Полный текст (2 831 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
وَقَالَ: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧] وَاللُّدُّ جَمْعُ الْأَلَدِّ وَهُوَ الْأَعْوَجُ فِي الْمُنَاظَرَةِ الَّذِي يَرُوغُ عَنِ الْحَقِّ كَمَا قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ «إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ» وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] فَهُوَ كَمَا قَالَ - تَعَالَى - وَقَوْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ هُمْ قُرَيْشٌ وَبِلِسَانِهِمْ أُرْسِلَ وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَقُلْ: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا إِلَى قَوْمِهِ بَلِ الرَّسُولُ يَبْعَثُهُ اللَّهُ إِلَى قَوْمِهِ وَغَيْرِ قَوْمِهِ كَمَا تَقُولُ النَّصَارَى: أَنَّهُ بَعَثَ الْمَسِيحَ ﵇ وَالْحَوَارِيِّينَ إِلَى غَيْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَيْسُوا مِنْ قَوْمِهِ، فَكَذَلِكَ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ إِلَى قَوْمِهِ وَغَيْرِ قَوْمِهِ، وَلَكِنْ إِنَّمَا يُبْعَثُ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ثُمَّ يَحْصُلُ الْبَيَانُ لِغَيْرِهِمْ بِتَوَسُّطِ الْبَيَانِ لَهُمْ إِمَّا بِلُغَتِهِمْ
стр. 457
وَلِسَانِهِمْ وَإِمَّا بِالتَّرْجَمَةِ لَهُمْ وَلَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لِقَوْمِهِ أَوَّلًا لَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُ الرِّسَالَةِ لَا لَهُمْ وَلَا لِغَيْرِهِمْ وَإِذَا تَبَيَّنَ لِقَوْمِهِ أَوَّلًا حَصَلَ الْبَيَانُ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ بِتَوَسُّطِهِمْ وَقَوْمَهُ إِلَيْهِمْ بُعِثَ أَوَّلًا وَلَهُمْ دَعَا أَوَّلًا وَأَنْذَرَ أَوَّلًا وَلَيْسَ فِي هَذَا أَنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إِلَى غَيْرِهِمْ لَكِنْ إِذَا تَبَيَّنَ لِقَوْمِهِ لِكَوْنِهِ بِلِسَانِهِمْ أَمْكَنَ بَعْدَ هَذَا أَنْ يَعْرِفَهُ غَيْرُ قَوْمِهِ إِمَّا بِتَعَلُّمِهِ بِلِسَانِهِمْ وَإِمَّا بِتَعْرِيفٍ بِلِسَانٍ يُفْهَمُ بِهِ وَالرَّجُلُ يَكْتُبُ كِتَابَ عِلْمٍ فِي طِبٍّ أَوْ نَحْوٍ أَوْ حِسَابٍ بِلِسَانِ قَوْمِهِ ثُمَّ يُتَرْجَمُ ذَلِكَ الْكِتَابُ وَيُنْقَلُ إِلَى لُغَاتٍ أُخَرَ وَيَنْتَفِعُ بِهِ أَقْوَامٌ آخَرُونَ كَمَا تُرْجِمَتْ كُتُبُ الطِّبِّ وَالْحِسَابِ الَّتِي صُنِّفَتْ بِغَيْرِ الْعَرَبِيِّ وَانْتَفَعَ بِهَا الْعَرَبُ وَعَرَفُوا مُرَادَ أَصْحَابِهَا وَإِنْ كَانَ الْمُصَنِّفُ لَهَا أَوَّلًا إِنَّمَا صَنَّفَهَا بِلِسَانِ قَوْمِهِ وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي بَيَانِ الْأُمُورِ الَّتِي لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا سَعَادَةُ الْآخِرَةِ وَالنَّجَاةُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ فَكَيْفَ يَمْتَنِعُ فِي الْعُلُومِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا سَعَادَةُ الْآخِرَةِ وَالنَّجَاةُ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُنْقَلَ مِنْ لِسَانٍ إِلَى لِسَانٍ حَتَّى يَفْهَمَ أَهْلُ اللِّسَانِ الثَّانِي بِهَا مَا أَرَادَهُ بِهَا الْمُتَكَلِّمُ بِهَا أَوَّلًا بِاللِّسَانِ الْأَوَّلِ.
وَأَبْنَاءُ فَارِسَ الْمُسْلِمُونَ لَمَّا كَانَ لَهُمْ مِنْ عِنَايَةٍ بِهَذَا تَرْجَمُوا مَصَاحِفَ كَثِيرَةً فَيَكْتُبُونَهَا بِالْعَرَبِيِّ وَيَكْتُبُونَ التَّرْجَمَةَ بِالْفَارِسِيَّةِ وَكَانُوا قَبْلَ الْإِسْلَامِ أَبْعَدَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الرُّومِ وَالنَّصَارَى فَإِذَا كَانَ الْفُرْسُ الْمَجُوسُ قَدْ وَصَلَ إِلَيْهِمْ مَعَانِي الْقُرْآنِ بِالْعَرَبِيِّ وَتَرْجَمَتَهُ فَكَيْفَ لَا يَصِلُ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَهُمْ أَقْرَبُ إِلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ وَعَامَّةُ الْأُصُولِ الَّتِي
стр. 458
يَذْكُرُهَا الْقُرْآنُ عِنْدَهُمْ شَوَاهِدُهَا وَنَظَائِرُهَا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ النُّبُوَّاتِ بَلْ كُلُّ مَنْ تَدَبَّرَ نُبُوَّاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَتَدَبَّرَ الْقُرْآنَ جَزَمَ يَقِينًا بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا وَأَنَّ مُوسَى رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا لِمَا يَرَى مِنْ تَصَادُقِ الْكِتَابَيْنِ التَّوْرَاةِ وَالْقُرْآنِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ مُوسَى ﵇ لَمْ يَأْخُذْ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ وَأَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمْ يَأْخُذْ عَنْ مُوسَى، فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِحَالِهِ كَانَ أُمِّيًّا مِنْ قَوْمٍ أُمِّيِّينَ مُقِيمًا بِمَكَّةَ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مَنْ يَحْفَظُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَلَا الزَّبُورَ وَمُحَمَّدٌ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْنِ ظَهْرَانِيهِمْ وَلَمْ يُسَافِرْ قَطُّ إِلَّا سَفْرَتَيْنِ إِلَى الشَّامِ خَرَجَ مَرَّةً مَعَ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ قَبْلَ الِاحْتِلَامِ وَلَمْ يَكُنْ يُفَارِقُهُ وَمَرَّةً أُخْرَى مَعَ مَيْسَرَةَ فِي تِجَارَتِهِ وَكَانَ ابْنَ بِضْعٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً مَعَ رُفْقَةٍ كَانُوا يَعْرِفُونَ جَمِيعَ أَحْوَالِهِ وَلَمْ يَجْتَمِعْ قَطُّ بِعَالِمٍ أَخَذَ عَنْهُ شَيْئًا لَا مِنْ عُلَمَاءِ الْيَهُودِ وَلَا النَّصَارَى وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ لَا بَحِيرَى وَلَا غَيْرُهُ، وَلَكِنْ كَانَ بَحِيرَى الرَّاهِبُ لَمَّا رَآهُ عَرَفَهُ لِمَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذِكْرِهِ وَنَعْتِهِ فَأَخْبَرَ أَهْلَهُ بِذَلِكَ وَأَمَرَهُمْ بِحِفْظِهِ مِنَ الْيَهُودِ وَلَمْ يَتَعَلَّمْ لَا مِنْ بِحَيْرَى وَلَا مِنْ غَيْرِهِ كَلِمَةً وَاحِدَةً وَسَنُبَيِّنُ - إِنْ
стр. 459
شَاءَ اللَّهُ - الدَّلَائِلَ الْكَثِيرَةَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَلِمَةً وَاحِدَةً وَقِصَّةُ بَحِيرَى مَذْكُورَةٌ ذَكَرَهَا أَرْبَابُ السِّيَرِ وَأَصْحَابُ الْمَسَانِيدِ وَالسُّنَنِ.
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ سَوْرَةَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ حَدَّثَنَا الْفَضْلُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَزْوَانَ أَبُو نُوحٍ أَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجَ أَبُو طَالِبٍ
стр. 460
إِلَى الشَّامِ وَخَرَجَ مَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي أَشْيَاخٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَلَمَّا أَشْرَفُوا عَلَى الرَّاهِبِ هَبَطُوا فَحَلُّوا رِحَالَهُمْ فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الرَّاهِبُ وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَمُرُّونَ بِهِ فَلَا يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ وَلَا يَلْتَفِتُ قَالَ: فَهُمْ يَحُلُّونَ رِحَالَهُمْ فَجَعَلَ يَتَخَلَّلُهُمُ الرَّاهِبُ حَتَّى جَاءَ فَأَخَذَ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: هَذَا سَيِّدُ الْعَالَمِينَ هَذَا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَبْعَثُهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ فَقَالَ: لَهُ أَشْيَاخٌ مِنْ قُرَيْشٍ مَا عِلْمُكَ فَقَالَ: إِنَّكُمْ حِينَ أَشْرَفْتُمْ مِنَ الْعَقَبَةِ لَمْ يَبْقَ شَجَرٌ وَلَا حَجَرٌ إِلَّا خَرَّ سَاجِدًا وَلَا يَسْجُدْنَ إِلَّا لِنَبِيٍّ وَإِنِّي أَعْرِفُهُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ أَسْفَلَ مِنْ غُرْضُوفِ كَتِفِهِ مِثْلِ التُّفَّاحَةِ ثُمَّ رَجَعَ فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا فَلَمَّا أَتَاهُمْ بِهِ - وَكَانَ هُوَ فِي رِعْيَةِ الْإِبِلِ - فَقَالَ: أَرْسِلُوا إِلَيْهِ فَأَقْبَلَ وَعَلَيْهِ غَمَامَةٌ تُظِلُّهُ فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْقَوْمِ وَجَدَهُمْ قَدْ سَبَقُوهُ إِلَى فَيْءِ الشَّجَرَةِ فَلَمَّا جَلَسَ مَالَ فَيْءُ الشَّجَرَةِ عَلَيْهِ فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى فَيْءِ الشَّجَرَةِ مَالَ عَلَيْهِ قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ عَلَيْهِمْ يُنَاشِدُهُمْ أَنْ لَا يَذْهَبُوا بِهِ إِلَى الرُّومِ، فَإِنَّ الرُّومَ إِنْ رَأَوْهُ عَرَفُوهُ بِالصِّفَةِ فَيَقْتُلُونَهُ فَالْتَفَتَ فَإِذَا بِسَبْعَةٍ قَدْ أَقْبَلُوا مِنَ الرُّومِ فَاسْتَقْبَلَهُمُ الرَّاهِبُ فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكُمْ قَالُوا: جِئْنَا ; لِأَنَّ هَذَا النَّبِيَّ خَارِجٌ فِي هَذَا الشَّهْرِ فَلَمْ يَبْقَ طَرِيقٌ إِلَّا بُعِثَ إِلَيْهِ بِأُنَاسٍ وَإِنَّا قَدْ أُخْبِرْنَا خَبَرَهُ بِطَرِيقِكَ هَذَا.
