Полный текст (4 086 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.
стр. 2171
قَوْلُهُ ﷺ (فَإِذَا شَهِدَ أَمْرًا فَلْيَتَكَلَّمْ بِخَيْرٍ أَوْ لِيَسْكُتْ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ) فِيهِ الْحَثُّ عَلَى الرِّفْقِ بِالنِّسَاءِ وَاحْتِمَالِهِنَّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ إِلَّا بِخَيْرٍ فَأَمَّا الْكَلَامُ الْمُبَاحُ الَّذِي لَا فَائِدَةَ فِيهِ فَيُمْسِكُ عَنْهُ مَخَافَةً مِنَ انْجِرَارِهِ إِلَى حَرَامٍ أَوْ مَكْرُوهٍ
[١٤٦٩] قَوْلُهُ ﷺ (لَا يَفْرَكُ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ أَوْ قَالَ غَيْرَهُ) يَفْرَكُ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالرَّاءِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ بَيْنَهُمَا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ فَرِكَهُ بِكَسْرِ الراء يفركه بفتحها إِذَا أَبْغَضَهُ وَالْفَرْكُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ الْبُغْضُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هَذَا لَيْسَ عَلَى النَّهْيِ قَالَ هُوَ خَبَرٌ أَيْ لَا يَقَعُ مِنْهُ بُغْضٌ تَامٌّ لَهَا قَالَ وَبُغْضُ الرِّجَالِ لِلنِّسَاءِ خِلَافُ بُغْضِهِنَّ لَهُمْ قَالَ وَلِهَذَا قَالَ إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَهُوَ ضَعِيفٌ أَوْ غَلَطٌ بَلِ الصَّوَابُ أَنَّهُ نَهْيٌ أَيْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُبْغِضَهَا لِأَنَّهُ إِنْ وَجَدَ فِيهَا خُلُقًا يُكْرَهُ وَجَدَ فِيهَا خُلُقًا مَرْضِيًّا بِأَنْ تَكُونَ شَرِسَةَ الْخُلُقِ لَكِنَّهَا دَيِّنَةٌ أَوْ جَمِيلَةٌ أَوْ عَفِيفَةٌ أَوْ رَفِيقَةٌ بِهِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنْ أَنَّهُ نَهْيٌ يَتَعَيَّنُ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمَعْرُوفَ فِي الرِّوَايَاتِ لَا يَفْرَكْ بِإِسْكَانِ الْكَافِ لَا بِرَفْعِهَا وَهَذَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ النَّهْي وَلَوْ رُوِيَ مَرْفُوعًا لَكَانَ نَهْيًا
стр. 2172
بِلَفْظِ الْخَبَرِ وَالثَّانِي أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ خِلَافُهُ فَبَعْضُ النَّاسِ يُبْغِضُ زَوْجَتَهُ بُغْضًا شَدِيدًا وَلَوْ كَانَ خَبَرًا لَمْ يَقَعْ خِلَافُهُ وَهَذَا وَاقِعٌ وَمَا أَدْرِي مَا حَمَلَ الْقَاضِي عَلَى هَذَا التفسير
[١٤٧٠] قَوْلُهُ ﷺ (لَوْلَا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا الدَّهْرَ) أَيْ لَمْ تخنه أبدا وحواء بالمد روينا عن بن عَبَّاسٍ قَالَ سُمِّيَتْ حَوَّاءُ لِأَنَّهَا أُمُّ كُلِّ حَيٍّ قِيلَ إِنَّهَا وَلَدَتْ لِآدَمَ أَرْبَعِينَ وَلَدًا فِي عِشْرِينَ بَطْنًا فِي كُلِّ بَطْنٍ ذَكَرٌ وَأُنْثَى وَاخْتَلَفُوا مَتَى خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعِ آدَمَ فقيل قبل دخولها الْجَنَّةَ فَدَخَلَاهَا وَقِيلَ فِي الْجَنَّةِ قَالَ الْقَاضِي وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهَا أُمُّ بَنَاتِ آدَمَ فأشبهنها ونزع العرق لما جرى لها فِي قِصَّةِ الشَّجَرَةِ مَعَ إِبْلِيسَ فَزَيَّنَ لَهَا أَكْلَ الشَّجَرَةِ فَأَغْوَاهَا فَأَخْبَرَتْ آدَمَ بِالشَّجَرَةِ فَأَكَلَ مِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ (لَوْلَا بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمْ يَخْبُثِ الطَّعَامُ وَلَمْ يَخْنَزِ اللَّحْمُ) هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالنُّونِ وَبِكَسْرِ النُّونِ وَالْمَاضِي مِنْهُ خَنِزَ بِكَسْرِ النُّونِ وَفَتْحِهَا وَمَصْدَرُهُ الْخَنَزُ وَالْخُنُوزُ وَهُوَ إِذَا تَغَيَّرَ وَأَنْتَنَ قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَاهُ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى نُهُوا عَنِ ادِّخَارِهَمَا فَادَّخَرُوا فَفَسَدَ وَأَنْتَنَ وَاسْتَمَرَّ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ والله أعلم
стр. 2173
(كتاب الطلاق هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْإِطْلَاقِ وَهُوَ الْإِرْسَالُ وَالتَّرْكُ وَمِنْهُ طَلَّقْتُ الْبِلَادَ أَيْ تَرَكْتُهَا وَيُقَالُ طَلَقَتِ الْمَرْأَةُ وَطَلُقَتْ بِفَتْحِ اللَّامِ وَضَمِّهَا وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ تطلق بضمها فيهما)
(بَاب تَحْرِيمِ طَلَاقِ الْحَائِضِ بِغَيْرِ رِضَاهَا)
(وَأَنَّهُ لو خالف وقع الطلاق ويؤمر برجعتها) أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ طَلَاقِ الْحَائِضِ الْحَائِلِ بِغَيْرِ رِضَاهَا فَلَوْ طَلَّقَهَا أَثِمَ وَوَقَعَ طَلَاقُهُ ويؤمر بالرجعة لحديث بن عُمَرَ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ وَشَذَّ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ فَقَالَ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ لَهُ فِيهِ فَأَشْبَهَ طَلَاقَ الْأَجْنَبِيَّةِ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ وَبِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً وَدَلِيلُهُمْ أَمْرُهُ بِمُرَاجَعَتِهَا وَلَوْ لَمْ يَقَعْ لَمْ تَكُنْ رَجْعَةً فَإِنْ قِيلَ الْمُرَادُ بِالرَّجْعَةِ الرَّجْعَةُ اللُّغَوِيَّةُ وَهِيَ الرَّدُّ إِلَى حَالِهَا الْأَوَّلِ لَا أَنَّهُ تُحْسَبُ عَلَيْهِ طَلْقَةٌ قُلْنَا هَذَا غَلَطٌ لِوَجْهَيْنِ أَحَدِهِمَا أَنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلَى الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ يُقَدَّمُ عَلَى حَمْلِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ كَمَا تَقَرَّرَ في أصول الفقه الثاني ان بن عُمَرَ صَرَّحَ فِي رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ بِأَنَّهُ حَسَبَهَا عَلَيْهِ طَلْقَةً وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا طَلَّقَهَا يُؤْمَرُ بِرَجْعَتِهَا كَمَا ذَكَرْنَا وهذه الرجعة مستحبة لا واجبة وآخرون هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَسَائِرُ الْكُوفِيِّينَ وَأَحْمَدُ وَفُقَهَاءُ الْمُحَدِّثِينَ وَآخَرُونَ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ هِيَ وَاجِبَةٌ فَإِنْ قِيلَ فَفِي حديث بن عُمَرَ هَذَا أَنَّهُ أُمِرَ بِالرَّجْعَةِ ثُمَّ بِتَأْخِيرِ الطَّلَاقِ إِلَى طُهْرٍ بَعْدَ الطُّهْرِ الَّذِي يَلِي هَذَا الْحَيْضَ فَمَا فَائِدَةُ التَّأْخِيرِ فَالْجَوَابُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ أَحَدِهَا لِئَلَّا تَصِيرَ الرَّجْعَةُ لِغَرَضِ الطَّلَاقِ فَوَجَبَ أَنْ يُمْسِكَهَا زَمَانًا كَانَ يَحِلُّ لَهُ فِيهِ الطَّلَاقُ وَإِنَّمَا أَمْسَكَهَا لِتَظْهَرَ فَائِدَةُ الرَّجْعَةِ وَهَذَا جَوَابُ أَصْحَابِنَا وَالثَّانِي عُقُوبَةٌ لَهُ وَتَوْبَةٌ مِنْ مَعْصِيَةٍ بِاسْتِدْرَاكِ جِنَايَتِهِ وَالثَّالِثِ أَنَّ الطُّهْرَ الْأَوَّلَ مَعَ الْحَيْضِ الَّذِي يَلِيهِ وَهُوَ الَّذِي طَلَّقَ فِيهِ كَقُرْءٍ وَاحِدٍ فَلَوْ طَلَّقَهَا فِي أَوَّلِ طُهْرٍ لَكَانَ كَمَنْ طَلَّقَ فِي الحيض والرابع
стр. 2174
أَنَّهُ نُهِيَ عَنْ طَلَاقِهَا فِي الطُّهْرِ لِيَطُولَ مَقَامُهُ مَعَهَا فَلَعَلَّهُ يُجَامِعُهَا فَيَذْهَبُ مَا فِي نَفْسِهِ مِنْ سَبَبِ طَلَاقِهَا فَيُمْسِكُهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ ﷺ (مره فليراجعها ثُمَّ لْيَتْرُكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ التي أمر الله أن تطلق لَهَا النِّسَاءُ يَعْنِي قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ أَيْ قَبْلَ أَنْ يَطَأَهَا فَفِيهِ تَحْرِيمُ الطَّلَاقِ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ قَالَ أَصْحَابُنَا يَحْرُمُ طَلَاقُهَا فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا لِئَلَّا تَكُونَ حَامِلًا فَيَنْدَمَ فَإِذَا بَانَ الْحَمْلُ دَخَلَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي طَلَاقِهَا عَلَى بَصِيرَةٍ فَلَا يَنْدَمُ فَلَا تُحَرَّمُ وَلَوْ كَانَتِ الْحَائِضُ حاملا فالصحيح عندنا وهو نَصُّ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ طَلَاقُهَا لِأَنَّ تَحْرِيمَ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ إِنَّمَا كَانَ لِتَطْوِيلِ الْعِدَّةِ لِكَوْنِهِ لَا يُحْسَبُ قُرْءًا وَأَمَّا الْحَامِلُ الْحَائِضُ فَعِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ فَلَا يَحْصُلُ فِي حَقِّهَا تَطْوِيلٌ وَفِي قَوْلِهِ ﷺ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا إِثْمَ فِي الطَّلَاقِ بِغَيْرِ سَبَبٍ لَكِنْ يُكْرَهُ لِلْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلى الله الطلاق فيكون حديث بن عُمَرَ لِبَيَانِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَهَذَا الْحَدِيثُ لِبَيَانِ كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ قَالَ أَصْحَابُنَا الطَّلَاقُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ حَرَامٌ وَمَكْرُوهٌ وَوَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ وَلَا يَكُونُ مُبَاحًا مُسْتَوِيَ الطَّرَفَيْنِ فَأَمَّا الْوَاجِبُ فَفِي صُورَتَيْنِ وَهُمَا فِي الْحَكَمَيْنِ إِذَا بَعَثَهُمَا الْقَاضِي عِنْدَ الشِّقَاقِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَرَأَيَا الْمَصْلَحَةَ فِي الطَّلَاقِ وَجَبَ عَلَيْهِمَا الطَّلَاقُ وَفِي الْمُولِي إِذَا مَضَتْ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَطَالَبَتِ الْمَرْأَةُ بِحَقِّهَا فَامْتَنَعَ مِنَ الْفَيْئَةِ وَالطَّلَاقِ فَالْأَصَحُّ عِنْدَنَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يُطَلِّقَ عَلَيْهِ طَلْقَةً رَجْعِيَّةً وَأَمَّا الْمَكْرُوهُ فَأَنْ يَكُونَ الْحَالُ بَيْنَهُمَا
стр. 2175
