Полный текст (2 831 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
وَمَنْ جَعَلَ الزَّاهِدَ الْعَابِدَ الَّذِي لَهُ نَوْعٌ مِنَ الْخَوَارِقِ مِثْلَ نَوْعٍ مِنَ الْكَشْفِ وَالتَّصَرُّفِ الَّذِي يَكُونُ مِنَ الشَّيَاطِينِ وَالْجُهَّالُ يَظُنُّونَ أَنَّهُ مِنْ كَرَامَاتِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَيَتَوَضَّأُ وَيَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ فَهُوَ كَافِرٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ لَمْ يُحَرِّمِ الْخَبَائِثَ الَّتِي حَرَّمَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ كَالْبَوْلِ وَالْعُذْرَةِ وَالدَّمِ وَالْمَيْتَةِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالْخَمْرِ فَهُوَ كَافِرٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ جَعَلَ مُسْتَحِلَّ ذَلِكَ مَعَ الْعِلْمِ بِمُخَالَفَتِهِ لِدِينِ الرَّسُولِ وَلِيًّا لِلَّهِ فَهُوَ كَافِرٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَكَذَلِكَ فِيمَنْ يَنْتَحِلُ الْإِسْلَامَ وَيَذُمُّ أَهْلَ الْكِتَابِ مَنْ يَكُونُ مُنَافِقًا فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَيَكُونُ كَثِيرٌ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى أَخَفَّ عَذَابًا فِي الْآخِرَةِ مِنْهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥] (١٤٥) ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٤٦] وَكَذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ وَأَهْلُ السُّنَّةِ فِي الْمُسْلِمِينَ وَكَذَلِكَ فِي التَّوْحِيدِ، فَإِنَّ الْيَهُودَ شَبَّهُوا الْخَالِقَ بِالْمَخْلُوقِ فِيمَا يَخْتَصُّ بِالْمَخْلُوقِ وَهُوَ صِفَاتُ النَّقْصِ الَّذِي يَجِبُ تَنْزِيهُ الرَّبِّ عَنْهَا وَالنَّصَارَى شَبَّهُوا الْمَخْلُوقَ بِالْخَالِقِ فِيمَا يَخْتَصُّ بِالْخَالِقِ وَهُوَ صِفَاتُ الْكَمَالِ الَّتِي لَا يَسْتَحِقُّهَا إِلَّا اللَّهُ ﵎ فَقَالَ مَنْ قَالَ مِنَ الْيَهُودِ
стр. 527
﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] وَقَالُوا ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] وَهُوَ بَخِيلٌ وَقَالُوا أَنَّهُ خَلَقَ الْعَالَمَ فَتَعِبَ فَاسْتَرَاحَ.
وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ: بَكَى عَلَى الطُّوفَانِ حَتَّى رَمَدَ وَعَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَأَنَّهُ نَاحَ عَلَى بَعْضِ مَنْ أَهْلَكَهُ مِنْ عِبَادِهِ كَمَا يَنُوحُ الْمُصَابُ عَلَى مَيِّتِهِ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَالَى اللَّهُ عَنْهُ وَيَتَقَدَّسُ .
وَأَيْضًا فَهُمْ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ رُسُلِهِ وَيَعْصُونَ أَمْرَهُ وَيَتَعَدَّوْنَ حُدُودَهُ وَلَا يُجَوِّزُونَ لَهُ أَنْ يَنْسَخَ مَا شَرَعَهُ بَلْ يَحْجُرُونَ عَلَيْهِ.
وَالنَّصَارَى يَصِفُونَ الْمَخْلُوقَ بِمَا يَتَّصِفُ بِهِ الْخَالِقُ فَيَجْعَلُونَهُ رَبَّ
стр. 528
الْعَالَمِينَ خَالِقَ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكِهِ الَّذِي هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَعَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَاتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ وَاتَّخَذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا وَصَوَّرُوا تَمَاثِيلَ الْمَخْلُوقَاتِ وَاتَّخَذُوهُمْ شُفَعَاءَ يَشْفَعُونَ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ كَمَا فَعَلَ عُبَّادُ الْأَوْثَانِ كَمَا قَالَ: اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٨] وَلِهَذَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٥١] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: ٤] وَالْمُسْلِمُونَ وَسَطٌ يَصِفُونَ اللَّهَ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَوَصَفَهُ بِهِ رُسُلُهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ وَلَا تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ يَصِفُونَهُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَيُنَزِّهُونَهُ عَنِ النَّقَائِصِ الَّتِي تَمْتَنِعُ عَلَى الْخَالِقِ وَلَا يَتَّصِفُ بِهَا
стр. 529
إِلَّا الْمَخْلُوقُ فَيَصِفُونَهُ بِالْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَيُنَزِّهُونَهُ عَنِ الْمَوْتِ وَالنَّوْمِ وَالْجَهْلِ وَالْعَجْزِ وَالظُّلْمِ وَالْفَنَاءِ وَيَعْلَمُونَ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا مَثِيلَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ فَلَا أَحَدَ يَعْلَمُ كَعِلْمِهِ وَلَا يَقْدِرُ كَقُدْرَتِهِ وَلَا يَرْحَمُ كَرَحْمَتِهِ وَلَا يَسْمَعُ كَسَمْعِهِ وَلَا يُبْصِرُ كَبَصَرِهِ وَلَا يَخْلُقُ كَخَلْقِهِ وَلَا يَسْتَوِي كَاسْتِوَائِهِ وَلَا يَأْتِي كَإِتْيَانِهِ وَلَا يَنْزِلُ كَنُزُولِهِ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] (١) ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] (٢) ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] (٣) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] وَلَا يَصِفُونَ أَحَدًا مِنَ الْمَخْلُوقِينَ بِخَصَائِصِ الْخَالِقِ ﷻ بَلْ كُلُّ مَا سِوَاهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَسَائِرِ الْخَلْقِ فَقِيرٌ إِلَيْهِ عَبْدٌ لَهُ وَهُوَ الصَّمَدُ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ وَيَسْأَلُهُ كُلُّ أَحَدٍ وَهُوَ غَنِيٌّ بِنَفْسِهِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ [مريم: ٨٨] (٨٨) ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ [مريم: ٨٩] (٨٩) ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠] (٩٠) ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩١] (٩١) ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٢] (٩٢) ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] (٩٣) ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ [مريم: ٩٤] (٩٤) ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥]
стр. 530
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٧١] (١٧١) ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٧٢] (١٧٢) ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٧٣] وَكَذَلِكَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ فَالنَّصَارَى يَقُولُونَ هُوَ اللَّهُ وَيَقُولُونَ أَيْضًا هُوَ ابْنُ اللَّهِ وَهُوَ إِلَهٌ تَامٌّ وَإِنْسَانٌ تَامٌّ وَالْيَهُودُ يَقُولُونَ هُوَ وَلَدُ زِنَا وَهُوَ ابْنُ يُوسُفَ النَّجَّارِ وَيَقُولُونَ عَنْ مَرْيَمَ إِنَّهَا بَغِيٌّ بِعِيسَى كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٥٦] وَيَقُولُونَ هُوَ سَاحِرٌ كَذَّابٌ.
وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَيَقُولُونَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ وَرُوحٌ مِنْهُ وَهُوَ وَجِيهٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ وَيَصِفُونَهُ بِمَا وَصَفَهُ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ لَا يَغْلُونَ فِيهِ غُلُوَّ النَّصَارَى وَلَا يُقَصِّرُونَ فِي حَقِّهِ تَقْصِيرَ الْيَهُودِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَفِي أَوْلِيَاءِ اللَّهِ فَالْيَهُودُ قَتَلُوا النَّبِيِّينَ وَالَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ
стр. 531
دُونَ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ وَمَعَ هَذَا فَقَدْ شَارَكَ النَّصَارَى الْيَهُودَ فِي نَقْصِ حَقِّ كَثِيرٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَيَقُولُونَ أَنَّ سُلَيْمَانَ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا وَيَقُولُونَ إِنَّ الْحَوَارِيِّينَ مِثْلُ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ وَيَقُولُونَ إِنَّ مَنْ عَمِلَ بِوَصَايَا اللَّهِ مِنْ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ صَارَ مِثْلَ الْأَنْبِيَاءِ وَكَانَ لَهُ أَنْ يُشَرِّعَ شَرِيعَةً وَبَعْضُ الْيَهُودِ غَلَوْا فِي الْعُزَيْرِ حَتَّى قَالُوا إِنَّهُ ابْنُ اللَّهِ.
وَلِهَذَا قَالَ نَبِيُّنَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ» .
стр. 532
وَاللَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ فِي الْقُرْآنِ فِي سُورَةِ (كهيعص) قِصَّةَ ابْنَيِ الْخَالَةِ يَحْيَى وَعِيسَى وَيَحْيَى يُسَمُّونَهُ النَّصَارَى يُوحَنَّا وَهُوَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِيُّ عِنْدَهُمْ فَقَالَ - تَعَالَى - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ قِصَّةَ يَحْيَى ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم: ١٦] (١٦) ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] (١٧) ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] (١٨) ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] (١٩) ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٠] (٢٠) ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١] (٢١) ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ [مريم: ٢٢] (٢٢) ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣] (٢٣) ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤] (٢٤) ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: ٢٥] (٢٥) ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦] (٢٦) ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧] (٢٧) ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨] (٢٨) ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩] (٢٩) ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم: ٣٠] (٣٠) ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١] (٣١) ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: ٣٢] (٣٢) ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٣] .
стр. 533
ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ تَعَالَى ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: ٣٤] (٣٤) ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم: ٣٥] (٣٥) ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم: ٣٦] (٣٦) ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم: ٣٧] (٣٧) ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [مريم: ٣٨] فَذَكَرَ سُبْحَانَهُ قِصَّةَ مَرْيَمَ وَالْمَسِيحَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْمَكِّيَّةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ بِمَكَّةَ فِي السُّوَرِ الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا أُصُولَ الدِّينِ الْمَدَنِيَّةَ الَّتِي يُخَاطِبُ فِيهَا مَنِ اتَّبَعَ الْأَنْبِيَاءَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُؤْمِنِينَ لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ نَصَارَى نَجْرَانَ فَكَانَ فِيهَا الْخِطَابُ لِأَهْلِ الْكِتَابِ فَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣] (٣٣) ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣٤] (٣٤) ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران: ٣٥] (٣٥) ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنَ
стр. 534
الشَّيْطَانِ إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ» ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦] قَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ زَكَرِيَّا وَيَحْيَى ثُمَّ قَالَ
стр. 535
﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران: ٣٨] (٣٨) ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩] (٣٩) ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٤٠] (٤٠) ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٤١] (٤١) ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢] (٤٣) ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤] (٤٤) ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥] (٤٥) ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٤٦] (٤٦) ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٤٧] (٤٧) ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٤٨] (٤٨) ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٤٩] (٤٩) ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [آل عمران: ٥٠] (٥٠) ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: ٥١] (٥١) ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢] (٥٢) ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣] (٥٤) ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران: ٥٥] (٥٥) ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٦] (٥٦) ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٥٧] (٥٧) ذَلِكَ ﴿نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ٥٨] (٥٨) ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] (٥٩) ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٦٠] (٦٠) ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١] (٦١) ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦٢] (٦٢) ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ [آل عمران: ٦٣] (٦٣) ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] (٦٥) ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٦] (٦٦) ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧] (٦٧) ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨] .
стр. 536
فَهُوَ سُبْحَانَهُ قَدْ ذَكَرَ قِصَّةَ مَرْيَمَ وَالْمَسِيحَ فِي هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا مَكِّيَّةٌ نَزَلَتْ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ مَعَ السُّوَرِ الْمُمَهِّدَةِ لِأُصُولِ الدِّينِ وَهِيَ سُورَةُ (كهيعص) وَالثَّانِيَةُ: مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ بَعْدَ أَنْ أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ وَلِهَذَا تَضَمَّنَتْ مُنَاظَرَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمُبَاهَلَتَهُمْ كَمَا نَزَلَتْ فِي بَرَاءَةٌ مُجَاهَدَتُهُمْ فَأَخْبَرَ فِي السُّورَةِ الْمَكِّيَّةِ أَنَّهَا لَمَّا انْفَرَدَتْ لِلْعِبَادَةِ أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهَا رُوحَهُ فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا فَقَالَتْ ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] .
قَالَ أَبُو وَائِلٍ عَلِمَتْ أَنَّ الْمُتَّقِيَ ذُو نُهْيَةٍ أَيْ تَقْوَاهُ يَنْهَاهُ عَنِ الْفَاحِشَةِ وَأَنَّهَا خَافَتْ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ الْفَاحِشَةَ فَقَالَتْ أَعُوذُ
стр. 537
بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا أَيْ تَتَّقِي اللَّهَ وَمَا يَقُولُ بَعْضُ الْجُهَّالِ مِنْ أَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ رَجُلٌ فَاجِرٌ اسْمُهُ تَقِيٌّ فَهُوَ مِنْ نَوْعِ الْهَذَيَانِ وَهُوَ مِنَ الْكَذِبِ الظَّاهِرِ الَّذِي لَا يَقُولُهُ إِلَّا جَاهِلٌ ثُمَّ قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا وَفِي الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] فَأَخْبَرَ هَذَا الرُّوحُ الَّذِي تَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا أَنَّهُ رَسُولُ رَبِّهَا فَدَلَّ الْكَلَامُ عَلَى أَنَّ هَذَا الرُّوحَ عَيْنٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا لَيْسَتْ صِفَةً لِغَيْرِهَا
