دليل الحنفية على وجوب الغسل ثلاث مرات:
الدليل الأول:
(١٧٣٧ - ٢٦٥) ما رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار، قال: حدثنا إسماعيل بن إسحاق، قال ثنا أبو نعيم: قال ثنا عبد السلام بن حرب، عن عبد الملك، عن عطاء، عن أبي هريرة،
في الإناء يلغ فيه الكلب أو الهر قال: يغسل ثلاث مرات (١).
[متنه منكر؛ لمخالفته المرفوع، ومخالفته ما صح عن أبي هريرة من الغسل سبعا] (٢).
стр. 6022
قال الطحاوي: " لما كان أبو هريرة قد رأى أن الثلاثة يطهر الإناء من ولوغ الكلب فيه وقد روى عن النبي ﷺ ما ذكرنا ثبت بذلك نسخ السبع؛ لأنا نحسن الظن به فلا نتوهم عليه أنه يترك ما سمعه من النبي ﷺ إلا إلى مثله، وإلا سقطت عدالته فلم يقبل قوله ولا روايته ".
والجواب على ذلك من وجوه:
الأول: الصحابي لا يتعمد مخالفة ما روى، ولكن قد يخالفه خطأ، وليس بمعصوم، فقد ينسى ما روى، وقد يظن من عام أنه خاص، أو من مطلق أنه مقيد، أو العكس.
الثاني: ليس عندنا أن فعل أبي هريرة كان متأخراً عن حديث الأمر بغسل الإناء سبعاً حتى يمكن أن نجزم بالنسخ،
الثالث: فعل الصحابي لا ينسخ الحديث المرفوع؛ لأن الوحي معصوم بخلاف فعل الصحابي.
الرابع: قد ثبت عن أبي هريرة أنه قال: يغسل سبع مرات موقوفاً عليه، وهذا أصح إسناداً، فلماذا يأخذ الحنفية برواية الثلاث، ولا يأخذون برواية السبع، مع أنه اجتمع في رواية السبع قوة الإسناد، وقوة المتن، وموافقة الموقوف للمرفوع، فهي أولى من رواية الأخذ بالثلاث.
(١٧٣٨ - ٢٦٦) فقد روى ابن المنذر من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة،
стр. 6023
قال: إذا ولغ الكلب فاغسلوه سبع مرات، أولاهن بالتراب (١).
[إسناده صحيح، بل قال ابن حجر: إسناده من أصح الأسانيد].
قال الحافظ: " ثبت أنه أفتى ـ يعني أبا هريرة ـ بالغسل سبعاً. ورواية من روى عنه موافقة فتياه أرجح ممن روى عنه مخالفتها من حيث الإسناد، ومن حيث النظر. أما النظر فظاهر، وأما الإسناد فالموافقة وردت من رواية حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن سيرين عنه، وهذا من أصح الأسانيد. وأما المخالفة فمن رواية عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء عنه. وهو دون الأولى في القوة بكثير ... الخ (٢).
وأما الدليل على عدم التتريب .
أولاً: أن أكثر الرواة الذين رووا الحديث عن أبي هريرة لم يذكروا التراب، وهم خلق كثير، وانفرد بذكرها ابن سيرين رحمه الله تعالى عن أبي
стр. 6024
هريرة، وقد تجنب البخاري في صحيحه الرواية التي فيها ذكر التراب للاختلاف في ذكرها، فلعله لا يرى صحة هذه اللفظة.
قال البيهقي: لم يروه ثقة غير ابن سيرين عن أبي هريرة، يعني بذكر التراب (١).
ثانياً: الاضطراب في ذكرها، فبعض الروايات تقول: " أولاهن " وبعضها " أخراهن" وبعضها: " إحداهن " وبعضها: السابعة، وبعضها الثامنة،
стр. 6025
فهذا الاضطراب يوجب طرح هذه اللفظة، فيكون اجتمع في هذه اللفظة علتان: التفرد والاضطراب، وهما من علل الحديث.
قال القرطبي: هذه الزيادة مضطربة، ولهذا لم يأخذ بها مالك، ولا أحد من أصحابه (١).
والجواب عن هذا:
أولاً: قد يقال: ابن سيرين إمام في الحفظ، وله عناية في الألفاظ، وكون مثله ينفرد بلفظة فهو دليل على كونها محفوظة، وقد رواها مسلم في صحيحه، وهذا لا يشفي؛ لأن الإمام قد يخطئ وليس بمعصوم.