стр. 461
فَقَالَ أَفَرَأَيْتُمْ أَمْرًا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِيَهُ هَلْ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ رَدَّهُ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَتَابَعُوهُ وَأَقَامُوا مَعَهُ. قَالَ: أُنْشِدُكُمُ اللَّهَ يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ أَيُّكُمْ وَلِيُّهُ فَقَالَ: أَبُو طَالِبٍ أَنَا فَلَمْ يَزَلْ يُنَاشِدُهُ حَتَّى رَدَّهُ أَبُو طَالِبٍ وَزَوَّدَهُ الرَّاهِبُ مِنَ الْكَعْكِ وَالزَّيْتِ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ مِنْ حَدِيثِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ قُرَادِ بْنِ نُوحٍ وَقَالَ: الْعَبَّاسُ لَمْ يُحَدِّثْ بِهِ يَعْنِي بِهَذَا الْإِسْنَادِ غَيْرُ قُرَادٍ وَسَمِعَهُ يَحْيَى وَأَحْمَدُ مِنْ قُرَادٍ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يُحَدِّثْ بِهَذَا الْإِسْنَادِ سِوَى هَؤُلَاءِ فَأَمَّا الْقِصَّةُ فَهِيَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَغَازِي مَشْهُورَةٌ.
стр. 462
وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَبِيبَةَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ: لَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اثْنَيْ عَشْرَةَ سَنَةً خَرَجَ بِهِ أَبُو طَالِبٍ إِلَى الشَّامِ فِي الْعِيرِ الَّتِي خَرَجَ فِيهَا لِلتِّجَارَةِ فَنَزَلُوا بِالرَّاهِبِ
стр. 463
بَحِيرَى فَقَالَ: بَحِيرَى لِأَبِي طَالِبٍ فِي النَّبِيِّ ﷺ مَا قَالَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَحْتَفِظَ بِهِ فَرَدَّهُ أَبُو طَالِبٍ مَعَهُ إِلَى مَكَّةَ وَشَبَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَبِي طَالِبٍ يَكْلَؤُهُ اللَّهُ وَيَحْفَظُهُ وَيَحُوطُهُ مِنْ أُمُورِ الْجَاهِلِيَّةِ وَمَعَايِبِهَا لِمَا يُرِيدُهُ بِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ حَتَّى بَلَغَ أَنْ كَانَ رَجُلًا أَفْضَلَ قَوْمِهِ مُرُوءَةً وَأَحْسَنَهُمْ خُلُقًا وَأَكْرَمَهُمْ مُخَالَطَةً وَأَعْظَمَهُمْ حِلْمًا وَأَمَانَةً وَأَصْدَقَهُمْ حَدِيثًا وَأَبْعَدَهُمْ مِنَ الْفُحْشِ وَالْأَذَى فَمَا رُئِيَ مُلَاحِيًا وَلَا مُمَارِيًا أَحَدًا حَتَّى سَمَّاهُ قَوْمُهُ الْأَمِينُ لِمَا جُمِعَ فِيهِ مِنَ الْأُمُورِ الصَّالِحَةِ.
وَقَالَ: ابْنُ الْجَوْزِيِّ خَرَجَ أَبُو طَالِبٍ إِلَى الشَّامِ وَمَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وَشَهْرَيْنِ وَعَشَرَةِ أَيَّامٍ فَنَزَلَ الرَّكْبُ بِبُصْرَى وَبِهَا رَاهِبٌ - يُقَالُ لَهُ بَحِيرَى - فِي صَوْمَعَةٍ لَهُ وَكَانَ ذَا عِلْمٍ بِالنَّصْرَانِيَّةِ وَلَمْ يَزَلْ فِي تِلْكَ الصَّوْمَعَةِ رَاهِبٌ تَنْتَهِي إِلَيْهِ عِلْمُ النَّصْرَانِيَّةِ صَاغِرًا عَنْ كَابِرٍ وَفِيهَا كُتُبٌ يَدْرُسُونَهَا وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَمُرُّ الرَّكْبُ فَلَا يُكَلِّمُهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ الْعَامِ نَزَلُوا مَنْزِلًا قَرِيبًا مِنَ الصَّوْمَعَةِ فَصَنَعَ لَهُمُ الرَّاهِبُ طَعَامًا وَدَعَاهُمْ وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ لِشَيْءٍ رَآهُ فَلَمَّا رَأَى بَحِيرَى ذَلِكَ نَزَلَ مِنْ صَوْمَعَتِهِ وَأَمَرَ بِذَلِكَ الطَّعَامِ فَحُضِّرَ وَأَرْسَلَ إِلَى الْقَوْمِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أُحِبَّ أَنْ
стр. 464
تَحْضُرُوا طَعَامِي وَلَا يَتَخَلَّفْ مِنْكُمْ أَحَدٌ فَقَالَ: وَهَذَا شَيْءٌ تُكْرِمُونِي فَلَمَّا حَضَرُوا عِنْدَهُ جَعَلَ يُلَاحِظُ النَّبِيَّ ﷺ لَحْظًا شَدِيدًا وَيَنْظُرُ إِلَى جَسَدِهِ وَجَعَلَ أَبُو طَالِبٍ يَخَافُ عَلَيْهِ مِنَ الرَّاهِبِ ثُمَّ قَالَ الرَّاهِبُ لِأَبِي طَالِبٍ ارْجِعْ بِابْنِ أَخِيكَ، فَإِنَّهُ كَائِنٌ لَهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ، فَإِنَّا نَجِدُ صِفَتَهُ فِي كُتُبِنَا وَيَرْوُونَهُ عَنْ آبَائِنَا فَلَمَّا فَرَغُوا مِنَ التِّجَارَةِ رَجَعَ أَبُو طَالِبٍ سَرِيعًا إِلَى مَكَّةَ فَمَا خَرَجَ بَعْدَهَا بِهِ أَبُو طَالِبٍ خَوْفًا عَلَيْهِ.
هَذَا مَعَ أَنَّ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ فِي بَعْضِ مَا حَرَّفُوهُ مِثْلَ دَعْوَاهُمْ أَنَّ الْمَسِيحَ ﵇ صُلِبَ وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: أَنَّهُ إِلَهٌ وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: أَنَّهُ سَاحِرٌ. وَطَعْنُهُمْ عَلَى سُلَيْمَانَ ﵇ وَقَوْلُهُمْ أَنَّهُ كَانَ سَاحِرًا. وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ عَنْهُمْ.
وَفِي الْقُرْآنِ مِنْ قِصَصِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ مَا لَا يُوجَدُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مِثْلُ قِصَّةِ هُودٍ وَصَالِحٍ وَشُعَيْبٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
стр. 465
وَفِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ الْمَعَادِ وَتَفْصِيلِهِ وَصِفَةِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالنَّعِيمِ وَالْعَذَابِ مَا لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ بَلِ التَّوْرَاةُ لَيْسَ فِيهَا تَصْرِيحٌ بِذِكْرِ الْمَعَادِ وَعَامَّةُ مَا فِيهَا مِنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ فَهُوَ فِي الدُّنْيَا كَالْوَعْدِ بِالرِّزْقِ وَالنَّصْرِ وَالْعَاقِبَةِ وَالْوَعِيدِ بِالْقَحْطِ وَالْأَمْرَاضِ وَالْأَعْدَاءِ. وَإِنْ كَانَ ذِكْرُ الْمَعَادِ مَوْجُودًا فِي غَيْرِ التَّوْرَاةِ مِنَ النُّبُوَّاتِ وَلِهَذَا كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يُقِرُّونَ بِالْمَعَادِ وَقِيَامِ الْقِيَامَةِ الْكُبْرَى وَقَدْ قِيلَ إِنَّ ذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي التَّوْرَاةِ أَيْضًا لَكِنْ لَمْ يُبْسَطْ كَمَا بُسِطَ فِي غَيْرِ التَّوْرَاةِ.
стр. 466
[فَصْلٌ: رَدُّ زَعْمِ النَّصَارَى عِصْمَةَ الْحَوَارِيِّينَ الْمُتَرْجِمِينَ لِلْإِنْجِيلِ]
فَإِنْ قَالُوا إِنَّ الْكُتُبَ الَّتِي عِنْدَنَا مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَغَيْرِهِمَا تَرْجَمَهَا لَنَا الْحَوَارِيُّونَ وَهُمْ عِنْدَنَا رُسُلٌ مَعْصُومُونَ وَتَرْجَمُوهَا لِجَمِيعِ الْأُمَمِ بِخِلَافِ الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُتَرْجِمُهُ مَنْ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ فَعَنْ هَذَا أَجْوِبَةٌ.
أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا كَذِبٌ بَيِّنٌ، فَإِنَّ مِنَ الْعَرَبِ مِنَ النَّصَارَى مَنْ لَا يُحْصِي عَدَدَهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَكَانَ فِيهِمْ نَصَارَى كَثِيرُونَ تَنَصَّرُوا قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَكَانَ فِيهِمْ قَوْمٌ عَلَى دِينِ الْمَسِيحِ الَّذِي لَمْ يُبَدَّلْ وَهُمْ مُؤْمِنُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ كَسَائِرِ مَنْ كَانَ عَلَى دِينِ الْمَسِيحِ ﵇ فَإِنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ عَلَى دِينِ الْمَسِيحِ الَّذِي لَمْ يُبَدَّلْ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ، فَإِنَّهُ مُؤْمِنٌ مُسْلِمٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
وَمَعَ هَذَا فَلَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ تَوْرَاةٌ وَلَا إِنْجِيلُ مُعَرَّبٌ مِنْ عَهْدِ الْحَوَارِيِّينَ بَلِ التَّوْرَاةُ الْعِبْرِيَّةُ تُنْقَلُ مِنَ اللِّسَانِ الْعِبْرِيِّ أَوْ غَيْرِهِ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ وَكَذَلِكَ الْإِنْجِيلُ يُنْقَلُ مِنَ اللِّسَانِ الرُّومِيِّ أَوِ السُّرْيَانِيِّ
стр. 467
أَوِ الْيُونَانِيِّ أَوْ غَيْرِهَا إِلَى اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ فَلَوْ كَانَ عِنْدَ كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ تَوْرَاةٌ وَإِنْجِيلُ وَنُبُوَّاتٌ بِلِسَانِهِمْ لَكَانَ نَصَارَى الْعَرَبِ أَحَقَّ بِهَذَا مِنْ نَصَارَى الْحَبَشَةِ وَالصَّقَالِبَةِ وَالْهِنْدِ، فَإِنَّهُمْ جِيرَانُ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ وَهُمْ بَنُو إِسْمَاعِيلَ ﵇ وَالْأَنَاجِيلُ عِنْدَهُمْ أَرْبَعَةٌ وَهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ كَتَبَهَا بِلِسَانٍ كُتِبَتْ بِلِسَانِ الْعِبْرِيِّ وَالرُّومِيِّ وَالْيُونَانِيِّ مَعَ أَنَّ فِي بَعْضِ الْأَنَاجِيلِ مَا لَيْسَ فِي بَعْضٍ مِثْلِ قَوْلِهِمْ: " عَمِّدُوا النَّاسَ بِاسْمِ الْآبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ " الَّذِي جَعَلُوهُ أَصْلَ دِينِهِمْ وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ قَوْلُهُ: فِي إِنْجِيلِ مَتَّى، وَإِذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَرْبَعَةِ كَتَبَ إِنْجِيلًا بِلِسَانِهِ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إِنْجِيلٌ وَاحِدٌ أَصْلِيٌّ تَرْجِعُ إِلَيْهِ الْأَنَاجِيلُ كُلُّهَا ثُمَّ هُمْ مَعَ هَذَا يَدَّعُونَ أَنَّهَا تُرْجِمَتْ بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا وَهَذَا فِيهِ مِنَ الْكَذِبِ وَالتَّنَاقُضِ أُمُورٌ سَنُنَبِّهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - عَلَى بَعْضِهَا لَكِنَّ غَايَةَ مَا يَدَّعُونَ أَنَّهُ تُرْجِمَ بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَلْسِنَةَ الْمَوْجُودَةَ فِي بَنِي آدَمَ فِي جَمِيعِ الْمَعْمُورَةِ فِي زَمَانِنَا وَقَبْلَ زَمَانِنَا أَكْثَرُ مِنْ هَذَا كَمَا يَعْرِفُهُ مَنْ عَرَفَ أَحْوَالَ الْعَالَمِ، بَلِ اللِّسَانُ الْوَاحِدُ كَالْعَرَبِيِّ وَالْفَارِسِيِّ وَالتُّرْكِيِّ جِنْسٌ تَحْتَهُ أَنْوَاعٌ مُخْتَلِفَةٌ لَا يَفْهَمُ بَعْضُهُمْ لِسَانَ
стр. 468
بَعْضٍ إِلَّا أَنْ يَتَعَلَّمَهُ مِنْهُمْ وَالْعَرَبُ أَقْرَبُ الْأُمَمِ إِلَى بَنِي إِسْحَاقَ: بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالْعِيصِ، فَإِنَّهُمْ بَنُو إِسْمَاعِيلَ وَجِيرَانُهُمْ، فَإِنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ جِيرَانُ الشَّامِ، وَمَكَّةُ لَمْ تَزَلْ تَحُجُّ إِلَيْهَا الْعَرَبُ وَلَمْ يَكُنْ قَطُّ عِنْدَ الْعَرَبِ تَوْرَاةٌ وَلَا إِنْجِيلٌ عَرَبِيَّانِ مِنْ عَهْدِ الْمَسِيحِ ﵇ بَلْ وَلَا كَانَ بِمَكَّةَ لَا تَوْرَاةٌ وَلَا إِنْجِيلٌ لَا مُعَرَّبٌ وَلَا غَيْرُ مُعَرَّبٍ وَلِهَذَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [القصص: ٤٦] فَكَيْفَ يُدَّعَى أَنَّ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ تَرْجَمَهَا الْحَوَارِيُّونَ لِكُلِّ قَوْمٍ مِنْ جَمِيعِ بَنِي آدَمَ شَرْقًا وَغَرْبًا وَجَنُوبًا وَشَمَالًا بِلِسَانٍ يَفْهَمُونَهُ بِهِ وَهَلْ يَقُولُ هَذَا إِلَّا مَنْ هُوَ مِنْ أَكْذَبِ النَّاسِ وَأَجْهَلِهِمْ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ تَرْجَمَةُ الْكَلَامِ مِنْ لُغَةٍ إِلَى لُغَةٍ لَا تَحْتَاجُ إِلَى مَعْصُومٍ بَلْ هَذَا أَمْرٌ تَعْلَمُهُ الْأُمَمُ فَكُلُّ مَنْ عَرَفَ اللِّسَانَيْنِ أَمْكَنَهُ التَّرْجَمَةَ وَيَحْصُلُ الْعِلْمُ بِذَلِكَ إِذَا كَانَ الْمُتَرْجِمُونَ كَثِيرِينَ مُتَفَرِّقِينَ
стр. 469
لَا يَتَوَاطَئُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَبِقَرَائِنَ تَقْتَرِنُ بِخَبَرِ أَحَدِهِمْ وَبِغَيْرِ ذَلِكَ وَهَذَا مَوْجُودٌ مَعْلُومٌ بَلْ إِذَا تَرْجَمَهُ اثْنَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا لَا يَعْرِفُ مَا يَقُولُهُ: الْآخَرُ وَلَمْ يَتَوَاطَئُوا حَصَلَ بِذَلِكَ الْمَقْصُودُ فِي الْغَالِبِ وَهُمْ يَذْكُرُونَ أَنَّ التَّوْرَاةَ تَرْجَمَهَا اثْنَانِ وَسَبْعُونَ حَبْرًا مِنَ الْيَهُودِ وَلَمْ يَكُونُوا مَعْصُومِينَ وَأَنَّ الْمَلِكَ فَرَّقَهُمْ لِئَلَّا يَتَوَاطَئُوا عَلَى الْكَذِبِ وَاتَّفَقُوا عَلَى تَرْجَمَةٍ وَاحِدَةٍ وَهَذَا كَانَ بَعْدَ الْخَرَابِ الْأَوَّلِ فَهَكَذَا يُمْكِنُ تَرْجَمَةُ غَيْرِ التَّوْرَاةِ.
وَهَذِهِ التَّوْرَاةُ فِي زَمَانِنَا وَالْإِنْجِيلُ وَالزَّبُورُ يُتَرْجَمُ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَيُعْرَفُ الْمَقْصُودُ بِهِ بِلَا رَيْبٍ فَكَيْفَ بِالْقُرْآنِ الَّذِي يَفْهَمُ أَهْلُهُ مَعْنَاهُ وَيُفَسِّرُونَهُ وَيُتَرْجِمُونَهُ أَكْمَلَ وَأَحْسَنَ مِمَّا يُتَرْجِمُ أَهْلُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ؟ .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ دَعْوَى الْعِصْمَةِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ وَأَنَّهُمْ رُسُلُ اللَّهِ بِمَنْزِلَةِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ﵉ دَعْوَى مَمْنُوعَةٌ وَهِيَ بَاطِلَةٌ وَإِنَّمَا هُمْ رُسُلُ الْمَسِيحِ ﵇ بِمَنْزِلَةِ رُسُلِ مُوسَى وَرُسُلِ إِبْرَاهِيمَ وَرُسُلِ مُحَمَّدٍ وَأَكْثَرُ النَّصَارَى أَوْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ أَوْ كُلُّهُمْ يَقُولُونَ هُمْ رُسُلُ اللَّهِ وَلَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَكُلُّ مَنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ فَلَيْسَ بِرَسُولِ اللَّهِ وَلَيْسَ بِمَعْصُومٍ وَإِنْ كَانَتْ لَهُ خَوَارِقُ عَادَاتٍ كَأَوْلِيَاءِ اللَّهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ كَرَامَاتٌ مِنَ الْخَوَارِقِ فَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ مِنَ الْخَطَأِ
стр. 470
وَالْخَوَارِقُ الَّتِي تَجْرِي عَلَى يَدَيْ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَصْحَابَهَا أَوْلِيَاءُ اللَّهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِمْ مَعْصُومِينَ، فَإِنَّ وَلِيَّ اللَّهِ مَنْ يَمُوتُ عَلَى الْإِيمَانِ وَمُجَرَّدُ الْخَارِقِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَمُوتُ عَلَى الْإِيمَانِ بَلْ قَدْ يَتَغَيَّرُ عَنْ ذَلِكَ الْحَالِ وَإِذَا قَطَعْنَا بِأَنَّ الرَّجُلَ وَلِيُّ اللَّهِ كَمَنْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِكُلِّ مَا يَقُولُهُ: إِنْ لَمْ يُوَافِقْ مَا قَالَتْهُ الْأَنْبِيَاءُ بِخِلَافِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ فَإِنَّهُمْ مَعْصُومُونَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَقِرَّ فِيمَا يُبَلِّغُونَهُ خَطَأٌ وَلِهَذَا أَوْجَبَ اللَّهُ الْإِيمَانَ بِهِمْ وَمَنْ كَفَرَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ فَهُوَ كَافِرٌ وَمَنْ يَسُبُّ وَاحِدًا مِنْهُمْ وَجَبَ قَتْلُهُ فِي شَرْعِ الْإِسْلَامِ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] (١٣٦) ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] .