стр. 538
وَأَنَّهُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ لَيْسَ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ وَلِهَذَا قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ جِبْرِيلُ ﵇ فَإِنَّ اللَّهَ سَمَّاهُ الرُّوحَ الْأَمِينَ وَسَمَّاهُ رُوحَ الْقُدُسِ وَسَمَّاهُ جِبْرِيلَ وَهَكَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ تَجَسَّدَ مِنْ مَرْيَمَ وَمِنْ رُوحِ الْقُدُسِ لَكِنَّ ضَلَالَهُمْ حَيْثُ يَظُنُّونَ أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ حَيَاةُ اللَّهِ وَأَنَّهُ إِلَهٌ يَخْلُقُ وَيَرْزُقُ وَيُعْبَدُ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ وَلَا فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّ اللَّهَ سَمَّى صِفَتَهُ الْقَائِمَةَ بِهِ رُوحَ الْقُدُسِ وَلَا سَمَّى كَلَامَهُ وَلَا شَيْئًا مِنْ صِفَاتِهِ ابْنًا وَهَذَا أَحَدُ مَا يَثْبُتُ بِهِ ضَلَالُ النَّصَارَى وَأَنَّهُمْ حَرَّفُوا كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ وَتَأَوَّلُوهُ عَلَى غَيْرِ مَا أَرَادَتِ الْأَنْبِيَاءُ، فَإِنَّ أَصْلَ تَثْلِيثِهِمْ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا فِي أَحَدِ الْأَنَاجِيلِ مِنْ أَنَّ الْمَسِيحَ ﵇ قَالَ لَهُمْ: عَمِّدُوا النَّاسَ بِاسْمِ الْآبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ فَيُقَالُ لَهُمْ: هَذَا إِذَا كَانَ قَدْ قَالَهُ الْمَسِيحُ وَلَيْسَ فِي لُغَةِ الْمَسِيحِ وَلَا لُغَةِ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُمْ يُسَمُّونَ صِفَةَ اللَّهِ الْقَائِمَةَ بِهِ وَلَا كَلِمَتَهُ وَلَا حَيَاتَهُ لَا ابْنًا وَلَا رُوحَ قُدُسٍ وَلَا يُسَمُّونَ كَلِمَتَهُ ابْنًا وَلَا يُسَمُّونَهُ نَفْسَهُ ابْنًا وَلَا رُوحَ قُدُسٍ، وَلَكِنْ يُوجَدُ فِيمَا يَنْقُلُونَهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَصِفُونَ الْمُصْطَفَى الْمُكَرَّمَ ابْنًا وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي حَقِّ الْمَسِيحِ وَغَيْرِهِ كَمَا يَذْكُرُونَ أَنَّهُ قَالَ - تَعَالَى -: لِإِسْرَائِيلَ أَنْتَ ابْنِي بِكْرِي
стр. 539
أَيْ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَرُوحُ الْقُدُسِ يُرَادُ بِهِ الرُّوحُ الَّتِي تَنْزِلُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ كَمَا نَزَلَتْ عَلَى دَاوُدَ وَغَيْرِهِ، فَإِنَّ فِي كُتُبِهِمْ أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ كَانَتْ فِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ وَأَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ: لَهُمْ أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلَهِي وَإِلَهُكُمْ فَسَمَّاهُ أَبًا لِلْجَمِيعِ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ مَخْصُوصًا عِنْدَهُمْ بِاسْمِ الِابْنِ وَلَا يُوجَدُ عِنْدَهُمْ لَفْظُ الِابْنِ إِلَّا اسْمًا لِلْمُصْطَفَى الْمُكَرَّمِ لَا اسْمًا لِشَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ وَلَا فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّ صِفَةَ اللَّهِ تَوَلَّدَتْ مِنْهُ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ فِي هَذَا مَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالِابْنِ كَلِمَةَ اللَّهِ الْقَدِيمَةَ الْأَزَلِيَّةَ الَّتِي يَقُولُونَ أَنَّهَا تَوَلَّدَتْ مِنَ اللَّهِ عِنْدَهُمْ مَعَ كَوْنِهَا أَزَلِيَّةً وَلَا بِرُوحِ الْقُدُسِ حَيَاةُ اللَّهِ بَلِ الْمُرَادُ بِالِابْنِ نَاسُوتُ الْمَسِيحِ وَبِرُوحِ الْقُدُسِ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الْوَحْيِ وَالْمَلَكِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ، فَيَكُونُ قَدْ أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَبِمَا أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَالْمَلَكِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ وَبِهَذَا أُمِرَتِ الْأَنْبِيَاءُ كُلُّهُمْ وَلَيْسَ لِلْمَسِيحِ خَاصَّةٌ اسْتَحَقَّ بِهَا أَنْ يَكُونَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ اللَّاهُوتِ لَكِنْ ظَهَرَ فِيهِ نُورُ اللَّهِ وَكَلَامُ اللَّهِ وَرُوحُ اللَّهِ كَمَا ظَهَرَ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، فَإِنَّ غَيْرَهُ أَيْضًا فِيمَا
стр. 540
يَنْقُلُونَهُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ يُسَمَّى ابْنًا وَرُوحُ الْقُدُسِ حَلَّتْ فِيهِ وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا وَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَ النَّصَارَى لَا حُجَّةٌ سَمْعِيَّةٌ وَلَا عَقْلِيَّةٌ تُوَافِقُ مَا ابْتَدَعُوهُ، وَلَكِنْ فَسَّرُوا كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ بِمَا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَعِنْدَهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ السَّاعَةَ لَا يَعْلَمُهَا الْمَلَائِكَةُ وَلَا الِابْنُ وَإِنَّمَا يَعْلَمُهَا الْآبُ وَحْدَهُ فَبَيَّنَ أَنَّ الِابْنَ لَا يَعْلَمُ السَّاعَةَ فَعُلِمَ أَنَّ الِابْنَ لَيْسَ هُوَ الْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ وَإِنَّمَا هُوَ الْمُحْدَثُ الزَّمَانِيُّ.
стр. 541
[فَصْلٌ: الْفَرْقُ بَيْنَ مَا يُضَافُ إِلَى اللَّهِ مِنْ صِفَاتِهِ وَمَا يُضَافُ إِلَيْهِ مِنْ مَمْلُوكَاتِهِ]
وَالْمُضَافُ إِلَى اللَّهِ نَوْعَانِ، فَإِنَّ الْمُضَافَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ صِفَةً لَا تَقُومُ بِنَفْسِهَا كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْكَلَامِ وَالْحَيَاةِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَيْنًا قَائِمَةً بِنَفْسِهَا.
فَالْأَوَّلُ إِضَافَةُ صِفَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] وَقَوْلِهِ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] .
وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ حَدِيثِ الِاسْتِخَارَةِ «إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ» .
стр. 542
وَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] وَقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠] وَقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ [الطلاق: ٥] وَالثَّانِي: إِضَافَةُ عَيْنٍ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦] وَقَوْلِهِ: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس: ١٣] وَقَوْلِهِ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] فَالْمُضَافُ فِي الْأَوَّلِ صِفَةٌ لِلَّهِ قَائِمَةٌ بِهِ لَيْسَتْ مَخْلُوقَةً لَهُ بَائِنَةً عَنْهُ وَالْمُضَافُ فِي الثَّانِي: مَمْلُوكٌ لِلَّهِ مَخْلُوقٌ لَهُ بَائِنٌ عَنْهُ لَكِنَّهُ مُفَضَّلٌ مُشَرَّفٌ لِمَا خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي اقْتَضَتْ إِضَافَتَهُ إِلَى اللَّهِ
стр. 543
- ﵎ كَمَا خَصَّ نَاقَةَ صَالِحٍ مِنْ بَيْنِ النُّوقِ وَكَمَا خَصَّ بَيْتَهُ بِمَكَّةَ مِنَ الْبُيُوتِ وَكَمَا خَصَّ عِبَادَهُ الصَّالِحِينَ مِنْ بَيْنِ الْخَلْقِ وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [مريم: ١٧] فَإِنَّهُ وَصَفَ هَذَا الرُّوحَ بِأَنَّهُ تَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا وَأَنَّهَا اسْتَعَاذَتْ بِاللَّهِ مِنْهُ إِنْ كَانَ تَقِيًّا وَأَنَّهُ قَالَ: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ [مريم: ١٩] وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا عَيْنٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا وَهِيَ الَّتِي تُسَمَّى فِي اصْطِلَاحِ النُّظَّارِ جَوْهَرًا وَقَدْ تُسَمَّى جِسْمًا إِذَا كَانَتْ مُشَارًا إِلَيْهَا مَعَ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي الْجِسْمِ هَلْ هُوَ مُرَكَّبٌ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُفْرَدَةِ أَمْ مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ أَمْ لَيْسَ مُرَكَّبًا لَا مِنْ هَذَا وَلَا مِنْ هَذَا وَإِذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ بَيَّنَ أَنَّ الْمُضَافَ هُنَا لَيْسَ مِنَ الصِّفَاتِ الْقَائِمَةِ بِغَيْرِهَا بَلْ مِنَ الْأَعْيَانِ الْقَائِمَةِ بِنَفْسِهَا عُلِمَ أَنَّ الْمُضَافَ مَمْلُوكٌ لِلَّهِ مَخْلُوقٌ لَهُ لَكِنَّ إِضَافَتَهُ إِلَى اللَّهِ تَدُلُّ عَلَى تَخْصِيصِ اللَّهِ لَهُ مِنَ الِاصْطِفَاءِ وَالْإِكْرَامِ بِمَا أَوْجَبَ التَّخْصِيصَ بِالْإِضَافَةِ وَقَدْ ذَكَرْتُ فِيمَا كُنْتُ كَتَبْتُهُ قَبْلَ هَذَا مِنَ الرَّدِّ عَلَى النَّصَارَى الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ وَغَيْرِهِ وَبَيَّنْتُ أَنَّ الْمُضَافَاتِ إِلَى اللَّهِ نَوْعَانِ: أَعْيَانٌ وَصِفَاتٌ.
