Полный текст (2 831 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
ذَلِكَ فَرَأَى سَائِرُ أَهْلِ النُّسَخِ تِلْكَ النُّسْخَةَ مُغَايِرَةً لِنُسَخِهِمْ فَأَنْكَرُوهُ، فَإِنَّ الْهِمَمَ وَالدَّوَاعِي مُتَوَفِّرَةٌ عَلَى إِنْكَارِ ذَلِكَ، كَمَا يُوجَدُ الْيَوْمَ مِثْلُ ذَلِكَ لَوْ أَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يُغَيِّرَ كِتَابًا مَشْهُورًا عِنْدَ النَّاسِ، بِهِ نُسَخٌ مُتَعَدِّدَةٌ، فَإِذَا غَيَّرَهُ فَوَصَلَتْ تِلْكَ النُّسْخَةُ إِلَى مَنْ يَعْرِفُ مَا فِي تِلْكَ النُّسَخِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ.
فَيُقَالُ: هَذَا يُمْكِنُ إِذَا كَانَتْ تِلْكَ النُّسْخَةُ الْمُغَيَّرَةُ وَصَلَتْ إِلَى طَائِفَةٍ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ مُوَاطَأَتُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ فَإِنَّهُ كَمَا يَمْتَنِعُ فِي الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ التَّوَاطُؤُ عَلَى الْكَذِبِ، فَيَمْتَنِعُ التَّوَاطُؤُ عَلَى كِتْمَانِ مَا يَتَعَذَّرُ كِتْمَانُهُ فِي الْعَادَةِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ عَلَى الْجَمَاعَةِ الْقَلِيلَةِ التَّوَاطُؤُ عَلَى تَغْيِيرِ بَعْضِ النُّسَخِ، وَالنُّسَخُ إِنَّمَا هِيَ مَوْجُودَةٌ عِنْدَ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَيْسَ عَامَّتُهُمْ يَحْفَظُ أَلْفَاظَهَا كَمَا يَحْفَظُ عَوَامُّ الْمُسْلِمِينَ أَلْفَاظَ الْقُرْآنِ فَإِذَا قَصَدَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ تَغْيِيرَ نُسْخَةٍ أَوْ نُسَخٍ عِنْدَهُمْ أَمْكَنَ ذَلِكَ، ثُمَّ إِذَا تَوَاطَأَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى عَلَى أَنْ لَا يَذْكُرُوا ذَلِكَ أَمْكَنَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ إِذَا كَانَتِ الطَّوَائِفُ مِمَّنْ لَا يُمْكِنُ تَوَاطُؤُهَا عَلَى الْكَذِبِ أَوِ الْكِتْمَانِ امْتَنَعَ ذَلِكَ فِيهِمْ.
وَقَدْ رَأَيْنَا عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ كُتُبًا يَدَّعُونَ أَنَّهَا عِنْدَهُمْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِخَطِّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فِيهَا أُمُورٌ تَتَعَلَّقُ بِأَغْرَاضِهِمْ، وَقَدِ الْتَبَسَ أَمْرُهَا عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَعَظَّمُوا مَا فِيهَا وَأَعْطَوْا أَهْلَ الْكِتَابِ مَا كُتِبَ لَهُمْ فِيهَا مُعْتَقِدِينَ أَنَّهُمْ مُمْتَثِلِينَ مَا فِيهَا
стр. 877
فَلَمَّا وَصَلَتْ إِلَى مَنْ وَصَلَتْ إِلَيْهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ بَيَّنُوا كَذِبَهَا بِطُرُقٍ مَعْلُومَةٍ بِالتَّوَاتُرِ، مِثْلَ ذِكْرِهِمْ فِيهَا: شَهِدَ بِمَا فِيهَا كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ الْحَبْرُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَعْنُونَ كَعْبَ الْأَحْبَارِ.
وَكَعْبُ الْأَحْبَارِ إِنَّمَا أَسْلَمَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لَمْ يُدْرِكِ النَّبِيَّ وَاسْمُهُ كَعْبُ بْنُ مَاتِعٍ، وَلَكِنْ فِي الْأَنْصَارِ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ الشَّاعِرُ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُ فِي سُورَةِ (بَرَاءَةٌ) ، فَظَنَّ هَؤُلَاءِ الْجُهَّالُ أَنَّ هَذَا هُوَ ذَاكَ.
وَمِثْلُ ذِكْرِهِمْ شَهَادَةَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ الَّذِي اهْتَزَّ لِمَوْتِهِ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، ذَكَرُوا شَهَادَتَهُ عَامَ خَيْبَرَ، وَقَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّهُ مَاتَ
стр. 878
عَقِبَ غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ قَبْلَ غَزْوَةِ خَيْبَرَ بِمُدَّةٍ، وَأَمْثَالَ ذَلِكَ.
