Полный текст (4 086 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
كَرِهَهَا مَنْ كَرِهَهَا لِأُمُورٍ مِنْهَا خَوْفُ الْمَلَلِ وَقِلَّةُ الْحُرْمَةِ لِلْأُنْسِ وَخَوْفُ مُلَابَسَةِ الذُّنُوبِ فَإِنَّ الذَّنْبَ فِيهَا أَقْبَحُ مِنْهُ فِي غَيْرِهَا كَمَا أَنَّ الْحَسَنَةَ فِيهَا أَعْظَمُ مِنْهَا فِي غَيْرِهَا وَاحْتَجَّ مَنِ اسْتَحَبَّهَا بِمَا يَحْصُلُ فِيهَا مِنَ الطاعات التي لاتحصل بِغَيْرِهَا وَتَضْعِيفِ الصَّلَوَاتِ وَالْحَسَنَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْمُجَاوَرَةَ بِهِمَا جَمِيعًا مُسْتَحَبَّةٌ إِلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ الْوُقُوعُ فِي الْمَحْذُورَاتِ الْمَذْكُورَةِ وَغَيْرِهَا وَقَدْ جَاوَرَتْهُمَا خَلَائِقُ لَا يُحْصُونَ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَخَلَفِهَا مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ وَيَنْبَغِي لِلْمُجَاوِرِ الِاحْتِرَازُ مِنَ الْمَحْذُورَاتِ وَأَسْبَابِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 2032
(باب صيانة المدينة من دخول الطاعون والدجال اليها)
[١٣٧٩] قَوْلُهُ ﷺ (عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ) أَمَّا الْأَنْقَابُ فَسَبَقَ شَرْحُهَا قَرِيبًا وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضِيلَةُ الْمَدِينَةِ وَفَضِيلَةُ سُكْنَاهَا وَحِمَايَتُهَا مِنَ الطاعون والدجال
(باب المدينة تنفى خبثها وتسمى طابة وطيبة)
[١٣٨١] قَوْلُهُ ﷺ (فِي الْمَدِينَةِ انها تنفى خبثها وشرارها كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ
(وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْفِضَّةِ قَالَ الْعُلَمَاءُ خَبَثُ الْحَدِيدِ وَالْفِضَّةِ هُوَ وَسَخُهُمَا وَقَذَرُهُمَا)
стр. 2033
الَّذِي تُخْرِجُهُ النَّارُ مِنْهُمَا قَالَ الْقَاضِي الْأَظْهَرُ أَنَّ هَذَا مُخْتَصٌّ بِزَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَصْبِرُ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْمَقَامِ مَعَهُ إِلَّا مَنْ ثَبَتَ إِيمَانُهُ وَأَمَّا الْمُنَافِقُونَ وَجَهَلَةُ الْأَعْرَابِ فَلَا يَصْبِرُونَ عَلَى شِدَّةِ الْمَدِينَةِ وَلَا يَحْتَسِبُونَ الْأَجْرَ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ ذَلِكَ الْأَعْرَابِيُّ الَّذِي أَصَابَهُ الْوَعَكُ أَقِلْنِي بَيْعَتِي هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَهَذَا الَّذِي ادَّعَى أَنَّهُ الْأَظْهَرُ لَيْسَ بِالْأَظْهَرِ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ الْأَوَّلُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَنْفِيَ الْمَدِينَةُ شِرَارَهَا كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَهَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ فِي زَمَنِ الدَّجَّالِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي أَوَاخِرِ الْكِتَابِ فِي أَحَادِيثِ الدَّجَّالِ أَنَّهُ يَقْصِدُ الْمَدِينَةَ فَتَرْجُفُ الْمَدِينَةُ ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ يُخْرِجُ اللَّهُ بِهَا مِنْهَا كُلَّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِزَمَنِ الدَّجَّالِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ فِي أَزْمَانٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[١٣٨٢] قَوْلُهُ ﷺ (أُمِرْتُ بَقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى) مَعْنَاهُ أُمِرْتُ بِالْهِجْرَةِ إِلَيْهَا وَاسْتِيطَانِهَا وَذَكَرُوا فِي مَعْنَى أَكْلُهَا الْقُرَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا مَرْكَزُ جُيُوشِ الْإِسْلَامِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ فَمِنْهَا فُتِحَتِ الْقُرَى وَغُنِمَتْ أَمْوَالُهَا وَسَبَايَاهَا وَالثَّانِي مَعْنَاهُ أَنَّ أَكْلَهَا وَمِيرَتَهَا تَكُونُ مِنَ الْقُرَى الْمُفْتَتِحَةِ وَإِلَيْهَا تُسَاقُ غَنَائِمُهَا قَوْلُهُ ﷺ (يَقُولُونَ يَثْرِبَ وَهِيَ الْمَدِينَةُ) يَعْنِي أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَغَيْرَهُمْ يُسَمُّونَهَا يَثْرِبَ وَإِنَّمَا اسْمُهَا المدينة وطابة وطيبة فَفِي هَذَا كَرَاهَةُ تَسْمِيَتُهَا يَثْرِبُ وَقَدْ جَاءَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ حَدِيثٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي كَرَاهَةِ تَسْمِيَتِهَا يَثْرِبُ وَحُكِيَ عَنْ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ قَالَ مَنْ سَمَّاهَا يَثْرِبُ كُتِبَتْ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ قَالُوا وَسَبَبُ كَرَاهَةِ تَسْمِيَتِهَا يَثْرِبُ لَفْظُ التَّثْرِيبِ الَّذِي هُوَ التَّوْبِيخُ وَالْمَلَامَةُ وَسُمِّيَتْ طَيْبَةُ وَطَابَةُ لِحُسْنِ لَفْظِهِمَا
стр. 2034
وَكَانَ ﷺ يُحِبُّ الِاسْمَ الْحَسَنَ وَيَكْرَهُ الِاسْمَ الْقَبِيحَ وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا فِي الْقُرْآنِ يَثْرِبُ فَإِنَّمَا هُوَ حِكَايَةٌ عَنْ قَوْلِ الْمُنَافِقِينَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَلِمَدِينَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَسْمَاءٌ الْمَدِينَةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مَا كَانَ لِأَهْلِ المدينة وقال تعالى ومن أهل المدينة وَطَابَةُ وَطَيْبَةُ وَالدَّارُ فَأَمَّا الدَّارُ فَلِأَمْنِهَا وَالِاسْتِقْرَارِ بِهَا وَأَمَّا طَابَةُ وَطَيْبَةُ فَمِنَ الطِّيبِ وَهُوَ الرَّائِحَةُ الْحَسَنَةُ وَالطَّابُ وَالطِّيبُ لُغَتَانِ وَقِيلَ مِنَ الطَّيِّبِ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَهُوَ الطَّاهِرُ لِخُلُوصِهَا مِنَ الشِّرْكِ وَطَهَارَتِهَا وَقِيلَ مِنْ طِيبِ الْعَيْشِ بِهَا وَأَمَّا الْمَدِينَةُ فَفِيهَا قَوْلَانِ لِأَهْلِ العربية أحدهما وبه جزم قطرب وبن فَارِسٍ وَغَيْرُهُمَا أَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ دَانَ إِذَا أَطَاعَ وَالدِّينُ الطَّاعَةُ وَالثَّانِي أَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ مَدَنَ بِالْمَكَانِ إِذَا أَقَامَ بِهِ وَجَمْعُ الْمَدِينَةِ مُدُنٌ وَمُدْنٌ بِإِسْكَانِ الدَّالِ وَضَمِّهَا وَمَدَائِنُ بِالْهَمْزِ وتركه والهمز أفصح وبه جَاءَ الْقُرْآنُ الْعَزِيزُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[١٣٨٣] قَوْلُهُ (أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَايَعَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَصَابَ الْأَعْرَابِيَّ وَعَكٌ بِالْمَدِينَةِ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أَقِلْنِي بَيْعَتِي فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ أَقِلْنِي بَيْعَتِي فَأَبَى ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ أَقِلْنِي بَيْعَتِي فَأَبَى فَخَرَجَ الْأَعْرَابِيُّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّمَا الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا قَالَ الْعُلَمَاءُ إِنَّمَا لَمْ يُقِلْهُ النَّبِيُّ ﷺ بيعته لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَنْ أَسْلَمَ أَنْ يَتْرُكَ الْإِسْلَامَ وَلَا لِمَنْ هَاجَرَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 2035
٦ - لِلْمَقَامِ عِنْدَهُ أَنْ يَتْرُكَ الْهِجْرَةَ وَيَذْهَبَ إِلَى وَطَنِهِ أَوْ غَيْرِهِ قَالُوا وَهَذَا الْأَعْرَابِيُّ كَانَ مِمَّنْ هَاجَرَ وَبَايَعَ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى الْمَقَامِ مَعَهُ قَالَ الْقَاضِي وَيَحْتَمِلُ أَنَّ بَيْعَةَ هَذَا الْأَعْرَابِيِّ كَانَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ وَسُقُوطِ الْهِجْرَةِ إِلَيْهِ ﷺ وَإِنَّمَا بَايَعَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَطَلَبَ الْإِقَالَةَ مِنْهُ فَلَمْ يُقِلْهُ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (فَأَصَابَ الْأَعْرَابِيَّ وَعَكٌ) هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَهُوَ مَغْثُ الْحُمَّى وَأَلَمُهَا وَوَعَكُ كُلِّ شَيْءٍ مُعْظَمُهُ وَشِدَّتُهُ قَوْلُهُ ﷺ (إِنَّمَا الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طَيْبُهَا) هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ يَصْفُو وَيَخْلُصُ وَيَتَمَيَّزُ وَالنَّاصِعُ الصَّافِي الْخَالِصُ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ نَاصِعُ اللَّوْنِ أَيْ صَافِيهِ وَخَالِصُهُ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ مَنْ لَمْ يَخْلُصْ إِيمَانُهُ وَيَبْقَى فِيهَا مَنْ خَلَصَ إِيمَانُهُ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ يُقَالُ نَصَعَ الشَّيْءُ يَنْصَعُ بِفَتْحِ الصَّادِ فِيهِمَا نُصُوعًا إِذَا خَلَصَ وَوَضَحَ وَالنَّاصِعُ الْخَالِصُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ
[١٣٨٥] قَوْلُهُ (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ وَأَبُو كُرَيْبٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَوَقَعَ فِي أَكْثَرِهَا بِحَذْفِ ذِكْرِ أَبِي كُرَيْبٍ قَوْلُهُ ﷺ (إِنَّ اللَّهَ سَمَّى الْمَدِينَةَ طَابَةَ هَذَا) فِيهِ اسْتِحْبَابُ تَسْمِيَتِهَا طَابَةَ وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهَا لَا تُسَمَّى بِغَيْرِهِ فَقَدْ سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى الْمَدِينَةَ فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْقُرْآنِ وَسَمَّاهَا النَّبِيُّ ﷺ طَيْبَةَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا مِنْ هَذَا الْبَابِ وَقَدْ سَبَقَ إِيضَاحُ الْجَمِيعِ فِي هَذَا الْبَابِ وَاللَّهُ أعلم
(باب تحريم ارادة أهل المدينة بسوء وأن من أرادهم به أَذَابَهُ اللَّهُ)