стр. 544
فَالصِّفَاتُ إِذَا أُضِيفَتْ إِلَيْهِ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْكَلَامِ وَالْحَيَاةِ وَالرِّضَا وَالْغَضَبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ دَلَّتِ الْإِضَافَةُ عَلَى أَنَّهَا إِضَافَةُ وَصْفٍ لَهُ قَائِمٍ بِهِ لَيْسَتْ مَخْلُوقَةً ; لِأَنَّ الصِّفَةَ لَا تَقُومُ بِنَفْسِهَا فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ مَوْصُوفٍ تَقُومُ بِهِ فَإِذَا أُضِيفَتْ إِلَيْهِ عُلِمَ أَنَّهَا صِفَةٌ لَهُ لَكِنْ قَدْ يُعَبَّرُ بِاسْمِ الصِّفَةِ عَنِ الْمَفْعُولِ بِهَا فَيُسَمَّى الْمَقْدُورُ قُدْرَةً وَالْمَخْلُوقُ بِالْكَلِمَةِ كَلَامًا وَالْمَعْلُومُ عِلْمًا وَالْمَرْحُومُ بِهِ رَحْمَةً كَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ» .
وَقَوْلُهُ - تَعَالَى - فِيمَا يَرْوِي عَنْهُ نَبِيُّهُ أَنَّهُ قَالَ: لِلْجَنَّةِ ( «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ» ) .
стр. 545
وَيُقَالُ لِلْمَطَرِ وَالسَّحَابِ هَذِهِ قُدْرَةُ قَادِرٍ وَهَذِهِ قُدْرَةٌ عَظِيمَةٌ وَيُقَالُ فِي الدُّعَاءِ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ عِلْمَهُ فِيكَ أَيْ مَعْلُومَهُ.
وَأَمَّا الْأَعْيَانُ إِذَا أُضِيفَتْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَإِمَّا أَنْ تُضَافَ بِالْجِهَةِ الْعَامَّةِ الَّتِي يَشْتَرِكُ فِيهَا الْمَخْلُوقُ مِثْلَ كَوْنِهَا مَخْلُوقَةً وَمَمْلُوكَةً لَهُ وَمَقْدُورَةً وَنَحْوَ ذَلِكَ فَهَذِهِ إِضَافَةٌ عَامَّةٌ مُشْتَرَكَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] وَقَدْ يُضَافُ لِمَعْنًى يَخْتَصُّ بِهَا يُمَيَّزُ بِهِ الْمُضَافُ عَنْ غَيْرِهِ مِثْلَ: بَيْتُ اللَّهِ وَنَاقَةُ اللَّهِ وَعَبْدُ اللَّهِ وَرُوحُ اللَّهِ فَمِنَ الْمَعْلُومِ اخْتِصَاصُ نَاقَةِ صَالِحٍ بِمَا تَمَيَّزَتْ بِهِ عَنْ سَائِرِ النِّيَاقِ وَكَذَلِكَ اخْتِصَاصُ الْكَعْبَةِ وَاخْتِصَاصُ الْعَبْدِ الصَّالِحِ الَّذِي عَبَدَ اللَّهَ وَأَطَاعَ أَمْرَهُ وَكَذَلِكَ الرُّوحُ الْمُقَدَّسَةُ الَّتِي امْتَازَتْ بِمَا فَارَقَتْ بِهِ غَيْرَهَا مِنَ الْأَرْوَاحِ، فَإِنَّ الْمَخْلُوقَاتِ اشْتَرَكَتْ فِي كَوْنِهَا مَخْلُوقَةً مَمْلُوكَةً مَرْبُوبَةً لِلَّهِ يَجْرِي عَلَيْهَا حُكْمُهُ وَقَضَاؤُهُ وَقَدَرُهُ وَهَذِهِ الْإِضَافَةُ لَا اخْتِصَاصَ فِيهَا وَلَا فَضِيلَةَ لِلْمُضَافِ عَلَى غَيْرِهِ.
وَامْتَازَ بَعْضُهَا بِأَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ وَيَصْطَفِيهِ وَيُقَرِّبُهُ إِلَيْهِ وَيَأْمُرُ بِهِ أَوْ يُعَظِّمُهُ وَيُحِبُّهُ فَهَذِهِ الْإِضَافَةُ يَخْتَصُّ بِهَا بَعْضُ الْمَخْلُوقَاتِ كَإِضَافَةِ الْبَيْتِ وَالنَّاقَةِ وَالرُّوحِ وَعِبَادِ اللَّهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ.
وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -: فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١]
стр. 546
وَقَالَ فِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: ١١] (١١) ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] فَذَكَرَ امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ الَّتِي رَبَّتْ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ وَجَمَعَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُمِّهِ حَتَّى أَرْضَعَتْهُ أُمُّهُ عِنْدَهَا وَذَكَرَ مَرْيَمَ أُمَّ الْمَسِيحِ الَّتِي وَلَدَتْهُ وَرَبَّتْهُ فَهَاتَانِ الْمَرْأَتَانِ رَبَّتَا هَذَيْنِ الرَّسُولَيْنِ الْكَرِيمَيْنِ فَلَمَّا قَالَ هُنَا ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا﴾ [الأنبياء: ٩١] أَيْ فِي الْمَرْأَةِ وَفِيهِ أَيْ فِي فَرْجِهَا مِنْ رُوحِنَا
стр. 547
وَقَالَ هُنَا ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [مريم: ١٧] إِلَى قَوْلِهِ: (إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا) دَلَّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ رُوحَنَا لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ صِفَةٌ لِلَّهِ لَا الْحَيَاةُ وَلَا غَيْرُهَا وَلَا هُوَ رَبٌّ خَالِقٌ فَلَا هُوَ الرَّبُّ الْخَالِقُ وَلَا صِفَةُ الرَّبِّ الْخَالِقِ بَلْ هُوَ رُوحٌ مِنَ الْأَرْوَاحِ الَّتِي اصْطَفَاهَا اللَّهُ وَأَكْرَمَهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [مريم: ١٧] وَأَنَّ الْأَكْثَرِينَ عَلَى أَنَّهُ جِبْرِيلُ.
وَهَذَا الْأَصْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْفَرْقِ فِيمَا يُضَافُ إِلَى اللَّهِ بَيْنَ صِفَاتِهِ وَبَيْنَ مَمْلُوكَاتِهِ أَصْلٌ عَظِيمٌ ضَلَّ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ كُلِّهِمْ، فَإِنَّ كُتُبَ الْأَنْبِيَاءِ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالْقُرْآنَ وَغَيْرَهَا أَضَافَتْ إِلَى اللَّهِ أَشْيَاءَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَأَشْيَاءَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْإِضَافَةِ فَقَالَتِ الْمُعَطِّلَةُ نُفَاةُ الصِّفَاتِ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ: إِنَّ الْجَمِيعَ إِضَافَةُ مِلْكٍ وَلَيْسَ لِلَّهِ حَيَاةٌ قَائِمَةٌ بِهِ وَلَا عِلْمٌ قَائِمٌ بِهِ وَلَا قُدْرَةٌ قَائِمَةٌ بِهِ وَلَا كَلَامٌ قَائِمٌ بِهِ وَلَا حُبٌّ وَلَا بُغْضٌ وَلَا غَضَبٌ وَلَا رِضًى بَلْ جَمِيعُ ذَلِكَ مَخْلُوقٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ.