وَأَمَّا حُجَّتُهُمُ الدَّاحِضَةُ فَقَوْلُهُمْ: إِنَّ جَمِيعَ كُتُبِ النُّبُوَّاتِ الَّتِي فِي الْعَالَمِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَالنُّبُوَّاتِ مَوْجُودَةٌ بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا، بِلَفْظٍ وَاحِدٍ وَقَوْلٍ وَاحِدٍ، فَهَلْ يَقُولُ عَاقِلٌ مِنَ الْعُقَلَاءِ إِنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ؟ وَإِنَّهُ عَلِمَ أَنَّ كُلَّ نُسْخَةٍ مِنَ النُّبُوَّاتِ الْأَرْبَعَةِ وَعِشْرِينَ بِأَحَدِ الْأَلْسِنَةِ الِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ مُوَافِقَةٌ لِكُلِّ نُسْخَةٍ فِي سَائِرِ الْأَلْسِنَةِ، وَلَوِ ادَّعَى مُدَّعٍ أَنَّ كُلَّ نُسْخَةٍ مِنَ التَّوْرَاةِ فِي الْعَالَمِ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ (أَوْ كُلَّ نُسْخَةٍ مِنَ الْإِنْجِيلِ فِي الْعَالَمِ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ) أَوْ كُلَّ نُسْخَةٍ فِي الْعَالَمِ مِنَ الزَّبُورِ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ مُوَافِقَةٌ لِجَمِيعِ النُّسَخِ الْعَرَبِيَّةِ الْمَوْجُودَةِ فِي زَوَايَا الْعَالَمِ لَكَانَ قَدِ ادَّعَى مَا لَا يَعْلَمُهُ وَلَا يُمْكِنُهُ عِلْمُهُ، فَمِنْ أَيْنَ لَهُ ذَلِكَ؟
وَهَلْ رَأَى كُلَّ نُسْخَةٍ عَرَبِيَّةٍ بِهَذِهِ الْكُتُبِ، أَوْ أَخْبَرَهُ مَنْ يُعْلَمُ صِدْقُهُ أَنَّ جَمِيعَ النُّسَخِ الْعَرَبِيَّةِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْعَالَمِ مُوَافِقَةٌ لِهَذِهِ النُّسْخَةِ؟
وَكَذَلِكَ إِذَا ادَّعَى ذَلِكَ فِي اللِّسَانِ الْيُونَانِيِّ، وَالسُّرْيَانِيِّ، وَالرُّومِيِّ،
стр. 879
وَالْعِبْرَانِيِّ، وَالْهِنْدِيِّ، فَإِنْ كَانَ فِي الْعَالَمِ بِكُلِّ كِتَابٍ مِنْ هَذِهِ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ لِسَانًا فَدَعْوَى اتِّفَاقِ نُسَخِ كُلِّ لِسَانٍ مِنْ جِنْسِ دَعْوَى اتِّفَاقِ النُّسَخِ الْعَرَبِيَّةِ، فَكَيْفَ إِذَا ادَّعَى اتِّفَاقَ النُّسَخِ بِجَمِيعِ الْأَلْسِنَةِ؟
وَهَبْ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ فِي نُسَخِ لِسَانٍ نَقَلَهَا أَهْلُهُ، وَالنَّاطِقُونَ بِهِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ دَعْوَاهُ فِي لِسَانٍ كَثُرَ النَّاطِقُونَ بِهِ وَانْتَشَرَ أَهْلُهُ؟
وَلَيْسَ هَذَا كَدَعْوَى اتِّفَاقِ مَصَاحِفِ الْمُسْلِمِينَ بِالْقُرْآنِ فَإِنَّ الْقُرْآنَ لَا يَتَوَقَّفُ نَقْلُهُ عَلَى الْمَصَاحِفِ، بَلِ الْقُرْآنُ مَحْفُوظٌ فِي قُلُوبِ أُلُوفٍ مُؤَلَّفَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ ، فَلَوْ عُدِمَ كُلُّ مُصْحَفٍ فِي الْعَالَمِ لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي نَقْلِ لَفْظٍ مِنْ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ، بِخِلَافِ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَإِنَّهُ قَلَّ أَنْ نَجِدَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَحَدًا يَحْفَظُ كِتَابًا مِنْ هَذِهِ الْكُتُبِ، فَقَلَّ أَنْ يُوجَدَ مِنَ الْيَهُودِ مَنْ يَحْفَظُ التَّوْرَاةَ.
وَأَمَّا النَّصَارَى فَلَا يُوجَدُ فِيهِمْ مَنْ يَحْفَظُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالزَّبُورَ وَالنُّبُوَّاتِ كُلَّهَا فَضْلًا عَنْ أَنْ يَحْفَظَهَا بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا، (وَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ فَهُوَ قَلِيلٌ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ لَا الْكَذِبُ وَلَا الْغَلَطُ) .
فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ انْتِشَارِ كُتُبِهِمْ بِالْأَلْسِنَةِ الْمُخْتَلِفَةِ هُوَ مِنْ أَقْوَى الْأُمُورِ فِي عَدَمِ الْعِلْمِ بِتَمَاثُلِ مَا فِيهَا مِنَ الْأَلْفَاظِ، وَأَنَّ الْقُرْآنَ إِذَا كَانَ مَنْقُولًا، بِلُغَةٍ وَاحِدَةٍ، وَذَلِكَ اللِّسَانُ يَحْفَظُهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يُمْكِنُ أَحَدًا أَنْ يُغَيِّرَ شَيْئًا مِنْ أَلْفَاظِهِ، وَإِنْ
стр. 880
أَمْكَنَ تَغْيِيرُ بَعْضِ أَلْفَاظِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَالْمُسْلِمُونَ لَا يَدَّعُونَ أَنَّهُ غُيِّرَ جَمِيعُ أَلْفَاظِ جَمِيعِ النُّسَخِ بَعْدَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا ظَنَّهُ بِهِمْ هَؤُلَاءِ الْجُهَّالُ، بَلْ إِنَّمَا ادَّعَوْا مَا يُسَوِّغُهُ الْعَقْلُ، بَلْ وَيَظْهَرُ دَلِيلُ صِدْقِهِ وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ الْجُهَّالَ ادَّعَوُا الْعِلْمَ، بِأَنَّ جَمِيعَ النُّسَخِ بِجَمِيعِ الْأَلْسِنَةِ بِجَمِيعِ الْكُتُبِ، بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، فَادْعَوْا مَا لَا يُمْكِنُ أَحَدًا عِلْمُهُ، وَادَّعَوْا مَا يُعْلَمُ بُطْلَانُهُ
стр. 881
[فَصْلٌ: ثُبُوتُ الِاخْتِلَافِ وَالتَّغْيِيرِ فِي نُسَخِ أَهْلِ الْكِتَابِ]
وَقَدْ ظَهَرَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ فَمَنْ هُوَ الَّذِي تَكَلَّمَ بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا، أَوْ مَنْ هُوَ الَّذِي حَكَمَ عَلَى الدُّنْيَا جَمِيعِهَا مُلُوكِهَا وَقَسَاوِسَتِهَا وَعُلَمَائِهَا حَتَّى حَكَمَ عَلَى الدُّنْيَا جَمِيعِهَا مِنْ أَرْبَعِ زَوَايَا الْعَالَمِ حَتَّى غَيَّرَهَا، وَإِنْ كَانَ مِمَّا أَمْكَنَهُ جَمْعُهَا كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا.
