Полный текст (3 950 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الاصطلاح فاسد، قال: لأنه غير مانع, إذ قد يدخل تحته ما ليس بكلامك كـ"بعلبك" فإنه لفظ مركب مفيد لمسماه، وإفادته له بالقصد، وهو مع ذلك ليس بكلام. وإصلاح الحد عنده بأن يزاد فيه "الذي يدل جزء من أجزائه على جزء من أجزاء معناه" ليخلص بذلك من "بعلبك" وأمثاله؛ ألا ترى أن قولك "قام زيد" معناه الإخبار بقيام ماضٍ عن شخص معين اسمه زيد، و"قام" الذي هو جزء منه يدل على جزء من ذلك المعنى، وهو القيام الماضي، والجزء الآخر، الذي هو "زيد" يدل على ذلك الشخص المعين الذي اخبر عنه بالقيام الماضي، وليس كذلك " بعلبك"، فإن بعلا على انفراده وبكا على انفراده لا يدل واحد منهما على جزء من معنى بعلبك.
قال ابن عصفور: "وهذه الزيادة التي زادها في الحد غير محتاج إليها لأن "بعلبك" وأمثاله غير داخلةً تحته لأنها ليست مفيدةً كما توهم؛ لأن الإفادة لا يعنى بها دلالة اللفظ على معناه، إذ لو عنى بها ذلك لكان "الاثنان أكثر من الواحد" مفيدًا لأن هذه الألفاظ لها معان تدل عليها، وإنما المفيد الذي يحصل منه للمخاطب علم ما لم يكن يعلمه قبل، وذلك لا يصور في "بعلبك" وأمثاله؛ ألا ترى أن المخاطب إذ كان يجهل ما يقع عليه "بعلبك"، لم يعلم إذا سعه منك ما تريد به، وإن كان قد علم ما يقع عليه قبل سماعه منك بقي على علمه، ولم يستجد أمرًا زائدًا، انتهى رد ابن عصفور على ابن طلحة.
قال المصنف في شرح هذا الكتاب: "وزاد بعض العلماء في حد الكلام "من ناطق واحد" احترازًا من أن يصطلح رجلان على أن يذكر أحدهما فعلًا أو مبتدأ، ويذكر الآخر فاعل ذلك الفعل أو خبر المبتدأ، فإن مجموع
стр. 37
النطقين مشتمل على ما اشتمل عليه مثله إذا نطق به واحد، وليس بكلام لعدم اتحاد الناطق، لأن الكلام، عمل واحد، فلا يكون عامله إلا واحدًا.
ورد ذلك بأن اتحاد الناطق لا يعتبر، كما لا يعتبر اتحاد الكاتب، لو كتب واحد "قام" وآخر "زيد" لسميت تلك كتابةً وخطًا، فكذلك الكلام.
ولا يعترض على هذا بعدم ترتب أثر الإقرار في نحو لو قال واحد "لزيد" وقال الآخر: "عندي درهم"؛ لأن ذلك أمر شرعي لا يترتب الأثر إلا على من نطق بجملة الإقرار، فليس من صرح الكلام بالنسبةً إلى كل واحدًا منهما وإن كان كلامًا بالنسبةً إلى تركبه منهما.
ورد ذلك أيضًا بأن كل واحد من الناطقين إنما اقتصر على أحد الجزأين اتكالًا على نطق الآخر، فمعناها مستحضر في ذهنه, فمجموع ذلك المعنى والكلمة التي نطق بها كلام، كما يكون كلامًا قول من رأى شبحًا فقال: زيد، أي: هذا زيد.
ومما يدل على أن هذا كلام قصة امرئ القيس والتوأم اليشكري "قال أبو عمرو بن العلاء: كان امرؤ القيس ينازع من يدعي الشعر، فنازع التوأم اليشكري، فقال: إن كنت شاعرًا فملط أنصاف ما أقول وأجزها، قال: نعم"
стр. 38
وذكر ما نظمه كل واحد، ومنها: قال امرؤ القيس:
كأن هزيزة بوراء غيب ....................
فقال التوأم:
................ عشار وله لاقت عشارًا
فقال امرؤ القيس:
فلما أن دنا بقفا أضاخ .....................
فقال التوأم:
............... ... وهت أعجاز ريقه، فحارا
فهذان البيتان كل واحد منهما كلام، وهما من ناطقين، وكل نصف مفتقر إلى الآخر بحيث إنه لا يستقل النصف كلامًا لأن خبر "كان" من قول امرئ القيس هو "عشار" من قول التوأم، وجواب "لما" من قول امرئ القيس هو "وهت" من قول الثوأم.
وكذلك قصه جرير والفرزدق حين أنشد عدي بن الرقاع بعض
стр. 39
الملوك قول:
تزجي أغن، كأن إبرة روقه .................................
واشتغل ذلك الملك عن سماع بقية البيت، فأمسك عدي عن الإنشاد حتى يسمع الملك، فقال الفرزدق لجرير: ما تراه يقول عدي؟ فقال جرير: يقول:
................................ ... قلم أصاب من الدواة مدادها
ثم استمع الملك، فقال عدي:
تزجي أغن، كأن إبرة روقه قلم أصاب من الدواة مدادها
فتعجب الفرزدق من إتمام جرير البيت على ما أنشده عدي، وما ذلك لا لأن المعنى مستحضر في الذهن.
وكذلك قصة زهير مع ابنه كعب في استخباره كعبًا: هل تجيد الشعر؟ فصار زهير يقول بيتًا، ويقول لكعب: أجز، فيأتي ببيت متعلق بالأول مناسب له، حتى نظما أبياتًا.
ومثل هذا كله لا يكاد أحد يقول إن هذا ليس بكلام لكونه من ناطقين.
وإنما قال المصنف "بعض العلماء" ولم يقل "وزاد بعض النحويين" لأن هذا القول لم ينقل عن نحوي فيما نعلم، وإنما قاله بعض من تكلم في علم الأصول، فلذلك قال: "بعض العلماء" ولم يقل "بعض النحويين"
стр. 40
والمؤتلف كلامًا فعل وفاعل، وفعل ومفعول ما لم يسم فاعله، واسمان مبتدأ وخبر، واسمان ليسا مبتدأ وخبرًا، وذلك تزال وشبهها، واسمان مع حرف نحو: أقائم الزيدان؟ واسمان دون حرف نحو: قائم الزيدان، على مذهب أبي الحسن. واسم وحرف على مذهب أبي علي في النداء، نحو: يا زيد. وحرف وما هو في تقدير الاسم، وهو أما أنك منطلق، بفتح أن، وزعم ابن خروف أنه عن باب "يا زيد" على مذهب أبي علي. ورد عليه بأن "أن" وإن كانت في تقدير مفرد - فإن في الكلام مسندا ومسندًا إليه، وتقع "أن" موقع المفعولين. ومن فعل واسمين في مذهبا جماعة من النحويين، نحو: كان زيد قائمًا؛ لآن/ الاسم لا يستغني عن الخبر: هنا، و"كان" لا تستغني عنهما. ورد بأن "كان" تحذف، ويبقى الكلام تامًا، فهي في هذا كـ "إن"، وكل ما يجوز حذفه ويبقى الكلام مستقلًا بعده لا يعاد من التأليف، ولو ذهبنا إلى هذا لم تنحصر وجوه التأليفات.
-[ص: والاسم كلمةً يسند ما لمعناها إلى نفسها أو نظيرها.]-
ش: في الاسم لغات: اسم بكسر همزة الوصل وضمها، وسم بكسر السين وضمها، وسما كهدى، فإن كانت هذه مستدلًا عليها بقوله
стр. 41
والله أسماك سما مباركًا
فلا حجةً فيه لجواز أن لا يكون مقصورًا، يل تكون حركة الميم حركة إعراب.
ومذهب البصريين أنه مشتق من السمو، فالمحذوف منه اللام. ومذهب الكوفيين أنه من الوسم، وهو العلامةً، فالمحذوف منه الفاء. والأول أرجح لقولهم أسميت وسميت وسمي وأسماء، ولو كان على مذهب الكوفيين لقالوا أوسمت ووسمت ووسيم وأوسام وادعاء أن هذه التصاريف كلها من باب القلب لا ضرورةً تدعو إلى ذلك.