وَهَذَا أَوَّلُ مَا ابْتَدَعَتْهُ فِي الْإِسْلَامِ الْجَهْمِيَّةُ وَإِنَّمَا ابْتَدَعُوهُ بَعْدَ انْقِرَاضِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَأَكَابِرِ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَكَانَ مُقَدَّمُهُمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ
стр. 548
فَنُسِبَتِ الْجَهْمِيَّةُ إِلَيْهِ وَنَفَوُا الْأَسْمَاءَ وَالصِّفَاتِ وَاتَّبَعَهُمُ الْمُعْتَزِلَةُ وَغَيْرُهُمْ فَنَفَوُا الصِّفَاتِ دُونَ الْأَسْمَاءِ وَوَافَقَهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ أَتْبَاعَ أَرِسْطُو.
وَقَالَتِ الْحُلُولِيَّةُ بَلْ مَا يُضَافُ إِلَى اللَّهِ قَدْ يَكُونُ هُوَ صِفَةً لَهُ وَإِنْ كَانَ بَائِنًا عَنْهُ بَلْ قَالُوا: هُوَ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ فَقَالُوا: رُوحُ اللَّهِ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ صِفَةٌ لِلَّهِ حَتَّى قَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إِنَّ أَرْوَاحَ بَنِي آدَمَ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ وَصِفَةٌ لِلَّهِ وَقَالُوا إِنَّ مَا يَسْمَعُهُ النَّاسُ مِنْ أَصْوَاتِ الْقُرَّاءِ وَمِدَادِ الْمَصَاحِفِ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ وَهُوَ صِفَةٌ لِلَّهِ.
وَقَالَ حُذَّاقُ هَؤُلَاءِ بَلْ غَضَبُهُ وَرِضَاهُ وَحُبُّهُ وَبُغْضُهُ وَإِرَادَتُهُ لِمَا يَخْلُقُهُ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ وَهُوَ صِفَةُ اللَّهِ وَكَلَامُهُ الَّذِي سَمِعَهُ مُوسَى قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ رَاضِيًا مُحِبًّا لِمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُطِيعُهُ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ وَلَمْ يَزَلْ غَضْبَانًا سَاخِطًا عَلَى مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَكْفُرُ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ وَلَمْ يَزَلْ
стр. 549
وَلَا يَزَالُ قَائِلًا يَا آدَمُ يَا نُوحُ يَا إِبْرَاهِيمُ قَبْلَ أَنْ يُوجَدُوا وَبَعْدَ مَوْتِهِمْ وَلَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ يَقُولُ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقُوا وَبَعْدَ مَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ.
وَأَمَّا سَلَفُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَأَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ الْمَشْهُورُونَ بِالْإِمَامَةِ فِيهِمْ كَالْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ وَأَهْلُ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَمْلُوكَاتِهِ وَبَيْنَ صِفَاتِهِ فَيَعْلَمُونَ أَنَّ الْعِبَادَ مَخْلُوقُونَ وَصِفَاتِ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ وَأَجْسَادَهُمْ وَأَرْوَاحَهُمْ وَكَلَامَهُمْ وَأَصْوَاتَهُمْ بِالْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَمِدَادَهُمْ وَأَوْرَاقَهُمْ وَالْمَلَائِكَةَ وَالْأَنْبِيَاءَ وَغَيْرَهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ الْقَائِمَةِ بِهِ لَيْسَتْ مَخْلُوقَةً كَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَكَلَامِهِ وَإِرَادَتِهِ وَحَيَاتِهِ وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَرِضَاهُ وَغَضَبِهِ وَحُبِّهِ وَبُغْضِهِ بَلْ هُوَ مَوْصُوفٌ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَبِمَا وَصَفَتْهُ بِهِ رُسُلُهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ فَلَا يَنْفُونَ عَنْهُ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَوَصَفَهُ بِهِ رُسُلُهُ وَلَا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَلَا يَتَأَوَّلُونَ كَلَامَ اللَّهِ بِغَيْرِ مَا أَرَادَهُ وَلَا يُمَثِّلُونَ صِفَاتِ الْخَالِقِ بِصِفَاتِ الْمَخْلُوقِ بَلْ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ
стр. 550
- سُبْحَانَهُ - لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ بَلْ هُوَ مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقَائِصِ وَلَيْسَ لَهُ مِثْلٌ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ مَوْصُوفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إِذَا شَاءَ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَلَمْ يَزَلْ عَالِمًا وَلَمْ يَزَلْ قَادِرًا وَلَمْ يَزَلْ حَيًّا سَمِيعًا بَصِيرًا وَلَمْ يَزَلْ مُرِيدًا فَكُلُّ كَمَالٍ لَا نَقْصَ فِيهِ يُمْكِنُ اتِّصَافُهُ بِهِ فَهُوَ مَوْصُوفٌ بِهِ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ مُتَّصِفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ مَنْعُوتًا بِنُعُوتِ الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ .
وَالنَّصَارَى مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ اضْطِرَابًا فِي هَذَا الْأَصْلِ فَتَارَةً يَجْعَلُونَ كَلَامَهُ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مَخْلُوقًا مُنْفَصِلًا عَنْهُ وَيَنْفُونَ عَنْهُ الصِّفَاتِ وَتَارَةً يَجْعَلُونَ كَلِمَتَهُ قَدِيمَةً أَزَلِيَّةً مُتَوَلِّدَةً عَنْهُ لَمْ تَزَلْ وَلَا تَزَالُ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذِهِ الْكَلِمَةُ هِيَ ابْنُهُ وَيَجْعَلُونَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ عِلْمَهُ أَوْ حِكْمَتَهُ وَيَقُولُونَ إِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ هِيَ إِلَهٌ خَالِقٌ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ هِيَ الْمَسِيحُ وَالْمَسِيحُ إِلَهٌ خَالِقُ الْعَالَمِ.
وَيَقُولُونَ: مَعَ هَذَا أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ لَيْسَتْ هِيَ الْآبُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فَيَجْعَلُونَ كَلِمَتَهُ صِفَةً قَدِيمَةً أَزَلِيَّةً وَيَجْعَلُونَهَا ابْنًا لَهُ وَيَجْعَلُونَ الصِّفَةَ إِلَهًا خَالِقًا وَيَجْعَلُونَ الْمَسِيحَ هُوَ الْإِلَهُ الْخَالِقُ وَيَقُولُونَ مَعَ هَذَا هُوَ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ مِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ.