стр. 471
وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
стр. 472
[فَصْلٌ: الرَّدُّ عَلَى زَعْمِهِمْ الِاسْتِغْنَاءَ بِرُسُلِ اللَّهِ إِلَيْهِمْ عَنْ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ]
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: لَا يَلْزَمُنَا اتِّبَاعُهُ لِأَنَّنَا نَحْنُ قَدْ أَتَانَا رُسُلٌ مِنْ قَبْلِهِ خَاطَبُونَا بِأَلْسِنَتِنَا وَأَنْذَرُونَا بِدِينِنَا الَّذِي نَحْنُ مُتَمَسِّكُونَ بِهِ يَوْمَنَا هَذَا وَسَلَّمُوا إِلَيْنَا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ بِلُغَتِنَا عَلَى مَا يَشْهَدُ لَهُمَا الْكِتَابُ الَّذِي أَتَى بِهِ هَذَا الرَّجُلُ حَيْثُ يَقُولُ فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] وَقَالَ: فِي سُورَةِ النَّحْلِ ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ [النحل: ٣٦] فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ إِثْبَاتَ رَسُولٍ مِنْ قَبْلِهِ إِلَيْكُمْ لَا يَمْنَعُ إِتْيَانَ رَسُولٍ ثَانٍ، فَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ مُوسَى ﵇ وَكَانُوا عَلَى شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ ﵎ إِلَيْهِمُ الْمَسِيحَ ﵇ وَوَجَبَ عَلَيْهِمُ الْإِيمَانُ بِهِ وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ كَانَ كَافِرًا وَإِنْ قَالَ
стр. 473
إِنِّي مُتَمَسِّكٌ بِالْكِتَابِ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيَّ.
فَكَذَلِكَ إِذَا أَرْسَلَ اللَّهُ رَسُولًا بَعْدَ الْمَسِيحِ وَجَبَ الْإِيمَانُ بِهِ وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ كَانَ كَافِرًا كَمَا أَنَّ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالْمَسِيحِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ كَافِرًا.
وَبَنُو إِسْرَائِيلَ أَكْثَرُ اخْتِصَاصًا بِمُوسَى وَالتَّوْرَاةِ مِنَ الرُّومِ وَغَيْرِهِمْ فَالْمَسِيحُ وَالْإِنْجِيلُ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا عِبْرَانِيِّينَ وَالتَّوْرَاةُ عِبْرَانِيَّةٌ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: دَعْوَاهُمْ أَنَّهُمْ مُتَمَسِّكُونَ فِي هَذَا الْوَقْتِ بِالدِّينِ الَّذِي نَقَلَهُ الْحَوَارِيُّونَ عَنِ الْمَسِيحِ ﵇ كَذِبٌ ظَاهِرٌ بَلْ هُمْ عَامَّةُ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ عَقَائِدِهِ وَشَرَائِعِهِ كَالْأَمَانَةِ وَالصَّلَاةِ إِلَى الْمَشْرِقِ وَاتِّخَاذِ الصُّوَرِ وَالتَّمَاثِيلِ فِي الْكَنَائِسِ وَاتِّخَاذِهَا وَسَائِطَ وَالِاسْتِشْفَاعِ بِأَصْحَابِهَا وَجَعْلِ الْأَعْيَادِ بِأَسْمَائِهِمْ وَبِنَاءِ الْكَنَائِسِ عَلَى أَسْمَائِهِمْ وَاسْتِحْلَالِ الْخِنْزِيرِ وَتَرْكِ الْخِتَانِ، وَالرَّهْبَانِيَّةِ، وَجَعْلِ الصِّيَامِ فِي الرَّبِيعِ وَجَعْلِهِ خَمْسِينَ يَوْمًا وَالصَّلَوَاتِ وَالْقَرَابِينَ وَالنَّامُوسِ
стр. 474
لَمْ يَنْقُلْهُ الْحَوَارِيُّونَ عَنِ الْمَسِيحِ وَلَا هُوَ مَوْجُودٌ لَا فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَإِنَّمَا هُمْ مُتَمَسِّكُونَ بِقَلِيلٍ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَأَمَّا كُفْرِيَّاتُهُمْ وَبِدَعُهُمْ فَكَثِيرَةٌ جِدًّا لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ عَنِ الْمَسِيحِ وَالْحَوَارِيِّينَ أَنَّهُمْ أَمَرُوهُمْ أَنْ يَقُولُوا مَا يَقُولُونَهُ فِي صَلَاتِهِمُ السِّحْرِيَّةِ " تَعَالَوْا بِنَا
стр. 475
نَسْجُدُ لِلْمَسِيحِ إِلَهِنَا وَفِي الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ: " يَا وَالِدَةَ الْإِلَهِ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءَ افْتَحِي لَنَا أَبْوَابَ الرَّحْمَةِ ".
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُمْ أَنَّهُمْ سَلَّمُوا إِلَيْهِمُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ بِلُغَاتِهِمْ إِنَّمَا يَسْتَقِيمُ إِنْ كَانَ صَحِيحًا فِي بَعْضِ النَّصَارَى لَا فِي جَمِيعِهِمْ، فَإِنَّ الْعَرَبَ مِنَ النَّصَارَى وَغَيْرَ الْعَرَبِ لَمْ يُسَلِّمْ أَحَدٌ إِلَيْهِمْ تَوْرَاةً وَلَا إِنْجِيلًا بِلِسَانِهِمْ وَهَذَا أَمْرٌ مَعْرُوفٌ وَلَا تُوجَدُ قَطُّ تَوْرَاةٌ وَلَا إِنْجِيلٌ مُعَرَّبٌ مِنْ زَمَنِ الْحَوَارِيِّينَ وَإِنَّمَا عُرِّبَتْ فِي الْأَزْمَانِ الْمُتَأَخِّرَةِ فَإِذَا كَانَتِ النَّصَارَى مِنَ الْعَرَبِ تَقُومُ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِكِتَابٍ نَزَلَ بِغَيْرِ لِسَانِهِمْ ثُمَّ عُرِّبَ لَهُمْ فَكَيْفَ لَا تَقُومُ عَلَى الرُّومِ وَغَيْرِهِمُ الْحُجَّةُ بِكِتَابٍ نَزَلَ بِغَيْرِ لِسَانِهِمْ ثُمَّ تُرْجِمَ بِلِسَانِهِمْ؟ .
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ الْأُمَّةُ إِذَا غَيَّرَتْ دِينَ رَسُولِهَا الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْهَا وَبَدَّلَتْهُ أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهَا مَنْ يَدْعُوهَا إِلَى الدِّينِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ كَمَا أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا غَيَّرُوا دِينَ مُوسَى وَبَدَّلُوهُ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ وَإِلَى غَيْرِهِمُ الْمَسِيحَ بِالدِّينِ الَّذِي يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ وَكَذَلِكَ النَّصَارَى لَمَّا بَدَّلُوا دِينَ الْمَسِيحِ وَغَيَّرُوهُ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ وَإِلَى غَيْرِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ بِالدِّينِ الَّذِي يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا
стр. 476
مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ» .
وَأُولَئِكَ الْبَقَايَا الَّذِينَ كَانُوا مُتَمَسِّكِينَ بِدِينِ الْمَسِيحِ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَانُوا عَلَى دِينِ اللَّهِ وَأَمَّا مِنْ حِينِ بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ كَمَا قَالَ: فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَا يُؤْمِنُ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» .
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنْ يُقَالَ دَعْوَاهُمْ أَنَّ الرُّسُلَ سَلَّمُوا إِلَيْهِمُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَسَائِرَ النُّبُوَّاتِ بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا وَأَنَّهَا بَاقِيَةٌ إِلَى الْيَوْمِ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ دَعْوَى يُعْلَمُ أَنَّ قَائِلَهَا يَتَكَلَّمُ بِلَا عِلْمٍ بَلْ مُفْتَرٍ كَذَّابٌ وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ الْآنَ فِي الْأَرْضِ هَذِهِ الْكُتُبُ بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا كُلُّهَا مَنْقُولَةٌ عَنِ الْحَوَارِيِّينَ وَكُلُّهَا مُتَّفِقَةٌ غَيْرُ مُخْتَلِفَةٍ الْبَتَّةَ فَهَذَا أَرْبَعُ دَعَاوَى أَنَّهَا مَوْجُودَةٌ بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا وَأَنَّهَا مُتَّفِقَةٌ وَأَنَّهَا كُلَّهَا مَنْقُولَةٌ عَنِ الْحَوَارِيِّينَ الرَّابِعَةُ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ.
فَيُقَالُ: مَنِ الَّذِي مِنْكُمْ لَوْ قُدِّرَ أَنَّ هَذِهِ الْكُتُبَ الَّتِي بِاثْنَيْنِ
стр. 477
وَسَبْعِينَ لِسَانًا هِيَ عَنِ الْحَوَارِيِّينَ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ الْيَوْمَ فَمَنِ الَّذِي يُمْكِنُهُ أَنْ يَشْهَدَ بِمُوَافَقَةِ بَعْضِهَا بَعْضًا وَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ إِلَّا لِمَنْ يَعْلَمُ الِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا وَيَكُونُ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْكُتُبِ يَعْلَمُ أَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ عَنِ الْحَوَارِيِّينَ وَيَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ نُسْخَةٍ فِي الْعَالَمِ بِهَذَا اللِّسَانِ تُوَافِقُ النُّسْخَةَ الَّتِي عِنْدَهُ وَإِلَّا فَلَوْ جَمَعَ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ نُسْخَةً بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ كُلَّ نُسْخَةٍ مِنْ هَذِهِ هِيَ الْمَأْخُوذَةُ عَنِ الْحَوَارِيِّينَ إِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ أُخِذَ عَنْهُمُ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ لِسَانًا وَلَا يَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ نُسْخَةٍ فِي الْعَالَمِ تُوَافِقُ تِلْكَ النُّسْخَةَ، فَإِنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ فِي زَمَانِنَا وَقَبْلَ زَمَانِنَا لَمْ تَزَلْ هَذِهِ الْكُتُبُ تُنْقَلُ مِنْ لِسَانٍ إِلَى لِسَانٍ كَمَا يُتَرْجَمُ مِنَ الْعِبْرَانِيَّةِ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ وَمِنَ السُّرْيَانِيَّةِ وَالرُّومِيَّةِ وَالْيُونَانِيَّةِ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ وَغَيْرِهَا.