ثانياً: وقد يقال أيضاً: إن ابن سيرين لم ينفرد بها، فقد تابعه فيها غيره،
فقد رواه الدارقطني (٢) من طريق خالد بن يحيى الهلالي (٣)، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة ويونس عن الحسن، عن أبي هريرة. فقال فيه: الأولى بالتراب (٤).
стр. 6026
كما أخرجه النسائي من طريق معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن خلاس، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، وفيه ذكر التراب (١).
إلا أن هذا الطريق في النفس منه شيء،
أولاً: انفرد به معاذ بن هشام، وهو صدوق ربما وهم، ولم يتابع في هذا الإسناد، ولذلك قال البيهقي في سننه: هذا حديث غريب إن حفظه معاذ بن هشام، عن أبيه فهو حسن؛ لأن التراب في هذا الحديث لم يروه ثقة غير ابن سيرين، عن أبي هريرة، وإنما رواه غير هشام عن قتادة، عن ابن سيرين كما تقدم. اهـ
ثانياً: أن سعيد بن أبي عروبة وأبان بن يزيد وسعيد بن بشير والحكم بن عبد الملك رووا الحديث عن قتادة، فقالوا: عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، وخالفوا معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة (٢)، فرجعت رواية قتادة والله أعلم إلى رواية ابن سيرين (٣)، خاصة أن الراوي عن ابن أبي عروبة عبدة بن
стр. 6027
سليمان، وهو من أصحاب سعيد القدماء، وكذلك أبان بن يزيد، وقد أشار البيهقي إلى هذا فيما نقلناه عنه قبل قليل.
كما أن هناك شاهداً آخر على إضافة التراب إلى الماء من حديث عبد الله ابن مغفل،
(١٧٣٩ - ٢٦٧) فقد روى مسلم، من طريق شعبة، عن أبي التياح، سمع مطرف بن عبد الله يحدث،
عن ابن المغفل قال: أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، ثم قال: ما بالهم وبال الكلاب؟ ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم، وقال: إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات وعفروه الثامنة في التراب (١).
وأما الجواب عن دعوى الاضطراب، في قوله: " إحداهن أو أولاهن أو أخراهن أو السابعة أو الثامنة أو بالشك الخ
فالجواب ما ذكره العراقي حيث يقول:
" الحديث المضطرب إنما تتساقط الروايات إذا تساوت وجوه الاضطراب، أما إذا ترجح بعض الوجوه فالحكم للرواية الراجحة، فلا يقدح فيها رواية من خالفها، كما هو معروف في علوم الحديث.
стр. 6028
وإذا تقرر ذلك فلا شك أن رواية أولاهن أرجح من سائر الروايات؛ فإنه رواها عن محمد بن سيرين ثلاثة:
الأول: هشام بن حسان، قلت: وهو من أثبت أصحاب محمد.
الثاني: حبيب بن الشهيد.
الثالث: أيوب السختياني.
وأخرجها مسلم في صحيحه من رواية هشام، فتترجح بأمرين:
١ - كثرة الرواة
٢ - تخريج أحد الشيخين لها، وهما من وجوه الترجيح عند التعارض.
وأما رواية أخراهن بالخاء المعجمة, والراء فلا توجد منفردة مسندة في شيء من كتب الحديث، إلا أن ابن عبد البر ذكر في التمهيد أنه رواها خلاس عن أبي هريرة (١)، كما سيأتي في الوجه الذي يليه إلا أنها رويت مضمومة مع أولاهن كما سيأتي.
وأما رواية السابعة بالتراب فهي وإن كانت بمعناها, فإنه تفرد بها عن محمد بن سيرين قتادة، وانفرد بها أبو داود, وقد اختلف فيها على قتادة فقال إبان عنه هكذا, وهي رواية أبي داود.
وقال سعيد بن بشير عن قتادة الأولى بالتراب فوافق الجماعة، رواه كذلك الدارقطني في سننه, والبيهقي من طريقه, وهذا يقتضي ترجيح رواية أولاهن لموافقته للجماعة.
стр. 6029
وأما رواية إحداهن بالحاء المهملة, والدال فليست في شيء من الكتب الستة, وإنما رواها البزار كما تقدم.