وَلَهُمْ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ مِنَ التَّنَاقُضِ وَالِاضْطِرَابِ وَمُخَالَفَةِ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ وَتَفْسِيرِهِ بِغَيْرِ مَا أَرَادُوهُ وَمُخَالَفَةِ صَرِيحِ الْمَعْقُولِ
стр. 551
وَصَحِيحِ الْمَنْقُولِ مَا سَنَذْكُرُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - مِنْهُ مَا يُيَسِّرُهُ اللَّهُ إِذْ بَيَانُ فَسَادِ أَقْوَالِ النَّصَارَى بِالِاسْتِقْصَاءِ لَا يَتَّسِعُ لَهُ هَذَا الْكِتَابُ وَلَمَّا قَصَّ - تَعَالَى - قِصَّةَ الْمَسِيحِ قَالَ ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾ [مريم: ٣٤] أَيْ يَشُكُّونَ وَيَتَمَارَوْنَ كَتَمَارِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
ثُمَّ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ [مريم: ٣٧] فَاخْتَلَفَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فِيهِ ثُمَّ اخْتَلَفَتِ النَّصَارَى فِيهِ وَصَارُوا أَحْزَابًا كَثِيرَةً جِدًّا كَالنَّسْطُورِيَّةِ وَالْيَعْقُوبِيَّةِ وَالْمَلَكِيَّةِ وَالْبَارُوبِيَّةِ وَالْمَرْيَمَانِيَّةِ وَالسُّمْيَاطِيَّةِ وَأَمْثَالِ هَذِهِ الطَّوَائِفِ كَمَا سَنَذْكُرُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - كَثِيرًا مِنْ طَوَائِفِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ فِي مَجَامِعِهِمْ كَمَا حَكَى ذَلِكَ عَنْهُمْ أَحَدُ أَكَابِرِهِمْ سَعِيدُ بْنُ الْبِطْرِيقِ وَغَيْرُهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْأُمَمِ أَكْثَرُ اخْتِلَافًا فِي رَبِّ الْعَالَمِينَ مِنْهُمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينِ كَفَرُوا مِنْ هَذِهِ الطَّوَائِفِ كُلِّهَا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ
стр. 552
﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم: ٣٨] يَقُولُ تَعَالَى مَا أَسْمَعَهُمْ وَمَا أَبْصَرَهُمْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ كَالنَّصَارَى الَّذِينَ ظَلَمُوا بِإِفْكِهِمْ وَشِرْكِهِمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ضَلُّوا عَنِ الْحَقِّ فِي الْمَسِيحِ وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ النَّصَارَى بِالضَّلَالِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٤] ; لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِمُ الْجَهْلُ بِالدِّينِ وَأَنَّهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِكَلَامٍ لَا يَعْقِلُونَ مَعْنَاهُ لَيْسَ مَنْقُولًا عَنِ الْأَنْبِيَاءِ حَتَّى يُسَلَّمَ لِقَائِلِهِ بَلْ هُمُ ابْتَدَعُوهُ وَإِذَا سَأَلْتَهُمْ عَنْ مَعْنَاهُ قَالُوا: هَذَا لَا يُعْرَفُ بِالْعُقُولِ فَيَبْتَدِعُونَ كَلَامًا يَعْرِفُونَ بِأَنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَهُ وَهُوَ كَلَامٌ مُتَنَاقِضٌ يَنْقُضُ أَوَّلُهُ آخِرَهُ وَلِهَذَا لَا تَجِدُهُمْ يَتَّفِقُونَ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ فِي مَعْبُودِهِمْ حَتَّى قَالَ بَعْضُ النَّاسِ لَوِ اجْتَمَعَ عَشَرَةُ نَصَارَى افْتَرَقُوا عَلَى أَحَدَ عَشَرَ قَوْلًا.
وَقَالَ: الرَّبَعِيُّ النَّصَارَى أَشَدُّ النَّاسِ اخْتِلَافًا فِي مَذَاهِبِهِمْ
стр. 553
وَأَقَلُّهُمْ تَحْصِيلًا لَهَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْرَفَ لَهُمْ مَذْهَبٌ وَلَوْ سَأَلْتَ قَسًّا مِنْ أَقْسَائِهِمْ عَنْ مَذْهَبِهِمْ فِي الْمَسِيحِ وَسَأَلْتَ أَبَاهُ وَأُمَّهُ لَاخْتَلَفُوا عَلَيْكَ الثَّلَاثَةُ وَلَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَوْلًا لَا يُشْبِهُ قَوْلَ الْآخَرِ.
وَقَالَ بَعْضُ النُّظَّارِ: وَمَا مِنْ قَوْلٍ يَقُولُهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُقَلَاءِ إِلَّا إِذَا تَأَمَّلْتَهُ تَصَوَّرْتَ مِنْهُ مَعْنًى مَعْقُولًا وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا إِلَّا قَوْلَ النَّصَارَى، فَإِنَّكَ كُلَّمَا تَأَمَّلْتَهُ لَمْ تَتَصَوَّرْ لَهُ حَقِيقَةً تُعْقَلُ لَكِنَّ غَايَاتِهِمْ أَنْ يَحْفَظُوا الْأَمَانَةَ أَوْ غَيْرَهَا وَإِذَا طُولِبُوا بِتَفْسِيرِ ذَلِكَ فَسَرَّهُ كُلٌّ مِنْهُمْ بِتَفْسِيرٍ يُكَفِّرُ بِهِ الْآخَرَ كَمَا يُكَفِّرُ الْيَعْقُوبِيَّةُ وَالْمَلَكَانِيَّةُ وَالنَّسْطُورِيَّةُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِاخْتِلَافِهِمْ فِي أَصْلِ التَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ إِذْ كَانَ قَوْلُهُمْ فِي التَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ مِنْ أَفْسَدِ الْأَقْوَالِ وَأَعْظَمِهَا تَنَاقُضًا كَمَا بُيِّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
стр. 554
[فَصْلٌ: إِبْطَالُ دَعْوَاهُمُ اتِّحَادَ كَلِمَةِ اللَّهِ بِجَسَدِ الْمَسِيحِ]
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: فَكَانَ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ أَيْ بِإِذْنِ اللَّاهُوتِ الَّذِي هُوَ كَلِمَةُ اللَّهِ الْمُتَّحِدَةُ فِي النَّاسُوتِ فَهَذَا إِذَا قَالُوهُ عَلَى أَنَّهُ مَذْهَبُهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولُوا أَنَّ مُحَمَّدًا أَرَادَهُ تَكَلَّمْنَا مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ وَبَيَّنَّا فَسَادَ ذَلِكَ عَقْلًا وَنَقْلًا.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كَانَ يَقُولُ: أَنَّ الْمُرَادَ إِذْنَ اللَّاهُوتِ الَّذِي هُوَ كَلِمَةُ اللَّهِ الْمُتَّحِدَةُ فِي النَّاسُوتِ فَهَذَا مِنَ الْبُهْتَانِ الظَّاهِرِ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ وَهُوَ مِنْ جِنْسِ قَوْلِهِمْ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٦] أَرَادَ بِهِ النَّصَارَى وَمِنْ جِنْسِ قَوْلِهِمْ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ [آل عمران: ٨٥] أَرَادَ بِهِ الْعَرَبَ وَمِنْ جِنْسِ قَوْلِهِمْ ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد: ٢٥] أَرَادَ بِهِمُ الْحَوَارِيِّينَ وَمِنْ جِنْسِ قَوْلِهِمْ
стр. 555
﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١] أَرَادَ بِهِ الْإِنْجِيلَ فَهَذِهِ الْمَوَاضِعُ الَّتِي فَسَّرُوا بِهَا الْقُرْآنَ وَزَعَمُوا أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ الَّذِي بَيَّنَ لِلنَّاسِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ كَانَ يُرِيدُ بِمَا يَتْلُوهُ مِنَ الْقُرْآنِ هَذِهِ الْمَعَانِي الَّتِي ذَكَرُوهَا هِيَ مِنَ الْكَذِبِ الظَّاهِرِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى غَايَةِ جَهْلِ قَائِلِهَا أَوْ غَايَةِ مُعَانَدَتِهِ، وَلَكِنَّ مِثْلَ هَذَا التَّأْوِيلِ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ مِنَ النَّصَارَى، فَإِنَّهُمْ قَدْ فَسَّرُوا مَوَاضِعَ كَثِيرَةً مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَالنُّبُوَّاتِ بِنَحْوِ هَذِهِ التَّفَاسِيرِ الَّتِي حَرَّفُوا فِيهَا الْكَلَامَ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ عَنْ مَوَاضِعِهِ تَحْرِيفًا ظَاهِرًا فَبَدَّلُوا بِذَلِكَ كُتُبَ اللَّهِ وَدِينَ اللَّهِ وَضَاهَوْا بِذَلِكَ الْيَهُودَ الَّذِينَ حَرَّفُوا وَبَدَّلُوا وَإِنِ اخْتَلَفَتْ جِهَةُ التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ فَتَحْرِيفُهُمْ لِلْقُرْآنِ مِنْ جِنْسِ تَحْرِيفِهِمْ لِلتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَهُمْ مِنَ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الْمُحْكَمَ وَيَتَّبِعُونَ مَا نَشَأَ بِهِ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ لَكِنْ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ حَرَّفُوا الْمُحْكَمَ الَّذِي مَعْنَاهُ ظَاهِرٌ لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا مَعْنًى وَاحِدٌ فَكَانُوا مِنَ الْجَهْلِ وَالْمُعَانَدَةِ أَبْعَدَ عَنِ الصَّوَابِ مِمَّنْ حَرَّفَ مَعْنَى الْمُتَشَابِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ أَنَّ الْمَسِيحَ عَبْدُ اللَّهِ مَخْلُوقٌ كَسَائِرِ الْمُرْسَلِينَ وَأَنَّهُ يُكَفِّرُ النَّصَارَى الَّذِينَ يَقُولُونَ هُوَ اللَّهُ أَوِ ابْنُ اللَّهِ.
