِنْ سَاغَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ هُوَ مَعَ هَذَا كَاذِبٌ مُفْتَرٍ كَانَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ الْبَاطِلِ غَيْرُهُ أَوْلَى أَنْ يُقَالَ فِيهِ ذَلِكَ. فَيَبْطُلُ بِتَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ جَمِيعُ مَا مَعَهُمْ مِنَ النُّبُوَّاتِ إِذْ حُكْمُ أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ حُكْمُ مِثْلِهِ فَكَيْفَ بِمَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُ؟ فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ إِنَّ هَارُونَ وَيُوشَعَ وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ كَانُوا أَنْبِيَاءَ وَمُوسَى لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا أَوْ أَنَّ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَيُوشَعَ كَانُوا أَنْبِيَاءَ وَالْمَسِيحَ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا. أَوْ قَالَ مَا تَقُولُهُ السَّامِرَةُ: أَنَّ يُوشَعَ كَانَ نَبِيًّا وَمَنْ بَعْدَهُ كَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَالْمَسِيحَ لَمْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ. أَوْ قَالَ مَا يَقُولُهُ الْيَهُودُ: إِنَّ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ

стр. 410

وَأَشْعِيَا وَحَبْقُوقَ وَمَلِيخَا وَعَامُوصَ وَدَانْيَالَ كَانُوا أَنْبِيَاءَ

стр. 411

وَالْمَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا كَانَ هَذَا قَوْلًا مُتَنَاقِضًا مَعْلُومَ الْبُطْلَانِ، فَإِنَّ الَّذِينَ نَفَى هَؤُلَاءِ عَنْهُمُ النُّبُوَّةَ أَحَقُّ بِالنُّبُوَّةِ وَأَكْمَلُ نُبُوَّةً مِمَّنْ أَثْبَتُوهَا لَهُ وَدَلَائِلُ نُبُوَّةِ الْأَكْمَلِ أَفْضَلُ فَكَيْفَ يَجُوزُ إِثْبَاتُ النُّبُوَّةِ لِلنَّبِيِّ الْمَفْضُولِ دُونَ الْفَاضِلِ وَصَارَ هَذَا كَمَا لَوْ قَالَ قَائِلٌ أَنَّ زُفَرَ وَابْنَ الْقَاسِمِ وَالْمُزَنِيَّ

стр. 412

وَالْأَثْرَمَ كَانُوا فُقَهَاءَ وَأَبَا حَنِيفَةَ وَمَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ وَأَحْمَدَ لَمْ يَكُونُوا فُقَهَاءَ أَوْ قَالَ: إِنَّ الْأَخْفَشَ وَابْنَ الْأَنْبَارِيِّ وَالْمُبَرِّدَ كَانُوا نُحَاةً

стр. 413

وَالْخَلِيلَ وَسِيبَوَيْهِ وَالْفَرَّاءَ لَمْ يَكُونُوا نُحَاةً أَوْ قَالَ: إِنَّ صَاحِبَ الْمَلَكِيِّ وَالْمُسَبَّحِيِّ وَنَحْوَهُمَا مِنْ كُتُبِ الطِّبِّ كَانُوا أَطِبَّاءً وَبُقْرَاطَ

стр. 414

وَجَالِينُوسَ وَنَحْوَهُمَا لَمْ يَكُونُوا أَطِبَّاءً أَوْ قَالَ: إِنَّ كُوشْيَارَ وَالْخِرَقِيَّ وَنَحْوَهُمَا كَانُوا يَعْرِفُونَ عِلْمَ الْهَيْئَةِ وَبَطْلَيْمُوسَ وَنَحْوَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عِلْمٌ بِالْهَيْئَةِ. وَمَنْ قَالَ: إِنَّ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَمَلِيخَا وَعَامُوصَ وَدَانْيَالَ كَانُوا أَنْبِيَاءَ وَمُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا فَتَنَاقُضُهُ أَظْهَرُ وَفَسَادُ قَوْلِهِ أَبْيَنُ مِنْ هَذَا جَمِيعِهِ بَلْ وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ: إِنَّ مُوسَى وَعِيسَى رَسُولَانِ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ كِتَابَانِ مُنَزَّلَانِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمُحَمَّدٌ لَيْسَ بِرَسُولٍ وَالْقُرْآنُ

