← Акыда

Акыда · id 170

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية

ابن تيمية

Полный текст (2 831 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

يَتَنَاوَلُهُمْ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] الْآيَةَ. فَهَؤُلَاءِ لَا يَدَّعُونَ الْإِيمَانَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِأَجْلِ مَالٍ يَأْخُذُونَهُ كَمَا يَفْعَلُ كَثِيرٌ مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَهُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَيَمْنَعُونَهُمُ الْإِيمَانَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣] (١١٣) ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٤] فَهَذِهِ الْآيَةُ تَتَنَاوَلُ الْيَهُودَ أَقْوَى مِمَّا تَتَنَاوَلُ النَّصَارَى وَنَظِيرُهَا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩] وَهَذَا مَدْحٌ مُطْلَقٌ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِالتَّوْرَاةِ لَيْسَ فِي ذَلِكَ مَدْحٌ لِمَنْ كَذَّبَ الْمَسِيحَ وَلَا فِيهَا مَدْحٌ لِمَنْ كَذَّبَ مُحَمَّدًا ﷺ . وَهَذَا الْكَلَامُ يُفَسِّرُهُ سِيَاقُ الْكَلَامِ، فَإِنَّهُ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]

стр. 597

ثُمَّ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] فَقَدْ جَعَلَهُمْ نَوْعَيْنِ نَوْعًا مُؤْمِنِينَ وَنَوْعًا فَاسِقِينَ وَهُمْ أَكْثَرُهُمْ وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ يَتَنَاوَلُ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُؤْمِنًا قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَمَا يَتَنَاوَلُهُمْ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ [الحديد: ٢٧] إِلَى قَوْلِهِ: وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦] وَقَوْلُهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣] ثُمَّ لَمَّا قَالَ: ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] قَالَ ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران: ١١١] (١١١) ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٢]

стр. 598

وَضَرْبُ الذِّلَّةِ عَلَيْهِمْ أَيْنَمَا ثُقِفُوا وَمُبَاؤُهُمْ بِغَضَبِ اللَّهِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ مِنْ قَتْلِ الْأَنْبِيَاءِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَعِصْيَانُهُمْ وَاعْتِدَاؤُهُمْ كَانَ الْيَهُودُ مُتَّصِفِينَ بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَمَا قَالَ - تَعَالَى - فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١] ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢] فَتَنَاوَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْمِلَلِ الْأَرْبَعِ مُتَمَسِّكًا بِهَا قَبْلَ النَّسْخِ بِغَيْرِ تَبْدِيلٍ كَذَلِكَ آيَةُ آلِ عِمْرَانَ لَمَّا وُصِفَ أَهْلُ

стр. 599

الْكِتَابِ بِمَا كَانُوا مُتَّصِفًا بِهِ أَكْثَرُهُمْ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ الْكُفْرِ قَالَ ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣] (١١٣) ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٤] . وَهَذَا يَتَنَاوَلُ مَنْ كَانَ مُتَّصِفًا مِنْهُمْ بِهَذَا قَبْلَ النَّسْخِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الدِّينِ الْحَقِّ الَّذِي لَمْ يُبَدَّلْ وَلَمْ يُنْسَخْ كَمَا قَالَ فِي الْأَعْرَافِ ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩] وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] (١٦٨) ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٩] (١٦٩) ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠] . وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨١] فَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ عَمَّنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِهَذَا الْوَصْفِ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَمَنْ أَدْرَكَ مِنْ هَؤُلَاءِ مُحَمَّدًا ﷺ فَآمَنَ بِهِ كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ.

стр. 600

[فَصْلٌ: رَدُّ دَعْوَاهُمْ تَعْظِيمَ الْإِسْلَامِ لِمَعَابِدِهِمْ] قَالُوا ثُمَّ وَجَدْنَاهُ يُعَظِّمُ إِنْجِيلَنَا وَيُقَدِّمُ صَوَامِعَنَا وَيُشَرِّفُ مَسَاجِدَنَا وَيَشْهَدُ بِأَنَّ اسْمَ اللَّهِ يُذْكَرُ فِيهَا كَثِيرًا وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: ٤٠] وَالْجَوَابُ أَنَّ فِيهَا ذِكْرُ الصَّوَامِعِ وَالْبِيَعِ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: ٤٠] ، فَإِنَّمَا ذَكَرَهُ عَقِبَ ذِكْرِهِ الْمَسَاجِدَ وَالْمَسَاجِدُ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا كَنَائِسَ النَّصَارَى، فَإِنَّهَا هِيَ الْبِيَعُ ثُمَّ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِالْمَسَاجِدِ فَلَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ إِخْبَارٌ بِأَنَّ اسْمَ اللَّهِ يُذْكَرُ كَثِيرًا فِي الْبِيَعِ وَالصَّوَامِعِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ فِي الْجَمِيعِ فَلَا رَيْبَ أَنَّ الصَّوَامِعَ وَالْبِيَعَ قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ كَانَ فِيهَا مَنْ يَتَّبِعُ دِينَ الْمَسِيحِ الَّذِي لَمْ يُبَدَّلْ وَيُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَقَدْ قِيلَ أَنَّهَا بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ

стр. 601

يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُذْكَرَ اسْمُهُ. قَالَ الضَّحَّاكُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُذْكَرَ اسْمُهُ وَإِنْ كَانَ يُشْرَكُ بِهِ يَعْنِي أَنَّ الْمُشْرِكَ بِهِ خَيْرٌ مِنَ الْمُعَطِّلِ الْجَاحِدِ الَّذِي لَا يَذْكُرُ اسْمَ اللَّهِ بِحَالٍ. وَأَهْلُ الْكِتَابِ خَيْرٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَمَّا اقْتَتَلَ فَارِسُ وَالرُّومُ وَانْتَصَرَتِ الْفُرْسُ سَاءَ ذَلِكَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَرِهُوا انْتِصَارَ الْفُرْسِ عَلَى النَّصَارَى ; لِأَنَّ النَّصَارَى أَقْرَبُ إِلَى دِينِ اللَّهِ مِنَ الْمَجُوسِ وَالرُّسُلُ بُعِثُوا بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا وَتَقْدِيمِ خَيْرِ الْخَيْرَيْنِ عَلَى أَدْنَاهُمَا حَسَبَ الْإِمْكَانِ وَدَفْعِ شَرِّ الشَّرَّيْنِ بِخَيْرِهِمَا فَهَدْمُ صَوَامِعِ النَّصَارَى وَبِيَعِهِمْ فَسَادٌ إِذَا هَدَمَهَا الْمَجُوسُ وَالْمُشْرِكُونَ وَأَمَّا إِذَا هَدَمَهَا الْمُسْلِمُونَ وَجَعَلُوا

стр. 602

أَمَاكِنَهَا مَسَاجِدَ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا فَهَذَا خَيْرٌ وَصَلَاحٌ. وَهَذِهِ الْآيَةُ ذُكِرَتْ فِي سِيَاقِ الْإِذْنِ لِلْمُسْلِمِينَ بِالْجِهَادِ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] وَهَذِهِ الْآيَةُ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْجِهَادِ وَلِهَذَا قَالَ ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: ٤٠] ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ [الحج: ٤٠] فَيَدْفَعُ بِالْمُؤْمِنِينَ الْكُفَّارَ وَيَدْفَعُ شَرَّ الطَّائِفَتَيْنِ بِخَيْرِهِمَا كَمَا دَفَعَ الْمَجُوسَ بِالرُّومِ النَّصَارَى ثُمَّ دَفَعَ النَّصَارَى بِالْمُؤْمِنِينَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَهَذَا كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١] وَأَمَّا التَّقْدِيمُ فِي اللَّفْظِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلِانْتِقَالِ مِنَ الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]

стр. 603

وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤] وَقَوْلُهُ: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ [الذاريات: ١] (١) ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾ [الذاريات: ٢] (٢) ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾ [الذاريات: ٣] (٣) ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ [الذاريات: ٤] وَنَظَائِرُهُ مُتَعَدِّدَةٌ. وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: ٤٠] فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ لَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ مَوَاضِعُ الْعِبَادَاتِ وَهَدْمُهَا فَسَادٌ إِذَا هَدَمَهَا مَنْ لَا يُبَدِّلُهَا بِخَيْرٍ مِنْهَا وَأَدْنَاهَا هِيَ الصَّوَامِعُ، فَإِنَّ الصَّوْمَعَةَ تَكُونُ لِوَاحِدٍ أَوْ لِطَائِفَةٍ قَلِيلَةٍ فَبَدَأَ بِأَدْنَى الْمَعَابِدِ وَخَتَمَ بِأَشْرَفِهَا وَهِيَ الْمَسَاجِدُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا فَفِي الْجُمْلَةِ حُكْمُ هَذِهِ الْمَعَابِدِ حُكْمُ أَهْلِهَا وَأَهْلُهَا قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ مُؤْمِنُونَ مُسْلِمُونَ وَهَدْمُ مَعَابِدِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُسْلِمِينَ فَسَادٌ وَبَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ إِذَا غَلَبَ أَهْلَ الْكِتَابِ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُمْ كَالْمَجُوسِ وَالْمُشْرِكِينَ وَهَدَمُوا مَعَابِدَهُمْ كَانَ ذَلِكَ فَسَادًا وَإِذَا هَدَمَهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُمْ كَأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَأَبْدَلُوهَا مَسَاجِدَ يُذْكَرُ فِيهَا

стр. 604

اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَا يُشْرَكُ بِهِ وَيُذْكَرُ فِيهَا الْإِيمَانُ بِجَمِيعِ كُتُبِهِ وَرُسُلِهِ كَانَ ذَلِكَ صَلَاحًا لَا فَسَادًا. وَلِهَذَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُتَّخَذَ الْمَسَاجِدُ مَوَاضِعَ مَعَابِدِ الْكُفَّارِ كَمَا كَانَ لِثَقِيفٍ أَهْلِ الطَّائِفِ مَعْبَدٌ يَعْبُدُونَ فِيهِ اللَّاتَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِيهَا: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩] فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُهْدَمَ ذَلِكَ الْمَعْبَدُ وَيُتَّخَذُ مَكَانَهُ الْمَسْجِدُ الَّذِي يُعْبَدُ اللَّهُ وَحْدَهُ فِيهِ، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ هِيَ

стр. 605

بُيُوتُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [التوبة: ١٧] الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: الْمُهْتَدِينَ وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ [النور: ٣٥] الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: بِغَيْرِ حِسَابٍ ثُمَّ لَمَّا ذَكَرَ الْمُؤْمِنِينَ ذَكَرَ الْكُفَّارَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فَذَكَرَ أَهْلَ الْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ وَالْبَسِيطِ فَقَالَ - تَعَالَى -:

стр. 606

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور: ٣٩] (٣٩) ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ حُجَّةٌ فِي شَيْءٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ بَلْ مَا جَاءَ بِهِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ.