فَهَذَا مَا لَا يُمْكِنُ، إِذْ جَمِيعُهَا قَوْلٌ وَاحِدٌ وَنَصٌّ وَاحِدٌ وَاعْتِقَادٌ وَاحِدٌ.
وَقَدْ ظَهَرَ الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّا لَمْ نَدَّعِ تَغْيِيرَهَا بَعْدَ أَنْ صَارَتْ بِهَذِهِ الْأَلْسُنِ، وَانْتَشَرَتْ بِهَا النُّسَخُ، بَلْ لَا نَدَّعِي التَّغْيِيرَ بَعْدَ انْتِشَارِ النُّسَخِ فِيمَا لَيْسَ مِنْ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ مِثْلِ كُتُبِ النَّحْوِ وَالطِّبِّ وَالْحِسَابِ وَالْأَحَادِيثِ وَالسُّنَنِ الْمَنْقُولَةِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ مِمَّا نُقِلَ فِي الْأَصْلِ نَقْلَ آحَادٍ، ثُمَّ صَارَتِ النُّسَخُ بِهِ كَثِيرَةً مُنْتَشِرَةً، فَإِنَّ أَحَدًا لَا يَدَّعِي أَنَّهُ بَعْدَ انْتِشَارِ النُّسَخِ بِكُتَّابٍ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا حَكَمَ إِنْسَانٌ عَلَى جَمِيعِ الْمَعْمُورَةِ، وَجَمَعَ النُّسَخَ
стр. 882
الَّتِي بِهَا وَغَيَّرَهَا.
وَلَا ادَّعَى أَحَدٌ مِثْلَ ذَلِكَ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَإِنَّمَا ادَّعَى ذَلِكَ فِيهَا، لَمَّا كَانَتِ النُّسَخُ قَلِيلَةً: إِمَّا نُسْخَةً، وَإِمَّا اثْنَتَيْنِ، وَإِمَّا أَرْبَعَةً وَنَحْوَ ذَلِكَ.
أَوِ ادَّعَى تَغْيِيرَ بَعْضِ أَلْفَاظِ النُّسَخِ، فَإِنَّ بَعْضَ النُّسَخِ يُمْكِنُ تَغْيِيرُهَا.
وَنُسَخُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ مَوْجُودَةٌ الْيَوْمَ وَفِي بَعْضِهَا اخْتِلَافٌ، لَكِنَّهُ اخْتِلَافٌ قَلِيلٌ وَالْغَالِبُ عَلَيْهَا الِاتِّفَاقُ.
وَذَلِكَ يَظْهَرُ بِالْوَجْهِ الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُمْ: إِنَّ جَمِيعَهَا قَوْلٌ وَاحِدٌ، وَنَصٌّ وَاحِدٌ، وَاعْتِقَادٌ وَاحِدٌ، لَيْسَ كَمَا قَالُوهُ، بَلْ نُسَخُ التَّوْرَاةِ مُخْتَلِفَةٌ فِي مَوَاضِعَ.
وَبَيْنَ تَوْرَاةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالسَّامِرَةِ اخْتِلَافٌ، وَبَيْنَ نُسَخِ الزَّبُورِ اخْتِلَافٌ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ بَيْنَ الْأَنَاجِيلِ فَكَيْفَ بِنُسَخِ النُّبُوَّاتِ؟
وَقَدْ رَأَيْتُ أَنَا مِنْ نُسَخِ الزَّبُورِ مَا فِيهِ تَصْرِيحٌ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِاسْمِهِ وَرَأَيْتُ نُسْخَةً أُخْرَى بِالزَّبُورِ فَلَمْ أَرَ
стр. 883
ذَلِكَ فِيهَا وَحِينَئِذٍ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ صِفَاتِ النَّبِيِّ ﷺ مَا لَيْسَ فِي أُخْرَى.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ التَّبْدِيلَ فِي التَّفْسِيرِ أَمْرٌ لَا رَيْبَ فِيهِ، وَبِهِ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ فِي هَذَا الْمَقَامِ فَإِنَّا نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ ذِكْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ مَكْتُوبٌ فِيمَا كَانَ مَوْجُودًا فِي زَمَنِهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -:
﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .
وَلَا رَيْبَ أَنَّ نُسَخَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ عَلَى عَهْدِهِ كَانَتْ كَثِيرَةً مُنْتَشِرَةً فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا فَلَابُدَّ مِنْ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ.
إِمَّا أَنْ يَكُونَ غُيِّرَ اللَّفْظُ مِنْ بَعْضِ النُّسَخِ وَانْتَشَرَتِ النُّسَخُ الْمُغَيَّرَةُ.