стр. 415

لَمْ يَنْزِلْ مِنَ اللَّهِ فَبُطْلَانُ قَوْلِهِ فِي غَايَةِ الظُّهُورِ وَالْبَيَانِ لِمَنْ تَدَبَّرَ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وَمَا جَاءَ بِهِ مَنْ قَبْلَهُ، وَتَدَبَّرَ كِتَابَهُ وَالْكُتُبَ الَّتِي قَبْلَهُ وَآيَاتِ نُبُوَّتِهِ وَآيَاتِ نُبُوَّةِ هَؤُلَاءِ وَشَرَائِعَ دِينِهِ وَشَرَائِعَ دِينِ هَؤُلَاءِ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مُفَصَّلَةٌ مَشْرُوحَةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ لَكِنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى مَجَامِعِ جَوَابِهِمْ وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ لَمْ يَأْتُوا بِدَلِيلٍ وَاحِدٍ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ مَنِ احْتَجُّوا بِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَلَوْ نَاظَرَهُمْ مَنْ يُكَذِّبُ بِهَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَالْمَلَاحِدَةِ لَمْ يَكُنْ فِيمَا ذَكَرُوهُ حُجَّةٌ لَهُمْ وَلَا حُجَّةٌ لَهُمْ أَيْضًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يُقِرُّونَ بِنُبُوَّةِ هَؤُلَاءِ، فَإِنَّ جُمْهُورَ الْمُسْلِمِينَ إِنَّمَا عَرَفُوا صِدْقَ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءِ بِإِخْبَارِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُمْ أَنْبِيَاءُ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يُصَدِّقُوا بِالْفَرْعِ مَعَ الْقَدْحِ فِي الْأَصْلِ الَّذِي بِهِ عَلِمُوا صِدْقَهُمْ. وَأَيْضًا فَالطَّرِيقُ الَّذِي بِهِ عُلِمَتْ نُبُوَّةُ هَؤُلَاءِ بِمَا ثَبَتَ مِنْ مُعْجِزَاتِهِمْ وَأَخْبَارِهِمْ، فَكَذَلِكَ تُعْلَمُ نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ بِمَا ثَبَتَ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ وَأَخْبَارِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى فَيَمْتَنِعُ أَنْ يُصَدِّقَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِنُبُوَّةِ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ مَعَ تَكْذِيبِهِ لِمُحَمَّدٍ فِي كَلِمَةٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ.

стр. 416

[فَصْلٌ: الرَّدُّ عَلَى النَّصَارَى فِي زَعْمِهِمْ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمْ يُبَشَّرْ بِهِ] وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّصَارَى إِنَّمَا يَعْتَمِدُونَ فِي النُّبُوَّاتِ عَلَى بِشَارَةِ الْأَنْبِيَاءِ بِمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ فَيَقُولُونَ: الْمَسِيحُ ﵇ بَشَّرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ بِخِلَافِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَإِنَّهُ لَمْ يُبَشِّرْ بِهِ نَبِيٌّ وَجَوَابُ هَؤُلَاءِ مِنْ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا أَنْ يُقَالَ: بَلِ الْبِشَارَةُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَعْظَمُ مِنَ الْبِشَارَةِ بِالْمَسِيحِ وَكَمَا أَنَّ الْيَهُودَ يَتَأَوَّلُونَ الْبِشَارَةَ بِالْمَسِيحِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ بَلْ هُوَ آخَرُ يَنْتَظِرُونَهُ وَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ إِنَّمَا يَنْتَظِرُونَ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَإِنَّهُ الَّذِي يَتْبَعُهُ الْيَهُودُ وَيَخْرُجُ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مُطَيْلَسٍ مِنْ يَهُودِ أَصْبَهَانَ وَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ مَعَهُ حَتَّى يَقُولَ الشَّجَرُ