стр. 607

[فَصْلٌ: رَفْضُ دَعْوَاهُمْ وُجُوبَ التَّمَسُّكِ بِدِينِهِمْ بَعْدَ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ] قَالُوا وَهَذَا وَغَيْرُهُ أَوْجَبَ لَنَا التَّمَسُّكَ بِدِينِنَا وَأَنْ لَا نُهْمِلَ مَا مَعَنَا وَلَا نَرْفُضَ مَذْهَبَنَا وَلَا نَتَّبِعَ غَيْرَ السَّيِّدِ الْمَسِيحِ كَلِمَةِ اللَّهِ وَرُوحِهِ وَحَوَارِيِّيهِ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمْ إِلَيْنَا. وَالْجَوَابُ أَنَّهُمُ احْتَجُّوا بِحُجَّتَيْنِ بَاطِلَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمْ يُرْسَلْ إِلَيْهِمْ بَلْ إِلَى الْعَرَبِ وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِهَا مِنْ أَعْظَمِ الْكَذِبِ وَالِافْتِرَاءِ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ قَطُّ إِنِّي لَمْ أُرْسَلْ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا قَالَ قَطُّ إِنِّي لَمْ أُرْسَلْ إِلَّا إِلَى الْعَرَبِ بَلْ نُصُوصُهُ الْمُتَوَاتِرَةُ عَنْهُ وَأَفْعَالُهُ تُبَيِّنُ أَنَّهُ مُرْسَلٌ إِلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ أُمِّيِّهِمْ وَكِتَابِيِّهِمْ. وَالْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُمْ: أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ أَثْنَى عَلَى دِينِ النَّصَارَى بَعْدَ التَّبْدِيلِ وَالنَّسْخِ وَهِيَ أَيْضًا أَعْظَمُ كَذِبًا عَلَيْهِ مِنَ الَّتِي قَبْلَهَا كَيْفَ يُثْنِي عَلَيْهِمْ وَهُوَ يُكَفِّرُهُمْ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ وَيَأْمُرُ بِجِهَادِهِمْ وَقِتَالِهِمْ وَيَذُمُّ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ جِهَادِهِمْ غَايَةَ الذَّمِّ وَيَصِفُ مَنْ لَمْ يَرَ طَاعَتَهُ فِي قِتَالِهِمْ بِالنِّفَاقِ وَالْكُفْرِ وَيَذْكُرُ أَنَّهُ

стр. 608

يَدْخُلُ جَهَنَّمَ وَهَذَا كُلُّهُ يُخْبِرُ بِهِ عَنِ اللَّهِ وَيَذْكُرُهُ تَبْلِيغًا لِرِسَالَةِ رَبِّهِ وَإِنَّمَا يُضَافُ إِلَيْهِ ; لِأَنَّهُ بَلَّغَهُ وَأَدَّاهُ لَا لِأَنَّهُ أَنْشَأَهُ وَابْتَدَأَهُ. كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠] (٤٠) ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١] (٤١) ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢] (٤٢) ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحاقة: ٤٣] (٤٣) ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ [الحاقة: ٤٤] (٤٤) ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] (٤٥) ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] (٤٦) ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] (٤٧) ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الحاقة: ٤٨] (٤٨) ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ﴾ [الحاقة: ٤٩] (٤٩) ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الحاقة: ٥٠] (٥٠) ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الحاقة: ٥١] (٥١) ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٥٢] وَأَمَّا ثَنَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَى الْمَسِيحِ وَأُمِّهِ وَعَلَى مَنِ اتَّبَعَهُ وَكَانَ عَلَى دِينِهِ الَّذِي لَمْ يُبَدَّلْ فَهَذَا حَقٌّ وَهُوَ لَا يُنَافِي وُجُوبَ اتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى مَنْ بُعِثَ إِلَيْهِ فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ شَرِيعَةَ الْمَسِيحِ لَمْ تُبَدَّلْ وَأَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ أَثْنَى عَلَى كُلِّ مَنِ اتَّبَعَهَا وَقَالَ مَعَ ذَلِكَ إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُتَنَاقِضًا وَإِذَا كَفَرَ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ لَمْ يُنَاقِضْ ذَلِكَ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِمْ قَبْلَ أَنْ يُكَذِّبُوهُ.

стр. 609

فَكَيْفَ وَهُوَ إِنَّمَا مَدَحَ مَنِ اتَّبَعَ دِينًا لَمْ يُبَدَّلْ؟ وَأَمَّا الَّذِينَ بَدَّلُوا دِينَ الْمَسِيحِ فَلَمْ يَمْدَحْهُمْ بَلْ ذَمَّهُمْ كَمَا قَالَ ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ١٤] وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ النَّصَارَى كَفَرُوا كَمَا كَفَرَتِ الْيَهُودُ: كَفَرُوا بِتَبْدِيلِهِمْ مَا فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ وَكَفَرُوا بِتَكْذِيبِهِمْ بِالْكِتَابِ الثَّانِي. وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُبَدِّلِ الْكِتَابَ أَوْ أَدْرَكَ مُحَمَّدًا ﷺ فَآمَنَ بِهِ فَهَؤُلَاءِ مُؤْمِنُونَ وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ تَعْظِيمَ الْمَسِيحِ لِلتَّوْرَاةِ وَاتِّبَاعَهُ لَهَا وَعَمَلَهُ بِشَرَائِعِهَا أَعْظَمُ مِنْ تَعْظِيمِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِلْإِنْجِيلِ وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُسْقِطًا عَنِ الْيَهُودِ وُجُوبَ اتِّبَاعِهِمْ لِلْمَسِيحِ فَكَيْفَ يَكُونُ تَعْظِيمُ مُحَمَّدٍ ﷺ لِلْإِنْجِيلِ مُسْقِطًا عَنِ النَّصَارَى وُجُوبَ اتِّبَاعِهِ.