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذِكْرُهُ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ كَمَا اسْتَخْرَجَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِمَّنْ كَانَ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَمِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَحْبَارِهِمُ، اسْتَخْرَجُوا ذِكْرَهُ وَالْبِشَارَةَ بِهِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَنُبُوَّاتِ الْأَنْبِيَاءِ، كَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَمَنْ قَالَ إِنَّ ذِكْرَهُ مَوْجُودٌ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ هَذَا وَأَصْرَحُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ لَا يُمْكِنُ هَؤُلَاءِ دَفْعُهُ بِأَنْ يَقُولُوا: قَدِ اطَّلَعْنَا عَلَى كُلِّ نُسْخَةٍ فِي
стр. 884
الْعَالَمِ بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، فَوَجَدْنَاهَا عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَقُولُهُ إِلَّا كَذَّابٌ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ بَشَرًا أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى كُلِّ نُسْخَةٍ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، كَمَا لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُغَيِّرَ كُلَّ نُسْخَةٍ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، فَلَوْ لَمْ يَعْلَمِ اخْتِلَافَ النُّسَخِ لَمْ يُمْكِنْهُ الْجَزْمُ بِاتِّفَاقِهَا فِي اللَّفْظِ، فَكَيْفَ وَقَدْ ذَكَرَ النَّاسُ الْمُطَّلِعُونَ عَلَيْهَا مِنِ اخْتِلَافِ لَفْظِهَا؟ مَا تَبَيَّنَ بِهِ كَذِبُ مَنِ ادَّعَى اتِّفَاقَ لَفْظِهَا (وَكَيْفَ يُمْكِنُ اتِّفَاقُ لَفْظِهَا وَهِيَ، بِلُغَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ)
стр. 885
[فَصْلٌ: رَدُّ دَعْوَى النَّصَارَى فِي أَنَّ الْقُرْآنَ أَقَرَّهُمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ]
قَالُوا: ثُمَّ وَجَدْنَا فِي هَذَا الْكِتَابِ، مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا بُرْهَانًا، مِثْلَ قَوْلِهِ فِي سُورَةِ الشُّورَى:
﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى: ١٥] .
وَأَمَّا لِغَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَيَقُولُ:
﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] (١) ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] (٢) ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] . . . السُّورَةَ كُلَّهَا. وَالْجَوَابُ:
أَمَّا قَوْلُهُ:
﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥] .
فَهَذِهِ الْآيَةُ مَذْكُورَةٌ بَعْدَ قَوْلِهِ - تَعَالَى -:
стр. 886
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣] (١٣) ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى: ١٤] (١٤) ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ [الشورى: ١٥] .
فَقَدْ أَخْبَرَنَا أَنَّهُ شَرَعَ لَنَا مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ، وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَمَا قَالَ - تَعَالَى - فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى:
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠] (٣٠) ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٣١] (٣١) ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] (٥١) ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢] (٥٢) ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣] .
стр. 887
ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ تَفَرُّقِ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كَتَفَرُّقِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَتَفَرُّقِ فِرَقِ الْيَهُودِ، وَفِرَقِ النَّصَارَى كَالنَّسْطُورِيَّةِ وَالْيَعْقُوبِيَّةِ وَالْمَلَكِيَّةِ.
ثُمَّ قَالَ:
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الشورى: ١٤]- أُولَئِكَ الْمُفْتَرِقِينَ - ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى: ١٤] .
وَهَكَذَا تُوجَدُ عَامَّةُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي شَكٍّ مِنْ ذَلِكَ مُرِيبٍ.
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [فصلت: ٤٥] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء: ١٥٧] (١٥٧) ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٨] .
стр. 888
ثُمَّ قَالَ - تَعَالَى -:
﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [الشورى: ١٥] .
إِلَى الدِّينِ الَّذِي شَرَعَهُ لَنَا:
﴿وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [الشورى: ١٥] .
وَهَذَا يَتَنَاوَلُ أَهْوَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ، كَمَا يَتَنَاوَلُ أَهْوَاءَ الْمُشْرِكِينَ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -:
﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥] .
كَمَا صَرَّحَ بِنَهْيِهِ عَنِ اتِّبَاعِ أَهْوَاءِ الْمُشْرِكِينَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -:
стр. 889
﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٠] .
وَقَوْلِهِ - تَعَالَى -:
﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ [الشورى: ١٥] .
حَقٍّ، فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَهُ وَجَمِيعَ الْخَلْقِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِجَمِيعِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -:
﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥] .
فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَهُ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَ جَمِيعِ الْخَلْقِ وَقَوْلُهُ:
﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الشورى: ١٥] .
هَذِهِ بَرَاءَةٌ مِنْهُ لِمَنْ يُخَاطِبُ بِذَلِكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -:
﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] .
стр. 890
وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى -:
﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ [البقرة: ١٣٩] .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ:
﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] (١) ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] (٢) ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] (٣) ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] (٤) ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٥] (٥) ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] .
فَإِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ كَقَوْلِهِ:
﴿لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] .
وَهِيَ كَلِمَةٌ تُوجِبُ بَرَاءَتَهُ مِنْ عَمَلِهِمْ وَبَرَاءَتَهُمْ مِنْ عَمَلِهِ فَإِنَّ حَرْفَ اللَّامِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ يَدُلُّ عَلَى الِاخْتِصَاصِ، فَقَوْلُهُ:
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] .
يَدُلُّ عَلَى أَنَّكُمْ مُخْتَصُّونَ بِدِينِكُمْ لَا أُشْرِكُكُمْ فِيهِ، وَأَنَا مُخْتَصٌّ بِدِينِي لَا تُشْرِكُونِي فِيهِ، كَمَا قَالَ:
﴿لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] .
стр. 891
وَلِهَذَا «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] هِيَ بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ» ، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ رَضِيَ بِدِينِ الْمُشْرِكِينَ وَلَا أَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا يَظُنُّهُ بَعْضُ الْمُلْحِدِينَ، وَلَا أَنَّهُ نَهَى عَنْ جِهَادِهِمْ كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُ الْغَالِطِينَ، وَجَعَلُوهَا مَنْسُوخَةً، بَلْ فِيهَا بَرَاءَتُهُ مِنْ دِينِهِمْ وَبَرَاءَتُهُمْ مِنْ دِينِهِ، وَأَنَّهُ لَا تَضُرُّهُ أَعْمَالُهُمْ وَلَا يُجْزَوْنَ بِعَمَلِهِ وَلَا يَنْفَعُهُمْ.
وَهَذَا أَمْرٌ مُحْكَمٌ لَا يَقْبَلُ النَّسْخَ وَلَمْ يَرْضَ الرَّسُولُ بِدِينِ الْمُشْرِكِينَ، وَلَا أَهْلِ الْكِتَابِ طَرْفَةَ عَيْنٍ قَطُّ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ رَضِيَ بِدِينِ الْكُفَّارِ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -:
﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] (١) ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] (٢) ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] (٣) ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] (٤) ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٥] (٥) ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] .