وأما رواية أولاهن أو أخراهن فقد رواها الشافعي , والبيهقي من طريقه بإسناد صحيح, وفيه بحث أذكره, وهو أن قوله: أولاهن أو أخراهن لا تخلو إما أن تكون مجموعة من كلام الشارع، أو هو شك من بعض رواة الحديث؟
فإن كانت مجموعة من كلام النبي ﷺ فهو دال على التخيير بينهما، ويترجح حينئذ ما نص عليه الشافعي ﵀ من التقييد بهما؛ وذلك لأن من جمع بينهما معه زيادة علم على من اقتصر على الأولى أو السابعة; لأن كلا منهم حفظ مرة فاقتصر عليها، وحفظ هذا الجمع بين الأولى, والأخرى فكان أولى.
وإن كان ذلك شكاً من بعض الرواة فالتعارض قائم، ويرجع إلى الترجيح، فترجح الأولى كما تقدم، ومما يدل على أن ذلك شك من بعض الرواة لا من كلام الشارع: قول الترمذي في روايته " أولاهن "، أو قال: " أخراهن بالتراب" فهذا يدل على أن بعض الرواة شك فيه، فيترجح حينئذ تعيين الأولى، ولها شاهد أيضا من رواية خلاس عن أبي رافع عن أبي هريرة كما سيأتي في الوجه الذي يليه. وإذا كان ذكر الأولى أرجح ففيه حجة لما ذكر أصحابنا من كون التتريب في المرة الأولى أولى، وذكروا له معنى آخر, وهو أنه إذا قدم التتريب في الأولى فتناثر من بعض الغسلات رشاش إلى غير الموضع المتلوث بالنجاسة الكلبية لم يجب تتريبه، بخلاف ما إذا أخر، فكان هذا أرفق، لكن حمله على الأولوية متقاصر عما
стр. 6030
دلت عليه الرواية الصحيحة، فينبغي حمله على تعيين المرة الأولى والله أعلم" (١). اهـ كلام العراقي رحمه الله تعالى.
وقال الصنعاني: رواية أولاهن أرجح لكثرة رواتها، وبإخراج الشيخين لها، وذلك من وجوه الترجيح عند التعارض " (٢).
وهذا وهم منه رحمه الله تعالى، فإن البخاري تجنب ذكر التراب في صحيحه، كما أشرت إليه سابقاً.
ومال النووي إلى صحة كل الألفاظ، فقد قال ﵀: قد روى البيهقي وغيره هذه الروايات كلها، وفيه دليل على أن التقيد بالأولى وغيرها ليس للاشتراط، بل المراد: إحداهن، وهو القدر المتيقن من كل الروايات ".
وأما قوله في حديث عبد الله بن مغفل " وعفروه الثامنة بالتراب " وفي حديث أبي هريرة " سبعاً إحداهن بالتراب " فاختلف العلماء في الجواب عن هذا الاختلاف،
فقيل: إن رواية أبي هريرة أولى، فتقدم على رواية عبد الله بن مغفل، قال البيهقي في المعرفة: " وإذا صرنا إلى الترجيح بزيادة الحفظ، فقد قال الشافعي ﵀: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره " (٣).
وسبب آخر في ترجيح رواية أبي هريرة على رواية عبد الله بن مغفل، بكون الإجماع على خلاف رواية ابن مغفل، فإن الأقوال: ليست
стр. 6031
إلا الغسل ثلاثاً أو سبعاً، ولم يقل أحد بغسل الإناء ثمان مرات.
وأجاب الحافظ عن هذا بقوله:
قال ابن دقيق العيد: وفي هذا القول نظر؛ لأنه ثبت القول بذلك عن الحسن البصري، وبه قال أحمد بن حنبل في رواية حرب الكرماني عنه (١)،
وقيل: إن رواية ابن مغفل أولى؛ لأنه زاد الغسلة الثامنة، والزيادة مقبولة، خصوصاً من مثله، ومن أخذ بحديث عبد الله بن مغفل فقد عمل بحديث أبي هريرة، وليس العكس (٢).
وهناك من يقول: لو أخذنا بالترجيح أصلاً لم نأخذ بالقول بالتراب لأن الرواة الذين رووا الحديث عن أبي هريرة بدون ذكر التراب أكثر عدداً ممن ذكرها، وبعضهم من أخص أصحاب أبي هريرة كالأعرج وأبي صالح السمان وغيرهما.
وهناك من جمع بين الروايتين، فقال: " لما كان التراب جنساً غير الماء، جعل اجتماعهما في المرة الواحدة معدوداً اثنتين.