وَحِينَئِذٍ فَإِذَا وُجِدَتْ نُسْخَةٌ بِالْعَرَبِيَّةِ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهَا مِمَّا عُرِّبَتْ بَعْدَ الْحَوَارِيِّينَ أَوْ هِيَ مِنَ الْمَأْخُوذِ عَنِ الْحَوَارِيِّينَ إِذَا قُدِّرَ أَنَّهُ أُخِذَ عَنْهُمْ نُسْخَةٌ بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْمَعَ جَمِيعَ النُّسَخِ الْمُعَرَّبَةِ وَيُقَابِلَ بَيْنَهَا بَلْ وَقَدْ وَجَدْنَا النُّسَخَ الْمُعَرَّبَةَ يُخَالِفُ بَعْضُهَا بَعْضًا فِي التَّرْجَمَةِ مُخَالَفَةً شَدِيدَةً تَمْنَعُ الثِّقَةَ بِبَعْضِهَا وَقَدْ رَأَيْتُ أَنَا بِالزَّبُورِ عِدَّةَ نُسَخٍ مُعَرَّبَةٍ بَيْنَهَا مِنَ الِاخْتِلَافِ مَا لَا يَكَادُ يَنْضَبِطُ وَمَا يَشْهَدُ بِأَنَّهَا مُبَدَّلَةٌ مُغَيَّرَةٌ لَا يُوثَقُ بِهَا وَرَأَيْتُ مِنَ التَّوْرَاةِ الْمُعَرَّبَةِ مِنَ النُّسَخِ مَا يُكَذِّبُ بِكَثِيرٍ مِنْ تَرْجَمَتِهَا طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَجْمَعَ جَمِيعَ النُّسَخِ الَّتِي بِالِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا وَيُقَابِلَ بَيْنَ نُسَخِ كُلِّ لِسَانٍ حَتَّى يَكُونَ فِيهَا النُّسْخَةُ
стр. 478
الْقَدِيمَةُ الْمَأْخُوذَةُ عَنِ الْحَوَارِيِّينَ ثُمَّ يُقَابِلُ بَيْنَ نُسَخِ جَمِيعِ الْأَلْسِنَةِ وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ إِلَّا لِمَنْ يَكُونُ عَارِفًا بِالِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا مَعْرِفَةً تَامَّةً وَلَيْسَ فِي بَنِي آدَمَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ وَلَوْ قُدِّرَ وُجُودُ ذَلِكَ فَلَمْ يُعْرَفْ أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى ذَلِكَ فَعَلَ ذَلِكَ وَأَخْبَرَنَا بِاتِّفَاقِهَا.
وَلَوْ وُجِدَ ذَلِكَ لَكَانَ هَذَا خَبَرٌ وَاحِدٌ أَوْ أَنْ يُتَرْجِمَ كُلُّ لِسَانٍ مَنْ يَعْلَمُ صِحَّةَ تَرْجَمَتِهِ حَتَّى تَنْتَهِيَ التَّرْجَمَةُ إِلَى لِسَانٍ وَاحِدٍ كَالْعَرَبِيِّ مَثَلًا وَيُعْلَمُ حِينَئِذٍ اتِّفَاقُهَا وَإِلَّا فَإِذَا تُرْجِمَ هَذَا الْكِتَابُ بِلِسَانٍ أَوْ لِسَانَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ وَتُرْجِمَ الْآخَرُ كَذَلِكَ لَمْ يُعْلَمِ اتِّفَاقُهَا إِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ الْمَعْنَى بِهَذَا اللِّسَانِ هُوَ الْمَعْنَى بِهَذَا اللِّسَانِ وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا مِمَّنْ يَعْرِفُ اللِّسَانَيْنِ أَوْ مَنْ يُتَرْجَمُ لَهُ اللِّسَانَانِ بِاللِّسَانِ الَّذِي يَعْرِفُهُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَحَدًا لَمْ يُتَرْجَمْ لَهُ الِاثْنَانِ وَسَبْعُونَ لِسَانًا بِلِسَانٍ وَاحِدٍ أَوِ أَلْسِنَةٍ يَعْرِفُهَا وَلَا يُعْرَفُ أَحَدٌ بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا.
وَحِينَئِذٍ فَالْجَزْمُ بِاتِّفَاقِ جَمِيعِ الْكُتُبِ الْمَكْتُوبَةِ بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا أَوِ الْجَزْمُ بِأَنَّ نُسَخَ كُلِّ لِسَانٍ مُتَّفِقَةٌ جَزْمٌ بِمَا لَا يُعْلَمُ صِحَّتُهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ الْيَوْمَ الِاثْنَانِ وَسَبْعُونَ لِسَانًا مَنْقُولَةً عَنِ الْحَوَارِيِّينَ لَمْ تَخْتَلِطْ بِالْمُتَرْجَمِ بَعْدَ ذَلِكَ فَكَيْفَ وَأَكْثَرُ مَا بِأَيْدِي النَّاسِ هُوَ مِمَّا تُرْجِمَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْعَرَبِيِّ وَغَيْرِهِ.
هَذَا إِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْحَوَارِيِّينَ سَلَّمُوهَا بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا وَأَنَّهَا بَاقِيَةٌ
стр. 479
إِلَى الْيَوْمِ وَهَذَا أَمْرٌ لَا يُمْكِنُ أَحَدًا مَعْرِفَتُهُ فَلَيْسَ الْيَوْمَ تَوْرَاةٌ وَإِنْجِيلٌ وَنُبُوَّاتٌ يَشْهَدُ لَهَا أَحَدٌ أَنَّهَا مُتَرْجَمَةٌ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ مِنْ عَهْدِ الْحَوَارِيِّينَ بَلْ وَلَا بِأَكْثَرِ الْأَلْسِنَةِ وَإِلَّا فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ الْحَوَارِيِّينَ سَلَّمُوهَا بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا مَعَ حُصُولِ التَّرْجَمَةِ بَعْدَ ذَلِكَ وَكَثْرَةِ الْمُتَرْجَمَاتِ أَمْكَنَ وُقُوعُ التَّغْيِيرِ فِي بَعْضِ الْمُتَرْجَمَاتِ وَحِينَئِذٍ فَالْعِلْمُ بِأَنَّ تِلْكَ النُّسَخَ الْقَدِيمَةَ لَا تَتَغَيَّرُ فِيهَا لَا يَمْنَعُ وُقُوعَ التَّغْيِيرِ فِي بَعْضِ مَا تُرْجِمَ بَعْدَهَا أَوْ فِي بَعْضِ مَا نُسِخَ مِنْهَا وَلَا سَبِيلَ إِلَى الْعِلْمِ بِاتِّفَاقِهَا مَعَ كَوْنِهَا بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا بِخِلَافِ الْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ بِلِسَانِ الْعَرَبِ وَخَطِّ الْعَرَبِ، فَإِنَّ الْعِلْمَ بِاتِّفَاقِ مَا يُوجَدُ مِنْ نُسْخَةٍ مُمْكِنٌ وَهُوَ مَحْفُوظٌ فِي الصُّدُورِ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى حِفْظٍ فِي الْكُتُبِ فَهُوَ مَنْقُولٌ بِالتَّوَاتُرِ لَفْظًا وَخَطًّا.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: قَوْلُهُمْ وَسَلَّمُوا إِلَيْنَا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ بِلِسَانِنَا عَلَى مَا يَشْهَدُ لَهُمَا الْكِتَابُ الَّذِي أَتَى بِهِ هَذَا الرَّجُلُ فَيُقَالُ لَهُمْ: لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَا يَشْهَدُ لَكُمْ بِأَنَّ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ سُلِّمَتْ إِلَيْكُمْ بِلِسَانِكُمْ فَاسْتِشْهَادُكُمْ بِالْقُرْآنِ عَلَى هَذِهِ الدَّعْوَى مِنْ جِنْسِ اسْتِشْهَادِكُمْ بِهِ عَلَى أَنَّ دِينَكُمْ حَقٌّ.
وَمِنْ جِنْسِ اسْتِشْهَادِكُمْ بِالنُّبُوَّاتِ عَلَى مَا أَحْدَثْتُمُوهُ وَغَيَّرْتُمْ بِهِ دِينَ
стр. 480
الْمَسِيحِ ﵇ مِنَ التَّثْلِيثِ وَالِاتِّحَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَقَوْلُهُمْ حَيْثُ يَقُولُ اللَّهُ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ [النحل: ٣٦] فَيُقَالُ: لَا رَيْبَ أَنَّ قَوْمَ مُوسَى ﵇ هُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَبِلِسَانِهِمْ نَزَلَتِ التَّوْرَاةُ وَكَذَلِكَ بَنُو إِسْرَائِيلَ هُمْ قَوْمُ الْمَسِيحِ ﵇ وَبِلِسَانِهِمْ كَانَ الْمَسِيحُ يَتَكَلَّمُ فَلَمْ يُخَاطِبْ أَحَدٌ مِنَ الرَّسُولَيْنِ أَحَدًا إِلَّا بِاللِّسَانِ الْعِبْرَانِيِّ، لَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ مِنْهُمَا لَا بِرُومِيَّةٍ وَلَا سُرْيَانِيَّةٍ وَلَا يُونَانِيَّةٍ وَلَا قِبْطِيَّةٍ.
وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ [النحل: ٣٦] كَلَامٌ مُطْلَقٌ عَامٌّ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] لَيْسَ فِي هَذَا تَعَرُّضٌ لِكَوْنِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ سُلِّمَتْ إِلَيْهِمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ.
الْوَجْهُ السَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ عُمْدَتُهُمْ فِي هَذِهِ الْحُجَّةِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ
стр. 481
الْحَوَارِيُّونَ هُمْ عِنْدَنَا رُسُلُ اللَّهِ كَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَالْمَسِيحُ عِنْدَنَا هُوَ اللَّهُ وَهُوَ أَرْسَلَ إِلَيْنَا هَؤُلَاءِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونُوا أُرْسِلُوا إِلَيْنَا بِلِسَانِنَا وَأَنْ يَكُونُوا سَلَّمُوا إِلَيْنَا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ بِلِسَانِنَا.