وحد المصنف الإسناد إنه "عبارة عن تعليق خبر بمخبر عنه، أو طلب بمطلوب منه. وهذا حد ناقص لأنه غير جامع؛ ألا ترى أنه نقصه بعض الإنشاءات، كقولك: بعتك هذا بدرهم، وقول المشتري: اشتريته بدرهم. وكذلك قول القائل لعبده: أنت حر، وقولك: أقسم أو أقسمت لآخرين زيدًا. فهذه كلها ليست تعليق خبر بمخبر عنه ولا طلب بمطلوب منه، وقد تضمنت الإسناد، فليس الإسناد محصورًا فيما ذكره، وإنما حد الإسناد بما حده ليخرج بذلك الإسناد اللفظي، فإنه لا يخص بالاسم، بل يوجد في الفعل، نحو "ضرب: فعل ماضي"، وفي الحرف نحو "في: حرف جر" وفي الجملة نحو "زيد قائم: مبتدأ وخبر".
وقوله كلمه جنس يشمل الاسم والفعل والحرف، وهكذا سائر
стр. 42
الحدود، يبدأ أولا بالجنس. قال المصنف: "واحترز بـ "كلمة" من واقع موقع اسم مثل أن ومعموليها"،. وقد رددنا، عليه مثل هذا في قوله في حد الكلمة: "لفظ" أن الأجناس لا تذكر للاحتراز، وأنه اتبع ابن عصفور في ذلك.
وقوله: يسند ما لمعناها إلى نفسها معناه سند الحكم الذي هو لمدلول الكلمةً إلى لفظ الكلمة، مثال ذلك: زيد عاقل، أسندت العقل الذي هو لمدلول زيد إلى لفظ زيد، وأجريته عليه، وهو من حيث المعنى لمدلوله؛ لأن المسند إليه العقل إنما هو مدلول زيد لا لفظ زيد. وقيد الإسناد باعتبار المعنى لأنه الخاص بالأسماء، بخلاف الإسناد باعتبار مجرد اللفظ، فإنه عام، واحترز بذلك من الفعل والحرف، فإنه لا يسند ما لمعناهما إلى أنفسهما، فهذا فصل خرج به الفعل والحرف.
وقوله: أو نظيرها مثال ذلك صة وفل وسبحان، فهذه لا يصح إسناد ما لمعناها إلى نفسها، وهي أسماء، لكن نظيرها يصح ذلك فيه، ويعني بالنظير ما وافق معنى ونوعًا، فـ "صة" موافق للسكوت، و "فل" قال المصنف: موافق لفلان". وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب النداء/ أنه ليس موافقًا له، وأنه موافق لـ "رجل" و "سبحان" موافق لـ "براءةً"، وهذه النظائر يصح أن يسند ما لمعناها إلى أنفسها.
وقد عدل المصنف في حد الاسم عما حده به النحويون إلى هذا الحد الذي ذكره، وهذا الذي اختاره غير مختار؛ لأن النحويين حدوا الاسم بالأمور الذاتيات التي هي فيه قبل التركيب، والمصنف حده بأمر عارض له حالة التركيب، وهو خاصةً من خواصه حالة التركيب، وهو الإسناد
стр. 43
المعنوي، وليس هذا شأن الحدود، مع ما في حده من غموض اللفظ والإبهام والترديد والمجاز الذي هو مناف للحد؛ إذ الحد إنما يؤتي به لإيضاح المحدود وبيانه، وصار كل قيد في حده يحتاج إلى شرح طويل، فيحتاج أن يشرح الإسناد والمعنى والنظير، وهذه أمور فيها غموض لا يناسب الحدود والإبهام في قوله: "ما لمعناها"، والترديد في قوله: "أو نظيرها"، والمجاز في قوله: "إلى نفسها"، والكلمة لا يقال لها "نفس" إلا بمجاز.
وأحسن ما حد به الاسم أن يقال: "الاسم كلمة دالةً بانفرادها على معنى غير متعرضةً ببنيتها للزمان". فقولنا: "كلمة" جنس يشمل الاسم والفعل والحرف. وقولنا: "دالةً بانفرادها على معنى" احتراز من الحرف، فإنه لا يدل على معناه إلا بضميم: غير متعرضة إلى آخره" احتراز من الفعل.
-[ص: والفعل كلمه تسند أبدًا، قابلة لعلامة فرعية المسند إليه.]-
ش: ثبت في بعض نسخ هذا الكتاب، وفي بعض نسخ شرحه للمصنف: "الفعل كل كلمة" وهكذا قاله أبو موسى الجزولي في حد الاسم، وفي حد الفعل، وفي حد الحرف. وسمعت الأستاذ الحافظ أبا الحسن علي بن محمد بن محمد الخشني الأبدي؛ يقول ما معناه: "إدخال "كل" في الحدود لا ينبغي لأن كلا إنما تدخل لاختبار الحد هل يطرد وينعكس، فتقول في حد الإنسان: الإنسان حيوان ناطق، فإذا اختبرناه هل يطرد: كل إنسان حيوان ناطق؟ وهل ينعكس: كل حيوان ناطق إنسان؟ فيعلم
стр. 44
بذلك صحة الحد انتهى. ونقول: لا يصح إدخال " كل" في الحد بوجه، وذلك أن كلا هي موضوعةً للعموم، فتدل على أفراد، والمحدود إنما هو شيء واحد متعقل في الذهن لا يصح تكثره ولا تعدده، فناقض هذا المعني معنى "كل".
قوله كلمة جنس يشمل الاسم والفعل والحرف.
وقوله تسند خرج بذلك الحرف وبعض الأسماء، كياء الضمير في نحو غلامي، والأسماء الملازمة للنداء نحو فل ومكرمان.
وقوله أبدًا احتراز من بعض الأسماء التي تسند وقتًا دون وقت، نحو قولك: زيد القائم، ثم تقول: القائم زيد، فزيد قد أسندته في هذا التركب، وأما في التركيب الأول فأسندت إليه القائم.
وقوله قابله لعلامة فرعية المسند إليه شرح هذا المصنف بأن هذه العلامة هي تاء التأنيث، وياء المخاطبة، والألف، والواو، والنون. واحترز بقوله: "قابلةً لكذا" من اسم الفعل؛ لأنه يصدق عليه أنه كلمة تسند أبدًا، لكنها لا تقبل تاء التأنيث، في نحو شتان، ويقبلها افترق، ولا يقبل ياء المخاطبة/ في نحو دراك، ويقبلها أدرك، ولا تقل الألف والواو والنون في نحو دراك، ويقبلها أدرك وقد حكم س بفعلية هلم عند من ألحقها الضمائر البارزة بها، وبكونها اسم فعل عند من لم يلحقها.
وقد عدل المصنف في حد الفعل عما حد به النحويون إلى هذا
стр. 45
الحد الذي ذكره، كما عمل ذلك في حد الاسم، وحده بأمر عارض للفعل حالة التركيب لا بما هو ذاتي للماهية، مع غموض قوله: "قابله لعلامة فرعية المسند إليه".
واختار المصنف في اصطلاح المسند والمسند إليه ما هو جار على أكثر ألسنة النحاة من أن المسند إليه هو المحكوم عليه، والمسند هو المحكوم به. وهذا أحد الاصطلاحات الأربعة. وثانيها أن كلا منهما مسند ومسند إليه، لأن كلا قد أسند إلى الآخر، والآخر أسند إليه. وثالثها أن المسند هو الأول مبتدأ كان أو غيره، والمسند إليه هو الثاني، فقام من قولك: قام زيد، وزيد من قولك: زيد قائم، هو المسند، وزيد وقائم هما مسند إليهما. والرابع عكس هذا، فزيد وقائم في التركيبين هما مسندان، وقام في جملة الفعل، وزيد في جملة المبتدأ، مسند إليهما. وإنما ذكرت هذه الاصطلاحات لأن المصنف ذكر أحد المصطلحات، فيتوهم أنه مصطلح النحويين أجمعين، ولئلا يقف أحد في كلام بعض النحويين على استعماله بعض هذه المصطلحات فيتوهم أنه أخطأ في ذلك. ولكل من هذه الاصطلاحات وجه؛ لأن الإسناد هو الإلصاق والإضافة، تقول: أسندت ظهري إلى الحائط، إذا ألصقته به وأضفته إليه، وهذا المعنى موجود في كل واحد منها؛ لأن كلا منهما قد أسند إلى صاحبه، فقد صار بينهما تساند، ولا مشاحة في الاصطلاح.