وتعقبه ابن دقيق العيد بأن قوله: وعفروه الثامنة بالتراب ظاهر في كونها غسلة مستقلة، لكن لو وقع التعفير في أوله قبل ورود الغسلات السبع كانت الغسلات ثمانية، ويكون إطلاق الغسلة على التتريب مجازاً، وهذا الجمع من مرجحات تعين التراب في الأولى " (٣).
ومما يرجح كون التراب في الأولى أن الغسل بالتراب لو جعل في
стр. 6032
الثامنة لاحتاج إلى غسله بالماء بعد ذلك؛ لإزالة التراب، أما على القول بغسل الأولى بالتراب فإن الماء في الغسلات التالية يزيل أثر التراب، ويكون في هذا أدعى لنظافة الإناء، والله أعلم.
دليل من قال: يستحب غسله سبعاً، ولا يجب:
يرى المالكية أن الأمر بغسل الإناء ليس بسبب نجاسة الكلب، فهم يرون أن عينه طاهرة، وهذا ما حملهم على القول باستحباب الغسل سبعاً، لأن الغسل لو كانت العلة فيه النجاسة، لكان المطلوب الإنقاء، وقد يحصل في مرة واحدة.
ولم يوجب المالكية إراقة الماء، لأن الماء عندهم لا ينجس إلا بالتغير، ولم يتغير الماء بسبب ولوغ الكلب، فلماذا يراق عندهم وهم يرون أنه ماء باق على خلقته، وقد سبق ذكر أدلتهم على طهارة الكلب في مسألة مستقلة، والجواب عنها، فالراجح أن الكلب عينه نجسة.
وأما قولهم إن الماء لا ينجس إلا بالتغير، فهذا هو الراجح من أقوال أهل العلم، لكن لا يعني أننا إذا حكمنا بنجاسة الماء إذا ولغ فيه الكلب أَنْ نقول بنجاسة كل ماء قليل حلت فيه نجاسة، ولو لم يتغير؛ لأن الكلاب خصت ببعض الأحكام من دون سائر النجاسات، فمنها الأمر بغسلها سبعاً، مع أن دم الحيض مع الإجماع على نجاسته لم نؤمر بغسله سبعاً، كما في حديث أسماء المتفق عليه، ومنها الأمر بالتتريب، وبالتالي لا يمكن أن يقاس الأخف على الأغلظ.
على أنه قد يقال: لا نسلم عدم تغير الماء من لعاب الكلب؛ لأن لعاب الكلب له لزوجة قد لا تتحلل في الماء، فتظهر على شيء منه، فيكون هذا
стр. 6033
نوعاً من تغير الماء عن طبيعته بالنجاسة فينجس، والله أعلم.
دليل من قال بوجوب الغسل سبعاً مع التتريب:
(١٧٤٠ - ٢٦٨) ما رواه مسلم من طريق ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات، أولاهن بالتراب (١).
فقوله ﷺ : " طهور إناء أحدكم" جعل طهارة الإناء متوقفة على الغسل سبع مرات أولاهن بالتراب، ومن نقص من هذا العدد فلم يحصل للإناء الطهور، ومعنى هذا أنه نجس، والطهارة: هي الطهارة الشرعية: لأننا لا نرجع إلى الحقيقة اللغوية إلا إذا امتنع حمل اللفظ على الحقيقة الشرعية، ولم يمنع من ذلك مانع.
وكون الطهارة تتوقف على هذا الفعل دليل أن الأمر ليس تعبدياً، كما قال ذلك المالكية، إذ لو كان تعبدياً لما كان هذا الفعل طهارة للإناء، لأن الطهارة لا تكون إلا من حدث أو نجاسة، والإناء ليس محلاً لطهارة الحدث، فلم يبق إلا طهارة الخبث.
وهذا القول هو الراجح من أقوال أهل العلم، والله أعلم.
стр. 6034
الفرع الثاني
في وضع الصابون والأشنان بدلاً من التراب
اختلف العلماء القائلون بإضافة التراب إلى الماء في تطهير نجاسة الكلب هل يقوم الأشنان والصابون مقام التراب؟.
فقيل: لابد من التراب، ولا يقوم غيره مقامه، وهو مذهب الشافعية (١).
وقيل: يقوم الأشنان والصابون وغيرهما من المنظفات مقام التراب، وهو مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: إذا فقد التراب أو كان التراب يفسد المحل كما لو كانت نجاسة الكلب في الثياب ونحوها أجزأ الصابون ونحوه، وإلا فلا، وهو وجه في مذهب الشافعية (٣).