стр. 610

[فَصْلٌ: رَدُّ دَعْوَى النَّصَارَى أَنَّ الْإِسْلَامَ عَظَّمَ الْحَوَارِيِّينَ] وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: وَحَوَارِيِّيهِ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمْ إِلَيْنَا أَنْذَرُونَا بِلُغَتِنَا وَسَلَّمُوا لَنَا دَيْنَنَا الَّذِينَ قَدْ عُظِّمُوا فِي هَذَا الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] وَقَالَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] فَأُعْنِيَ بِقَوْلِهِ: أَنْبِيَاءَهُ الْمُبَشِّرِينَ وَرُسُلَهُ يَنْحُو بِذَلِكَ الْحَوَارِيِّينَ الَّذِينَ دَارُوا فِي سَبْعَةِ أَقَالِيمِ الْعَالَمِ وَبَشَّرُوا بِالْكِتَابِ الْوَاحِدِ الَّذِي هُوَ الْإِنْجِيلُ الطَّاهِرُ ; لِأَنَّهُ لَوْ عُنِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَدَاوُدَ وَمُوسَى وَمُحَمَّدٍ لَكَانَ قَالَ: مَعَهُمُ الْكُتُبُ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَاءَ بِكِتَابٍ دُونَ

стр. 611

غَيْرِهِ وَلَمْ يَقُلْ إِلَّا الْكِتَابَ الْوَاحِدَ ; لِأَنَّهُ مَا أَتَى جَمَاعَةٌ مُبَشِّرِينَ بِكِتَابٍ وَاحِدٍ غَيْرَ الْحَوَارِيِّينَ الَّذِينَ أَتَوْا بِالْإِنْجِيلِ الطَّاهِرِ وَجَاءَ أَيْضًا فِي الْكِتَابِ ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠] يَعْنِي الْحَوَارِيِّينَ لَمْ يَقُلْ رَسُولٌ إِنَّمَا قَالَ: الْمُرْسَلِينَ وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا ذُكِرَ وَلَا فِي غَيْرِهِ مَا يُوجِبُ تَكْذِيبَ الرَّسُولِ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَى غَيْرِكُمْ وَتَمَسُّكَكُمْ بِدِينٍ مُبَدَّلٍ مَنْسُوخٍ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا يُعَظَّمُ بِهِ مُوسَى وَالتَّوْرَاةُ وَمَنِ اتَّبَعَ مُوسَى مَا يُوجِبُ لِلْيَهُودِ تَكْذِيبَ الرَّسُولِ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَتَمَسُّكَهُمْ بِدِينٍ مُبَدَّلٍ مَنْسُوخٍ. الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُمْ: وَلَا نَتَّبِعُ غَيْرَ الْمَسِيحِ وَحَوَارِيِّيهِ قَوْلٌ بَاطِلٌ، فَإِنَّهُمْ لَيْسُوا مُتَّبِعِينَ لَا لِلْمَسِيحِ وَلَا لِحَوَارِيِّيهِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ دِينَهُمْ مُبَدَّلٌ لَيْسَ كُلُّهُ عَنِ الْمَسِيحِ وَالْحَوَارِيِّينَ بَلْ أَكْثَرُ شَرَائِعِهِمْ أَوْ كَثِيرٌ مِنْهَا لَيْسَتْ عَنِ الْمَسِيحِ وَالْحَوَارِيِّينَ. الثَّانِي: أَنَّ الْمَسِيحَ بَشَّرَ بِأَحْمَدَ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] .

стр. 612

فَإِذَا لَمْ يَتَّبِعُوا أَحْمَدَ كَانُوا مُكَذِّبِينَ لِلْمَسِيحِ وَعِنْدَهُمْ مِنَ الْبِشَارَاتِ عَنِ الْمَسِيحِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بِأَحْمَدَ مَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ كَمَا سَيَأْتِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ هُنَا مَنْعُ احْتِجَاجِهِمْ بِشَيْءٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وَبَيَانُ أَنَّهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ إِذْ زَعَمُوا أَنَّ فِي بَعْضِهِ حُجَّةً لَهُمْ. الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَهُمْ عَنِ الْحَوَارِيِّينَ: أَنَّهُمُ الرُّسُلُ الَّذِينَ عُظِّمُوا فِي هَذَا الْكِتَابِ قَوْلٌ بَاطِلٌ فَسَّرُوا بِهِ الْقُرْآنَ تَفْسِيرًا بَاطِلًا مِنْ جِنْسِ تَفْسِيرِهِمُ ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ﴾ [الفاتحة: ٧] عَلَيْهِمْ بِالنَّصَارَى. وَتَفْسِيرُهُمْ بِإِذْنِي أَيْ يَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّاهُوتِ الَّذِي هُوَ كَلِمَةُ اللَّهِ الْمُتَّحِدَةُ فِي النَّاسُوتِ. وَتَفْسِيرُهُمْ: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ١] بِالْإِنْجِيلِ، وَتَفْسِيرُهُمُ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] (٣) ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤] هُمُ النَّصَارَى. وَتَفْسِيرُهُمْ قَوْلَهُ: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] هُمُ النَّصَارَى.