مُسْتَقِيمًا فَيُطَلِّقَ بِلَا سَبَبٍ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ حَدِيثُ أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ وَأَمَّا الْحَرَامُ فَفِي ثَلَاثِ صُوَرٍ أَحَدُهَا فِي الْحَيْضِ بِلَا عِوَضٍ مِنْهَا وَلَا سُؤَالِهَا وَالثَّانِي فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ قَبْلَ بَيَانِ الْحَمْلِ وَالثَّالِثُ إِذَا كَانَ عِنْدَهُ زَوْجَاتٌ يَقْسِمُ لَهُنَّ وَطَلَّقَ وَاحِدَةً قَبْلَ أَنْ يُوَفِيَهَا قَسْمَهَا وَأَمَّا الْمَنْدُوبُ فَهُوَ أن لا تَكُونَ الْمَرْأَةُ عَفِيفَةً أَوْ يَخَافَا أَوْ أَحَدُهُمَا أن لا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ وَاللَّهُ أعلم وأما جمع الطلقات الثلاث دَفْعَةً فَلَيْسَ بِحَرَامٍ عِنْدَنَا لَكِنِ الْأَوْلَى تَفْرِيقُهَا وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَاللَّيْثُ هُوَ بِدْعَةٌ قَالَ الخطابي وفي قوله ﷺ مره فليراجعها دلَيْلٌ عَلَى أَنَّ الرَّجْعَةَ لَا تَفْتَقِرُ إِلَى رِضَا الْمَرْأَةِ وَلَا وَلِيِّهَا وَلَا تَجْدِيدِ عَقْدٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[١٤٧١] قَوْلُهُ ﷺ (فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لَهَا النِّسَاءُ) فِيهِ دَلِيلٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَمُوَافِقِيهِمَا أَنَّ الْأَقْرَاءَ فِي الْعِدَّةِ هِيَ الْأَطْهَارُ لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ لِيُطَلِّقْهَا فِي الطُّهْرِ إِنْ شَاءَ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ أَيْ فِيهَا وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ بِطَلَاقِهِنَّ فِي الْحَيْضِ بَلْ حَرَّمَهُ فَإِنْ قِيلَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ فَتِلْكَ يَعُودُ إِلَى الْحَيْضَةِ قُلْنَا هَذَا غَلَطٌ لِأَنَّ الطَّلَاقَ فِي الْحَيْضِ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ بَلْ مُحَرَّمٌ وَإِنَّمَا الضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى الْحَالَةِ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ حَالَةُ الطُّهْرِ أَوْ إِلَى الْعِدَّةِ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْأُصُولِ وَاللُّغَةِ عَلَى أَنَّ الْقُرْءَ يُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ عَلَى الْحَيْضِ وَعَلَى الطُّهْرِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَقْرَاءِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بأنفسهن ثلاثة قروء وَفِيمَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ هِيَ الْأَطْهَارُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَآخَرُونَ هِيَ الْحَيْضُ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وعلى وبن مَسْعُودٍ ﵃ وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وزفر واسحاق
стр. 2176
وَآخَرُونَ مِنَ السَّلَفِ وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ قَالُوا لِأَنَّ مَنْ قَالَ بِالْأَطْهَارِ يَجْعَلُهَا قرءين وَبَعْضَ الثَّالِثِ وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ وَالْقَائِلُ بالحيض يشترط ثلاث حَيْضَاتٍ كَوَامِلَ فَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى مُوَافَقَةِ الْقُرْآنِ ولهذا الاعتراض صار بن شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ إِلَى أَنَّ الْأَقْرَاءَ هِيَ الْأَطْهَارُ قَالَ وَلَكِنْ لَا تَنْقَضِي الْعِدَّةُ إِلَّا بِثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ كَامِلَةٍ وَلَا تَنْقَضِي بِطُهْرَيْنِ وَبَعْضِ الثَّالِثِ وَهَذَا مَذْهَبٌ انْفَرَدَ بِهِ بَلِ اتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بالاطهار على أنها تنقضي بقرءين وَبَعْضِ الثَّالِثِ حَتَّى لَوْ طَلَّقَهَا وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الطُّهْرِ لَحْظَةٌ يَسِيرَةٌ حُسِبَ ذَلِكَ قُرْءًا وَيَكْفِيهَا طُهْرَانِ بَعْدَهُ وَأَجَابُوا عَنِ الِاعْتِرَاضِ بِأَنَّ الشَّيْئَيْنِ وَبَعْضَ الثَّالِثِ يُطْلَقُ عَلَيْهَا اسْمُ الْجَمِيعِ قال الله تعالى الحج أشهر معلومات وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ شَهْرَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ وَكَذَا قَوْلُهُ تعالى فمن تعجل في يومين الْمُرَادُ فِي يَوْمٍ وَبَعْضِ الثَّانِي وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالْأَطْهَارِ مَتَى تَنْقَضِي عِدَّتُهَا فَالْأَصَحُّ عِنْدَنَا أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الدَّمِ بَعْدَ الطُّهْرِ الثَّالِثِ وَفِي قَوْلٍ لَا تَنْقَضِي حَتَّى يَمْضِيَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَالْخِلَافُ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ كَهُوَ عِنْدَنَا وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالْحَيْضِ أَيْضًا فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى تَغْتَسِلَ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ أَوْ يَذْهَبَ وقت صلاة وقال عمر وعلى وبن مَسْعُودٍ وَالثَّوْرِيُّ وَزُفَرُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ حَتَّى تَغْتَسِلَ مِنَ الثَّالِثَةِ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَآخَرُونَ تَنْقَضِي بِنَفْسِ انْقِطَاعِ الدَّمِ وَعَنْ إِسْحَاقَ رِوَايَةٌ أَنَّهُ إذا انقطعت الدَّمُ انْقَطَعَتِ الرَّجْعَةُ وَلَكِنْ لَا تَحِلُّ لِلْأَزْوَاجِ حَتَّى تَغْتَسِلَ احْتِيَاطًا وَخُرُوجًا مِنَ الْخِلَافِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (قَالَ مُسْلِمٌ جَوَّدَ اللَّيْثُ فِي قَوْلِهِ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً) يَعْنِي أَنَّهُ حَفِظَ وَأَتْقَنَ قَدْرَ الطَّلَاقِ الَّذِي لَمْ يُتْقِنْهُ غَيْرُهُ وَلَمْ يُهْمِلْهُ كَمَا أَهْمَلَهُ غَيْرُهُ وَلَا غَلِطَ فِيهِ وَجَعَلَهُ ثَلَاثًا كَمَا غَلِطَ فِيهِ غَيْرُهُ وَقَدْ تَظَاهَرَتْ رِوَايَاتُ مُسْلِمٍ بِأَنَّهَا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ
стр. 2177
قَوْلُهُ ﷺ (ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا) فِيهِ دَلَالَةٌ لِجَوَازِ طَلَاقِ الْحَامِلِ الَّتِي تَبَيَّنَ حَمْلُهَا وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ قال بن الْمُنْذِرِ وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ طَاوُسٌ والحسن وبن سِيرِينَ وَرَبِيعَةُ وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ قَالَ بن الْمُنْذِرِ وَبِهِ أَقُولُ وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وقال بعضهم هو حرام وحكى بن الْمُنْذِرِ رِوَايَةً أُخْرَى عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ طَلَاقُ الْحَامِلِ مَكْرُوهٌ ثُمَّ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ وافقه أن لَهُ أَنْ يُطَلِّقَ الْحَامِلَ ثَلَاثًا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ وَبِأَلْفَاظٍ مُتَّصِلَةٍ وَفِي أَوْقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَا بِدْعَةَ فِيهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ يَجْعَلُ بَيْنَ الطَّلْقَتَيْنِ شَهْرًا وَقَالَ مَالِكٌ وَزُفَرُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ لَا يُوقِعُ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ حَتَّى تَضَعَ قَوْلُهُ (أَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَ امْرَأَتَكَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنِي بِهَذَا وَإِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثًا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْكَ) أَمَّا قَوْلُهُ أَمَرَنِي بِهَذَا فَمَعْنَاهُ أَمَرَنِي بِالرَّجْعَةِ وَأَمَّا قَوْلُهُ أَمَّا أَنْتَ فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵁ هَذَا مُشْكِلٌ قَالَ قِيلَ إِنَّهُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مِنْ أَمَّا أي
стр. 2178
أَمَّا إِنْ كُنْتَ فَحَذَفُوا الْفِعْلَ الَّذِي يَلِي أَنَّ وَجَعَلُوا مَا عِوَضًا مِنَ الْفِعْلِ وَفَتَحُوا أن وأدغموا النون في ما وجاؤوا بِأَنْتَ مَكَانَ الْعَلَامَةِ فِي كُنْتَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ وَإِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثًا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْكَ قَوْلُهُ (لَقِيتُ أَبَا غَلَّابٍ يُونُسَ بْنَ جُبَيْرٍ) هُوَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ وَآخِرُهُ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ وَكَذَا ذكره بن مَاكُولَا وَالْجُمْهُورُ وَذَكَرَ الْقَاضِي عَنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ تخفيف اللام قوله (وكان ذاثبت) هُوَ بِفَتْحِ الثَّاءِ وَالْبَاءِ أَيْ مُثْبِتًا قَوْلُهُ (قلت أفحسبت عليه قال فمه أوان عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ) مَعْنَاهُ أَفَيَرْتَفِعُ عَنْهُ الطَّلَاقُ وَإِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ وَهُوَ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ وَتَقْدِيرُهُ نَعَمْ تُحْسَبُ وَلَا يَمْتَنِعُ احْتِسَابُهَا لِعَجْزِهِ وَحَمَاقَتِهِ قَالَ الْقَاضِي أَيْ إِنْ عَجَزَ عَنِ الرَّجْعَةِ وَفَعَلَ فعل الأحمق والقائل لهذا الكلام هو بن عُمَرَ صَاحِبُ الْقِصَّةِ وَأَعَادَ الضَّمِيرَ بِلَفْظِ الْغَيْبَةِ وَقَدْ بَيَّنَهُ بَعْدَ هَذِهِ فِي رِوَايَةِ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ قُلْتُ يَعْنِي لِابْنِ عُمَرَ فَاعْتَدَدْتَ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ الَّتِي طَلَّقْتَ وَهِيَ حَائِضٌ قَالَ مَا لِي لَا أَعْتَدُّ بِهَا وَإِنْ كُنْتُ عَجَزْتُ وَاسْتَحْمَقْتُ وَجَاءَ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ أن بن عمر قال رأيت ان كان بن عمر عجزوا وَاسْتَحْمَقَ فَمَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَكُونَ طَلَاقًا وَأَمَّا قَوْلُهُ فَمَهْ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلْكَفِّ وَالزَّجْرِ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ أَيْ لَا تَشُكَّ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَاجْزِمْ بِوُقُوعِهِ وَقَالَ الْقَاضِي الْمُرَادُ بِمَهْ مَا فَيَكُونُ اسْتِفْهَامًا أَيْ فَمَا يَكُونُ إنْ لَمْ أَحْتَسِبْ بِهَا وَمَعْنَاهُ لَا يَكُونُ الا الاحتساب
стр. 2179
بِهَا فَأَبْدَلَ مِنَ الْأَلِفِ هَاءً كَمَا قَالُوا فِي مَهْمَا أَنَّ أَصْلهَا مَامَا أَيْ أَيُّ شَيْءٍ قَوْلُهُ ﷺ يُطَلِّقُهَا فِي قُبُلِ عِدَّتِهَا هُوَ بِضَمِّ الْقَافِ وَالْبَاءِ أَيْ فِي وَقْتٍ تَسْتَقْبِلُ فِيهِ الْعِدَّةَ وَتَشْرَعُ فِيهَا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَقْرَاءَ هِيَ الْأَطْهَارُ وَأَنَّهَا إِذَا طُلِّقَتْ فِي الطُّهْرِ شَرَعَتْ فِي الْحَالِ فِي الْأَقْرَاءِ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الْمَأْمُورَ به هُوَ فِي الطُّهْرِ لِأَنَّهَا إِذَا طُلِّقَتْ فِي الْحَيْضِ لَا يُحْسَبُ ذَلِكَ الْحَيْضُ قُرْءًا بِالْإِجْمَاعِ فلا