стр. 417

وَالْحَجَرُ يَا مُسْلِمُ هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي تَعَالَ فَاقْتُلْهُ، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَثَبَتَ أَيْضًا فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ وَيَقْتُلُ مَسِيحُ الْهُدَى عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ مَسِيحَ الضَّلَالَةِ الْأَعْوَرَ الدَّجَّالَ عَلَى بِضْعِ عَشْرَةَ خُطْوَةً مِنْ بَابِ لُدٍّ» لِيَتَبَيَّنَ

стр. 418

لِلنَّاسِ أَنَّ الْبَشَرَ لَا يَكُونُ إِلَهًا، فَيَقْتُلُ مَنِ ادَّعَى فِيهِ أَنَّهُ اللَّهُ وَهُوَ بَرِيءٌ مِمَّا ادَّعَى فِيهِ لِمَنِ ادَّعَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ اللَّهُ وَهُوَ دَجَّالٌ كَذَّابٌ، فَهَكَذَا الْبِشَارَاتُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَقَدْ يَتَأَوَّلُهَا بَعْضُ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهَا، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، فَإِنَّ بَسْطَ الْكَلَامِ فِي ذِكْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي الْكُتُبِ الَّتِي بِأَيْدِي أَهْلِ الْكِتَابِ لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ. الْجَوَابُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ النَّبِيِّ أَنْ يُبَشِّرَ بِهِ مَنْ تَقَدَّمَهُ كَمَا أَنَّ مُوسَى كَانَ رَسُولًا إِلَى فِرْعَوْنَ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لِفِرْعَوْنَ بِهِ بِشَارَةٌ وَكَذَلِكَ الْخَلِيلُ ﵇ أُرْسِلَ إِلَى نُمْرُودَ وَلَمْ يَتَقَدَّمْ بِهِ بِشَارَةُ نَبِيٍّ إِلَيْهِ وَكَذَلِكَ نُوحٌ وَهُودٌ وَصَالِحٌ وَشُعَيْبٌ وَلُوطٌ لَمْ يَتَقَدَّمْ هَؤُلَاءِ بِشَارَةٌ إِلَى قَوْمِهِمْ بِهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ أَنْبِيَاءَ صَادِقِينَ، فَإِنَّ دَلَائِلَ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ لَا تَنْحَصِرُ فِي أَخْبَارِ مَنْ تَقَدَّمَهُ بَلْ دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ مِنْهَا الْمُعْجِزَاتُ وَمِنْهَا غَيْرُ الْمُعْجِزَاتِ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَهَؤُلَاءِ النَّصَارَى إِنَّمَا مُسْتَنَدُ دِينِهِمْ فِي التَّثْلِيثِ وَالِاتِّحَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ هُوَ السَّمْعُ وَهُوَ دَعْوَاهُمْ أَنَّ الْكُتُبَ الْإِلَهِيَّةَ جَاءَتْ بِذَلِكَ لَيْسَ مُسْتَنَدَهُمْ فِيهِ الْعَقْلُ فَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ مَعَ تَكْذِيبِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ يَمْتَنِعُ أَنْ