فَيُقَالُ: لَهُمْ هَبْ أَنَّكُمْ تَدَّعُونَ هَذَا وَتَعْتَقِدُونَهُ وَنَحْنُ سَنُبَيِّنُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ هَذِهِ دَعَاوَى بَاطِلَةٌ لَكِنْ أَنْتُمْ فِي هَذَا الْمَقَامِ تَذْكُرُونَ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ الَّذِي هُوَ الْقُرْآنُ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ يَشْهَدُ لَكُمْ بِذَلِكَ وَهَذَا كَذِبٌ ظَاهِرٌ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ وَعَلَى كِتَابِهِ وَأَنْتُمْ صَدَّرْتُمْ كِتَابَكُمْ بِأَنَّ كِتَابَهُ يَشْهَدُ لَكُمْ وَنَحْنُ نُبَيِّنُ كَذِبَكُمْ وَافْتِرَاءَكُمْ عَلَيْهِ سَوَاءٌ أَقْرَرْتُمْ بِنُبُوَّتِهِ أَوْ لَمْ تُقِرُّوا بِهَا، فَإِنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ يَقِينًا عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ لِلْمَسِيحِ بِأَنَّهُ اللَّهُ بَلْ كَفَّرَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ وَلَا يَشْهَدُ لِلْحَوَارِيِّينَ بِأَنَّهُمْ رُسُلٌ أَرْسَلَهُمُ اللَّهُ بَلْ إِنَّمَا شَهِدَ لِلْحَوَارِيِّينَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّا مُؤْمِنُونَ مُسْلِمُونَ وَأَنَّهُمْ قَالُوا: نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ كَمَا شَهِدَ لِمَنْ آمَنَ بِهِ بِأَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ مُسْلِمُونَ يَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ بَلْ وَأَنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ لِكَوْنِ أُمَّتِهِ خَيْرَ الْأُمَمِ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢]
стр. 482
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤] وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذَا مَبْسُوطًا وَنُبَيِّنُ أَنَّ الرُّسُلَ الْمَذْكُورِينَ فِي سُورَةِ " يس " لَيْسَ هُمُ الْحَوَارِيِّينَ وَلَا كَانُوا رُسُلًا لِلْمَسِيحِ بَلْ كَانَ هَذَا الْإِرْسَالُ قَبْلَ الْمَسِيحِ وَأَهْلُ الْقَرْيَةِ كَذَّبُوا أُولَئِكَ الرُّسُلَ فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ [يس: ٢٨] (٢٨) ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ [يس: ٢٩] وَالرُّسُلُ الْمَذْكُورُونَ فِي سُورَةِ " يس " هُمْ ثَلَاثَةٌ وَكَانَ فِي الْقَرْيَةِ رَجُلٌ آمَنَ بِهِمْ وَهَذِهِ وَإِنْ كَانَتْ أَنْطَاكِيَّةُ فَكَانَ هَذَا الْإِرْسَالُ قَبْلَ الْمَسِيحِ وَالْمَسِيحُ ﵇ ذَهَبَ إِلَى أَنْطَاكِيَّةَ اثْنَانِ مِنْ أَصْحَابِهِ بَعْدَ رَفْعِهِ
стр. 483
إِلَى السَّمَاءِ وَلَمْ يُعَزَّزُوا بِثَالِثٍ وَلَا كَانَ حَبِيبٌ النَّجَّارُ مَوْجُودًا إِذْ ذَاكَ وَآمَنَ أَهْلُ أَنْطَاكِيَّةَ بِالْمَسِيحِ ﵇ وَهِيَ أَوَّلُ مَدِينَةٍ آمَنَتْ بِهِ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمْ يَشْهَدْ لِلْمَسِيحِ بِالْإِلَهِيَّةِ وَلَا لِلْحَوَارِيِّينَ بِأَنَّهُمْ رُسُلُ اللَّهِ وَلَا أَنَّهُمْ سَلَّمُوا إِلَيْهِمُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ بِلِسَانِهِمْ وَلَا بِأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] إِنَّمَا يَتَنَاوَلُ رُسُلَ اللَّهِ لَا رُسُلَ رُسُلِ اللَّهِ بَلْ رُسُلُ رُسُلِ اللَّهِ يَجُوزُ أَنْ يُبَلِّغُوا رِسَالَاتِ الرُّسُلِ بِلِسَانِ الرُّسُلِ إِذَا كَانَ هُنَاكَ مَنْ يُتَرْجِمُ لَهُمْ ذَلِكَ اللِّسَانَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يُتَرْجِمُ ذَلِكَ اللِّسَانَ كَانَتْ رُسُلُ الرُّسُلِ
стр. 484
تُخَاطِبُهُمْ بِلِسَانِهِمْ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنْ يَكُونُوا قَدْ كَتَبُوا الْكُتُبَ الْإِلَهِيَّةَ بِلِسَانِهِمْ بَلْ يَكْفِي أَنْ يَقْرَءُوهَا بِلِسَانِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ ثُمَّ يُتَرْجِمُوهَا بِلِسَانِ أُولَئِكَ وَهُوَ سُبْحَانَهُ قَالَ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] وَلَمْ يَقُلْ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا إِلَى قَوْمِهِ بَلْ مُحَمَّدٌ أُرْسِلَ بِلِسَانِ قَوْمِهِ وَهُمْ قُرَيْشٌ وَأُرْسِلَ إِلَى قَوْمِهِ وَغَيْرِ قَوْمِهِ كَمَا يَذْكُرُونَ ذَلِكَ عَنِ الْمَسِيحِ ﵇ -
стр. 485
فَصْلٌ
وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ [النحل: ٣٦] فَحَقُّ وَتَمَامُ الْآيَةِ ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦] وَهَذَا كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧] فِي أَصَحِّ الْأَقْوَالِ أَيْ وَلِكُلِّ قَوْمٍ دَاعٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ
стр. 486
وَعِبَادَتِهِ كَمَا أَنْتَ هَادٍ أَيْ دَاعٍ لِمَنْ أُرْسِلْتَ إِلَيْهِ وَالْهَادِي بِمَعْنَى الدَّاعِي الْمُعَلِّمِ الْمُبَلِّغِ لَا بِمَعْنَى الَّذِي يَجْعَلُ الْهُدَى فِي الْقُلُوبِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] (٥٢) ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥٣] وَقَوْلِهِ: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] وَمَعْلُومٌ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا أَكْثَرَ الْأُمَمِ أَنْبِيَاءً بُعِثَ إِلَيْهِمْ مُوسَى وَبُعِثَ إِلَيْهِمْ بَعْدَهُ أَنْبِيَاءُ كَثِيرُونَ حَتَّى قِيلَ أَنَّهُمْ أَلْفُ نَبِيٍّ وَكُلُّهُمْ يَأْمُرُونَ بِشَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ وَلَا يُغَيِّرُونَ مِنْهَا شَيْئًا ثُمَّ جَاءَ الْمَسِيحُ بَعْدَ ذَلِكَ بِشَرِيعَةٍ أُخْرَى غَيَّرَ فِيهَا بَعْضَ شَرْعِ التَّوْرَاةِ بِأَمْرِ اللَّهِ .
فَإِذَا كَانَ إِرْسَالُ مُوسَى وَالْأَنْبِيَاءِ بَعْدَهُ إِلَيْهِمْ لَمْ يَمْنَعْ إِرْسَالَ الْمَسِيحِ إِلَيْهِمْ فَكَيْفَ يَمْتَنِعُ إِرْسَالُ مُحَمَّدٍ ﷺ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَلَهُمْ مِنْ حِينِ الْمَسِيحِ لَمْ يَأْتِهِمْ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -:
стр. 487
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩] وَهَذِهِ الْفَتْرَةُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ الْمَسِيحِ وَمُحَمَّدٍ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا وَسَلَامُهُ - وَهِيَ فِيمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ كَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ وَغَيْرِهِ كَانَتْ سِتَّمِائَةِ سَنَةٍ وَقَدْ قِيلَ سِتَّمِائَةِ سَنَةٍ شَمْسِيَّةٍ وَهِيَ سِتُّمِائَةٍ وَعِشْرُونَ أَوْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ هِلَالِيَّةٌ وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مِائَةِ سَنَةٍ شَمْسِيَّةٍ تَكُونُ مِائَةً وَثَلَاثَ سِنِينَ هِلَالِيَّةٍ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: ٢٥] وَهَذِهِ التِّسْعُ وَبَعْضُ الْعَاشِرَةِ وَالتَّارِيخُ قَدْ تُحْسَبُ فِيهِ التَّامَّةُ وَتُحْسَبُ فِيهِ النَّاقِصَةُ فَمَنْ قَالَ عِشْرِينَ حَسَبَ النَّاقِصَةَ وَمَنْ قَالَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَسَبَ التَّامَّةَ فَقَطْ.
стр. 488
[فَصْلٌ: رَدُّ زَعْمِهِمْ بِأَنَّ عَدْلَ اللَّهِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُطَالَبُوا بِاتِّبَاعِ إِنْسَانٍ لَمْ يَأْتِ إِلَيْهِمْ]
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: نَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَدْلٌ وَلَيْسَ مِنْ عَدْلِهِ أَنْ يُطَالِبَ أُمَّةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِاتِّبَاعِ إِنْسَانٍ لَمْ يَأْتِ إِلَيْهِمْ وَلَا وَقَفُوا لَهُ عَلَى كِتَابٍ بِلِسَانِهِمْ وَلَا مِنْ جِهَةِ دَاعٍ مِنْ قِبَلِهِ فَيُقَالُ: الْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَهُ مَنْ كَتَبَ هَذَا الْكِتَابَ وَلَا أَحَدٌ يَفْهَمُ بِالْعَرَبِيَّةِ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يَفْهَمُونَ هَذَا الْكِتَابَ بِالْعَرَبِيَّةِ وَقَدْ قَرَءُوهُ وَنَاظَرُوا بِمَا فِيهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَ ذَلِكَ يَفْهَمُونَ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ كَانَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُمْ يُمْكِنُهُمْ فَهْمُ مَا قَالَ بِالْعَرَبِيَّةِ وَتَفْهِيمُ ذَلِكَ لِقَوْمِهِمْ بِاللِّسَانِ الْآخَرِ.
الثَّانِي: كَمَا أَنَّهُمْ يَفْهَمُونَ مَا فِي كُتُبِهِمُ الرُّومِيَّةِ وَالسُّرْيَانِيَّةِ وَالْقِبْطِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَيُتَرْجِمُونَهَا لِلْعَرَبِ مِنَ النَّصَارَى بِالْعَرَبِيَّةِ فَإِذَا قَامَتِ الْحُجَّةُ عَلَى عَرَبِ النَّصَارَى بِاللِّسَانِ الرُّومِيِّ فَلَأَنْ تَقُومَ عَلَى الرُّومِ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ أَوْلَى، فَإِنَّ اللِّسَانَ الْعَرَبِيَّ أَكْثَرُ انْتِشَارًا فِي الْعَالَمِ مِنَ اللِّسَانِ الرُّومِيِّ وَالنَّاطِقُونَ بِهِ بَعْدَ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ أَكْثَرُ مِنَ النَّاطِقِينَ بِغَيْرِهِ وَهُوَ أَكْمَلُ بَيَانًا وَأَتَمُّ تَفَهُّمًا.