وأحسن ما حد به الفعل أن يقال: "الفعل كلمة معترضةً ببنيتها لزمان معناها". فقولنا: "كلمة"، جنس يشمل الاسم والفعل والحرف. وقولنا: "متعرضة إلى آخره،" فصل يخرج الاسم والحرف. وقد ذكر خلاف في
стр. 46
دلالة الفعل على الزمان، فقيل: بالذات، واستدل بتغيير البنية بتغيير الزمان. ومنهم من قال: البنية لا تدل على الزمان بذاتها، وإنما تدل على أن الحدث ماضٍ أو غير ماضٍ، فينجر الزمان الماضي مع الحدث الماضي، والزمان غير الماضي مع الحدث غير الماضي. وإلى هذا ذهب أبو الحسين بن الطراوة، وزعم انه مذهب س، واختاره ابن عصفور في بعض تصانيفه، قال: "وهو المرضي عند كثير من النحويين المحققين، انتهى كلامه. والاستدلال في هذه المسألة يطول، ولم يتعرض لذلك المصنف ﵀، فيذكر دلائل القولين فيها، وقد أمعن الكلام فيها صاحب كتاب "المباحث" فيطالع في ذلك الكتاب.
-[ص: والحرف كلمه لا تقبل إسنادًا وضعيًا بنفسها ولا بنظير.]-
ش: كلمة جنس يشمل الاسم والفعل والحرف.
وقوله: لا تقبل إسنادًا فصل يخرج الاسم والفعل. ومعنى قوله: "لا تقبل إسنادًا أي: لا تسند ولا يسند إليها، فنفى قبول الإسناد/ بطرفيه.
وقوله: وضعيًا احتراز من الإسناد غير الوضعي، فإنه يصلح لكل لفظ.
وقوله: لا بنفسها ولا بنظير احتراز من الأسماء اللازمة للنداء، فإنها لا يسند إليها ولا يسند، لكن تقبله بنظير.
وهذا الحد الذي ذكره فيه صيغة النفي، وهو قوله: "لا تقبل" فهو عدمي، والعدمي لا يكون في الحد؛ لأن الحد إنما يكون بما تقومت منه
стр. 47
الماهية، والأعدام لا تتقوم منها الماهية؛ لأنها سلوب.
وفي هذا الحد تجوز لأنه قال: "ولا بنظير احتراز من الأسماء اللازمة للنداء، فإنها تقبل الإسناد بنظير" وهذا مجاز، لم تقبل هي إسنادًا لا بنفسها ولا بنظير، إنما نظيرها هو الذي قبل الإسناد، فلا ينسب الإسناد إليها يوجه، إنما ينسب إلى نظيرها وقد عدل المصنف في حد الحرف عما حده به النحويون إلى هذا الذي اختاره، كما فعل في حد الاسم وحد الفعل.
وأحسن ما قيل في حد الحرف: "الحرف كلمة دالةً على معنى في غيرها فقط". فقولنا: " كلمه" جنس يشمل الاسم والفعل والحرف, وقولنا: "دالةً على معنى في غيرها" احتراز من الاسم والفعل. وقولنا: "فقط" احتراز من أسماء الشرط والاستفهام، فإنها تدل على معنى في غيرها، لكنها مع ذلك تدل على معنى في نفسها.
وقد اختلف النحويون في تفسير معنى قولهم: "إن الحرف يدل على معنى في غيره". ويحتاج ذلك إلى دقيق فكر ونظر، فإن قولك كأن ولعل، كل منهما إذا ذكر للعالم بالوضع فهم من كأن التشبيه، ومنس لعل الترجي. وكذلك هل، يفهم منه الاستفهام، وذلك كفهمه من ضرب الفعل الماضي، ومن الكشح أن معناه الحصر، فيحتاج إلى مميز واضح يميز دلالة الحرف من دلالة الاسم والفعل. وحصر المتأخرون، معاني الحروف، فإن منها ما يدل على معنى في الاسم خاصةً، كلام التعريف وحرف النداء، أو في الفعل خاصةً كالسين ونون التوكيد، أو للربط بين اسمين كحرف العطف، أو بين فعلين كحرف العطف وإن الشرطيةً، أو بين جملتين كحرف العطف، أو بين
стр. 48
فعل واسم كحرف الجر، أو لقلب معني جملة تامة ك ((ما)) النافية وهل وهلا، أو لتأكيده نحو إن، أو لزيادة معني في آخر الاسم كألف الندبة والتعجب، أو للإنكار، أو علي آخر الكلمة للتذكر، أو للزيادة المحضة كما في قوله: (فبما رحمة)، أو للجواب ك ((نعم)) و ((لا))، أو لاستفتاح نحو ألا وأما، وللتنبيه نحو ((ها))، وللجواب نحو الفاء في جواب الشرط، ولا واللام في جواب القسم، وللتفسير نحو أي، وللخطاب كالكاف في ذلك وأرأيتك.
-[ص: ويعتبر الاسم بندائه، وتنوينه في غير روى، وبتعريفه، وصلاحيته بلا تأويل لإخبار عنه، أو إضافة إليه، أو عود ضمير عليه، أو إبدال اسم صريح منه، وبالإخبار به مع مباشرة الفعل، وبموافقة ثابت الاسمية في لفظ أو معني دون معارض.]-
ش: لما بين الاسم والفعل بالحد أراد أن يزيد في البيان، فأخذ يذكر أشياء مما لا يكون إلا في الاسم، وسيذكر ما لا يكون إلا في الفعل. فذكر مما يعتبر به الاسم النداء، وهو أجود من قولهم حرف النداء، لأن ((يا)) قد / تدخل علي الفعل والحرف، نحو: يا حبذا زيد، ﴿يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ﴾، والنداء يكون فيما لا دليل له علي أسمية إلا النداء نحو يا مكرمان، ويا فل، لأن هذين يختصان بالنداء.
قال المصنف: ((واعتبار صحة النداء بأيا وهيا وأي أولي من اعتبارها ب ((يا))، لأن ((يا)) قد كثرت مباشرتها الفعل والحرف نحو: يا حبذا، ويا
стр. 49
ليتني. وإنما اختص الاسم بالنداء لأن المنادي مفعول في المعني، والمفعولية لا يليق إلا بالاسم انتهي.
أما ما ذكر من اعتبار صحة النداء بأيا وهيا وأي فليس بجيد، لأن هذه الحروف يقل النداء بها، حتي إنها لم يجئ شئ منها في القرآن ولا في كلام الفصحاء، إلا إن كان بعضها ورد، وإلا في الشعر، فالأولي اعتبار النداء بحرفه المشهور الذي هو ((يا)). وأما دخول ((يا)) علي الفعل والحرف فليست للنداء علي أصح القولين، وإنما هي للتنبيه، ف ((يا)) لفظ يكون للنداء ويكون لمجرد التنبيه.
وأما قوله: ((لأن المنادي مفعول في المعني)) فهذا سبقه إليه الجزولي في قوله: ((المنادي مفعول في المعني، والفعل لا يكون مفعولا، فلا يكون منادي)). وظاهر هذا الكلام أن المنادي ليس بمفعول صحيح من جهة اللفظ والمعني.
وهذه مسألة خلاف: ذهب الكوفيون - وتبعهم السيرافي وابن كيسان وابن الطراوة - إلي أن المنادي مفعول من جهة المعني فقط. وذهب س والجمهور من البصريين إلي أنه مفعول صحيح من جهة للفظ والمعني. وسيأتي الاستدلال علي ذلك إن شاء الله في باب النداء.
стр. 50
فإن كان المصنف - رحمه - الله وافق الكوفيين هنا فهو فاسد علي ما يبين في النداء إن شاء الله. وأيضا يكون قد ناقض كلامه في باب النداء، قال: (المنادي منصوب لفظا أو تقديرًا بأنادي لازم الإضمار) انتهي.
وما سبيله هكذا فهو مفعول صحيح من جهة اللفظ والمعني. وإن كان المصنف هنا وافق س فيكون قد أساء العبارة حيث خصص جانب المفعولية بالمعني دون اللفظ. وقول من قال: ((يختص بالنداء)) أو ((يعتبر بالنداء)) ليس بجيد، لأن المنادي نوع ما من المفعول، فلو قيل: ((يختص أو يعتبر بكونه مفعولا)) لكان أعم، إذ يدخل تحته المنادي وغيره، والمفعولية من خصائص الأسماء.
وقوله: وتنوينه قد تكلم المصنف عن التنوين وعلي أقسامه في فصل آخر باب نوني التوكيد، فأغني ذلك عن ذكره وذكر أقسامه هنا.
وقوله في غير روى احتزاز من أن يكون التنوين في روى، فإنه إذ ذاك لا يعتبر به الاسم لوجوده في الاسم والفعل والحرف، وقد تكلمنا علي ذلك في مكانه من فصل التنوين، فلا حاجة لذكره هنا.