стр. 613

﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [العنكبوت: ٤٦] هُمُ الْيَهُودُ. وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنْ تَفْسِيرِهِمُ الْقُرْآنَ، مِثْلَ مَا يُفَسِّرُونَ بِهِ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالزَّبُورَ مِنَ التَّفَاسِيرِ الَّتِي هِيَ مِنْ تَحْرِيفِ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَالْإِلْحَادِ فِي آيَاتِ اللَّهِ وَالْكَذِبِ عَلَى أَنْبِيَائِهِ بِمَا يَظْهَرُ أَنَّهُ كَذِبٌ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ لِكُلِّ مَنْ تَدَبَّرَ ذَلِكَ. وَبُطْلَانُ ذَلِكَ يَظْهَرُ مِنْ وُجُوهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥] . وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا﴾ [الحديد: ٢٥] اسْمُ جَمْعٍ مُضَافٌ يَعُمُّ جَمِيعَ مَنْ أَرْسَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى. الثَّانِي: أَنَّ أَحَقَّ الرُّسُلِ بِهَذَا الْحُكْمِ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ فِي الْقُرْآنِ ; كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا - وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا - رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٣ - ١٦٥]

стр. 614

وَقَالَ: فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ - إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ - إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ - فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ - وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ - فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٠٥ - ١٦٣] . وَقَوْلُهُ: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ - إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ - إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ - وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣ - ١٦٤] . وَقَوْلُهُ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ - إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ - إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ - فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ - وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٤١ - ١٤٥] وَقَوْلُهُ:

стр. 615

﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ - إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ - إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ - وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٠ - ١٢٧] . وَقَوْلُهُ: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ - إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ - إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ - فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ - وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٦ - ١٨٠] . وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا - فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٥ - ١٦] . وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر: ٥] . وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٣] .

стр. 616

وَذَكَرَ قِصَّتَهُ ثُمَّ قَالَ: بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: ٣١] . ثُمَّ لَمَّا قَضَى قِصَّتَهُ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ - مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ - ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ - ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ - إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٢ - ٤٦] فَذَكَرَ إِرْسَالَ رُسُلِهِ تَتْرَى أَيْ مُتَوَاتِرَةً ثُمَّ ذَكَرَ إِرْسَالَ مُوسَى وَهَارُونَ وَإِرْسَالُ مُوسَى وَهَارُونَ قَبْلَ الْمَسِيحِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ. وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦] فَهَذَا إِخْبَارٌ مِنْهُ بِأَنَّهُ بَعَثَ فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا يَدْعُوهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ وَقَالَ - تَعَالَى -: فِي الْمَسِيحِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ -

стр. 617

﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: ٧٥] . . . فَأَخْبَرَ أَنَّ الْمَسِيحَ رَسُولٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الرُّسُلِ ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [المائدة: ٧٥] وَقَبْلَهُ قَدْ بَعَثَ فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا. وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عَنِ «النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مِائَةُ أَلْفِ نَبِيٍّ وَأَنَّ الرُّسُلَ مِنْهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ» وَبَعْضُ النَّاسِ يُصَحِّحُ هَذَا الْحَدِيثَ وَبَعْضُهُمْ يُضَعِّفُهُ، فَإِنْ

стр. 618

كَانَ صَحِيحًا فَالرُّسُلُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ وَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ صِحَّتُهُ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونُوا بِقَدْرِ ذَلِكَ وَأَنْ يَكُونُوا أَكْثَرَ ; كَمَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونُوا أَقَلَّ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ بَعَثَ فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا. وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَنْتُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ أَكْرَمُهَا وَأَفْضَلُهَا عَلَى اللَّهِ» وَهُوَ حَدِيثٌ جَيِّدٌ. وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -: فِي سُورَةِ الزُّمَرِ ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] .

стр. 619

وَقَالَ - تَعَالَى - فِي سُورَةِ تَبَارَكَ: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ - إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ - تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ - قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٦ - ٩] فَهَذَا إِخْبَارٌ مِنْهُ بِأَنَّ كُلَّ فَوْجٍ يُلْقَى فِي النَّارِ وَقَدْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ ; كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠] .

стр. 620

فَقَدْ أَرْسَلَ اللَّهُ قَبْلَ الْمَسِيحِ رُسُلًا كَثِيرِينَ إِلَى جَمِيعِ الْأُمَمِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد: ٢٥] هُمُ الْحَوَارِيُّونَ - فَقَطْ - الَّذِينَ أَرْسَلَهُمُ الْمَسِيحُ مَعَ أَنَّ الْحَوَارِيِّينَ رُسُلُ الْمَسِيحِ بِمَنْزِلَةِ رُسُلِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ وَرُسُلِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وَمَنْ أَرْسَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجَبَتْ طَاعَتُهُ عَلَى النَّاسِ فِيمَا يُبَلِّغُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ; كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي» . فَبَيَّنَ أَنَّ أَمِيرَهُ إِنَّمَا تَجِبُ طَاعَتُهُ فِي الْمَعْرُوفِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ لَا فِي كُلِّ مَا يَأْمُرُ بِهِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ «أَنَّ

стр. 621

رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ جَيْشًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْمَعُوا وَيُطِيعُوا فَأَغْضَبُوهُ فَقَالَ: اجْمَعُوا لِي حَطَبًا فَجَمَعُوا لَهُ ثُمَّ قَالَ: أَوْقِدُوا نَارًا فَأَوْقَدُوا نَارًا ثُمَّ قَالَ: أَلَمْ يَأْمُرْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ تَسْمَعُوا لِي وَتُطِيعُوا قَالُوا: بَلَى قَالَ: فَادْخُلُوهَا فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَقَالُوا إِنَّمَا فَرَرْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ مِنَ النَّارِ فَكَانُوا كَذَلِكَ حَتَّى سَكَنَ غَضَبُهُ فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَدًا وَقَالَ: لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ» وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ» .