стр. 2180
تَسْتَقْبِلُ فِيهِ الْعِدَّةَ وَإِنَّمَا تَسْتَقْبِلُهَا إِذَا طُلِّقَتْ في الطهر والله أعلم قوله (عن بن جريج عن بن طاوس عن أبيه أنه سمع بن عُمَرَ يَسْأَلُ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلَى آخِرِهِ) وَقَالَ فِي آخِرِهِ لَمْ أَسْمَعْهُ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ لِأَبِيهِ فَقَوْلُهُ لِأَبِيهِ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ وَمَعْنَاهُ أَنَّ بن طَاوُسٍ قَالَ لَمْ أَسْمَعْهُ أَيْ لَمْ أَسْمَعْ أَبِي طَاوُسًا يَزِيدُ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ مِنَ الحديث والقائل لأبيه هو
стр. 2181
بن جريج وأراد تفسير الضمير في قوله بن طَاوُسٍ لَمْ أَسْمَعْهُ وَاللَّامُ زَائِدَةٌ فَمَعْنَاهُ يُعْنَى أَبَاهُ وَلَوْ قَالَ يَعْنِي أَبَاهُ لَكَانَ أَوْضَحَ قَوْلُهُ (وَقَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ فطلقوهن في قبل عدتهن) هذه قراءة بن عباس وبن عُمَرَ وَهِيَ شَاذَّةٌ لَا تَثْبُتُ قُرْآنًا بِالْإِجْمَاعِ وَلَا يَكُونُ لَهَا حُكْمُ خَبَرِ الْوَاحِدِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ مُحَقِّقِي الْأُصُولِيِّينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 2182
(باب طلاق الثلاث)
[١٤٧٢] قوله (عن بن عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ طَلَاقُ الثَّلَاثِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبى بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ) وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي الصَّهْبَاءِ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ أَتَعْلَمُ إنَّمَا كَانَتِ الثَّلَاثُ تُجْعَلُ وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَثَلَاثًا مِنْ إِمَارَةِ عُمَرَ فَقَالَ بن عَبَّاسٍ نَعَمْ وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءَ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ هَاتِ مِنْ هَنَاتِكَ أَلَمْ يَكُنْ طَلَاقُ الثَّلَاثِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَاحِدَةً فقال قد كان ذلك فَلَمَّا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ تَتَابَعَ النَّاسُ فِي الطَّلَاقِ فَأَجَازَهُ عَلَيْهِمْ وَفِي سُنَنِ أَبِي داود عن أبي الصهباء عن بن عَبَّاسٍ نَحْوَ هَذَا إِلَّا أَنَّهُ قَالَ كَانَ الرَّجُلُ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا جَعَلُوهُ وَاحِدَةً هَذِهِ أَلْفَاظُ هَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ مَعْدُودٌ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُشْكَلَةِ وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ يَقَعُ الثَّلَاثُ وَقَالَ طَاوُسٌ وَبَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ لَا يَقَعُ بِذَلِكَ إِلَّا وَاحِدَةً وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرَطْأَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ وَالْمَشْهُورُ عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَأَةَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ وهو قول بن مُقَاتِلٍ وَرِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ وَاحْتَجَّ هؤلاء بحديث بن عَبَّاسٍ هَذَا وَبِأَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ حديث بن عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فِي الْحَيْضِ وَلَمْ يَحْتَسِبْ بِهِ وَبِأَنَّهُ وَقَعَ فِي حَدِيثِ رُكَانَةَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا وَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَجْعَتِهَا وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودُ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يحدث بعد ذلك أمرا قَالُوا مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُطَلِّقَ قَدْ يَحْدُثُ لَهُ نَدَمٌ فَلَا يُمْكِنُهُ تَدَارُكُهُ لِوُقُوعِ الْبَيْنُونَةِ فَلَوْ كَانَتِ الثَّلَاثُ لَا تَقَعُ لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ هذا
стр. 2183
إِلَّا رَجْعِيًّا فَلَا يَنْدَمُ وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ رُكَانَةَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ مَا أَرَدْتَ إِلَّا وَاحِدَةً قَالَ اللَّهَ مَا أَرَدْتُ إِلَّا وَاحِدَةً فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الثَّلَاثَ لَوَقَعْنَ وَإِلَّا فَلَمْ يَكُنْ لِتَحْلِيفِهِ مَعْنًى وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الَّتِي رَوَاهَا الْمُخَالِفُونَ أَنَّ رُكَانَةُ طَلَّقَ ثَلَاثًا فَجَعَلَهَا وَاحِدَةً فَرِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ عَنْ قَوْمٍ مَجْهُولِينَ وَإِنَّمَا الصَّحِيحُ مِنْهَا مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا أَلْبَتَّةَ وَلَفْظُ أَلْبَتَّةَ مُحْتَمِلٌ لِلْوَاحِدَةِ وَلِلثَّلَاثِ وَلَعَلَّ صَاحِبَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ الضَّعِيفَةِ اعْتَقَدَ أَنَّ لَفْظَ أَلْبَتَّةَ يَقْتَضِي الثَّلَاثَ فَرَوَاهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي فَهِمَهُ وَغَلِطَ فِي ذَلِكَ وأما حديث بن عُمَرَ فَالرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ أنه طلقها واحدة وأما حديث بن عَبَّاسٍ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَابِهِ وَتَأْوِيلِهِ فَالْأَصَحُّ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ إِذَا قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ وَلَمْ يَنْوِ تَأْكِيدًا وَلَا اسْتِئْنَافًا يُحْكَمُ بِوُقُوعِ طَلْقَةٍ لِقِلَّةِ إِرَادَتِهِمُ الِاسْتِئْنَافَ بِذَلِكَ فَحُمِلَ عَلَى الْغَالِبِ الَّذِي هُوَ إِرَادَةُ التَّأْكِيدِ فَلَمَّا كَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ ﵁ وَكَثُرَ اسْتِعْمَالُ النَّاسِ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ وَغَلَبَ مِنْهُمْ إِرَادَةُ الِاسْتِئْنَافِ بِهَا حُمِلَتْ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى الثَّلَاثِ عَمَلًا بِالْغَالِبِ السَّابِقِ إِلَى الْفَهْمِ مِنْهَا فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ وَقِيلَ الْمُرَادُ أَنَّ الْمُعْتَادَ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ كَانَ طَلْقَةً وَاحِدَةً وَصَارَ النَّاسُ فِي زَمَنِ عُمَرَ يُوقِعُونَ الثَّلَاثَ دَفْعَةً فَنَفَذَهُ عُمَرُ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ إِخْبَارًا عَنِ اخْتِلَافِ عَادَةِ النَّاسِ لَا عَنْ تَغَيُّرِ حُكْمٍ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ قَالَ الْمَازِرِيُّ وَقَدْ زَعَمَ مَنْ لَا خِبْرَةَ لَهُ بِالْحَقَائِقِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ ثُمَّ نُسِخَ قَالَ وَهَذَا غَلَطٌ فَاحِشٌ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ لَا يَنْسَخُ وَلَوْ نَسَخَ وَحَاشَاهُ لَبَادَرَتِ الصَّحَابَةُ إِلَى إِنْكَارِهِ وَإِنْ أَرَادَ هَذَا الْقَائِلُ أَنَّهُ نُسِخَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَذَلِكَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ وَلَكِنْ يَخْرُجُ عَنْ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لِلرَّاوِي أَنْ يُخْبِرَ
стр. 2184
بِبَقَاءِ الْحُكْمِ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَبَعْضِ خِلَافَةِ عُمَرَ فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ يُجْمِعُ الصَّحَابَةُ عَلَى النَّسْخِ فَيُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُمْ قُلْنَا إِنَّمَا يُقْبَلُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى نَاسِخٍ وَأَمَّا أَنَّهُمْ يَنْسَخُونَ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ فَمَعَاذَ اللَّهِ لِأَنَّهُ إِجْمَاعٌ عَلَى الْخَطَأِ وَهُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ قِيلَ فَلَعَلَّ النَّسْخَ إِنَّمَا ظَهَرَ لَهُمْ فِي زَمَنِ عُمَرَ قُلْنَا هَذَا غَلَطٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَكُونُ قَدْ حَصَلَ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْخَطَأِ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ وَالْمُحَقِّقُونَ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ لَا يَشْتَرِطُونَ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ فِي صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الَّتِي فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ أَنَّ ذَلِكَ فِيمَنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَقَالَ بِهَا قَوْمٌ مِنْ أصحاب بن عَبَّاسٍ فَقَالُوا لَا يَقَعُ الثَّلَاثُ عَلَى غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا لِأَنَّهَا تَبِينُ بِوَاحِدَةٍ بِقَوْلِهِ أَنْتَ طَالِقٌ فَيَكُونُ قَوْلُهُ ثَلَاثًا حَاصِلٌ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ فَلَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ وَقَالَ الْجُمْهُورُ هَذَا غَلَطٌ بَلْ يَقَعُ عَلَيْهَا الثَّلَاثُ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَنْتِ طَالِقٌ مَعْنَاهُ ذَاتُ طَلَاقٍ وَهَذَا اللَّفْظُ يَصْلُحُ لِلْوَاحِدَةِ وَالْعَدَدِ وَقَوْلُهُ بَعْدَهُ ثَلَاثًا تَفْسِيرٌ لَهُ وَأَمَّا هَذِهِ الرِّوَايَةُ الَّتِي لِأَبِي دَاوُدَ فَضَعِيفَةٌ رَوَاهَا أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ قَوْمٍ مَجْهُولِينَ عن طاوس عن بن عَبَّاسٍ فَلَا يُحْتَجُّ بِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ) هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ مُهْلَةٌ وَبَقِيَّةُ اسْتِمْتَاعٍ لِانْتِظَارِ الْمُرَاجَعَةِ قَوْلُهُ (تتابع النَّاسُ فِي الطَّلَاقِ) هُوَ بِيَاءٍ مُثَنَّاةٍ مِنْ تَحْتُ بَيْنَ الْأَلِفِ وَالْعَيْنِ هَذِهِ رِوَايَةُ الْجُمْهُورِ وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِالْمُوَحَّدَةِ وَهُمَا بِمَعْنًى وَمَعْنَاهُ أَكْثَرُوا مِنْهُ وَأَسْرَعُوا إِلَيْهِ لَكِنْ بِالْمُثَنَّاةِ إِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرِّ وَبِالْمُوَحَّدَةِ يُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَالْمُثَنَّاةُ هُنَا أَجْوَدُ وَقَوْلُهُ (هَاتِ مِنْ هَنَاتِكَ) هُوَ بِكَسْرِ التَّاءِ مِنْ هَاتِ وَالْمُرَادُ بِهَنَاتِكَ أَخْبَارُكَ وَأُمُورُكَ الْمُسْتَغْرَبَةُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 2185