وقوله: وبتعريفه يشمل أنواع التعريف، سواء أكان بأداة كالألف واللام، أو بإضافة نحو معاذ الله، وويح زيد، وكذلك تعريف الإضمار والعلمية والإشارة. وهذا أحسن من قول من قال: ((ينفرد الاسم بدخول الألف واللام عليه)) وكان ينبغي إذ عمم التعريف هنا أن يعمم المفعولية عوض ذكره
стр. 51
النداء، فكان يقول: ويعتبر الاسم بكونه مفعولاً.
وقوله: وصلاحيته/ بلا تأويل لإخبارٍ عنه أو إضافة إليه مثال ذلك: زيد قائم، وغلام زيد. واحترز بقوله: ((بلا تأويل)) مما صلح لإخبار ولإضافة وليس باسم, لكنه في تأويل الاسم، نحو قوله تعالي: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ﴾ وقوله: ﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَيَومَ نُسَيِّرُ الجِبَالَ﴾، تقديره: سواء عليكم دعاؤكم، وصومكم خير لكم، ويوم تسيير الجبال، فقال: ((بلا تأويل)) لأن ذلك مختص بالاسم، وأما إذا كان بتأويل فيوجد في غير الاسم. وكذلك قولهم: ((تسمع بالمعيدي خير من أن تراه)) أي: أن تسمع، بمعنى: سمعُك بالمعيدي.
وذهب بعض النحويين إلى أن الفعل قد يجوز الإخبار عنه، واستدل على ذلك بقول بعض العرب ((تسمع بالمعيدي خير من أن تراه))، فأخبر بقوله: ((خير)) عن «تسمع» وهو فعل. وبقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَارَأَوُا الأَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ ففاعل (بدا) (ليسجننه) وهو فعل. وبقوله
стр. 52
تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ﴾، فـ ((من آياته)) خبر لـ ((يريكم))، وهو فعل، قالوا: لأن المعنى: ومن آياته رؤيتكم البرق. وبقول الشاعر:
وما راعني إلا يسير بشرطة ... وعهدي به قينا يفش بكير
والصحيح أن الفعل لا يخبر عنه، وظاهر ما استدلوا به الإخبار عن الجملة لا عن الفعل وحده. وظاهر كلام المصنف ﵀ أن الإخبار إذا كان بتأويل يجوز في غير الاسم. وقد مَثَّل هو بما هو في تأويل الاسم مما هو مقرون بحرف مصدري نحو ﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، ومما هو جملة نحو ﴿سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوُهُمْ﴾.
أما ما كان بحرف مصدري فلا نزاع فيه. وأما الإخبار عن الجملة فثلاثة مذاهب:
أحدها: أنه لا يجوز ذلك، وإليه ذهب المبرد والفارسي وجمهور البصريين، وصححه بعض أصحابنا.
стр. 53
الثاني: أنه يجوز، وإليه ذهب هشام وثعلب وجماعة من الكوفيين، وأجازوا: يعجبني يقوم زيد، وظهر لي أقام زيد أم عمر. واستدلوا بتلك الدلائل التي سبقت.
والثالث: مذهب الفراء وجماعة من النحويين، وهو التفصيل فأجازوا ذلك إذا كانت الجملة في موضع فاعل أو مفعول لم يسم فاعله لفعل من أفعال القلوب والفعل معلق عنها، نحو: ظهر لي أقام زيد أم عمرو، وعلم أقام عبد الله أم بكر. ولا يجيزون: يسرني يخرج عبد الله، فإن جاء ما ظاهره ذلك تأولوه. وقد نسب هذا القول إلي س، وكلام س محتمل.
وتأول من منع الإخبار عن الجملة ما ورد مما ظاهره ذلك، فتأولوا (تسمع بالمعيدي)، (وما راعني إلا يسير) علي إرادة أن، التقدير: أن تسمع، وأن تسير، فلما حذف ارتفع الفعل، كقوله:
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغي .............. في رواية من رفع.
وأولوا (ثم بدا لهم) علي أن الفاعل ضمير يعود علي المصدر المفهوم من الفعل، أي: البداء، كما قال:
стр. 54
لعلك - والموعود حق لقاؤه - بدا لك في تلك القلوص بداء.
ونظير ذلك قوله:
إذا اكتحلت عيني بعينك مسها ... بخير، وجلي غمرة من فؤاديا
/أي: مسها الاكتحال. ويكون (ليسجننه) إذ ذاك جملة مفسرة لذلك الضمير، فلا موضع لها من الإعراب، والعرب قد تفسر المفرد بالجملة، كقوله تعالي: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾. أو في موضع المفعول بفعل مضمر، تقديره: قالوا ليسجننه. أو جوابا لـ (بدا)، لأن أفعال القلوب تضمنها العرب معني القسم، فتتلقي بما يتلقي به القسم.
والأحسن عندي أن يكون فاعل (بدا) ضميرا يعود علي المصدر المنسبك من قوله: (إلا أن يسجن)، أو علي المصدر المفهوم من قوله: (لَيُسْجَنَنَّ) ن أو علي المصدر الدال عليه السجن في قوله: ﴿قَالَ رَبِّ السِجْنُ أَحَبَُ إِلَيَّ﴾، فالتقدير علي هذه الاحتمالات: ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات هو، أي: سجنه مقسمين ليسجننه.
وأما ﴿ومِن آياتِهِ يُريكُمُ البَرْقَ﴾ فالجار والمجرور متعلق بـ (يريكم)، أي: يريكم البرق من آياته.
وقوله: أو عود ضمير عليه مثال ذلك قوله تعالي ﴿وقَالُوا مَهْمَا تَأتِنَا بِهِ
стр. 55
مِنْ آيَةٍ﴾، وقولهم: ما أحسن زيدًا! فـ ((مهما)) اسم، و (ما) اسم، يعود الضمير في (به) علي (مهما)، وفي أحسن علي (ما)، وقد ذكرنا خلاف بعض النحويين في (مهما) وزعمه أنها حرف في باب عوامل الجزم.
وقوله: أو إبدال اسم صريح منه مثال ذلك: كيف أنت أصحيح أم سقيم؟ ف (كيف) اسم لإبدال اسم منها، وهو بدل علي سبيل التفصيل، ولا يبدل اسم إلا من اسم.
وذكر المصنف ﵀ هنا أنه إذا أبدل اسم من اسم الاستفهام وجب أن يقترن بالاسم همزة الاستفهام، وكثر المثل في ذلك. ولا حاجة لذكر هذا هنا، إذ قد ذكر ذلك في باب البدل، قال فيه: (ويقرن البدل بهمزة الاستفهام إن تضمن متبوعه معناها).
وقوله: وبالإخبار به مع مباشرة الفعل مثال ذلك: كيف كنت؟ والقيام إذا خرجت، ف (كيف) و (إذا) اسمان لأن الإخبار بهما ينفي أن يكون حرفين، لأن الحرف لا يخبر به، و (مباشرة الفعل) تنفي أن يكونا فعلين، فتعينا أن يكونا اسمين.
وقوله: وبموافقة ثابت الاسمية في لفظ يعني بذلك أن يوافق في وزن يخص الاسم، نحو وشكان وبطان، إذ لا يوجد فعل علي هذا الوزن. قال المصنف ﵀ في الشرح: ((وانتفت الحرفية بكونهما عمدتين، والحرف لا يكون إلا فضلة)) انتهي. ولا أدري ما معني قوله في وشكان وبطان إنهما عمدتان، وقد تقرر أن العمدة في الاصطلاح هو ما كان مرفوعا كالمبتدأ والفاعل، ولا يصح ذلك في وشكان وبطان لأنه لم يذهب أحد إلى
стр. 56
أنهما في موضع رفع، ومن ذهب إلي أن لأسماء الأفعال موضعا من الإعراب فإنما ذهب إلي أنه نصب، وهذا الذي ذكره من اسمية وشكان وبطان ونحوهما من أسماء الأفعال هو علي مذهب البصريين، وأما الكوفيون فإن ذلك عندهم من قبيل الأفعال، وإن خالفت أوزان الأفعال سواها. وهذا مذكور في شرح باب أسماء الأفعال والأصوات من هذا الكتاب. وإن عني المصنف بالعمدة هنا أنها أحد ركني الإسناد فهو محتمل، لكنه ليس المصطلح، ويلزم منه أن يسمي (قام) من قولك: (قام زيد) عمدة. ويبين أنه أراد هذا - والله أعلم -/ قوله: (والحرف لا يكون إلا فضلة).
وقوله: أو معني مثاله (قد) بمعني (حسب)، تقول: قدك درهم، وقط زيد درهم، فهذه قد وافقت حسبا في المعني، وحسب ثابت الاسمية، ف (قد) اسم لذلك، ألا تري أنها أضيفت لما بعدها، والإضافة أيضا بلا تأويل من خواص الاسم.