стр. 622

وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ أُمِّ الْحُصَيْنِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «- فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ يَقُولُ وَلَوِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ أَسْوَدُ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَى لَهُ مِنْ سَامِعٍ» . وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ

стр. 623

- ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» .

стр. 624

وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «نَضَّرَّ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ إِلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهُ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» . فَالْحَوَارِيُّونَ فِي تَبْلِيغِهِمْ عَنِ الْمَسِيحِ كَسَائِرِ أَصْحَابِ الْأَنْبِيَاءِ فِي تَبْلِيغِهِمْ عَنْهُمْ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] وَأُولُوا الْأَمْرِ هُمُ الْعُلَمَاءُ وَالْأُمَرَاءُ فَإِذَا أَمَرُوا بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ وَجَبَتْ طَاعَتُهُمْ وَإِنْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي شَيْءٍ وَجَبَ رَدُّهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﷺ لَا يُرَدُّ إِلَى أَحَدٍ دُونَ الرُّسُلِ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمُ اللَّهُ ; كَمَا قَالَ: فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣] .

стр. 625

وَالْكِتَابُ اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ كِتَابًا مُعَيَّنًا ; كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧] وَلَمْ يُرِدْ بِهَذَا أَنْ يُؤْمِنَ بِكِتَابٍ مُعَيَّنٍ وَاحِدٍ بَلْ وَهَذَا يَتَضَمَّنُ الْإِيمَانَ بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَكُلَّ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ ; كَمَا قَالَ: فِي سُورَةِ الشُّورَى ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥] فَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُؤْمِنَ بِكُلِّ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأَنْ يَعْدِلَ بَيْنَ مَنْ بَلَغَتْهُمْ رِسَالَتُهُ ; كَمَا قَالَ ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] فَكُلُّ مَنْ بَلَغَهُ الْقُرْآنُ فَهُوَ مُخَاطَبٌ بِهِ يَتَنَاوَلُهُ خِطَابُ الْقُرْآنِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً» .

стр. 626

وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وَفِي الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى وَكِتَابِهِ وَرُسُلِهِ وَكِلَا الْقِرَاءَتَيْنِ مُوَافِقَةٌ لِلْأُخْرَى وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] أَيْ فَاخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ ; كَمَا قَالَ: فِي السُّورَةِ الْأُخْرَى وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا فَلَمَّا اخْتَلَفَ بَنُو آدَمَ بَعَثَ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ. وَذَلِكَ يَتَنَاوَلُ كُلَّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ لِيَحْكُمَ اللَّهُ وَيَحْكُمَ كِتَابُهُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ فَالْحَاكِمُ بَيْنَ النَّاسِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَحُكْمُهُ فِي كُتُبِهِ الْمُنَزَّلَةِ فَلِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا تَنَازَعُوا فِي شَيْءٍ أَنْ يَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ. وَالرَّدُّ إِلَى اللَّهِ هُوَ الرَّدُّ إِلَى كِتَابِهِ فَأَمَرَهُمْ بِالرَّدِّ إِلَى كِتَابِهِ وَرَسُولِهِ وَقَدْ ذَمَّ تَعَالَى مَنْ لَمْ يَتَحَاكَمْ إِلَى كِتَابِهِ وَرَسُولِهِ فَقَالَ تَعَالَى:

стр. 627

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا - وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا - فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا - أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا - وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا - فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٠ - ٦٥] فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد: ٢٥] يَتَنَاوَلُ الرُّسُلَ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى كُلَّهُمْ وَمِنْ أَحَقِّهِمْ بِذَلِكَ الرُّسُلُ الَّذِينَ أَخْبَرَ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ أَرْسَلَهُمْ إِلَى عِبَادِهِ فَظَهَرَ بُطْلَانُ قَوْلِهِمْ: أَنَّهُمُ الْحَوَارِيُّونَ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ قَالَ: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥] فَذَكَرَ أَنَّهُ أَنْزَلَ الْحَدِيدَ أَيْضًا لِيَتَبَيَّنَ مَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِالْحَدِيدِ.

стр. 628

وَالنَّصَارَى يَزْعُمُونَ أَنَّ الْحِوَارِيِّينَ وَالنَّصَارَى لَمْ يُؤْمَرُوا بِقِتَالِ أَحَدٍ بِالْحَدِيدِ. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ قَالَ: بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ [الحديد: ٢٦] وَإِخْبَارُهُ بِإِرْسَالِ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ بَعْدَ قَوْلِهِ: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ وَبَيَانِ مَا اخْتَصَّ بِهِ الْخَاصُّ مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي امْتَازَ بِهَا عَنْ غَيْرِهِ مِمَّا دَخَلَ فِي الْعَامِّ ; كَمَا يَأْمُرُ السُّلْطَانُ الْعَسْكَرَ بِالْجِهَادِ وَيَأْمُرُ فُلَانًا وَفُلَانًا بِأَنْ يَفْعَلُوا كَذَا وَكَذَا وَمِثْلُ أَنْ يُقَالَ أَرْسَلَ رُسُلَهُ إِلَى فُلَانٍ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فُلَانًا وَأَمَرَهُ بِكَذَا وَكَذَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد: ٢٦] فَنُوحٌ هُوَ أَبُو الْآدَمِيِّينَ الَّذِينَ حَدَثُوا بَعْدَ الطُّوفَانِ، فَإِنَّ اللَّهَ أَغْرَقَ وَلَدَ آدَمَ إِلَّا أَهْلَ السَّفِينَةِ وَقَالَ: فِي نُوحٍ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ.