стр. 489
وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ وَصُولُ الْمَعَانِي بِهِ إِلَى غَيْرِ أَهْلِ لِسَانِهِ أَيْسَرَ لِكَمَالِ مَعْنَاهُ وَلِكَثْرَةِ الْعَارِفِينَ بِهِ وَهَؤُلَاءِ عُلَمَاءُ النَّصَارَى يَقْرَءُونَ كُتُبَ الطِّبِّ وَالْحِسَابِ وَالْفَلْسَفَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ مَعَ أَنَّ مُصَنِّفِيهَا كَانُوا عَجَمًا مِنْ رُومِيٍّ وَيُونَانِيٍّ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَمَا الْمَانِعُ أَنْ يُقْرَأَ الْقُرْآنُ الْعَرَبِيُّ وَتَفْسِيرُهُ وَحَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ بِاللِّسَانِ الْعِبْرِيِّ مَعَ أَنَّهُ أُخِذَ عَنِ الرَّسُولِ بِالْعَرَبِيِّ فَهُوَ أَوْلَى بِأَنْ يُعْرَفَ بِهِ مُرَادُ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ النَّاسُ لَهُمْ فِي عَدْلِ اللَّهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ قِيلَ كُلُّ مَا يَكُونُ مَقْدُورًا فَهُوَ عَدْلٌ وَقِيلَ: الْعَدْلُ مِنْهُ نَظِيرُ الْعَدْلِ مِنْ عِبَادِهِ وَهُمَا قَوْلَانِ ضَعِيفَانِ وَقِيلَ: مِنْ عَدْلِهِ أَنْ يَجْزِيَ الْمُحْسِنَ بِحَسَنَاتِهِ لَا يُنْقِصُهُ شَيْئًا مِنْهَا وَلَا يُعَاقِبُهُ بِلَا ذَنْبٍ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إِذَا أُمِرَ الْعَبْدُ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ كَانَ جَائِزًا بِاتِّفَاقِ طَوَائِفِ أَهْلِ الْمِلَلِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ مَكْرُوهًا لِلْإِنْسَانِ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ حُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ وَقَدْ كُلِّفَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَالنَّصَارَى مِنَ الْأَعْمَالِ مَا هُوَ مَكْرُوهٌ لَهُمْ وَشَاقٌّ عَلَيْهِمْ فَكَيْفَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ وَيَنْهَاهُمْ بِلُغَةٍ يُبَيِّنُ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ مَعْنَاهَا لَهُمْ وَالْعَرَبُ الَّذِي نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِهِمْ طَبَّقُوا الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ نَصَارَى لَا يُحْصَوْنَ فَكُلُّ مَنْ عُرِفَ بِالْعَرَبِيَّةِ مِنَ النَّصَارَى أَمْكَنَهُ فَهْمُ مَا يُقَالُ بِالْعَرَبِيِّ وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ رُومِيًّا كَانَ لَهُ أُسْوَةً مَنْ أَسْلَمَ مِنْ سَائِرِ طَوَائِفِ الْأَعَاجِمِ كَالْفُرْسِ وَالتُّرْكِ وَالْهِنْدِ وَالْبَرْبَرِ وَالْحَبَشَةِ وَغَيْرِهِمْ وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ مَعْرِفَةِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ وَالْعَمَلِ بِهِ كَمَا يُمَكَّنُ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ بَلِ
стр. 490
الرُّومُ أَقْدَرُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِمْ فَلِأَيِّ وَجْهٍ يَمْتَنِعُ أَنْ يَأْمُرَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ إِذَا كَانَ مَقْدُورًا لِلْعَبْدِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَهُ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمِلَلِ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
وَإِنَّمَا تَنَازَعَ النَّاسُ فِيهِ هَلْ يُسَمَّى وَاجِبًا فَقِيلَ يُسَمَّى وَاجِبًا وَقِيلَ لَا يُسَمَّى وَاجِبًا، فَإِنَّ الْآمِرَ لَمْ يَقْصِدْهُ بِالْأَمْرِ وَقَدْ لَا يَخْطُرُ بِبَالِهِ إِذَا كَانَ الْأَمْرُ مَخْلُوقًا.
قَالَ هَؤُلَاءِ: وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ مَا يُذَمُّ تَارِكُهُ شَرْعًا أَوْ يُعَاقَبُ تَارِكُهُ شَرْعًا أَوْ مَا يَسْتَحِقُّ تَارِكُهُ الذَّمَّ أَوْ مَا يَكُونُ تَرْكُهُ سَبَبًا لِلذَّمِّ أَوِ الْعِقَابِ وَقَالُوا وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ لَا يَسْتَحِقُّ تَارِكُهُ الذَّمَّ وَالْعِقَابَ، فَإِنَّ الْحَجَّ إِذَا وَجَبَ عَلَى شَخْصَيْنِ أَحَدُهُمَا بَعِيدٌ وَالْآخَرُ قَرِيبٌ وَلَمْ يَفْعَلَاهُ لَمْ تَكُنْ عُقُوبَةُ الْبَعِيدِ عَلَى التَّرْكِ أَعْظَمَ مِنْ عُقُوبَةِ الْقَرِيبِ مَعَ أَنَّ الْمَسَافَةَ الَّتِي لَا بُدَّ لَهُمَا مِنْ قَطْعِهَا أَكْثَرُ.
وَكَذَلِكَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاءُ دَيْنِهِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَى بَيْعِ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ لَيْسَتْ عُقُوبَتُهُ عَلَى التَّرْكِ بِأَقَلَّ مِنْ عُقُوبَةِ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَى بَيْعِ مَالٍ لَهُ لِيَقْضِيَ بِهِ دَيْنَهُ.
وَفَصْلُ الْخِطَابِ أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ هُوَ مِنْ لَوَازِمِ وُجُودِ الْوَاجِبِ وَوُجُودُ الْمَلْزُومِ بِدُونِ لَازِمِهِ مُمْتَنِعٌ فَالْمَأْمُورُ بِهِ لَا يُمْكِنُ فِعْلُهُ إِلَّا بِلَوَازِمِهِ وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ لَا يُمْكِنُ تَرْكُهُ إِلَّا بِتَرْكِ مَلْزُومَاتِهِ لَكِنَّ هَذَا الْمَلْزُومَ لُزُومٌ عَقْلِيٌّ أَوْ عَادِيٌّ فَوُجُوبُهُ وُجُوبٌ عَقْلِيٌّ عَادِيٌّ لَا أَنَّ الْآمِرَ
стр. 491
نَفْسَهُ قَصَدَ إِيجَابَهُ وَالذَّمَّ وَالْعِقَابَ عَلَى تَرْكِهِ.
وَتَنَازَعَ النَّاسُ هَلْ يُقَالُ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ سَوَاءً كَانَ وُجُوبُهُ شَرْعِيًّا أَوْ عَقْلِيًّا أَوْ يُحْتَاجُ أَنْ يُقَالَ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ وَكَانَ مَقْدُورًا لِلْمُكَلَّفِ فَهُوَ وَاجِبٌ؟ .
فَالْجُمْهُورُ أَطْلَقُوا الْعِبَارَةَ الْأُولَى وَبَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ قَيَّدُوهَا بِالْقُدْرَةِ وَلَا حَاجَةَ إِلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ مَا لَمْ يَكُنْ مَقْدُورًا يَنْتَفِي الْوُجُوبُ مَعَ انْتِفَائِهِ فَيَكُونُ شَرْطًا فِي الْوُجُوبِ لَا فِي فِعْلِ الْوَاجِبِ وَالْجُمْهُورُ قَالُوا: مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ اللَّهَ إِذَا أَوْجَبَ عَلَى الْعِبَادِ شَيْئًا وَاحْتَاجَ أَدَاءُ الْوَاجِبِ إِلَى تَعَلُّمِ شَيْءٍ مِنَ الْعِلْمِ كَانَ تَعَلُّمُهُ وَاجِبًا فَإِذَا كَانَ مَعْرِفَةُ الْعَبْدِ لِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ تَتَوَقَّفُ عَلَى أَنْ يَعْرِفَ مَعْنَى كَلَامٍ تَكَلَّمَ بِهِ بِغَيْرِ لُغَتِهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى تَعَلُّمِ مَعْنَى تِلْكَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي لَيْسَتْ بِلُغَتِهِ أَوْ عَلَى مَعْرِفَةِ تَرْجَمَتِهَا بِلُغَتِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ تَعَلُّمُ ذَلِكَ.
وَلَوْ جَاءَتْ رِسَالَةٌ مِنْ مَلِكٍ إِلَى مَلِكٍ بِغَيْرِ لِسَانِهِ لَطَلَبَ مَنْ يُتَرْجِمُ مَقْصُودَ الْمَلِكِ الْمُرْسِلِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَقُولَ أَنْتَ لَمْ تَبْعَثْ إِلَيَّ مَنْ يُخَاطِبُنِي بِلُغَتِي مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى أَنْ يَفْهَمَ مُرَادَهُ بِالتَّرْجَمَةِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ؟ ! وَلَوْ أَمَرَ بِهِ بَعْضُ الْمُلُوكِ بَعْضَ رَعَايَاهُ وَجُنُودِهِ بِلُغَتِهِ وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى مَعْرِفَةِ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ إِمَّا بِتَعَلُّمِ لُغَتِهِ وَإِمَّا
стр. 492
بِمَنْ يُتَرْجِمُ لَهُمْ مَا قَالَهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ظُلْمًا فَكَيْفَ يَكُونُ ظُلْمًا مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِظُلْمٍ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ؟ .
وَلَوْ وَجَبَ لِبَعْضِ الرَّعِيَّةِ حَقٌّ عَلَى بَعْضٍ أَوْ ظُلْمُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا لَوَجَبَ عَلَى الْمَلِكِ أَنْ يُنْصِفَ الْمَظْلُومَ وَيُرْسِلَ إِلَى الظَّالِمِ مَنْ يَأْمُرُهُ بِالْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ وَيُعَاقِبُهُ إِذَا لَمْ يُنْصِفْ إِذَا كَانَ الظَّالِمُ مُتَمَكِّنًا مِنْ مَعْرِفَةِ أَمْرِ الْمَلِكِ بِالتَّرْجَمَةِ أَوْ غَيْرِهَا وَهَذَا هُوَ الْعَدْلُ لَيْسَ الْعَدْلُ أَنْ يُتْرَكَ النَّاسُ ظَالِمِينَ فِي حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ عِبَادِهِ وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَرْسَلَ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ كُتُبَهُ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِمَّنْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ رَسُولٌ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى مَعْرِفَةِ مَا أُرْسِلَ بِهِ إِلَيْهِ بِالتَّرْجَمَةِ أَوْ غَيْرِ التَّرْجَمَةِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ شَرْعِ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ وَهُوَ الْقِسْطُ الَّذِي بَعَثَ بِهِ رَسُولَهُ لِكَوْنِ الرَّسُولِ لَيْسَ لُغَتُهُ لُغَتَهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى أَنْ يَعْرِفَ مُرَادَهُ بِطُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ.