وقوله: بلا معارض احتراز من واو المصاحبة، فإنها بمعني مع، ولا يقال فيها إنها اسم. وكذلك (من) التبعيضية، تقع في بعض المواضع موقع (بعض). لكن واو المصاحبة وقعت صدرا، والاسم الذي هو على حرف
стр. 57
واحد لا يقع صدرا، إنما يكون متصلا بآخر كلمة كتاء الضمير في نحو قمت ويائه في نحو غلامي، وإنما يقع صدرا مما هو علي حرف واحد الحروف كلام الجر وبائه وواو العطف، فلو حكمنا علي واو المصاحبة بالاسمية لخرجت بذلك عن النظير. وكذلك (من) التبعيضية إذا وقعت بعد (إن) كانت هي ومجرورها في موضع خبر (إن)، وما بعدها ينتصب علي أنه اسم (إن)، وإذا وقعت (بعض) كانت هي اسم (إن)، وما بعد (بعض) هو الخبر، فهذا الذي عارض في من، وهو أنه ينعكس الإسناد فيها مع (بعض)، ففي واو المصاحبة عارض عدم النظير, وفي (من) عارض انعكاس الإسناد، فلذلك كانا حرفين، لأنهما - وإن وافقا من حيث المعني ما ثبتت أسميته - فلم يسلما من هذا المعارض الذي ذكرناه.
قال المصنف ﵀: ((والعلامات اللفظية مرجحة علي العلامات المعنوية، ولذلك حكم علي وشكان وبطآن بالاسمية مع موافقتها في المعني لوشك وبطؤ، وحكم علي (عسي) بالفعلية لاتصالها بضمير الرفع البارز وتاء التأنيث الساكنة، مع موافقتها لعل في المعني)) انتهي كلامه.
-[ص: وهو لعين أو معني، اسما أو وصفا.]-
ش: الضمير في وهو عائد علي الاسم. ولما فرغ من علاماته التي اختار ذكرها قسمه إلي عين وإلي معني. ويعني بالعين ما كان اسما لذات من الذوات، ولا يدل علي قيد نحو رجل وفرس. ويعني بالمعني ما دل علي غير ذات بلا قيد فيه نحو علم وقيام. فإن دل علي قيد في الذات أو في المعني فهو وصف كعالم وغامض، فعالم وصف لذات، وغامض وصف للمعني، وقد يكون الوصف صالحا للذات وللمعني نحو نافع وضار،
стр. 58
فإنك تقول: رجل نافع, وعلم نافع. ويصلح للعين وللمعني بعض أسماء الضمائر وبعض أسماء الإشارة وبعض الموصولات, نحو: هو وهذا والذي, وبعضها قد يختص بالعين, نحو: هم وهنا والذين.
وهذا التقسيم في الاسم إلي العين والمعني هو تقسيم أبي علي في ((الإيضاح)) , وقد اعترضه ابن ملكون بأن العين تطلق علي المعني, قال تعالي: ﴿عِلْمَ اليَقِينِ﴾ , وقال ﵇: ((فذلك عين الربا)) , وقال الشاعر:
هذا - لعمركم - الصغار بعينه لا أم لي إن كان ذاك ولا أب
وهذا ليس بشيء لأن العين مشترك يقع علي الشخص وبمعني الحقيقة, فيكون للشخص وغيره, وهو الواقع في التوكيد نحو عرفت زيدا عينه, وعرفت الحق عينه, وهذا كوقوعه علي ينبوع الماء,/ وعلي الدينار, وعلي السحاب والمطر, وغير ذلك, فمراد المصنف هنا إنما هو الشخص, ولذلك
стр. 59
جعل قسيمه المعنى.
وقوله: اسما أو صفة أطلق الاسم ويريد به قسيم الصفة, والاسم المقسم هو قسيم الفعل والحرف, فهما معنيان مختلفان, ولولا الاختلاف في المدلول لما صح أن يقول: الاسم ينقسم إلي اسم وصفة, وقد أطلق النحويون حين حدوا الاسم أنه يدل علي معني في نفسه, فهذا اصطلاح آخر؛ إذ تحت قولهم: ((علي معني في نفسه)) أنه يدل علي عين ومعني, فالمعني الذي في الحد أعم من المعني الذي هو قسيم العين, إذ يطلق علي العين وقسيمه الذي هو المعني, فقد صار في ((المعني)) اصطلاحان كما صار في ((الاسم)) اصطلاحان.
وقد قسم بعضهم الاسم إلي فاروق ومفارق ومضاف ومقتض ومشتق, فالفارق نحو رجل وفرس, والمفارق نحو طفل, والمضاف نحو كل وبعض, والمقتضي نحو الشريك والخصم, والمشتق قسمه إلي قسمين: مبني علي فعل نحو كاتب, وغير مبني عليه نحو قولنا الرحمن, هو مشتق من الرحمة, وليس مبنيا عليه.
وقال أيضا: ((يسمي الشيئان المختلفان بالاسمين المختلفين, والأشياء الكثيرة بالاسم الواحد, والشيء الواحد بالأسماء المختلفة, نحو السيف والمهند والحسام)). قال: ((والذي نقوله في هذا أن الاسم واحد, وهو ((السيف)) , وما بعده من الألقاب صفات. وقد خالف في ذلك قوم,
стр. 60
فزعموا أنها وإن اختلفت ألفاظها فإنها ترجع إلي معني واحد. وقال آخرون: ليس منها اسم ولا صفة إلا ومعناه غير معني آخر. قالوا: وكذلك الأفعال نحو مضي وذهب وانطلق. وهو مذهب أبي العباس ثعلب. ويسمي المتضادان باسم واحد نحو الجون للأسود والجنون للأبيض. وأنكر ناس هذا المذهب)) انتهي ما لخص من كلامه.
وهذا الذي قاله هو المصطلح عليه في علم المنطق وغيره بالمتباين والمترادف والمشترك, وقد ذكر هذه س ﵀ في أوائل كتابه في ((هذا باب اللفظ للمعاني)).
وزعم بعض النحويين أنه ليس في كلام العرب لفظ مشترك لا يعبر عن معناه إلا به, بل ما وجد من المشترك وجد لكل معني من معانيه لفظ يخصه, فالجون يخص أحد معنييه الأسود, والآخر يخصه الأبيض. قال: إلا رائحة, فهي لفظ مشترك, ولا يخص أحد معانيها إلا بالإضافة, نحو رائحة المسك ورائحة البول.
وهذا الذي إليه في ((رائحة)) علي تسليم الاشتراك غير صحيح لأن الروائح تنقسم إلي قسمين: طيبة, وغير طيبة, فالطيبة عبرت العرب عنها بالأرج والعرف والتضوع, وغير الطيبة عبر عنها بالنتن والدفر, فقد صار لهذين المعنيين ألفاظ تخصها, وأما ((رائحة)) فإنها في الحقيقة لفظ متواطئ وضع لمطلق ما يشم من طيب وغير طيب, فإذا قلت شممت رائحة لم يدل علي التقييد, وهكذا شأن شأن المطلقات, فلا تدل علي التقييد إلا بما وضع للتقييد كالإضافة, نحو رائحة المسك ورائحة البول, أو بالصفة نحو: رائحة مسكية, أو بالألف واللام/ إن دلت على
стр. 61
معهود, فليست ((رائحة)) علي هذا من المشترك, بل هي من المتواطئ. وإنما أوردنا الكلام في هذا النوع لنبين أن النحويين تكلموا في وضع الألفاظ للمعاني قبل ظهور علم المنطق في الملة الإسلامية وتقسيمهم ما قسموا, وأن علم النحو ليس خاصا بعلم الألفاظ, بل هو نظر في الألفاظ وفي المعاني التي دلت عليها الألفاظ حالة إفرادها وحالة تركيبها, لا كما يظن بعض الجهلة باللسان من أن علم النحو مختص بالألفاظ, حتى حكي لي عن بعض من له اشتغال بالتعليقات أنه قال: النحاة فلاحو أهل علم الأصول. ولو كان له اطلاع وبصيرة بعلم النحو لعلم أن معظم علم الأصول بعض من علم النحو.
وقد قسم النحويين الاسم بحسب معناه إلي جوهر كالحيوان, وعرض كالحركة, ومحسوس كالأرض والسواد, ومعقول كالعلم, ومفيد كالإنسان, ولقب كزيد, وتام كالجسم, وناقص كالذي وإذ.