[١٣٨٦] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يُحَنَّسَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْقَرَّاظِ) هَكَذَا صَوَابُهُ أَخْبَرَنِي
стр. 2036
عبد الله بفتح العين مكبر وَهَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ بِلَادِنَا وَمُعْظَمِ نُسَخِ الْمَغَارِبَةِ وَوَقَعَ فِي بَعْضِهَا عُبَيْدِ اللَّهِ بضم العين مصغر وَهُوَ غَلَطٌ وَيُحَنَّسُ بِكَسْرِ النُّونِ وَفَتْحِهَا سَبَقَ بَيَانُهُ قَرِيبًا فِي بَابِ التَّرْغِيبِ فِي سُكْنَى المدينة والقراظ بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ مَنْسُوبٌ إِلَى الْقَرَظِ الَّذِي يُدْبَغُ به قال بن أبي حاتم لأنه كَانَ يَبِيعُهُ وَاسْمُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْقَرَّاظِ هَذَا دِينَارٌ وَقَدْ سَمَّاهُ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ فِي حَدِيثِهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁
[١٣٨٧] قَوْلُهُ ﷺ (مَنْ أَرَادَ أَهْلَ هَذِهِ الْبَلْدَةِ بِسُوءٍ) يَعْنِي الْمَدِينَةَ أَذَابَهُ اللَّهُ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ قِيلَ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ مَنْ أَرَادَهَا غَازِيًا مُغِيرًا عَلَيْهَا
стр. 2037
وَيَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا الْحَدِيثِ قَرِيبًا فِي الْأَبْوَابِ السَّابِقَةِ قَوْلُهُ (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ بِدَهْمٍ أَوْ بِسُوءٍ) هُوَ بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْهَاءِ أَيْ بِغَائِلَةٍ وَأَمْرٍ عظيم والله أعلم
(باب ترغيب الناس في سكنى الْمَدِينَةِ عِنْدَ فَتْحِ الْأَمْصَارِ)
[١٣٨٨] قَوْلُهُ ﷺ (تُفْتَحُ الشَّامُ فَيَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ قَوْمٌ بِأَهْلِيهِمْ يَبُسُّونَ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ يَبُسُّونَ بِفَتْحِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتَ وَبَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ تُضَمُّ وَتُكْسَرُ وَيُقَالُ أَيْضًا بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ مَعَ كَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ فَتَكُونُ اللَّفْظَةُ ثُلَاثِيَّةً وَرُبَاعِيَّةً فَحَصَلَ فِي ضَبْطِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ وَمَعْنَاهُ يَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَقِيلَ مَعْنَاهُ يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى بِلَادِ الْخِصْبِ وهو قول ابراهيم
стр. 2038
الحربى وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ مَعْنَاهُ يَسُوقُونَ وَالْبَسُّ سَوقُ الابل وقال بن وَهْبٍ مَعْنَاهُ يُزَيِّنُونَ لَهُمُ الْبِلَادَ وَيُحَبِّبُونَهَا إِلَيْهِمْ وَيَدْعُونَهُمْ إِلَى الرَّحِيلِ إِلَيْهَا وَنَحْوُهُ فِي الْحَدِيثِ السابق يدعو الرجل بن عَمِّهِ وَقَرِيبَهُ هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ مَعْنَاهُ يَزْجُرُونَ الدَّوَابَّ إِلَى الْمَدِينَةِ فَيَبُسُّونَ مَا يَطْوُونَ مِنَ الْأَرْضِ وَيَفُتُّونَهُ فَيَصِيرُ غُبَارًا وَيَفْتِنُونَ مَنْ بِهَا لِمَا يَصِفُونَ لَهُمْ مِنْ رَغَدِ الْعَيْشِ وَهَذَا ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ بَلِ الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّ مَعْنَاهُ الْإِخْبَارَ عَمَّنْ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ مُتَحَمِّلًا بِأَهْلِهِ بَاسًّا فِي سَيْرِهِ مُسْرِعًا إِلَى الرَّخَاءِ فِي الْأَمْصَارِ الَّتِي أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِفَتْحِهَا قَالَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُعْجِزَاتٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِفَتْحِ هَذِهِ الْأَقَالِيمِ وَأَنَّ النَّاسَ يَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ إِلَيْهَا وَيَتْرُكُونَ الْمَدِينَةَ وَأَنَّ هَذِهِ الْأَقَالِيمَ تُفْتَحُ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ وَوُجِدَ جَمِيعُ ذَلِكَ كَذَلِكَ بِحَمْدِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ وَفِيهِ فَضِيلَةُ سُكْنَى الْمَدِينَةِ وَالصَّبْرِ عَلَى شِدَّتِهَا وَضِيقِ الْعَيْشِ بِهَا وَاللَّهُ أعلم
(باب اخباره ﷺ بترك الناس المدينة على خير ما كانت)
[١٣٨٩] قَوْلُهُ ﷺ لِلْمَدِينَةِ (لَيَتْرُكَنَّهَا أَهْلُهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ مُذَلَّلَةً لِلْعَوَافِي) يعنى السباع
стр. 2039
والطيروفي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ يَتْرُكُونَ الْمَدِينَةَ عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ لَا يَغْشَاهَا إِلَّا الْعَوَافِي يُرِيدُ عَوَافِيَ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ ثُمَّ يَخْرُجُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ يريدان المدينة ينعقان بغنمها فَيَجِدَانِهَا وَحْشًا حَتَّى إِذَا بَلَغَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ خَرَّا عَلَى وُجُوهِهِمَا أَمَّا الْعَوَافِي فَقَدْ فَسَّرَهَا فِي الْحَدِيثِ بِالسِّبَاعِ وَالطَّيْرِ وَهُوَ صَحِيحٌ فِي اللُّغَةِ مَأْخُوذٌ مِنْ عَفَوْتِهِ إِذَا أَتَيْتَهُ تَطْلُبُ مَعْرُوفَهُ وَأَمَّا مَعْنَى الْحَدِيثِ فَالظَّاهِرُ الْمُخْتَارُ أَنَّ هَذَا التَّرْكَ لِلْمَدِينَةِ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ عند قيام الساعة وتوضحه قصة الراعبين مِنْ مُزَيْنَةَ فَإِنَّهُمَا يَخِرَّانِ عَلَى وُجُوهِهِمَا حِينَ تُدْرِكُهُمَا السَّاعَةُ وَهُمَا آخِرُ مَنْ يُحْشَرُ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ المختار وقال القاضي عياض هذا فما جَرَى فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ وَانْقَضَى قَالَ وَهَذَا مِنْ مُعْجِزَاتِهِ ﷺ فَقَدْ تُرِكَتِ الْمَدِينَةُ عَلَى أَحْسَنِ مَا كَانَتْ حِينَ انْتَقَلَتِ الْخِلَافَةُ عَنْهَا إِلَى الشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَذَلِكَ الْوَقْتُ أَحْسَنُ مَا كَانَتِ الدِّينَ وَالدُّنْيَا أَمَّا الدِّينُ فَلِكَثْرَةِ الْعُلَمَاءِ وَكَمَالِهِمْ وَأَمَّا الدُّنْيَا فَلِعِمَارَتِهَا وَغَرْسِهَا وَاتِّسَاعِ حَالِ أَهْلِهَا قَالَ وَذَكَرَ الْأَخْبَارِيُّونَ فِي بَعْضِ الْفِتَنِ الَّتِي جَرَتْ بِالْمَدِينَةِ وَخَافَ أَهْلُهَا أَنَّهُ رَحَلَ عَنْهَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَبَقِيَتْ ثِمَارُهَا أَوْ أَكْثَرُهَا لِلْعَوَافِي وَخَلَتْ مُدَّةً ثُمَّ تَرَاجَعَ النَّاسُ إِلَيْهَا قَالَ وَحَالُهَا الْيَوْمَ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا وَقَدْ خَرِبَتْ أَطْرَافُهَا هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَمَعْنَى يَنْعِقَانِ بِغَنَمِهِمَا يَصِيحَانِ قَوْلُهُ ﷺ (فَيَجِدَانِهَا وَحْشًا) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ
стр. 2040
وُحُوشًا قِيلَ مَعْنَاهُ يَجِدَانِهَا خَلَاءً أَيْ خَالِيَةً ليس بها أحد قال إبراهيم الحربي الْوَحْشُ مِنَ الْأَرْضِ هُوَ الْخَلَاءُ وَالصَّحِيحُ أَنَّ مَعْنَاهُ يَجِدَانِهَا ذَاتَ وُحُوشٍ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَكَمَا قَالَ ﷺ لَا يَغْشَاهَا إِلَّا الْعَوَافِيَ وَيَكُونُ وَحْشًا بِمَعْنَى وُحُوشًا وَأَصْلُ الْوَحْشِ كُلُّ شَيْءٍ تَوَحَّشَ مِنَ الحيوان وجمعه وحوش وقد يعبر بواحدة عَنْ جَمْعِهِ كَمَا فِي غَيْرِهِ وَحَكَى الْقَاضِي عن بن الْمُرَابِطِ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ غَنَمَهُمَا تَصِيرُ وُحُوشًا إِمَّا أَنْ تَنْقَلِبَ ذَاتُهَا فَتَصِيرُ وُحُوشًا وَإِمَّا أَنْ تَتَوَحَّشَ وَتَنْفِرَ مِنْ أَصْوَاتِهَا وَأَنْكَرَ الْقَاضِي هَذَا وَاخْتَارَ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي يَجِدَانِهَا عَائِدٌ إِلَى الْمَدِينَةِ لَا إِلَى الْغَنَمِ وَهَذَا هُوَ الصواب وقول بن المرابط غلط والله أعلم
(باب فضل ما بين قبره ﷺ (وفضل موضع منبره)
[١٣٩٠] قَوْلُهُ ﷺ (مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ) ذَكَرُوا فِي مَعْنَاهُ قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ بِعَيْنِهِ يُنْقَلُ إِلَى الْجَنَّةِ وَالثَّانِي أَنَّ الْعِبَادَةَ فِيهِ تُؤَدِّي إِلَى الْجَنَّةِ قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي الْمُرَادِ بِبَيْتِي هُنَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا الْقَبْرُ قَالَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ كَمَا رُوِيَ مُفَسَّرًا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي وَالثَّانِي الْمُرَادُ بَيْتُ سُكْنَاهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَرُوِيَ مَا بَيْنَ حُجْرَتِي وَمِنْبَرِي قَالَ الطبرى والقولان متفقان)
стр. 2041
لِأَنَّ قَبْرَهُ فِي حُجْرَتِهِ وَهِيَ بَيْتُهُ
[١٣٩١] قَوْلُهُ ﷺ (وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي) قَالَ الْقَاضِي قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ الْمُرَادُ مِنْبَرُهُ بِعَيْنِهِ الَّذِي كَانَ فِي الدُّنْيَا قَالَ وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ قَالَ وَأَنْكَرَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ غَيْرَهُ قَالَ وَقِيلَ إِنَّ لَهُ هُنَاكَ مِنْبَرًا عَلَى حَوْضِهِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ قَصْدَ مِنْبَرِهِ وَالْحُضُورَ عِنْدَهُ لِمُلَازَمَةِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ يُورِدُ صَاحِبَهُ الْحَوْضَ ويقتضي شربه منه والله أعلم
(باب فضل أحد)