стр. 419

تَثْبُتَ نُبُوَّةُ غَيْرِهِ امْتَنَعَ اسْتِدْلَالُهُمْ بِالسَّمْعِيَّاتِ وَأَمَّا الْعَقْلِيَّاتُ، فَإِنْ تَشَبَّثُوا بِبَعْضِهَا فَهُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّ حُجَّتَهُمْ فِيهَا ضَعِيفَةٌ وَأَنَّهَا عَلَى نَقِيضِ مَذْهَبِهِمْ أَدَلُّ مِنْهَا عَلَى مَذْهَبِهِمْ وَسَنُبَيِّنُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي سَمْعٍ وَلَا عَقْلٍ بَلْ ذَلِكَ كُلُّهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ. وَأَمَّا تَمْثِيلُهُمُ الْكِتَابَ بِالْوَثِيقَةِ الَّتِي كُتِبَ الْوَفَاءُ فِي ظَهْرِهَا فَتَمْثِيلٌ بَاطِلٌ غَيْرُ مُطَابِقٍ ; لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْوَفَاءِ إِقْرَارٌ بِسُقُوطِ الدَّيْنِ وَلَا مُنَاقَضَةَ بَيْنَ ثُبُوتِ الدَّيْنِ أَوَّلًا وَسُقُوطِهِ آخِرًا بِالْوَفَاءِ بَلْ أَمْكَنَ مَعَ هَذَا دَعْوَاهُ وَأَمَّا مَنْ يَذْكُرُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَرَّ بِأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ فِي بَعْضِ مَا أَنْبَأَ بِهِ عَنِ اللَّهِ دُونَ بَعْضٍ، وَلَا يُمْكِنُ اتِّبَاعُ بَعْضِ كِتَابِهِ الَّذِي ذَكَرَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ دُونَ بَعْضٍ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ صَادِقًا فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، كَانَ مَعْصُومًا فِي مَا يُخْبِرُ بِهِ عَنِ اللَّهِ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُكَذَّبَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ لَا عَمْدًا وَلَا خَطَأً، وَوَجَبَ اتِّبَاعُ الْكِتَابِ الَّذِي جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَلَمْ يُمْكِنْ رَدُّ شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ جَاءَ بِهِ مِنَ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ عَنِ اللَّهِ، فَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ الْمُفْتَرِينَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْتَجَّ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِهِمْ وَلَا دِينِ غَيْرِهِمْ بِمُجَرَّدِ إِخْبَارِهِ عَنِ اللَّهِ، بَلْ وَلَا بِمُجَرَّدِ خَبَرِهِ وَقَوْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ خَبَّرَ عَنِ اللَّهِ، كَمَا لَا يَجُوزُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي سَائِرِ مَنْ عُرِفَ أَنَّهُ كَاذِبٌ فِي قَوْلِهِ: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ كَمُسَيْلِمَةَ الْحَنَفِيِّ وَالْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ وَطُلَيْحَةَ الْأَسَدِيِّ وَالْحَارِثِ الدِّمَشْقِيِّ وَبَابَا

стр. 420

الرُّومِيِّ وَأَمْثَالِهِمْ مِنَ الْكَذَّابِينَ. وَالْوَاحِدُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانَ اللَّهُ لَا يُؤَاخِذُهُ بِالنِّسْيَانِ وَالْخَطَأِ بَلْ وَالرَّسُولُ أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يُؤَاخَذُ بِالنِّسْيَانِ وَالْخَطَأِ فِي غَيْرِ مَا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ عِنْدَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ وَجُمْهُورِ الْمُسْلِمِينَ، لَكِنَّ مَا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَقِرَّ فِيهِ خَطَأٌ، فَإِنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ يُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ مَا لَمْ يَقُلْهُ وَيَسْتَقِرَّ ذَلِكَ وَيَأْخُذَهُ النَّاسُ عَنْهُ مُعْتَقِدِينَ أَنَّ اللَّهَ قَالَهُ - وَلَمْ يَقُلْهُ اللَّهُ - كَانَ هَذَا مُنَاقِضًا لِمَقْصُودِ الرِّسَالَةِ وَلَمْ يَكُنْ رَسُولًا لِلَّهِ فِي ذَلِكَ بَلْ كَانَ كَاذِبًا فِي ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْهُ وَإِذَا بَلَّغَ عَنِ اللَّهِ مَا لَمْ يَقُلْهُ وَصُدِّقَ فِي ذَلِكَ كَانَ قَدْ صُدِّقَ مَنْ قَالَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ، وَمَنْ تَقَوَّلَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَمِّدًا، وَيَمْتَنِعُ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يُصَدِّقَهُ اللَّهُ فِي كُلِّ مَا يُخْبِرُ بِهِ عَنْهُ أَوْ أَنْ يُقِيمَ لَهُ مِنَ الْآيَاتِ وَالْبَرَاهِينِ مَا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ فِي كُلِّ مَا يُخْبِرُ بِهِ عَنْهُ مَعَ أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ وَمَنْ قَامَتِ الْبَرَاهِينُ وَالْآيَاتُ عَلَى صِدْقِهِ فِيمَا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ كَانَ صَادِقًا فِي كُلِّ مَا يُخْبِرُ بِهِ عَنِ اللَّهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي خَبَرِهِ عَنِ اللَّهِ شَيْءٌ مِنَ الْكَذِبِ لَا عَمْدًا وَلَا خَطَأً، وَهَذَا مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ جَمِيعُ النَّاسِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى

стр. 421

وَغَيْرِهِمْ لَمْ يَتَنَازَعُوا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَقِرَّ فِي خَبَرِهِ عَنِ اللَّهِ خَطَأٌ وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ مِنَ الْغَلَطِ مَا يَسْتَدْرِكُهُ وَيُبَيِّنُهُ فَلَا يُنَافِي مَقْصُودَ الرِّسَالَةِ كَمَا نُقِلَ مِنْ ذِكْرِ " «تِلْكَ الْغَرَانِيقِ الْعُلَى، وَأَنَّ شَفَاعَتَهَا لَتُرْتَجَى» " هَذَا فِيهِ قَوْلَانِ لِلنَّاسِ: مِنْهُمْ مَنْ

стр. 422

يَمْنَعُ ذَلِكَ أَيْضًا وَطَعَنَ فِي وُقُوعِ ذَلِكَ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ: إِنَّهُمْ سَمِعُوا مَا لَمْ يَقُلْهُ فَكَانَ الْخَطَأُ فِي سَمْعِهِمْ وَالشَّيْطَانُ أَلْقَى فِي سَمْعِهِمْ. وَمَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ قَالَ: إِذَا حَصَلَ الْبَيَانُ وَنُسِخَ مَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مَحْذُورٌ، وَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى صِدْقِهِ وَأَمَانَتِهِ وَدِيَانَتِهِ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّبِعٍ هَوَاهُ وَلَا مُصِرٍّ عَلَى غَيْرِ الْحَقِّ، كَفِعْلِ طَالِبِ الرِّيَاسَةِ الْمُصِرِّ عَلَى خَطَئِهِ. وَإِذَا كَانَ نَسْخُ مَا جُزِمَ بِأَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهُ لَا مَحْذُورَ فِيهِ، فَنَسْخُ مِثْلِ هَذَا أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ مَحْذُورٌ، وَاسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: ٥٢] (٥٢) ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [الحج: ٥٣] (٥٣) ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٤]