دليل من قال: لا بد من التراب ولا يقوم غيره مقامه:
الدليل الأول:
أن النص إنما ورد في التراب، ولو كان غير التراب يقوم مقامه لذكره الشارع.
وقد يناقش هذا بأن أكثر المنظفات الموجودة اليوم لم تكن موجودة في عهد النبي ﷺ والتي قد يكون فيها من قوة إزالة النجاسة وما شابهها أكثر مما يوجد في التراب.
стр. 6035
الدليل الثاني:
القياس على التيمم، فكما أن التيمم لا يكون إلا بالأرض، فكذلك هنا، فالتراب والماء بينهما علاقة في باب الطهارة، فالتراب يرفع الحدث ويزيل الخبث، والماء يرفع الحدث ويزيل الخبث، ولا يرفع الحدث مائع آخر مهما كانت قوته في التطهير.
قال ابن القيم: وأما جمعها بين الماء والتراب في التطهير فلله ما أحسنه من جمع وألطفه وألصقه بالعقول السليمة والفطر المستقيمة، وقد عقد الله الإخاء بين الماء والتراب قدراً وشرعاً، فجمعهما الله حيث خلق منهما آدم وذريته، وجعل منهما حياة كل حيوان، وأخرج منهما أقوات الدواب والناس والأنعام، وكانا أعم الأشياء وجوداً، وأسهلهما تناولاً ... إلخ كلامه رحمه الله تعالى (١).
دليل من قال: يجزئ عن التراب غيره:
الدليل الأول:
قالوا: إن الصابون والأشنان ونحوهما أقوى من التراب في الإزالة، ولما نص على التراب كان هذا تنبيهاً على أن غيره يقوم مقامه مما هو مثله أو أقوى منه.
الدليل الثاني:
قالوا: إذا كان يجوز الاستجمار بكل جامد مزيل، مع أن النص إنما ورد في الحجارة، فكذلك هنا.
стр. 6036
دليل من قال: يجزئ عند فقد التراب:
قالوا: قواعد الشريعة تدل على أن الواجبات كلها إنما تجب مع القدرة عليها، وعدم الضرر من استعمالها، فإذا عجز عن التراب أو خشي الضرر من استعماله لم يجب، والنص ورد في التراب، إشارة إلى أن الماء وحده لا يكفي في إزالة النجاسة، فإذا فقد التراب قام غيره مقامه، وكونه يغسل بالماء والصابون خيراً من كونه يغسل بالماء وحده.
وهذا القول وسط بين القولين السابقين، وهو أقواها عندي، والله أعلم.
стр. 6037
الفرع الثالث
في تعفير الإناء بتراب نجس
اختلف القائلون باشتراط التراب في تطهير الإناء من ولوغ الكلب، هل يشترط أن يكون التراب طاهراً؟.
فقيل: يشترط ذلك، وهو أصح الوجهين عند الشافعية (١)، ومذهب الحنابلة (٢).
وقيل: يجزئ التراب النجس، وهو وجه في مذهب الشافعية (٣).
دليل القائلين باشتراط الطهارة:
قالوا: إن التراب النجس لا يمكن أن يكون سبباً في طهارة المحل، فما كان نجساً في نفسه لا يمكن أن يطهر غيره.
الدليل الثاني:
إذا كان يشترط في التيمم طهارة التراب، فكذلك في طهارة الخبث، لأن طهارة الخبث إحدى الطهارتين.
الدليل الثالث:
إذا نهي عن الاستجمار بالنجس، وهو إزالة للنجاسة عن البدن، فكذلك إزالة النجاسة عن الآنية والثياب ونحوها.
стр. 6038
و الدليل على أنه لا يستجمر إلا بطاهر:
(١٧٤١ - ٢٦٩) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا زهير، عن أبي إسحاق قال: ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن ابن الأسود، عن أبيه
أنه سمع عبد الله يقول: أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة، فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هذا ركس (١).
وجه الاستدلال:
قوله: هذا ركس. فإن معنى الركس في اللغة يحتمل أمرين:
الأول: الركس بمعنى: الرجيع.
والثاني: الركس بمعنى: النجس. فعلل النبي ﷺ تركه بأنه رجس.
وقد قال بعضهم: ليس في الحديث دليل على اشتراط الطهارة، وإنما فيه ترك الاستنجاء بالروث، ولا يلزم من ذلك النجاسة، كما لم يلزم من تركه الاستنجاء بالعظم والمحترمات.