(باب وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ حَرَّمَ امْرَأَتَهُ ولم ينو الطلاق
[١٤٧٣] قوله (عن بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الْحَرَامِ يَمِينٌ يكفرها) وقال بن عَبَّاسٍ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حسنة وفى رواية عن بن عَبَّاسٍ قَالَ إِذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَهِيَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا وَذَكَرَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي سَبَبِ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى لِمَ تُحَرِّمُ مَا أحل الله لك وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا إِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ إِنْ نَوَى طَلَاقَهَا كَانَ طَلَاقًا وَإِنْ نَوَى الظِّهَارَ كَانَ ظِهَارًا وَإِنْ نَوَى تَحْرِيمَ عَيْنِهَا بِغَيْرِ طَلَاقٍ وَلَا ظِهَارٍ لَزِمَهُ بِنَفْسِ اللَّفْظِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ يَمِينًا وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَفِيهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ أَصَحُّهُمَا يَلْزَمُهُ كفارة يمين والثانى أنه لغو لا شئ فيه ولا يترتب عليه شئ مِنَ الْأَحْكَامِ هَذَا مَذْهَبُنَا وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مَذْهَبًا أَحَدُهَا الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ يَقَعُ بِهِ ثَلَاثُ طَلْقَاتٍ سَوَاءٌ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا أَمْ لَا لَكِنْ لَوْ نَوَى أَقَلَّ مِنَ الثَّلَاثِ قُبِلَ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا خَاصَّةً قَالَ وَبِهَذَا الْمَذْهَبِ قَالَ أَيْضًا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَزَيْدٌ وَالْحَسَنُ وَالْحَكَمُ وَالثَّانِي أَنَّهُ يَقَعُ بِهِ ثَلَاثُ طَلْقَاتٍ وَلَا تُقْبَلُ نِيَّتُهُ فِي الْمَدْخُولِ بها ولا غيرها قاله بن أَبِي لَيْلَى وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ الْمَالِكِيُّ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ يَقَعُ بِهِ عَلَى الْمَدْخُولِ بِهَا ثَلَاثٌ وَعَلَى غَيْرِهَا وَاحِدَةٌ)
стр. 2186
قَالَهُ أَبُو مُصْعَبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ الْمَالِكِيَّانِ وَالرَّابِعُ أَنَّهُ يَقَعُ بِهِ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ سَوَاءٌ الْمَدْخُولُ بِهَا وَغَيْرُهَا وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ وَالْخَامِسُ أَنَّهَا طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ قَالَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي مَسْلَمَةَ الْمَالِكِيُّ وَالسَّادِسُ أَنَّهُ يَقَعُ مَا نَوَى وَلَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ قَالَهُ الزُّهْرِيُّ وَالسَّابِعُ أَنَّهُ إِنْ نَوَى وَاحِدَةً أَوْ عَدَدًا أَوْ يَمِينًا فَهُوَ مَا نَوَى وَإِلَّا فَلَغْوٌ قَالَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالثَّامِنُ مِثْلُ السَّابِعِ إِلَّا أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَنْوِ شَيْئًا لَزِمَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ قَالَهُ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالتَّاسِعُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَسَبَقَ إِيضَاحُهُ وَبِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ﵃ وَالْعَاشِرُ إِنْ نَوَى الطَّلَاقَ وَقَعَتْ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ وَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا وَقَعَ الثَّلَاثُ وَإِنْ نَوَى اثْنَتَيْنِ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَيَمِينٌ وَإِنْ نَوَى الْكَذِبَ فَلَغْوٌ قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالْحَادِي عَشَرَ مِثْلُ الْعَاشِرِ إِلَّا أَنَّهُ إِذَا نَوَى اثْنَتَيْنِ وَقَعَتْ قَالَهُ زُفَرُ وَالثَّانِي عَشَرَ أَنَّهُ تَجِبُ بِهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ قَالَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَالثَّالِثَ عَشَرَ هِيَ يَمِينٌ فيها كفارة اليمين قاله بن عَبَّاسٍ وَبَعْضُ التَّابِعِينَ الرَّابِعَ عَشَرَ أَنَّهُ كَتَحْرِيمِ الماء والطعام فلا يجب فيه شئ أصلا ولا يقع به شئ بَلْ هُوَ لَغْوٌ قَالَهُ مَسْرُوقٌ وَالشَّعْبِيُّ وَأَبُو سَلَمَةَ وَأَصْبَغُ الْمَالِكِيُّ هَذَا كُلُّهُ إِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ أَمَّا إِذَا قَالَهُ لِأَمَةٍ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ إِنْ نَوَى عِتْقَهَا عُتِقَتْ وَإِنْ نَوَى تَحْرِيمَ عَيْنِهَا لَزِمَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَلَا يَكُونُ يَمِينًا وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا وَجَبَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ وَقَالَ مَالِكٌ هَذَا فِي الْأَمَةِ لَغْوٌ لَا يَتَرَتَّبُ عليه شئ قَالَ الْقَاضِي وَقَالَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ بِنَفْسِ التَّحْرِيمِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ مَا حَرَّمَهُ مِنْ أَمَةٍ وَطَعَامٍ وَغَيْرِهِ ولا شئ عَلَيْهِ حَتَّى يَتَنَاوَلَهُ فَيَلْزَمُهُ حِينَئِذٍ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ أَنَّهُ إِنْ قَالَ هَذَا الطَّعَامُ حَرَامٌ عَلَيَّ أَوْ هَذَا الْمَاءُ وَهَذَا الثَّوْبُ أَوْ دُخُولُ الْبَيْتِ أَوْ كَلَامُ زَيْدٍ وَسَائِرُ مَا يُحَرِّمهُ غَيْرَ الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ يكون هذا لغوا لا شئ فيه ولا يحرم عليه ذلك الشئ فإذا تناوله فلا شئ عَلَيْهِ وَأُمُّ الْوَلَدِ كَالْأَمَةِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[١٤٧٤] قَوْلُهَا (فَتَوَاطَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ) هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ فَتَوَاطَيْتُ وَأَصْلُهُ فَتَوَاطَأْتُ بِالْهَمْزِ أَيِ اتفقت
стр. 2187
قَوْلُهَا٠ إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ) هِيَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَبِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وَفَاءٍ وَبَعْدَ الْفَاءِ يَاءٌ هَكَذَا هُوَ فِي الْمَوْضِعِ الْأَوَّلِ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ وَأَمَّا الْمَوْضِعَانِ الْأَخِيرَانِ فَوَقَعَ فِيهِمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالْيَاءِ وَفِي بَعْضِهَا بِحَذْفِهَا قَالَ الْقَاضِي الصَّوَابُ إِثْبَاتُهَا لِأَنَّهَا عِوَضٌ مِنَ الْوَاوِ الَّتِي فِي الْمُفْرَدِ وَإِنَّمَا حُذِفَتْ فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ وَهُوَ جَمْعُ مَغْفُورٍ وَهُوَ صَمْغٌ حُلْوٌ كَالنَّاطِفِ وَلَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ يَنْضَحُهُ شَجَرٌ يُقَالُ لَهُ الْعُرْفُطُ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ يَكُونُ بِالْحِجَازِ وَقِيلَ إِنَّ الْعُرْفُطَ نَبَاتٌ لَهُ وَرَقَةٌ عَرِيضَةٌ تَفْتَرِشُ عَلَى الْأَرْضِ لَهُ شَوْكَةٌ حَجْنَاءُ وَثَمَرَةٌ بَيْضَاءُ كَالْقُطْنِ مِثْلُ زِرِّ الْقَمِيصِ خَبِيثُ الرَّائِحَةِ قَالَ الْقَاضِي وَزَعَمَ الْمُهَلَّبُ أَنَّ رَائِحَةَ الْمَغَافِيرِ وَالْعُرْفُطِ حَسَنَةٌ وَهُوَ خِلَافُ مَا يَقْتَضِيهِ الْحَدِيثُ وَخِلَافُ
стр. 2188
مَا قَالَهُ النَّاسُ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْعُرْفُطُ مِنْ شَجَرِ الْعِضَاهِ وَهُوَ كُلُّ شَجَرٍ لَهُ شَوْكٌ وَقِيلَ رَائِحَتُهُ كَرَائِحَةِ النَّبِيذِ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَكْرَهُ أَنْ تُوجَدَ مِنْهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ قَوْلُهَا (جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ) هُوَ بِالْجِيمِ وَالرَّاءِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ أَكَلَتِ الْعُرْفُطَ لِيَصِيرَ مِنْهُ الْعَسَلُ قوْلُهَا (فَقَالَ بَلْ شربت عسلا عند زينب بن جَحْشٍ وَلَنْ أَعُودَ فَنَزَلَ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أحل الله لك) هَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي سَبَبِ تَرْكِ الْعَسَلِ وَفِي كُتُبِ الْفِقْهِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي تَحْرِيمِ مَارِيَةَ قَالَ الْقَاضِي اخْتُلِفَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا فَقَالَتْ عَائِشَةُ فِي قِصَّةِ الْعَسَلِ وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي تَحْرِيمِ مَارِيَةَ جَارِيَتِهِ وَحَلِفِهِ أَنْ لَا يَطَأَهَا قَالَ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ أَوْجَبَ بِالتَّحْرِيمِ كَفَّارَةً مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى قَدْ فَرَضَ الله لكم تحلة أيمانكم لِمَا رُوِي أَنَّهُ ﷺ قَالَ وَاللَّهِ لَا أَطَأُهَا ثُمَّ قَالَ هِيَ عَلَيَّ حَرَامٌ وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ حَلِفِهِ على شربه العسل وتحريمه ذكره بن الْمُنْذِرِ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ لَنْ أَعُودَ لَهُ وقد حلفت أن لا تخبره بِذَلِكَ أَحَدًا وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي شُرْبِ الْعَسَلِ لَنْ أَعُودَ إِلَيْهِ أَبَدًا وَلَمْ يَذْكُرْ يَمِينًا لَكِنْ قوله تعالى قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فِي التَّحْرِيمِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ وَهَكَذَا يُقَدِّرُهُ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَمُوَافِقُوهُمْ قَوْلُهَا (فَقَالَ بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ) وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا أَنَّ شُرْبَ الْعَسَلِ كَانَ عِنْدَ حَفْصَةَ قَالَ الْقَاضِي ذَكَرَ مسلم فى حديث
стр. 2189