стр. 423

وَعَلَى كُلِّ قَوْلٍ فَالنَّاسُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ أَرْسَلَهُ اللَّهُ وَأَقَامَ الْآيَاتِ عَلَى صِدْقِهِ فِيمَا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ: لَمْ يَكُنْ مَا يُبَلِّغُهُ عَنْهُ إِلَّا حَقًّا وَإِلَّا كَانَتِ الْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى صِدْقِهِ دَلَّتْ عَلَى صِدْقِ مَنْ لَيْسَ بِصَادِقٍ، وَبُطْلَانُ مَدْلُولِ الْأَدِلَّةِ الْيَقِينِيَّةِ مُمْتَنِعٌ. وَالصِّدْقُ الَّذِي هُوَ مَدْلُولُ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَبَرَاهِينِهِمْ هُوَ أَنْ يَكُونَ خَبَرُهُ عَنِ اللَّهِ مُطَابِقًا لِمُخْبِرِهِ لَا يُخَالِفُهُ عَمْدًا وَلَا خَطَأً وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: أَنَا لَا أُسَمِّي الْخَطَأَ كَذِبًا أَوْ قَالَ: إِنَّ الْمُخْطِئَ لَا إِثْمَ عَلَيْهِ فِي خَطَئِهِ. قِيلَ لَهُ: هَذَا لَا يَنْفَعُ هُنَا، فَإِنَّ الْآيَاتِ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ لِيُبَلِّغَ عَنْهُ رِسَالَاتِهِ، وَاللَّهُ لَا يُرْسِلُ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُخْبِرُ عَنْهُ بِخِلَافِ مَا قَالَ لَهُ، كَمَا لَا يَجُوزُ إِرْسَالُ مَنْ يَتَعَمَّدُ عَلَيْهِ الْكَذِبَ بَلِ الْوَاحِدُ مِنَ النَّاسِ لَا يُرْسِلُ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُبَلِّغُ خِلَافَ مَا أَرْسَلَهُ بِهِ وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ يَقُولُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْ وَأَرْسَلَهُ مَعَ ذَلِكَ، لَكَانَ جَاهِلًا سَفِيهًا لَيْسَ بِعَلِيمٍ حَكِيمٍ، فَكَيْفَ يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى أَعْلَمِ الْعَالِمِينَ وَأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ؟ . وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْآيَاتِ وَالْبَرَاهِينَ دَلَّتْ عَلَى صِدْقِهِ فِي كُلِّ مَا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ، وَأَنَّ اللَّهَ مُصَدِّقُهُ فِي كُلِّ مَا يُبَلِّغُهُ عَنْهُ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ لَا يَكُونَ صَادِقًا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يُصَدِّقَ اللَّهُ فِي كُلِّ ذَلِكَ مَنْ لَا يَصْدُقُ فِي كُلِّ ذَلِكَ، فَإِنَّ تَصْدِيقَ مَنْ لَا يَصْدُقُ كَذِبٌ وَالْكَذِبُ مُمْتَنِعٌ عَلَى اللَّهِ. وَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ ذَكَرَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ رَسُولًا صَادِقًا فِي

стр. 424

جَمِيعِ مَا يُبَلِّغُهُ فَيَمْتَنِعُ مَعَ هَذَا تَنَاقُضُ أَخْبَارِهِ؛ لِأَنَّهَا كُلَّهَا صَادِقَةٌ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ صَادِقٍ وَلَوْ فِي كَلِمَةٍ فَلَا يَكُونُ رَسُولًا لِلَّهِ، فَلَا يُحْتَجُّ بِشَيْءٍ مِمَّا يُخْبِرُ بِهِ عَنِ اللَّهِ كَانَ تَمْثِيلُ مَنْ ذَكَرَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ بِالْمُقِرِّ بِاسْتِيفَاءِ وَثِيقَتِهِ تَمْثِيلًا بَاطِلًا، فَإِنَّ صَاحِبَ الْوَثِيقَةِ الَّذِي أَقَرَّ بِوَفَائِهَا بَعْدُ، كَانَتْ لَهُ حُجَّةً ثُمَّ اسْتَوْفَاهَا. وَمَنْ ذَكَرَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إِمَّا صَادِقٌ وَإِمَّا كَاذِبٌ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْتَجَّ بِبَعْضِ كَلَامِهِ دُونَ بَعْضٍ، وَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ: مَقْصُودِي أُبَيِّنُ أَنَّهُ مُتَنَاقِضٌ، وَأَنَّ نَفْسَ كَلَامِهِ يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إِلَيْنَا، وَأَنَّ دِينَنَا حَقٌّ، كَمَا أَنَّ نَفْسَ كَلَامِ الَّذِي كَانَ لَهُ الْحَقُّ هُوَ الْمُقِرُّ بِالْوَفَاءِ، قِيلَ: إِنْ كَانَ كَلَامُهُ مُتَنَاقِضًا فَلَيْسَ بِرَسُولٍ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَجُوزُ لَكَ أَنْ تَحْتَجَّ بِشَيْءٍ مِمَّا بَلَّغَهُ عَنِ اللَّهِ بِخِلَافِ الْمُقِرِّ بِالْوَفَاءِ، فَإِنَّ إِقْرَارَهُ مَقْبُولٌ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ شَاهِدٌ عَلَى نَفْسِهِ بِالْوَفَاءِ، وَإِقْرَارُ الْمُقِرِّ عَلَى نَفْسِهِ وَشَهَادَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ مَقْبُولَةٌ وَلَوْ كَانَ كَافِرًا وَفَاسِقًا، بِخِلَافِ شَهَادَتِهِ وَخَبَرِهِ عَنِ اللَّهِ. فَمَنْ شَبَّهَ إِقْرَارَ الْمُقِرِّ عَلَى نَفْسِهِ بِقَوْلِ الَّذِي يَقُولُ: إنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى غَايَةِ جَهْلِهِ بِالْقِيَاسِ وَالِاعْتِبَارِ وَالتَّمْثِيلِ. فَإِنَّ إِقْرَارَ الْمُقِرِّ