[١٣٩٣] قَوْلُهُ ﷺ (إِنَّ أُحُدًا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ) قِيلَ مَعْنَاهُ يُحِبُّنَا أَهْلُهُ وَهُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ
стр. 2042
وَنُحِبُّهُمْ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّ مَعْنَاهُ يُحِبُّنَا هُوَ بِنَفْسِهِ وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ تَمْيِيزًا وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا الْحَدِيثِ قَرِيبًا والله أعلم
(باب فضل الصلاة بمسجد مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ)
[١٣٩٤] قَوْلُهُ ﷺ (صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِهَذَا الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِي مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ أَيَّتُهُمَا أَفْضَلُ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مَكَّةَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَدِينَةِ وَأَنَّ مَسْجِدَ مَكَّةَ أَفْضَلُ مِنْ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَعَكَسَهُ مَالِكٌ وَطَائِفَةٌ فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ مَعْنَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِي وَعِنْدَ مَالِكٍ وَمُوَافِقِيهِ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِي تَفْضُلُهُ بِدُونِ الْأَلْفِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَوْضِعَ قَبْرِهِ ﷺ أَفْضَلُ بِقَاعِ الْأَرْضِ وَأَنَّ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ أَفْضَلُ بِقَاعِ الْأَرْضِ وَاخْتَلَفُوا
стр. 2043
فِي أَفْضَلِهِمَا مَا عَدَا مَوْضِعِ قَبْرِهِ ﷺ فَقَالَ عُمَرُ وَبَعْضُ الصَّحَابَةِ وَمَالِكٌ وَأَكْثَرُ الْمَدَنِيِّينَ الْمَدِينَةُ أَفْضَلُ وَقَالَ أَهْلُ مكة والكوفة والشافعي وبن وهب وبن حَبِيبٍ الْمَالِكِيَّانِ مَكَّةُ أَفْضَلُ قُلْتُ وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ أَصْحَابُنَا لِتَفْضِيلِ مَكَّةَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْحَمْرَاءِ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِمَكَّةَ يَقُولُ وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامِ وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِي حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَاعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ هَذَا التَّفْضِيلُ بِالصَّلَاةِ فِي هَذَيْنِ الْمَسْجِدَيْنِ بِالْفَرِيضَةِ بَلْ يَعُمُّ الْفَرْضَ وَالنَّفْلَ جَمِيعًا وَبِهِ قَالَ مُطَرَّفٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ يَخْتَصُّ بِالْفَرْضِ وَهَذَا مُخَالِفٌ إِطْلَاقَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ تَزِيدُ عَلَى فَضِيلَةِ الْأَلْفِ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ لِأَنَّهَا تُعَادِلُ الْأَلْفَ بَلْ هِيَ زَائِدَةٌ عَلَى الْأَلْفِ كَمَا صُرِّحَتْ بِهِ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ
стр. 2044
أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ وَخَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ وَنَحْوُهُ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَهَذَا فِيمَا يَرْجِعُ إلى الثواب
стр. 2045
فَثَوَابُ صَلَاةٍ فِيهِ يَزِيدُ عَلَى ثَوَابِ أَلْفٍ فِيمَا سِوَاهُ وَلَا يَتَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى الْإِجْزَاءِ عَنِ الْفَوَائِتِ حَتَّى لَوْ كَانَ عَلَيْهِ صَلَاتَانِ فَصَلَّى فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ صَلَاةً لَمْ تُجْزِئْهُ عَنْهُمَا وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْفَضِيلَةَ مُخْتَصَّةٌ بِنَفْسِ مَسْجِدِهِ ﷺ الَّذِي كَانَ فِي زَمَانِهِ دُونَ مَا زِيدَ فِيهِ بَعْدَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْرِصَ الْمُصَلِّي عَلَى ذَلِكَ وَيَتَفَطَّنَ لِمَا ذَكَرْتُهُ وَقَدْ نَبَّهْتُ عَلَى هَذَا فِي كِتَابِ الْمَنَاسِكِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[١٣٩٦] قَوْلُهُ (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ جَمِيعًا عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ معبد عن بن عباس أنه قال ان مرأة اشْتَكَتْ شَكْوَى فَقَالَتْ إِنْ شَفَانِي اللَّهُ لَأَخْرُجَنَّ فَلَأُصَلِّيَنَّ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ قَالَتْ مَيْمُونَةُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ صَلَاةٌ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ إِلَّا مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ) هَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا أُنْكِرَ عَلَى مُسْلِمٍ بِسَبَبِ إِسْنَادِهِ قَالَ الْحُفَّاظُ ذكر بن عَبَّاسٍ فِيهِ وَهَمٌ وَصَوَابُهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مَيْمُونَةَ هَكَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ من رواية الليث وبن جُرَيْجٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الله عن ميمونة من غير ذكر بن عَبَّاسٍ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مَيْمُونَةَ ولم يذكر بن عَبَّاسٍ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي كِتَابِ الْعِلَلِ وَقَدْ رواه بعضهم عن بن عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ وَلَيْسَ يَثْبُتُ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ الْكَبِيرِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَنْ أَبِيهِ وَمَيْمُونَةَ وَذَكَرَ حَدِيثَهُ هَذَا مِنْ طريق الليث وبن جريج ولم يذكر فيه بن عَبَّاسٍ ثُمَّ قَالَ وَقَالَ لَنَا الْمَكِّيُّ عَنِ بن جُرَيْجٍ أَنَّهُ سَمِعَ نَافِعًا قَالَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ بن معبد حدث ان بن عَبَّاسٍ حَدَّثَهُ عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَ الْبُخَارِيُّ وَلَا يصح فيه بن عَبَّاسٍ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَالَ بَعْضُهُمْ صَوَابُهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ
стр. 2046
إِنَّ امْرَأَةً اشْتَكَتْ قَالَ الْقَاضِي وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ قَبْلَ هَذَا فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثَ عبد الله عن نافع عن بن عُمَرَ وَحَدِيثَ مُوسَى الْجُهَنِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنِ بن عمر وحديث أيوب عن نافع عن بن عُمَرَ وَهَذَا مِمَّا اسْتَدْرَكَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى مُسْلِمٍ وَقَالَ لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ عَنْ أَيُّوبَ وَعَلَّلَ الْحَدِيثَ عَنْ نَافِعٍ بِذَلِكَ وَقَالَ قَدْ خَالَفَهُمُ اللَّيْثُ وبن جُرَيْجٍ فَرَوَيَاهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ عَنْ مَيْمُونَةَ وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ الرِّوَايَتَيْنِ وَلَمْ يَذْكُرِ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ رِوَايَةَ نَافِعٍ بِوَجْهٍ وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ رِوَايَةَ عَبْدِ اللَّهِ وَمُوسَى عَنْ نَافِعٍ قَالَ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ يَعْنِي رِوَايَةَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الله عن ميمونة كما قال الدار قطنى وَاللَّهُ أَعْلَمُ قُلْتُ وَيَحْتَمِلُ صِحَّةَ الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا كَمَا فَعَلَهُ مُسْلِمٌ وَلَيْسَ هَذَا الِاخْتِلَافُ الْمَذْكُورُ نافعا مِنْ ذَلِكَ وَمَعَ هَذَا فَالْمَتْنُ صَحِيحٌ بِلَا خِلَافٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (عَنْ مَيْمُونَةَ ﵂ أَنَّهَا أَفْتَتِ امْرَأَةً نَذَرَتِ الصَّلَاةَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَنْ تُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ وَاسْتَدَلَّتْ بِالْحَدِيثِ) هَذِهِ الدَّلَالَةُ ظَاهِرَةٌ وَهَذَا حُجَّةٌ لِأَصَحِّ الْأَقْوَالِ فِي مَذْهَبِنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّهُ إِذَا نَذَرَ صَلَاةً فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أَوِ الْأَقْصَى هَلْ تَتَعَيَّنُ فِيهِ قَوْلَانِ الْأَصَحُّ تَتَعَيَّنُ فَلَا تُجْزِئُهُ تِلْكَ الصَّلَاةُ فِي غَيْرِهِ وَالثَّانِي لَا تَتَعَيَّنُ بَلْ تُجْزِئُهُ تِلْكَ الصَّلَاةُ حَيْثُ صَلَّى فإذا قُلْنَا تَتَعَيَّنُ فَنَذْرُهَا فِي أَحَدِ هَذَيْنِ الْمَسْجِدَيْنِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَهَا فِي الْآخَرِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا يَجُوزُ وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ وَالثَّالِثُ وَهُوَ الْأَصَحُّ إِنْ نَذَرَهَا فِي الْأَقْصَى جَازَ الْعُدُولُ إِلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ دُونَ عَكْسِهِ والله أعلم
(باب فضل المساجد الثلاثة)
[١٣٩٧] قَوْلُهُ ﷺ (لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِي هَذَا ومسجد الحرام
стр. 2047
وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَفِي رِوَايَةٍ وَمَسْجِدِ إِيلِيَاءَ) هَكَذَا وَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ هُنَا وَمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَهُوَ مِنْ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى صِفَتِهِ وَقَدْ أَجَازَهُ النَّحْوِيُّونَ الْكُوفِيُّونَ وَتَأَوَّلَهُ الْبَصْرِيُّونَ عَلَى أَنَّ فِيهِ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ مَسْجِدُ الْمَكَانِ الْحَرَامِ وَالْمَكَانِ الْأَقْصَى وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى وَمَا كنت بجانب الغربي أَيِ الْمَكَانُ الْغَرْبِيِّ وَنَظَائِرُهُ وَأَمَّا إِيلِيَاءُ فَهُوَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ وَفِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ أَفْصَحُهُنَّ وَأَشْهَرُهُنَّ هَذِهِ الْوَاقِعَةُ هُنَا إِيلِيَاءُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَاللَّامِ وَبِالْمَدِّ وَالثَّانِيَةُ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ مَقْصُورٌ وَالثَّالِثَةُ إِلَيَاء بِحَذْفِ الْيَاءِ وَبِالْمَدِّ وَسُمِّيَ الْأَقْصَى لِبُعْدِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضِيلَةُ هذه المساجد الثلاثة وفضيلة شد الرحال اليها لِأَنَّ مَعْنَاهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ لَا فَضِيلَةَ فِي شَدِّ الرِّحَالِ إِلَى مَسْجِدِ غَيْرِهَا وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا يَحْرُمُ شَدُّ الرِّحَالِ إِلَى غَيْرِهَا وَهُوَ غَلَطٌ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا الْحَدِيثِ وَشَرْحِهِ قَبْلَ هَذَا بِقَلِيلٍ فِي بَابِ سَفَرِ الْمَرْأَةِ مَعَ مَحْرَمٍ إِلَى الْحَجِّ وَغَيْرِهِ
стр. 2048
(بَابُ بَيَانِ أَنَّ الْمَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى)
(هُوَ مَسْجِدُ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ)
[١٣٩٨] قَوْلُهُ ﷺ (وَقَدْ سُئِلَ عَنِ الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى فَأَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصْبَاءٍ فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ ثُمَّ قَالَ هُوَ مَسْجِدُكُمْ هَذَا لِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ) هَذَا نَصٌّ بِأَنَّهُ الْمَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى الْمَذْكُورُ فِي الْقُرْآنِ وَرَدٌّ لِمَا يَقُولُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُ مَسْجِدُ قُبَاءٍ وَأَمَّا أَخْذُهُ ﷺ الْحَصْبَاءَ وَضَرْبُهُ فِي الْأَرْضِ فَالْمُرَادُ بِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي الْإِيضَاحِ لِبَيَانِ أَنَّهُ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ وَالْحَصْبَاءُ بِالْمَدِّ الْحَصَى الصِّغَارُ
(باب فَضْلِ مَسْجِدِ قُبَاءٍ وَفَضْلِ الصَّلَاةِ فِيهِ وَزِيَارَتِهِ)
[١٣٩٩] قَوْلُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَزُورُ قُبَاءً مَاشِيًا وَرَاكِبًا) وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي مَسْجِدَ
стр. 2049
قُبَاءٍ رَاكِبًا وَمَاشِيًا فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ وَفِي رواية أن بن عُمَرَ كَانَ يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ كُلَّ سَبْتٍ وَكَانَ يَقُولُ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأْتِيهِ كُلَّ سَبْتٍ أَمَّا قُبَاءٌ فَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ فِيهِ الْمَدُّ وَالتَّذْكِيرُ وَالصَّرْفُ وَفِي لُغَةٍ مَقْصُورٌ وَفِي لُغَةٍ مُؤَنَّثٌ وَفِي لُغَةٍ مُذَكَّرٌ غَيْرُ مَصْرُوفٍ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ عَوَالِيهَا وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بَيَانُ فَضْلِهِ وَفَضْلِ مَسْجِدِهِ وَالصَّلَاةِ فِيهِ وَفَضِيلَةِ زِيَارَتِهِ وَأَنَّهُ تَجُوزُ زِيَارَتُهُ رَاكِبًا وَمَاشِيًا وَهَكَذَا جَمِيعُ الْمَوَاضِعِ الْفَاضِلَةِ تَجُوزُ زِيَارَتُهَا رَاكِبًا وَمَاشِيًا وَفِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ صَلَاةُ
стр. 2050
النَّفْلِ بِالنَّهَارِ رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاةِ اللَّيْلِ وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَفِيهِ خِلَافُ أَبِي حَنِيفَةَ وَسَبَقَتِ الْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَقَوْلُهُ كُلَّ سَبْتٍ فِيهِ جَوَازُ تَخْصِيصِ بَعْضِ الْأَيَّامِ بِالزِّيَارَةِ وَهَذَا هو الصواب وقول الجمهور وكره بن مَسْلَمَةَ الْمَالِكِيُّ ذَلِكَ قَالُوا لَعَلَّهُ لَمْ تَبْلُغْهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ وَالْعِصْمَةُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(كِتَابُ النِّكَاحِ هُوَ فِي اللُّغَةِ الضَّمُّ وَيُطْلَقُ عَلَى الْعَقْدِ وَعَلَى الْوَطْءِ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاحِدِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ أَصْلُ النِّكَاحِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْوَطْءُ وَقِيلَ لِلتَّزْوِيجِ نِكَاحٌ لِأَنَّهُ سَبَبُ الْوَطْءِ يُقَالُ نكح المنظر الْأَرْضَ وَنَكَحَ النُّعَاسُ عَيْنَهُ أَصَابَهَا قَالَ الْوَاحِدِيُّ وقال أبو القسم الزَّجَّاجِيُّ النِّكَاحُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْوَطْءُ وَالْعَقْدُ جَمِيعًا قَالَ وَمَوْضِعُ ن ك ح عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ لِلُزُومِ الشَّيْءِ الشَّيْءَ رَاكِبًا عَلَيْهِ هَذَا كَلَامُ الْعَرَبِ الصَّحِيحِ فَإِذَا قَالُوا نَكَحَ فُلَانٌ فُلَانَةَ يَنْكِحُهَا نَكْحًا وَنِكَاحًا أَرَادُوا تَزَوَّجَهَا وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ فَرَّقَتِ الْعَرَبُ بَيْنَهُمَا فَرْقًا لَطِيفًا فَإِذَا قَالُوا نَكَحَ فُلَانَةَ بِنْتَ فُلَانٍ أَوْ أُخْتَهُ أَرَادُوا عقد عليها وإذا قَالُوا نَكَحَ امْرَأَتَهُ أَوْ زَوْجَتَهُ لَمْ يُرِيدُوا إِلَّا الْوَطْءَ لِأَنَّ بِذِكْرِ)
стр. 2051
امْرَأَتِهِ وَزَوْجَتِهِ يُسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِ الْعَقْدِ قَالَ الْفَرَّاءُ الْعَرَبُ تَقُولُ نُكْحُ الْمَرْأَةِ بِضَمِّ النُّونِ بُضْعُهَا وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْفَرْجِ فَإِذَا قَالُوا نكحها أرادوا أصاب نكحها وهو فرجها وقل ما يُقَالُ نَاكَحَهَا كَمَا يُقَالُ بَاضَعَهَا هَذَا آخِرُ ما نقله الواحدي وقال بن فَارِسٍ وَالْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ النِّكَاحُ الوطء وقد يكون العقد وَيُقَالُ نَكَحْتُهَا وَنَكَحَتْ هِيَ أَيْ تَزَوَّجَتْ وَأَنْكَحْتُهُ زَوَّجْتُهُ وَهِيَ نَاكِحٌ أَيْ ذَاتُ زَوْجٍ وَاسْتَنْكَحَهَا تَزَوَّجَهَا هَذَا كَلَامُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَأَمَّا حَقِيقَةُ النِّكَاحِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ لِأَصْحَابِنَا حَكَاهَا الْقَاضِي حُسَيْنٌ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي تَعْلِيقِهِ أَصَحُّهَا أَنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ مَجَازٌ فِي الْوَطْءِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَأَطْنَبَ فِي الِاسْتِدْلَالِ لَهُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآنُ الْعَزِيزُ وَالْأَحَادِيثُ وَالثَّانِي أَنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ مَجَازٌ فِي الْعَقْدِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّالِثُ حَقِيقَةٌ فيهما بالاشتراك والله أعلم
(باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنة)
(واشتغال من عجز عن المؤن بالصوم)
[١٤٠٠] قَوْلُهُ ﷺ (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْمَعْشَرُ هُمُ الطَّائِفَةُ
стр. 2052
الَّذِينَ يَشْمَلُهُمْ وَصْفٌ فَالشَّبَابُ مَعْشَرٌ وَالشُّيُوخُ مَعْشَرٌ وَالْأَنْبِيَاءُ مَعْشَرٌ وَالنِّسَاءُ مَعْشَرٌ فَكَذَا مَا أَشْبَهَهُ وَالشَّبَابُ جَمْعُ شَابٍّ وَيُجْمَعُ عَلَى شُبَّانٍ وَشَبَبَةٍ وَالشَّابُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا هُوَ مَنْ بَلَغَ وَلَمْ يُجَاوِزْ ثَلَاثِينَ سَنَةً وَأَمَّا الْبَاءَةُ فَفِيهَا أَرْبَعُ لُغَاتٍ حَكَاهَا الْقَاضِي عِيَاضٌ الْفَصِيحَةُ الْمَشْهُورَةُ الْبَاءَةُ بِالْمَدِّ وَالْهَاءِ وَالثَّانِيَةُ الْبَاةُ بِلَا مَدٍّ وَالثَّالِثَةُ الْبَاءُ بِالْمَدِّ بِلَا هَاءٍ وَالرَّابِعَةُ الْبَاهَةُ بِهَاءَيْنِ بِلَا مَدٍّ وَأَصْلُهَا فِي اللُّغَةِ الْجِمَاعُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْمَبَاءَةِ وَهِيَ الْمَنْزِلُ وَمِنْهُ مَبَاءَةُ الْإِبِلِ وَهِيَ مَوَاطِنُهَا ثُمَّ قِيلَ لِعَقْدِ النِّكَاحِ بَاءَةٌ لِأَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بَوَّأَهَا مَنْزِلًا وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِالْبَاءَةِ هُنَا عَلَى قَوْلَيْنِ يَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنَى وَاحِدٍ أَصَحُّهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ مَعْنَاهَا اللُّغَوِيُّ وَهُوَ الْجِمَاعُ فَتَقْدِيرُهُ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْجِمَاعَ لِقُدْرَتِهِ عَلَى مُؤَنِهِ وَهِيَ مُؤَنُ النِّكَاحِ فَلْيَتَزَوَّجْ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الْجِمَاعَ لِعَجْزِهِ عَنْ مُؤَنِهِ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ لِيَدْفَعَ شَهْوَتَهُ وَيَقْطَعَ شَرَّ مَنِيَّهُ كَمَا يَقْطَعُهُ الْوِجَاءُ وَعَلَى هَذَا القول وقع الْخِطَابِ مَعَ الشُّبَّانِ الَّذِينَ هُمْ مَظِنَّةُ شَهْوَةِ النِّسَاءِ وَلَا يَنْفَكُّونَ عَنْهَا غَالِبًا وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا بِالْبَاءَةِ مُؤَنُ النِّكَاحِ سُمِّيَتْ بِاسْمِ مَا يُلَازِمُهَا وَتَقْدِيرُهُ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ مُؤَنَ النِّكَاحِ فَلْيَتَزَوَّجْ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْهَا فَلْيَصُمْ ليدفع شهوته والذي حمل القائلين بهذا على هذا أَنَّهُمْ قَالُوا قَوْلُهُ ﷺ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ قَالُوا وَالْعَاجِزُ عَنِ الْجِمَاعِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الصَّوْمِ لِدَفْعِ الشَّهْوَةِ فَوَجَبَ تَأْوِيلُ الْبَاءَةِ عَلَى الْمُؤَنِ وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ بِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَهُوَ أَنَّ تَقْدِيرَهُ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الْجِمَاعَ لِعَجْزِهِ عَنْ مُؤَنِهِ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى الْجِمَاعِ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا الْوِجَاءُ فَبِكَسْرِ الْوَاوِ وَبِالْمَدِّ وَهُوَ رَضُّ الْخُصْيَتَيْنِ وَالْمُرَادُ هُنَا أَنَّ الصَّوْمَ يَقْطَعُ الشَّهْوَةَ وَيَقْطَعُ شَرَّ الْمَنِيِّ كَمَا يَفْعَلُهُ الْوِجَاءُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْأَمْرُ بِالنِّكَاحِ لِمَنِ اسْتَطَاعَهُ وَتَاقَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً أَمْرُ نَدْبٍ لَا إِيجَابَ فَلَا يَلْزَمُ التَّزَوُّجُ وَلَا التَّسَرِّي سَوَاءٌ خَافَ الْعَنَتَ أَمْ لَا هَذَا مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً وَلَا يُعْلَمُ أَحَدٌ أَوْجَبَهُ إِلَّا دَاوُدَ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ فَإِنَّهُمْ قَالُوا يَلْزَمُهُ إِذَا خَافَ الْعَنَتَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَوْ يَتَسَرَّى قَالُوا وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ فِي الْعُمُرِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَلَمْ يَشْرِطْ بَعْضُهُمْ خَوْفَ الْعَنَتَ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إِنَّمَا يَلْزَمُهُ التَّزْوِيجُ فَقَطْ وَلَا يَلْزَمُهُ الْوَطْءُ وَتَعَلَّقُوا بِظَاهِرِ الْأَمْرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ مَعَ الْقُرْآنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ وَغَيْرَهَا مِنَ الْآيَاتِ وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إلى قوله تعالى وما مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَخَيَّرَهُ بَيْنَ النِّكَاحِ وَالتَّسَرِّي قَالَ الْإِمَامُ الْمَازِرِيُّ هَذَا حُجَّةٌ لِلْجُمْهُورِ لِأَنَّهُ خَيَّرَهُ بَيْنَ
стр. 2053
النِّكَاحِ وَالتَّسَرِّي بِالِاتِّفَاقِ وَلَوْ كَانَ النِّكَاحُ وَاجِبًا لَمَا خَيَّرَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّسَرِّي لِأَنَّهُ لَا يصح عند الأصوليين التخيير بين واجب وغيره لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى إِبْطَالِ حَقِيقَةِ الْوَاجِبِ وَأَنَّ تَارِكَهُ لَا يَكُونُ آثِمًا وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي فَمَعْنَاهُ مَنْ رَغِبَ عَنْهَا إِعْرَاضًا عنها غير معتقد على ما هي والله أعلم أما الْأَفْضَلُ مِنَ النِّكَاحِ وَتَرْكِهِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا النَّاسُ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ قِسْمٌ تَتُوقُ إِلَيْهِ نَفْسُهُ وَيَجِدُ الْمُؤَنَ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ النِّكَاحُ وَقِسْمٌ لَا تَتُوقُ وَلَا يَجِدُ الْمُؤَنَ فَيُكْرَهُ لَهُ وَقِسْمٌ تَتُوقُ وَلَا يَجِدُ الْمُؤَنَ فَيُكْرَهُ لَهُ وَهَذَا مَأْمُورٌ بِالصَّوْمِ لِدَفْعِ التَّوَقَانِ وَقِسْمٌ يَجِدُ الْمُؤَنَ وَلَا تَتُوقُ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِنَا أَنَّ تَرْكَ النِّكَاحِ لِهَذَا وَالتَّخَلِّي لِلْعِبَادَةِ أَفْضَلُ وَلَا يُقَالُ النِّكَاحُ مَكْرُوهٌ بَلْ تَرْكُهُ أَفْضَلُ وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَبَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَنَّ النِّكَاحَ لَهُ أَفْضَلُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (إِنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَلَا نُزَوِّجُكَ جَارِيَةً شَابَّةً لَعَلَّهَا تُذَكِّرُكَ بَعْضَ مَا مَضَى مِنْ زَمَانِكَ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ عَرْضِ الصَّاحِبِ هَذَا عَلَى صَاحِبِهِ الَّذِي لَيْسَتْ لَهُ زَوْجَةٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَهُوَ صَالِحٌ لِزَوَاجِهَا عَلَى مَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ قَرِيبًا وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ نِكَاحِ الشَّابَّةِ لِأَنَّهَا الْمُحَصِّلَةُ لِمَقَاصِدِ النِّكَاحِ فَإِنَّهَا أَلَذُّ اسْتِمْتَاعًا وَأَطْيَبُ نَكْهَةً وَأَرْغَبُ فِي الِاسْتِمْتَاعِ الَّذِي هُوَ مَقْصُودُ النِّكَاحِ وَأَحْسَنُ عِشْرَةً وَأَفْكَهُ مُحَادَثَةً وَأَجْمَلُ مَنْظَرًا وَأَلْيَنُ مَلْمَسًا وَأَقْرَبُ إِلَى أَنْ يُعَوِّدَهَا زَوْجُهَا الْأَخْلَاقَ الَّتِي يَرْتَضِيهَا وَقَوْلُهُ تُذَكِّرُكَ بَعْضَ مَا مَضَى مِنْ زَمَانِكَ مَعْنَاهُ تَتَذَكَّرُ بِهَا بَعْضَ مَا مَضَى مِنْ نَشَاطِكَ وَقُوَّةِ شَبَابِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ يُنْعِشُ البدن قوله (ان عثمان دعا بن مَسْعُودٍ وَاسْتَخْلَاهُ فَقَالَ لَهُ) هَذَا الْكَلَامُ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْإِسْرَارِ بِمِثْلِ هَذَا فَإِنَّهُ مِمَّا يُسْتَحَى مِنْ ذِكْرِهِ بَيْنَ النَّاسِ وَقَوْلُهُ أَلَا نُزَوِّجُكَ جَارِيَةً بِكْرًا دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْبِكْرِ وَتَفْضِيلِهَا عَلَى الثَّيِّبِ وَكَذَا
стр. 2054
قَالَهُ أَصْحَابُنَا لِمَا قَدَّمْنَاهُ قَرِيبًا فِي قَوْلِهِ جَارِيَةً شَابَّةً قَوْلُهُ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ دَخَلْتُ أَنَا وَعَمِّي عَلْقَمَةُ وَالْأَسْوَدُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ وَهُوَ الصَّوَابُ قَالَ الْقَاضِي وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَا وَعَمَّايَ عَلْقَمَةُ وَالْأَسْوَدُ وَهُوَ غَلَطٌ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْأَسْوَدَ أَخُو عَبْدِ الرحمن بن يزيد لاعمه وَعَلْقَمَةُ عَمُّهُمَا جَمِيعًا وَهُوَ عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ قَوْلُهُ (فَذَكَرَ حَدِيثًا رُئِيتُ أَنَّهُ حَدَّثَ بِهِ مِنْ أَجْلِي) هَكَذَا هُوَ فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا رَأَيْتُ وَهُمَا صَحِيحَانِ
стр. 2055
الْأَوَّلُ مِنَ الظَّنِّ وَالثَّانِي مِنَ الْعِلْمِ
[١٤٠١] قَوْلُهُ ﷺ (فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) سَبَقَ تَأْوِيلُهُ وَأَنَّ مَعْنَاهُ مَنْ تَرَكَهَا إِعْرَاضًا عَنْهَا غَيْرَ مُعْتَقِدٍ لَهَا على مَا هِيَ عَلَيْهِ أَمَّا مَنْ تَرَكَ النِّكَاحَ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ لَهُ تَرْكُهُ كَمَا سَبَقَ أَوْ تَرَكَ النَّوْمَ عَلَى الْفِرَاشِ لِعَجْزِهِ عَنْهُ أَوْ لِاشْتِغَالِهِ بِعِبَادَةٍ مَأْذُونٍ فِيهَا أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ هَذَا الذَّمُّ وَالنَّهْيُ قوله (إن النبي ﷺ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا) هُوَ مُوَافِقٌ لِلْمَعْرُوفِ مِنْ خُطَبِهِ ﷺ فِي مِثْلِ هَذَا أَنَّهُ إِذَا كَرِهَ شَيْئًا فَخَطَبَ لَهُ ذَكَرَ كَرَاهِيَتَهُ وَلَا يُعَيِّنُ فَاعِلَهُ وهذا مِنْ عَظِيمِ خُلُقِهِ ﷺ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ ذَلِكَ الشَّخْصُ وَجَمِيعُ الْحَاضِرِينَ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يَبْلُغُهُ ذَلِكَ وَلَا يَحْصُلُ تَوْبِيخُ صَاحِبِهِ فِي الْمَلَأِ
[١٤٠٢] قَوْلُهُ (رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا) قَالَ الْعُلَمَاءُ التَّبَتُّلُ هُوَ الِانْقِطَاعُ عَنِ النِّسَاءِ وَتَرْكُ النِّكَاحِ انْقِطَاعًا إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَأَصْلُ التَّبَتُّلِ الْقَطْعُ وَمِنْهُ مَرْيَمُ الْبَتُولُ وَفَاطِمَةُ الْبَتُولُ لِانْقِطَاعِهِمَا عَنْ نِسَاءِ زَمَانِهِمَا دِينًا وَفَضْلًا وَرَغْبَةً فِي الْآخِرَةِ وَمِنْهُ صَدَقَةٌ بَتْلَةٌ أَيْ مُنْقَطِعَةٌ عَنْ تَصَرُّفِ مَالِكِهَا قَالَ الطَّبَرِيُّ التَّبَتُّلُ هُوَ تَرْكُ لَذَّاتِ الدُّنْيَا وَشَهَوَاتِهَا وَالِانْقِطَاعُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّفَرُّغِ لِعِبَادَتِهِ وَقَوْلُهُ رَدَّ عَلَيْهِ التَّبَتُّلَ مَعْنَاهُ نَهَاهُ عَنْهُ وَهَذَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ تَاقَتْ نَفْسُهُ إِلَى النِّكَاحِ وَوَجَدَ مُؤَنَهُ كَمَا سَبَقَ ايضاحه وعلى من أضربه التَّبَتُّلُ بِالْعِبَادَاتِ الْكَثِيرَةِ الشَّاقَّةِ أَمَّا الْإِعْرَاضُ
стр. 2056
عَنِ الشَّهَوَاتِ وَاللَّذَّاتِ مِنْ غَيْرِ إِضْرَارٍ بِنَفْسِهِ وَلَا تَفْوِيتِ حَقٍّ لِزَوْجَةٍ وَلَا غَيْرِهَا فَفَضِيلَةٌ لِلْمَنْعِ مِنْهَا بَلْ مَأْمُورٌ بِهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ لو أذن له لا ختصينا فَمَعْنَاهُ لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي الِانْقِطَاعِ عَنِ النِّسَاءِ وَغَيْرِهِنَّ مِنْ مَلَاذِ الدُّنْيَا لَاخْتَصَيْنَا لِدَفْعِ شهوة النساء ليمكنا التَّبَتُّلُ وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَظُنُّونَ جَوَازَ الِاخْتِصَاءِ بِاجْتِهَادِهِمْ وَلَمْ يَكُنْ ظَنُّهُمْ هَذَا مُوَافِقًا فَإِنَّ الِاخْتِصَاءَ فِي الْآدَمِيِّ حَرَامٌ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا قَالَ الْبَغَوِيُّ وَكَذَا يَحْرُمُ خِصَاءُ كُلِّ حَيَوَانٍ لَا يُؤْكَلُ وَأَمَّا الْمَأْكُولُ فَيَجُوزُ خِصَاؤُهُ فِي صِغَرِهِ وَيَحْرُمُ فِي كِبَرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(بَابُ نَدْبِ مَنْ رَأَى امْرَأَةً فَوَقَعَتْ فِي نَفْسِهِ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ امْرَأَتَهُ (أَوْ جَارِيَتَهُ فَيُوَاقِعَهَا)