حجاج عن بن جُرَيْجٍ أَنَّ الَّتِي شَرِبَ عِنْدهَا الْعَسَلَ زَيْنَبُ وَأَنَّ الْمُتَظَاهِرَتَيْنِ عَلَيْهِ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ وَكَذَلِكَ ثَبَتَ فى حديث عمر بن الخطاب وبن عَبَّاسٍ أَنَّ الْمُتَظَاهِرَتَيْنِ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ وَذَكَرَ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ أَنَّ حَفْصَةَ هِيَ الَّتِي شَرِبَ الْعَسَلَ عِنْدَهَا وَأَنَّ عَائِشَةَ وَسَوْدَةَ وَصْفِيَّةَ مِنَ اللَّوَاتِي تَظَاهَرْنَ عليه وقال وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ قَالَ النَّسَائِيُّ إِسْنَادُ حَدِيثِ حَجَّاجٍ صَحِيحٌ جَيِّدٌ غَايَةٌ وَقَالَ الْأَصِيلِيُّ حَدِيثُ حَجَّاجٍ أَصَحُّ وَهُوَ أَوْلَى بِظَاهِرِ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَكْمَلُ فَائِدَةً يُرِيدُ قَوْلَهُ تَعَالَى وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَهُمَا اثْنَتَانِ لَا ثَلَاثٌ وَأَنَّهُمَا عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ كَمَا قَالَ فِيهِ وَكَمَا اعْتَرَفَ بِهِ عُمَرُ ﵁ وَقَدِ انْقَلَبَتِ الْأَسْمَاءُ على الرواى فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى كَمَا أَنَّ الصَّحِيحَ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ أَنَّهَا فِي قِصَّةِ الْعَسَلِ لا في قصة مارية المروى فِي غَيْرِ الصَّحِيحَيْنِ وَلَمْ تَأْتِ قِصَّةُ مَارِيَةَ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ قَالَ النَّسَائِيُّ إِسْنَادُ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الْعَسَلِ جَيِّدٌ صَحِيحٌ غَايَةٌ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي بَعْدَ هَذَا الصَّوَابُ أَنَّ شُرْبَ الْعَسَلِ كَانَ عِنْدَ زَيْنَبَ قَوْلُهُ تَعَالَى (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بعض أزواجه حديثا لِقَوْلِهِ بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا) هَكَذَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ قَالَ الْقَاضِي فِيهِ اخْتِصَارٌ وَتَمَامُهُ وَلَنْ أَعُودَ إِلَيْهِ وَقَدْ حَلَفْتُ أَنْ لَا تُخْبِرِي بِذَلِكَ أَحَدًا كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَهَذَا أَحَدُ الْأَقْوَالِ فِي مَعْنَى السِّرِّ وَقِيلَ بَلْ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ مَارِيَةَ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ قَوْلُهَا (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ) قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمُرَادُ بِالْحَلْوَاءِ هُنَا كل شئ حُلْوٍ وَذَكَرَ الْعَسَلَ بَعْدَهَا تَنْبِيهًا عَلَى شَرَافَتِهِ وَمَزِيَّتِهِ وَهُوَ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ وَالْحَلْوَاءُ بِالْمَدِّ وَفِيهِ جَوَازُ كُلِّ لَذِيذِ الْأَطْعِمَةِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي الزُّهْدَ وَالْمُرَاقَبَةَ لَا سِيَّمَا إِذَا حَصَلَ اتِّفَاقًا قَوْلُهَا (فَكَانَ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ دَارَ عَلَى نِسَائِهِ فَيَدْنُو مِنْهُنَّ) فِيهِ دَلِيلٌ لِمَا يَقُولُهُ أَصْحَابُنَا إِنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ قَسَمَ بَيْنَ نِسَائِهِ أَنْ يَدْخُلَ فِي النَّهَارِ إِلَى بَيْتِ غَيْرِ الْمَقْسُومِ لَهَا لِحَاجَةٍ وَلَا يَجُوزُ الْوَطْءُ قَوْلُهَا (وَاللَّهِ لَقَدْ حَرَمْنَاهُ) هُوَ بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ أَيْ مَنَعْنَاهُ مِنْهُ يُقَالُ مِنْهُ حَرَّمْتُهُ وَأَحْرَمْتُهُ وَالْأَوَّلُ أَفْصَحُ قَوْلُهُ (قَالَ إِبْرَاهِيمُ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ بِهَذَا مَعْنَاهُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سُفْيَانَ صَاحِبَ مُسْلِمٍ
стр. 2190
سَاوَى مُسْلِمًا فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ فَرَوَاهُ عَنْ وَاحِدٍ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ وَاحِدٍ عَنْ أبي أُسَامَةَ فَعَلَا برجل والله أعلم
(باب بيان أن تخييره امْرَأَتِهِ لَا يَكُونُ طَلَاقًا إِلَّا بِالنِّيَّةِ)
[١٤٧٥] قَوْلُهُ (لَمَّا أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ بَدَأَ بِي فَقَالَ إِنِّي ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ قَالَتْ قَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ إِنَّمَا بَدَأَ بِهَا لِفَضِيلَتِهَا وَقَوْلُهُ ﷺ (فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي) مَعْنَاهُ ما يضرك أن لا تَعْجَلِي وَإِنَّمَا قَالَ لَهَا هَذَا شَفَقَةً عَلَيْهَا وَعَلَى أَبَوَيْهَا وَنَصِيحَةً لَهُمْ فِي بَقَائِهَا عِنْدَهُ ﷺ فَإِنَّهُ خَافَ أَنْ يَحْمِلَهَا صِغَرُ سِنِّهَا وَقِلَّةُ تَجَارِبِهَا عَلَى اخْتِيَارِ الْفِرَاقِ فَيَجِبُ فِرَاقُهَا فَتُضَرُّ هِيَ وَأَبَوَاهَا وَبَاقِي
стр. 2191
النِّسْوَةِ بِالِاقْتِدَاءِ بِهَا وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْقَبَةٌ ظَاهِرَةٌ لِعَائِشَةَ ثُمَّ لِسَائِرِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ﵅ وَفِيهِ الْمُبَادَرَةُ إِلَى الْخَيْرِ وَإِيثَارِ أُمُورِ الْآخِرَةِ عَلَى الدُّنْيَا وَفِيهِ نَصِيحَةُ الْإِنْسَانِ صَاحِبَهُ وَتَقْدِيمُهُ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ أَنْفَعُ فِي الْآخِرَةِ
[١٤٧٦] قَوْلُهَا (إِنْ كَانَ ذَلِكَ إِلَيَّ لَمْ أُوثِرْ عَلَى نَفْسِي أَحَدًا) هَذِهِ الْمُنَافَسَةُ فِيهِ ﷺ لَيْسَتْ لِمُجَرَّدِ الِاسْتِمْتَاعِ وَلِمُطْلَقِ الْعِشْرَةِ وَشَهَوَاتِ النُّفُوسِ وَحُظُوظِهَا الَّتِي تَكُونُ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ بَلْ هِيَ مُنَافَسَةٌ فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ وَالْقُرْبِ مِنْ سَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَالرَّغْبَةُ فِيهِ وَفِي خِدْمَتِهِ وَمُعَاشَرَتِهِ وَالِاسْتِفَادَةِ مِنْهُ وَفِي قَضَاءِ حُقُوقِهِ وَحَوَائِجِهِ وَتَوَقُّعُ نُزُولِ الرَّحْمَةِ وَالْوَحْيِ عَلَيْهِ عِنْدهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ وَمِثْلُ هذا حديث بن عَبَّاسٍ وَقَوْلُهُ فِي الْقَدَحِ لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ
[١٤٧٧] قَوْلُهَا (خَيَّرَنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ نَعُدَّهُ طَلَاقًا) وَفِي رِوَايَةٍ فَلَمْ يَكُنْ طَلَاقًا وَفِي رِوَايَةٍ فَاخْتَرْنَاهُ فَلَمْ يَعُدَّهُ طَلَاقًا وَفِي رِوَايَةٍ فَاخْتَرْنَاهُ فَلَمْ يَعْدُدْهَا عَلَيْنَا شَيْئًا وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَلَمْ يَعُدَّهَا عَلَيْنَا شَيْئًا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ دَلَالَةٌ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مَنْ خَيَّرَ زَوْجَتَهُ فَاخْتَارَتْهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلَاقًا وَلَا يَقَعُ بِهِ فُرْقَةٌ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَالْحَسَنِ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ نَفْسَ التَّخْيِيرِ يَقَعُ بِهِ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ سَوَاءٌ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا أَمْ لَا وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ وَالنَّقَّاشُ عَنْ مَالِكٍ قَالَ الْقَاضِي
стр. 2192
لَا يَصِحُّ هَذَا عَنْ مَالِكٍ ثُمَّ هُوَ مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ مَرْدُودٌ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ ولعل
стр. 2193
الْقَائِلِينَ بِهِ لَمْ تَبْلُغْهُمْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[١٤٧٨] قَوْلُهُ (وَاجِمًا) هُوَ بِالْجِيمِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ هُوَ الَّذِي اشْتَدَّ حُزْنُهُ حَتَّى أَمْسَكَ عَنِ الْكَلَامِ يُقَالُ وَجَمَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وُجُومًا قَوْلُهُ (لَأَقُولَنَّ شَيْئًا يُضْحِكُ النَّبِيَّ ﷺ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أُضْحِكُ النَّبِيَّ ﷺ فِيهِ اسْتِحْبَابُ مِثْلِ هَذَا وَأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا رَأَى صَاحِبَهُ مَهْمُومًا حَزِينًا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُحَدِّثَهُ بِمَا يُضْحِكُهُ أَوْ يُشْغِلَهُ وَيُطَيِّبَ نَفْسَهُ وَفِيهِ فَضِيلَةٌ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قَوْلُهُ (فَوَجَأْتُ عنقها) وقوله
стр. 2194
يَجَأُ عُنُقَهَا هُوَ بِالْجِيمِ وَبِالْهَمْزَةِ يُقَالُ وَجَأَ يجأ اذا طعن
[١٤٧٩] قَوْلُهُ (عَنْ سِمَاكٍ أَبِي زُمَيْلٍ) هُوَ بِضَمِّ الزَّاي وَفَتْحِ الْمِيمِ قَوْلُهُ (فَإِذَا النَّاسُ يُنَكِّتُونَ بِالْحَصَى) هُوَ بِتَاءٍ مُثَنَّاةٍ بَعْدَ الْكَافِ أَيْ يضربون الأرض كفعل المهموم المفكر قولها (فَإِذَا النَّاسُ يُنَكِّتُونَ بِالْحَصَى) هُوَ بِتَاءٍ مُثَنَّاةٍ بَعْدَ الْكَافِ أَيْ يَضْرِبُونَ الْأَرْضَ كَفِعْلِ الْمَهْمُومِ الْمُفَكِّرِ قَوْلُهَا (عَلَيْكَ بِعَيْبَتِكَ) هِيَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ثم ياء مثناة تحت ثم ياء موحدة والمراد عليك بوعظ بنتك حَفْصَةَ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْعَيْبَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وِعَاءٌ يَجْعَلُ الْإِنْسَانُ فِيهِ أَفْضَلَ ثِيَابِهِ وَنَفِيسَ مَتَاعِهِ فَشَبَّهَتِ ابْنَتَهُ بِهَا قَوْلُهُ (هُوَ فِي الْمِشْرَبَةِ) هِيَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا قَوْلُهُ (فَإِذَا أَنَا بِرَبَاحٍ) هُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ قَوْلُهُ (قَاعِدًا عَلَى أُسْكُفَّةِ الْمِشْرَبَةِ) هِيَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْكَافِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ وَهِيَ عَتَبَةُ الْبَابِ السُّفْلَى قَوْلُهُ (عَلَى نَقِيرٍ مِنْ خَشَبٍ) هو بنون
стр. 2195
مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ قَافٍ مَكْسُورَةٍ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَوْجُودُ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ بِالْفَاءِ بَدَلَ النُّونِ وَهُوَ فَقِيرٌ بِمَعْنَى مَفْقُورٍ مَأْخُوذٌ مِنْ فَقَارِ الظَّهْرِ وَهُوَ جِذْعٌ فِيهِ دَرَجٌ قَوْلُهُ (وإِذَا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ) هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْفَاءِ وَهُوَ الْجِلْدُ الَّذِي لَمْ يَتِمَّ دِبَاغُهُ وَجَمْعُهُ أَفَقٌ بِفَتْحِهَا كَأَدِيمِ وَأَدَمٍ