стр. 629

وَإِبْرَاهِيمُ جَعَلَ الْأَنْبِيَاءَ بَعْدَهُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ ; كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: فِي إِبْرَاهِيمَ ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] ثُمَّ قَالَ: بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ إِرْسَالَ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَأَنَّهُ جَعَلَ فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾ [الحديد: ٢٧] فَأَخْبَرَ أَنَّهُ قَفَّى عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِهِ وَقَفَّى بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَاهُ الْإِنْجِيلَ وَهَؤُلَاءِ رُسُلٌ قَبْلَ الْمَسِيحِ وَآخِرُهُمُ الْمَسِيحُ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ أَرْسَلَ أَحَدًا مِنْ أَتْبَاعِ الْمَسِيحِ بَلْ أَخْبَرَ أَنَّهُ جَعَلَ فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ أَنَّ مُرَادَهُ بِالرُّسُلِ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ هُمُ الْحَوَارِيُّونَ دُونَ الرُّسُلِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ وَأَرْسَلَهُمْ قَبْلَ الْمَسِيحِ.

стр. 630

الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ تَنْطِقُ بِأَنَّ الْحَوَارِيِّينَ رُسُلُ اللَّهِ بَلْ وَلَا صَرَّحَ فِي الْقُرْآنِ بِأَنَّهُ أَرْسَلَهُمْ لَكِنْ قَالَ: فِي سُورَةِ يس ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ - إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ - قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ - قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ - وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ - قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ - قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ - وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ - اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ - وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ - أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ - إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ - إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ - قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ - بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ - وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ - إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ - يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: ١٣ - ٣٠] . فَهَذَا كَلَامُ اللَّهِ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُرْسَلِينَ كَانُوا مِنَ الْحَوَارِيِّينَ وَلَا أَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إِلَيْهِمْ آمَنُوا بِهِمْ وَفِيهِ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ.

стр. 631

وَقَدْ ذَكَرَ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا مِنَ الْحَوَارِيِّينَ وَأَنَّ الْقَرْيَةَ أَنْطَاكِيَةُ وَأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ اسْمُهُ حَبِيبٌ النَّجَّارُ ثُمَّ إِنَّ بَعْضَهُمْ يَقُولُ إِنَّ الْمَسِيحَ أَرْسَلَهُمْ فِي حَيَاتِهِ لَكِنَّ الْمَعْرُوفَ عِنْدَ النَّصَارَى أَنَّ أَهْلَ أَنْطَاكِيَةَ آمَنُوا بِالْحَوَارِيِّينَ وَاتَّبَعُوهُمْ لَمْ يُهْلِكِ اللَّهُ أَهْلَ أَنْطَاكِيَةَ. وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَهْلَكَ قَوْمَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي آمَنَ بِالرُّسُلِ. وَأَيْضًا فَالنَّصَارَى يَقُولُونَ: إِنَّمَا جَاءُوا إِلَى أَهْلِ أَنْطَاكِيَةَ بَعْدَ رَفْعِ الْمَسِيحِ وَأَنَّ الَّذِينَ جَاءُوا كَانُوا اثْنَيْنِ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا ثَالِثٌ قِيلَ أَحَدُهُمَا شَمْعُونُ الصَّفَا وَالْآخَرُ بُولُصُ وَيَقُولُونَ إِنَّ أَهْلَ أَنْطَاكِيَةَ آمَنُوا بِهِمْ وَلَا يَذْكُرُونَ حَبِيبَ النَّجَّارَ وَلَا مَجِيءَ رَجُلٍ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ بَلْ يَقُولُونَ إِنَّ شَمْعُونَ وَبُولُصَ دَعَوُا اللَّهَ حَتَّى أَحْيَا ابْنَ الْمَلِكِ فَالْأَمْرُ الْمَنْقُولُ عِنْدَ النَّصَارَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْقُرْآنِ لَيْسُوا مِنَ الْحَوَارِيِّينَ وَهَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ عُلَمَاءِ

стр. 632

الْمُسْلِمِينَ وَأَئِمَّةِ الْمُفَسِّرِينَ وَذَكَرُوا أَنَّ الْمَذْكُورِينَ فِي الْقُرْآنِ فِي سُورَةِ يس لَيْسُوا مِنَ الْحَوَارِيِّينَ بَلْ كَانُوا قَبْلَ الْمَسِيحِ وَسَمَّوْهُمْ بِأَسْمَاءِ غَيْرِ الْحَوَارِيِّينَ ; كَمَا ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ كَانَ مِنْ حَدِيثِ صَاحِبِ يس فِيمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ كَعْبٍ وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ أَنْطَاكِيَةَ وَكَانَ اسْمُهُ حَبِيبًا وَكَانَ يَعْمَلُ الْحَرِيرَ وَكَانَ رَجُلًا سَقِيمًا قَدْ أَسْرَعَ فِيهِ الْجُذَامُ وَكَانَ مَنْزِلُهُ عِنْدَ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَدِينَةِ،