[١٤٠٣] قَوْلُهُ ﷺ (إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ وَتُدْبِرُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ فَإِذَا أَبْصَرَ أَحَدُكُمُ)
стр. 2057
امْرَأَةً فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى إِذَا أَحَدُكُمْ أَعْجَبَتْهُ الْمَرْأَةُ فَوَقَعَتْ فِي قَلْبِهِ فَلْيَعْمِدْ إِلَى امْرَأَتِهِ فَلْيُوَاقِعْهَا فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ هَذِهِ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ مُبَيِّنَةٌ لِلْأُولَى وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ رَأَى امْرَأَةً فَتَحَرَّكَتْ شَهْوَتُهُ أَنْ يَأْتِيَ امْرَأَتَهُ أَوْ جَارِيَتَهُ إِنْ كَانَتْ لَهُ فَلْيُوَاقِعْهَا لِيَدْفَعَ شَهْوَتَهُ وَتَسْكُنَ نَفْسُهُ وَيَجْمَعَ قَلْبَهُ عَلَى مَا هُوَ بِصَدَدِهِ قَوْلُهُ ﷺ (إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ وَتُدْبِرُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ) قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَاهُ الْإِشَارَةُ إِلَى الْهَوَى وَالدُّعَاءِ إِلَى الْفِتْنَةِ بِهَا لِمَا جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي نُفُوسِ الرِّجَالِ مِنَ الْمَيْلِ إِلَى النِّسَاءِ وَالِالْتِذَاذِ بِنَظَرِهِنَّ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِنَّ فَهِيَ شَبِيهَةٌ بِالشَّيْطَانِ فِي دُعَائِهِ إِلَى الشَّرِّ بِوَسْوَسَتِهِ وَتَزْيِينِهِ لَهُ وَيُسْتَنْبَطُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ لَا تَخْرُجَ بَيْنَ الرِّجَالِ إِلَّا لِضَرُورَةٍ وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ الْغَضُّ عَنْ ثِيَابِهَا وَالْإِعْرَاضُ عَنْهَا مُطْلَقًا قَوْلُهُ (تَمْعَسُ مَنِيئَةً) قَالَ أَهْلُ اللغة المعس بالعين المهملة الدلك والمنيئة بِمِيمٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ نُونٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ هَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ ثُمَّ تَاءٍ تُكْتَبُ هَاءً وَهِيَ عَلَى وَزْنِ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ وَذَبِيحَةٍ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ هي الجلد أول ما يوضع في الدباغ وقال الكسائي يسمي منيئة ثم أفيق بفتح الهمزة وسر الفاء وجمعه أفق كفقيز وقفز ثم أديم عُبَيْدَةَ هُوَ فِي أَوَّلِ الدِّبَاغِ مَنِيئَةٌ ثُمَّ أَفِيقٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْفَاءِ وَجَمْعُهُ أُفُقٌ كَقَفِيزِ وَقُفُزٌ ثُمَّ أَدِيمٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ رأى امْرَأَةً فَأَتَى امْرَأَتَهُ زَيْنَبَ وَهِيَ تَمْعَسُ مَنِيئَةً لَهَا فَقَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ) إِلَى آخِرِهِ قَالَ
стр. 2058
الْعُلَمَاءُ إِنَّمَا فَعَلَ هَذَا بَيَانًا لَهُمْ وَإِرْشَادًا لِمَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوهُ فَعَلَّمَهُمْ بِفِعْلِهِ وَقَوْلِهِ وَفِيهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِطَلَبِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ إِلَى الْوِقَاعِ فِي النَّهَارِ وَغَيْرِهِ وَإِنْ كانت مشتغلة بما يمكن تركه لِأَنَّهُ رُبَّمَا غَلَبَتْ عَلَى الرَّجُلِ شَهْوَةٌ يَتَضَرَّرُ بِالتَّأْخِيرِ فِي بَدَنِهِ أَوْ فِي قَلْبِهِ وَبَصَرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(بَابُ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَبَيَانِ أَنَّهُ أُبِيحَ ثُمَّ نُسِخَ ثُمَّ أُبِيحَ ثُمَّ نُسِخَ)
(وَاسْتَقَرَّ تَحْرِيمُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) اعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِي عِيَاضًا بَسَطَ شَرْحَ هَذَا الْبَابِ بَسْطًا بَلِيغًا وَأَتَى فِيهِ بِأَشْيَاءَ نَفِيسَةٍ وَأَشْيَاءَ يُخَالَفُ فِيهَا فَالْوَجْهُ أَنْ نَنْقُلَ مَا ذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا ثُمَّ نَذْكُرَ مَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ وَيُخَالَفُ فِيهِ وَنُنَبِّهَ عَلَى الْمُخْتَارِ قَالَ الْمَازِرِيُّ ثَبَتَ أَنَّ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ كَانَ جَائِزًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ ثَبَتَ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَذْكُورَةِ هُنَا أَنَّهُ نُسِخَ وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَلَمْ يُخَالِفْ فِيهِ إِلَّا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْتَبْدِعَةِ وَتَعَلَّقُوا بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ فَلَا دَلَالَةَ لَهُمْ فِيهَا وَتَعَلَّقُوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن وفي قراءة بن مَسْعُودٍ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إِلَى أَجَلٍ وقراءة بن مَسْعُودٍ هَذِهِ شَاذَّةٌ لَا يُحْتَجُّ بِهَا قُرْآنًا وَلَا خَبَرًا وَلَا يَلْزَمُ الْعَمَلُ بِهَا قَالَ وَقَالَ زُفَرُ مَنْ نَكَحَ نِكَاحَ مُتْعَةٍ تَأَبَّدَ نِكَاحُهُ وَكَأَنَّهُ جَعَلَ ذِكْرَ التَّأْجِيلِ مِنْ بَابِ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي النِّكَاحِ فَإِنَّهَا تُلْغَى وَيَصِحُّ النِّكَاحُ قَالَ الْمَازِرِيُّ وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي النَّهْيِ عَنِ الْمُتْعَةِ فَفِيهِ أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْهَا يَوْمَ خَيْبَرَ وَفِيهِ أَنَّهُ نَهَى عَنْهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهَذَا مَنْ أَجَازَ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ وَزَعَمَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ تَعَارَضَتْ وَأَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ قَادِحٌ فِيهَا قُلْنَا هَذَا الزَّعْمُ خَطَأٌ وَلَيْسَ هَذَا تَنَاقُضًا لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَنْهَى عَنْهُ فِي زَمَنٍ ثُمَّ يَنْهَى عَنْهُ فِي زَمَنٍ آخَرَ تَوْكِيدًا أَوْ لِيَشْتَهِرَ النَّهْيُ وَيَسْمَعَهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَمِعَهُ أَوَّلًا فَسَمِعَ بَعْضُ الرُّوَاةِ النَّهْيَ فِي زَمَنٍ وَسَمِعَهُ آخَرُونَ فِي زَمَنٍ آخَرَ فَنَقَلَ كُلٌّ مِنْهُمْ مَا سَمِعَهُ وَأَضَافَهُ إِلَى زَمَانِ سَمَاعِهِ هَذَا كَلَامُ الْمَازِرِيِّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَوَى حَدِيثَ إِبَاحَةِ الْمُتْعَةِ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فَذَكَرَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ بن مسعود وبن عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ وَسَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كُلِّهَا أَنَّهَا كَانَتْ فِي
стр. 2059
الْحَضَرِ وَإِنَّمَا كَانَتْ فِي أَسْفَارِهِمْ فِي الْغَزْوِ عِنْدَ ضَرُورَتِهِمْ وَعَدَمِ النِّسَاءِ مَعَ أَنَّ بِلَادَهُمْ حَارَّةٌ وَصَبْرَهُمْ عَنْهُنَّ قَلِيلٌ وَقَدْ ذَكَرَ فِي حديث بن أَبِي عُمَرَ أَنَّهَا كَانَتْ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لِمَنِ اضْطُرَّ إِلَيْهَا كَالْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا وَعَنِ بن عَبَّاسٍ ﵄ نَحْوُهُ وَذَكَرَ مُسْلِمٌ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ إِبَاحَتَهَا يَوْمَ أَوْطَاسَ وَمِنْ رِوَايَةِ سَبْرَةَ إِبَاحَتُهَا يَوْمَ الْفَتْحِ وَهُمَا وَاحِدٌ ثَمَّ حُرِّمَتْ يَوْمَئِذٍ وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ تَحْرِيمُهَا يَوْمَ خَيْبَرَ وَهُوَ قَبْلَ الْفَتْحِ وَذَكَرَ غَيْرُ مُسْلِمٍ عَنْ عَلِيٍّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْهَا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ مِنْ رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاشِدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ وَلَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ عَلَى هَذَا وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُ وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَالْعُمَرِيُّ وَيُونُسُ وَغَيْرُهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَفِيهِ يَوْمَ خَيْبَرَ وَكَذَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ عَنْ جَمَاعَةٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ عَنْ أَبِيهِ النَّهْيَ عَنْهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَهَذَا أَصَحُّ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَبْرَةَ أَيْضًا إِبَاحَتُهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ثُمَّ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْهَا حِينَئِذٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهَا مَا حَلَّتْ قَطُّ إِلَّا فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ وَرُوِيَ هَذَا عَنْ سَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ أَيْضًا وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَاتِ حَدِيثِ سَبْرَةَ تَعْيِينَ وَقْتٍ إِلَّا فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الدَّارِمِيِّ وَرِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَرِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ قَالُوا وَذِكْرُ الرِّوَايَةِ بِإِبَاحَتِهَا يَوْمَ حَجَّةِ الوداع خطأ لأنه لم يكن يؤمئذ ضَرُورَةٌ وَلَا عُزُوبَةٌ وَأَكْثَرُهُمْ حَجُّوا بِنِسَائِهِمْ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الَّذِي