стр. 2196
وَقَدْ أَفَقَ أَدِيمَهُ بِفَتْحِهَا يَأْفِقُهُ بِكَسْرِ الْفَاءِ قَوْلُهُ (تَحَسَّرَ الْغَضَبُ عَنْ وَجْهِهِ) أَيْ زَالَ وَانْكَشَفَ قَوْلُهُ (وَحَتَّى كَشَرَ فَضَحِكَ) هُوَ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ الْمُخَفَّفَةِ أَيْ أَبْدَى أَسْنَانَهُ تَبَسُّمًا ويقال أيضا في الغضب وقال بن السِّكِّيتِ كَشَرَ وَبَسَمَ وَابْتَسَمَ وَافْتَرَّ كُلُّهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ فَإِنْ زَادَ قِيلَ قَهْقَهَ وَزَهْدَقَ وَكَرْكَرَ قَوْلُهُ (أَتَشَبَّثُ بِالْجِذْعِ) هُوَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ فِي آخِرِهِ أَيْ أَسْتَمْسِكُ
стр. 2197
قوله (فبينما أنا في أمر أئتمره) مَعْنَاهُ أُشَاوِرُ فِيهِ نَفْسِي وَأُفَكِّرُ وَمَعْنَى بَيْنَمَا وَبَيْنَا أَيْ بَيْنَ أَوْقَاتِ ائْتِمَارِي وَكَذَا مَا أَشْبَهَهُ وَسَبَقَ بَيَانُهُ
стр. 2198
قَوْلُهُ (حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى حَفْصَةَ) هُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ قَوْلُهُ (وَكَانَ لِي صَاحِبٌ مِنَ الْأَنْصَارِ إِذَا غِبْتُ أَتَانِي بِالْخَبَرِ وَإِذَا غَابَ كُنْتُ أَنَا آتِيهِ بِالْخَبَرِ) فِي هَذَا اسْتِحْبَابُ حُضُورِ مَجَالِسِ الْعِلْمِ وَاسْتِحْبَابُ التَّنَاوُبِ فِي حُضُورِ الْعِلْمِ إِذَا لَمْ يَتَيَسَّرْ لِكُلِّ وَاحِدٍ الْحُضُورُ بِنَفْسِهِ قَوْلُهُ (مِنْ مُلُوكِ غَسَّانَ) الْأَشْهَرُ تَرْكُ صَرْفِ غَسَّانَ وَقِيلَ يُصْرَفُ وَسَبَقَ إِيضَاحُهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ قَوْلُهُ (فَقُلْتُ جَاءَ الْغَسَّانِيُّ فَقَالَ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ اعْتَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَزْوَاجَهُ) فِيهِ مَا كَانَتِ الصَّحَابَةُ ﵃ عَلَيْهِ مِنَ الِاهْتِمَامِ بِأَحْوَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْقَلَقِ التَّامِّ لِمَا يُقْلِقُهُ أَوْ يُغْضِبُهُ قَوْلُهُ (رَغِمَ أَنْفُ حَفْصَةَ) هُوَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَكَسْرِهَا يُقَالُ رَغِمَ يَرْغَمُ رَغْمًا
стр. 2199
وَرُغْمًا وَرِغْمًا بِفَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا وَكَسْرِهَا أَيْ لَصِقَ بِالرِّغَامِ وَهُوَ التُّرَابُ هَذَا هُوَ الْأَصْلُ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ مَنْ عَجَزَ مِنَ الِانْتِصَافِ وَفِي الذُّلِّ وَالِانْقِيَادِ كَرْهًا قَوْلُهُ (فَآخُذُ ثَوْبِي فَأَخْرُجُ حَتَّى جِئْتُ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّجَمُّلُ بِالثَّوْبِ وَالْعِمَامَةِ وَنَحْوِهِمَا عِنْدَ لِقَاءِ الْأَئِمَّةِ وَالْكِبَارِ احْتِرَامًا لَهُمْ قَوْلُهُ (فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ يَرْتَقِي اليها بعجلها) وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِعَجَلِهَا وَفِي بَعْضِهَا بِعَجَلَتِهَا وَفِي بَعْضِهَا بِعَجَلَةٍ وَكُلُّهُ صَحِيحٌ وَالْأَخِيرَةُ أجود قال بن قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُ هِيَ دَرَجَةٌ مِنَ النَّخْلِ كَمَا قَالَ فِي الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ جِذْعٌ قَوْلُهُ (وَأَنَّ عِنْدَ رِجْلَيْهِ قَرَظًا مَضْبُورًا) وَقَعَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ مَضْبُورًا بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَفِي بَعْضِهَا بِالْمُهْمَلَةِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ أَيْ مَجْمُوعًا قَوْلُهُ (وَعِنْدَ رَأْسِهِ أُهُبًا مُعَلَّقَةً) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْهَاءِ وَبِضَمِّهِمَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ جَمْعُ إِهَابٍ وَهُوَ الْجِلْدُ قَبْلَ الدِّبَاغِ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ وَقِيلَ الْجِلْدُ مُطْلَقًا وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي آخِرِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ قَوْلُهُ (فَرَأَيْتُ أَثَرَ الْحَصِيرِ فِي جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَكَيْتُ فَقَالَ مَا يُبْكِيكَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ وَأَنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمَا ترضى أن يكون لَهُمَا الدُّنْيَا وَلَكَ الْآخِرَةُ) هَكَذَا هُوَ فِي الأصول
стр. 2200
وَلَكَ الْآخِرَةُ وَفِي بَعْضِهَا لَهُمُ الدُّنْيَا وَفِي أَكْثَرِهَا لَهُمَا بِالتَّثْنِيَةِ وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ وَكُلُّهُ صَحِيحٌ قَوْلُهُ (وَكَانَ آلَى مِنْهُنَّ شَهْرًا) هُوَ بِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ اللَّامِ وَمَعْنَاهُ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا وَلَيْسَ هُوَ مِنَ الْإِيلَاءِ الْمَعْرُوفِ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ وَلَا لَهُ حُكْمُهُ وَأَصْلُ الْإِيلَاءِ فِي اللُّغَةِ الْحَلِفُ عَلَى الشَّيْءِ يقال منه آلى يؤالى ايلاء تَأَلِّيًا وَائْتَلَى ائْتِلَاءً وَصَارَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ مُخْتَصًّا بِالْحَلِفِ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ وَطْءِ الزَّوْجَةِ وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا إِلَّا مَا حُكِيَ عن بن سِيرِينَ أَنَّهُ قَالَ الْإِيلَاءُ الشَّرْعِيُّ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالزَّوْجَةِ مِنْ تَرْكِ جِمَاعٍ أَوْ كَلَامٍ أَوْ إِنْفَاقٍ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مُجَرَّدَ الْإِيلَاءِ لَا يُوجِبُ فِي الْحَالِ طَلَاقًا وَلَا كَفَّارَةً وَلَا مُطَالَبَةً ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيرِ مُدَّتِهِ فَقَالَ عُلَمَاءُ الْحِجَازِ وَمُعْظَمُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ الْمُؤْلِي مَنْ حَلَفَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ حَلَفَ عَلَى أَرْبَعَةٍ فَلَيْسَ بِمُؤْلٍ وقال الْكُوفِيُّونَ هُوَ مَنْ حَلَفَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فأكثر وشذ بن أبي ليلى والحسن وبن شُبْرُمَةَ فِي آخَرِينَ فَقَالُوا إِذَا حَلَفَ لَا يُجَامِعُهَا يَوْمًا أَوْ أَقَلَّ ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى مضت أربعة أشهر فهو مؤل وعن بن عُمَرَ أَنَّ كُلَّ مَنْ وَقَّتَ فِي يَمِينِهِ وَقْتًا وَإِنْ طَالَتْ مُدَّتُهُ فَلَيْسَ بِمُؤْلٍ وَإِنَّمَا الْمُؤْلِي مَنْ حَلَفَ عَلَى الْأَبَدِ قَالَ وَلَا خِلَافَ بَيْنهُمْ أَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ طَلَاقٌ قبل أربعة أشهر ولا خلاف أنه لَوْ جَامَعَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ سَقَطَ الْإِيلَاءُ فَأَمَّا إِذَا لَمْ يُجَامِعْ حَتَّى انْقَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَقَالَ الْكُوفِيُّونَ يَقَعُ الطَّلَاقُ وَقَالَ عُلَمَاءُ الْحِجَازِ وَمِصْرَ وَفُقَهَاءُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ كُلُّهُمْ يُقَالُ لِلزَّوْجِ إِمَّا أَنْ تُجَامِعَ وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَ فَإِنِ امْتَنَعَ طَلَّقَ الْقَاضِي عَلَيْهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَبِهِ قَالَ الشافعي وأصحابه وعن مالك رواية كقول الكوفيون وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ أَنَّهُ لَا يُطَلِّقُ الْقَاضِي عَلَيْهِ بَلْ يُجْبَرُ عَلَى الْجِمَاعِ
стр. 2201
أَوِ الطَّلَاقِ وَيُعَزَّرُ عَلَى ذَلِكَ إِنِ امْتَنَعَ واختلف الكوفيون هل يقع طلاق رجعى أم بائن فَأَمَّا الْآخَرُونَ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ الَّذِي يُوقِعُهُ هُوَ أَوِ الْقَاضِي يَكُونُ رَجْعِيًّا إِلَّا أَنَّ مَالِكًا يَقُولُ لَا تَصِحُّ فِيهَا الرَّجْعَةُ حَتَّى يُجَامِعَ الزَّوْجُ فِي الْعِدَّةِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَلَمْ يُحْفَظْ هَذَا الشَّرْطُ عَنْ أَحَدٍ سِوَى مَالِكٍ وَلَوْ مَضَتْ ثَلَاثَةُ أَقْرَاءٍ فِي الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعَةِ فَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ إِذَا طَلَّقَ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِتِلْكَ الْأَقْرَاءِ وَقَالَ الْجُمْهُورُ يَجِبُ اسْتِئْنَافُ الْعِدَّةِ وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يُشْتَرَطُ لِلْإِيلَاءِ أَنْ تَكُونَ يَمِينُهُ فِي حَالِ الْغَضَبِ وَمَعَ قَصْدِ الضَّرَرِ فَقَالَ جُمْهُورُهُمْ لَا يُشْتَرَطُ بَلْ يَكُونُ مُؤْلِيًا فِي كُلِّ حَالٍ وَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ لَا يَكُونُ مُؤْلِيًا إِذَا حلف لمصلحة ولده لفطامه وعن علي وبن عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُؤْلِيًا إِلَّا إِذَا حَلَفَ عَلَى وَجْهِ الْغَضَبِ قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ حُنَيْنٍ مَوْلَى الْعَبَّاسِ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ مَوْلَى الْعَبَّاسِ قَالُوا وَهَذَا قَوْلُ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قال البخارى لا يصح قول بن عُيَيْنَةَ هَذَا وَقَالَ مَالِكٌ هُوَ مَوْلَى آلِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ هُوَ مَوْلَى بَنِي زُرَيْقٍ قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْحُفَّاظِ وَغَيْرِهِمْ فِي هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ (كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ عَنِ الْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَظَاهَرَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ عَلَى عَهْدِ قَالَ
стр. 2202
الْقَاضِي إِنَّمَا قَالَ عَلَى عَهْدِهِ تَوْقِيرًا لَهُمَا وَالْمُرَادُ تَظَاهَرَتَا عَلَيْهِ فِي عَهْدِهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ وَقَدْ صَرَّحَ فِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّهُمَا تَظَاهَرَتَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْلُهُ (فَسَكَبْتُ عَلَى يَدَيْهِ فَتَوَضَّأَ) فِيهِ جَوَازُ الِاسْتِعَانَةِ فِي الْوُضُوءِ وَقَدْ سَبَقَ إِيضَاحُهَا فِي أَوَائِلِ الْكِتَابِ وَهُوَ أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ لِعُذْرٍ فَلَا بَأْسَ بِهَا وَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِهِ فَهِيَ خِلَافُ الْأَوْلَى وَلَا يُقَالُ مَكْرُوهَةٌ عَلَى