قَالَ - تَعَالَى -: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٧]
стр. 556
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] (٧٢) ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣] (٧٣) ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧٤] (٧٦) ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] .
فَقَدْ ذَكَرَ كُفْرَ النَّصَارَى فِي قَوْلِهِمْ: هُوَ اللَّهُ مَرَّتَيْنِ وَذَكَرَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمَسِيحُ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ فَغَايَتُهُ الرِّسَالَةُ كَمَا قَالَ: فِي مُحَمَّدٍ ﷺ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ
стр. 557
وَغَايَةُ أُمِّهِ أَنْ تَكُونَ صِدِّيقَةً وَدَلَّ بِهَذَا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَبِيَّةٍ ثُمَّ قَالَ: كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ وَهَذَا مِنْ أَظْهَرِ الصِّفَاتِ النَّافِيَةِ لِلْإِلَهِيَّةِ لِحَاجَةِ الْأَكْلِ إِلَى مَا يَدْخُلُ فِي جَوْفِهِ وَلِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ مَعَ ذَلِكَ مِنَ الْفَضَلَاتِ.
وَالرَّبُّ تَعَالَى أَحَدٌ صَمَدٌ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ.
стр. 558
وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ أَنَّهُ يَلِدُ وَأَنَّهُ يُولَدُ وَأَنَّ لَهُ كُفُوًا كَمَا قَدْ بُيِّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَقَدْ أُخْبِرَ بِعُبُودِيَّةِ الْمَسِيحِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] (٥٧) ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] (٥٨) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٩] وَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ نَطَقَ بِهِ الْمَسِيحُ قَوْلُهُ: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم: ٣٠] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦] الْآيَاتِ إِلَى قَوْلِهِ: شَهِيدٌ وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١] الْآيَاتِ كُلِّهَا.
فَإِذَا كَانَ قَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَبِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ عَنْهُ وَبِإِجْمَاعِ أُمَّتِهِ إِجْمَاعًا يَسْتَنِدُونَ فِيهِ
стр. 559
إِلَى النَّقْلِ عَنْهُ وَبِكِتَابِهِ الْمُنَزَّلِ عَلَيْهِ وَسُنَّتِهِ الْمَعْرُوفَةِ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ أَنَّ الْمَسِيحَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ لَيْسَ هُوَ إِلَّا رَسُولٌ وَأَنَّهُ يُكَفِّرُ النَّصَارَى الَّذِينَ يَقُولُونَ هُوَ اللَّهُ وَهُوَ ابْنُ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ وَأَمْثَالَ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ هَذَا تَفْسِيرُهُمْ لِقَوْلِ اللَّهِ الَّذِي بَلَّغَهُ نَبِيُّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ أَيْ بِإِذْنِ اللَّاهُوتِ الَّذِي هُوَ كَلِمَةُ اللَّهِ الْمُتَّحِدَةُ بِالنَّاسُوتِ كَذِبًا ظَاهِرًا عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ .
وَهَذَا مِمَّا يَعْرِفُ كَذِبَهُمْ فِيهِ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ جَمِيعُ أَهْلِ الْأَرْضِ الْعَالِمُ بِحَالِ مُحَمَّدٍ ﷺ سَوَاءٌ أَقَرُّوا بِنُبُوَّتِهِ أَوْ أَنْكَرُوهَا.
فَالْمَقْصُودُ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ هَؤُلَاءِ كَذَبُوا عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ كَذِبًا ظَاهِرًا مَعْلُومًا لِلْخَلْقِ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَالْمُكَذِّبِينَ لَهُ لَيْسَ هُوَ كَذِبًا خَفِيًّا.
وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ مَا قَالُوهُ يَكُونُ مَعْقُولًا فَكَيْفَ إِذَا كَانَ مُمْتَنِعًا فِي صَرَائِحِ الْعُقُولِ بَلْ هُوَ قَوْلٌ غَيْرُ مَعْقُولٍ أَيْ غَيْرُ مَعْقُولٍ ثُبُوتُهُ فِي الْخَارِجِ وَإِنْ كَانَ يُعْقَلُ مَا يَخْتَلِفُونَ وَيُعْلَمُ بِهِ فَسَادُ عُقُولِهِمْ لِمَنْ قَالَ سَائِرَ الْأَقْوَالِ الْمُتَنَاقِضَةِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي يَمْتَنِعُ ثُبُوتُهَا فِي الْخَارِجِ وَذَلِكَ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، فَإِنَّ قَوْلَهُمْ: بِإِذْنِ اللَّاهُوتِ الَّذِي هُوَ
стр. 560
كَلِمَةُ اللَّهِ الْمُتَّحِدَةُ فِي النَّاسُوتِ بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ.
مِنْهَا أَنَّ تِلْكَ الْكَلِمَةَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ هِيَ اللَّهَ أَوْ صِفَةً لِذَاتِهِ أَوْ لَا هِيَ ذَاتُهُ وَلَا صِفَةٌ لَهُ أَوِ الذَّاتُ وَالصِّفَةُ جَمِيعًا.
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ هِيَ ذَاتِ اللَّهِ وَلَا صِفَتَهُ وَلَا الذَّاتِ وَالصِّفَةِ كَانَتْ بَائِنَةً عَنْهُ مَخْلُوقَةً لَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَاهُوتًا بَلْ وَلَا خَالِقَهُ وَحِينَئِذٍ فَلَمْ يَتَّحِدْ بِالْمَسِيحِ لَاهُوتٌ بَلْ إِنْ لَمْ يَتَّحِدْ بِهِ إِنَّهُ كَانَ اتَّحَدَ بِهِ إِلَّا مَخْلُوقٌ.
وَإِنْ كَانَتِ الْكَلِمَةُ هِيَ الذَّاتُ أَوِ الذَّاتُ وَالصِّفَةُ فَهِيَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَهِيَ الْآبُ عِنْدَهُمْ وَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ لَيْسَ هُوَ الْآبُ وَلَمْ يَتَّحِدْ بِهِ الْآبُ بَلْ الِابْنُ.