فأجاب النووي بقوله: إن الاعتماد في الاستدلال على قوله ﷺ : إنها ركس" وليس على مجرد تركه الاستنجاء بها، قال: ولا يجوز أن يحمل على أنه مجرد إخبار بأنها رجيع، فإن ذلك إخبار بالمعلوم، فيؤدي الحمل عليه إلى خلو الكلام عن فائدة، فوجب حمل الكلام على ما ذكرناه من تفسير الركس بمعنى: النجس (٢).
стр. 6039
دليل من قال: لا يشترط طهارة التراب:
الدليل الأول:
قالوا: ليس في الحديث اشتراط طهارة التراب، وإنما الحديث فيه " التعفير بالتراب " وهذا متحقق مع التراب النجس.
الدليل الثاني:
على فرض أن يكون التراب نجساً، فإنه سوف يتبع بالماء الطهور، وهذا كاف في تطهيره.
الدليل الثالث:
قالوا من النظر: النجاسة عين خبيثة متى زالت زال حكمها، وقولكم: إن النجس لا يطهر، هل تقصدون لا يطهر حقيقة أو لا يطهر حكماً؟
فإن قلتم: لا يطهر حقيقة، فإن الحجر الذي وقع عليه بول فإنه يمكن أن يستجمر به، ويقطع النجاسة.
وإن قلتم: إنه لا يطهر حكماً فلا يوجد دليل على اشتراط طهارة التراب.
فالراجح أن التراب النجس ممكن أن يطهر المحل إذا أتبع بالماء، ولم يكن التراب هو الغسلة الأخيرة، وهذه المسألة راجعة إلى مسألة أخرى وهي جواز الانتفاع بالشيء النجس على وجه لا يتعدى، والله أعلم.
стр. 6040
الفرع الرابع
في كيفية الطهارة من بول الكلب ورجيعه
لو بال الكلب في الإناء، فهل يجب أن يغسل سبع مرات مع التراب، أو أن هذا مقصور على الولوغ فقط؟
اختلف العلماء في هذا.
فقيل: يجب التسبيع مع التراب في نجاسة الكلب مطلقاً، سواء كانت من بوله أو عَرَقِه أو ريقه أو غيرها، وهذا هو أصح الوجهين في مذهب الشافعية (١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: التسبيع خاص بالولوغ فقط، وهو وجه في مذهب الشافعية (٣).
وأما مذهب الحنفية والمالكية فهم لا يقولون بالتتريب أصلاً، لا في الولوغ ولا في غيره.
دليل من قال: يجب التسبيع من نجاسة الكلب مطلقاً:
قالوا: إذا كان ريق الكلب نجساً، ويغسل منه الإناء سبعاً، فما بالك ببوله الذي هو أخبث وأنتن من ريقه؟
دليل من قال: التسبيع خاص بالولوغ:
الأصل في النجاسات أن تغسل حتى تذهب عين النجاسة، لا فرق في
стр. 6041
ذلك بين الدم والبول والسؤر النجس وغيرها من النجاسات، وسواء كانت هذه النجاسة من الإنسان أوالحيوان، وورد في النص النبوي وجوب التسبيع والتتريب من ولوغ الكلب خاصة، وما كان ربك نسياً، والرسول ﷺ قد أعطي جوامع الكلم، فلما خص الولوغ بهذه الأحكام دون سائر النجاسات، دل على اختصاصه بذلك، وأما بوله وروثه فحكمه حكم سائر النجاسات من بول الآدمي وغائطه وحكم دم الحيض وغيره من النجاسات، وهو الغسل حتى تذهب عين النجاسة، ومن قال بوجوب غسلها سبعاً مع التراب فعليه الدليل، وقد يكون في الريق معنى لا يوجد في البول والدم وغيرهما، والله أعلم بما خلق، فقد يوجد في ريق الكلب نوع من الجراثيم لا يطهره إلا التراب، كما أخبر الرسول ﷺ أن في أحد جناحي الذباب داء، وفي الآخر شفاء، مع تماثل الجناحين خِلْقَة، ومع ذلك لم يتماثلا حكماً، وكون ريق الكلب نجساً، وبوله نجساً لا يعني تماثلهما في طريقة التطهير، وانظر إلى بول الصبي وبول الجارية، فمع نجاستهما لم يتحدا في التطهير، فإذا فارقت نجاسة من النجاسات غيرها في طريقة التطهير قصرنا الحكم عليها حتى يوجد دليل صريح على تعدية الحكم إلى غيرها، ولا دليل على تعدية الحكم إلى بول الكلب وروثه وعرقه إلا القياس على ريقه، والقياس في مثل هذا ضعيف.