(فَظَنَّ هَذَا الْمُلْحِدُ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] مَعْنَاهُ
стр. 892
أَنَّهُ رَضِيَ بِدِينِ الْكُفَّارِ، ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ، فَيَكُونُ قَدْ رَضِيَ بِدِينِ الْكُفَّارِ) ، وَهَذَا مِنْ أَبْيَنِ الْكَذِبِ وَالِافْتِرَاءِ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَرْضَ قَطُّ إِلَّا بِدِينِ اللَّهِ الَّذِي أَرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ، وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ، مَا رَضِيَ قَطُّ بِدِينِ الْكُفَّارِ لَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَلَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] لَا يَدُلُّ عَلَى رِضَاهُ بِدِينِهِمْ، بَلْ وَلَا عَلَى إِقْرَارِهِمْ عَلَيْهِ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى بَرَاءَتِهِ مِنْ دِينِهِمْ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (إِنَّ هَذِهِ السُّورَةَ بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ) .
وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ - تَعَالَى -:
﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -:
﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الشورى: ١٥] .
وَقَدْ يَظُنُّ بَعْضُ النَّاسِ أَيْضًا أَنَّ قَوْلَهُ ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] الْآيَةَ، أَنِّي لَا آمُرُ بِالْقِتَالِ وَلَا أَنْهَى عَنْهُ وَلَا أَتَعَرَّضُ لَهُ بِنَفْيٍ
стр. 893
وَلَا إِثْبَاتٍ وَإِنَّمَا فِيهَا أَنَّ دِينَكُمْ لَكُمْ أَنْتُمْ مُخْتَصُّونَ بِهِ وَأَنَا بَرِيءٌ مِنْهُ وَدِينِي لِي وَأَنَا مُخْتَصٌّ بِهِ وَأَنْتُمْ بُرَآءُ مِنْهُ.
وَهَذَا أَمْرٌ مُحْكَمٌ لَا يُمْكِنُ نَسْخُهُ بِحَالٍ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: عَنِ الْخَلِيلِ.
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦] (٢٦) ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٧] .
وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] .
وَهُوَ مَا طَارَ عَنْهُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]
стр. 894
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] ، بَلْ قَالَ - تَعَالَى - لِنَبِيِّهِ:
﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] (٢١٥) ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] .
فَإِذَا كَانَ قَدْ بَرَّأَهُ اللَّهُ مِنْ مَعْصِيَةِ مَنْ عَصَاهُ مِنْ أَتْبَاعِهِ الْمُؤْمِنِينَ فَكَيْفَ لَا يُبَرِّئُهُ مِنْ كُفْرِ الْكَافِرِينَ الَّذِينَ هُمْ أَشَدُّ لَهُ مَعْصِيَةً وَمُخَالَفَةً؟ !
стр. 895
[فَصْلٌ: إِلْزَامُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِدِينِ الْإِسْلَامِ]
وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -:
﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] (١) ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] (٢) ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] (٣) ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] (٤) ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٥] (٥) ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] فَهُوَ أَمْرٌ بِالْقَوْلِ لِجَمِيعِ الْكَافِرِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ كَافِرُونَ قَدْ شَهِدَ عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ وَأَمَرَ بِجِهَادِهِمْ وَكَفَّرَ مَنْ لَمْ يَجْعَلْهُمْ كَافِرِينَ وَيُوجِبْ جِهَادَهُمْ قَالَ - تَعَالَى -:
﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ١] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
стр. 896
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] .
وَحَرْفُ (مِنْ) فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لِبَيَانِ الْجِنْسِ، فَتُبَيِّنُ جِنْسَ الْمُتَقَدِّمِ، وَإِنْ كَانَ مَا قَبْلَهَا يَدْخُلُ فِي جَمِيعِ الْجِنْسِ الَّذِي بَعْدَهَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ لِلتَّبْعِيضِ كَقَوْلِهِ:
﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة: ١] .
فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ جَمِيعُ الْمُشْرِكِينَ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ.
وَكَذَلِكَ دَخَلَ فِي الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ جَمِيعُ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ بَلَغَتْهُمْ دَعْوَتُهُ، وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ:
стр. 897
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [النور: ٥٥] .
وَإِنْ كَانَ جَمِيعُهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ الْجِنْسُ يَتَنَاوَلُ الْمَذْكُورِينَ وَغَيْرَهُمْ، وَلَكِنْ لَمْ يَبْقَ فِي الْجِنْسِ إِلَّا الْمَذْكُورُونَ، كَمَا يَقُولُ: هُنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَقِيَ مِنْهُمْ غَيْرُهُ.
وَوَصَفَهُمْ بِالشِّرْكِ، وَبِأَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى -:
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] .
فَأَخْبَرَ أَنَّهُمُ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرْبَابًا وَاتَّخَذُوا الْمَسِيحَ رَبًّا وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا وَهَؤُلَاءِ بِاتِّخَاذِهِمْ غَيْرَهُ أَرْبَابًا عَبَدُوهُمْ فَأَشْرَكُوا بِاللَّهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ -.
وَقَالَ - تَعَالَى -:
стр. 898
﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] (٧٩) ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٠] .
فَقَدْ أَخْبَرَ أَيْضًا أَنَّهُ مَنِ اتَّخَذَ الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا فَإِنَّهُ كَافِرٌ.
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣] (٧٣) ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤] (٧٤) ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: ٧٥] (٧٥) ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧٦]
(فَقَدَ وَبَّخَ أَهْلَ التَّثْلِيثِ عَلَى أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) فَدَخَلُوا فِي قَوْلِهِ:
стр. 899
﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] (١) ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] (٢) ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] .