-[ص: ويعتبر الفعل بتاء التأنيث الساكنة, ونون التوكيد الشائع, ولزومه مع باء المتكلم نون الوقاية, وباتصاله بضمير الرفع البارز.]-
ش: الفعل يشمل المتصرف نحو: قامت هند, والجامد نحو: ليست هند قائمة. وسواء أكانت التاء تلحق لتأنيث الفاعل الشخصي أو الجنسي نحو: نعمت المرأة هند, أو المجازي نحو: بئست المدينة هذه. وقال المصنف في الشرح: ((إنها تميز الفعل متصرفا كان أو غير متصرف ما لم يكن أفعل التعجب)) وهذه عبارة قاصرة, وكان ينبغي أن يقول: ((ما لم يلزم تذكير فاعله)) لتدخل فيه أفعال الاستثناء نحو ما عدا وما خلا وحاشا وليس.
стр. 62
وقوله: ونون التوكيد الشائع تلحق المضارع والأمر علي ما أحكم في بابه. وقد تلحق الماضي اللفظ المستقبل المعني, نحو قول الشاعر:
دامن سعدك إن رحمت متيما لولاك لم يك للصبابة جانحا
ونحو ما روي في الحديث ((فإنما أدركن واحد منكم الدجال)).
فـ ((دامن)) دعاء, والدعاء مستقبل, و ((أدركن)) دخلت عليه إن الشرطية, وهي تخلص الماضي للاستقبال.
وقد لحقت أفعل في التعجب, أنشد يعقوب في كتاب ((الألفاظ)) له:
ومستبدل من بعد غضبي صريمة فأحر به بطول فقر وأحريا
غضبي: علم لمائة من الإبل.
واحترز بقوله: الشائع من لحاقها اسم الفاعل علي جهة الشذوذ, نحو قوله أنشده أبو الفتح:
أريت إن جاءت به أملودا مرجلا ويلبس البرودا
стр. 63
أقائلن أحضروا الشهودا
وقوله: ولزومه مع ياء المتكلم نون الوقاية مثال ذلك ضربني يضربني اضربني.
قال المصنف في الشرح: ((فإن كان اتصالها غير لازم لم يستدل به علي الفعلية؛ لأنها تلحق علي سبيل الجواز فعلا وغير فعل, ولا تلحق علي سبيل اللزوم إلا فعلا, وسيأتي بيان ذلك في المضمرات)) انتهي كلامه. وهو مدخول/ لأنا قد وجدنا نون الوقاية تلزم في غير الفعل مع ياء المتكلم, ووجدنا فعلا تتصل به ياء المتكلم, ولا تلزم معه النون, فمثال الأول قولهم: عليكي, ولا يجوز: عليكي, فهذه النون لزمت اسم الفعل في هذا ونحوه. ومثال الثاني فعل التعجب, فإنه نقل أنه لا تلزم نون الوقاية فيه, فتقول: ما أحسنني! وما أكرمني! وهو الأكثر, وما أحسني! وما أكرمي! وعلي هذا الوجه بني بعض الأدباء, فقال:
يا حسنة إذ قال ما أحسني ويا لذاك اللفظ ما أعذبه
وقوله: وباتصاله بضمير الرفع البارز مثال ذلك ضربت واضربا ويضربون. وبهذا وتاء التأنيث يتميز الفعل من اسم الفعل. وخض ضمير الرفع لأن ضمير النصب يوجد في غير الفعل, وخص البارز لأن المستكن يوجد في غير الفعل, نحو الصفة واسم الفعل.
стр. 64
-[ص: وأقسامه: ماض, وأمر, ومضارع.]-
ش: أما تسمية الماضي ماضيا والأمر أمرا فواضحة, وأما المضارع فهو في اللغة المشابه, يقال: فلان يضارع الأسد, أي: يشابهه, ولما شابه الاسم سمي مضارعا, كأنه رضع معه ضرعا واحدا, فالمضارعة من لفظ الضرع. وزعم ابن عصفور أن المضارعة مقلوبة من المضارعة. ولا ضرورة تدعو إلي دعوي القلب لأن اللفظ إذا وجد كامل التصرف فلا يدعي فيه القلب, وأنت تقول: ضارع يضارع مضارعة وهو مضارع ومضارع.
وهذه القسمة بالنظر إلي الصيغ لا بالنظر إلي الزمان, وهي قسمته الأولي, لأن بها تميز المبني من المعرب, والمبهم والخاص, وهذه القسمة تقتضي أن كل واحد قسم من فعل, ونسبة كل واحد منها إلي الفعل نسبة واحدة.
وعند الكوفيين أن الأمر مقتطع من المضارع, فإذا تكون القسمة ثنائية. وقد زعم بعضهم أن الأصل في الأفعال هو الماضي؛ لأن المضارع تلحقه زوائد علي الماضي,، والأمر قد تلحقه في بعض، فدل ذلك علي أن الماضي هو الأصل.
واتبع المصنف س في البداءة بالماضي ثم الأمر ثم المضارع، حيث قال: ((فبنيت لما مضي، ولما يكون ولم يقع، ولما هو كائن لم ينقطع)). وذكر المصنف في شرحه محسنات لترتيب ذكر س لهذا الأفعال على ما ذكر، يوقف عليها منه.
والذي يقتضيه الترتيب الوجودي أن يبدأ بالأمر الدال بوضعه على
стр. 65
الاستقبال، ثم بالمضارع لأنه علي ما يقرر يكون للحال ويكون للاستقبال، ثم بالماضي لأنه منتهي الفعل، إذ الفعل يكون معدوما غير مسبوق بوجود، ثم يصير موجودا، ثم يصير معدوما مسبوقا بوجود، ولذلك كان الأمر في كثير من اللغات غير العربية هو الأصل، إذ هو المجرد في تلك اللغات وغيره مزيد فيه علي ما يدل علي كونه ماضيا أو حالًا.
والفعل ينقسم بانقسامات غير هذا، منها انقسامه إلي الزمان، وإلي التعدي واللزوم, وإلي التصرف والجمود، وإلي التمام والنقصان، وإلي الخاص والمشترك/، وإلي المفرد والمركب. وفي علم التصريف إلي صحيح ومهموز ومثال وأجوف ولفيف ومنقوص ومضاعف، وغير ذلك من الانقسامات.
وقال بعض المصنفين: ((إنه ينقسم إلي معلم وساذج)). قال: ((أما المعلم فالماضي إذا كان مصوغا للمؤنث الغائب مفردا أو مثني، وجميع أصناف المستقبل وما يجري مجراه، أعني النهي. فالعلامات هي التاء في آخر الماضي للمؤنث، وفي أول المستقبل لمن يتوجه إليه الخطاب، سواء أكان واحدا أم كثيرا، مذكرا أم مؤنثا، وللغائب المؤنث مفردا أو مثني. والياء للغيبة مع التذكير كيف اجتمعا، ومع التأنيث مع الجمع، ومع الهمزة للمتكلم. والنون له مع غيره. ثم ما سوى هذه الحروف التي يبني معها الفعل فضمائر إن ميزت فبالعرض، وأما قولهم أكلوني البراغيث فالوجه فيه الإبدال)) انتهي كلامه.
ص: فيميز الماضي التاء المذكورة، والأمر معناه ونون التوكيد، والمضارع افتتاحه بهمزة للمتكلم مفردا، أو بنون له عظيما أو مشاركا، أو بتاء
стр. 66
للمخاطب مطلقا، وللغائبة والغائبتين، أو للمذكر الغائب مطلقا والغائبات.
ش: لما قسم الفعل بالنسبة إلي تباين الصيغ، وذكر ما يعتبر به الفعل، أخذ يذكر ما تتميز به كل صيغة منها، فبدأ بخاصة الصيغة التي بدأ بها أولا، وهي صيغة الماضي، وتلك الخاصة هي تاء التأنيث الساكنة، وأحال بقوله: ((المذكورة)) عليها، إذ لو لم يقل ((المذكورة)) لورد عليه مثل تاء ((قائمة))، فإنه يصدق عليها أنها تاء التأنيث، لكنها تتحرك بحركة الإعراب، ولا يعترض بها في حالة الوقف علي لغة من يقف عليها ((قائمت)) بالتاء ساكنة لأن الوقف أمر عارض، فلا يعتد به، وتلك لغة لا تعادل الوقوف عليها بالهاء، فلا يعتد بها أيضا.