стр. 2203
الصَّحِيحِ قَوْلُهُ (وَلَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْسَمَ) قَوْلُهُ أَنْ كَانَتْ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمُرَادُ بِالْجَارَةِ هُنَا الضَّرَّةُ وَأَوْسَمَ أَحْسَنَ وَأَجْمَلَ وَالْوَسَامَةُ الْجَمَالُ قَوْلُهُ (غَسَّانُ تُنْعِلُ الْخَيْلَ هُوَ بِضَمِّ التَّاءِ
стр. 2204
قَوْلُهُ (مُتَّكِئٌ عَلَى رَمْلِ حَصِيرٍ) هُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ رِمَالٌ بِكَسْرِ الرَّاءِ يُقَالُ رَمَلْتُ الْحَصِيرَ وَأَرْمَلْتُهُ إِذَا نَسَجْتُهُ قَوْلُهُ ﷺ (أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هَذَا مِمَّا يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يُفَضِّلُ الْفَقْرَ عَلَى الْغِنَى لِمَا فِي مَفْهُومِهِ أَنَّ بِمِقْدَارِ مَا يَتَعَجَّلُ مِنْ طَيِّبَاتِ الدُّنْيَا يَفُوتُهُ مِنَ الْآخِرَةِ مِمَّا كَانَ مُدَّخَرًا لَهُ لَوْ لَمْ يَتَعَجَّلْهُ قَالَ وَقَدْ
стр. 2205
يَتَأَوَّلُهُ الْآخَرُونَ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ حَظَّ الْكُفَّارِ هُوَ مَا نَالُوهُ مِنْ نَعِيمِ الدُّنْيَا وَلَا حَظَّ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ) أَيِ الْغَضَبُ
[١٤٧٥] قَوْلُهُ ﷺ (إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ) أَيْ هَذَا الشَّهْرُ وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ جَوَازُ احْتِجَابِ الْإِمَامِ وَالْقَاضِي وَنَحْوِهِمَا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لِحَاجَاتِهِمُ الْمُهِمَّةِ وَفِيهَا أَنَّ الْحَاجِبَ إِذَا عَلِمَ منع الآذان بِسُكُوتِ الْمَحْجُوبِ لَمْ يَأْذَنْ وَالْغَالِبُ مِنْ عَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ لَا يَتَّخِذُ حَاجِبًا وَاتَّخَذَهُ حَاجِبًا وَاتَّخَذَهُ فِي هَذَا الْيَوْمِ لِلْحَاجَةِ وَفِيهِ وُجُوبُ الِاسْتِئْذَانِ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي مَنْزِلِهِ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ وَحْدَهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ عَلَى حَالَةٍ يُكْرَهُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ فِيهَا وَفِيهِ تَكْرَارُ الِاسْتِئْذَانِ إِذَا لَمْ يُؤْذَنْ وَفِيهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّجُلِ الْجَلِيلِ وَغَيْرِهِ فِي أَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى الِاسْتِئْذَانِ وَفِيهِ تَأْدِيبُ الرَّجُلِ وَلَدَهُ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا أَوْ بِنْتًا مُزَوَّجَةً لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ وعمر ﵄ أدبا بنتيهما ووجأ كل واحد منهما بنته وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ التَّقَلُّلِ مِنَ الدُّنْيَا وَالزَّهَادَةِ فِيهَا وَفِيهِ جَوَازُ سُكْنَى الْغُرْفَةِ ذَاتِ الدَّرَجِ وَاتِّخَاذِ الْخِزَانَةِ لِأَثَاثِ الْبَيْتِ وَفِيهِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ حِرْصِهِمْ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ وَتَنَاوُبِهِمْ فِيهِ وَفِيهِ جَوَازُ قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ يَأْخُذُ عَنْ صَاحِبِهِ الْأَنْصَارِيِّ وَيَأْخُذُ الْأَنْصَارِيُّ عَنْهُ وَفِيهِ أَخْذُ الْعِلْمِ عَمَّنْ كَانَ عِنْدَهُ وَإِنْ كَانَ الْآخِذُ أَفْضَلَ مِنَ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ كَمَا أَخَذَ عُمَرُ عَنْ هَذَا الْأَنْصَارِيِّ وَفِيهِ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا رَأَى صَاحِبَهُ مَهْمُومًا وَأَرَادَ إِزَالَةَ هَمِّهِ وَمُؤَانَسَتِهِ بِمَا يَشْرَحُ صَدْرَهُ وَيَكْشِفُ هَمَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَأْذِنَهُ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ
стр. 2206
عُمَرُ ﵁ أَسْتَأْنِسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَأْتِي مِنَ الْكَلَامِ بِمَا لا يوافق صاحبه فيزيدهما وَرُبَّمَا أَحْرَجَهُ وَرُبَّمَا تَكَلَّمَ بِمَا لَا يَرْتَضِيهِ وَهَذَا مِنَ الْآدَابِ الْمُهِمَّةِ وَفِيهِ تَوْقِيرُ الْكِبَارِ وخدمتهم وهيبتهم كما فعل بن عَبَّاسٍ مَعَ عُمَرَ وَفِيهِ الْخِطَابُ بِالْأَلْفَاظِ الْجَمِيلَةِ كَقَوْلِهِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ وَلَمْ يَقُلْ ضَرَّتُكِ وَالْعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذَا لِمَا فِي لَفْظِ الضَّرَّةِ مِنَ الْكَرَاهَةِ وَفِيهِ جَوَازُ قَرْعِ بَابِ غَيْرِهِ لِلِاسْتِئْذَانِ وَشِدَّةِ الْفَزَعِ لِلْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ وَفِيهِ جَوَازُ نَظَرِ الْإِنْسَانِ إِلَى نَوَاحِي بَيْتِ صَاحِبِهِ وَمَا فِيهِ إِذَا عَلِمَ عَدَمَ كَرَاهَةِ صَاحِبِهِ لِذَلِكَ وَقَدْ كَرِهَ السَّلَفُ فُضُولَ النَّظَرِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا عَلِمَ كَرَاهَتَهُ لِذَلِكَ وَشَكَّ فِيهَا وَفِيهِ أَنَّ لِلزَّوْجِ هِجْرَانَ زَوْجَتِهِ وَاعْتِزَالَهُ فِي بَيْتٍ آخَرَ إِذَا جَرَى مِنْهَا سَبَبٌ يَقْتَضِيهِ وَفِيهِ جَوَازُ قَوْلِهِ لِغَيْرِهِ رَغِمَ أَنْفُهُ إِذَا أَسَاءَ كَقَوْلِ عُمَرَ رَغِمَ أَنْفُ حَفْصَةَ وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَآخَرُونَ وَكَرِهَهُ مَالِكٌ وَفِيهِ فَضِيلَةُ عَائِشَةَ لِلِابْتِدَاءِ بِهَا فِي التَّخْيِيرِ وَفِي الدُّخُولِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الشَّهْرِ وَفِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(باب الْمُطَلَّقَةِ البائن لانفقة لَهَا)
فِيهِ حَدِيثُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا هَكَذَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ أَبُو عَمْرِو بْنُ حَفْصٍ وَقِيلَ أَبُو حَفْصِ بْنُ عَمْرٍو وَقِيلَ أَبُو حَفْصِ بْنُ الْمُغِيرَةِ وَاخْتَلَفُوا فِي اسْمِهِ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى
стр. 2207
أَنَّ اسْمَهُ عَبْدُ الْحَمِيدِ وَقَالَ النَّسَائِيُّ اسْمُهُ أَحْمَدُ وَقَالَ آخَرُونَ اسْمُهُ كُنْيَتُهُ وَقَوْلُهُ (إِنَّهُ طَلَّقَهَا) هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي رَوَاهُ الْحُفَّاظُ وَاتَّفَقَ عَلَى رِوَايَتِهِ الثِّقَاتُ عَلَى اخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِمْ فِي أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا أَوِ أَلْبَتَّةَ أَوْ آخِرَ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ وَجَاءَ فِي آخِرِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ الْجَسَّاسَةِ مَا يُوهِمُ أَنَّهُ مَاتَ عَنْهَا قَالَ الْعُلَمَاءُ وَلَيْسَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَلَى ظَاهِرِهَا بَلْ هِيَ وَهَمٌ أَوْ مؤولة وَسَنُوَضِّحُهَا فِي مَوْضِعِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وأما قوله في رواية أنه طلقها ثلاثا وفي رواية أنه طلقها ألبته وفي رواية طلقها آخر ثلاث تطليقات وفي رِوَايَةٍ طَلَّقَهَا طَلْقَةً كَانَتْ بَقِيَتْ مِنْ طَلَاقِهَا وَفِي رِوَايَةٍ طَلَّقَهَا وَلَمْ يَذْكُرْ عَدَدًا وَلَا غَيْرَهُ فَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ كَانَ طَلَّقَهَا قَبْلَ هَذَا طَلْقَتَيْنِ ثُمَّ طَلَّقَهَا هَذِهِ الْمَرَّةَ الطَّلْقَةَ الثَّالِثَةَ فَمَنْ رَوَى أَنَّهُ طَلَّقَهَا مُطْلَقًا أَوْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً أَوْ طَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ فَهُوَ ظَاهِرٌ وَمَنْ رَوَى أَلْبَتَّةَ فَمُرَادُهُ طَلَّقَهَا طَلَاقًا صَارَتْ بِهِ مَبْتُوتَةً بِالثَّلَاثِ وَمَنْ رَوَى ثَلَاثًا أَرَادَ تَمَامَ الثَّلَاثَ قَوْلُهُ ﷺ (لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ) وَفِي رِوَايَةٍ لَا نَفَقَةَ لَكِ وَلَا سُكْنَى وَفِي رِوَايَةٍ لَا نَفَقَةَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ السُّكْنَى وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُطَلَّقَةِ الْبَائِنِ الحائل هل لها النفقة والسكنى أم لَا فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وآخرون لها السكنى والنفقة وقال بن عَبَّاسٍ وَأَحْمَدُ لَا سُكْنَى لَهَا وَلَا نَفَقَةَ وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ تَجِبُ لَهَا السُّكْنَى وَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَهُمَا جَمِيعًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وجدكم فهذا أمر بالسكنى وَأَمَّا النَّفَقَةُ فَلِأَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ عَلَيْهِ وَقَدْ قَالَ عُمَرُ ﵁ لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا ﷺ بِقَوْلِ امْرَأَةٍ جَهِلَتْ أَوْ نَسِيَتْ قَالَ الْعُلَمَاءُ الَّذِي فِي كِتَابِ رَبِّنَا إِنَّمَا هُوَ إِثْبَاتُ السُّكْنَى قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ قَوْلُهُ وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا هَذِهِ زِيَادَةٌ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ لَمْ يَذْكُرْهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الثِّقَاتِ وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يُوجِبْ نَفَقَةً وَلَا سُكْنَى بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ وَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَ السُّكْنَى دُونَ النَّفَقَةِ لِوُجُوبِ السُّكْنَى بِظَاهِرِ قوله تعالى أسكنوهن من حيث سكنتم وَلِعَدَمِ وُجُوبِ النَّفَقَةِ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ مَعَ ظَاهِرِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن
стр. 2208