كَمَا دَخَلَ فِي ذَلِكَ غَيْرُهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ دَخَلَ فِي ذَلِكَ الْيَهُودُ، وَهُمْ أَوْلَى بِالدُّخُولِ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: (مَا تَعْبُدُونَ) يَتَنَاوَلُ صِفَاتِ الْمَعْبُودِ، وَالْإِلَهُ الَّذِي يَعْبُدُهُ الْمُؤْمِنُونَ هُوَ الْإِلَهُ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالْقُرْآنَ، وَأَرْسَلَ مُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدًا - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ -.
وَالْإِلَهُ الْمُتَّصِفُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ لَا يَعْبُدُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَهَذَا كَقَوْلِهِ:
﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣] .
فَهَذَا الْإِلَهُ الَّذِي يَعْبُدُهُ مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، وَلَيْسَ هُوَ إِلَهَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِي يَعْبُدُونَهُ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُسْتَحِقَّ لِأَنْ يَعْبُدُوهُ فَإِنَّهُمْ يُشْرِكُونَ بِعِبَادَتِهِ وَيَصِفُونَهُ بِمَا هُوَ بَرِيءٌ مِنْهُ فَلَا يُخْلِصُونَ لَهُ الدِّينَ، فَيَعْبُدُوا مَعَهُ آلِهَةً أُخْرَى إِنْ لَمْ يَسْتَكْبِرُوا عَنْ عِبَادَتِهِ، وَإِلَهُ الْعَبْدِ الَّذِي يَعْبُدُهُ بِالْفِعْلِ لَيْسَ حَالُهُ مَعَهُ كَحَالِهِ مَعَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يَعْبُدَهُ، وَهُوَ لَا يَعْبُدُهُ، بَلْ يُشْرِكُ بِهِ أَوْ يَسْتَكْبِرُ عَنْ عِبَادَتِهِ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] .
وَالشِّرْكُ غَالِبٌ عَلَى النَّصَارَى، وَالْكِبْرُ غَالِبٌ عَلَى الْيَهُودِ.
стр. 900
[فَصْلٌ: وُجُوبُ مُحَاجَّةِ الظَّالِمِينَ مِنْ مُشْرِكِينَ وَأَهْلِ كِتَابِ]
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥] .
الْآيَةَ، فَهَذَا لَيْسَ خِطَابًا لِلنَّصَارَى خُصُوصًا، بَلْ هُوَ خِطَابٌ لِلْجَمِيعِ، وَهَؤُلَاءِ النَّصَارَى ظَنُّوا أَنَّ مَعْنَى هَذَا لَا تُحَاجُّوا أَهْلَ الْكِتَابِ، كَمَا ظَنُّوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] .
أَنَّ مَعْنَاهُ: لَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ - أَيِ النَّصَارَى - إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا، أَيِ الْيَهُودَ اهـ.
وَهَذَا تَحْرِيفُ كَلِمِ اللَّهِ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَهُوَ شَبِيهٌ بِتَحْرِيفِهِمْ لِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ، وَسَائِرِ النُّبُوَّاتِ، فَإِنَّهُمْ أَعْظَمُ تَسَلُّطًا عَلَى تَحْرِيفِ مَعَانِيهَا مِنْهُمْ عَلَى تَحْرِيفِ مَعَانِي
стр. 901
الْقُرْآنِ، إِذْ كَانَ الْقُرْآنُ لَهُ أُمَّةٌ تَحْفَظُهُ، وَتَعْرِفُ مَعَانِيَهُ، وَتَذُبُّ عَنْهُ مَنْ يُحَرِّفُ لَفْظَهُ أَوْ مَعْنَاهُ.
وَأَمَّا تِلْكَ الْكُتُبُ فَلَيْسَ لَهَا مَنْ يَذُبُّ عَنْ لَفْظِهَا وَمَعْنَاهَا، فَلِهَذَا عَظُمَ تَحْرِيفُهُمْ لَهَا، وَكَانَ أَعْظَمَ مِنْ تَحْرِيفِهِمْ لِلْقُرْآنِ.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ هَذَا الْخِطَابَ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالنَّصَارَى أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، وَالسُّوَرُ الْمَكِّيَّةُ كَانَتْ تَتَنَاوَلُ مَنْ لَا يَقْرَأُ الْكِتَابَ، لَا تَخْتَصُّ بِأَهْلِ الْكِتَابِ، بَلْ كَانَتْ تَعُمُّ الْأُمَمَ أَوْ تَخْتَصُّ بِالْمُشْرِكِينَ.
وَالسُّوَرُ الْمَدَنِيَّةُ خِطَابُهَا تَارَةً لِأَهْلِ الْكِتَابِ، وَتَارَةً تَخْتَصُّ بِالْمُؤْمِنِينَ وَتَارَةً تَعُمُّ، وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -:
﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى: ١٤] .
стр. 902
فَالْخِطَابُ إِمَّا أَنْ يَعُمَّ الْمُشْرِكِينَ، وَأَهْلَ الْكِتَابِ، أَوْ يَخُصُّ الْمُشْرِكِينَ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَبِكُلِّ تَقْدِيرٍ فَلَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِ النَّصَارَى بِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -:
﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥] .
فَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ [البقرة: ١٣٩] .
وَقَوْلِهِ:
﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ [آل عمران: ٢٠] .
فَالْحُجَّةُ اسْمٌ لِمَا يُحْتَجُّ بِهِ مِنْ حَقٍّ وَبَاطِلٍ كَقَوْلِهِ.
﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] .
فَإِنَّ الظَّالِمِينَ يَحْتَجُّونَ عَلَيْكُمْ بِحُجَّةٍ بَاطِلَةٍ كَقَوْلِ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا حُوِّلَتِ الْقِبْلَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ قَدْ عَادَ إِلَى قِبْلَتِكُمْ فَسَوْفَ يَعُودُ إِلَى مِلَّتِكُمْ،
стр. 903
فَهَذِهِ حُجَّةٌ دَاحِضَةٌ مِنَ الظَّالِمِينَ.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ بَعْدُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ:
﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ١٦] .