جَرَى فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مُجَرَّدُ النَّهْيِ كَمَا جَاءَ فِي غَيْرِ رِوَايَةٍ وَيَكُونُ تَجْدِيدُهُ ﷺ النَّهْيَ عَنْهَا يَوْمَئِذٍ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ وَلِتَمَامِ الدِّينِ وَتَقَرُّرِ الشَّرِيعَةِ كَمَا قَرَّرَ غَيْرَ شَيْءٍ وَبَيَّنَ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ يَوْمَئِذٍ وَبَتَّ تَحْرِيمَ الْمُتْعَةِ حِينَئِذٍ لِقَوْلِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ الْقَاضِي وَيَحْتَمِلُ مَا جَاءَ مِنْ تَحْرِيمِ الْمُتْعَةِ يَوْمَ خَيْبَرَ وَفِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ وَيَوْمَ الْفَتْحِ وَيَوْمَ أَوْطَاسَ أَنَّهُ جَدَّدَ النَّهْيَ عَنْهَا فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ لِأَنَّ حَدِيثَ تَحْرِيمِهَا يَوْمَ خَيْبَرَ صَحِيحٌ لَا مَطْعَنَ فِيهِ بَلْ هُوَ ثَابِتٌ مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ لَكِنْ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ هَذَا الْكَلَامُ فِيهِ انْفِصَالٌ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ حَرَّمَ الْمُتْعَةَ وَلَمْ يُبَيِّنْ زَمَنَ تَحْرِيمَهَا ثُمَّ قَالَ وَلُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ فَيَكُونُ يَوْمُ خَيْبَرَ لِتَحْرِيمِ الْحُمُرِ خَاصَّةً وَلَمْ يُبَيِّنْ وَقْتَ تَحْرِيمِ الْمُتْعَةِ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ قَالَ هَذَا الْقَائِلُ وَهَذَا هُوَ الْأَشْبَهُ أَنَّ تَحْرِيمَ الْمُتْعَةِ كَانَ بِمَكَّةَ وَأَمَّا لُحُومُ الْحُمُرِ فَبِخَيْبَرَ بِلَا شَكٍّ قَالَ
стр. 2060
الْقَاضِي وَهَذَا أَحْسَنُ لَوْ سَاعَدَهُ سَائِرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ غَيْرِ سُفْيَانَ قَالَ وَالْأَوْلَى مَا قُلْنَاهُ أَنَّهُ قَرَّرَ التَّحْرِيمَ لَكِنْ يَبْقَى بَعْدَ هَذَا مَا جَاءَ مِنْ ذِكْرِ إِبَاحَتِهِ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ وَيَوْمِ الْفَتْحِ وَيَوْمِ أَوْطَاسَ فَتَحْتَمِلُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَبَاحَهَا لَهُمْ لِلضَّرُورَةِ بَعْدَ التَّحْرِيمِ ثُمَّ حَرَّمَهَا تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا فَيَكُونُ حَرَّمَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ وَفِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ ثُمَّ أَبَاحَهَا يَوْمَ الْفَتْحِ لِلضَّرُورَةِ ثُمَّ حَرَّمَهَا يَوْمَ الْفَتْحِ أَيْضًا تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا وَتَسْقُطُ رِوَايَةُ إِبَاحَتِهَا يَوْمَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِأَنَّهَا مَرْوِيَّةٌ عَنْ سَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ وَإِنَّمَا رَوَى الثِّقَاتُ الْأَثْبَاتُ عَنْهُ الْإِبَاحَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَالَّذِي فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ إِنَّمَا هُوَ التَّحْرِيمُ فَيُؤْخَذُ مِنْ حَدِيثِهِ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ جُمْهُورُ الرُّوَاةِ وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ مِنَ النَّهْيِ عَنْهَا يَوْمَ الْفَتْحِ وَيَكُونُ تَحْرِيمُهَا يَوْمَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ تَأْكِيدًا وَإِشَاعَةً لَهُ كَمَا سَبَقَ وَأَمَّا قَوْلُ الْحَسَنِ إِنَّمَا كَانَتْ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ لَا قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا فَتَرُدُّهُ الْأَحَادِيثُ الثَّابِتَةُ فِي تَحْرِيمِهَا يَوْمَ خَيْبَرَ وَهِيَ قَبْلَ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ وَمَا جَاءَ مِنْ إِبَاحَتِهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَيَوْمَ أَوْطَاسَ مَعَ أَنَّ الرِّوَايَةَ بِهَذَا إِنَّمَا جَاءَتْ عَنْ سَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ وَهُوَ رَاوِي الرِّوَايَاتِ الْأُخَرِ وَهِيَ أَصَحُّ فَيُتْرَكُ مَا خَالَفَ الصَّحِيحَ وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ هَذَا مِمَّا تَدَاوَلَهُ التَّحْرِيمُ وَالْإِبَاحَةُ وَالنَّسْخُ مَرَّتَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي وَالصَّوَابُ الْمُخْتَارُ أَنَّ التَّحْرِيمَ وَالْإِبَاحَةَ كَانَا مَرَّتَيْنِ وَكَانَتْ حَلَالًا قَبْلَ خَيْبَرَ ثُمَّ حُرِّمَتْ يَوْمَ خَيْبَرَ ثُمَّ أُبِيحَتْ يوم فتح مكة وهو يوم أوطاس لا تصالهما ثُمَّ حُرِّمَتْ يَوْمَئِذٍ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَاسْتَمَرَّ التَّحْرِيمُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ الْإِبَاحَةَ مُخْتَصَّةُ بِمَا قَبْلَ خَيْبَرَ وَالتَّحْرِيمُ يَوْمَ خَيْبَرَ لِلتَّأْبِيدِ وَأَنَّ الَّذِي كَانَ يَوْمَ الْفَتْحِ مُجَرَّدَ تَوْكِيدِ التَّحْرِيمِ مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ إِبَاحَةٍ يَوْمَ الْفَتْحِ كَمَا اختاره المازرى والقاضي لِأَنَّ الرِّوَايَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ فِي الْإِبَاحَةِ يَوْمَ الْفَتْحِ صَرِيحَةٌ فِي ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ إِسْقَاطُهَا وَلَا مَانِعَ يَمْنَعُ تَكْرِيرَ الْإِبَاحَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْقَاضِي وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْمُتْعَةَ كَانَتْ نِكَاحًا إِلَى أَجَلٍ لَا مِيرَاثَ فِيهَا وَفِرَاقُهَا يَحْصُلُ بِانْقِضَاءِ الْأَجَلِ مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ وَوَقَعَ الْإِجْمَاعُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى تَحْرِيمِهَا مِنْ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ إِلَّا الرَّوَافِضَ وَكَانَ بن عَبَّاسٍ ﵁ يَقُولُ بِإِبَاحَتِهَا وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ قَالَ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ مَتَى وَقَعَ نِكَاحُ الْمُتْعَةِ الْآنَ حُكِمَ بِبُطْلَانِهِ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ إِلَّا مَا سَبَقَ عَنْ زُفَرَ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ هَلْ يُحَدُّ الْوَاطِئُ فِيهِ وَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَا يُحَدُّ لِشُبْهَةِ الْعَقْدِ وَشُبْهَةِ الْخِلَافِ وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ اخْتِلَافُ الْأُصُولِيِّينَ فِي أَنَّ الْإِجْمَاعَ بَعْدَ الْخِلَافِ هَلْ يَرْفَعُ الْخِلَافَ وَيُصَيِّرُ الْمَسْأَلَةَ مُجْمَعًا عَلَيْهَا وَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَرْفَعُهُ بل يدوم
стр. 2061
الْخِلَافُ وَلَا يُصَيِّرُ الْمَسْأَلَةَ بَعْدَ ذَلِكَ مُجْمَعًا عَلَيْهَا أَبَدًا وَبِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ قَالَ الْقَاضِي وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ نَكَحَ نِكَاحًا مُطْلَقًا وَنِيَّتُهُ أَنْ لَا يَمْكُثَ مَعَهَا إِلَّا مُدَّةً نَوَاهَا فَنِكَاحُهُ صَحِيحٌ حَلَالٌ وَلَيْسَ نِكَاحُ مُتْعَةٍ وَإِنَّمَا نِكَاحُ الْمُتْعَةِ مَا وَقَعَ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ وَلَكِنْ قَالَ مَالِكٌ لَيْسَ هَذَا مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ وَشَذَّ الْأَوْزَاعِيُّ فَقَالَ هُوَ نِكَاحُ مُتْعَةٍ وَلَا خَيْرَ فِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[١٤٠٤] قَوْلُهُ (فَقُلْنَا أَلَا نَسْتَخْصِي فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ) فِيهِ مُوَافَقَةٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْبَابِ السَّابِقِ مِنْ تَحْرِيمِ الْخَصْيِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ النَّسْلِ وَتَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (رَخَّصَ لنا أن ننكح المرأة بالثوب) أي بالثوب وَغَيْرِهِ مِمَّا نَتَرَاضَى بِهِ قَوْلُهُ (ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ كَانَ يَعْتَقِدُ إِبَاحَتَهَا كقول بن عباس وأنه لم يبلغه نسخها قَوْلُهُ (وَحَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ الْعَيْشِيُّ حَدَّثَنَا يزيد بن زريع حدثنا روح وهو بن القاسم عن
стр. 2062
عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ وَجَابِرٍ) هَكَذَا هُوَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَسَقَطَ فِي بَعْضِهَا ذِكْرُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ بَلْ قَالَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَلَمَةَ وَجَابِرٍ وَذَكَرَ الْمَازِرِيُّ أَيْضًا أَنَّ النَّسْخَ اخْتُلِفَ فِيهِ وَأَنَّهُ ثَبَتَ ذكر الحسن في رواية بن مَاهَانَ وَسَقَطَ فِي رِوَايَةِ الْجُلُودِيِّ وَسَبَقَ بَيَانُ أُمَيَّةَ بْنِ بِسْطَامٍ وَأَنَّهُ يَجُوزُ صَرْفُ بِسْطَامٍ وَتَرْكُ صَرْفِهِ وَأَنَّ الْبَاءَ تُكْسَرُ وَقَدْ تُفْتَحُ والعيشى بالشين المعجمة
[١٤٠٥] قَوْلُهُ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَا خَرَجَ عَلَيْنَا مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَسْتَمْتِعُوا) وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عَنْ سَلَمَةَ وَجَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَانَا فَأَذِنَ لَنَا فِي الْمُتْعَةِ فَقَوْلُهُ فِي الثَّانِيَةِ أَتَانَا يَحْتَمِلُ أَتَانَا رَسُولُهُ وَمُنَادِيهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ ﷺ مَرَّ عَلَيْهِمْ فَقَالَ لَهُمْ ذَلِكَ بِلِسَانِهِ قَوْلُهُ (اسْتَمْتَعْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ) هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الَّذِي اسْتَمْتَعَ فِي عَهْدِ أَبِي بكر وعمر لم يبلغه النسخ وقوله (حتى نَهَانَا عَنْهُ عُمَرُ) يَعْنِي حِينَ بَلَغَهُ النَّسْخُ وَقَدْ سَبَقَ إِيضَاحُ هَذَا قَوْلُهُ (كُنَّا نَسْتَمْتِعُ بِالْقُبْضَةِ مِنَ التَّمْرِ وَالدَّقِيقِ) الْقُبْضَةُ بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِهَا وَالضَّمُّ أَفْصَحُ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ الْقُبْضَةُ بِالضَّمِّ مَا قَبَضْتَ عَلَيْهِ مِنَ الشَّيْءِ يُقَالُ أَعْطَاهُ قُبْضَةً مِنْ سَوِيقٍ