فَمَفْهُومُهُ أَنَّهُنَّ إِذَا لَمْ يَكُنَّ حَوَامِلَ لَا يُنْفَقُ عَلَيْهِنَّ وَأَجَابَ هَؤُلَاءِ عَنْ حَدِيثِ فَاطِمَةَ فِي سُقُوطِ النَّفَقَةِ بِمَا قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَغَيْرُهُ أَنَّهَا كَانَتِ امْرَأَةً لِسَنَةً وَاسْتَطَالَتْ على أحمائها فأمرها بالانتقال عند بن أُمِّ مَكْتُومٍ وَقِيلَ لِأَنَّهَا خَافَتْ فِي ذَلِكَ الْمَنْزِلِ بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ قَوْلِهِا أَخَافُ أَنْ يُقْتَحَمَ عَلَيَّ وَلَا يُمْكِنُ شَيْءٌ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ فِي سُقُوطِ نَفَقَتِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا الْبَائِنُ الْحَامِلُ فَتَجِبُ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ وَأَمَّا الرَّجْعِيَّةُ فَتَجِبَانِ لَهَا بِالْإِجْمَاعِ وَأَمَّا الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا بِالْإِجْمَاعِ وَالْأَصَحُّ عِنْدنَا وُجُوبُ السُّكْنَى لَهَا فَلَوْ كَانَتْ حَامِلًا فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ كَمَا لَوْ كَانَتْ حَائِلًا وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا تَجِبُ وَهُوَ غَلَطٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (طَلَّقَهَا أَلْبَتَّةَ وَهُوَ غَائِبٌ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ فَسَخِطَتْهُ) فِيهِ أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ فِي غَيْبَةِ الْمَرْأَةِ وَجَوَازُ الْوَكَالَةِ فِي أَدَاءِ الْحُقُوقِ وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى هَذَيْنِ الْحُكْمَيْنِ وَقَوْلُهُ وَكِيلُهُ مَرْفُوعٌ هُوَ الْمُرْسَلُ قَوْلُهُ (فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أم شريك ثم قال تلك امرأة يغشاها أصحابي) قال العلماء أم شريك هذه قرشية عامرية وقيل أنها أنصارية وقد ذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي آخِرِ الْكِتَابِ فِي حَدِيثِ الْجَسَّاسَةِ أَنَّهَا أَنْصَارِيَّةٌ وَاسْمُهَا غُزَيَّةُ وَقِيلَ غُزَيْلَةُ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ زَايٍ فِيهِمَا وَهِيَ بِنْتُ دَاوُدَ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ رَوَاحَةَ بْنِ حُجَيْرِ بْنِ عَبْدِ بْنِ مُعَيْصِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ وَقِيلَ فِي نَسَبِهَا غَيْرُ هَذَا قِيلَ إِنَّهَا الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ وَقِيلَ غَيْرُهَا وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ كَانُوا يَزُورُونَ أُمَّ شَرِيكٍ وَيُكْثِرُونَ التَّرَدُّدَ إِلَيْهَا لِصَلَاحِهَا فَرَأَى النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ عَلَى فَاطِمَةَ مِنَ الِاعْتِدَادِ عِنْدَهَا حَرَجًا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَلْزَمُهَا التَّحَفُّظُ مِنْ نَظَرِهِمْ إِلَيْهَا وَنَظَرِهَا إِلَيْهِمْ وَانْكِشَافِ شَيْءٍ مِنْهَا وَفِي التَّحَفُّظِ مِنْ هَذَا مَعَ كَثْرَةِ دُخُولِهِمْ وَتَرَدُّدِهِمْ مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ فأمرها بالاعتداد عند بن أُمِّ مَكْتُومٍ لِأَنَّهُ لَا يُبْصِرُهَا وَلَا يَتَرَدَّدُ إِلَى بَيْتِهِ مَنْ يَتَرَدَّدُ إِلَى بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ النَّاسِ بِهَذَا عَلَى جَوَازِ نَظَرِ الْمَرْأَةِ إِلَى الْأَجْنَبِيِّ بِخِلَافِ نَظَرِهِ إِلَيْهَا وَهَذَا قَوْلٌ ضَعِيفٌ بَلِ الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَأَكْثَرُ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ النَّظَرُ إِلَى الْأَجْنَبِيِّ كَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّظَرُ إِلَيْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يغضوا من أبصارهم وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن وَلِأَنَّ الْفِتْنَةَ مُشْتَرَكَةٌ وَكَمَا يَخَافُ الِافْتِتَانَ بِهَا تَخَافُ الِافْتِتَانَ بِهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ السُّنَّةِ حَدِيثُ نَبْهَانَ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ
стр. 2209
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا كَانَتْ هِيَ وَمَيْمُونَةُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَدَخَلَ بن أُمِّ مَكْتُومٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ احْتَجِبَا مِنْهُ فَقَالَتَا إِنَّهُ أَعْمَى لَا يُبْصِرُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا فَلَيْسَ تُبْصِرَانِهِ وَهَذَا الْحَدِيثُ حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى قَدْحِ مَنْ قَدَحَ فِيهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ مُعْتَمَدَةٍ وأما حديث فاطمة بنت قيس مع بن أُمِّ مَكْتُومٍ فَلَيْسَ فِيهِ إِذْنٌ لَهَا فِي النَّظَرِ إِلَيْهِ بَلْ فِيهِ أَنَّهَا تَأْمَنُ عِنْدَهُ مِنْ نَظَرِ غَيْرِهَا وَهِيَ مَأْمُورَةٌ بِغَضِّ بَصَرِهَا فَيُمْكِنُهَا الِاحْتِرَازُ عَنِ النَّظَرِ بِلَا مَشَقَّةٍ بِخِلَافِ مُكْثِهَا فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ قَوْلُهُ ﷺ (فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي) هُوَ بِمَدِّ الْهَمْزَةِ أَيْ أَعْلِمِينِي وَفِيهِ جَوَازُ التَّعْرِيضِ بِخِطْبَةِ الْبَائِنِ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا قَوْلُهُ ﷺ (أَمَّا أَبُو الْجَهْمِ فَلَا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ) فِيهِ تَأْوِيلَانِ مَشْهُورَانِ أَحَدُهمَا أَنَّهُ كَثِيرُ الْأَسْفَارِ وَالثَّانِي أَنَّهُ كَثِيرُ الضَّرْبِ لِلنِّسَاءِ وَهَذَا أَصَحُّ بِدَلِيلِ الرِّوَايَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذِهِ أَنَّهُ ضَرَّابٌ لِلنِّسَاءِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ ذِكْرِ الْإِنْسَانِ بِمَا فِيهِ عِنْدَ الْمُشَاوَرَةِ وَطَلَبِ النَّصِيحَةِ وَلَا يَكُونُ هَذَا مِنَ الْغِيبَةِ الْمُحَرَّمَةِ بَلْ مِنَ النَّصِيحَةِ الْوَاجِبَةِ وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ إِنَّ الْغِيبَةَ تُبَاحُ فِي سِتَّةِ مَوَاضِعَ أَحَدُهَا الِاسْتِنْصَاحُ وَذَكَرْتُهَا بِدَلَائِلِهَا فِي كِتَابِ الْأَذْكَارِ ثُمَّ فِي رِيَاضِ الصَّالِحِينَ (وَاعْلَمْ أَنَّ أَبَا الْجَهْمِ) هَذَا بِفَتْحِ الْجِيمِ مُكَبَّرٌ وَهُوَ أَبُو الْجَهْمِ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ الانبجانية وهو غير أبو الْجُهَيْمِ الْمَذْكُورِ فِي التَّيَمُّمِ وَفِي الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي فَإِنَّ ذَاكَ بِضَمِّ الْجِيمِ مُصَغَّرٌ وَقَدْ أَوْضَحْتُهُمَا بِاسْمَيْهِمَا وَنَسَبَيْهِمَا وَوَصْفَيْهِمَا فِي بَابِ التَّيَمُّمِ ثُمَّ فِي بَابِ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي وَذَكَرْنَا أَنَّ أَبَا الْجَهْمِ هَذَا هُوَ بن حُذَيْفَةَ الْقُرَشِيُّ الْعَدَوِيُّ قَالَ الْقَاضِي وَذَكَرَهُ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَلَمْ يَنْسِبُوهُ فِي الرِّوَايَةِ إِلَّا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى الْأَنْدَلُسِيُّ أَحَدُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ فَقَالَ أَبُو جَهْمِ بْنُ هِشَامٍ قَالَ وَهُوَ غَلَطٌ وَلَا يُعْرَفُ فِي الصَّحَابَةِ أَحَدٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو جَهْمِ بْنُ هِشَامٍ قَالَ وَلَمْ يُوَافِقْ يَحْيَى عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ وَلَا غَيْرُهُمْ قَوْلُهُ ﷺ (فَلَا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ
стр. 2210
عَاتِقِهِ) الْعَاتِقُ هُوَ مَا بَيْنَ الْعُنُقِ وَالْمَنْكِبِ وَفِي هَذَا اسْتِعْمَالُ الْمَجَازِ وَجَوَازُ إِطْلَاقِ مِثْلِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ فِي قَوْلِهِ ﷺ لَا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ وَفِي مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ صُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ كَانَ لِمُعَاوِيَةَ ثَوْبٌ يَلْبَسُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْمَالِ الْمُحَقَّرِ وَأَنَّ أَبَا الْجَهْمِ كَانَ يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ فِي حَالِ نَوْمِهِ وَأَكْلِهِ وَغَيْرِهِمَا وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ كَثِيرَ الْحَمْلِ لِلْعَصَا وَكَانَ مُعَاوِيَةُ قَلِيلَ الْمَالِ جِدًّا جَازَ إِطْلَاقُ هَذَا اللَّفْظِ عَلَيْهِمَا مَجَازًا فَفِي هَذَا جَوَازُ اسْتِعْمَالِ مِثْلِهِ فِي نَحْوِ هَذَا وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي آخِرِ كِتَابِ الْأَذْكَارِ قَوْلُهُ ﷺ (وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ) هُوَ بِضَمِّ الصَّادِ وَفِي هَذَا جَوَازُ ذِكْرِهِ بِمَا فِيهِ لِلنَّصِيحَةِ كَمَا سَبَقَ فِي ذِكْرِ أَبِي جَهْمٍ قَوْلُهَا (فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبَا الْجَهْمِ خَطَبَانِي) هَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ مُعَاوِيَةَ الْخَاطِبَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ وَهُوَ الصَّوَابُ وَقِيلَ إِنَّهُ مُعَاوِيَةُ آخَرُ وَهَذَا غَلَطٌ صَرِيحٌ نَبَّهْتُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ فِي تَرْجَمَةِ مُعَاوِيَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ ﷺ (انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَكَرِهْتُهُ ثُمَّ قَالَ انْكِحِي أُسَامَةَ فَنَكَحْتُهُ فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا وَاغْتَبَطْتُ) فَقَوْلُهَا اغْتَبَطْتُ هُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْبَاءِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَاغْتَبَطْتُ بِهِ وَلَمْ تَقَعْ لَفْظَةُ بِهِ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْغِبْطَةُ أَنْ يُتَمَنَّى مِثْلُ حَالِ الْمَغْبُوطِ مِنْ غَيْرِ إِرَادَةِ زَوَالِهَا عَنْهُ وَلَيْسَ هُوَ بِحَسَدٍ أَقُولُ مِنْهُ غَبَطْتُهُ بِمَا نَالَ أَغْبِطُهُ بِكَسْرِ الْبَاءِ غَبْطًا وَغِبْطَةً فَاغْتَبَطَ هُوَ كَمَنَعْتُهُ فَامْتَنَعَ وَحَبَسْتُهُ فَاحْتَبَسَ وَأَمَّا إِشَارَتُهُ ﷺ بِنِكَاحِ أُسَامَةَ فَلِمَا عَلِمَهُ من دينه وفضله وحسن طرائقه وَكَرَمِ شَمَائِلِهِ فَنَصَحَهَا بِذَلِكَ فَكَرِهَتْهُ لِكَوْنِهِ مَوْلًى ولكونه كان أَسْوَدَ جِدًّا فَكَرَّرَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ الْحَثَّ عَلَى زَوَاجِهِ لِمَا عَلِمَ مِنْ مَصْلَحَتِهَا فِي ذَلِكَ وَكَانَ كَذَلِكَ وَلِهَذَا قَالَتْ فَجَعَلَ اللَّهُ لِي فِيهِ خَيْرًا وَاغْتَبَطْتُ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذَا طَاعَةُ اللَّهِ وَطَاعَةُ رَسُولِهِ خَيْرٌ لَكِ قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بن عبد الرحمن القارىء
следующие страницы →