وقوله الماضي يشمل المتصرف والجامد, نحو: ضربت ونعمت وبئست. وعلل المصنف في شرعه كونها لم تدخل فعل الأمر ولا المضارع, فقال: ((للاستغناء عنها بياء المخاطبة, نحو: افعلي, وللاستغناء عنها بتاء المضارعة نحو: هي تفعل, ولأنها ساكنة, فالمضارع يسكن في الجزم, فلو لحقته التقي فيه ساكنان)). وهذه التعاليل هي تعاليل لخصوصيات وضعية, فلا حاجة إليها.
وقال في فتح ما قبل التاء: ((إنه لما كان ذلك في الاسم نحو قائمة, كان ذلك في الفعل, وبلحاق هذه التاء يتميز الفعل الماضي من اسم فعله نحو افترق وشتان)).
وقوله: والأمر معناه ونون التوكيد أي: ويميز الأمر. ولما كان معني الأمر مشتركا بين فعل الأمر والاسم بمعناه, وكانت نون التوكيد مشتركة بين فعل الأمر والمضارع, وكان مجموع الأمرين خاصا بفعل الأمر, ذكر أنه يتميز به.
стр. 67
وقوله: والمضارع افتتاحه بهمزة للمتكلم مفردا مثاله أضرب, واحترز بقوله: ((للمتكلم)) من نحو أكرم ماضيا, فإنه مفتتح بهمزة, لكنها ليست للمتكلم.
وفي عبارة المصنف إبهام وعدم إفصاح بالمعني, وذلك أن قوله: ((للمتكلم)) إما أن يكون متعلقا بقوله: ((افتتاحه)) , أي: افتتاح/ المضارع للمتكلم بهمزة, والمصدر الذي هو ((افتتاحه)) إما أن يكون فاعله المحذوف المتكلم أو غيره, فإن كان المتكلم صار المعني: ويميز المضارع أن يفتتحه المتكلم لمن تكلم بهمزة, وهذا تركيب لا يؤدي معني المضارع الذي هو أضرب. وإن كان غير المتكلم صار المعني: ويميز المضارع أن يفتتحه غير المتكلم لمن تكلم بهمزة, وهذا غير صحيح. وإن كان ((للمتكلم)) متعلقا بغير ((افتتاحه)) فلم يبق إلا أن يكون في موضع الصفة لـ ((همزة)) , فيتعلق بمحذوف, أي: بهمزة كائنة للمتكلم, فالهمزة لا تكون للمتكلم إلا بمجاز فيه بعد, وهو أنه يدل عليه, ولا تدل وحدها عليه في الحقيقة, بل الفعل الذي هي فيه هو الذي يدل, وذلك أنها حرف زائد أدرج في التركيب، فصار غير متميز وحده بالدلالة علي التكلم، وباقي التركيب يدل علي شئ آخر، بل مجموع التركيب دل علي أن الفعل للمتكلم، وهذا فيه غموض، فإن النحويين يقولون في نحو الميم من مدحرج إنها تدل علي اسم الفاعل، وإذا حقق ذلك فالصحيح أن الدلالة إنما هي لمجموع الصيغة. وتحرير العبارة فيه أن يقال: ويميز المضارع أن يفتتحه المتكلم بهمزة يدل الفعل الذي هي فيه علي أن المتكلم أسنده إلي نفسه وحدة ملتبسا به، أو علي أنه سيحدثه.
وقوله: مفردا احتراز من المتكلم الذي يشركه غيره في الفعل، وكان ينبغي أن يقول: ((مفردا غير معظم نفسه))، لأنه إن كان المتكلم معظما نفسه
стр. 68
كان مكان الهمزة النون, ولا يغني عن مراعاة هذا القيد الذي زدناه قوله بعد " أو بنون له" عظيماً أو مشاركاً" لأنه يجوز أن يكون للمعظم نفسه حالتان: حالة الهمزة, وحالة بالنون ولم ينقلوا في حالة من يعظم نفسه إلا النون, فمتى لم يعظم نفسه فالهمزة.
قوله: أو بنون له عظيماً مثالا قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ﴾. وانتصب "عظيماً" عل ى الحال كما انتصب "مفرداً" وهما حالان من الضمير الذي في المتكلم, والتقدير: بهمزة تكون لمن تكلم في حال الإفراد, أو بنون لمن تكلم في حال عظمته.
قال بعض أصحابنا: "إنما يستعملها المعظم نفسه في الغالب لأن له أتباعاً يذهبون إلى مذهبه, ولذلك أكثر ما توجد في كلام الملوك والعلماء, هي في الحقيقة للمتكلم ومعه غيره, وقد يستعملها وحده من حيث أنزل نفسه منزلة الجماعة تعظيماً لها, فكأنها استعملت للجماعة، إلا أن ذلك مجاز, ويقل" فيها" انتهى. فعلى هذا لا يكون قول المصنف:" عظيما" قسيماً لقوه: "أو مشاركاً".
وقوله: أو مشاركاً يعني به المتكلم الذي شاركه غيره في الفعل, فيقول: أنا وزيد نصنع كذا, يعني أنه هو وزيد يشتركان في هذا الفعل ويصح أن يضبط " مشاركاً" بكسر الراء وبفتحها, لأن من شاركك في شيء فقد شاركته فيه. ولا يريد بالمتكلم خصوصية المذكر, بل المؤنث في ذلك كالمذكر فتقول المرأة: أقوم وتقول: أنا وهند نصنع كذا ولا يريد بالمشارك أن يكون مفرداً بل لو شاركه أكثر من واحد كان كما شاركه واحد/ فيقول زيد: أنا والزيدون نفعل كذا, وتقول المرأة: أنا
стр. 69
والهندات نفعل كذا, وكذلك إذا كان المشارك مثنى
وقوله: أو بتاء للمخاطب مطلقاً يعني بقوله: "مطلقا" سواء أكان مذكراً أم مؤنثاً مفردا أم مثنى أم مجموعاً نحو: أنت تقوم أنت تقومين أنتما تقومان، أنتم تقومون, أنتن تقمن, وقد يعامل جمع التكسير من المؤنث معاملة المؤنثة المفردة فتقول: يا نساء تقومين كما يقال: يا هند تقومين.
وقوله: للغائبة يشمل ظاهرها ومضمرها ما كان تأنيثه حقيقة ومجازاً مثاله: هند تقوم, وهي تقوم, وتنفطر السماء, وهي تنفطر.
وقوله: للغائبتين هذا على إطلاقه أيضاً فتقول: الهندان تخرجان كما قال تعالى: ﴿وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ وكذلك في الغائبتين اللتين تأنيثهما مجازي, نحو العينان تدمعان, فإن كان ضميرا لغائبتين نحو: الهندان هما تخرجان، والعينان هما تدمعان فهل يكون ذلك بالتاء حملاً على ظاهرهما, أو بالياء حملاً على ضمير الغائبين المذكرين للاشتراك في الضمير الذي هو "هما"؟ في ذلك خلاف, وقد دارت هذه المسألة في الأندلس وسئل عنها عبد الله محمد بن أبي العافية أحد أجلاء
стр. 70
أصحاب الأعلم, والأستاذ أبو الحسن علي بن أحمد بن الباش واختلف قولهما، فأجاب ابن أبي العافية بما نصه:" علامة التأنيث ثابتة في المضارع الواقع خبراً عن المبتدأ ضميراً المؤنث, كما كانت تثبت في المظهر لأنه عقيبه, فيجري على ما عاقبه, فمن حيث تقول: الهندان تقومان، فمنه تقول/ هما تقومان كما أنك إذا قلت: هند تقوم, تقول: هي تقوم, ومن حيث تقول: الهندات يقمن فمنه تقول عن يقمن, فالمثنى لقربه من الواحد يحمل عليه, ويرجع حكمه إليه, فغلب فيه معنى التأنيث على لفظ الغيبة, والمجموع لما كان بعيدا عن الواحد حيث كان فيه التكسير الذي لا يسلم بناء الواحد فيه، وللاسم جموع لا تجري على آحاده, غلب لفظ الغيبة فيه على معنى التأنيث, فذكر " انتهى كلامه.