стр. 2063
أَوْ تَمْرٍ قَالَ وَرُبَّمَا فُتِحَ قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ) ذَكَرْنَا مَرَّاتٍ أَنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى جَدِّهِ الْأَعْلَى أَبِي بَكْرٍ الصَّحَابِيِّ قَوْلُهُ (رَخَّصَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ أَوْطَاسَ فِي الْمُتْعَةِ ثَلَاثًا ثُمَّ نَهَى عَنْهَا) هَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّهَا أُبِيحَتْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَهُوَ وَيَوْمُ أَوْطَاسَ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَأَوْطَاسُ وَادٍ بِالطَّائِفِ وَيُصْرَفُ وَلَا يُصْرَفُ فَمَنْ صَرَفَهُ أَرَادَ الْوَادِيَ وَالْمَكَانَ وَمَنْ لَمْ يَصْرِفْهُ أَرَادَ الْبُقْعَةَ كَمَا فِي نَظَائِرِهِ وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالِهِمْ لَهُ غَيْرُ مَصْرُوفٍ
[١٤٠٦] قَوْلُهُ (الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ) هُوَ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ قَوْلُهُ (فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ إِلَى امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ كَأَنَّهَا بَكْرَةٌ عَيْطَاءُ) أَمَّا الْبَكْرَةُ فَهِيَ الْفَتِيَّةُ مِنَ الْإِبِلِ أَيَ الشَّابَّةُ الْقَوِيَّةُ وَأَمَّا الْعَيْطَاءُ فَبِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ
стр. 2064
الْمُثَنَّاةِ تَحْتَ وَبِطَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَبِالْمَدِّ وَهِيَ الطَّوِيلَةُ الْعُنُقِ فِي اعْتِدَالٍ وَحُسْنِ قَوَامٍ وَالْعَيَطُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْيَاءِ طُولُ الْعُنُقِ قَوْلُهُ ﷺ (مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ النِّسَاءِ الَّتِي يَتَمَتَّعُ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهَا) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ الَّتِي يَتَمَتَّعُ فَلْيُخَلِّ أَيْ يَتَمَتَّعُ بِهَا فَحَذَفَ بِهَا لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ أَوْ أَوْقَعَ يَتَمَتَّعُ مَوْقِعَ يُبَاشِرُ أَيْ يُبَاشِرُهَا وَحَذَفَ الْمَفْعُولَ قَوْلُهُ (وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الدَّمَامَةِ) هِيَ بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَهِيَ الْقُبْحُ فِي الصُّورَةِ قَوْلُهُ (فَبُرْدِي خَلَقٌ) هُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ أَيْ قَرِيبٌ مِنَ الْبَالِي قَوْلُهُ (فَتَلَقَّتْنَا فَتَاةٌ مِثْلُ الْبَكْرَةِ الْعَنَطْنَطَةِ) هِيَ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَبِنُونَيْنِ الْأُولَى مَفْتُوحَةٌ وَبِطَاءَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ وَهِيَ كَالْعَيْطَاءِ وَسَبَقَ بَيَانُهَا وَقِيلَ هِيَ الطَّوِيلَةُ فَقَطْ وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ قَوْلُهُ (ينْظُرُ إِلَى عِطْفِهَا) هُوَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ جَانِبُهَا وَقِيلَ مِنْ رَأْسِهَا إِلَى وَرِكِهَا وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى
стр. 2065
أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَلِيٌّ وَلَا شُهُودٌ قَوْلُهُ (إِنَّ بُرْدَ هَذَا خَلَقٌ مَحٌّ) هُوَ بِمِيمٍ مَفْتُوحَةٍ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مُشَدَّدَةٍ وَهُوَ الْبَالِي وَمِنْهُ مَحَّ الْكِتَابُ إِذَا بَلِيَ وَدَرَسَ قَوْلُهُ ﷺ (قَدْ كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الِاسْتِمْتَاعِ مِنَ النِّسَاءِ وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَمَنْ كَانَ عَنَدَهُ مِنْهُنَّ شَيْءٌ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهَا وَلَا تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا) وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ التَّصْرِيحُ بِالْمَنْسُوخِ وَالنَّاسِخِ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَحَدِيثِ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِتَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَمَتَّعُونَ إِلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُمُ النَّاسِخُ كَمَا سَبَقَ وَفِيهِ أَنَّ الْمَهْرَ الَّذِي كَانَ أَعْطَاهَا يَسْتَقِرُّ لَهَا وَلَا يَحِلُّ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُ وَإِنْ فَارَقَهَا قَبْلَ الْأَجَلِ الْمُسَمَّى كَمَا أَنَّهُ
стр. 2066
يَسْتَقِرُّ فِي النِّكَاحِ الْمَعْرُوفِ الْمَهْرِ الْمُسَمَّى بِالْوَطْءِ وَلَا يَسْقُطُ مِنْهُ شَيْءٌ بِالْفُرْقَةِ بَعْدَهُ قَوْلُهُ (فَآمَرَتْ نَفْسَهَا سَاعَةً) هُوَ بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ أَيْ شَاوَرَتْ نَفْسَهَا وَأَفْكَرَتْ فِي ذَلِكَ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تعالى أن الملأ
стр. 2067
يأتمرون بك قَوْلُهُ (إِنَّ نَاسًا أَعْمَى اللَّهُ قُلُوبَهُمْ كَمَا أَعْمَى أَبْصَارَهُمْ يُفْتُونَ بِالْمُتْعَةِ يُعَرِّضُ بِرَجُلٍ) يَعْنِي يُعَرِّضُ بِابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ (إِنَّكَ لَجِلْفٌ جَافٍ) الجلف بكسر الجيم قال بن السِّكِّيتِ وَغَيْرِهِ الْجِلْفُ هُوَ الْجَافِي وَعَلَى هَذَا قِيلَ إِنَّمَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا تَوْكِيدًا لِاخْتِلَافِ اللَّفْظِ وَالْجَافِي هُوَ الْغَلِيظُ الطَّبْعِ الْقَلِيلُ الْفَهْمِ وَالْعِلْمِ وَالْأَدَبِ لِبُعْدِهِ عَنْ أَهْلِ ذَلِكَ قَوْلُهُ (فَوَاللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتَهَا لَأَرْجُمَنَّكَ بِأَحْجَارِكَ) هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَبْلَغَهُ النَّاسِخَ لَهَا وَأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ شَكٌّ فِي تَحْرِيمِهَا فَقَالَ إِنْ فَعَلْتَهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَوَطِئْتَ فِيهَا كُنْتَ زَانِيًا وَرَجَمْتُكَ بِالْأَحْجَارِ الَّتِي يُرْجَمُ بِهَا الزَّانِي قَوْلُهُ (فَأَخْبَرَنِي خَالِدُ بْنُ الْمُهَاجِرِ بْنِ سَيْفِ اللَّهِ) سَيْفُ اللَّهِ هُوَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْمَخْزُومِيُّ سَمَّاهُ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّهُ يَنْكَأُ فِي أَعْدَاءِ اللَّهِ
стр. 2068
[١٤٠٧] قَوْلُهُ (نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ) قَوْلُهُ الْإِنْسِيَّةِ ضَبَطُوهُ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا كَسْرُ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانُ النُّون وَالثَّانِي فَتْحُهُمَا جَمِيعًا وَصَرَّحَ الْقَاضِي بِتَرْجِيحِ الْفَتْحِ وَأَنَّهُ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِينَ وَفِي هَذَا تَحْرِيمُ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إِلَّا طَائِفَةً يَسِيرَةً مِنَ السَّلَفِ فَقَدْ رُوِيَ عن بن عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَبَعْضِ السَّلَفِ إِبَاحَتُهُ وَرُوِيَ عَنْهُمْ تَحْرِيمُهُ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ كَرَاهَتُهُ وَتَحْرِيمُهُ قَوْلُهُ (إِنَّكَ رَجُلٌ تَائِهٌ) هُوَ الْحَائِرُ الذَّاهِبُ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 2069
(بَابُ تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا فِي النِّكَاحِ)
[١٤٠٨] قَوْلُهُ ﷺ (لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا) وَفِي رِوَايَةٍ لَا تُنْكَحُ الْعَمَّةُ عَلَى بِنْتِ الْأَخِ وَلَا ابْنَةُ الْأُخْتِ عَلَى الْخَالَةِ هَذَا دَلِيلٌ لِمَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً أَنَّهُ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ خَالَتِهَا سَوَاءٌ كَانَتْ عَمَّةً وَخَالَةً حَقِيقَةً وَهِيَ أُخْتُ الْأَبِ وَأُخْتُ الْأُمِّ
стр. 2070
أَوْ مَجَازِيَّةً وَهِيَ أُخْتُ أَبِي الْأَبِ وَأَبِي الْجَدِّ وَإِنْ عَلَا أَوْ أُخْتُ أُمِّ الْأُمِّ وَأُمُّ الْجَدَّةِ مِنْ جِهَتَيِ الْأُمِّ وَالْأَبِ وَإِنْ عَلَتْ فَكُلُّهُنَّ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْخَوَارِجِ وَالشِّيعَةِ يَجُوزُ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَأُحِلُّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ واحتج الجمهور بهذه الأحاديث خصوا بِهَا الْآيَةَ وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورِ الْأُصُولِيِّينَ جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لِأَنَّهُ ﷺ مُبَيِّنٌ لِلنَّاسِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ كَالنِّكَاحِ فَهُوَ حَرَامٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً وَعِنْدَ الشِّيعَةِ مُبَاحٌ قَالُوا وَيُبَاحُ أَيْضًا الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ قَالُوا وَقَوْلُهُ تَعَالَى وَأَنْ تَجْمَعُوا بين الأختين إنما هُوَ فِي النِّكَاحِ قَالَ وَقَالَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً هو حرام
следующие страницы →