وَإِنْ كَانَتِ الْكَلِمَةُ صِفَةً لِلَّهِ فَصِفَةُ اللَّهِ لَيْسَتْ هِيَ الْإِلَهُ الْخَالِقُ وَالْمَسِيحُ عِنْدَهُمْ هُوَ الْإِلَهُ الْخَالِقُ وَأَيْضًا فَصِفَةُ اللَّهِ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ لَا تُفَارِقُ ذَاتَهُ وَتَحُلُّ بِغَيْرِهِ وَتَتَّحِدُ بِهِ وَكَلِمَةُ اللَّهِ عِنْدَهُمُ اتَّحَدَتْ بِالْمَسِيحِ.
وَإِنْ قَالُوا: قَوْلُنَا هَذَا كَمَا تَقُولُ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِنَّ الْقُرْآنَ أَوِ التَّوْرَاةَ أَوِ الْإِنْجِيلَ حَلَّ فِي الْقُرَّاءِ أَوِ اتَّحَدَ بِهِمْ وَأَنَّ الْقَدِيمَ حَلَّ فِي الْمَخْلُوقِ أَوِ اتَّحَدَ بِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
قِيلَ لَوْ كَانَ قَوْلُ هَؤُلَاءِ صَوَابًا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ، فَإِنَّهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسِيحِ وَبَيْنَ سَائِرِ مَنْ يَقْرَأُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالزَّبُورَ وَالْقُرْآنَ وَأَنْتُمْ تَدَّعُونَ أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ اللَّهُ أَوِ ابْنُ اللَّهِ مَخْصُوصًا بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ وَأَيْضًا فَهَؤُلَاءِ وَجَمِيعُ الْأُمَمِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ قُرَّاءَ
стр. 561
الْقُرْآنِ وَسَائِرِ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ لَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ هُوَ اللَّهُ وَلَا هُوَ ابْنُ اللَّهِ وَلَا أَنَّهُ خَالِقٌ لِلْعَالَمِ فَإِذَا جَعَلْتُمْ قَوْلَكُمْ مِثْلَ قَوْلِ هَؤُلَاءِ لَزِمَكُمْ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَسِيحُ هُوَ اللَّهُ وَلَا ابْنُ اللَّهِ وَلَا رَبًّا لِلْعَالَمِ وَأَيْضًا فَلَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا مِنْ هَؤُلَاءِ قَالَ: أَنَّ اللَّاهُوتَ اتَّحَدَ بِالنَّاسُوتِ وَلَا أَنَّ الْقَدِيمَ اتَّحَدَ بِالْمُحْدَثِ وَلَا أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ صَارَ هُوَ وَالْمَخْلُوقُ شَيْئًا وَاحِدًا فَالِاتِّحَادُ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ هَؤُلَاءِ وَغَيْرِهِمْ.
وَلَكِنَّ طَائِفَةً مِنْهُمْ أَطْلَقَتْ لَفْظَ الْحُلُولِ وَطَائِفَةً أَنْكَرَتْ لَفْظَ الْحُلُولِ وَقَالُوا إِنَّمَا نَقُولُ ظَهَرَ الْقَدِيمُ فِي الْمُحْدَثِ لَا حَلَّ فِيهِ لَكِنْ قَالُوا مَا يَسْتَلْزِمُ الْحُلُولَ.
وَسَلَفُ الْمُسْلِمِينَ وَجُمْهُورُهُمْ يُخَطِّئُونَ هَؤُلَاءِ وَيُبَيِّنُونَ خَطَأَهُمْ عَقْلًا وَنَقْلًا وَقَوْلُهُمْ لَيْسَ هُوَ قَوْلُ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا قَوْلَ طَائِفَةٍ مَشْهُورَةٍ مِنْ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ كَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ
стр. 562
وَالْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ وَالثَّوْرِيَّةِ وَالدَّاوُدِيَّةِ وَالْإِسْحَاقِيَّةِ
стр. 563
وَغَيْرِهِمْ وَلَا قَوْلَ طَائِفَةٍ مِنْ طَوَائِفِ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَا الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى السُّنَّةِ كَالْأَشْعَرِيَّةِ وَالْكَرَامِيَّةِ وَلَا غَيْرِهِمْ كَالْمُعْتَزِلَةِ وَالشِّيعَةِ وَأَمْثَالِهِمْ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ انْتُسِبَتْ إِلَى بَعْضِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَ قَلِيلٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ وَهَؤُلَاءِ غَايَتُهُمْ أَنْ يَقُولُوا بِحُلُولِ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ بِحُلُولِ الرَّبِّ وَاتِّحَادِهِ فِي الْعَبْدِ مِنْ طَوَائِفِ الْغُلَاةِ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى التَّشَيُّعِ وَالتَّصَوُّفِ أَوْ غَيْرِهِمْ فَهُمْ ضُلَّالٌ كَالنَّصَارَى مَعَ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لِلنَّصَارَى عَلَى هَؤُلَاءِ إِذْ كَانَ مَا يَقُولُونَهُ لَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمَسِيحُ بَلْ هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ.
وَالنَّصَارَى تَدَّعِي اخْتِصَاصَ الْمَسِيحِ بِالِاتِّحَادِ مَعَ أَنَّ الْمُتَّحِدَ بِالنَّاسُوتِ صَارَ هُوَ وَالنَّاسُوتُ شَيْئًا وَاحِدًا وَمَعَ الِاتِّحَادِ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا فِعْلٌ أَوْ صِفَةٌ خَارِجٌ عَنِ الْآخَرِ وَالنَّصَارَى يَدَّعُونَ الِاتِّحَادَ ثُمَّ يَتَنَاقَضُونَ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ جَوْهَرَانِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَشِيئَةً وَاحِدَةً وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَشِيئَتَانِ كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَامُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ.
стр. 564
[فَصْلٌ: رَدُّ دَعْوَاهُمُ الْفَضْلَ لَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ]
وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٥٥] فَهَذَا حَقٌّ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ فَمَنِ اتَّبَعَ الْمَسِيحَ ﵇ جَعَلَهُ اللَّهُ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَكَانَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ عَلَى دِينِهِ الَّذِي لَمْ يُبَدَّلْ قَدْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ فَوْقَ الْيَهُودِ وَأَيْضًا فَالنَّصَارَى فَوْقَ الْيَهُودِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَهُمْ مُؤْمِنُونَ بِهِ لَيْسُوا كَافِرِينَ بِهِ بَلْ لَمَّا بَدَّلَ النَّصَارَى دِينَهُ وَبَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِدِينِ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ الْمَسِيحَ وَغَيْرَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ جَعَلَ اللَّهُ مُحَمَّدًا وَأُمَّتَهُ فَوْقَ النَّصَارَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ دِينُنَا وَاحِدٌ وَإِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ لَأَنَا إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ» .
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]
стр. 565
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥١] (٥٢) ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣] فَكُلُّ مَنْ كَانَ أَتَمَّ إِيمَانًا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ كَانَ أَحَقَّ بِنْصِرِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] وَقَالَ: فِي كِتَابِهِ ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] (١٧١) ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢] (١٧٢) ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] وَالْيَهُودُ كَذَّبُوا الْمَسِيحَ وَمُحَمَّدًا ﷺ كَمَا قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠] فَالْغَضَبُ الْأَوَّلُ بِتَكْذِيبِهِمُ الْمَسِيحَ وَالثَّانِي: بِتَكْذِيبِهِمْ لِمُحَمَّدٍ ﷺ وَالنَّصَارَى لَمْ يُكَذِّبُوا الْمَسِيحَ فَكَانُوا مَنْصُورِينَ عَلَى الْيَهُودِ وَالْمُسْلِمُونَ مَنْصُورُونَ عَلَى الْيَهُودِ
следующие страницы →