وأجاب ابن الباش بما نصه:" لا أعلم في هذه المسألة سماعا من العرب ولا نصا عن أحد من النحويين, والذي يقتضيه القياس عندي أن يقال في الاثنين مع المضارع: هما يقومان, حملا على اللفظ كما يقال في
стр. 71
المذكرين, وفي الماضي: هما قامتا, حملاً على المعنى ودليل ذلك أن حرف المضارعة زائد للمعنى تبنى الكلمة عليه وحرف التأنيث زائد للمعنى مضموم إلى الصدر كما قاله إنه بمنزلة اسم ضم إلى اسم, فالواجب أن يجري حرف المضارعة مجرى سائر ما كان مزيداً في البناء كسائر أخواته, وكالتاء في افتعل والألف في فاعل ونحوهما, فكما يشترك المؤنث مع المذكر في قولك: أنا أفعل ونحن نفعل, وأنتما تفعلان, كذلك يشتركان في قولك: هما يفعلان، وإنما اشتركا في الضمير ليتصل المرتفع بالفعل, كما اشتركا في الضمير المنفصل العائد إليه/ ذلك الضمير المتصل وهو قولك: أنا ونحن وأنتما, فهما في الاشتراك بمنزله أنتما وما ذكر معه. وكذلك يجري الماضي مجرى المضارع إذا اتصلت به علامة الإضمار في قولك: أنا قمت, ونحن قمنا, وأنتما قمتما, لأن س قد شبه هذه العلامات بتاء افتعل, ألا ترى أن بناء قام متغير في قمت وأخواته كما تغير بناء كسب في اكتسب ولذا قال بعضهم:
وفي كل حي قد خبط بنعمة .........................
كما تقول أطلب, وفحصت برجلي, كما تقول: اصطلح وفزد في فزت كما تقول ازدجر وازدان. أما التاء في قامت فبمنزلتها في قائمة فيما
стр. 72
ذكرنا, وبمنزلة الألف بعدها في قامتا, لأن الألف هنا لم تغير البناء كالتاء, فيجب أن يقال: هما قامتا, كما يقال: هما قائمتان وتزيد" قائمة" على " قامت" أنه يقال فيها: أنا قائمة, ونحن قائمتان ونحن قائمات وأنتما قائمتان, فيمتنع فيها الحمل على المعنى لامتناع اتصال الضمائر بها التي يتأتى اتصالها بالفعل فإنما يكون الإضمار في اسم الفاعل على حد واحد, وهو ضمير الغائب فأما قولهم في المظهر: الهندان تقومانه, فلك شبهة فيه لأن المظهر اسم مؤنث، وليس بمذكر يشترك معه المؤنث كما تقدم ذكره من الأسماء المضمرة وإذا كان المضمر للمؤنث فهو أيضاً بمنزلة المظهر, تثبت العلامات في فعله متصلة ومنفصلة, لأنه ليس له لفظ مذكر يحمل عليه, فتقول: أنتن تقمن، و؟ أنتن قمتن وهي قامت, وهن قمن, كما تقول: هند قامت والهندات قمن, وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ﴾. هما مثال: الهندان تقومان، ولو ثنى ضميرهما لم يكن إلا: فوجدهما يذودان، على ما قررنا وللكلام على هذه المسألة مجال أوسع من هذا وإنما اعتمدنا النكت" انتهى كلامه.
والصحيح ما ذهب إليه أبو عبد الله بن أبي العافية من أن الضمير يجري في ذلك مجرى ظاهره, فكما تقول: الهندان تخرجان بالتاء من فوق فكذلك تقول: هما تخرجان وذلك لأن الإضمار يرد الأشياء إلى أصولها, وقد وجد السماع عن العرب في ذلك بالتاء, قال عمر بن أبي ربيعة:
أقص على أختي بدء حديثنا وما لي من أن تعلما متأخر
لعلهما أن تبغيا لك حاجة وأن ترحبا سربا بما كنت أحصر
стр. 73
فقال: أن تبغيا, وأن ترحبا, بالتاء وقد تقدم لفظ "هما" وهو ضمير الأختين.
وكان ينبغي للمصنف أن يزيد:" وللغائب إن حمل على مؤنث" نحو: تجيء كتابي, على معنى الصحيفة, " أو أضيف إلى مؤنث أن تلفظ بذلك المؤنث وأنت تريد المذكر" نحو: تجتمع أهل اليمامة وتذهب بعض أصابعه وقرئ ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ , وتنكسر صدر القناة " أو كان فيه علامة تأنيث" نحو تقدم طلحة وتعدل الخليفة وهذا قليل" أو أسند إلى ظاهر الجمع المذكر غير السالم وأردت معنى الجماعة أو إلى ضميرهم أو ضمير غائبات"، نحو: تقوم الزيود وتنكسر/ الأجذاع وتنكسر الجذوع وتخرج الرجال والرجال تخرج والنساء تخرج.
فإن كان الظاهر جمع سلامة في المذكر أو ضميراً يعود عليه فمذهب البصريين أنه ولا يجوز إلا بالياء فتقول: يقوم لزيدون، والزيدون يقومون. وأجار الكوفيون: تقوم لزيدون والزيدون تقوم قياسا على جمع التكسير أما قول النابغة:
قالت بنو عامر: خالوا بني أسد ... يا بؤس للجهل ضرارا لأقوام
فخرج على الضرورة أو على تأويل حذف مضاف, وروعي, التقدير: قالت جماعة بني عامرا. ومحسن ذلك أن " بنون" شبيه بجمع التكسير حيث
стр. 74
هو جمع لم يسلم فيه بناء الواحد، إذ لو سلم لكان ابنون، فلما أشبه جمع التكسير في ذلك عومل معاملته.
وإصلاح كلام المصنف أن يقول:" وللغائبة لفظاً أو بتأويل"ليشمل هذه المواضع التي ذكرنا لأن تأنيثها إنما كان بتأويل الغائبة وأنها أجريت في ذلك مجرى الغائبة.
وقوله: أو بباء للمذكر الغائب مطلقاً يعني بقوله:"مطلقاً" سواء أكان مفردا أم مثنى أم مجموعا ظاهرا أم مضمرا, نحو: يقوم زيد ويقوم لزيدان ويقوم لزيدون, وزيد يقوم ولزيدان يقومان والزيدون يقومون وقد يقال: لزيدون يقوم, كما يقال: زيد يقوم, وهو قليل جداً فإن كان الجمع لغير عاقل جاز فيه ذلك أيضاً فتقول: الجذوع ينكسر.
وقوله: والغائبات أطلق, ويقتضي ذلك أن الياء تكون في المضارع أسند إلى ظاهر أو مضمر عاقل أو غير عاقل, مسلم أو مكسر فتقول: يقوم الهنود ﴿يَكَادُ السَّمَوَاتِ﴾ ويسرع الجمال والهنود يقمن و ﴿السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ والجمال يسرعن والهندات يخرجن.
فإن كان الظاهر جمع سلامة في المؤنث لعاقل نحو الهندات, فمذهب البصريين أنه لا يجوز إلا التاء فتقول: تقوم الهندات ولا يجوز يقوم الهندات كما لا يجوز يقوم هند قاسوا هذا الجمع على مفرده بجامع ما اشتركا فيه من سلامة الواحد فأما ﴿يَكَادُ السَّمَوَاتِ﴾ ونحوه فإن ذلك جائز في مفرده لكون تأنيثه مجازاً فكان ذلك في جمعه وأجاز الكوفيون يقوم الهندات قياساً لجمع السلامة على جمع التكسير. فأما
стр. 75
قوله:
فقلت لها: فيئي, فما يستفزني ذوات العيون والبنان المخضب
في رواية من رواه بالياء, فخرج على الضرورة أو رعي الموصوف المحذوف أي: فما يستفزني النساء ذوات العيون فيكون إذ ذاك قد أسند إلى جمع التكسير المؤنث نحو يقوم الهنود.
وكان ينبغي للمصنف أن يزيد:" وللغائبة إن كانت مضافة إلى مذكر هي بعضه, ويجوز أن تلفظ بالمذكر وأنت تريد المؤنث" نحو: يقطع يد زيد, لأنك تقول: يقطع زيد, وأنت تريد: يد زيد. " أو كانت فصل بينها وبين الفعل بشيء" نحو: يحضر القاضي اليوم امرأة وينفعك اليوم الموعظة وسيأتي/ الكلام على هذا الفصل وإذا كان بـ"إلا" مشبعاً حيث يعرض له المصنف في باب الفاعل إن شاء الله. " أو كانت غير عاقلة إذا حملت على معنى المذكر" نحو ينفع الموعظة لأن الموعظة وعظ في المعنى.
واعلم أن حركات هذه الحروف- أعني حروف المضارعة - مع الرباعي الضم, سواء أكان مجرداً نحو يدحرج أم مزيداً يضارب ومع الثلاثي وما زاد على الرباعي الفتح نحو يضرب وينطلق يستخرج, إذا كان مبنياً للفاعل وكان في هذين الفتح لأن الثلاثي كثير في كلامهم وما زاد على الرباعي ثقيل, فاختاروا الفتح للكثير والثقيل لخفة الفتح، واختاروا الضم للقليل لئلا يكثر استعمال القليل لو خففوه قاله أبو سعيد.
следующие страницы →