وَالنَّاسُ فِي مَصَالِحِ دُنْيَاهُمْ يَتَوَسَّلُ أَحَدُهُمْ إِلَى مَعْرِفَةِ مُرَادِ الْآخَرِ بِالتَّرْجَمَةِ وَغَيْرِهَا فَيَتَبَايَعُونَ وَبَيْنَهُمْ تُرْجُمَانٌ يُبَلِّغُ بَعْضَهُمْ عَنْ بَعْضٍ وَيَتَرَاسَلُونَ فِي عِمَارَةِ بِلَادِهِمْ وَأَغْرَاضِ نُفُوسِهِمْ بِالتَّرَاجِمِ الَّذِينَ يُتَرْجِمُونَ لَهُمْ وَأَمْرُ الدِّينِ أَعْظَمُ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا فَكَيْفَ لَا يَتَوَسَّلُونَ إِلَى مَعْرِفَةِ مُرَادِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ وَكَيْفَ يَكُونُ أَمْرُ الدُّنْيَا أَهَمَّ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ إِلَّا عِنْدَ مَنْ أَغْفَلَ اللَّهُ قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَأَعْرَضَ عَنْ
стр. 493
ذِكْرِ رَبِّهِ وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ.
قَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النجم: ٢٩] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨] .
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ مِنَ الْعَجَبِ أَنْ تَعُدَّ النَّصَارَى مِثْلَ هَذَا ظُلْمًا خَارِجًا عَنِ الْعَدْلِ وَهُمْ قَدْ نَسَبُوا إِلَى اللَّهِ مِنَ الظُّلْمِ الْعَظِيمِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مَا لَمْ يَنْسُبْهُ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الْأُمَمِ كَمَا سَبُّوهُ وَشَتَمُوهُ مَسَبَّةً مَا سَبَّهُ إِيَّاهَا أَحَدٌ مِنَ الْأُمَمِ فَهُمْ مِنْ أَبْعَدِ الْأُمَمِ عَنْ تَوْحِيدِهِ وَتَمْجِيدِهِ وَحَمْدِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ آدَمَ لَمَّا أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ غَضِبَ الرَّبُّ عَلَيْهِ وَعَاقَبَهُ وَأَنَّ تِلْكَ الْعُقُوبَةَ بَقِيَتْ فِي ذُرِّيَّتِهِ إِلَى أَنْ جَاءَ الْمَسِيحُ وَصُلِبَ وَأَنَّهُ كَانَتِ الذُّرِّيَّةُ فِي حَبْسِ إِبْلِيسَ فَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ ذَهَبَتْ رُوحُهُ إِلَى جَهَنَّمَ فِي حَبْسِ إِبْلِيسَ حَتَّى قَالُوا: ذَلِكَ فِي الْأَنْبِيَاءِ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَغَيْرِهِمْ.
[فَصْلٌ: رَدُّ عَقِيدَةِ النَّصَارَى فِي الصَّلْبِ وَالْفِدَاءِ]
وَمَعْلُومٌ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أَبُوهُ كَافِرًا وَلَمْ يُؤَاخِذْهُ اللَّهُ بِذَنْبِ أَبِيهِ فَكَيْفَ
стр. 494
يُؤَاخِذُهُ بِذَنْبِ آدَمَ وَهُوَ أَبُوهُ الْأَبْعَدُ، هَذَا لَوْ قُدِّرَ أَنَّ آدَمَ لَمْ يَتُبْ فَكَيْفَ وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِالتَّوْبَةِ؟ ثُمَّ يَزْعُمُونَ أَنَّ الصَّلْبَ الَّذِي هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا بِهِ خَلَّصَ اللَّهُ آدَمَ وَذُرِّيَّتَهُ مِنْ عَذَابِ الْجَحِيمِ وَبِهِ عَاقَبَ إِبْلِيسَ مَعَ أَنَّ إِبْلِيسَ مَا زَالَ عَاصِيًا لِلَّهِ مُسْتَحِقًّا لِلْعِقَابِ مِنْ حِينِ امْتَنَعَ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ وَوَسْوَسَ لِآدَمَ إِلَى حِينِ مَبْعَثِ الْمَسِيحِ وَالرَّبُّ قَادِرٌ عَلَى عُقُوبَتِهِ وَبَنُو آدَمَ لَا عُقُوبَةَ عَلَيْهِمْ فِي ذَنْبِ أَبِيهِمْ فَمَنْ كَانَ قَوْلُهُمْ مِثْلَ هَذِهِ الْخُرَافَاتِ الَّتِي هِيَ مَضَاحِكُ الْعُقَلَاءِ وَالَّتِي لَا تَصْلُحُ أَنْ تُضَافَ إِلَى أَجْهَلِ الْمُلُوكِ وَأَظْلَمِهِمْ فَكَيْفَ يَدَّعُونَ مَعَ هَذَا أَنَّهُمْ يَصِفُونَ اللَّهَ بِالْعَدْلِ وَيَجْعَلُونَ مِنْ عَدْلِهِ أَنَّهُ لَا يَأْمُرُ الْإِنْسَانَ بِتَعَلُّمِ مَا يَقْدِرُ عَلَى تَعَلُّمِهِ وَفِيهِ صَلَاحُ مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ وَيَجْعَلُونَ مِثْلَ هَذَا مُوجِبًا لِتَكْذِيبِ كِتَابِهِ وَرُسُلِهِ وَالْإِصْرَارِ عَلَى تَبْدِيلِ الْكِتَابِ الْأَوَّلِ وَتَكْذِيبِ الْكِتَابِ الْآخِرِ وَعَلَى أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ مُخَالَفَةَ مُوسَى وَعِيسَى وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ؟ .
وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ: إِنَّ الْمَسِيحَ الَّذِي هُوَ عِنْدَهُمُ اللَّاهُوتُ وَالنَّاسُوتُ جَمِيعًا إِنَّمَا مَكَّنَ الْكُفَّارَ مِنْ صَلْبِهِ لِيَحْتَالَ بِذَلِكَ عَلَى عُقُوبَةِ إِبْلِيسَ قَالُوا: فَأَخْفَى نَفْسَهُ عَنْ إِبْلِيسَ لِئَلَّا يُعْلَمَ وَمَكَّنَ أَعْدَاءَهُ مِنْ أَخْذِهِ وَضَرْبِهِ وَالْبُصَاقِ فِي وَجْهِهِ وَوَضْعِ الشَّوْكِ عَلَى رَأْسِهِ وَصَلْبِهِ وَأَظْهَرَ الْجَزَعَ مِنَ الْمَوْتِ وَصَارَ يَقُولُ يَا إِلَهِي لِمَ سَلَّطْتَ أَعْدَائِي عَلَيَّ لِيَخْتَفِيَ بِذَلِكَ عَنْ إِبْلِيسَ فَلَا يَعْرِفُ إِبْلِيسُ أَنَّهُ اللَّهُ أَوِ ابْنُ اللَّهِ وَيُرِيدُ إِبْلِيسُ أَنْ يَأْخُذَ رُوحَهُ إِلَى الْجَحِيمِ كَمَا أَخَذَ أَرْوَاحَ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ
стр. 495
وَمُوسَى وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُؤْمِنِينَ فَيَحْتَجُّ عَلَيْهِ الرَّبُّ حِينَئِذٍ وَيَقُولُ بِمَاذَا اسْتَحْلَلْتَ يَا إِبْلِيسُ أَنْ تَأْخُذَ رُوحِي؟ فَيَقُولُ لَهُ إِبْلِيسُ: بِخَطِيئَتِكَ فَيَقُولُ: نَاسُوتِي لَا خَطِيئَةَ لَهُ كَنَوَاسِيتِ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّهُ كَانَ لَهُمْ خَطَايَا اسْتَحَقُّوا بِهَا أَنْ تُؤْخَذَ أَرْوَاحُهُمْ إِلَى جَهَنَّمَ وَأَنَا لَا خَطِيئَةَ لِي.
وَقَالُوا فَلَمَّا أَقَامَ اللَّهُ الْحُجَّةَ عَلَى إِبْلِيسَ جَازَ لِلرَّبِّ حِينَئِذٍ أَنْ يَأْخُذَ إِبْلِيسَ وَيُعَاقِبَهُ وَيُخَلِّصَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِنْ إِذْهَابِهِمْ إِلَى الْجَحِيمِ وَهَذَا الْكَلَامُ فِيهِ مِنَ الْبَاطِلِ وَنِسْبَةِ الظُّلْمِ إِلَى اللَّهِ مَا يَطُولُ وَصْفُهُ فَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ: فَقَدْ قُدِحَ فِي عِلْمِ الرَّبِّ وَحِكْمَتِهِ وَعَدْلِهِ قَدْحًا مَا قَدَحَهُ فِيهِ أَحَدٌ وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ إِبْلِيسُ إِنْ كَانَ أَخَذَ الذُّرِّيَّةَ بِذَنْبِ أَبِيهِمْ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ نَاسُوتِ الْمَسِيحِ وَغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ بِخَطَايَاهُمْ فَلَمْ يَأْخُذْهُمْ بِذَنْبِ أَبِيهِمْ وَهُمْ قَالُوا إِنَّمَا أَخَذَهُمْ بِذَنْبِ آدَمَ.
الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ مَنْ خُلِقَ بَعْدَ الْمَسِيحِ مِنَ الذُّرِّيَّةِ كَمَنْ خُلِقَ قَبْلَهُ فَكَيْفَ جَازَ أَنْ يُمَكَّنَ إِبْلِيسُ مِنَ الذُّرِّيَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ دُونَ الْمُتَأَخِّرِينَ وَكُلُّهُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى آدَمَ سَوَاءٌ وَهُمْ أَيْضًا يُخْطِئُونَ أَعْظَمَ مِنْ خَطَايَا الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ فَكَيْفَ جَازَ تَمْكِينُ إِبْلِيسَ مِنْ عُقُوبَةِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَلَمْ يُمَكَّنْ مِنْ عُقُوبَةِ الْكُفَّارِ وَالْجَبَابِرَةِ الَّذِينَ كَانُوا بَعْدَ الْمَسِيحِ؟ .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ أَخْذُ إِبْلِيسَ لِذُرِّيَّةِ آدَمَ وَإِدْخَالُهُمْ جَهَنَّمَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ ظُلْمًا مِنْ إِبْلِيسَ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَدْلًا، فَإِنْ كَانَ عَدْلًا
следующие страницы →