فَسَمَّاهَا حُجَّةً وَجَعَلَهَا دَاحِضَةً، وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ هُمُ الْكُفَّارُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ.
فَهُمْ يُحَاجُّونَ الْمُؤْمِنِينَ لِيَرُدُّوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَقَالَ عَنِ النَّصَارَى:
﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١] .
فَكَانَ الْكُفَّارُ يُحَاجُّونَ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى يَرُدُّوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، كَمَا يُؤْذُونَهُمْ، فَهَؤُلَاءِ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ، وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ.
وَمُحَاجَّتُهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ بَابِ الظُّلْمِ لَهُمْ وَالْعُدْوَانِ عَلَيْهِمْ وَقَوْلِ الْبَاطِلِ، فَأَمَرَهُ - تَعَالَى - أَنْ يَقُولَ: ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥] .
أَيْ لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَظْلِمُونَا، وَتَعْتَدُوا عَلَيْنَا بِحُجَّتِكُمُ الدَّاحِضَةِ،
стр. 904
وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّا نَحْنُ لَا نُحَاجُّكُمْ، وَنَدْعُوكُمْ إِلَى الْحَقِّ بِالْحُجَجِ الصَّحِيحَةِ.
فَإِنَّهُ - تَعَالَى - قَالَ:
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] .
فَأَمَرَهُ - تَعَالَى - أَنْ يُجَادِلَ أَهْلَ دَعْوَتِهِ مُطْلَقًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَأَهْلِ الْكِتَابِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.
وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] .
فَإِنَّ الظَّالِمَ بَاغٍ مُسْتَحِقٌّ لِلْعُقُوبَةِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَابَلَ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الْعُقُوبَةِ، لَا يَجِبُ الِاقْتِصَارُ مَعَهُ عَلَى الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَظْلِمْ، فَإِنَّهُ لَا يُجَادَلُ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.
وَأَهْلُ الْكِتَابِ اسْمٌ يَتَنَاوَلُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، كَمَا فِي نَظَائِرِهِ فِي الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -:
﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] الْآيَةَ. وَقَوْلِهِ:
стр. 905
﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ [البينة: ١] .
وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.
وَالظَّالِمُ يَكُونُ ظَالِمًا بِتَرْكِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ مِنَ الْحَقِّ وَاتِّبَاعِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ بَاطِلٌ، وَالْكَلَامِ بِلَا عِلْمٍ فَإِذَا ظَهَرَ لَهُ الْحَقُّ فَعَنَدَ عَنْهُ كَانَ ظَالِمًا.
وَذَلِكَ مِثْلُ الْأَلَدِّ فِي الْخِصَامِ قَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤] .
وَقَالَ:
﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ [الأنفال: ٦] .
وَقَالَ:
﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [آل عمران: ٦٦] .
стр. 906
[فَصْلٌ: الْإِسْلَامُ هُوَ دِينُ الْأَنْبِيَاءِ جَمِيعًا]
وَقَوْلُهُمْ: إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ: كُونُوا لَهُ مُسْلِمِينَ، وَلَكِنْ وَنَحْنُ، أَيْ عَنْهُ وَعَنِ الْعَرَبِ التَّابِعِينَ لَهُ، وَلِمَا أَتَى بِهِ وَجَاءَ فِي كِتَابِهِ.
فَيُقَالُ لَهُمْ: هَذَا وَنَظَائِرُهُ كَلَامُ مَنْ لَمْ يَفْهَمِ الْقُرْآنَ، بَلْ وَلَا يَفْهَمُ كَلَامَ سَائِرِ النَّاسِ، فَإِنَّهُ إِذَا عُرِفَ مِنْ صَاحِبِ كِتَابٍ يَقُولُ إِنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ، أَوْ يَقُولُ إِنَّهُ صَنَّفَهُ هُوَ أَنَّهُ يَدْعُو قَوْمًا بِالْأَقْوَالِ الصَّرِيحَةِ الْكَثِيرَةِ، وَالْأَعْمَالِ الْبَيِّنَةِ الظَّاهِرَةِ، كَانَ سُكُوتُهُ عَنْ دُعَائِهِمْ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ لَا يُنَافِي دُعَاءَهُمْ لَهُ.
لَكِنْ إِنْ كَانَ حَكِيمًا فِي كَلَامِهِ كَانَ لِلسُّكُوتِ عَنْ دُعَائِهِمْ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ حِكْمَةٌ تُنَاسِبُ ذَلِكَ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -:
﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ [البقرة: ١٣٩] .
стр. 907
أَفَتَرَاهُ لَمَّا أَمَرَ أُمَّتَهُ أَنْ يَقُولُوا ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ [البقرة: ١٣٩] لَمْ يَكُنْ أَهْلُ الْكِتَابِ مَأْمُورِينَ بِالْإِخْلَاصِ لِلَّهِ، وَقَدْ ذَكَرَ أَمْرَ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالْإِخْلَاصِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤] (٤) ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] .
وَكَذَلِكَ دَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَتَوَعَّدَهُمْ عَلَى التَّوَلِّي عَنْهُ فِي مِثْلِ:
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] (١٨) ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩] (١٩) ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٢٠] ، وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] (١٣٠) ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] (١٣١) ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] (١٣٢) ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣] .
стр. 908
فَقَدْ بَيَّنَ - سُبْحَانَهُ - أَنَّهُ لَا يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ أَيْ سَفِهَ نَفْسًا، أَيْ كَانَتْ نَفْسُهُ سَفِيهَةً جَاهِلَةً، هَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ مِنَ النُّحَاةِ، يُجَوِّزُونَ أَنْ يَكُونَ الْمَنْصُوبُ عَلَى التَّمْيِيزِ مَعْرِفَةً، كَمَا يَكُونُ نَكِرَةً، ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْهُ أَنَّهُ:
﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] .
وَذَكَرَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ وَصَّى بِهَا بَنِيهِ، وَيَعْقُوبُ وَصَّى بِهَا بَنِيهِ أَيْضًا، كِلَاهُمَا قَالَ لِبَنِيهِ:
﴿يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] .
ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ يَعْقُوبَ عِنْدَ مَوْتِهِ:
﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣] .
فَهَؤُلَاءِ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ وَيَعْقُوبُ كُلُّهُمْ عَلَى
стр. 909
الْإِسْلَامِ وَهُمْ يَأْمُرُونَ بِالْإِسْلَامِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ:
﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥] .
ثُمَّ قَالَ: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] .
ثُمَّ قَالَ:
﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧] .
فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ إِنْ تَوَلَّوْا عَنِ الْإِيمَانِ بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ الْمُتَضَمِّنِ قَوْلَكُمْ: وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ، أَيْ: مُشَاقُّونَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -:
﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] .
стр. 910
إِلَى قَوْلِهِ:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٤] .
وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣] فِي الْعَنْكَبُوتِ فَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣] فِي الْبَقَرَةِ مَعَ دُعَائِهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَكَذَلِكَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ فِي قَوْلِهِ:
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] .
فَقَدْ دَعَاهُمْ أَوَّلًا إِلَى الْإِسْلَامِ، وَهُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنْ لَا يَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى -:
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] .
ثُمَّ قَالَ - تَعَالَى -:
стр. 911
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] .
وَهَذِهِ الْآيَةُ هِيَ الَّتِي كَتَبَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ إِلَى قَيْصَرَ مَلِكِ الرُّومِ لَمَّا دَعَاهُ إِلَى الْإِسْلَامِ.
وَقَالَ فِي كِتَابِهِ.
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدَعَايَةِ الْإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، أَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، وَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ إِثْمُ الْأَرِيسِيِّينَ وَ:
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] » .
стр. 912
فَدَعَاهُ النَّبِيُّ إِلَى الْإِسْلَامِ، فِي كِتَابِهِ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَيْهِ وَقَالَ أَيْضًا فِي آلِ عِمْرَانَ:
﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] (٧٩) ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٠] .
فَذَكَرَ التَّوْحِيدَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَكَفَّرَ مَنِ اتَّخَذَ الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا، فَكَيْفَ بِمَنِ اتَّخَذَ الْأَحْبَارَ وَالرُّهْبَانَ أَرْبَابًا ثُمَّ ذَكَرَ الْإِيمَانَ بِخَاتَمِ الرُّسُلِ، فَقَالَ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] (٨١) ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ٨٢] (٨٢) ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] (٨٣) ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٤] (٨٤) ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] .
стр. 913
فَقَدْ ذَكَرَ أَنَّهُ أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَى النَّبِيِّينَ وَأُمَمِهِمْ: مَهْمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ، ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ.
وَهَذَا يَتَنَاوَلُ الْأَمْرَ لِكُلِّ أَهْلِ الْكِتَابِ إِذَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ ثَانٍ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ وَيَنْصُرُونَهُ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ مَا كَانَ، وَلَا يَقُولُونَ: نَحْنُ مُسْتَغْنُونَ بِمَا عِنْدَنَا مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ، لَا نُؤْمِنُ بِالرَّسُولِ الَّذِي جَاءَنَا.
وَنَخُصُّ الْإِيمَانَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، فَإِنَّهُ خَاتَمُ الرُّسُلِ، وَهُوَ آخِرُ رَسُولٍ جَاءَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ، فَوَجَبَ عَلَى مَنْ جَاءَهُ أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ وَيَنْصُرَهُ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ مَا كَانَ.
وَهَذَا الْمِيثَاقُ أَخَذَهُ اللَّهُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَأَخَذُوهُ عَلَى أُمَمِهِمْ، ثُمَّ قَالَ: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] .
وَهَذَا هُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي أَرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ، فَمَنِ ابْتَغَى غَيْرَهُ فَقَدِ ابْتَغَى غَيْرَ دِينِ اللَّهِ، وَهُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ، (الَّذِي قَالَ) فِيهِ:
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] .
стр. 914
[فَصْلٌ: أَمْرُ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِ الْحَقِّ لِتَقُومَ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَى الْمُخَالِفِ]
وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -:
﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦] .
فَهُوَ أَمَرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولُوا الْحَقَّ الَّذِي أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَعَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ لِيُرْضُوا بِهِ اللَّهَ، وَتَقُومَ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَى الْمُخَالِفِينَ، فَإِنَّ هَذَا مِنَ الْجِدَالِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَهُوَ أَنْ تَقُولَ كَلَامًا حَقًّا يَلْزَمُكَ، وَيَلْزَمُ الْمُنَازِعَ لَكَ أَنْ يَقُولَهُ، فَإِنْ وَافَقَكَ وَإِلَّا ظَهَرَ عِنَادُهُ وَظُلْمُهُ.
كَمَا قَالَ - تَعَالَى - فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى:
﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ [البقرة: ١٣٩] .
فَإِنَّا مُشْتَرِكُونَ فِي أَنَّهُ رَبُّنَا كُلِّنَا وَأَنَّ عَمَلَ كُلِّ عَامِلٍ لَهُ لَا لِغَيْرِهِ،
стр. 915
وَامْتَزْنَا نَحْنُ بِأَنَّا مُخْلِصُونَ لَهُ، وَأَنْتُمْ لَسْتُمْ مُخْلِصِينَ لَهُ، فَأَوْجَبَ هَذَا أَنَّ الْحَقَّ مَعَنَا دُونَكُمْ، وَأَنَّ أَعْمَالَنَا صَالِحَةٌ مَقْبُولَةٌ، وَأَعْمَالَكُمْ مَرْدُودَةٌ.
وَيُشْبِهُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -:
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] .
فَأَمْرُهُ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ يَتَضَمَّنُ إِقَامَةَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ كَمَا كَانَ الْمَسِيحُ ﵇ يَقُولُ.
следующие страницы →