وهذا القول هو الراجح لقوة دليله، والله أعلم.
стр. 6042
الفرع الخامس
هل تقوم الغسلة الثامنة مقام التراب
اختلف العلماء فيما إذا اقتصر على الماء، وغسله ثماني مرات، فهل تكفي الغسلة الثامنة عن التراب.
فقيل: لا يطهر، وهو الوجه الأصح في مذهب الشافعية (١)، ومذهب الحنابلة (٢).
وقيل: يطهر مطلقاً، وهو وجه في مذهب الشافعية (٣).
وقيل: يطهر عند عدم التراب دون وجوده، وهو وجه ثالث في مذهب الشافعية (٤).
دليل من قال: تنوب الغسلة الثامنة عن التراب:
قال: إن الماء أقوى من التراب في التطهير، فإذا استبدل القوي بالأقوى قام مقامه في التطهير.
دليل من قال: لا بد من التراب:
إن التراب ليس غسلة مستقلة حتى يقال: إن الماء أقوى من التراب، وإنما المقارنة بين غسله بالماء وحده، أو بالماء مع التراب، ولا شك أن الجمع بين التراب والماء في الإزالة أقوى من الماء وحده، ولهذا المعنى قصد الشارع من
стр. 6043
الجمع بينهما حصول الطهارة المستيقنة.
قال ابن قدامة: " فأما الغسلة الثامنة فالصحيح أنها لا تقوم مقام التراب؛ لأنه إن كان القصد به تقوية الماء في الإزالة، فلا يحصل ذلك بالثامنة؛ لأن الجمع بينهما أبلغ في الإزالة، وإن وجب تعبداً امتنع إبداله والقياس عليه" (١).
وقال العراقي: " وأما من قال من أصحابنا يكفي؛ لأن الماء أبلغ في التطهير من التراب فمردود؛ لأنه لا يجوز أن يستنبط من النص معنى يعود عليه بالإبطال " (٢).
دليل من قال: يكفي إذا فقد التراب:
أن الواجب هو التراب، فإذا تعذر فإما أن نقول: إنه يسقط التراب إلى غير بدل، أو يسقط إلى بدل وهو الغسلة الثامنة، ولو كانت الغسلة السابعة كافية في التطهير لما أوجب التراب، فالإناء بعد غسله سبع مرات ما زال نجساً، يحتاج إلى التراب، وقد تعذر التراب فأقمنا الغسلة الثامنة مقامه، والله أعلم.
الراجح والله أعلم، أن الغسلة الثامنة لا تقوم مقام التراب، ولو غسل الإناء مائة مرة، لأن الماء قد عمل عمله بغسله سبع غسلات، ولا معنى لتكرار غسله بالماء، وقد امتثل المطلوب، فالمعنى الذي في التراب ليس موجوداً في الماء مهما كان تكراره، وليس الهدف فقط هو النظافة، بل الهدف هو تطهير من نوع خاص.
стр. 6044
فالبول إذا غسلته مرة واحدة ذهبت بالنجاسة، فغسله مرة ثانية لا معنى لذلك، فالمحل قد طهر، وإذا كررت الغسل كان ذلك لمعنى لا يرجع إلى النجاسة، فإنها قد ذهبت، وإنما مبالغة في النظافة، وهو غير ذهاب النجاسة، فكذلك إذا غسلته سبع مرات، فلا معنى لوجود غسلة ثامنة أو عاشرة أو غيرهما؛ لأن الماء قد نظف المحل فيما يختص بالماء، وبقي معنى لا يذهب إلا بالتراب، وكأن التراب بمثابة التعقيم والوقاية من أمراض قد تكون موجودة في الإناء لا يذهب بها الماء، وإنما تحتاج إلى التراب لقطعها، وبالتالي إذا لم يوجد التراب فلا داعي لتكرار الماء، وإنما الانتظار حتى يتوفر التراب وإن اضطر إلى استعمال الإناء فلا حرج فيه لسقوط التراب لتعذره، وذلك لأن الواجبات إنما تجب بشرط القدرة، ولم يقدر على التراب فسقط، نعم لو كان هناك ما يقوم مقام التراب من صابون ونحوه ربما كان وجوده يضيف إلى الإناء شيئاً ليس موجوداً في الماء بخلاف تكرار الماء، والله أعلم.