стр. 425

عَلَى نَفْسِهِ حُجَّةٌ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ فَاسِقًا مَعْرُوفًا بِالْكَذِبِ، لَيْسَ هُوَ مِثْلُ شَهَادَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى غَيْرِهِ، فَإِنَّ شَهَادَتَهُ عَلَى غَيْرِهِ لَا تُقْبَلُ إِذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِالْكَذِبِ، فَكَيْفَ بِمَنْ شَهِدَ عَلَى اللَّهِ بِأَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ؟ فَالْمُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ يُمْكِنُ قَبُولُ إِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا يُقْبَلُ دَعْوَاهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ الشَّاهِدُ قَدْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيمَا لَيْسَ هُوَ خَصْمًا فِيهِ وَلَا تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ بِمَا ادَّعَاهُ. وَأَمَّا مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُصَدَّقَ فِي بَعْضِ مَا يُخْبِرُ بِهِ عَنِ اللَّهِ وَيُكَذَّبَ فِي بَعْضٍ، بَلْ إِنْ كَانَ كَاذِبًا فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَيْسَ هُوَ رَسُولًا لِلَّهِ، فَلَا يُحْتَجُّ بِكَلَامِهِ، وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ الْكَلَامَ فِي نَفْسِهِ صِدْقٌ لَكِنَّ نِسْبَتَهُ إِلَى اللَّهِ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ بِهِ وَأَوْحَاهُ لَا يَكُونُ صَادِقًا فِيهِ إِذَا كَذَبَ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ ; لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُرْسِلُ كَاذِبًا. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَاذِبًا فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ وَجَبَ تَصْدِيقُهُ فِي كُلِّ مَا يُخْبِرُ بِهِ فَلَا يُمْكِنُ تَصْدِيقُهُ فِي بَعْضِ مَا يُخْبِرُ بِهِ عَنِ اللَّهِ دُونَ بَعْضٍ بِخِلَافِ الْمُقِرِّ وَالشَّاهِدِ. وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ بَيَانَ تَنَاقُضِهِ، كَانَ هَذَا احْتِجَاجًا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِرَسُولٍ فَلَا يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَنَاقِضٍ. وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ إِلْزَامَ الْمُسْلِمِينَ بِهِ، فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ، فَهَذَا بَيَانُ أَنَّهُمْ لَا يَجُوزُ لَهُمُ الِاحْتِجَاجُ بِشَيْءٍ مِنْ كَلَامِ مُحَمَّدٍ ﷺ سَوَاءً صَدَّقُوهُ أَوْ كَذَّبُوهُ.
следующие страницы →