стр. 633

يُتَاجِرُ وَكَانَ مُؤْمِنًا ذَا صَدَقَةٍ يَجْمَعُ كَسْبَهُ إِذَا أَمْسَى فِيمَا يَذْكُرُونَ فَيَقْسِمُهُ نِصْفَيْنِ فَيُطْعِمُ نِصْفَهُ عِيَالَهُ وَيَتَصَدَّقُ بِنِصْفِهِ وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ الَّتِي هُوَ بِهَا مَدِينَةِ أَنْطَاكِيَةَ فِرْعَوْنُ مِنَ الْفَرَاعِنَةِ يُقَالُ لَهُ إِنْطَخْسُ بْنُ أَنْطَنْخَسَ يَعْبُدُ الْأَصْنَامَ صَاحِبُ شِرْكٍ فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ الْمُرْسَلِينَ وَهُمْ ثَلَاثَةٌ صَادِقٌ وَصَدُوقٌ وَشَلُومُ فَقَدَّمَ اللَّهُ إِلَيْهِ وَإِلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْهُمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا ثُمَّ عَزَّزَ اللَّهُ بِالثَّالِثِ. وَرَوَى الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ - إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٣ - ١٤] لِكَيْ تَكُونَ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ أَشَدَّ فَأَتَوْا أَهْلَ الْقَرْيَةِ فَدَعَوْهُمْ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ وَعِبَادَتِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ فَكَذَّبُوهُمْ فَأَتَوْا عَلَى رَجُلٍ فِي نَاحِيَةِ الْقَرْيَةِ فِي زَرْعٍ لَهُ فَسَأَلَهُمُ الرَّجُلُ مَا أَنْتُمْ قَالُوا: نَحْنُ رُسُلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ،

стр. 634

أُرْسِلْنَا إِلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ نَدْعُوهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ قَالَ لَهُمْ: أَتَسْأَلُونَ عَلَى ذَلِكَ أَجْرًا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَأَلْقَى مَا فِي يَدِهِ ثُمَّ أَتَى أَهْلَ الْمَدِينَةِ ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس: ٢٠] وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّوَابُ وَأَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُرْسَلِينَ كَانُوا رُسُلًا لِلَّهِ قَبْلَ الْمَسِيحِ وَأَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ أُرْسِلُوا إِلَى أَنْطَاكِيَةَ وَآمَنَ بِهِمْ حَبِيبٌ النَّجَّارُ فَهُمْ كَانُوا قَبْلَ الْمَسِيحِ وَلَمْ تُؤْمِنْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِالرُّسُلِ بَلْ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى ; كَمَا أَخْبَرَ فِي الْقُرْآنِ ثُمَّ بَعْدَ هَذَا عُمِّرَتْ أَنْطَاكِيَةُ وَكَانَ أَهْلُهَا مُشْرِكِينَ حَتَّى جَاءَهُمْ مَنْ جَاءَهُمْ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ فَآمَنُوا بِالْمَسِيحِ عَلَى أَيْدِيهِمْ وَدَخَلُوا دِينَ الْمَسِيحِ. وَيُقَالُ إِنَّ أَنْطَاكِيَةَ أَوَّلُ الْمَدَائِنِ الْكِبَارِ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْمَسِيحِ ﵇ وَذَلِكَ بَعْدَ رَفْعِهِ إِلَى السَّمَاءِ.، وَلَكِنْ ظَنَّ مَنْ ظَنَّ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الْمَذْكُورِينَ فِي الْقُرْآنِ هُمْ رُسُلُ الْمَسِيحِ وَهُمْ مِنَ

стр. 635

الْحَوَارِيِّينَ وَهَذَا غَلَطٌ لِوُجُوهٍ: مِنْهَا: أَنَّ اللَّهَ قَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ أَهْلَكَ الَّذِينَ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ وَأَهْلُ أَنْطَاكِيَةَ لَمَّا جَاءَهُمْ مَنْ دَعَاهُمْ إِلَى دِينِ الْمَسِيحِ آمَنُوا وَلَمْ يُهْلَكُوا. وَمِنْهَا: أَنَّ الرُّسُلَ فِي الْقُرْآنِ ثَلَاثَةٌ وَجَاءَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ أَتْبَاعِ الْمَسِيحِ كَانُوا اثْنَيْنِ وَلَمْ يَأْتِهِمْ رَجُلٌ يَسْعَى لَا حَبِيبٌ وَلَا غَيْرُهُ. وَمِنْهَا: أَنَّ هَؤُلَاءِ جَاءُوا بَعْدَ الْمَسِيحِ فَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ أَرْسَلَهُمْ وَهَذَا ; كَمَا أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ أَهْلَكَ أَهْلَ مَدْيَنَ بِالظُّلَّةِ لَمَّا جَاءَهُمْ شُعَيْبٌ وَذَكَرَ فِي الْقُرْآنِ أَنَّ مُوسَى أَتَاهَا وَتَزَوَّجَ بِبِنْتِ وَاحِدٍ مِنْهَا فَظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ شُعَيْبٌ النَّبِيُّ ﷺ وَهَذَا غَلَطٌ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِثْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَابْنِ جُرَيْجٍ وَغَيْرِهِمْ، كُلُّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّ الَّذِي صَاهَرَهُ مُوسَى لَيْسَ هُوَ شُعَيْبًا النَّبِيَّ ﷺ وَحُكِيَ أَنَّهُ شُعَيْبٌ عَمَّنْ لَا يُعْرَفُ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ; كَمَا بَسَطْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ.
следующие страницы →