стр. 6045
الفرع السادس
في صفة التطهير بالتراب
اختلف العلماء في التراب هل يكفي ذره على الإناء أو لا بد من مزجه بمائع يوصله إليه،
فقيل: لا يكفي ذره، بل لا بد من مزجه بمائع يوصله إلى جميع أجزائه، وهو الأصح في مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢).
وقيل: يكفي ذره، وهو وجه في مذهب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
دليل من قال: لا يكفي ذر التراب:
استدل بقوله ﷺ في الحديث " أولاهن بالتراب " فالباء للمصاحبة أو للإلصاق، أي مصحوباً بالتراب، فكونه جعل التراب داخلاً في مسمى الغسلات، فذر التراب وحده لا يسمى غسلاً.
قال ابن دقيق العيد: " قوله ﷺ " فاغسلوه سبعاً أولاهن أو أخراهن بالتراب " قد يدل لما قاله بعض أصحاب الشافعي: أنه لا يكتفى بذر التراب على المحل، بل لا بد أن يجعله في الماء ويوصله إلى المحل ".
стр. 6046
دليل من قال: يكفي ذر التراب:
استدل بحديث عبد الله بن مغفل " وعفروه الثامنة بالتراب " دليل على أنه يكفي التعفير بالتراب دون أن يكون مصحوباً بالماء، حيث جعل التراب مستقلاً عن الماء.
والأمر في هذا واسع، فإن غسل الإناء بالتراب وحده فليدلك الإناء بالتراب حتى يكون أقوى في التطهير، وإن خلطه بالماء أجزأ كذلك، والله أعلم.
стр. 6047
المبحث الثاني
في كيفية التطهير من نجاسة الخنزير
سبق لنا خلاف العلماء في الخنزير هل هو طاهر أم نجس؟ وتبين فيما مضى أن الجمهور ذهب إلى نجاسة الخنزير (١).
وقيل: إن عينه طاهر، بناء على أن كل حيوان حي فهو طاهر، وهو المعتمد في مذهب المالكية (٢)، ورجحه الشوكاني (٣).
وقد سبق ذكر أدلة كل قول، ورجحت نجاسة عينه.
واختلف القائلون بنجاسته، في كيفية تطهير هذه النجاسة.
فقيل: لا فرق بين نجاسة الخنزير وبين غيره من سائر النجاسات، وهو مذهب الحنفية (٤)، والقديم في مذهب الشافعي (٥)، وقول في مذهب الحنابلة (٦).
стр. 6048
وقيل: يلحق الخنزير بالكلب في وجوب التسبيع والتتريب، وهو الجديد في مذهب الشافعية (١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢).
دليل من قال: يلحق الخنزير بالكلب:
استدل بأن النص ورد في الكلب، والخنزير شر منه، لنص الشارع على تحريمه، وتحريم اقتنائه، بل إن الكلب مأذون في اتخاذ بعض أفراده ككلب الصيد والماشية والزرع بخلاف الخنزير فإنه منهي عن اتخاذه مطلقاً، وإنما السنة لم تنص على الخنزير؛ لأنهم لم يكونوا يعتادونه.
دليل من قال: لا فرق بين نجاسة الخنزير وبين غيره من النجاسات:
الدليل الأول:
الواجب في غسل نجاسة الخنزير غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة، ولا يوجد نص من الشارع يوجب التسبيع والتتريب في نجاسة الخنزير، والأصل عدم الوجوب.
الدليل الثاني:
القول بأن الخنزير لم يكن معتاداً عندهم، ولذلك لم ينص على كيفية التطهير منه ليس كافياً لصحة القياس على الكلب، فإن الشريعة عامة، وبيانها للناس كافة، وكيف لا يكون معروفاً عندهم، والخنزير مذكور في كتاب الله ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ
стр. 6049
دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ (١).
الدليل الثالث:
القياس في كيفية التطهير ليس بصحيح، خاصة إذا كان الأصل المقيس عليه قد فارق سائر النجاسات، وخص بأحكام لم يماثله غيره فيها، من وجوب العدد، وإضافة التراب، فهذه الأمور لا تدرك الحكمة منها، فيكون القياس فاسداً، والله أعلم.
وهذا القول هو الراجح؛ لقوة أدلته وسلامتها من الاعتراض.